ومن الناس من غرته الدنيا، فقال: النقد خير من النسيئة، والدنيا نقد، والآخرة نسيئة، وهذا محل التلبيس، فإن النقد لا يكون خيرا من النسيئة، إلا إذا كان مثل النسيئة، ومعلوم أن عمر الإنسان بالإضافة إلى مدة الآخرة ليس بجزء من ألف جزء إلى أن ينقطع النفس، وإنما أراد من قال: النقد خير من النسيئة، إذا كانت النسيئة مثل النقد، وهذا غرور الكفار.
فأما ملابسو المعاصي مع سلامة عقائدهم، فإنهم قد شاركوا الكفار في هذا الغرور، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة، إلا أن أمرهم أسهل من أمر الكفار، من جهة أن أصل الإيمان يمنعهم من عقاب الأبد.
ومن العصاة من يغتر، فيقول: إن الله كريم، وإنما نتكل على عفوه، وربما اغتروا بصلاح آبائهم.
وقد قال العلماء: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه، ومن رجا الغفران مع الاصرار، فهو مغرور.
وليعلم أن الله تعالى مع سعة رحمته شديد العقاب، وقد قضى بتخليد الكفار في النار، مع أنه لا يضره كفرهم، وقد سلط الأمراض والمحن على خلق من عباده في الدنيا، وهو سبحانه قادر على إزالتها، ثم خوفنا من عقابه، فكيف لا نخاف؟!
فالخوف والرجاء سائقان يبعثان على العمل، وما لا يبعث على العمل فهو غرور.
يوضح هذا أن رجاء أكثر الخلق يحملهم على البطالة، وإيثار المعاصي.
والعجب أن القرن الأول عملوا وخافوا، ثم أهل هذا الزمان أمنوا مع التقصير واطمأنوا، أتراهم عرفوا من كرم الله تعالى ما لم يعرف الأنبياء والصالحون.
ولو كان هذا الأمر يدرك بالمنى، فلم تعب أولئك وكثر بكاؤهم؟! وهل ذم أهل الكتاب بقوله: ﴿يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، إلا لمثل هذا الحال؟!
وأما من اغتر بصلاح آبائه، فهلا يذكر قصة نوح عليه السلام مع ابنه، وإبراهيم عليه السلام مع أبيه، ومحمد مع عمه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سائر النبيين.
ويقرب من هذا الغرور، غرور أقوام لهم طاعات ومعاصي، إلا أن معاصيهم أكثر، وهم يظنون أن حسناتهم ترجح، فترى الواحد منهم يتصدق بدرهم ويكون قد تناول من الغصب أضعاف ذلك، ولعل الذي تصدق به من المغصوب، ويتكل على تلك الصدقة، وما هو إلا كمن وضع درهما في كفه وألفا في أخرى، ثم رجا أن يرجح الدرهم بآلف.
ومنهم من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه، وسبب ذلك أنه يحفظ عدد حسناته، ولا يحاسب نفسه على سيئاته، ولا يتفقد ذنوبه، كالذي يستغفر الله ويسبحه مائة مرة في اليوم ثم يظل طول النهار يغتاب المسلمين، ويتكلم بما لا يرضى، فهو ينظر في فضائل التسبيح والاستغفار، ولا ينظر في عقوبة الغيبة والكلام المنهي عنه.
١ - فصل [الاغترار واقع بالعلماء والعباد]
ويقع الاغترار في الأغلب في حق أربعة أصناف:
العلماء، والعباد، والمتصوفة، والأغنياء.
الصنف الأول: العلماء:
فأما أهل العلم، فالمغترون منهم فرق:
منهم فرق أحكموا العلوم الشرعية والعقلية، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي، وإلزامهم الطاعات، واغتروا بعلمهم، وظنوا أنهم من الله بمكان، ولو نظر هؤلاء بعين البصيرة، علموا أن علم المعاملة لا يراد به إلا العمل، ولولا العمل لم يكن له قدر.
قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] ولم يقل: قد أفلح من تعلم كيف يزكيها، فإن تلا عليه الشيطان فضائل أهل العلم، فليذكر ما ورد في العالم الفاجر، كقوله تعالى: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ [الأعراف: ١٧٦]، و﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ [الجمعة: ٥].
ومنهم فرقة أخرى أحكموا العلم والعمل الظاهر، ولم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا الصفات المذمومة منها، كالكبر والحسد والرياء، وطلب العلو، وطلب الشهوة، فهؤلاء زينوا ظاهرهم، وأهملوا بواطنهم، ونسوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
فتعاهدوا الأعمال، ولم يتعاهدوا القلوب، والقلب هو الأصل، إذ لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم.
ومثال هؤلاء كمثل رجل زرع زرعا، فنبت معه حشيش يفسده، فامر بقلعه، أخذ يجز رؤوسه وأطرافه ويترك أصوله، فلم تزل أصوله تقوى.
وفرقة أخرى علموا أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة، إلا أنهم بعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها، وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بذلك، وإنما يبتلى بذلك العوام دون من بلغ مبلغهم من العلم، فإذا ظهر عليهم مخايل الكبر والرياسة.
قال أحدهم: ما هذا بكبر، وإنما هو طلب عز الدين، وإظهار شرف العلم، وإرغام المبتدعين، فإني لو لبست الدون من الثياب، وجلست في الدون من المجالس، شمتت بى أعداء الدين، وفرحوا بذلى، وفى ذلي ذل الإسلام، وينسى الغرور، وأن إبليس هو الذي سول له هذا بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا يتواضعون ويؤثرون الفقر والمسكنة.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما قدم الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه وأمسكهما، وخاض الماء، ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنعا عظيما عند أهل الأرض، فصك في صدره وقال: أوه لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة.
إنكم كنتم أذل وأحقر الناس، فأعزكم الله برسوله، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله (١).
وفى رواية عنه: لما قدم الشام، استقبله الناس وهو على بعيره.
قيل له: لو ركبت برذونا تلقى به عظماء الناس ووجوههم؟ فقال عمر رضي الله عنه: لا أراكم هاهنا، إنما الأمر من هاهنا -وأشار بيده إلى السماء- خلوا سبيل جملي.
ثم العجب من مغرور يطلب عز الدنيا بالثياب الرفيعة، والخيول الفارهة ونحو ذلك، وإذا خطر له خاطر الرياء قال: إنما غرضي بهذا إظهار العلم والعمل، لاقتداء الناس بى ليهتدوا إلى الدين، ولو كان هذا قصده لفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم به، لأن من كان قصده صلاح الخلق يفرح بصلاحهم على يد من كان،
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٨٢، وإسناده صحيح.
وكذلك من يدخل منهم على سلطان، ويتودد إليه، ويثنى عليه، ويتواضع له ويقول: إنما غرضي بهذا أن أشفع في مسلم عنه الضرر، والله يعلم أنه لو أظهره لبعض أقرانه قبول عند السلطان لثقل عليه ذلك.
وقد ينتهي غرور بعضهم أنه يأخذ من مالهم الحرام ويقول: هذا مال لا ملك له، وهو لمصالح المسلمين، وأنت إمام من أئمتهم، فيغير بهذا التلبيس من جهة نظره إلى نفسه.
وربما كان دجالا من الدجالين من جهة قوله: هذا مال لا ملك له.
وغاية الأمر وقوع الاختلاط في الأموال، وذلك لا يمنع كونهما حراما، وقد يكون عالما بمن أخذ منه المال.
وفرقة أخرى أحكموا العلم، وطهروا جوارحهم وزينوها بالطاعات، وتفقدوا قلوبهم بتصفيتها من الرياء والحسد والكبر ونحو ذلك، ولكن بقيت في زوايا القلب خفايا من مكائد الشيطان وخدع النفس لم يفطنوا لها وأهملوها، فترى أحدهم يسهر ليله وينصب (١) نهاره في جمع العلوم وترتيبها وتحسين ألفاظها، ويرى أن باعثه على ذلك الحرص على إظهار دين الله تعالى، وربما كان الباعث لذلك طلب الذكر وانتشار الصيت، ولعله لا يخلو في تصنيفه من الثناء على نفسه، إما صريحا بالدعاوى الطويلة العريضة، وإما ضمنا بالطعن في غيره ليبين في طعنه في غيره أنه أفضل من ذلك الغير، وأعظم منه علما.
فهذا وأمثاله من خفايا العيوب التي لا يفطن لها إلا الأكياس الأقوياء، ولا مطمع فيه لأمثالنا من الضعفاء، إلا أن أقل الدرجات أن يعرف الإنسان عيوب نفسه، ويحرص على صلاحها.
ومن سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مرجو أمره، بخلاف من يزكى نفسه ويظن أنه من خيار الخلق.
فهذا غرور الذين حصلوا العلوم المهمة، فكيف بالذين قنعوا من العلوم بما لا يهمهم وتركوا المهم.
فمنهم من اقتصر على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لصلاح المعايش، وربما ضيعوا الأعمال الظاهرة وارتكبوا بعض المعاصي من الغيبة والنظر إلى ما لا يحل، والمشى إلى ما لا يجوز، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وجميع المهلكات، فهؤلاء مغرورون من وجهين: أحدهما من حيث العمل، والآخر من حيث العلم
(١) أي يتعب.
ومثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه، لا بل مثلهم مثل من به علة البرسام وهو مشرف على الهلاك، فاشتغل بتعلم دواء الاستحاضة، وجعل يكرر ذلك، وذلك غاية الغرور.
