أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى

صفحات 338-377

اعلم: أن المحبة لله تعالى هي الغاية القصوى من المقامات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق، والأنس، والرضى، ولا قبل المحبة، مقام إلا وهو من مقدماتها، كالتوبة، والصبر، والزهد وغيرها.

واعلم: أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله فرض، ومن شواهد المحبة قوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] وهذا دليل على إثبات الحب لله، وإثبات التفاوت فيه.

وفى الحديث الصحيح: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة فقال: "ما أعددت لها؟ " قال: يا رسول الله: ما أعددت لها من كثرة صلاة ولا صيام، إلا أنى أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت"، فما فرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بها.

وروى أن ملك الموت جاء إلى الخليل عليه السلام ليقبض روحه، فقال له: هل رأيت خليلا يميت خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟ فقال: يا ملك الموت اقبض.

وقال الحسن البصري رحمه الله: من عرف ربه أحبه، ومن أحب غير الله تعالى، لا من حيث نسبته إلى الله، فذلك لجهله وقصوره عن معرفته، فأما حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك لا يكون إلا عن حب الله تعالى، وكذلك حب العلماء والأتقياء، لأن محبوب المحبوب محبوب، بل إن ما يفعل المحبوب محبوب، ورسول الله المحبوب محبوب، وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل، ولا محبوب في الحقيقة عند ذوى البصائر إلا الله تعالى، ولا مستحق للمحبة سواه.

وإيضاح ذلك يرجع إلى أسباب:

أحدها: أن الإنسان يحب نفسه، وبقاءه، وكماله، ودوام وجوده، ويكره ضد ذلك من الهلاك والعدم والنقصان، وهذا جبلة كل حي لا يتصور أن ينفك عنها.
وهذا

يقتضي غاية المحبة لله عز وجل، فإن الإنسان إذا عرف ربه، عرف قطعا أن وجوده ودوامه وكماله من الله، وأنه المخترع له، الموجد لذاته بعد أن كان عدما محضا لولا فضل الله عليه بإيجاده، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل ولذلك قال الحسن البصري: من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا، زهد فيها.

وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه، ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه.

السبب الثاني: أن الإنسان بالطبع يحب من أحسن إليه ولاطفه وواسه، وانتدب لنصرته وقمع أعدائه، وأعانه على جميع أغراضه، فإنه محبوب عنده لا محالة.

وإذا عرف الإنسان حق المعرفة علم أن المحسن إليه هو الله سبحانه وتعالى فقط.
وأنواع إحسانه لا يحيط به حصر، كما قال تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨].

وقد أشرنا إلى طرف من ذلك في كتاب الشكر، ولكنا نبين أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز، وأن، المحسن في الحقيقة هو الله تعالى.

بيان ذلك أنا نفرض أن شخصا أنعم عليك بجميع خزائنه وما يملك، ومكنك فيها لتتصرف كيف شئت، فإنك تظن أن هذا الإحسان منه، وهو غلط، فإنه إنما تم إحسانه بماله، وبقدرته على المال، وبداعيته الباعثة له على صرف المال.
فمن الذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق إرادته وداعيته؟ ومن الذي حببك إليه، وصرف وجهه إليك وألقى في نفسه أن صلاح دينه ودنياه في الإحسان إليك، ولولا ذلك ما أعطاك، فكأنه صار مقهورا في التسليم لا يستطيع مخالفته.
فالمحسن هو الذي اضطره وسخره لك، فهو جار مجرى خازن أمير أمره أن يسلم إلى الإنسان خلعة خلعها عليه الأمير، فإن الخازن لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير، لأنه مضطر إلى طاعته، ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك.
وكذلك كل محسن لو خلاه الله ونفسه، لم يبذل حبه من ماله حتى يسلط الله عليه الدواعي، ويلقى في نفسه أن حظه في بذل ذلك فيبذله.
فينبغي للعارف أن لا يحب إلا الله، إذا الإحسان من غيره محال.

السبب الثالث: أن المحسن في نفسه وإن لم يصل إليك إحسانه محبوب في الطباع، فإنه إذا بلغك عن ملك من الملوك أنه عالم عادل عابد رفيق بالناس، متلطف بهم وهو في

قطر بعيد، فإنك تحبه، وتجد في نفسك ميلا كثيرا إليه.
فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن، فضلا عن أن يكون محسنا إليك.
وهذا ما يقتضي حب الله تعالى، بل يقتضي أن لا يحب غيره، إلا بحيث أن يتعلق منه بسبب، فإنه سبحانه هو المحسن إلى الكل كافة، بإيجادهم وتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم وترفيههم، إلى غير ذلك من النعم التي لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨].
فكيف يكون غيره محسنا؟ وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته، فمن عرف هذا لم يحب إلا الله تعالى.

وكذلك نقول: كل من كان متصفا بالعلم، أو بالقدرة أو كان متنزها عن الصفات الرذيلة، فإن ذلك يوجب له المحبة.
فصفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعا، ترجع إلى علمهم بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه، إلى قدرتهم على إصلاح نفوسهم والى تنزيههم عن الرذائل والخبائث ولمثل هذه الصفات تحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإذا نسبت هذه الصفات إلى صفات الله تعالى، وجدتها مضمحلة بالنسبة إلى صفاته سبحانه وتعالى.

أما العلم، فإن علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل، حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
وقد خاطب الخلق كلهم فقال: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥].

ولو أجتمع أهل السموات والأرض، على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة، لم يطلعوا على عشر عشر ذلك، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، والقدر اليسير الذي علمه الخلق كلهم، بتعليمه، علموه.
ففضل علم الله سبحانه على علم الخلائق كلهم خارج عن النهاية، إذ معلوماته لا نهاية لها.

وأما صفة القدرة، فهي أيضا صفة كمال، فإذا نسبت قدرة الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى، وجدت أعظم الأشخاص قوة، وأوسعهم ملكا، وأقواهم بطشا، وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره، غاية قدرته أن يقدر على بعض صفات نفسه، وعلى بعض امتحان الإنس في بعض الأمور، وهو مع ذلك لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى، ولا على حفظ لسانه من الخرس، ولا آذانه من الصمم، ولا بدنه من المرض، ولا يقدر

على ذرة من ذرات المخلوقات.
وما هو قادر عليه من نفسه وغيره، فليست قدرته من نفسه، بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك.
ولو سلط بعوضة على أعظم ملك وأقوى شخص لأهلكته، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه.

قال الله تعالى في حق أعظم ملوك الأرض ذي القرنين: ﴿إنا مكنا له في الأرض﴾ [الكهف: ٨٤] فلم يكن جميع ملكه وسلطانه إلا بتمكين الله تعالى، فنواصي الخلق جميعهم في قبضته وقدرته، إن أهلكهم لم ينقص من ملكه وسلطانه ذرة، وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعبأ بخلقه، فلا قادر إلا هو، فله الكمال والعظمة والبهاء والكبرياء والقهر والاستيلاء.
فإن تصور أن تحب قادرا لكمال قدرته وعظمته وعلمه، فلا يستحق ذلك سواه، ولا يتصور كمال التقديس والتنزيه إلا له سبحانه، فهو الواحد الذي لا ند له، الفرد الذي لا ضد له، الصمد الذي لا منازع له، الغنى الذي لا حاجة له، القادر الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وكمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته، وهو المستحق لكمال المحبة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا.

١ - فصل في بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن يؤثر على ذلك لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة

اعلم: أن اللذات تابعة للإدراكات، والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز، ولكل قوة غريزة لذة، ولم تخلق هذه الغرائز عبثا، بل لأمر من الأمور، وهو مقتضاها بالطبع، فغريزة شهور الطعام خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام، ولذة البصر والسمع في الإبصار والإسماع.

وكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي، وقد تسمى العقل، وتسمى البصيرة الباطنة، وتسمى نور الإيمان واليقين، وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها بطبعها، فمقتضى طبعها العلم والمعرفة، وذاك لذتها.

وليس يخفى أن العلم والمعرفة، ولو في شئ خسيس يفرح به، وأن من ينسب إلى الجهل ولو في شئ خسيس يغتم به.
وكل ذلك لفرط لذة العلم، وما يستشعره من كمال ذاته.
فان العلم من أحسن الصفات ومنتهى الكمال، ولذلك يرتاح الإنسان بطبعه إذا أثنى عليه بالذكاء، وغزارة العلم، ثم ليس لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق، ولا لذة العلم بالشعر والنحو، كلذة العلم بالله تعالى وملائكته وملكوت السموات والأرض، بل لذة العلم بقدر شرف العلم، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم، فبهذا استبان أن ألذ المعارف وأشرفها، وشرفها بحسب شرف المعلوم، فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم، فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها.

وليت شعري، هل في الوجود شئ أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء كلها ومكملها.
ومزينها ومبديها ومعيدها ومدبرها ومرتبها؟ وهل يتصور أن يكون حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة الربانية التي لا يحيط بجلالها وكمالها وعجائب أمورها وصف الواصفين؟!

فينبغي أن تعرف أن لذة المعرفة أقوى من جميع اللذات المدركة بالحواس الخمس، فإن المعاني الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات الظاهرة.
فلو خير الرجل بين لذة أكل الدجاج السمين واللوزينج، وبين لذى الرياسة، وقهر الأعداء، ونيل درجة الاستيلاء، فان كان المخير خسيس الهمة ميت القلب شديد الشهوة البهيمية اختار اللحم والحلواء، وإن كان علي الهمة، كامل العقل، فإنه يختار الرياسة، ويهون عليه الجوع والصبر على ضرورة القوت أياما.

فاختياره للرياسة دليل على أنه ألذ عنده من المطعومات الطيبة، وكما أن لذة الرياسة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الناقص الهمة، فلذة معرفة الله سبحانه وتعالى والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق وهذا لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا، فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة، ويترك الرياسة، ويحتقر الخلق، لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته، وكون ذلك مشوبا بالكدر، مقطوعا بالموت.
وتعظم عنده معرفة الله سبحانه وتعالى، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام مملكته، فإنها خالية عن الزاحمات والمكدرات، متسعة للمتواردين عليها، لا تضيق عنهم، فلا يزال

العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض، يرتع في رياضتها، ويقطف من ثمارها، ويكرع من حياضها، وهو آمن من انقطاعها، إذ هي أبدية سرمدية، لا يقطعها الموت، لأن الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى، إذ محلها الروح، وإنما الموت يغير أحوالها، أما أن يعدمها فلا.

