أثر العصبية في الخلاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- سعيد الأفغاني
- الكتاب
- من تاريخ النحو العربي
- المؤلف
- سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني (المتوفى: 1417هـ)
- الناشر
- مكتبة الفلاح
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
أما هذه الأحداث التي كانت تكون بين كوفي وبصري في قصور الحكام فنوع من الدفاع عن القوت أولا، وميل إلى العصبية البلدية1 آخرا.
ولا تظن أن ما مر بك من مشاحنات بينهم كان يصرف بعضهم عن الانتفاع بعلم بعض، وحسبك أن تعلم أن الفراء مات "وتحت رأسه كتاب سيبويه" وأن الكسائي وهب للأخفش خمسين دينارا لقراءته كتاب سيبويه عليه، وأنه "سلخ كتابه في معاني القرآن من كتاب الأخفش"2 وأن
الجاحظ لما عدد مفاخر البصرة على الكوفة قال: "وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله".
ولما اشترى الجاحظ كتاب سيبويه من ميراث الفراء رآه أثمن ما يهدى إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلما دخل عليه وقد افتصد سأله: "ما أهديت لي يا أبا عثمان؟ " قال: "أطرف شيء: كتاب سيبويه بخط الكسائي وعرض الفراء! ". إلى غير ذلك من الأخبار التي إن صدقتها, فدلالتها على العصبية البلدية ظاهرة، وإن ذهبت إلى وضعها أو التزيد فيها فالدلالة أظهر.
لم يختلف نحاة المصرين تبعا لاختلاف سياسة بلديهما، فليس للسياسة تأثير مباشر في ذلك، وإنما كان التكتل استجابة للعصبية ليس غير:
أنشئت البصرة والكوفة على عهد عمر بن الخطاب؛ وانقضت سنون من عهد عثمان والمصران كالبلد الواحد ولبعض القبائل جماعات في كل منهما، فلما كان الشغب أيام عثمان أسهم العراقيون فيه؛ وآلت الأمور إلى قتل الخليفة والفتن المتلاحقة بعد أن انضم البصريون في وقعة الجمل إلى عائشة وطلحة والزبير وانضم الكوفيون إلى علي، وكانت الملحمة بينهما، واستحرَّ القتل، وكان لكل فريق مجزرة هائلة في الفريق الآخر.
فمن ثم العداوة والتخاصم والتنافس بين البلدين.
فلما انقضى عهد القلاقل خلف في أذهان الفريقين قصصا وأدبا وشعرا
ووقائع تذكر بالفخر تارة, وبالوجيعة تارة أخرى1.
فهذا ما ولدت العصبية والتنافس بين وفود الفريقين ورجالاتهم في الأسمار ومجالس الأمراء.
ولئن كانت أحداث سياسية خاصة هي المفرقة قديما، فإنها تطورت مع الزمن وتحول اتجاهها، حتى تبلورت في عصبية للبلد2 وثبتت عليه كما نجد أنماطا من ذلك في مثل كتاب البلدان للهمداني، بل إن بعضهم كان يؤلف في مفاخر بلده كما فعل الهيثم بن عدي الكوفي "209", فألف كتابه "فخر أهل الكوفة على أهل البصرة" 3.
المدافعة عن أسباب العيش أولا وقبل كل شيء, ثم العصبية للبلد لا للسياسة "عاملا ثانويا" هما اللذان لوّنا الخلاف النحوي ولم يوجداه، لوناه بشيء من العنف.
رأيت أنماطا منه في المناظرات التي مرت بك؛ وفي مثل قول اليزيدي يمدح نحويي البصرة ويهجو الكسائي وأصحابه:
يا طالب النحو ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد
وابن أبي إسحاق في علمه ... والزين في المشهد والنادي
عيسى وأشباه لعيسى، وهل ... يأتي لهم دهر بأنداد
هيهات، إلا قائلا عنهم ... أرسوا له الأصل بأوتاد
فهو لمنهاجهم سالك ... لفضلهم ليس بجحاد
ويونس النحوي لا تنسه ... ولا خليلا حية الوادي
وقل لمن يطلب علما: ألا ... ناد بأعلى شرف ناد
يا ضيعة النحو به مغرب ... عنقاء أودت ذات إصعاد
أفسده قوم وأزروا به ... من بين أغتام وأوغاد
ذوي مراء وذوي لكنة ... لئام آباء وأجداد
لهم قياس أحدثوه همُ ... قياس سوء غير منقاد
فهم من النحو -ولو عمروا ... أعمار عاد- في أبي جاد
أما الكسائي فذاك امرؤ ... في النحو حار غير مرتاد
وهو لمن يأتيه جهلا به ... مثل سراب البيد للصادي1
وهجا المبرد البصري ثعلبا الكوفي بقوله:
أقسم بالمبتسَم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب
لو أخذ النحو عن الرب ... ما زاده إلا عمى القلب
فتمثل ثعلب:
يشتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ... من ذا يعض الكلب إن عضا1
وأراد ثعلب هذا أن يقرأ على المبرد البصري، فأنكر عليه أصحابه الكوفيون وقالوا: مثلك لا يصلح أن يمضي إلى بصري فيقال غدا: إنه تلميذه2، فاستجاب لهم عصبية وحرم نفسه الخير.
