مقدمة بقلم العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان
يعد كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي القانون العام للمسلم التقي الصالح، ذلك أن مؤلفه قد حشد في كتابه من أنواع الأخلاق والأداب ما جرى على ذاكرته، ففسرها وحللها وحض عليها، وجرى مثل ذلك في الأخلاق والآداب المنحطة السيئة ففسرها وحللها وحض على التباعد عنها، فكان كتابه كتاب أخلاق وتربية جعله يمتاز في نوعه عن أمثاله من الكتب، وأحدث ظهوره ضجة كبيرة بين ناقد ومنتصر له، وينحصر النقد فيه في الأحاديث الموضوعة التي أوردها الغزالي فيه، وفي بعض الحكايات التي تقتل من شخصية الإنسان إنسانيته وتجعله يهيم في كلمات وهمية لا تأتي بخير للإنسان، وكان في طليعة الناقدين له العالم الكبير عبد الرحمن بن الجوزي (٥١٠ - ٥٩٧ هـ) فقد نقده نقدا مرا، ولكنه لم يكتف بالقول فقط بل عمد إلى أمر عملي، فرجع إلى الأحاديث الموضوعة فحذفها، وأثبت مكانها الأحاديث الصحيحة وعمد إلى الكلمات والألفاظ والحكايات التي لا طائل تحتها، فحذفها كما يقول ابن الجوزي كالكلام في الفناء.
وسمى هذا الكتاب "منهاج القاصدين" ولكنه لم يخرج عن التخطيط الأول الذي وضعه الغزالي في كتابه "الإحياء" وكان عملا مفيدا جدا لم يكتف بالتهويل والتهويش، بل عمد إلى ما ينفع الناس ويفيد المجتمع وأصلح اصلاحا حقيقيا ذا فائدة عظمى، ولكن كتاب "الإحياء" كان يحوي نقدا آخر هو في الدرجة الثانية بعد النقد الأول، فالغزالي ملأ كتابه بأبحاث فقهية جعلت الكتاب يتضخم ويدعو إلى التذمر من كبر حجمه، فجاء في القرن السابع أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، فخلصه من المسائل الفقهية، لأن موضعها كتب الفقه، وجعله كتابا
أخلاقيا تربويا، فأصبح من السهل قراءة مثل هذا الكتاب، وأصبح يمثل عشر حجم الكتاب الأول.
وفي سنة ١٣٤٢ وقعت بيدي نسخة هذا الكتاب فأعجبت به ورأيت نشره فرصة سانحة للفائدة منه في المدارس الشرعية الدينية، ثم وقعت بيدي نسخة ثانية وثالثة، وهذا ما دعاني إلى أن أفكر في طبعه ونشره نظرا للفائدة المتوخاة منه، فطبعته، ولما تأسست الكلية الشرعية في دمشق عرضته على إدارتها وعمدتها فاستحسنت عملي وقررته في جميع مدارسها في دمشق وحلب وحمص وحماة ثم انتشر في جميع العالم الإسلامي.
هذا وقد سمحت للسيد بشير عيون -صاحب مكتبة دار البيان بدمشق- أن يطبع هذا الكتاب طبعة متقنة تريح القارىء وتيسر له الانتفاع به، وأظن أنه قد حقق رغبتي، ونظرا لمرضي الشديد وضعف نظري، فقد قام الأستاذان شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط اللذين عرفا بتمكنهما من علوم السنة، وصناعة التحقيق بتعليق حواشيه، وبتخريج ما ورد فيه من الأحاديث الضعيفة، وبيان ضعفها فجزاهما الله تعالى خير الجزاء، ونفع بهما.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وإليك
ترجمة: بنو قدامة
في الحروب الصليبية كانت مقاطعة نابلس من نصيب أمير فرنسي ظالم كان اسمه باليان بن بارزان، وكان يعامل أهل مقاطعته أسوأ معاملة، فحينما يفرض جيرانه من الصليبيين على من تحت يده دينارا أخذ هو من كل واحد منهم أربعة دنانير، وهكذا كانت معاملته في كل الأمور.
وكان في قرية جماعيل -ويدعونها في عصرنا هذا جماعين- فقيه صالح يقرأ للناس دروس العلم ويعظهم في بعض الأحيان.