والعارفون درجات عند الله تعالى متفاوتون، لا يدخل تفاوت درجاتهم تحت الحصر، وهذه الأمور لا تدرك إلابالذوق، والحكاية فيها قليلة الجدوى.
فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله تعالى ألذ الأشياء، وأنه لا لذة فوقها ولهذا قال أبو سليمان الدارانى رحمه الله: إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله عز وجل خوف النار ولا رجاء الجنة، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله تعالى؟!

وقال بعض أصحاب معروف: قلت له: أي شئ أهاجك على العبادة؟ فسكت.
فقلت: ذكر الموت؟ فقال: وأي شئ الموت؟ قلت: ذكر القبر.
فقال وأي شئ القبر؟ قلت: خوف النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأي شئ هذا؟ إن ملكا هذا كله بيده، إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع ذلك.

وقال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامى، فقلت له: ما فعل معروف الكرخى؟ فحرك رأسه ثم قال: هيهات، حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفا لم يعبد الله شوقا إلى جنته ولا خوفا من ناره، وإنما عبده شوقا إليه، فرفعه الله إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجب بينه وبينه.

فمتى حصلت محبة الله تعالى لشخص، صار قلبه مستغرقا بها، ولا يلتفت إلى جنة، ولا يخاف من نار، فإنه قد بلغ النعيم الذي ليس فوقه نعيم.
قال بعضهم:

وهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنته

وإنما أراد بهذا لذة القلب في معرفة الله تعالى.
وأنها مفضلة على لذة الأكل والشرب والنكاح، فإن الجنة معدن تمتع الحواس، وأما القلب فلذته في لقاء الله تعالى فقط.

واعلم: أن لذة النظر في الآخرة تزيد على المعرفة في الدنيا، وقد اقتضت سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن، ومقتضى الشهوات وما يغلب عليها من الصفات البشرية، ولا تنتهي إلى المشاهدة، بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة، كحجاب الأجفان عن رؤية الإبصار.

والقول في سبب كونه حجابا يطول، فإذا ارتفع الحجاب بالموت، بقيت النفس وفيها نوع تلوث بالدنيا، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وقد صفوا عن الأكدار، تجلى لهم الحق سبحانه وتعالى على قدر معرفتهم في الدنيا.

فكل من لا يعرف الله تعالى في الدنيا، لا يراه في الآخرة.
وما يستأنف لأحد في الآخرة مالم يصحبه في الدنيا، ولا يحصد أحد ما زرع، ولا يموت المرء إلا على ما عاش عليه، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه، إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء، فتضاعف اللذة، والعيش عيش الآخرة.
﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤].

وعيش الآخرة بقدر المعرفة، ولهذا جاء في الحديث: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" وذلك لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والذكر، والمواظبة على المجاهدة، والانقطاع عن علائق الدنيا، والتجرد للطلب، فقد عرفت بما ذكرنا معنى المحبة، ومعنى لذة المعرفة، ومعنى الرؤية ولذتها، ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند أهل الكمال.

٢ - فصل في بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى وتفاوت الناس في الحب وبيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى

واعلم: أن أسعد الناس وأحسنهم حالا في الآخرة أقواهم حبا لله تعالى، فإن الآخرة معناه القدوم على الله تعالى، ودرك سعادة لقائه.
وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه، وتمكن من مشاهدته من غير منغص ولا مكدر، إلا أن هذا النعيم على قدر المحبة، فكلما ازداد الحب ازدادت اللذة.

وأصل الحب لا ينفك عن مؤمن، لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، وأما قوة الحب واستيلاؤه، فذلك ينفك عنه الأكثرون، وإنما يحصل ذلك بشيئين:

أحدهما: قطع علائق الدنيا، وإخراج حب غير الله من القلب، فأحد أسباب ضعف حبه، قوه حب الدنيا، وبقدر ما يأنس القلب بالدنيا ينقص أنسه بالله، والدنيا

والآخرة ضرتان، وسبيل قطع الدنيا عن القلب سلوك طريق الزهد، وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرخاء، وما ذكرناه من المقامات كالتوبة والصبر والشكر والزهد والخوف وغير ذلك.

السبب الثاني لقوة المحبة: معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة تبعتها المحبة، ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا الفكر الصافي، والذكر الدائم، والتشمير في الطلب، والاستدلال عليها بأفعاله سبحانه: وأقل أفعاله الأرض وما عليها، بالإضافة إلى الملائكة وملكوت السموات.

والشمس على ما يرى من صغر حجمها مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة، فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إليها، ثم انظر إلى صغر الشمس بالإضافة إلى فلكها الذي هي مركوزة فيه وهى في السماء الرابعة (١) والسماء الرابعة صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها من السموات، ثم السموات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي في العرش كذلك.

ثم انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب هو جزء من الارض، وإلى سائر الحيوانات، وإلى صغره بالإضافة إلى الأرض، واصغر ما تعرفه من الحيوانات البعوض، فانظر فيه بعقل حاضر، كيف خلقه الله عز وجل على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات، وزاده الجناحين، وانظر كيف شق سمعه وبصره، وخلق في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته، ودبره في سائر أحواله، من القوى الجاذبة والدافعة والهاضمة، وانظر كيف خلق له الطيران، يطير إذا طلب، وجعل له خرطوما محددا يمص به الدم.

وانظر إلى النحل في تناولها الأزهار من الأنوار، واحترازها عن الأقذار، وطاعتها إلى كبيرها، حتى إنه يقتل كل ما ورد عليه وقد أكل مستقذرا، والى اختيارها الشكل المسدس، فلا تبنى بيتا مربعا، ولا مستديرا، ولا مخمسا، بل مسدسا لخاصيته في الشكل المسدس، فإن أوسع الأشكال وأحواها المستدير وما يقرب منه، فإن المربع تخرج منه الزوايا ضائعة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، فلا شكل في الأشكال ذوات الزوايا

(١) لم يثبت في هذا خبر تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما ضرب من الاجتهاد الإنساني الذي يخضع للمقاييس العلمية الدقيقة، ويحكم عليها بموجبها من صواب أو خطأ.

يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه، بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلى المسدس، فانظر كيف الهمه الله تعالى ذلك على صغر حجمه وضعفه، فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات، فالنظر في هذا وأشباهه تزداد المعرفة به، فتزداد المحبة.

وأما السبب في تفاوت الناس في الحب.

فاعلم أن الناس مشتركون في أصل الحب، لكنهم يتفاوتون لتفاوت المعرفة، فكثير من الناس ليس لهم من معرفة الله إلا الصفات والأسماء التي قرعت أسماعهم، والعالم البصير يطالع تفصيل صنع الله تعالى حتى يرى ما يبهر عقله، فتزداد عظمة الله في قلبه، فيزداد حبا له، وتجر هذه المعرفة التي هي معرفة عجائب صنع الله تعالى إلى بحر لا ساحل له.

وأما السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى، فاعلم أن كل من صنع شيئا دل المصنوع على وجود صانعه، وعلى علمه وحياته وقدرته دلالة جلية ظاهرة، وإن كانت هذه الصفات لا تدرك بشيء من الحواس الخمس.
فوجود الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهد من حجر وشجر ومدر ونبات وحيوان وأرض وسماء وكوكب وبر وبحر، بل أول شاهد علينا أنفسنا وأجسامنا، وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا، وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا.

وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها، ودالة على علمه وقدرته وحياته ولطفه وحكمته وعظمته وجلاله، إذ كل ذرة تنادى بلسان حالها: إنه ليس وجودها بنفسها، وإنها تحتاج إلى موجد لها، لكن عقولنا بالنسبة إلى إدراك الحضرة الإلهية، كالخفاش بالنسبة إلى النهار، فإنه لضعف بصره يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، وليس عدم إبصاره بالنهار لخفائه، بل لشدة ظهوره واستنارته وضعف أعين الخفاش، فكذلك عقولنا ضعيفة عن إدراك الحضرة الإلهية، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى به عن البصائر والأبصار، فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله سبحانه وتعالى، وانضم إلى ذلك أيضا أن المدركات الشاهدة لله تعالى، إنما يدركها الإنسان في حال الصبا قبل حضور العقل عنده، ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا، وهو مستغرق الهم، مشغول به، وقد أنس بمدركاته وألفها، فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس.

وكذلك إذا رأى فجأة حيوانا غريبا، أو نباتا، أو فعلا من أفعال الله تعالى عجيبا خارقا للعادة، انطلق لسانه بالتعجب، فقال: سبحان الله! سبحان الله! وهو يرى طول النهار نفسه، وجميع أعضائه، وجميع الحيوانات المألوفة، وكلها شواهد قاطعة، فلا يحس بشهادتها لطول الأنس بها.

ولو فرض أن أعمى بلغ عاقلا، ثم انقشعت غشاوة عينه، فامتد بصره إلى السماء والأرض، والأشجار، والنبات، والحيوان دفعة واحدة، لخيف على عقله أن ينبهر، لعظم عجبه من مشاهدة هذه العجائب، وشهادتها لخالقها، فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات، وهو الذي سد على الخلق في سبيل الاستضاءة بنور المعرفة، والسباحة في بحارها الواسعة، والله أعلم وأحكم.

٣ - فصل في بيان معنى الشوق إلى الله تعالى

قد تقدم الكلام في المحبة وإثباتها بالأدلة، وأن الشوق ثمرة من ثمارها، فإن أحب شيئا اشتاق إليه.

واعلم: أن الشوق لا يتصور إلا لشيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه.

فأما ما لا يدرك أصلا، فلا يشتاق إليه، وكمال الإدراك بالرؤية، وإنما يكون ذلك في الآخرة.