وسبب غروره ما سمع في النقل من تعظيم الفقه، ولم يدر أن الفقه هو الفقه عن الله تعالى، ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة، ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى.
وقد قال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]. والذي يحصل له الإنذار غير هذا العلم، فان مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات، وحفظ الأبدان بالأموال، ودفع القتل والجراحات والمال في طريق الله تعالى آلة، والبدن مركب.
وإنما العلم المهم معرفة سلوك الطريق، وقطع عقابات القلب التي هي من الصفات المذمومة، فهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى.
ومثال من اقتصر على ذلك، كمثل من اقتصر في سلوك الحج على علم خرز الراوية والخف، ولا شك أنه لابد من ذلك: ولكن ليس من الحج في شئ.
ومن هؤلاء من اقتصر على علم الخلاف، ولم يهمه إلا طريق المجادلة، والإلزام، والإفحام، ودفع الحق لأجل الغلبة، فهو أسوأ حالا ممن ذكر قبلهم، وجميع دقائق الجدل في الفقه بدعة لم يعرفها السلف.
وأما أدلة الأحكام، فيشتمل عليها علم المذهب، وهى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما حيل الجدل، من الكسر، والقلب، وفساد الوضع والتركيب، والتعدية فإنما أبدعت لإظهار الغلبة والإفحام.
وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء، والرد على المخالفين.
ثم هؤلاء طائفتان: ضالة، ومحقة، فالضالة التي تدعو إلى غير السنة، والمحقة التي تدعو إلى السنة، والغرور شامل لجميعهم.
أما الضالة، فاغترارها ظاهر، وأما المحقة فاغترارها من حيث إنها ظنت أن الجدال أهم الأمور، وأفضل القربات في دين الله تعالى، وزعمت أنه لا يتم لا حد دينه
ما لم يبحث، وأن من صدق الله ورسوله من غير تحرير دليل، فليس بكامل الإيمان، فلهذا الظن الفاسد قطعوا أعمارهم في تعلم الجدل والبحث عن المقالات، وعميت بصائرهم، فلم يلتفتوا إلى القرن الأول، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد لهم بأنهم خير الخلق، وأنهم قد أدركوا كثيرا من البدع والهوى، فلم يجعلوا أعمارهم ودينهم عرضا للخصومات والمجادلات، ولم يشتغلوا بذلك عن تفقد قلوبهم وجوارحهم، بل لم يتكلموا فيه إلا لضرورة رد الضلال، فان رأوه مصرا على بدعته هجروه من غير مماراة ولا جدل.
وقد روى في الحديث: "ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل".
وفرقة أخرى اشتغلوا بالوعظ، وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب، من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين والإخلاص، وهم يظنون أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات وهم منفكون عنها أنهم من أهلها، فهؤلاء يدعون إلى الله وهم هاربون منه، فهم أعظم الناس غرة.
ومن هؤلاء من يعدل عن المنهاج الواجب في الوعظ إلى الشطح وتلفيق كلام خارج عن قانون الشرع والعقل طلبا للأغراب.
ومنهم من يستشهد بأشعار الوصال والفراق، وغرضهم أن يكثر الصياح مجالسهم والتواجد، ولو على أغراض فاسدة، فهؤلاء شياطين الإنس.
ومنهم فرقة استغرقوا أوقاتهم في سماع الحديث، وجمع رواياته، وأسانيده الغريبة والعالية، فهم أحدهم أن يدور البلاد، ويرى الشيوخ ليقول: أنا أروى عن فلان، ولقيت فلانا، ولى من الإسناد ما ليس لغيري.
ومنهم فرقة اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر، وزعموا أنهم علماء الأمة، وأذهبوا أعمارهم في دقائق النحو واللغة، ولو عقلوا لعلموا أن مضيع عمره في معرفة لغة العرب كالمضيع عمره في معرفة لغة الترك، وإنما فارقتها لغة العرب لأجل ورود الشريعة بها، فيكفى من اللغة على الغريبين: غريب القرآن، والحديث، ومن النحو ما يقوم به اللسان.
فأما التعمق إلى درجات لا تتناهى، فذلك يشغل عما هو أجود منه وألزم.
ومثال التعمق في ذلك، مثال من ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن، مقتصرا على ذلك، وذلك غرور، لأن المقصود من الحروف المعاني، وإنما الحروف ظروف وأدوات، ومن احتاج إلى شرب السكنجبين لإزالة الصفراء، فضيع عمره في تحسين القدح الذي يشرب فيه، فهو مغرور، والسعيد من أخذ من كل شئ من هذا حاجته المهمة لا غير، وتجاوز إلى العمل، واجتهد فيه وفى تصفيته من الشوائب، فهذا هو المقصود.
وفرقة أخرى عظم غرورهم، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق، وظنوا أن ذلك ينفعهم، بل ذلك غرور، فان الإنسان إذا ألجأ زوجته إلى أن تبرئه من حقها لم يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى.
وكذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول لزوجته، واتهابه مالها لإسقاط الزكاة، ونحو ذلك من أنواع الحيل.
الصنف الثاني: أرباب التعبد والعمل، وهم فرق:
فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالنوافل الفضائل، وربما تعمقوا في استعمال الماء حتى خرجوا إلى الوسوسة في الوضوء، فترى أحدهم لا يرضى بالماء المحكوم له بالطهارة شرعا، بل يقدر الاحتمالات البعيدة في التنجس، ولا يقدر ذلك في مطعمه، فلو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى المطعم، لكان أشبه بسير السلف، فإن عمر رضي الله عنه توضأ من جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة، وكان مع هذا يدع أنواعا من الحلال خوفا من الوقوع في الحرام.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ من مزادة مشركة (١).
ثم منهم من يخرج إلى الإسراف في الماء، ويطول به الأمر، حتى تضيع الصلاة ويخرج وقتها.
ومنهم من غلبت عليه الوسوسة في تكبيرة الإحرام في الصلاة، حتى ربما فاتته ركعة مع الإمام.
(١) الخبر مطولا في البخاري ١/ ٣٧٩، ٣٨٤ من حديث عمران، وفيه أن أحد الصحابة كانت قد أصابته جنابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إناء من ماء أخذه من مزادة مشركة، وقال له: اذهب فأفرغه عليك.
ومنهم من يتوسوس في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها، فلا يزال يحتاط في التشديدات، والفرق بين الضاد والظاء فوق الحاجة، ونحو ذلك، بحيث يهتم بذلك حتى لا يتفكر فيما سواه، ويذهل عن معنى القرآن والاتعاظ به، وهذا من أقبح أنواع الغرور فان الخلق لم يتكلفوا من تحقيق مخارج الحروف في تلاوة القرآن إلا بما جرت به العادة في الكلام.
ومثال هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى سلطان، فأخذ يؤدى الرسالة بالتأنق في مخارج الحروف وتكراره، وهو غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس، فما أحراه بالطرد والتأديب.
وفرقة أخرى اغتروا بقراءة القرآن، فهم يهذونه هذا، وربما ختموا في اليوم مرتين، فلسان أحدهم يجرى به وقلبه يتردد في أودية الأمانى، ولا يتفكر في معاني القرآن ولا يتعظ بمواعظه، ولا يقف عند أوامره ونواهيه، فهذا مغرور يظن أن المقصود من القرآن التلاوة فقط.
ومثال ذلك، مثال عبد كتب إليه مولاه كتابا يأمره فيه وينهاه، فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به، بل اقتصر على حفظه وتكراره، ظانا أن ذلك هو المراد منه، مع مخالفته أمر مولاه ونهيه.
ومنهم من يلتذ بصوته بالقرآن، معرضا عن معانيه، فينبغي أن يتفقد قلبه فيعرف هل التذاذه بالنظم، أو بالصوت، وبالمعاني.
وفرقة أخرى اغتروا بالصوم وأكثروا منه، وهم لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة والفضول، ولا بطونهم من الحرام عند الإفطار، ولا خواطرهم عن الرياء.
ومنهم من اغتر بالحج، فيخرج إليه من غير خروج عن المظالم، وقضاء الديون، واسترضاء الوالدين، وطلب الزاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط فرض الحج، ويضيعون في الطريق العبادة والفرائض ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن، ولا يحترزون من الرفث والخصام، وهم مع ذلك يظنون انهم على خير وهم مغرورون.
وفرقة أخرى أخذوا في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ونسوا أنفسهم.
ومنهم من يؤم في مسجد، ولو تقدم عليه أورع منه وأعلم، ثقل عليه.
ومنهم من يؤذن ويظن أن ذلك لله، ولو أذن غيره في غيبته، أشتد عليه ذلك وقال: قد زاحمني في مرتبتي.
ومنهم من يجاور بمكة أو المدينة وقلبه متعلق ببلاده، وقول الناس: فلان مجاور بمكة أو المدينة، ثم إنه يجاور ويطمع في أوساخ الناس، وقد يجمع ذلك ويشح به ويجتمع له جملة من المهلكات.
وما من عمل إلا وفيه آفات، فمن لم يعرفها وقع فيها، ومن أراد أن يعرفها، فلينظر في كتابنا هذا، فينظر في آفات الرياء الحاصل في العبادات من الصوم والصلاة وفى جميع القربات في الأبواب المرتبة في هذا الكتاب، وإنما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق.
وفرقة أخرى زهدت في المال، وقنعت بالدون من اللباس والطعام، وقنعت من المسكن بالمساجد، فظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهم مع هذا شديدو الرغبة في الرياسة والجاه، فقد تركوا أهون الأمرين وباؤوا بأعظم المهلكين.