وبلغ الأمير الفرنسي ما يقوم به الشيخ أحمد بن قدامة من هذه الدروس فعزم على قتله، وبلغ ذلك الشيخ أحمد بن قدامة فلم ير أمامه إلا الفرار إلى مدينة دمشق والالتجاء إلى ملكها نور الدين محمود بن زنكي وفي سنة ٥٥١ هـ فر الشيخ أحمد بن قدامة من جبل نابلس إلى مدينة دمشق مع بعض أقاربه، ونزل هو وأقاربه بمسجد خارج الباب الشرقي أحد أبواب دمشق في مسجد يقال له: "مسجد أبي صالح"، وأخذت الهجرات تتابع بعد ذلك وتنضم إليه في هذا المسجد، وكان هذا المسجد موقعه غير صحي وهواء تلك الجهة رديئا وأصابهم الوباء، وأخذوا يتوفون الواحد تلو الواحد، وضاق صدر الشيخ
أحمد بن قدامة من هذا الحادث، فأرسل رسلا من جماعته يفتشون على محل هواؤه صحي، فدلهم أحد جماعته على سفح جبل قاسيون وذهبوا إليها فوجدوا موقعها حسنا.
فذهبوا إلى الصالحية وبنوا المدرسة العمرية، وغربها بنوا دارا فسيحة تحيط بها غرف من جميع جهاتها دعيت تلك الدار "بدير الحنابلة" وكان هذان البناءان على ضفة نهر يزيد.
وكان الناس يبرونهم ويهدونهم الطعام والملابس ويدعونهم بالصالحين فسموا بالصالحين وسمي لحف جبل قاسيون بالصالحية من ذلك الوقت.
وأنشأ الناس فيها دورا، فأصبحت بعد ذلك بليدة زاهرة جديدة.
وأنجب الشيخ أحمد بن قدامة ولدين نجيبين أحدهما الشيخ أبو عمر والآخر موفق الدين.
أما أبو عمر واسمه محمد فتولى شؤونهم الإدارية، وأنشأ الدير الحنبلي والمدرسة العمرية، ولد بجماعيل (٥٢٨) هـ وتوفي بدمشق سنة (٦٠٨) ودفن بالصالحية.
أما موفق الدين، فاسمه عبد الله وهو الأخ الأصغر ولد سنة (٥٤١) بجماعيل وهاجر مع أبيه إلى دمشق، وسكن دارا قرب الجامع الأموي، ويقيم بهذا الجامع في قاعة الحنابلة قرب محرابهم، وهو مؤلف كتاب "المغني" الشهير بالفقه الحنبلي وغيره كثيرا من المؤلفات، وتوفي بدمشق سنة (٦٢٠) ودفن في الصالحية قرب مقبرة أهله وله أولاد وبنات ماتوا في حياته وانقطع عقبه.
وما خرج من العلماء من بني قدامة منهم من سلالة الشيخ أبي عمر.
مختصر هذا الكتاب:
ورد في أول هذا الكتاب من نسخة (أ) بأن مؤلفه نجم الدين أبو العباس أحمد ابن عز الدين أبي عبد الله محمد بن شمس الدين أبي محمد عبد الرحمن بن شيخ الإسلام أبي عمر، وهذا ما يجعل هذه النسبة مشكوكا فيها، فنجم الدين أبو العباس أحمد يعرف بابن شيخ خطيب الجبل -أي جبل الصالحية- وأبوه قاضي القضاة شيخ الجبل عبد الرحمن، وهو ابن شيخ الإسلام أبي عمر الذي بنى وأنشأ مدرسة العمرية في الصالحية ذات المكتبة القيمة الشهيرة، ولذلك ظهر لنا أن ما ورد في أول الكتاب من أن أباه عز الدين أبي عبد الله محمد هو خطأ، وأنه يجب حذفها لأن نجم الدين أبا العباس أحمد هو ابن قاضي القضاة عبد الرحمن بن أبي عمر، وهذا ما جعل التباسا لدى بعض
الناس بسبب هذه الزيادة، والمختصر نجم الدين أبو العباس أحمد هو معروف ومشهور ومترجم في كثير من الكتب، وهو مثبت بأن أباه عبد الرحمن ابن أبي عمر.