واعلم: أن الأمور الإلهية لا نهاية لها، وإنما يكشف لكل عبد من العباد بعضها، ويبقى أمور لا نهاية لها، والعارف يعلم وجودها، وكونها معلومة لله تعالى، ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر، فلا يزال العبد متشوقا إلى أن يحصل له اصل المعرفة، وينتهى الشوق الأول في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ومشاهدة، ولا يتصور أن يسكن قلب المشتاق في الدنيا.

وكان إبراهيم ابن أدهم من المشتاقين، فقال يوما يارب! إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني، فقد أضر بى القلق.
قال: فرأيته عز وجل في النوم، فقال: يا إبراهيم! أما استحييت منى؟! تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق قبل لقاء حبيبه؟ فقلت: يا رب: تهت في حبك فلم أدر ما أقول، فهذا الشوق يسكن في الآخرة.
وأما غير ذلك مما هو

معلوم لله فلا نهاية له، فلا يتضح للعبد ولا يحط به، فهو مشغول بلذة ما ظهر له، ولا يزال النعيم واللذة متزايدين حتى يشغل عن الإحساس بالشوق إلى ما وراء ذلك، فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه.

ومن شواهد الأخبار، ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم رجلا دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، فذكر فيه: "أسألك اللهم الرضى بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك".

وفى التوراة: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا.

وفى بعض ما أوحى الله عز وجل إلى بعض عباده: إن لى عبادا من عبادى، يحبونى وأحبهم، وأشتاق إليهم ويشتاقون إلى، ويذكروني وأذكرهم، فان حذوت طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك.
قال: يا رب! وما علامتهم؟ قال: يرعون الظلال بالنهار، كما يراعى الراعي الشفيق غنمه؟ ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرش الفرش، وخلال كل حبيب بحبيبه، نصبو أقدامهم، وافترشوا وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقونى بإنعامي، فبين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلى، وبسمعي ما يشكون من حبي.

٤ - فصل في بيان محبة الله تعالى للعبد ومعناها وبيان علامات محبة العبد لله تعالى

وأما محبة الله تعالى للعبد، فاعلم:

أن شواهد القرآن متظاهرة على ذلك كقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا﴾، الآية [الصف: ٤] ونبه على أنه لا يعذب من يحبه، لأنه رد على من ادعى أنه حبيبه بقوله: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ [المائدة: ١٨] وشرط للمحبة غفران الذنوب فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [آل عمران، ٣١].

وفى الحديث الصحيح، من رواية أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله تعالى يقول: "ما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه"، إلى أخره.
وهو حديث مشهور.

ومن علامة حب الله تعالى للعبد، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه" (١).

ومن أقوى العلامات، حسن التدبير له، يربيه من الطفولة على أحسن نظام، ويكتب الإيمان في قلبه، وينور له عقله، فيتبع كل ما يقربه، وينفر عن كل ما يبعد عنه، ثم يتولاه بتيسير أموره، من غير ذل للخلق، ويسدد ظاهره وباطنه، ويجعل همه هما واحدا، فإذا زادت المحبة، شغله به عن كل شىء.

وأما محبة العبد لله تعالى، فاعلم:

أن المحبة يدعيها كل أحد، فما أسهل الدعوى وأعز المعنى، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس إذا ادعت محبة الله تعالى، مالم يمتحنها بالعلامات، ويطالبها بالبراهين، فمن العلامات حب لقاء الله تعالى في الجنة، فإنه لا يتصور أن يحب القلب محبوبا إلا ويحب لقاءه ومشاهدته، وهذا لا ينافى كراهة الموت، فإن المؤمن يكره الموت، ولقاء الله بعد الموت.

ومن السلف من أحب الموت، ومنهم من كرهه، إما لضعف محبته، أو لكونها مشوبة بحب شيء من الدنيا، أو لأنه يرى ذنوبه فيحب أن يبقى ليتوب.

ومنهم من يرى نفسه في ابتداء مقام المحبة، فسكره عجلة الموت قبل أن يستعد للقاء الله تعالى، وهذا كمحب يصله الخبر بقدوم حبيبه عليه، فيحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيئ له داره، ويعدل له أسبابه، فيلقاه كما يهواه، فارغ القلب عن الشواغل، خفيف الظهر عن العوائق، فالكراهة بهذا السبب لا تنافى كمال المحبة، وعلامة هذا: الدؤوب في العمل، واستغراق الهم في الاستعداد.

ومنها أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيجتنب

(١) قطعة من حديث أخرجه الترمذي (٢٣٩٨) من حديث أنس بلفظ "إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضى، فله الرضى، ومن سخط فله السخط" وفى الباب عن عبد الله بن مغفل عند الطبرانى والحاكم، وعن عمار بن ياسر عند الطبرانى، وعن أبى هريرة عند ابن عدى، فهو صحيح بها.

اتباع الهوى، ويعرض عن دعة الكسل، ولا يزال مواظبا على طاعة الله تعالى متقربا إليه بالنوافل.

ومن أحب الله فلا يعصيه، إلا أن العصيان لا ينافى أصل المحبة، إنما يضاد كمالها، فكم من إنسان يحب الصحة ويأكل ما يضره، وسببه أن المعرفة قد تضعف والشهوة قد تغلب، فيعجز عن القيام بحق المحبة، ويدل على ذلك حديث نعيمان أنه كان يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيحده (١) إلى أن أتى به يوما، فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله" فلم تخرجه المعصية عن المحبة، وإنما تخرجه عن كمال المحبة.

ومن العلامات أن يكون مستهترا بذكر الله تعالى، لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه، فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره بالضرورة، ومن ذكر ما يتعلق به.

فعلامة حب الله تعالى حب ذكره، وحب القرآن الذي هو كلامه، وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [آل عمران: ٣١].

وقال بعض السلف: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة، فكنت أدمن قراءة القرآن، ثم لحقني فترة فانقطعت، فرأيت في المنام قائلا يقول:

إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي

أما تدبرت ما فيـ ... ـه من لطيف عتابي

ومنها أن يكون أنسه بالخلوة، ومناجاة الله تعالى، وتلاوة كتابه، فيواظب على التهجد، ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق، فان أقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب، والتنعم بمناجاته.

روى أن عابدا عبد الله غيضة دهرا، فنظر إلى طائر قد عشش في شجرة يأوى إليها، ويصفر عندها.
فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة كنت آنس بصوت

(١) أي يقيم عليه الحد وهو نعيمان بن عمرو بن رفاعة، وكان كثير المزح.

هذا الطائر، ففعل، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل لفلان العابد: استأنست بمخلوق، لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا.

فإذن علامة المحبة، كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التنعيم بالخلوة، وكمال الاستيحاش من كل ما ينقض عليه الخلوة.

ومتى غلب الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحب والأنس قلبه، حتى لا يفهم أمور الدنيا، مالم تتكرر على سمعه مرارا، مثل العاشق الولهان.

ومنها أن يتأسف على ما يفوته من ذكر الله تعالى، ويتنعم بالطاعة، لا يستثقلها، ويسقط عنه تعبها.

قال ثابت البنانى رحمة الله: كابدت الصلاة عشرين سنه، وتنعمت بها عشرين سنه.

وقال الجنيد: علامة المحبة دوام النشاط، والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا يفتر قلبه، وكل هذا موجود المثال في المشاهدات، فإن المحب لا يستثقل السعي في مراد محبوبه، ويستلذ خدمته بقلبه، إن كان شاقا على بدنه، وكل حب قاهر لا محالة، فمن كان محبوب أحب إليه من الكسل، ترك الكسل في خدمته، وإن كان أحب إليه من المال، ترك المال في حبه.

ومنها أن يكون شفيقا على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على أعدائه، كما قال تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصرفه عن الغضب له صارف، فهذه علامات المحبة، فمن اجتمعت فيه فقد تمت محبته، وصفا في الآخرة شرابه.
ومن امتزج بحبه حب غير الله، تنعم في الآخرة بقدر حبه، فيمزج شرابه بشيء من شراب المقربين، كما قال عز وجل: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ إلى قوله: ﴿يسقون من رحيق مختوم (٢٥) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (٢٦) ومزاجه من تسنيم (٢٧) عينا يشرب بها المقربون﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٨] فقوبل الخالص بالصرف، والمشوب بالمشوب.
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].

ومنها أن يكون في حبه خائفا بين الهيبة والتعظيم، فإن الخوف لا يضاد المحبة، ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم، وبعضها أشد من بعض، فأولها خوف الإعراض، وأشد منه خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد.

ومنها كتمان الحب، واجتناب الدعوى، والتوقى من إظهار الوجد والمحبة، تعظيما للحبوب، وإجلالاله، وهيبة وغيره على سره، فإن الحب سر من أسرار الحبيب.
وقد يقع المحب في دهش وسكر، فيظهر عليه الحب من غير قصد، فهو في ذلك معذور، كما قال بعضهم.

ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم

٥ - فصل في بيان معنى الأنس بالله والرضى بقضاء الله عز وجل

اعلم: أن من غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة، لآن الأنس بالله يلازمه التوحش من غيره، ويكون أثقل الأشياء على القلب كل ما يعوق عن الخلوة.

قال عبد الواحد بن زيد: قلت لراهب: لقد أعجبتك الخلوة، فقال: لو ذقت حلاوة الخلوة لا ستوحشت إليها من نفسك، قلت: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى؟ قال: إذا صفا الود، خلصت المعاملة.
قلت: متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار هما واحدا في الطاعة.

فإن قيل: ما علامة الأنس؟ قيل: علامته الخاصة ضيق الصدر عن معاشرة الخلق، والتبرم بهم، وإن خالط، فهو كمنفرد غائب مخالط بالبدن، منفرد بالقلب.

واعلم: أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم، قد يثمر نوعا من الانبساط والإدلال، وقد يكون ذلك منكرا في الصورة، لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة، وإن كان محتملا ممن أقيم مقام الأنس.
وأما إذا صدر ممن لا يفهم ذلك المقام، أشرف به على صاحبه على الكفر، وذلك كما يروى عن أبى حفص أنه كان يمشى يوما، فاستقبله رجل مدهوش (١) فقال: مالك؟ قال: ضل حماري، ولا أملك غيره، فوقف

(١) أي: متحير، من دهش الرجل يدهش: إذا تحير.

أبو حفص وقال: وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره، فظهر الحمار.

وروى عن برخ العابد أنه خرج يستقى فقال: يارب: أنت بالبخل لا ترمى، أنفذ ما عندك، اسقنا الساعة.

ولا يستبعد أن يحتمل من شخص ما لم يحتمل من غيره.
وأما الرضى بقضاء الله تعالى، فهو من أعلى مقامات المقربين، وهو من ثمار المحبة، وحقيقته غامضة، ولا ينكشف الأمر فيه إلا لمن يفهمه عن الله تعالى.

ومن فضائل الرضى ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا أراد الله بعبد خيرا أرضاه بما قسم له".

وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود: إنك لن تلقاني بعمل هو أرضى لى عنك، ولا أحط لوزرك من الرضى بقضائي.

ونظر علي بن أبى طالب رضي الله عنه إلى عدى بن حاتم كئيبا، فقال: ياعدى: مالي أراك كئيبا حزينا؟ فقال: وما يمنعني فقد قتل ابناي، وفقئت عيني فقال: يا عدى! من رضى بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله.

ودخل أبو الدرداء رضي الله عنه على رجل وهو يموت وهو يحمد الله تعالى، فقال أبو الدرداء: أصبت، إن الله عز وجل إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى بقسطه وعمله جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.

وقال علقمة في قوله عز وجل: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ [التغابن: ١١] قال: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى.

وقال أبو معاوية الأسود في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: ٩٧] قال: الرضى والقناعة.

وفى الأخبار السالفة (١): أن نبيا من الأنبياء شكا إلى ربه عز وجل الجوع والفقر عشر سنين، فما أجيب إلى ما أراد، ثم أوحى الله إليه: كم تشكو؟ هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السماوات والأرض، وهكذا سبق لك منى، وهكذا قضيت

(١) في الأصول: وفى الحديث.

عليك قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن أبدل ما قدرت لك؟ فيكون ما تحب فوق ما أحب، ويكون ما تريد فوق ما أريد، وعزتي وجلالى، لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة.

وفي "زبور داود" عليه السلام: هل تدرى من أسرع الناس مرا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكرى.

وقال داود عليه السلام: يارب! أي عبادك أبغض إليك؟ قال: عبد استخارتي في أمر، فخرجت له، فلم يرض.

وقال عمر بن العزيز: ما بقى لى سرور إلا في مواقع القدر.

وقيل له: ما تشتهى؟ فقال: ما يقضى الله عز وجل.

وقال الحسن: من رضى بما قسم له، وسعه، وبارك الله فيه، ومن لم يرض لم يسعه، ولم يبارك له فيه.

وقال عبد الواحد بن زيد: الرضى باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين.

وقال بعضهم: لن يرد الآخرة أرفع درجات من الراضين عن الله تعالى على كل حال، فمن وهب له الرضى، فقد بلغ أفضل الدرجات.

وأصبح أعرابي وقد مات له أباعر كثيرة، فقال:

لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوى إحن

ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئا قضاه الله لم يكن

٦ - فصل [يتصور الرضى فيما يخالف الهوى]

ويتصور الرضى فيما يخالف الهوى.
وبيان ذلك إذا جرى على الإنسان الألم، فتارة يحس به ويدرك ألمه، ولكنه يكون راضيا به، راغبا في زيادته بعقله، وإن كان كارها له بطبعه لما يوصله من الثواب.
مثاله أن يلتمس من الحجام الحجامة والفصد، فإنه يدرك ألم ذلك، إلا أنه راض به، وراغب فيه ومتقلد منه الحجام.

وكذلك كل من يسافر في طلب الربح، فإنه يدرك مشقة السفر، لكن حبه لثمرة سفره طيب عنده تلك المشقة، وجعله راضيا بها، وكل من أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين، فانه يتوقع الأجر فوق ما فاته، فيرضى بما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، ويجوز أن يغلبه الحب، بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه، ويبطل الإحساس بالألم لفرط الحب، وليس ذلك بعجيب، فان الرجل المحارب في حال غضبة أو خوفه، تصيبه الجرحات ولا يحس بها، ولا يشعر بها في تلك الحال، وذلك لأن قلبه مستغرق، وإذا كان القلب مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه، وذلك موجود في المشاهدات.

قال الجنيد رحمة الله: سألت سريا: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا.

وقد روينا عن خلق كثير من أهل البلاء، أنهم كانوا يقولون: لو قطعنا إربا إربا، ما ازددنا له إلا حبا.

وقد تقدم أن فرط الحب يزيل إحساس الألم، وهو متصور في حب الخلق، كما حكى بعضهم.
قال: كان في جيراننا رجل له جارية يحبها، فاعتلت، فجلس يصلح لها حساء (١)، فبينا هو يحرك القدر، قالت: أوه، فدهش وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك القدر بيده حتى تساقطت أصابعه وهو لا يعلم.
ويؤيد هذا قصة النسوة حين شاهدن يوسف عليه السلام، فإنهن قطعن الأيدي، وما أحسن بألم، فقد بان بما ذكرنا أن الرضى بما يخالف الهوى ليس مستحيلا، وإذا كان ذلك ممكنا في حق الخلق وحظوظهم، كان ممكنا في حق الله سبحانه، وحظوظ الآخرة بطريق الأولى.

وإمكان ذلك في ثلاثة أوجه:

أحدهما: علم المؤمن بأن تدبير الله تعالى خير من تدبيره.

وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما قضى الله لمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له".

وعن مكحول قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنه يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسقط فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له.

(١) بالفتح والمد: طعام يتخذ من دقيق وماء ودهن، وقد يحلى ويكون رقيقا يحسى.

وعن مسروق قال: كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظ للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل خباءهم، والكلب يحرسهم.
فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا فقال الرجل: عسى أن يكون خيرا، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار، فحزنوا، فقال، الرجل: عسى أن يكون خيرا، ثم أصبحوا ذات يوم، فنظروا فإذا قد سبي من حولهم وبقوا هم، وإنما أخذ أولئك بما كان عندهم من الصوت والجلبة، ولم يكن عند أولئك شىء يجلب، قد ذهب كلبهم وحمارهم وديكهم.

وعن سعيد بن المسيب قال: قال لقمان لابنه: يابنى: لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته، إلا جعلت في الضمير أن ذلك خير لك.
قال: أما هذه فلا أقدر أن أعطيكها دون أن أعلم ما قلت أنه كما قلت.
قال: يابنى: فإن الله قد بعث نبيا هلم حتى نأتيه، فعنده بيان ما قلت لك.
قال: اذهب بنا إليه، فخرج على حمار وابنه على حمار، وتزودوا ما يصلحهما، ثم سارا أياما وليالى، حتى تلقهما مفازة، فأخذا أهبتهما ودخلاها، فسارا ما شاء الله أن يسيرا، حتى تعالى النهار واشتد الحر ونفد الماء والزاد، فاستبطآ حماريهما، فنزلا يمشيان، فبينما هما كذلك، إذ نظر لقمان أمامه، فإذا هو بسواد ودخان، فقال في نفسه: السواد شجر، والدخان عمران وناس، فبينما هما كذلك يشهدان، إذ وطئ ابن لقمان على عظم على الطريق، فدخل في باطن قدمه حتى ظهر من أعلاها، فخر مغشيا عليه، فحانت من لقمان التفاتة، فإذا هو بابنه صريع، فوثب إليه فضمه إلى صدره، واستخرج العظم بأسنانه، وشق عمامة كانت عليه فعصب رجله، ثم نظر إلى وجه ابنه فذرفت عيناه فقطرت قطرة من دموعه على خد الغلام فانتبه لها، فنظر إلى أبيه يبكى، فقال يا أبت: أنت تبكى وأنت تقول هذا خير لي، فكيف ذلك وأنت تبكى؟! وقد نفذ الطعام والشراب وبقيت أنا وأنت في هذا المكان.
قال: أما بكائي يابنى، فوددت أنى افتديتك بجميع حظي من الدنيا، ولكنى والد ومنى رقة الوالد.
وأما قولك: كيف يكون هذا خيرا لى؟ فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، فبينما هو يحاوره، إذ نظر لقمان أمامه، فلم ير الدخان والسواد، فقال في نفسه: لم أر شيئا، ثم قال: قد رأيت، ولكن لعله أن يكون قد أحدث ربى بما رأيت شيئا، فبينما هو يتفكر في ذلك، إذا نظر فإذا هو بشخص قد أقبل على فرس أبلق، عليه ثياب بيض، يمسح الهواء مسحا.
فلم يزل يرمقه بعينيه حتى كان منه قريبا، فتوارى عنه ثم صاح به

فقال: أنت لقمان؟ قال: نعم.
قال: ما قال لك ابنك هذا السفيه؟ قال: يا عبد الله من أنت؟، ما لي أسمع كلامك ولا أرى لك وجهك؟ قال أنا جبريل، لا يراني إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، لولا ذلك لرأيتني، فما قال لك ابنك هذا السفيه؟ قال: أما علمت ذلك؟ فقال جبريل: مالي بشيء من أمركما علم، إلا أن حفظتكما أتوني، وقد أمرني ربى تعالى بخسف هذه المدينة وما فيها ومن يليها، فأخبروني أنكما تريدان هذه المدينة، فدعوت ربى أن يحسبكما عنى بما شاء، فحبسكما عنى بما ابتلى به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسف به، ثم مسح جبريل عليه السلام بيده على قدم الغلاف، فاستوى قائما، ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاما، ومسح على الذي كان فيه ماء فامتلأ ماء، ثم حملهما وحماريهما فرحل بهما كما يرحل الطير، فإذا هما في الدار التي خرجا منها بعد أيام وليالى.

الوجه الثاني: الرضى بالألم، لما يتوقع من الثواب المدخر، كما تقدم من الرضى بالفصد والحجامة وشرب الأدوية انتظارا للشفاء.

الوجه الثالث: الرضى به لا لحظ وراءه، بل لكونه مراد المحبوب، فيكون ألذ الأشياء عنده ما فيه رضى محبوبه، ولو كان في ذلك هلاك نفسه، كما قال بعضهم: فما لجرح إذا أرضاكم ألم.

وقد سبق أن الحب يستولي بحيث يدهش عن إدراك الألم، ولا ينبغي أن ينكر ذلك من فقده من نفسه، لأنه إنما فقده لفقد سبية، وهو فرط حبه، ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه، ولعمري إن من فقد السمع أنكر لذة الألحان والنغمات، فمن فقد القلب، فلابد أن ينكر هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب.

٧ - فصل [في أن الدعاء لا يناقض الرضى]

واعلم: أن الدعاء لا يناقض الرضى، كذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها وأسبابها، والسعى في إزالتها.

أما الدعاء، فقد تعبدنا الله تعالى به، وقد أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: ٩٠] ودعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيره

من الأنبياء والصالحين معلوم.

وأما إنكار المعاصي وعدم الرضى بها، فقد تعبدنا الله تعالى به، وذم الراضي به، وكذلك بغض الكفار والفجار، والإنكار عليهم، وشواهد ذلك في القرآن والأخبار كثيرة جدا.

فإن قيل: فقد وردت الأخبار بالرضى بقضاء الله تعالى، فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله تعالى، فهو محال، وإن كانت بقضائه، فكراهتها كراهة لقضائه، فكيف الجمع بين هذين الحالين.

فاعلم أن هذا مما يلتبس على القاصرين على الوقوف على أسرار العلم، حتى التبس على قوم، فرأوا السكوت عن الإنكار مقاما من مقامات الرضى، وسموه حسن الخلق، وهو جهل محض، بل نقول: الرضى والكراهه يتضادان، إذا تواردا على شىء واحد، من جهة واحدة، على وجه واحد.
فأما إذا رضيت بشيء من وجه، وكرهته من وجه آخر، فليس ذلك بمتضاد، نحو أن يموت عدوك الذي هو أيضا عدو لبعض أعدائك، وساع في إهلاكه، فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك، وترضاه من حيث إنه عدوك، وكذلك للمعصية وجهان:

وجه إلى الله تعالى، من حيث إنها اختياره وإرادته، فترضى بها من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك.

ووجه إلى العبد من حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت، فهو من هذا الوجه منكر ومذموم، ولا ينكشف هذا إلا بمثال، فلنفرض محبوبا من الخلق قال بين يدي محبة: إنى أريد أن أميز بين من يحبني ويبغضني، وأنصب لذلك معيارا صادقا، وهو أنى أقصد إلى فلان فأضربه ضربا شديدا يضطره ذلك إلى الشتم لى، حتى إذا شتمني أبغضته واتخذته عدوا، فكل من أحبه علمت أنه أيضا عدو لى، وكل من أبغضه علمت أنه محبي وصديقى، ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذي هو سبب البغض، وحصل البغض الذي هو سبب العداوة، فحق على كل من هو صادق في محبته أن يقول: أما تدبيرك في ضرب هذا الشخص وأذاه، فأنا محب له، فإنه رأيك وتدبيرك وفعلك، وأما شتمه إياك من حيث نسبته إلى هذا الشخص، فإنه عدوان منه وتهجم عليك، فأنا كاره له من حيث نسبته إليه إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم، فكذلك تسليط الله سبحانه وتعالى دواعي الشهوة والمعاصي على العبد، وبغضه على عصيانه.

فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله عز وجل، ويعادى من عاداه وأبعده عن حضرته، وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته، فإنه بعيد مطرود، والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون بغيضا إلى جميع المحبين، موافقة لمحبوبهم، بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده.

وبهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله والحب في الله، والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم، والمبالغة في مقتهم، مع الرضى بقضاء الله تعالى، من حيث إنه قضاؤه، وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في إفشائه، وهو أن الخير والشر كلاهما داخلان في المشيئة والإدارة، ولكن الشر مراد مكروه، والخير مراد مرضى به.

والأولى السكوت والتأدب بأدب الشرع، والوقوف مع ما تعبد به الخلق، من الجمع بين الرضى بقضاء الله تعالى ومقت المعاصي، والله تعالى أعلم.

ومما يتعلق بالمحبة.

قيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: لو يعلم المدبرون عنى كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلى، وتقطعت أوصالهم من محبتي.

يا داود: هذه إرادتي في المدبرين عنى، فكيف إرادتي في المقبلين على؟

يا داود أحوج ما يكون العبد إلى إذا استغنى عنى، وأجل ما يكون عندي إذا رجع إلي.

وكانت امرأة متعبدة تقول: والله لقد سئمت الحياة، حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقا إلى الله تعالى، وحبا للقائه.
فقيل لها: فعلى ثقة أنت من عملك؟ قالت: لا، ولكنى لحبى إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه؟

...

٨ - باب في النية والإخلاص والصدق

اعلم: أنه قد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أنه لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة.

فالناس كلهم هلكى، إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم (١).

فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق هباء.
قال الله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وليت شعرى، كيف تصلح نية من لا يعرف حقيقة النية؟ أو كيف يخلص من صحح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ أو كيف يطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يتحقق معناه؟

فالوظيفة الأولى على كل عبد أراد طاعة الله تعالى، أن يعلم النية أولا، لتحصل له المعرفة، ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والإخلاص اللذين هما وسيلتان للعبد إلى النجاة.
ونحن نذكر ذلك في ثلاثة فصول:

٩ - الفصل الأول في النية وحقيقتها وفضلها وما يتعلق بذلك

قال الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام: ٥٢] والمراد بالإرادة: النية.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

وعن أبى موسى الأشعرى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
أخرجاهما في "الصحيحين".

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا شاركوكم في الأجر، حبسهم المرض" أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري من حديث أنس.

(١) انظر صفحة (٢٥٠) حول هذا الكلام.

وفى "الصحيحين" من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من هم بحسنة فعملها كتبت له حسنة".

وعن أبى كبشة الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه.
ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، وهو يقول: لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهما في الأجر سواء.
ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط فيه، ينفقه في غير حقه.
ورجل لم يؤته مالا ولا علما، فيقول: لو كان لى مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل.
قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: فهما في الوزر سواء".

وعن أبى عمران الجوني قال: تصعد الملائكة بالأعمال، فينادى الملك: ألق تلك الصحيفة، قال: فتقول الملائكة: ربنا قال خيرا وحفظناه عليه.
فيقول تبارك وتعالى: إنه لم يرد به وجهي.
قال: وينادى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، مرتين.
فيقول: يارب:

إنه لم يعمله، فيقول عز وجل: إنه قد نواه.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى، والورع عما حرم الله تعالى، وصدق النية فيما عند الله تعالى.

وكان بعضهم يقول: دلوني على عمل لا أزال به عاملا لله تعالى، فقيل له: انو الخير، فانك لا تزال عاملا وإن لم تعمل، فالنية تعمل وإن عدم العمل، فانه من نوى أن يصلى بالليل فنام، كتب له ثواب ما نوى أن يفعله.

وقد جاء في الحديث: "ما من رجل يكون له ساعة من الليل يقومها، فينام عنها إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة تصدق بها عليه".

وقد جاء في الحديث " نية المؤمن خير من عمله" (١).

والنية، والإدارة، والقصد، عبارات متواردة على معنى واحد.

١٠ - واعلم أن الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: المعاصى، فلا تتغير عن موضعها بالنية، مثل من يبنى مسجدا

(١) قال الحافظ السخاوى في "المقاصد الحسنة": قال البيقهى: إسناده ضعيف.
قال ابن دحية: لا يصح.

بمال حرام يقصد بذلك الخير، فان النية لا تؤثر فيه، فان قصد الخير بالشر شر آخر، فان الخيرات إنما تعرف كونها خيرات بالشرع، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا، هيهات!.

واعلم: أن من تقرب من السلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام، كان كتقرب علماء السوء بتعليم العلم للسفهاء والأشرار المشغولين بالفسق، فان هؤلاء إذا تعلموا كانوا قطاع طريق الله تعالى، يتكالبون على الدنيا، ويتبعون الهوى، ووبال ذلك راجع إلى معلمهم، إذ علم فساد نياتهم ومقاصدهم.

ومن هذا القبيل تعلم القصاص القصص، فان مقاصد أكثرهم معروفة، وقصدهم اجتلاب الدنيا، وأخذ الأموال كيف اتفق، فتعليمهم إعانة على الفساد، فقد علمت أن الطاعة تنقلب معصية بالقصد.

وأما المعصية، فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا بل إذا انضاف إليها قصد خبيث تضاعف وزرها وعظم وبالها.

القسم الثاني: الطاعات، وهى مرتبطة بالنيات في أصل صحتها، وفى تضاعف فضلها، وأما الأصل، فهو أن ينوى عبادة الله تعالى لا غير، فإن نوى الرياء صارت معصية.
وأما تضاعف الفضل، فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوى بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثواب، إذ كل واحدة منها حسنة، ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها.

مثال ذلك القعود في المسجد، فإنه طاعة، ويمكن أن ينوى بها نيات كثيرة: منها أن ينوى بدخوله انتظار الصلاة، ومنها الاعتكاف وكف الجوارح، فإن الاعتكاف كف، ومنها دفع الشواغل الصارفة عن الله تعالى بالانقطاع إلى المسجد، وإلى ذكر الله تعالى فيه، ونحو ذلك، فهذا طريق تكثير النيات، فقس على ذلك سائر الطاعات، إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة.

القسم الثالث: المباحات، فما من شىء من المباحات إلا ويتحمل نية أو نيات، وتصير بها قربات، وينال بها معالي الدرجات، فما أعظم خسران من يغفل عنها ويتعاطاها تعاطى البهائم المهملة.

ولا ينبغي أن يحتقر العبد الخطرات واللحظات، فكل ذلك يسأل عنه في القيامة،

لم فعله؟ وما الذي قصد به؟

مثال ما ينوى به القربة من المباحات إن يتطيب، وينوى بالطيب اتباع السنه، واحترام المسجد، ودفع الروائح الكريهة التي تؤذى مخالطيه.

وقال الشافعي رحمه الله: من طاب ريحه زاد عقله.

وكذلك معالجة رأسه تزايد فطنته وذكاءه، فيسهل عليه إدراك مهمات دنيه.

وقال بعض السلف: إنى لا ستحب أن يكون لى في كل شىء نية، وحتى في آكلي وشربي ونومي ودخولي الخلاء، وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات الدين، فمن قصد من الأكل التقوى على العبادة، ومن النكاح تحصين دينه، وتطييب قلب أهله، والتوصل إلى ولد يعبد الله بعده، أثيب على ذلك كله، ولا تحتقر شيئا من حركاتك وكلماتك، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وصحح قبل أن تفعل ما تفعله، وانظر في نيتك فيما تتركه أيضا.

واعلم: أن النية هي انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أنه مصلحة لها، إما في الحال أو المآل، وربما سمع بعض الجهال ما أوصينا به من تحسين النية، فقال عند أكله: نويت أن آكل لله، أو عند قراءته: نويت أن أقرأ لله، وظن أن ذلك نية، وليس كذلك، إنما النية انبعاث القلب، وتجرى مجرى الفتوح من الله تعالى، وليست النية داخلة تحت الاختيار، فقد تتيسر في بعض الأوقات، وقد تتعذر، وإنما تتيسر له في الغالب لمن قلبه يميل إلى الدين دون الدنيا.

والناس في النيات على أقسام:

منهم من يكون عمله للطاعة إجابة لباعث الخوف.

ومنهم من يكون عمله إجابة لباعث الرجاء.
وثمة مقام أرفع من هذين، وهو أن يعمل الطاعة على نية جلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية، وهذه لا تتيسر لراغب في الدنيا، وهى أعز النيات وأعلاها، وقليل من يفهمها، فضلا عن أن يتعاطاها، وصاحب هذا المقام لا يجاوز ذكر الله تعالى والفكر في جلاله حبا له.

وقد حكى أحمد بن خضرويه أنه رأى رب العزة في منامه، فقال له: كل الناس يطلبون منى، وأبو يزيد يطلبني.

وغرضنا أن هذه النيات متفاوتة في الدرجات ومن غلب على قلبه منها، فربما لم

يتيسر له العدول إلى غيرها، ومن حضرت له نية في المباح، ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى، وانتقلت الفضيلة إليه.

مثال ذلك أن تحضره نية الأكل والنوم ليتقوى بذلك على العبادة ويريح بدنه ولم تنبعث نيته في الحال إلى الصلاة والصوم، فالأكل والنوم أفضل، بل لو مل العبادة لكثرة مواظبته عليها، وعلم أنه لو رفه ساعة مباح عاد نشاطه، فذلك أفضل من التعبد حينئذ.

قال علي عليه السلام: روحوا القلوب، واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان.

وقال بعضهم: روحوا القلوب تعي الذكر.

وهذه دقائق لا تدركها إلا بممارسة العلماء، فإن الحاذق في الطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته، ويستبعد ذلك القاصر في الطب، وإنما يبتغى به أن تعود قوته ليتحمل المعالجة، وكذلك الخبير بالقتال، قد يفر من بين يدي قرنه حيلة منه، ليستجره إلى مضيق، فسلوك طريق الله تعالى كله حرب مع الشيطان، ومعالجة للقلب، والمبصر الموفق يقف في تلك الطريق على لطائف من الحيل يستبعدها الضعفاء، فلا ينبغي لهم ما خفي عليهم، بل يسلمون لأصحاب الأحوال إلى أن ينكشف لهم أسرار ذلك، أو ينالوا ذلك المقام.

١١ - الفصل الثاني في الإخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته

قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: ٣] وغير ذلك من الآيات.

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "أخلص دينك يكفك القليل من العمل" (١).

(١) ضعيف أخرجه ابن أبى الدنيا في "الإخلاص" والحاكم في "المستدرك" من حديث معاذ، وفيه ضعف وانقطاع.

وفى حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: "إذا كان يوم القيامة جاءت الملائكة بصحف مختمة، فيقول الله عز وجل: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلا ما كان، فيقول: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لى".

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الملائكة يرفعون عمل العبد فيكثرونه ويزكونه، فيوحي الله تعالى إليهم، أنتم حفظة على عمل عبدى، وأنا رقيب على ما في نفسه، إن عبدى لم يخلص في عمله، فاجعلوه في سجين، ويصعدون بعمل العبد يستقلونه، فيوحي الله إليهم: إنكم حفظة على عمل عبدى، وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه واجعلوه في عليين".

ويروى عن الحسن قال: كانت شجرة تعبد من دون الله، فجاء إليها رجل فقال: لأقطعن هذه الشجرة، فجاء إليها ليقطعها غضبا لله، فلقيه الشيطان في صورة إنسان فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: إذا أنت لم تعبدها، فما يضرك من عبدها؟ قال: لأقطعنها، فقال له الشيطان: هل لك بما هو خير لك من ذلك لا تقطعها ولك ديناران إذا أصبحت عند وسادتك، قال فمن لى بذلك؟ قال: أنا لك، فرجع فأصبح فوجد عند وسادته دينارين، ثم أصبح بعد فلم يجد شيئا، فقام غضبان ليقطعها، فتمثل له الشبطان في صورته، فقال ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال كذبت، مالك إلى قطعها سبيل، فذهب ليقطعها، فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله، ثم قال له أتدرى من أنا؟ فأخبره أنه الشيطان، وقال: جئت أول مرة غضبا لله، فلم يكن لى عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين فتركتها، فلما فقدتهما جئت غضبا للدينارين فسلطت عليك.

وكان معروف الكرخى يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أخلصي وتخلصي.

وقال أبو سليمان: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى.

وحكى أن رجلا كان يخرج في زي النساء، فيحضر حيث يحضرون من عرس، أو مأتم، فاتفق أنه حضر يوما موضعا فيه مجمع النساء، فسرقت درة، فصاحوا، أغلقوا الباب حتى نفتش، ففتشوا واحدة واحدة حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة معه، فدعا الله بالإخلاص وقال: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا، فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحوا: أطلقوا الحرة، فقد وجدنا الدرة.

١٢ - بيان حقيقة الإخلاص

اعلم: أن كل شئ يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه، سمى إخلاصا.

والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات.

فالإخلاص في التوحيد يضاده الشرك في الإلهية.

والشرك منه جلى، ومنه خفي، وكذلك الإخلاص، وقد ذكرنا درجات الرياء فيما تقدم في بابه، وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب، ولكن أمتزج بهذا الباعث باعث آخر، إما من الرياء، أو من غيره من حظوظ النفس.

ومثال ذلك، أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب، أو يعتق عبد ليتخلص من مؤونته وسوء خلقه، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر، أو للتخلص من شر يعرض له، أو يغزو ليمارس الحرب ويتعلم أسبابها، أو يصلى بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه ليراقب رحله أو أهله، أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال، أو يشتغل بالتدريس ليفرح بلذة الكلام، ونحو ذلك، فمتى كان باعثه التقرب إلى الله تعالى ولكن أنضاف إليه خاطر من هذه الخواطر حتى صار العمل أخف عليه بسبب من هذه الأمور، فقد خرج عمله عن حد الإخلاص.

والإنسان قلما ينفك فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته عن شئ من هذه الأمور، فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله تعالى، نجا، وذلك لعزة الإخلاص، وعسر تنقية القلب من هذه الشوائب، لأن الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب التقرب من الله تعالى.

قيل لسهل: أي شئ أشد على النفس؟ قال: الإخلاص، إذ ليس لها فيه نصيب.

واعلم: أن الشوائب المكدرة للإخلاص متفاوتة، بعضها جلى، وبعضها خفي، وقد ذكرنا درجات الرياء في بابه.

ومن الرياء ما هو أخفى من دبيب النمل، فليطلب هناك، وحاصله أن مادام العامل

يفرق بين مشاهدة الإنسان والبهيمة في حالة من العمل، فهو خارج عن صفو الإخلاص، ولا يسلم من الشيطان إلا من دق نظره وسعد بعصمة الله تعالى وتوفيقه.

وقد قيل: ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من جاهل، وأريد به العالم بدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها، والجاهل ينظر إلى ظاهر العبادة، وقيراط من الذهب الذي يرتضيه الناقد خير من دينار يرتضيه الغر الغبي.

١٣ - فصل في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به

أما العمل الذي لا يريد به إلا الرياء فهو على صاحبه لا له، وهو سبب للعقاب، كما أن العمل الخالص لوجه الله تعالى سبب للثواب.
ولا إشكال في هذين القسمين، وإنما النظر في العمل المشوب الممتزج بشوب الرياء وحظوظ النفس.

وقد اختلف الناس في ذلك، هل يقتضي ثوابا أو عقابا، أو لا يقتضي شيئا أصلا؟ وليس تخلو الأخبار عن تعارض في ذلك.

والذي يتضح لنا فيه -والعلم عند الله تعالى- أن ننظر إلى قدر قوة البواعث، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفساني تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أقوى، ضر وأوجب العقاب، لكن عقابه دون عقاب من تجرد للرياء، وإن كان الباعث الديني أقوى من الآخر، فله ثواب بقدر ما فضل من قوته، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: ٤٠].

ويشهد لما ذكرنا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة، صح حجه وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس، إلا أنه متى كان الحج هو المحرك الأصلى، لم ينفك السفر عن ثواب، وكذلك الغازي إذا قصد الغزو والغنيمة ويكون قصد الغنيمة على سبيل التبع، حصل له الثواب، ولكنه لا يساوى ثواب من لا يلتفت إلى الغنيمة أصلا، والله تعالى أعلم.

١٤ - الفصل الثالث في الصدق وحقيقته وفضله

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا" رواه البخاري ومسلم.

وقال بشر الحافي: من عامل الله بالصدق، استوحش من الناس.

واعلم أن لفظ الصدق قد يستعمل في معان:

أحدهما: الصدق في القول: فحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه، ولا يتكلم إلا بالصدق، والصدق باللسان هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها.

وينبغى أن يحترز عن المعاريض، فإنها تجانس الكذب إلا أن تمس الحاجة إليها، وتقتضيها المصلحة في بعض الأحوال، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيها لئلا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيتهيؤوا لقتاله، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس بكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، أو نمى خيرا".

وينبغى أن يراعى معنى الصدق في ألفاظه التي يناجى بها ربه، كقوله: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، فإن كان قلبه منصرفا عن الله مشغولا بالدنيا فهو كاذب.

الثاني: الصدق في النية والإرادة، وذلك يرجع إلى الإخلاص، فإن مازج عمله شوب من حظوظ النفس، بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يكون كاذبا كما في حديث الثلاثة: العالم، والقارئ، والمجاهد.
لما قال القارئ: قرأت القرآن إلى آخره، إنما كذبه في إرادته ونيته، لا في نفس القراءة، وكذلك صاحباه.

الثالث: الصدق في العزم والوفاء به.

أما الأول: فنحو أن يقول: إن آتاني الله مالا تصدقت بجميعه، فهذه العزيمة قد تكن صادقة، وقد يكون فيها تردد.

وأما الثاني: فنحو أن يصدق في العزم وتسخو النفس بالوعد، لأنه لا مشقة فيه إلا إذا تحققت الحقائق، وانجلت العزيمة، وغلبت الشهوة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] وقال في آية أخرى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن﴾ إلى قوله ﴿وبما كانوا يكذبون﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].

الرابع: الصدق في الأعمال، وهو أن تستوي سريرته وعلانيته، حتى لا تدل أعماله الظاهرة من الخشوع ونحوه على أمر في باطنه، ويكون الباطن بخلاف ذلك.
قال مطرف: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله عز وجل: هذا عبدى حقا.

الخامس: الصدق في مقامات الدين، وهو أعلى الدرجات، كالصدق في الخوف والرجاء والزهد والرضى والحب والتوكل، فإن هذه الأمور لها مبادئ ينطلق عليها الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق، فالصادق المحقق من نال حقيقتها، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمى صاحبه صادقا، قال الله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ..﴾ إلى قوله: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥].

ولنضرب للخوف مثلا فنقول: ما من عبد يؤمن بالله إلا وهو خائف من الله خوفا يطلق عليه الاسم وهو غير بالغ إلى درجة الحقيقة، ألا تراه إذا خاف سلطانا كيف يصفر ويرتعد خوفا من وقوع المحذور، ثم إنه يخاف النار ولا يظهر عليه شئ من ذلك عند فعل المصيبة، ولذلك قال عامر بن عبد قيس: عجبت للجنة نام طالبها، وعجبت للنار نام هاربها.

والتحقيق في هذه الأمور عزيز جدا، فلا غاية لهذه المقامات حتى نال تمامها، ولكن لكل حظ بحسب حاله، إما ضعيف وإما قوى، فإذا قوى سمى صادقا، وإذا علم الله من عبد صدقا صغى له، والصادق في جميع هذه المقامات عزيز، وقد يكون للعبد صدق في بعضها دون بعض.
ومن علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعا وكراهة اطلاع الخلق على ذلك.

١٥ - باب في المحاسبة والمراقبة

قال الله تعالى: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال: ﴿يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (٦) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨] فاقتضت هذه الآيات وما أشبهها خطر الحساب في الآخرة.

وتحقق أرباب البصائر أنهم لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة لأنفسهم وصدق المراقبة، فمن حاسب نفسه في الدنيا، خف في القيامة حسابه، وحسن منقبله، ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته، فلما علموا أنهم لا ينجيهم إلا الطاعة وقد أمرهم الله تعالى بالصبر والمرابطة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] فرابطوا أنفسهم أولا بالمشارطة، ثم المراقبة، ثم بالمحاسبة، ثم بالمعاقبة، ثم بالمجاهدة، ثم بالمعاتبة، فكانت لهم في المرابطة ست مقامات، وأصلها المحاسبة، ولكن كل حساب يكون بعد مشارطة ومراقبة، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة، ولابد من شرح ذلك المقام.

المقام الأول: المشارطة

اعلم: أن التاجر كما يستعين بشريكه في التجارة طلبا للربح، ويشارطه ويحاسبه، كذلك العقل يحتاج إلى مشاركة النفس، ويوظف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ثم لا يغفل عن مراقبتها، فإنه لا يأمن خيانتها وتضييعها رأس المال، ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه التجارة ربحها الفردوس الأعلى، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم من تدقيقه بكثير من أرباح الدنيا، فحتم على ذي عزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها، فإن كل

نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها.

فإذا فرغ العبد من فريضة الصبح، ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة نفسه فيقول للنفس: ما لى بضاعة إلا العمر، فإذا فني منى رأس المال وقع اليأس من التجارة، وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأخر أجلى، وأنعم على به، ولو توفانى لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا حتى أعمل فيه صالحا، فاحسبي يا نفس أنك قد توفيت ثم رددت، فإياك أن تضيعي هذا اليوم، وأعلمي أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وأن العبد ينشر له بكل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة، فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيحصل له من السرور، بشاهدة تلك الأنوار ما لو وزع على أهل النار لأدهشتهم عن الإحساس بألم النار، ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح ريحها ويغشاه ظلامها، وهى الساعة التي عصا الله تعالى فيها، فيحصل له من الفزع والخزى ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمهم، ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسوؤه ولا يسره، وهى الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من المباح، ويتحسر على خلوها، ويناله ما نال القادر على الربح الكثير إذا أهمله حتى فاته، وعلى هذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه، اجتهدي اليوم في أن تعمري خزانتك، ولا تدعيها فارغة، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة، فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك.

قال بعضهم: هب أن المسيء قد عفي عنه، أليس قد فاته ثواب المحسنين؟ فهذه وصيته في نفسه وفي أوقاته، ثم يستأنف لها وصية أخرى في أعضائه السبعة، وهى: العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، وتسليمها إلى النفس، فإنها رعايا خادمة لها في هذه التجارة المخلدة، بها يتم أعمالها، ويعملها أن أبواب جهنم سبعة على عدد هذه الأعضاء، فتعيين تلك الأبواب لمن عصى الله تعالى بهذه الأعضاء، فيوصيها بحفظها عن معاصيها.

أما العين فيحفظها عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، أو إلى مسلم بعين الاحتقار، وعن كل فضول مستغنى عنه، ويشغلها بما فيه تجارتها وربحها، وهو النظر إلى ما خلقت له من عجائب صنع الله تعالى بعين الاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء والنظر إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومطالعة كتب الحكم للاتعاظ والاستفادة.

وهكذا ينبغي أن يتقدم إلى كل عضو بالوصية، بما يليق به، ولا سيما اللسان والبطن، وقد ذكرنا آفات اللسان فيما تقدم، فيشغله بما خلق له، من الذكر والتذكير، وتكرار العلم والتعليم، وإرشاد عباد الله تعالى إلى طريق الله، وإصلاح ذات البين، إلى غير ذلك من الخير.

وأما البطن، فيكلفه ترك الشرة، واجتناب الشبهات والشهوات، ويقتصر على قدر الضرورة، ويشترط على نفسه إذا خالفت شيئا من ذلك أن يعاقبها بالمنع من شهوات البطن، ليفوتها أكثر مما نالت بشهوتها، وهكذا في جميع الأعضاء، واسقصاء ذلك يطول، وكذلك ما تخفى طاعات الأعضاء ومعاصيها.

ثم يستأنف وصيتها في وظائف العبادات التي تتكرر في اليوم والليلة، في النوافل التي يقدر عليها، وعلى الاستكثار منها، وهذه شروط يفتقر إليها كل يوم إلى أن تتعود النفس ذلك، فيستغني عن المشارطة، ولكن لا يخلو كل يوم من حادثة لها حكم جديد لله تعالى عليه في ذلك حق، ويكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدنيا، من ولاية أو تجارة أو نحو ذلك، إذ قل أن يخلو يوم عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضى حق الله فيها، فعليه أن يشرط نفسه الاستقامة فيها، والانقياد للحق.

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على [الأماني] " (١).

وقال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ [الحاقة: ١٨]

المقام الثاني: المراقبة:

إذا أوصى الإنسان نفسه، وشرط عليها ما ذكرناه، لم يبق إلا المراقبة لها وملاحظتها، وفى الحديث الصحيح في تفسير الإحسان، لما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أرد بذلك استحضار عظمة الله ومراقبته في حال العبادة.

(١) ضعيف وقد تقدم.

قيل: دخل الشبلى على ابن أبى الحسين النوري (١) وهو قاعد ساكن، لا يتحرك من ظاهر شئ، فقال له: ممن أخذت هذه المراقبة والسكون؟ فقال: من سنور كانت لنا، إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر حتى لا يتحرك لها شعرة.

وينبغى أن يراقب الإنسان نفسه قبل العمل وفى العمل، هل حركه عليه هوى النفس أو المحرك له هو الله تعالى خاصة؟ فإن كان الله تعالى، أمضاه وإلا تركه، وهذا هو الإخلاص.

قال الحسن: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.

فهذه مراقبة العبد في الطاعة وهو أن يكون مخلصا فيها، ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع، ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعم، فإنه لا يخلو من نعمة لابد له من الشكر عليها، ولا يخلو من بلية لابد من الصبر عليها، وكل ذلك من المراقبة.

وقال وهب من منبه في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يشغل عن أربع ساعات، ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه على نفسه، وساعة يخلو بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ولا يحرم، فإن هذه الساعة عون على الساعات وإجمام للقوة.

وهذه الساعة التي هو مشغول فيها بالمطعم والمشرب، لا ينبغي أن تخلو عن عمل هو أفضل الأعمال، وهو الذكر والفكر، فإن الطعام الذي يتناوله فيه من العجائب ما لو تفكر فيه كان أفضل من كثير من أعمال الجوارح.

المقام الثالث: المحاسبة بعد العمل:

قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ [الحشر: ١٨] وهذه إشارة إلى المحاسبة بعد العمل، ولذلك قال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.

وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه، وقال: إن المؤمن يفجؤه

(١) في النسخ المخطوطة "الثوري" وهو تصحيف.

الشيء يعجبه فيقول: والله إنى لأشتهيك وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من حيلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، ما لى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا إن شاء.

إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله.

واعلم: أن العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه، كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يطالب فيها نفسه في آخر النهار، ويحاسبها على جميع ما كان منها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم.

ومعنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال، وفى الربح، وفى الخسران لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه الفرائض، وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي، وليحاسبها أولا على الفرائض، وإن ارتكب معصية اشتغل بعقابها ومعاقبتها ليستوفى منها ما فرط.

قيل: كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتا! ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة ذنب! كيف وفى كل يوم عشرة آلاف ذنب!! ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يا لها ركضة إلى الفردوس الأعلى!

فهكذا ينبغي للعبد أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصية القلب والجوارح في كل ساعة، فإن الإنسان لو رمي بكل معصية يفعلها حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي وهى مثبتة ﴿أحصاه الله ونسوه﴾.

المقام الرابع: معاقبة النفس على تقصيرها:

اعلم: أن المريد إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيرا، أو فعلت شيئا من المعاصي فلا ينبغي أن يمهلها، فإنه يسهل عليه حينئذ مفارقة الذنوب ويعسر عليه فطامها، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده.

وكما روى عن عمر رضي الله عنه: أنه خرج إلى حائط له، ثم رجع وقد صلى

الناس العصر، فقال: إنما خرجت إلى حائطي، ورجعت وقد صلى الناس العصر، حائطي صدقة على المساكين.
قال الليث: إنما فاتته الجماعة، وروينا عنه أنه شغله أمر عن المغرب حتى طلع نجمان، فلما صلاها أعتق رقبتين.

وحكى أن تميم الداري رضي الله عنه نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع.

ومر حسان بن سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك! لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها.

فأما العقوبات بغير ذلك مما لا يحل، فيحرم عليه فعله، مثال ذلك: ما حكى أن رجلا من بنى إسرائيل، وضع يده على فخذ امرأة، فوضعها في النار حتى شلت، وأن آخر حول رجله لينزل إلى امرأة، ففكر وقال: ماذا أردت أن أصنع؟ فلما أراد أن يعيد رجله قال: هيهات رجل خرجت إلى معصية الله لا ترجع معى، فتركها حتى تقطعت بالمطر والرياح، وأن آخر نظر إلى امرأة فقلع عينيه، فهذا كله محرم، وإنما كان جائزا في شريعتهم، وقد سلك نحو ذلك خلق من أهل ملتنا، حملهم على ذلك الجهل بالعلم، كما حكى عن غزوان الزاهد: أنه نظر إلى امرأة، فلطم عينه حتى نفرت.

وروينا عن بعضهم: أنه أصابته جنابة وكان البرد شديدا، وأنه وجد في نفسه توقفا عن الغسل، فآلي ألا يغتسل إلا في مرقعته، ألا ينزعها ولا يعصرها، فكانت شديدة الكثافة تزيد على عشرين رطلا.
وقد ذكرت كثيرا من هذا الفن الصادر عن المتعبدين على الجهل في كتابي المسمى بـ "تلبيس إبليس"

المقام الخامس: المجاهدة:

وهو أنه إذا حاسب نفسه، فينبغي إذا رآها قد قارفت معصية أن يعاقبها كما سبق، فإن رآها تتوانى بحكم الكسل بى شئ من الفضائل، أو ورد من الأوراد، فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها، كما ورد عن ابن عمر رضي الله عنه أنه فاتته صلاة في جماعة، فأحيا الليل كله تلك الليلة، وإذا لم تطاوعه نفسه على الأوراد، فإنه يجاهدها ويكرهها ما استطاع.

وقال ابن المبارك: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوا، وإن

أنفسنا لا تواتينا إلا كرها.

ومما يستعان به عليها أن يسمعها أخبار المجتهدين، وما ورد في فضلهم، ويصحب من يقدر عليه منهم، فيقتدي بأفعاله.

قال بعضهم: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى وجه محمد بن واسع وإلى اجتهاده؟ فعملت على ذلك اسبوعا.
وقد كان عامر بن عبد قيس يصلى كل يوم ألف ركعة.
وكان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضر ويصفر، وحج مسروق فما نام إلا ساجدا، وكان داود الطائى يشرب الفتيت مكان الخبز، ويقرأ بينهما خمسين آية، وكان كرز بن وبرة يختم كل يوم ثلاث ختمات، وكان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم، وصلى أربعون نفسا من القدماء الفجر بوضوء العتمة، وجاور أبو محمد الحريري سنة فلم ينم ولم يتكلم، ولم يستند إلى حائط، ولم يمد رجله، فقال له أبو بكر الكتاني: بم قدرت على هذا؟ قال: علم صدق باطني فأعانني على ظاهري.

ودخلوا على زحلة العابدة فكلموها بالرفق بنفسها فقالت: إنما هي أيام مبادرة، فمن فاته اليوم شئ لم يدركه غدا والله يا إخوتاه! لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له في أيام حياتي، ولأبكين ما حملت الماء عيناي.

ومن أراد أن ينظر في سير القوم، ويتفرج في بساتين مجاهداتهم، فلينظر في كتابي المسمى بـ "صفة الصفوة" فإنه يرى من أخبار القوم ما يعد نفسه بالإضافة إليهم من الموتى، بل من أخبار المتعبدات من النسوة ما يحتقر نفسه عند سماعه.

المقام السادس: في معاتبة النفس وتوبيخها:

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته.

وقال أنس رضي الله عنه: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك.

وقال البخترى بن حارثة: دخلت على عابد فإذا بين يديه نار قد أججها وهو يعاتب نفسه، فلم يزل يعاتبها حتى مات.

وكان بعضهم يقول إذا ذكر الصالحون: فأف لى وتف.

واعلم: أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، وقد أمرت بتقويمها وتزكيتها وفطامها عن مواردها، وأن تقودها بسلاسل الدهر إلى عبادة ربها، فإن أهملتها جمحت وشردت، ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن لزمها بالتوبيخ رجونا أن تصير مطمئنة، فلا تغفلن عن تذكيرها.
وسبيلك أن تقبل عليها، فتقرر عندها جهلها وغباوتها وتقول: يا نفس، ما أعظم جهلك، تدعين الذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا، أما تعلمين أنك صائرة إلى الجنة أو النار؟ فكيف يلهو من لا يدرى إلى أيتهما يصير؟! وربما اختطف في يومه أو في غده! أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن الموت يأتى بغتة من غير موعد، ولا يتوقف على سن دون سن، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، وإن لم يكن الموت فجأة كان المرض فجأة، ثم يفضي إلى الموت.
فمالك لا تستعدين للموت وهو قريب منك؟! يا نفس، إن كانت جرأتك على معصية الله تعالى لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن كانت مع علمك باطلاعه عليك، فما أشد رقاعتك، وأقل حياءك! ألك طاقة على عذابه؟ جربى ذلك بالقعود ساعة في الحمام، فاطلبي الشهوات الباقية الصافية عن الكدر، ورب أكلة منعت أكلات.

وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء ثلاثة أيام ليصح ويتهيأ لشربه طول العمر؟ فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة؟ أيصبر ثلاثة أيام ليتنعم إلى الأبد الذي هو مدة نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار أقل من ثلاثة أيام بالإضافة إلى جميع العمر، بل أقل من لحظة بالإضافة إلى عمر الدنيا.
وليت شعري! ألم الصبر عن الشهوات أشد وأطول، أم النار في الدركات؟ فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة، كيف يطيق ألم العذاب في الآخرة؟ أشغلك حب الجاه؟ أما بعد ستين سنه أو نحوها، لا تبقين أنت ولا من كان لك عنده جاه.
هلا تركت الدنيا لخسة شركائها، وكثرة عنائها وخوفا من سرعة فنائها؟ أتستبدلين بجوار رب العالمين صف النعال في صحبة الحمقى؟ قد ضاع أكثر البضاعة، وقد بقيت من العمر صبابة، ولو استدركت ندمت على ما ضاع، فكيف إذا أضفت الأخير إلى الأول؟ اعملي في أيام قصار لأيام طول، وأعدى الجواب للسؤل.
أخرجي من الدنيا خروج الأحرار قبل أن تكون خروج اضطرار إنه من كانت مطيته الليل والنهار سير به وإن لم يسر.
تفكري في هذه

فصول الكتاب · 25 فصل · 408 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مختصر منهاج القاصدين · 408 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة بقلم العلامة الشيخ محمد أحمد دهمانكتاب العلم وفضله وما يتعلق بهكتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بهاكتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق بهكتاب الحج وأسراره وفضائله وآدابه ونحو ذلككتاب آداب القرآن الكريم وذكر وفضلهكتاب الأذكار والدعوات وغيرهاكتاب النكاح وآدابه وما يتعلق بهكتاب آداب الكسب والمعاش وفضله وصحة المعاملة وما يتعلق بذلككتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلككتاب آداب السفركتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكركتاب شرح عجائب القلوبكتاب رياضة النفس وتهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلوبكتاب كسر الشهوتين: [شهوة البطن وشهوة الفرج]كتاب آفات اللسانكتاب ذم الغضب والحقد والحسدكتاب ذم الجاه والرياء وعلاجهما وفضيلة الخمول وغير ذلككتاب ذم الكبر والعجب وهما فصلان:
كتاب الغرور وأقسامه ودرجاته
كتاب الرجاء والخوفكتاب الزهد والفقركتاب التوحيد والتوكل
كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى
١ - فصل في بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن يؤثر على ذلك لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة٢ - فصل في بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى وتفاوت الناس في الحب وبيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى٣ - فصل في بيان معنى الشوق إلى الله تعالى٤ - فصل في بيان محبة الله تعالى للعبد ومعناها وبيان علامات محبة العبد لله تعالى٥ - فصل في بيان معنى الأنس بالله والرضى بقضاء الله عز وجل٦ - فصل [يتصور الرضى فيما يخالف الهوى]٧ - فصل [في أن الدعاء لا يناقض الرضى]٨ - باب في النية والإخلاص والصدق٩ - الفصل الأول في النية وحقيقتها وفضلها وما يتعلق بذلك١٠ - واعلم أن الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام:١١ - الفصل الثاني في الإخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته١٢ - بيان حقيقة الإخلاص١٣ - فصل في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به١٤ - الفصل الثالث في الصدق وحقيقته وفضله١٥ - باب في المحاسبة والمراقبةالمقام الأول: المشارطةالمقام الثاني: المراقبة:المقام الثالث: المحاسبة بعد العمل:المقام الرابع: معاقبة النفس على تقصيرها:المقام الخامس: المجاهدة:المقام السادس: في معاتبة النفس وتوبيخها:
جارٍ التحميل