وفرق أخرى حرصت على النوافل، ولم تعتن بالفرائض، فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل، ولا يجد للفريضة لذة.
ولا يحرص على المبادرة إليها في أول الوقت، وينسى قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: "ما تقرب المتقربون إلا بمثل أداء ما افترضت عليهم" (١).
الصنف الثالث: المتصوفة
.
والمغرورون منهم فرق:
فرقة منهم اغتروا بالزي والنطق والهيئة، فتشبهوا بالصادقين من الصوفية بالظاهر، ولم يتعبوا أنفسهم في المجاهدة والرياضة، ثم هم يتكالبون على الحرام والشبهات
(١) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري ١١/ ٢٩٢، ٢٩٦ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - "إن الله تعالى قال: من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشىء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" والمراد بالولي: العالم المواظب على طاعة الله ورسوله، المخلص في عبادته، وقد اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته.
وقال أبو سليمان الخطابي: هذه أمثال، والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه، ويحفظه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله.
وأموال السلاطين ويمزق بعضهم أعراض بعض إذا اختلفوا في غرض، وهؤلاء غرورهم ظاهر.
ومثالهم مثال عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال من المقاتلين تثبت أسماؤهم في الديوان، ويقطع كل واحد منهم قطرا من أقطار الأرض، فاشتاقت نفسها إلى ذلك، فلبست درعا ووضعت على رأسها مغفرا، وتعلمت من رجز الأبطال أبياتا، وتعلمت زيهم وجمع شمائلهم، ثم توجهت إلى العسكر، فكتب اسمها في ديوان الشجعان، فلما حضرت في ديوان العرض، أمرت بتجريد المغفر والدرع لينظر ما تحته وتمتحن بالمبارزة، فلما جردت إذا هي عجوز ضعيفة زمنة، فقيل لها: جئت تستهزئين بالملك وأهل حضرته، خذوها وألقوها بين أيدي الفيل، فألقيت إليه.
فهكذا يكون حال المدعين التصوف في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء، وعرضوا على الحاكم الأكبر الذي ينظر إلى القلب لا إلى المرقعات والزي.
وفرقة أخرى ادعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاورة المقامات والأحوال، والوصول إلى القرب، ولا يعرفون من تلك الأمور إلا الأسماء، فترى أحدهم يرددها ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء، فضلا عن العوام، حتى إن بعض العامة يلازمهم الأيام الكثيرة، ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة، ويرددها كأنه يتكلم عن الوحى، ويحتقر في ذلك جميع العلماء والعباد، ويقول: إنهم محجوبون عن الله، وإنه هو الواصل إلى الحق، وإنه من المقربين، وهو عند الله من الفجار المنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، لم يحكم علما ولم يهذب خلقا، ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وحفظ الهذيان.
وفرقة منهم طووا بساط الشرع، ورفضوا الأحكام، وسووا بين الحلال والحرام، وبعضهم يقول: إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي؟
وبعضهم يقول: لا قدر للأعمال بالجوارح، وإنما النظر إلى القلوب، وقلوبنا والهة بحب الله تعالى، وواصلة إلى معرفته، وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا، وقلوبنا عاكفة في الحضرة الربانية، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب، ويزعمون انهم قد تراقوا عن رتبة العوام، واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية، وأن الشهوات
لا تصدهم عن طريق الله تعالى لقوتهم فيها، ويرفعون أنفسهم عن درجة الأنبياء، لأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يبكون على خطيئة واحدة سنين.
وأصناف غرور أهل الإباحة لا تحصى، وكل ذلك أغاليط ووساوس، خدعهم الشيطان بها، لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم، من غير اقتداء بشيخ صاحب علم ودين صالح للاقتداء به.
ومنهم فرقة أخرى جاوزوا هذه الطريق، واشتغلوا بالمجاهدة، وابتدؤوا بسلوك الطريق وانفتح لهم باب المعرفة، فلما استنشقوا مبادئ ريح المعرفة، تعجبوا منها وفرحوا بها وأعجبهم غريبها، فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر فيها، وكيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده عن غيرهم، وكل ذلك غرور، لأن عجائب طريق الله سبحانه وتعالى ليس لها نهاية.
ولو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها، قصرت خطاه وجره الوصل إلى القصد، وكان مثاله مثال من قصد ملكا، فرأى على بابه روضة فيها أزهار لم يكن رأى مثلها، فوقف ينظر إليها حتى فاته الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك.
الصنف الرابع: أرباب الأموال:
وهم فرق:
ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس ويكتبون أسماءهم عليها ليتخلد ذكرهم، ويبقى بعد الموت أثرهم، ولو كلف أحدهم أن ينفق دينارا ولا يكتب اسمه في الموضع الذي أنفق عليه لشق عليه، ولولا أنه يريد وجه الناس لا وجه الله، لما شق عليه ذلك، فإن الله يطلع عليه، سواء كتب اسمه أو لم يكتبه.
وبعضهم يصرف المال في زخرفة المساجد، وتزيينه بالنقوش التي هي منهي عنها وشاغلة للمصلين، فإن المقصود من الصلاة الخشوع وحضور القلب، وذلك يفسد قلوب المصلين.
فأما إن كان المال الذي صرفه في ذلك حراما، كان أشد في الغرور.
قال مالك بن دينار رحمه الله: أتى رجل مسجدا، فوقف على الباب وقال، مثلى لا يدخل بيت الله، فكتب في مكانه صديقا.
فبهذا ينبغي أن تعظم المساجد، وهو أن يرى تلويث المسجد بدخوله فيه بنفسه
جناية على المسجد، لا أن يرى تلويث المسجد بالحرام، أو بزخرف الدنيا منه على الله تعالى، فغرور هذا من حيث أنه يرى المنكر معروفا.
وفرقة أخرى يحفظون الأموال ويمسكونها بخلا، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا تحتاج إلى نفقة المال، كالصيام والصلاة وختم القرآن، وهم مغرورون لأن البخل مهلك، وقد استولى على قلوبهم، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال، فقد اشتغلوا عنه بفضائل لا تجب عليهم.
ومثالهم مثال من دخلت في ثوبه حية، فاشتغل عنها بطبخ السكنجبين لتسكن به الصفراء.
ومنهم من لا تسمح نفسه إلا بأداء الزكاة فقط، فيخرج الرديء من المال، أو يعطى من الفقراء من يخدمه، ويتردد في حاجاته، أو من يحتاج إليه في المستقبل أو من له فيه غرض.
ومنهم من يسلم من ذلك إلى بعض الأكابر ليفرقه، لينال بذلك عنده منزلة ويقوم بحوائجه، وكل ذلك مفسد للنية وصاحبه مغرور، لأنه يطلب بعبادة الله تعالى عوضا عن غيره.
وفرقة أخرى من أرباب الأموال وغيرهم، اغتروا بحضور مجالس الذكر، وظنوا أن نفس الحضور يغنيهم عن العمل والاتعاظ، وليس كذلك، لأن مجلس الذكر إنما فضل لكونه مرغبا في الخير، وكل ما يراد لغيره إذا لم يوصل إلى ذلك الغير فلا وقع له، وربما سمع أحدهم التخويف، فلا يزيد على قوله: يا سلام سلم، أو أعوذ بالله، ويظن أنه قد أتى المقصود.
ومثال هذا كمثل مريض يحضر عند الأطباء فيسمع ما يجرى، أو الجائع يحضر عند من يصف له الأطعمة اللذيذة، ثم ينصرف فلا يغنى ذلك عنه.
فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها، فكل وعظ لم يغير منك صفة تتغير بها أفعالك، فهو حجة عليك.
فإن قيل: فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يكاد يخلص منه.
فالجواب: أن مدار أمر الآخرة على معنى واحد، وهو تقويم القلب، ولا يعجز
عن ذلك إلا من لم تصدق نيته، فإن الإنسان لو اهتم بأمر الآخرة كما يهتم بأمر الدنيا لنالها.
وقد فعل ذلك السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان.
ويستعان على التخلص من الغرور بثلاثة أشياء.
العقل: وهو النور الأصلي الذي يدرك به الإنسان حقائق الأشياء.
والمعرفة: التي يعرف بها الإنسان نفسه وربه ودنياه وأخرته.
وفى كتاب المحبة، وشرح عجائب القلب، والتفكر، وكتاب الشكر إشارات إلى وصف النفس، ووصف جلال الله سبحانه.
ويستعين على معرفة الدنيا والآخرة بما ذكر في كتاب "ذم الدنيا" وكتاب "ذكر الموت"، فإذا حصلت هذه المعارف، ثار من القلب بمعرفة الله تعالى حب الله، وبمعرفة الآخرة حب شدة الرغبة فيها، وبمعرفة الدنيا شدة الرغبة عنها، فيصير أهم أموره إليه ما يوصله إلى الله تعالى، وينفعه في الآخرة، وإذا غلبت هذه الإرادة على قلب، صحت نيته في الأمور كلها، واندفع عنه كل غرور.
فإذا غلب حب الله تعالى على قلبه لمعرفته به وبنفسه، واحتاج إلى الأمر الثالث وهو العلم، ونعنى به العلم بكيفية سلوك الطريق إلى الله تعالى وآفاتها، والعلم بما يقربه منه ويهديه، وجميع ذلك في كتابنا هذا.
فيعرف من ربع العبادات والعادات ما هو محتاج إليه، وما هو مستغن عنه، ويتأدب بأدب الشرع.
ويعرف من ربع المهلكات جميع العقبات المانعة من طريق الله تعالى، وهى الصفات المذمومة في الخلق.
ويعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة التي لابد أن توضح خلفا من المذمومة بعد محوها، فإذا أحاط بجميع ذلك، أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور، والله أعلم.
وإذا فعل جميع ذلك ينبغي أن يكون خائفا أن يخدعه الشيطان، ويدعوه إلى الرياسة ويخاف عليه أيضا من الأمن من مكر الله تعالى.
ولذلك قيل: والمخلصون على خطر عظيم (١).
وقال الإمام احمد رحمه الله للشيطان حين قال له عند الموت: فتني.
فقل: لا بعد.
فلا ينبغي أن يفارق الخوف قلوب الأولياء أبدا.
نسأل الله تعالى السلامة من الغرور، وحسن الخاتمة، إنه قريب مجيب.
آخر الغرور.
وبه تم ربع المهلكات، ونشرع الآن في ربع المنجيات.
(١) قطعة من خبز موضوع طالما تردد على ألسنة القصاص الذين لا يكفون عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولفظه بتمامه كما أورده العجلوني في "كشف الخفاء": "الناس كلهم موتى، إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم غرقى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" وبعضهم يرويه: هلكى في الكل، ونقل عن الصغاني قوله: وهذا حديث مفترى ملحون.
الربع الرابع: ربع المنجيات كتاب التوبة وذكر شروطها وأركانها وما يتعلق بذلك
اعلم: أن الذنوب حجاب عن المحبوب، والانصراف عما يبعد عن المحبوب واجب.
وإنما يتم ذلك بالعلم والندم والعزم، فإنه متى لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب، لم يندم على الذنوب، ولم يتوجع بسبب سلوكه طريق البعد، وإذا لم يتوجع لم يرجع.
وقد أمر الله تعالى بالتوبة فقال: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: ٣١] وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ الآية [التحريم: ٨].
وقال: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة".
وفى "الصحيحين" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية (١) مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته".
والأحاديث في هذا كثيرة، والإجماع منعقد على وجوب التوبة، لأن الذنوب مهلكات مبعدات عن الله تعالى، فيجب الهرب منها على الفور.
والتوبة واجبة على الدوام، فإن الإنسان لا يخلو عن معصية، لو خلا عن معصية بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، وإن خلا عن ذلك، لم يخل عن وسواس
(١) الدو والدوي والدوية: الفلاة المستوية الواسعة البعيدة الأطراف، وربما قالوا: داوية
الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، لو خلا عنه لم يخل عن غفلة وقصور في العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولا يسلم أحد من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وأما أصل ذلك، فلا بد منه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة".
ولذلك أكرمه الله تعالى بقوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢] فأما غيره فكيف يكون حاله؟ ومتى اجتمعت شروط التوبة كانت صحيحة مقبولة، قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى: ٢٥].
وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
والأحاديث في ذلك كثيرة.
١ - فصل في بيان أقسام الذنوب
أعلم: أن للإنسان أخلاقا وأوصافا كثيرة، لكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات:
أحدها: صفات ربوبية، ومنها يحدث الكبر والفخر، وحب المدح والثناء، والعز وطلب الاستعلاء ونحو ذلك، وهذه ذنوب مهلكات، وبعض الناس يغفل عنها، فلا يعدها ذنوبا.
الثانية: صفات شيطانية، ومنها يتشعب الحسد، والبغي والحيل والخداع والمكر، والغش والنفاق والأمر بالفساد ونحو ذلك.
الثالثة: الصفات البهيمية، ومنها يتشعب الشر والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، فيتشعب من ذلك الزنى واللواطة والسرقة، وأخذ الحطام لأجل الشهوات.
الرابعة: الصفات السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد، والتهجم على الناس بالقتل والضرب، وأخذ الأموال، وهذه الصفات لها تدرج في الفطرة.
فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولا، ثم تتلوها الصفة السبعية ثانيا، فإذا اجتمعت هاتان، استعملتا العقل في الصفات الشيطانية، من المكر والخداع والحيل، ثم تغلب الصفات الربوبية.
فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع إلى الجوارح، فبعضها في القلب، كالفكر، والبدعة، والنفاق، وإضمار السوء، وبعضها في العين، وبعضها في السمع، وبعضها في اللسان، وبعضها في البطن والفرج، وبعضها في اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن، ولا حاجة إلى تفاصيل ذلك فإنه واضح.
ثم الذنوب تنقسم إلى ما يتعلق بحقوق الآدميين، وإلى ما بين العبد وبين ربه.
فما يتعلق بحقوق العباد، فالأمر فيه أغلظ، والذي بين العبد وبين ربه، فالعفو فيه أرجى وأقرب، إلا أن يكون شركا والعياذ بالله، فذلك الذي لا يغفر.
وقد روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله.
فأما الديوان الذي لا يغفره الله تعالى، فالشرك.
قال الله تعالى ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة: ٧٢].
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء.
وأما الديوان الذي لا يترك منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعض، فالقصاص لا محالة".
قسمة أخرى:
اعلم: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر الاختلاف فيها، واختلفت الأحاديث في عدد الكبائر.
والأحاديث الصحاح في ذكرها خمسة.
الأول: حديث أبى هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات.
قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
الثاني: حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سئل أي الذنب أكبر؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك".
الثالث: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين".
الرابع: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور -أو قال- شهادة الزور".
الخامس: حديث أبى بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت عنده الكبائر قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
وقت اختلفت العلماء فيها على أقوال كثيرة، والأحاديث في الكبائر لا تدل على حصرها فيها، ولعل الشارع قصد الإبهام ليكون الناس على وجل من الذنوب، لكن يعرف من الأحاديث أجناس الكبائر، ويعرف أيضا أكبر الكبائر.
فأما أصغر الصغائر، فلا سبيل إلى معرفته، وقد تكلم العلماء في عدد الكبائر، فروى عن ابن مسعود رضي الله عنه: وهي أربع:
وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: هي سبع.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا بلغه قول عمر: إنها سبع، قال: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع.
وقال أبو صالح عن ابن عباس: هي ما أوجب الحد في الدنيا.
وعن ابن مسعود أن الكبائر من فاتحة النساء إلى قولة: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١].
وقال سعيد بن جبير وغيره: هي كل ذنب أوعد الله عليه النار.
وقال أبو طالب المكي: الكبائر سبع عشرة جمعتها من جملة الأخبار.
أربعة في القلب: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله تعالى.
وأربعة في اللسان: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر.
وثلاثة في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا.
واثنتان في الفرج: الزنا واللواطة.
واثنتان في اليدين: القتل والسرقة.
وواحدة في الرجلين: الفرار من الزحف.
واحدة في جميع البدن، وهى عقوق الوالدين.
وهذا يمكن أن يزاد عليه، وينقص منه، فإن ضرب اليتيم وتعذيبه أكبر من أكل ماله، والله أعلم.
٢ - فصل في كيفية توزع الدرجات في الآخرة على الحسنات والسيئات في الدنيا
اعلم: أن الناس يتفاوتون في الآخرة، كما يتفاوتون في الدنيا، وينقسمون إلى أربعة أقسام: هالكين، ومعذبين، وناجين، وفائزين.
ومثال ذلك أن يستولي ملك من الملوك على إقليم، فيقتل بعض أهله، ويعذب بعضهم ولا يقتلهم، ويخلى بعضهم، فهم الناجون، ويخلع بعضهم وهم الفائزون.
وإذا كان الملك عادلا، فلا يقسمهم كذلك إلا باستحقاق، ولا يقتل إلا جاحدا لاستحقاق الملك، معاندا له في أصل الولاية، ولا يعذب إلا من قصر في خدمته مع الاعتراف له بالملك، ولا يخلى إلا معترفا له بالملك، ولم يقصر، ولا يخلع إلا على من أبلى عمره في الخدمة والنصرة، وكل واحد من هذه الأقسام يتفاوتون في النعيم والتعذيب على حسب أحوالهم، ويشهد لذلك ما ورد في الحديث أن من الناس من يمر على الصراط كالبرق الخاطف، ومنهم من يبقى في النار سبعة آلاف سنة، وبين اللحظة وسبعة آلاف سنة تفاوت كثير.
وأما اختلاف العذاب بالشدة، فلا نهاية لأعلاه، وأدناه التعذيب بالمناقشة في الحساب، كما أن الملك قد يعذب بعض المقصرين في الأعمال بالمناقشة في
الحساب، ثم يعفو، وقد يضرب بالسياط أو يعذب بغيرها من أنواع العذاب.
وتفاوت منازل أهل السعادة على نحو ذلك في النعيم، فهذه الأمور الكلية معلومة بالنقل ونور المعرفة.
فأما من جهة التفصيل، فنقول: كل من أحكم أصل الإيمان، واجتنب جميع الكبائر، أحسن جميع الفرائض ولم يكن منه إلا صغائر متفرقة لا يصر عليها، فيشبه أن يعفى عنه، فقد نص القرآن على اجتناب الكبائر مكفر للصغائر.
وهذا إما أن يلتحق بالمقربين، أو أصحاب اليمين، وذلك بحسب إيمانه، ويقينه، فإن قل أو ضعف، دنت منزلته، وإن كثر وقوى، علت منزلته.
ثم إن المقربين يتفاوتون بحسب تفاوت معرفتهم بالله تعالى، ودرجات العارفين في المعرفة لا تنحصر، لأن بحر المعرفة لا ساحل له، وإنما يغوص فيه الغواصون بقدر قواهم، فأعلى درجات أصحاب اليمين، أدنى درجات المقربين، هذا حال من اجتنب الكبائر وأدى الفرائض.
فأما من ارتكب، أو أهمل أركان الإسلام، فإنه إن تاب توبة نصوحا قبل قرب الأجل، التحق بمن لم يرتكب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والثوب المغسول كالذي لم يتسخ أصلا.
فأما إن مات قبل التوبة، فأمره خطر، إذ ربما يكون موته على الإصرار سببا لتزلزل إيمانه، فيختم له بسوء الخاتمة، لا سيما إذا كان إيمانه تقليدا فإنه قابل للانحلال بأدنى شك وخيال، والعارف الموقن أبعد من أن يخاف عليه سوء الخاتمة.
ثم إن عذاب الميت عن غير توبة يكون بحسب قبح الكبائر ومدة الإصرار.
ثم ينزل البله المقلدون الجنة، وينزل العارفون المستبصرون أعلى عليين، وما ذكرناه من مراتب العباد في المعاد حكم ظاهر الأسباب، يضاهى حكم الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة، ولا يقبل إصلاح العلاج، وعلى مريض آخر بأن عارضه خفيف، وعلاجه هين، فإن ذلك ظن يصيب غالبا، وقد تثوب إلى الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب، وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه، وذلك لأسرار الله تعالى الخفية، وفى أرواح الأحياء غموض للأسباب التي رتبها المسبب، وليس في قوة البشر الوقوف على كنهها، وكذلك الفوز والهلاك في الآخرة لهما أسباب خفية ليس في قوة
البشر الاطلاع عليها، وكذلك يجوز العفو عن المعاصي وإن كثرت سيئاته، والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة، فإن الاعتماد على التقوى، والتقوى في القلب، وأحوال القلب قد تخفى على صاحبه، فكيف على غيره؟
وأما الناجون، ونعنى بالنجاة السلامة فقط دون السعادة والفوز، وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم، ولم يقصروا فيعذبوا، ويشبه أن يكون هذا حال المجانين، وأولاد الكفار، والذين لم تبلغهم الدعوة، فلم يكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا طاعة ولا معصية، ويصلح أن يكونوا على الأعراف.
وأما الفائزون، فهم العارفون، وهم المقربون والسابقون، وهؤلاء الذين لم تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وليس حرصهم على الجنة، بل على لقاء الله سبحانه وتعالى والنظر إليه.
ومثالهم مثال المحب، فإنه في تلك الحال غافل عن نفسه، لا يحس بما يصيبه في بدنه، ولا هم له سوى محبوبه، فهؤلاء الواصلون إلى قرة أعين، ولا تخطر على قلب بشر، فهذا القدر كافي بيان توزيع الدرجات على الحسنات.
٣ - فصل في بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب
اعلم: أن الصغيرة تكبر بأسباب: منها الإصرار والمواظبة.
وفى الحديث من رواية ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار" (١).
واعلم: أن العفو عن كبيرة قد انقضت ولم يتبعها مثلها، أرجى من العفو عن صغيرة يواظب عليها العبد.
ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على حجر متواليات، فإنها تؤثر فيه، ولو جمعت تلك القطرات في مرة وصبت عليه لم تؤثر، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل".
(١) رواه أبو الشيخ ومن طريقه الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث سعيد بن سليمان سعدويه، عن أبي شيبة الخراساني، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس .. وأبو شيبة الخراساني قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال الذهبي في "الميزان": أتى بخبر منكر رواه عنه سعدويه، فذكره وقد ذكره ابن المنذر في تفسيره من قول ابن عباس.
ومن الأسباب التي تعظم الصغائر أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد، صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره العبد، كبر عند الله تعالى، فإن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه وكراهيته له.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا.
أخرجاه في "الصحيحين".
وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله تعالى، فإذا نظر إلى عظمة من عصى، رأى الصغيرة كبيرة.
وفى البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات".
وقال بلال بن سعد رحمه الله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
ومن الأسباب أن يفرح بالصغيرة ويتمدح بها، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقت عرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجلته، أو يقول التاجر: أما رأيت كيف روجت عليه الزائف، وكيف خدعته وغبنته، فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر.
ومنها أن يتهاون بستر الله تعالى وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدرى أن ذلك قد يكون مقتا ليزداد بالإهمال إثما.
ومنها أن يأتى الذنب ثم يذكره بمحضر من غيره، وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره الله عليه، ويصبح يكشف ستر الله عنه".
ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدي به، فإذا علم منه الذنب، كبر ذنبه، كلبسه الحرير، ودخوله على الظلمة مع ترك الإنكار عليهم، وإطلاق اللسان في الأعراض، واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه، كعلم الجدل، فهذه ذنوب يتبع العالم
عليها، فيموت ويبقى شره مستطيرا في العالم، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه.
وفى الحديث: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ".
فعلى العالم وظيفتان:
إحداهما: ترك الذنب، والثانية: إخفاؤه إذا أتاه.
وكما تتضاعف أوزار العلماء إذا أتبعوا على الذنوب، كذلك تتضاعف حسناتهم إذا أتبعوا على الخير.
وينبغى للعالم أن يتوسط في ملبسه ونفقته، وليكن إلى التقلل أميل، فإن الناس ينظرون إليه.
وينبغى له الاحتراز مما يقتدي به فيه، فإنه متى ترخص في الدخول على السلاطين وجمع الحطام، فاقتدى به غيره، كان الإثم عليه، وربما سلم هو في دخوله، ولم يفهموا كيفية سلامته.
وقد رأينا أن ملكا كان يكره الناس على أكل لحم الخنزير، فجيء برجل عالم، فقال له حاجب الملك: قد ذبحت له جديا فكل منه، فلما دخل قرب إليه فلم يأكل، فأمر بقتله، فقال له الحاجب: ألم أقل لك إنه جدى، فقال: ومن أين يعلم حالي من يقتدي بى.
٤ - فصل في شروط التوبة
واعلم: أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا، وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلا بين الإنسان وبين محبوبه.
والندم هو توجع القلب عنده شعوره بفراق المحبوب، وعلامته طول الحزن والبكاء، فإن من استشعر عقوبة نازلة بولده أو من يعز عليه، طال بكاؤه، واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز عليه من نفسه؟ وأي عقوبة أشد من النار؟ وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصى؟ وأى خبر أصدق من رسول الله؟ ولو أخبره طبيب أن ولده لا يبرأ من مرضه لاشتد في الحال حزنه، وليس ولده بأعز من نفسه، ولا الطبيب أعلم من
الله ورسوله، ولا الموت بأشد من النار، ولا المرضى أدل على الموت من المعاصي على سخط الله، والتعرض بها للنار.
وينبغى للتائب أن يتفقد ما عليه من صلاة فائتة، أو بغير شرطها؟ مثل أن يكون صلاها في ثوب نجس، أو بنية غير صحيحة، لجهله بذلك، فيقضيها كلها.
وكذلك إن كان عليه صوم، أو زكاة، أو حج، أو غير ذلك من الموجبات، يقضيها كلها، ويفتش على ذلك ويتداركه.
وأما المعاصى، فينبغى أن يفتش من أول بلوغه عن معصية صدرت منه، وينظر فيها، فما كان من ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، فالتوبة منه الندم والاستغفار.
ثم ينظر إلى مقادير ذنوبه، فيطلب لكل معصية منه حسنة تناسبها، فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السيئات.
قال الله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أتبع السيئة الحسنة تمحها".
مثال ما ذكرنا: أن يكفر سماع الملاهي بسماع القرآن ومجالس الذكر، ويكفر مسح المصحف بغير طهارة بإكرامه وكثرة القراءة فيه، وإن أمكنه أن يكتب مصحفا ويقفه فليفعل، ويكفر شرب الخمر بالتصدق بالشراب الحلال.
وعلى هذا فاسلك سبيل المضادة، فإن الأمراض إنما تعالج بضدها، فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى.
وأما مظالم العباد، ففيها أيضا معصية الله تعالى، لأنه نهى عن ظلم العباد، فالظالم لهم قد ارتكب نهيه تعالى، فيتدارك ذلك بالندم والعزم على ترك مثل ذلك في المستقبل، والإتيان بالحسنات المضادة لتلك المظالم كما تقدم في القسم الأول.
فيقابل إيذاء الناس بالإحسان إليهم، ويكفر غصب الأموال بالتصدق بماله الحلال، ويكفر تناول أعراضهم بالثناء على أهل الدين، ويكفر قتل النفوس بالعتق.
هذا فيما يتعلق بحق الله تعالى، فإذا فعل ذلك، لم يكفه حتى يخرج من مظالم العباد.
ومظالمهم إما في النفوس، أو الاموال، أو الأعراض، أو إيذاء القلوب.
أما الأول: فإنه إذا قتل خطأ أو أوصل الدية إلى مستحقيها، إما منه أو من عاقلته، وإن قتل عمدا، وجب عليه القصاص بشروطه، فعليه أن يبذل نفسه لولى الدم، إن
شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، ولا يجوز له إخفاء أمره، بخلاف ما لو زنا، أو سرق، أو شرب الخمر، أو باشر ما يجب فيه حد لله تعالى، فإنه لا يلزمه فى التوبة أن يفضح نفسه، بل عليه أن يستر نفسه، فإن رفع أمره إلى الولي حتى أقام عليه الحد، وقد ذلك موقعه وكانت توبته صحيحة مقبولة عند الله تعالى، بدليل قصة ماعز والغامدية.
وكذلك حد القذف، لابد فيه من تحكيم المستحق فيه.
الثاني: المظالم المتعلقة بالأموال، نحو الغضب، والخيانة، والتلبيس فى المعاملات، فيجب عليه رد ذلك إلى أصحابه والخروج منه.
وليكتب إلى أصحاب المظالم، وليؤد إليهم حقوقهم، ويستحلهم، فإن كثر ظلمه بحيث لا يقدر على أدائه، فليفعل ما يقدر عليه من ذلك، ولم يبق له طريق إلا الاستكثار من الحسنات، لتؤخذ منه في القصاص يوم القيامة فتوضع فى موازين أرباب المظالم، فإنها إن تفي بذلك أخذ من سيئاتهم، فتوضع فوق سيئاته.
هذا حكم المظالم الثابتة فى الذمة والأموال الحاضرة، فإن كان عنده أموال من شئ من ذلك لم يعرف مالكه ولا ورثته، تصدق به عنه، وإن اختلط الحلال بالحرام، عرف قدر الحرام بالاجتهاد، وتصدق بمقداره.
الثالث: الجناية على الأعراض، وإيذاء القلوب، فعليه أن يطلب كل واحد منهم، وليستحله، وليعرفه قدر الجناية، فإن الاستحلال المبهم لا يكفى، وربما لو عرف ذلك لم تطب نفسه بالإحلال، إلا أن تكون تلك الجناية إذا ذكرت كثر الأذى، كسبته إلى عيب من خفايا عيوبه، أو كزنى بجارته، فليجتهد فى اللطف به والإحسان إليه، ثم ليستحله مبهما، ولابد أن يبقى فى مثل ذلك مظلمة تجبر بالحسنات يوم القيامة، وكذلك من مات من هؤلاء فإنه يفوت أمره، ولا يتدارك إلا بكثير الحسنات، لتؤخذ منه عوضا يوم القيامة، ولا خلاص إلا برجحان الحسنات.
٥ - فصل [في شروط التوبة]
ومن شروط التوبة الصحيحة العزم على أن لا يعود فى المستقبل إلى تلك الذنوب، ولا إلى أمثالها، ويعزم على ذلك عزما مؤكدا.
مثال ذلك المريض الذي يعلم أن الفاكهة تضر في مرضه، فيعزم عزما جزما أن لا يتناول شيئا من الفاكهة ما دام في مرضه ذلك، فإن هذا العزم يتأكد في الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة في ثاني الحال، ولكن لا يكون تائبا ما لم يتأكد عزمه في الحال، ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب في أول مرة إلا بالعزلة، والصمت وقلة الأكل والنوم، وإحراز قوت حلال، ويترك الشبهات والشهوات من المأكولات والملبوسات.
قال بعضهم: من صدق في ترك الشهوة، وجاهد نفسه فيها سبع مرات، لم يبتل بها، وقال: من تاب من ذنب واستقام سبع سنين، لم يعد إليه أبدا.
٦ - بيان أقسام العباد في دوام التوبة
الناس في التوبة أربع طبقات:
الطبقة الأولى: تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرط من أمره، ولا يحدث نفسه بالعودة إلى ذنوبه، إلا الزلات التي لا ينفك عنها البشر في العادات، فهذه هي الاستقامة في التوبة، وصاحبها هو السابق بالخيرات.
وتسمى هذه التوبة: النصوح، وتسمى هذه النفس: المطمئنة، وهؤلاء يختلفون منهم من سكنت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم من تنازعه نفسه وهو ملئ بمجاهدتها.
الطبقة الثانية: تائب قد سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر الفواحش، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها في مجارى أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئا منها لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، فهذه رتبة عالية أيضا، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون بطينة الآدمى، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ميزانه، فترجح حسناته، فأما إن تخلو كفة السيئات، فبعيد.
وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله سبحانه وتعالى، إذ قال: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣٢] والى هذه الرتبة الإشارة
بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يحب المؤمن المفتن التواب" (١).
الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيقدم عليها لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها، وإنما قهرته شهوة واحدة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، وكفاه شرها، فإذا انتهت ندم، لكنه يعد نفسه بالتوبة عن ذلك الذنب، فهذه هي النفس المسؤولة، وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا﴾ فأمر هذا من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما يتعاطاه مرجو لقوله تعالى: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] وعاقبته خطرة من حيث تأخيره وتسويفه، فربما يختطف قبل التوبة، فإن الأعمال بالخواتيم، فعلى هذا يكون الخوف من الخاتمة، وكل نفس يمكن أن يتصل به الموت، فتكون الخاتمة، فليراقب الأنفاس، وليحذر وقوع المحذور.
الطبقة الرابعة: أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكا من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة.
فإن مات هذا على التوحيد، فإنه يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين، ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا يطلع عليه، إلا أن التعويل على هذا لا يصلح، فإن من قال: إن الله تعالى كريم، وخزائنه واسعة، ومعصيتي لا تضره، ثم تراه يركب البحار في طلب الدينار، فلو قيل له: فإذا كان الحق كريما فاجلس في بيتك لعله يرزقك، استجهل قائل هذا وقال: إنما الأرزاق بالكسب فيقال له: هكذا النجاة بالتقوى.
٧ - فصل [فيما ينبغي للتائب فعله]
وقد ذكرنا أن التائب ينبغي له أن يأتى بحسنات تضاد ما عمل من السيئات،
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" رقم (٦٠٥) و(٨١٠) من حديث علي رضي الله عنه، وفي سنده أبو عبد الله مسلمة الرازي لا يعرف وأبو عمرو البجلى، واسمه عبيدة بن عبد الرحمن، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به يروي الموضوعات عن الثقات وعبد الملك بن سفيان الثقفي مجهول.
والمفتن بفتح التاء المشددة، أي: الممتحن بالذنب.
لتمحوها وتكفرها، والحسنات المكفرة تكون بالقلب واللسان والجوارح على حسب السيئات، فما كان بالقلب، فنحو التضرع والتذلل، وأما اللسان، الاعتراف بالظلم والاستغفار، مثل أن يقول: رب ظلمت نفسي فاغفر لي.
روى في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلى ركعتين، ويستغفر الله عز وجل، إلا غفر له".
وأما الجوارح فبالطاعات، والصدقات، وأنواع العبادات.
٨ - فصل في دواء التوبة وطريق علاج حل عقد الإصرار
اعلم: أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى بالدواء إلا مناقضة أسباب الداء، ولا يبطل الشيء إلا بضده، وسبب الإصرار الغفلة والشهوة، ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم، ولا تضاد الشهوة إلا بالصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة.
الغفلة رأس الخطايا، فلا دواء إذا للتوبة إلا بمعجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر، كما يجمع في السكنجبين حلاوة السكر وحموضة الخل، فيحصل بمجموعهما قمع الصفراء.
والأطباء لهذا المرض هم العلماء، لأنه مرض القلوب ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان، وإنما صار مرضها أكثر لأمور:
أحدها: أن المريض لا يدرى أنه مريض.
الثاني: أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم، بخلاف مرض الأبدان، فإن عاقبته مشاهد ينفر الطبع عنه، وما بعد الموت غير مشاهد، فقلت النفرة عن الذنوب وإن علمها مرتكبها، فلذلك تراه يتكل على فضل الله في مرض القلب، ويجتهد في علاج البدن من غير اتكال.
الأمر الثالث: وهو الداء العضال فقد الطبيب، فإن الأطباء هم العلماء، وقد مرضوا في هذه الأعصار، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا، وقد غلب هذا الداء على
الأطباء، فلم يقدروا على تحذير الخلق استنكافا من أن يقال لهم: فما لكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم؟ فبهذا السبب عم الداء وانقطع الدواء.
فإن قيل: فما ينبغي للواعظ سلوكه من الخلق؟
فالجواب: أن ذلك يطول، لكنا نشير إلى الأعمال النافعة في ذلك، وهى أربعة أنواع:
الأول: أن يذكر ما في القرآن العزيز من الآيات المخوفة للمذنبين، وما ورد في الأخبار والآثار من ذلك، ويمزج ذلك بمدح التائبين.
النوع الثاني: حكايات الأنبياء عليهم السلام، والسلف الصالح، وما أصابهم من المصائب بسبب الذنوب، كحال آدم عليه السلام، وما لقي في عصيانه الإخراج من الجنة، وما جرى لداود وسليمان ويوسف عليهم السلام، ولم يورد القرآن هذه الأشياء إلا للاعتبار.
وكان من سعادتهم معالجتهم بذلك، والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما، ولأن عذاب الآخرة أشد، فينبغي أن يكثر من هذا على أسماع المصرين، فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة.
النوع الثالث: أن يقرر عندهم، أن تعجل العقوبة في الدنيا متوقع، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب، فهو سبب جناياته، فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة يخاف عقوبة الدنيا أكثر لفرط جهله، والذنوب قد يتعجل في الدنيا شؤمها، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (١).
وقال الفضيل بن عياض: إنى لأعصى الله، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي.
وقال أبو سليمان الداراني: الاحتلام عقوبة، ولا يفوت أحدا صلاة إلا بذنب يذنبه.
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢، وابن حبان (١٠٩٠) والحاكم ١/ ٤٩٣، وابن ماجة (٤٠٢٢) والطحاوي في "مشكل الآثار" ٤/ ١٦٩ من حديث ثوبان رضي الله عنه وتمامه: "ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وفي سنده جهالة أو انقطاع، لكن لقوله: "ولا يرد القدر إلا الدعاء ... " شاهد يحسن به.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن المؤمن إذا أذنب كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وذلك الران الذي ذكر الله عز وجل في كتابه: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤] قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال الحسن رحمه الله: الحسنة نور في القلب، وقوة في البدن، والسيئة ظلمة في القلب، ووهن في البدن.
النوع الرابع: ذكر ما ورد من العقوبات في آحاد الذنوب، كشرب الخمر، والزنى، والقتل، والكبر، والحسد، والغيبة.
وينبغى أن يكون طبيبا يعلم الداء، ويدرى كيف يصنع الدواء، فإن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أوصني، قال: "لا تغضب".
وقال آخر: أوصني، فقال: "عليك باليأس مما في أيدي الناس".
فكأنه تخايل في الأول مخايل الغضب، وفى الثاني مخايل الطمع.
وهذا الذي ذكرنا هو علاج الغفلة، فيبقى علاج الشهوة، وطريق علاجها يؤخذ مما ذكرنا في كتاب " رياضة النفس " ولابد من الصبر، فإن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره، وإنما يحمله على ذلك شدة شهوته، أو غفلته أو مضرته، فلابد من مرارة الصبر، وكذلك يعالج الشهوة في المعاصي، كالشاب مثلا إذا غلبته شهوة، فصار لا يقدر على حفظ عينه وقلبه وجوارحه في السعى وراء الشهوة، فينبغي أن يستحضر المخوفات التي جاءت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا اشتد خوفه تباعد عن الأسباب المهيجة للشهوة.
والذي يهيج الشهوة من خارج، هو حضور المشتهى، والنظر إليه، وعلاجه: الجوع والصوم الدائم، وكل ذلك لا يتم إلا بصبر، ولا يصبر إلا عن خوف، ولا يخاف إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة، فأول الأمر حضور مجالس الذكر، والاستماع بقلب مجرد عن الشواغل، ثم التفكر فيما قيل، فينبعث الخوف، ويسهل الصبر، وتتيسر الدواعي لطلب العلاج، وتوفيق الحق سبحانه من وراء ذلك كله.
فإن قيل: ما بال الإنسان يقع في الذنب مع علمه بقبح عواقبه؟
فعن ذلك أجوبة: منها: أن العقاب الموعود ليس بحاضر.
ومنها: أن المؤمن إذا أذنب لابد أن يعزم على التوبة، وقد وعد أن التوبة تجبر ما فعل، وطول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال يسوف بالتوبة، فلما رجا التوبة أقبل على الذنب.
ومنها: أنه يرجو عفو الله عنه، وعلاج هذه الأسباب أن يفكر في نفسه أن كل ما هو آت قريب، والمسوف يبنى الأمر على ما ليس إليه، وهو البقاء، فلعله لا يبقى، وإن بقى فربما لا يقدر على الترك غدا كما يقدر عليه اليوم، وهل عجز عن الحال إلا لغلبة الشهوة وهى غير مفارقة له غدا؟ بل يتأكد بالاعتياد، ومن هذا هلك المسوفون، لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين، وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة، فرآها قوية لا تنقطع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها، وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه، فالعجب من عجزه مع قوته عن مقاومتها في حال ضعفها، كيف ينظر الغلبة إذا ضعف وقويت.
وأما انتظار عفو الله تعالى، فعفو الله سبحانه ممكن، إلا أن الإنسان ينبغي له الأخذ بالحزم، وما مثال ذلك إلا كمثل رجل أنفق أمواله كلها، وترك نفسه وعياله فقراء ينتظر من الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز في خربة، وهذا ممكن إلا أن صاحبه ملقب بالأحمق، والله سبحانه وتعالى أعلم.
كتاب الصبر (١) والشكر
وهو شطران:
الأول: فضل الصبر وحقيقته وأقسامه ونحو ذلك.
وقد ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في نحو من تسعين موضعا، وأضاف إليه أكثر الخيرات والدرجات وجعلها ثمرة له، فقال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ [السجدة: ٢٤].
وقال: ﴿وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال: ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٦] وقال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠].
فما من قربة إلا أجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر قال الله تعالى (٢): "الصوم لى وأنا أجزى به".
وقد وعد الله الصابرين بأنه معهم، وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم، فقال: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧] والآيات في هذا كثيرة.
وأما الأحاديث، ففى "الصحيحين" من حديث أبى سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" وفى حديث آخر: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" (٣).
وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد كريم عنده.
وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة فيطالعها، وفيها: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨].
واعلم: أن الصبر من خاصية الإنسان، ولا يتصور في البهائم لنقصانها، وغلبة الشهوات عليها من غير شئ يقابلها، ولا يتصور الصبر أيضا في الملائكة لكمالها، فإن الملائكة جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية، ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصدها عن حضرة الجلال.
(١) انظر من منشورات دار البيان بدمشق كتاب "تسلية أهل المصائب" للمنبجي الحنبلي.
(٢) أي في الحديث القدسي.
(٣) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي مرفوعا وهو ضعيف جدا، وروي عنه موقوفا بسند ضعيف أيضا.
وأما الإنسان فإنه يخلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة، لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة، ثم شهوة النكاح، وليس له قوة الصبر، فإذا تحرك العقل وقوى، ظهرت مبادئ إشراق نور الهداية عند سن التمييز، ولكنها هداية قاصرة لا مرشد لها إلى المصالح الآخرة، فإذا عقد بمعرفة الشرع تلمح ما يتعلق بالآخرة وكثر سلاحه، إلا أن الطبع يقتضي ما يحب، وباعث الشرع والعقل يمنع، والحرب بينهما قائمة، ومعركة هذا القتال قلب العبد، فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوات، فإن ثبت حتى قهر الشهوة التحقق بالصابرين، وإن ضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها، التحق بأتباع الشياطين، وإذا ثبت أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة الهوى، فهذه المقاومة من خاصية الآدميين.
١ - فصل [في أقسام الصبر]
اعلم أن الصبر على ضربين:
أحدهما: بدني، كتحمل المشاق بالبدن، وكتعاطي الأعمال الشاقة من العبادات أو من غيرها.
الضرب الآخر: هو الصبر النفساني على مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، وهذا الضرب إن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج، سمى عفة، وإن كان الصبر في قتال، سمى شجاعة، وإن كان في كظم غيظ سمى حلما، وإن كان في نائبة مضجرة، سمى سعة صدر، وإن كان في إخفاء أمر سمى كتمان سر، وإن كان في فضول عيش سمى زهدا، وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمى قناعة.
وأما المصيبة، فإنه يقتصر فيها على اسم الصبر، فقد بان بما ذكرنا أن أكثر أخلاق الإيمان داخلة في الصبر، وإن اختلفت الأسماء باختلاف المتعلقات.
ثم اعلم أن العبد لا يستغني عن الصبر في كل حال من الأحوال، وذلك أن جميع ما يلقى العبد في الدنيا لا يخلو من نوعين:
النوع الأول:
ما يوافق هواه من الصحة، والسلامة والمال، والجاه، وكثرة العشيرة،
والأتباع، وجميع ملاذ الدنيا، فالعبد محتاج إلى الصبر في جميع هذه الأمور، فلا يركن إليها، ولا ينهمك في التلذذ بها، ويراعى حق الله تعالى في ماله بالإنفاق، وفى بدنه بالمعونة للحق.
ومتى لم يضبط نفسه عن الانهماك في الملاذ والركون إليها، أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان، حتى قال بعض العارفين: المؤمن يصبر على البلاء، ولا يصبر على العافية إلا صديق.
وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ابتلينا بالضراء فصبرانا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ [المنافقون: ٩] وقال تعالى: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [الأنفال: ٢٨] ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤].
فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية، وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديدا، لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ.
النوع الثاني المخالف للهوى وهو ثلاثة أقسام:
أحدها: الطاعات، فيحتاج العبد إلى الصبر عليها، لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية.
ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة، ومنا ما يكره بسبب البخل كالزكاة، ومنها ما يكره بسببها جميعا كالحج والجهاد.
ويحتاج المريد إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال:
حال قبل العبادة، وهى تصحيح النية، والإخلاص والصبر على شوائب الرياء، وحال في نفس العبادة، وهى أن لا يغفل عن الله تعالى في أثناء العبادة، ولا يتكاسل عن تحقيق الآداب والسنن، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ من العمل.
الحالة الثالثة بعد الفراغ من العمل: وهى الصبر عن إفشائه، والتظاهر به لأجل الرياء والسمعة، وعن كل ما يبطل عمله، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى أبطلها.
القسم الثاني: الصبر عن المعاصي، وما أحوج العبد إلى ذلك.
ثم إن كان الفعل مما تيسر فعله، كمعاصي اللسان من الغيبة، والكذب والمراء ونحوه، كان الصبر عليه أثقل، فترى الإنسان إذا لبس حريرا استنكر ذلك، ويغتاب أكثر نهاره، فلا يستنكر ذلك.
ومن لم يملك لسانه في المحاورات، ولم يقدر على الصبر، لم ينجه إلا العزلة.
القسم الثالث: ما لا يدخل تحت الاختبار: كالمصائب، مثل موت الأحبة، وهلاك الأموال، وعمى العين، وزوال الصحة، وسائر أنواع البلاء، فالصبر على ذلك من أعلى المقامات، لأن سنده اليقين.
