من تاريخ النحو العربينشأة النحو

نشأة النحو

عن هذه الطبعة
عَلَم
سعيد الأفغاني
الكتاب
من تاريخ النحو العربي
المؤلف
سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني (المتوفى: 1417هـ)
الناشر
مكتبة الفلاح
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: ما مضى لك بيانه من أحداث اللحن حمل القوم على الاجتهاد لحفظ العربية وتيسير تعلمها للأعاجم، فشرعوا يتكلمون في الإعراب وقواعده حتى تم لهم مع الزمن هذا الفن.
والذى تجمع عليه المصادر أن النحو نشأ بالبصرة، وبها نما واتسع وتكامل وتفلسف، وأن رءوسه بنزعتيه السماعية والقياسية كلهم بصريون.
أول من أرسل في النحو كلاما أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 67هـ. وقيل: إن علي بن أبي طالب ألقى على أبي الأسود شيئا من أصول هذا النحو, ثم قال له: "انح هذا النحو" فسمي الفن نحوا.
وقيل: إن أول من تكلم فيه: نصر بن عاصم المتوفى سنة 89هـ. وقيل: عبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة 117هـ. وقيل: لم يصل إلينا شيء عن أحد قبل يحيى بن يعمر المتوفى سنة 129هـ, وابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة 117هـ. وقيل, وقيل ... إلخ.
ومن يقرأ بإمعان ترجمة أبي الأسود الدؤلي في "تاريخ دمشق لابن عساكر" مثلا، ثم يفكر في توارد أكثر المصادر على جعله واضع الأساس في بناء النحو لا يستبعد ذلك، فالرجل ذو ذكاء نادر وجواب حاضر، وبديهة نيرة، ثم هو بعدُ بليغ أريب مرن الذهن، وحسبك اختراعه "الشكل"1 الذي عرف

بنقط أبي الأسود للدلالة على الرفع والنصب والجر والتنوين، وهو ما أجمعوا عليه قديما ولم يشك فيه حديثا أحد. و"الشكل" أعود على حفظ النصوص من حدود النحو؛ ولعله أعظم خدمة قدمت للعربية حتى الآن، وكان الخطوة الأولى إلى النحو كما ذهب إليه الأستاذ أحمد أمين1.
وينص أبو الطيب اللغوي على أن أبا الأسود وضع النحو ليتعلم بنو زياد2.
"واختلف الناس إليه يتعلمون العربية, وفرع لهم ما كان أصله, فأخذ ذلك عنه جماعة".
وليس يعنينا هنا تحرير هذه الأولية بتفصيل3، لكننا لا نرى

بدا من أن نشير إلى أن اتفاقهم على أنه واضع "الشكل" وأن شبه الإجماع على أنه أول من تكلم بالنحو, وأنه كان يتصدر لإعراب القرآن1, وأن هؤلاء الذين تزعم لهم الأولية في بعض الأقوال: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعنبسة الفيل، وميمونا الأقرن، كلهم تلميذ أبي الأسود أو تلميذ تلميذه، عنه أخذوا العربية والقراءة بالبصرة؛ كل أولئك مع ما عرف عن أبي الأسود من ذكاء وقاد، وفكر متحرك، وعقل وروية، يجعلنا نقطع بأنه وضع أساسا بنى عليه من بعده.
ولكن، ما هو هذا الأساس؟ لسنا نجد لهذا السؤال جوابا يشفي الغليل، فصحيفة أبي الأسود تعرف عند النحاة بـ "التعليقة"، فإذا أردنا معرفة محتوياتها لم نحظ بما يطمأن إليه2، بل فات معرفتها العلماء منذ المائة

الرابعة مع شدة حرصهم عليها, فيروي ابن النديم خبرا طريفا عن رجل جَمّاعة للكتب له خزانة لم ير لأحد مثلها بما جمعت من خطوط العلماء الأولين ونوادر الكتب والرقاع, فهي متحف كل ما فيه نادر وثمين، قال الذي شاهدها: "ورأيت عنده أمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي -عليه السلام- وبخط غيره من كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم، ومن خطوط العلماء في النحو واللغة مثل أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني والأصمعي وابن الأعرابي وسيبويه والفراء والكسائي, ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم, ورأيت ما يدل على أن النحو = ليس فيه تعريف ولا تقسيم، إنما هو تفسير آية أو جمع لأحاديث ليس فيها ترتيب ولا تبويب، فأما تعريف وأما تقسيم منطقي فليس في شيء مما صح نقله إلينا عن عصر علي وأبي الأسود, وأخشى أن يكون ذلك من وضع بعض الشيعة الذين أرادوا أن ينسبوا كل شيء إلى علي, وأتباعه".
ضحى الإسلام 2/ 285. وأنا مع عدم استبعادي كثيرا صدور كلام مثل هذا عن أبي الأسود بعد موت علي بسنين حين اعتزل العمل الرسمي وفرغ لمثل هذه الشئون، لا أطمئن إلى ما روى ابن الأنباري.
حتى ابن فارس الذي ذهب إلى قدم النحو قبل زمن أبي الأسود بكثير لا ينكر إمامته وتجديده, فقد قال: "فإن قال قائل: لقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية, وأن الخليل أول من تكلم في العروض، قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول: إن هذين العلمين قد كانا قديما وأتت عليهما الأيام وقلا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان" الصاحبي في فقه اللغة ص10 ونقله بنصه السيوطي في المزهر 2/ 345. لكي أقف عند قولة المبرد "قرأت أوراقا من كتابي عيسى بن عمر فكان كالإشارة إلى الأصول" وأقول: إذا كانت كتب الطبقة الثالثة هذه كالإشارة إلى الأصول, فما حال نحو أبي الأسود! "توفي أبو الأسود سنة 67 وعيسى بن عمر سنة 149هـ". انظر نزهة الألباء.

وأبو نوفل بن أبي عقرب1، وعن هؤلاء أخذ علماء البصرة طبقة بعد طبقة، ثم نشأ بعد نحو مائة عام من تلاميذهم من ذهب إلى الكوفة فعلم بها، فكان منه ومن تلاميذه ما يسمى بمدرسة الكوفة2.
وهذا جدول3 يوضح لك تتابع هذه الطبقات إلى المائة الثالثة للهجرة, وترى فيه أن أعلام الكوفة كلهم أخذوا عن أئمة البصريين بأخرة:

جارٍ التحميل