لكن ختنه "زوج ابنته" أحمد بن جعفر الدينوري لم يبال ذلك، فكان يخرج من منزل ثعلب وهو جالس على باب داره، فيتخطاه ويتخطى أصحابه، ويتوجه إلى المبرد ومعه محبرته ودفتره ليقرأ عليه كتاب "سيبويه"، وكان ثعلب يعاتبه في ذلك ويقول: "إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه، يقولون ماذا؟ " فلم يكن يلتفت إلى قوله3.
وما بلغت العصبية والنضال عن أسباب الرزق بين الفريقين مدى سافرا هذا السفور الذي تراه في الخبر الآتي:
"لما أصاب الكسائي الوضح "البرص" كره الرشيد ملازمته أولاده, فأمره أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه، وقال:
"إنك كبرت، ولسنا نقطع راتبك" فدافعهم خوفا أن يأتيهم برجل يغلب على موضعه، إلى أن ضيق الأمر عليه وشدد، وقيل له: "إن لم تأت برجل من أصحابك اخترنا لهم من يصلح"، وكان بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداد والأخفش، فقلق لذلك، وعزم على أن يدخل عليهم من لا يخشى غائلته، فقال لعلي الأحمر: "هل فيك خير؟ " قال: "نعم" قال: "قد عزمت على أن أستخلفك على أولاد الرشيد" فقال الأحمر: "لعلي لا أفي بما يحتاجون إليه! " فقال الكسائي: "إنما يحتاجون كل يوم إلى مسألتين في النحو، وثنتين من معاني الشعر وأحرف من اللغة، وأنا ألقنك "ذلك" كل يوم قبل أن تأتيهم فتحفظه وتعلمهم" وكذلك كان1.
هذا, ومن الخير ألا نغفل هنا خبرا يرد الأمور إلى نصابها فيما عرف عن بعض الكوفيين من أعمال علمية، فقد قال سعيد بن مسعدة الأخفش: "سألني الكسائي أن أؤلف له كتابا في "معاني القرآن" فألفت كتابي في المعاني، فجعله إماما لنفسه، وعمل عليه كتابا في المعاني، وعمل الفراء كتابه في المعاني عليهما! "2 وقد مر بك الخبر آنفا.
وتحفظ كتب الأخبار حادثا صريحا في استغلال نفوذ الحكم لنصرة الكوفة على البصرة يرويه أبو حاتم، قال:
قدم علينا "بالبصرة" محمد بن مسلم الكوفي عاملا على الخراج والصدقات، فصرت إليه مسلما فقال لي: "من علماؤكم بالبصرة؟ " فقلت:
"المازني من أعلمهم بالنحو، والرياشي من أعلمهم باللغة، وهلال الرأي من أفقههم، وابن الشاذكوني من أعلمهم بالحديث، وابن الكلبي من أعلمهم بالشروط، وأنا أنسب إلى علم القرآن" فقال لكاتبه: "اجمعهم في غد".
فلما اجتمعنا قال: "أيكم المازني؟ " فقال أبو عثمان: "هأنذاك أصلحك الله" فقال: "ما تقول في كفارة الظهار: أيجوز فيه عتق غلام أعور؟ " فقال له: "أصلحك الله، وما علمى بهذا؟ "هذا" يحسنه هلال الرأي" فالتفت إلى هلال الرأي فقال: "أرأيت قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ 1, بم انتصب هذا الحرف؟ " فقال: "أعزك الله، أنا لا أحسن هذا، إنما يحسنه الرياشي".
فقال: "يا رياشي, كم حديثا روى ابن عون عن الحسن؟ ".
فقال: "أصلحك الله، هذا يحسنه ابن الشاذكوني".
فالتفت إلى ابن الشاذكوني فقال: "كيف تكتب كتابا بين رجل وامرأة أرادت مخالعته على إبرائه من صداقها؟ " فقال: "أعزك الله، هذا يحسنه ابن الكلبي".