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من يرد الله به خيرا يصب به".
وقريب من هذا القسم، الصبر على أذى الناس، كالذي يؤذى بقول أو فعل أو جناية على نفسه أو ماله، والصبر على ذلك يكون بترك المكافآت.
والصبر على أذى الناس من أعلى المراتب، قال الله تعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقال ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ [الحجر: ٩٧] وقال: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦].
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر عن المصيبة حتى يردها بحسن عزائها، كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الأخرى كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتبت له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش مرتين" (١).
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا في "فضل الصبر" وأبو الشيخ في "الثواب" من حديث علي رضي الله عنه وسنده ضعيف.
والأحاديث في فضائل الصبر كثيرة، منها: ما أخرجناه في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه، حتى الشوكة يشاكها".
وفى حديث آخر: "ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه".
أخرجاه في "الصحيحين".
وفى حديث آخر: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة، في جسده وفى ماله وفى ولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة".
وفى حديث سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال "الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: قال الله تعالى: " إذا وجهت إلى عبد من عبادي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا" (١).
٢ - فصل [في آداب الصبر]
ومن آداب الصبر استعماله في أول صدمة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" حديث صحيح.
ومن الآداب الاسترجاع عند المصيبة، لحديث أم سلمة رضي الله عنها وهو من رواية مسلم.
ومن الآداب سكون الجوارح واللسان، فأما البكاء فجائز.
قال بعض الحكماء: الجزع لا يرد الفائت، ولكن يسر الشامت.
(١) أخرجه ابن عدي في "الكامل" والديلمي في مسند الفردوس، والحكيم الترمذي في النوادر من حديث أنس بن مالك، وسنده ضعيف كما قال الحافظ العراقي.
ومن حسن الصبر أن لا يظهر أثر المصيبة على المصاب، كما فعلت أم سليم امرأة أبى طلحة لما مات ابنها، وحديثها مشهور في "صحيح مسلم".
وقال ثابت البنانى: مات عبد الله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا، وقالوا: يموت عبد الله، ثم تخرج في ثياب من هذه مدهنا؟! قال: أفأستكين لها، وعدني ربى تبارك وتعالى ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إلى من الدنيا وما فيها.
قال الله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (١٥٦) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٦ و١٥٧].
وقال مطرف: ما شىء أعطى به في الآخرة قدر كوز من ماء، إلا وددت أنه أخذ منى في الدنيا.
وكان صلة بن شيم في مغزى له ومعه ابنه، فقال: أي بنى! تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم فقتل، فاجتمع النساء عند أمه معاذة العدوية، فقالت: مرحبا إن كنتن جئتن تهنئننى، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها، فكتمانها من نعم الله عز وجل الخفية.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فيقول: انظروا ما يقوله لعواده، فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه، رفعا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم.
فيقول: لعبدي إن أنا توفيته أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، وأن أكفر عنه خطاياه" (١).
وقال على رضي الله عنه: من اجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك.
وقال الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، ما ذكرتها لأحد.
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" ٢/ ٩٤٠: باب ما جاء في أجر المريض من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، ووصله ابن عبد البر من طريق عباد بن كثير عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري، وعباد بن كثير ليس بالقوي.
وقال رجل للإمام أحمد: كيف تجدك يا أبا عبد الله؟ قال: بخير في عافية.
فقال له: حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا في عافية فحسبك، لا تخرجني إلى ما أكره.
وقال شقيق البلخى: من شكي مصيبة به إلى غير الله، لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبدا.
وقال بعض الحكماء: من كنوز البر كتمان المصائب، وقد كانوا يفرحون بالمصائب نظرا إلى ثوابها، وحكاياتهم مشهورة في ذلك.
منها: ما روى أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لما مات دفنه عمر، وسوى عليه ثم استوى قائما، فأحاط به الناس، فقال: رحمك الله بابني! قد كنت برا بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لى مسرورا بك، ولا والله ما كنت قط أشد بك سرورا، ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه.
فإن قيل: إن كان المراد من الصبر عدم كراهية المصائب، فلا قدرة للآدمي على ذلك، وإن كان الفرح بوجودها كما حكيتم، فهو أبعد.
والجواب: أن الصبر لا يكون إلا عن محبوب أو على مكروه، ولا ينهى عما لا يدخل تحت الكسب، وهو انزعاج الباطن، وإنما ينهى عن المكتسب، كشق الجيوب، ولطم الخدود، والقول باللسان، فأما ما ذكرنا من فرح بعضهم، فذلك فرح شرح لا طبعي، إذ الطبع لابد له من كراهة المصائب.
ومثال هذا رجل مريض له شربة لمرضه، فسعى في طلب حوائجها، وأنفق عليها مالا، فلما تمت، فرح بتمامها وتناولها لما يرجو لها من العافية، فأما طبعه، فما زالت عنه كراهة التناول أصلا.
ولو أن ملكا قال لرجل فقير: كلما ضربتك بهذا العود اللطيف ضربة أعطيتك ألف دينار، لأحب كثرة الضرب، لا لأنه لا يؤلم، ولكن لما يرجوا من عاقبة، وإن أنكاه الضرب، فكذلك السلف تلمحوا الثواب، فهان عليهم البلاء.
٣ - فصل في بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه
اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد بالشفاء، فالصبر وإن كان شاقا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل، فمنهما تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها،
فيحتاج كل مرض إلى علم وعمل يليق به، فإن العلل إذا اختلفت اختلف العلاج، إذ معنى العلاج: مضادة العلة.
ونضرب لك مثالا، فنقول: إذا افتقر الإنسان إلى الصبر عن شهوة الجماع، وقد غلبت عليه بحيث لا يملك فرجه ولا عينه ولا قلبه، فعلاج ذلك بثلاثة أشياء:
أحدها: مواظبة الصوم، والاقتصار عند الإفطار على قليل من الطعام.
الثاني: قطع أسباب المهيجة، فإنه إنما يهيج بالنظر، والنظر بالقلب، والقلب يحرك الشهوة، ودواء هذا العزلة، والاحتراز عن مظان وقوع البصر على الصور المشتهاة، فان النظر سهم مسموم من سهام إبليس، ولا يمنع عنه إلا غمض الجفن أو الهرب.
الثالث: تسلية النفس بالمباح من جنس المشتهى، وذلك بالنكاح، وكل ما يشتهيه الطبع من الحرام، ففى المباحات غنية عنه، وهذا هو العلاج الأرفع في حق أكثر الناس، لأن قطع الغذاء يضعف، ولا يقمع الشهوة بخلاف هذا.
وينبغى للإنسان أن يعود نفسه المجاهدة، فإن من عود نفسه مخالفة الهوى، غلبها متى أراد.
واعلم: أن أشد أنواع الصبر والمجاهدة، كف الباطن من حديث النفس، وإنما يشتد ذلك على من تفرغ واعتزل، فان الوساوس لا تزال تجاذبه، ولا علاج لهذا إلا قطع العلائق، وجعل الهم هما واحدا، وصرف الفكر إلى ملكوت السموات والأرض وعجائب صنع الله تعالى، وجميع أبواب معرفة الله تعالى، حتى إذا استولى ذلك على قلبه، دفع اشتغاله مجاذبة الشيطان ووسواسة، وإن لم يكن له سير الباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة، من القراءة، والأذكار، والصلوات، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور، فإن الفكر الباطن هو الذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة، فهذا الذي يمكن أن ينال بالاكتساب والجهد.
فأما مقادير ما ينكشف، ومبالغ ما يرد من لطف الله تعالى من الأحوال والأعمال، فذلك يجرى مجرى الصيد، وهو بحسب الرزق، فقد يقل الجهد، ويكثر الصيد، وقد يطول الجهد ويقل الصيد، والمعلوم وراء هذا الاجتهاد على جذبه من جذبات الرحمن عز وجل، فإنها توازى أعمال الثقلين، وليس ذلك اختيار العبد، بل
اختياره أن يتعرض لتلك الجذبة، بأن يقلع عن قلبه جواذب الدنيا، فان المجذوب إلى أسفل سافلين، لا يجذب إلى أعلى عليين، وكل منهوم بالدنيا هو منجذب إليها، فقطع العلائق الجاذبة، هو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها" (١).
فالذي علينا تفريغ المحل، والانتظار لنزول الرحمة، كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش، ويضع فيها البذر، وكل ذلك لا ينفع إلا بمطر، ولا يدرى متى يقدر الله أسباب المطر، إلا أنه يثق بفضل الله تعالى أنه لا يخلى سنة عن مطر، وكذلك قلما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات.
فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب من حشيش الشهوات، وبذر الإرادة والإخلاص، وعرضه لمهاب ريح الرحمة، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع عند ظهور الغيم، كذلك انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة، وعند اجتماع الهم ونشاط القلوب، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وفى رمضان.
والهمم والأنفاس أسباب لاستدرار رحمة الله تعالى بحكمته وتقديره.
...
الشطر الثاني من الكتاب
٤ - في الشكر وفضله وذكر النعم وأقسامها ونحو ذلك
قال الله تعالى: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقال الله تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧] وقال: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] وقطع بالمزيد مع الشكر فقال: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧] مع كونه وقف أشياء كثيرة غيره على المشيئة كقوله: ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام: ٤١] وقوله: ﴿يرزق من يشاء﴾ [البقرة: ٢١٢] ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ [التوبة: ١٥].
(١) أخرجه الطبراني من حديث محمد بن مسلمة، وفيه من لا يعرف.