من تاريخ النحو العربيمدرسة الكوفة

مدرسة الكوفة

عن هذه الطبعة
عَلَم
سعيد الأفغاني
الكتاب
من تاريخ النحو العربي
المؤلف
سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني (المتوفى: 1417هـ)
الناشر
مكتبة الفلاح
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: أبو جعفر الرؤاسي: طلب العلم في البصرة على أئمتها، قرأ على أبي عمرو بن العلاء، وعلى عيسى بن عمر الثقفي، لكنه لم يقارب أحدا من تلامذتهم فلم ينبه, وعاش بالبصرة غير معروف1, وكان أول كوفي ألف في العربية، وكتابه "الفيصل" عرضه -فيما ذكروا- على أصحاب النحو بالبصرة فلم يلتفتوا إليه, ولا جسر على إظهاره لما سمع كلامهم، أما هو فيزعم أن الخليل طلب الكتاب فأطلعه عليه، "فكل ما في كتاب سيبويه: قال الكوفي كذا, فإنما عنى الرؤاسي هذا"2.
وزعم جماعة من البصريين أن الكوفي الذي يذكره الأخفش في آخر المسائل, ويرد عليه الرؤاسي2.

ويعد من قراء الكوفيين, وسترى من أسماء كتبه الموضوعات التي عني بها: كتاب التصغير، الإفراد والجمع، الوقف والابتداء، معاني القرآن. ولما رجع إلى الكوفة وجد فيها عمه معاذ بن مسلم الهراء "187" مرجع الناس في العربية, وعني بالصرف ومسائله خاصة، وتبعه في هذه العناية من قرأ عليه من الكوفيين، حتى قيل: إنهم فاقوا البصريين فيها، ومن هنا عدهم بعض العلماء واضعي علم الصرف. وتخرج بالرؤاسي تلميذاه المشهوران: الكسائي والفراء. أما الكسائي فأنت تعرف أنه أعجمي الأصل وأحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في العربية، أخذ عن يونس أحد أئمة البصرة وجلس في حلقة الخليل، ثم خرج إلى بوادي نجد والحجاز وتهامة يأخذ عن الأعراب "فأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ, فقدم البصرة فوجد الخليل قد مات وفي موضعه يونس, فجرت بينهما مسائل أقر له فيها يونس وصدره في موضعه"1.
ثم انتقل إلى بغداد, فعاش في قصر الرشيد مؤدبا للأمين والمأمون، ونال الحظوة وأقبلت عليه الدنيا: يخدمه وليا العهد، ويعنى به ويعوده الرشيد نفسه.
ولما خرج الرشيد إلى الري

اصطحب معه الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني, فاتفق أن ماتا سنة 189 في يوم واحد, فقال الرشيد: "دفنت الفقه والنحو في يوم واحد"1.
وأما الفراء فقد قرأ بالبصرة على يونس بن حبيب ثم قرأ على الرؤاسي, ثم لازم الكسائي في بغداد, والذي حثه على الخروج إلى بغداد شيخه الرؤاسي.
ولندع الفراء نفسه يحدثنا بأول أمره ببغداد قال: قال لي الرؤاسي: "قد خرج الكسائي "إلى بغداد" وأنت أسن منه" فجئت إلى بغداد فرأيت الكسائي فسألته عن مسائل من مسائل الرؤاسي، فأجابني بخلاف ما عندي، فغمزت قوما من علماء الكوفيين كانوا معي، فقال: "ما لك قد أنكرت؟ لعلك من أهل الكوفة؟ " فقلت: "نعم" فقال: "الرؤاسي يقول كذا وكذا وليس صوابا، وسمعت العرب تقول كذا وكذا, حتى أتى على مسائلي فلزمته" ا. هـ1. والطريف تشاد البصريين والكوفيين في قراءة الفراء على يونس بن حبيب البصري أستاذ سيبويه تشادا على غير المنتظر، فالكوفيون يزعمون أنه استكثر عنه والبصريون يدفعون ذلك.
ثم كان الفراء "زائد العصبية على سيبويه وكتابه تحت رأسه".
صنف "معاني القرآن" الذي قال فيه مادحه: "لم يعمل أحد قبله مثله, ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه"2.

وكتبه التي تركها تدور حول مسائل من اللغة والنوادر والصرف والنحو والقرآن. أما كتابه الكبير في النحو المسمى بـ "الحدود" فقد ذكروا أنه يشتمل على ستة وأربعين حدا في الإعراب. ويعنينا منه هنا قصته فهي تدل على بدع عجيب عرف به بعض النحاة وأثر في سير هذا العلم أثرا سيئا، ذلك هو الإغراب والتعقيد، قالوا: كان السبب في إملائه الحدود أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه وسألوه أن يملي عليهم أبيات النحو ففعل، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض: "إن دام هذا على هذا, علم النحو الصبيان! والوجه أن يُقعد عنه" فقعدوا فغضب وقال: "سألوني القعود فلما قعدت تأخروا، والله لأملين النحو ما اجتمع اثنان" فأملى ذلك ست عشرة سنة1.
وأنا حائر في التوفيق بين نزعة التسهيل والتبسيط هذه التي في القصة, وقولهم في ترجمته: "كان يتفلسف في تأليفاته ومصنفاته، يعني: يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة"1.
وتكفينا هذه الإلماعة عن رجال المدرستين2, محاولين تتبع الخلاف ومعرفة طبيعته.

جارٍ التحميل