فقال لابن الكلبي: من قرأ "ألا إنهم تثنوْني صدورهم"؟ 1.
فقال: "أعزك الله, هذا يحسنه أبو حاتم".
فقال لأبي حاتم: "كيف تكتب كتابا إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة, وما جرى عليهم العام في ثمارهم؟ " فقلت له: "أعزك الله، لست صاحب بلاغة وكتب، إنما أنسب إلى علم القرآن".
فقال: "انظر إليهم, قد أفنى كل واحد منهم ستين سنة في فن واحد من العلم, حتى لو سُئل عن غيره لساوى فيه الجهال؛ لكن عالمنا بالكوفة لو سُئل عن هذا كله أصاب" يعني الكسائي ا. هـ. المصون للعسكري ص132.
أثرت العصبية ما رأيت فيما كان بينهم، أما النحو نفسه فلم يتأثر بشيء من ذلك، وإنما حمل طابع العلماء أنفسهم في التفكير والتنسيق سعة وضيقا ونظاما وبلبلة.
ولما تقدم الزمن، واستوى عند الحكام نحويو البصرة ونحويو الكوفة، غاب السبب الأول، وبقيت العصبية للبلد تخالط بعض النفوس حتى صرت ترى العالم الذي ينبغي أن يتنزه عن العصبية في العلم -ولو بعد ذهاب أسبابها المادية على الأقل- تداعبه هذه النزعة، فيجمع بين شيئين متنافرين لا لسبب إلا أنهما نبتا في بلد يعزه.
وأنا أقدم لك نموذجا لهذه الظاهرة:
الخليل بن أحمد السجزي القاضي المتوفى سنة "378هـ" فقد كان حنفيا في الفقه وكوفيا في النحو، وفاخر بذلك يقول:
سأجعل لي النعمان في الفقه قدوة ... وسفيان في نقل الأحاديث سيدا
وأجعل في النحو الكسائي قدوة ... ومن بعده الفراء ما عشت سرمدا
وإن عدت للحج المبارك مرة ... جعلت لنفسي كوفة الخير مشهدا1
ومن كان حنفيا, فأشبه مذاهب النحو بالمذهب الحنفي مذهب البصرة لإحكام القياس فيه، ولكنه الميل النفسي الشديد إلى الكوفة، والولوع بكل ما أنتجت حَدَوَا القاضي على أن يكون كوفيا في النحو والفقه والحديث مهما تنافرت أصول هذه الفنون في الكوفة.
وقد كان لهذه العصبية شيء من "رد الفعل" عند العلماء جعلهم يشكون في كل ما ينقل من علم كوفي: هذا أبو حاتم السجستاني يسمع تغالي الكوفيين في حمزة الزيات -أحد قراء الكوفة- فيسأل عنه أبا زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي وغيرهم من العلماء، فيجمعون على أنه لم يكن شيئا "ولم يكن يعرف كلام العرب ولا النحو ولا كان يدعى ذلك" قال أبو حاتم: "وإنما أهل الكوفة يكابرون فيه ويباهتون، فقد صيّره الجهال من الناس شيئا عظيما بالمكابرة والبهت،
وقول ذوي اللحى العظام منهم: "كانت الجن تقرأ على حمزة" وكيف يكون رئيسا وهو لا يعرف الساكن من المتحرك، ولا مواضع الوقف والاستئناف، ولا مواضع القطع والوصل والهمز؟! وإنما يحسن هذا أهل البصرة؛ لأنهم علماء بالعربية، قراء, رؤساء1.
وكان يكفي أن يشوب علم العالم أو تأليف الكتاب أخذ عن الكوفيين حتى ينبز بذلك عند النقاد2.
والظاهر أنه كان بين أهل البلدين فيما بعد، تنكيت وإرسال قصص وأخبار يحمل فيها أهل البلد على أهل البلد الآخر، وراجت هذه النكات -على نحو ما نرى اليوم بين بلدتين متجاورتين كحمص وحماة في الشام- وزاد هذا الأمر حتى استحق أن تؤلف فيه المؤلفات؛ فهذا ابن حبان البستي "354" على جلالة قدره يؤلف كتابا في عشرة أجزاء في "ما أغرب الكوفيون عن البصريين"، وكتابا في ثمانية أجزاء في "ما أغرب البصريون عن الكوفيين"3.
تستطيع بعد هذا البيان أن تطمئن إلى شيئين:
1- ليست السياسة عاملا في تكوين النحو الكوفي على ما كان عليه.
2- إن الصورة التي في نفوس الناس قديما وحديثا عن حدة التجاذب والتدافع بين النحو الكوفي, والنحو البصري مبالغ فيها.