وإليك صورة نسبه.
هو نجم الدين بن الشيخ قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن شيخ الإسلام شمس الدين عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي، ولد في شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة، وسمع الحديث ولم يبلغ أوان الرواية، وتفقه على والده وولي القضاء في حياة والده بإشارته.
قال البرزالي: كان خطيب الجبل، وقاضي القضاة، ومدرس أكثر المدارس، وشيخ الحنابلة وكان فقيها فاضلا، سريع الحفظ جيد الفهم كبير المكارم، شهما شجاعا، ولي القضاء ولم يبلغ ثلاثين سنة، فقام أتم قيام.
وقال غيره: درس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وشهد فتح طرابلس مع السلطان الملك المنصور، وكان مليح البزة ذكيا مليح الدروس له قدرة على الحفظ ومشاركة جيدة في العلوم.
توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى بمنزله بقاسيون ودفن عند أبيه وجده.
وكان عمره ثمانية وثلاثين سنة.
٢٨ شوال ١٣٩٨ هـ - ١ تشرين الأول ١٩٧٨ م
محمد أحمد دهمان
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد الأوحد العلامة، نجم الدين أبو العباس أحمد، بن الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد العلامة، عز الدين أبي عبد الله محمد، بن الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد العلامة شيخ الإسلام مفتي الأنام، سيد العلماء والحكام، شمس الدين، أبي محمد عبد الرحمن، بن الشيخ الإمام العالم العامل العارف الزاهد الورع شيخ الإسلام، أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد ابن قدامة، المقدسي الحنبلي رضي الله عنه:
الحمد لله الذي عم برحمته جميع العباد، وخص أهل طاعته بالهداية إلى سبيل الرشاد، ووفقهم بلطفه لصالح الأعمال، ففازوا ببلوغ المراد.
أحمده حمد معترف بجزيل الإرفاد (١) وأعوذ به من وبيل الطرد والإبعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم المعاد.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، موضح طريق الهدى والسداد، قامع الجاحدين والملحدين من أهل الزيغ والعناد، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الأكرمين الأجواد، صلاة تبلغه بها نهاية الأمل والمراد.
وبعد: فإني كنت وقفت مرة على كتاب: "منهاج القاصدين" للشيخ الإمام العالم الأوحد، جمال الدين ابن الجوزي، رحمه الله تعالى، فرأيته من أجل الكتب وأنفعها، وأكثرها فوائد، فحصل عندي بموقع، ورغبت في تحصيله ومطالعته، فلما
(١) الإرفاد: الإعطاء والإعانة.
تأملته ثانيا، وجدته فوق ما كان في نفسي، لكن رأيته كتابا مبسوطا، فأحببت أن أعلق منه هذا المختصر الذي قد احتوى على أكثر مقاصده، وأجل مهماته وفوائده سوى ما ذكر في أوائله من مسائل ظاهرة تتعلق بالفروع، فإنها مشهورة في كتب الفقه المستفيضة بين الناس، إذ كان المقصود من الكتاب غير ذلك.
ولم ألتزم فيه المحافظة على ترتيبه وذكر ألفاظه بعينها، بل ذكرت بعضها بالمعنى قصدا للاختصار، وربما ذكرت فيه حديثا أو شيئا يسيرا من غيره إن كان مناسبا له، والله تعالى أعلم.
وأسأل الله الكريم أن ينفعنا به، ومن قرأه، أو سمعه، أو نظر فيه، وأن يجعله خالصا لوجهه، وأن يختم لنا بخير، ويوفقنا لما يرضاه من القول والعمل والنية، وأن يسامحنا في تقصيرنا وتفريطنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقه، فإنه حسبنا ونعم الوكيل (١).
قال المصنف [ابن الجوزي] رحمة الله عليه - بعد فراغه من هذه الخطبة:
أما بعد: فإني رأيتك أيها المريد الصادق، والعازم الجازم، قد وطنت نفسك على التخلي عن فضول الدنيا الشاغلة، وعزمت على الانقطاع إلى الأخرة، علما منك أن مخالطة الخلق توجب التخليط، وإهمال المحاسبة للنفس أصل التفريط، وأن العمر إن لم يستدرك أدركه الفوت، وأن مراحل الأنفاس تسرع بالراكب إلى منزل الموت.
فنظرت أي أنيس من الكتب تستصحبه في خلوتك، وتستنطقه في حال صمتك، فإذا
(١) هذه الخطبة موجودة في نسخة (أ)، وفي نسخة (ب) بدلا عنها الخطة المدرجة هنا وهي هذه بعد البسملة:
"الحمد لله منبه الراقدين في غفلاتهم بمزعجات الايقاظ، ومنزه التائبين من هفواتهم بملاطفات الوعاظ، ومحدث العارفين في خلواتهم بأحلى الكلمات والألفاظ، ومحذر الزاهدين بأشرف شهواتهم تأدبا حتى فرقوا عن الظاهرين اللحاظ، وقاموا إلى محاربة النفوس قيام الليث لحرب المغتاظ، وحفظوا ما استحفظوا فحفظوا وإنما الحفظ للحفاظ.
أحمده حمدا كثيرا فائت العدد دائم الألفاظ، وأصلي وأسلم على نبيه محمد الذي أعجز الفصحاء بما جاء به قساقيس يوم عكاظ، وعلى آله وأصحابه أهل اليقين والتقى والاستيقاظ، صلاة أتقي بها يوم البعث حر لظى والشواظ، نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ.
قال مؤلفه عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمه الله: سميت كتابي هذا: "منهاج القاصدين ومفيد الصادقين".
وأسأل الله تعالى أن ينفعنا به ومن قرأه، أو سمعه، أو نظر فيه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يختم لنا بخير ويوفقنا لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأن يسامحنا في تقصيرنا وتفريطنا ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقه، فإنه حسبنا ونعم الوكيل.
أنت تؤثر كتاب "إحياء علوم الدين" وتزعم انفراده في جنسه، ونفاسته في نفسه.
فاعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء.
وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع.
وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه (١) وندب إلى العمل به مالا حاصل له من الكلام في الفناء، والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره (٢) في كتابي المسمى بـ "تلبيس إبليس (٣) "
وسأكتب لك كتابا يخلو عن مفاسده، ولا يخل بفوائده، أغتمد فيه من النقول الأصح والأشهر، ومن المعنى الأثبت والأجود، وأحذف ما يصلح حذفه، وأزيد ما يصلح أن يزاد.
ثم قال بعد ذلك [ابن الجوزي]: وإذ قد صح عزمك على العزلة لاستيفاء حق الحق من النفس، والأخذ على يدها، فليكن وكيلك عليها العلم، وكن باحثا عن دقائق هواها لعلك تسلم، واحذر سبيل أحد رجلين:
عالم عرف الجدال في الفقه واقتنع برئاسته، أو نال القضاء فسعى في حفظ منزلته، أو زخرف الوعظ فضيق أعين شبكته.
أو زاهد يتقلب برأيه الفاسد في جهالته، ويتقرب بتقبيل يده واعتقاد بركته، ويعمل بهواه دون شرع الله وسنته.
فهذان عادلان عن منهاج الصواب، مقتنعان بقشور الأعمال عن خالص اللباب، خادعان للمبتدئين بلامع السراب، وطريقهما بمعزل عن سنن السلف الصالح الذي هو جادة الاستقامة وطريق السلامة.
(١) أي صاحب الإحياء.
(٢) العوار بالفتح: العيب وقد يضم.
(٣) طبع مكتبة دار البيان بدمشق بتحقيق الاستاذ خير الدين وانلي.
وسأدرج لك في هذا الكتاب إن شاء الله من أخبارهم ما يدل على آثارهم.
وكتابنا هذا يحتاج إليه المنتهي، كما يفتقر إليه المبتدي، لأن فيه أسرار العبادات، والتحذير من آفات المعاملات.
وقد جعله المصنف أربعة أرباع:
الأول: ربع العبادات.
والثاني: ربع العادات.
والثالث: ربع المهلكات.
والرابع: ربع المنجيات.
وكل واحدة من هذه الأقسام الأربعة يشتمل على كتب، وأبواب، وفصول، فمن أقسام الربع الأول: