كتَابُ الصَّلَاةِ
تَجِبُ الخَمْسُ على كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ إلَّا حائِضًا وَنُفَسَاء، ولا تَصِحُّ من مجنونٍ ولا صَغِيرٍ غير مُمَيِّزٍ، وعلى وليِّهِ أمرُهُ بِها إذا تَمَّ لَهُ سَبْعُ سِنينَ، ويلزَمُهُ ضربُهُ على تَرْكِهَا إذا تَمَّ لَهُ عَشْرٌ.
والكَافِرُ إذا صَلَّى رَكْعَةً وَلو هَازِلًا، أَوْ أَذَّنَ وتجاوزَ الشَّهادتينِ، حُكِمَ بإسلامه.
وَيَحْرُمُ تأخيرُ الصَّلاةِ إلى وقْتٍ لا يَسعُها، أو إلى وَقْت الضَّرُورَةِ إلَّا مِمَّن له الجَمْعُ بِنِيَّتِهِ ولِمُشْتَغِلٍ بشرطٍ لها يَعْلَمُ حصولَهُ قريبًا.
وجاحدُ وجوبِها كَافِرٌ، وكذا تاركُهَا تَهاونًا وكَسَلًا إذا دَعاهُ إمامٌ أو نائبُهُ وَضاقَ وقتُ الَّتي بعدها ولم يفعلها فَيُستتابُ ثلاثة أيام فيهما، فإن لَمْ يَتُب قُتِلَ لكفرِهِ، فلا يُغَسَّلُ ولا يُكَفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ بين المسلمين، ويكون ماله لبيتِ المَالِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 61
بَابُ الأَذانِ والإِقامَةِ
هُما فَرْضُ كفَايَةٍ في الحَضَرِ على الرِّجَالِ الأَحْرارِ للصَّلواتِ الخَمْسِ المُؤَدَّاةِ والجمعة، ويُسَنَّانِ للمُنْفَردِ وللقضَاءِ وفي السَّفَرِ.
ويكرهانِ للنِّساءِ والخَنَاثى ولو بلا رَفْعِ صَوْتٍ، ولا يَصِحَّانِ إلَّا مرتَّبَيْنِ مُتواليين عُرْفًا.
وَشُرِطَ أن يفعل كُلَّ جُمَلِهِما واحدٌ بِنِيَّةٍ منه، وكونُهُ مسلمًا ذَكرًا عَاقِلًا مُميِّزًا نَاطِقًا عَدْلًا ولو ظاهرًا، ولا يصحان قَبْلَ الوقتِ إلَّا أذانَ الفَجْرِ فَيَصِحُّ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَرَفعُ الصوتِ رُكْنٌ ما لَمْ يُؤَذِّنْ لِحَاضِرٍ.
وَيُسَنُّ كَونُهُ صيّتًا أمينًا عالِمًا بالوقتِ مُتَطَهِّرًا قائمًا، ويُكْرَهُ أذانٌ جُنُبِ وإقامة مُحْدِثٍ.
ويُسَنُّ الأَذَانُ أَوَّلَ الوقت والتَّمَهُّلُ فيه، وأن يكونَ على عُلُوٍّ رافِعًا وجهَهُ، جاعِلًا سَبَّابتيهِ في أُذنَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة، وأن يلتفتَ يمينًا لِحيَّ على الصَّلاةِ وشمالًا بحيَّ على الفلاحِ، ولا يُزِيْلُ قَدَميه ما لَمْ يكُنْ بمنارةٍ فيستديرُ حَوْلَهَا، وأن يقول بعد حيَّ على الفَلاحِ في أذانِ
الجزء: 1 - الصفحة: 62
الفَجْرِ: "الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّومِ" مرتين، وهو التَّثْوِيب.
وَيُسَنُّ أن يَتَولَّاهُما واحِدٌ وأن يُقِيمَ مَوْضعَ أذانِهِ ما لَمْ يَشُقَّ، ومن جَمَعَ أَو قَضَى فوائِتَ أَذَّنَ للأُولى وأقام لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَسُنَّ لِسَامِعِ المُؤَذِّنِ أو المقيمِ أن يقول مثلَ قوله إلَّا في الحيعلة فيقول: "لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللهِ" 1، وفي التَّثْوِيبِ يَقُولُ: "صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ" 2، وفي لفظِ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ": "أَقَامَهَا اللهُ وَأَدَامَهَا" 3.
الجزء: 1 - الصفحة: 63
ثُمَّ يُصَلَّي على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلٌّ مِنَ المُؤَذِّنِ وسَامعه، ويقولان: "اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ" 4، ثُمَّ يَسْألُ اللهَ العَافِية في الدُّنيا والآخرةِ، ويَدعُو هنا وعِنْدَ الإِقَامَةِ.
ويقول عند أذان المغْرِبِ: "اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِي" 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 64
بَابُ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ
وهي سِتَّةٌ:
أَوَّلُها: طَهَارَةُ الحَدَثِ، وتقدمت.
الثَّاني: دُخولُ الوَقْتِ، فوقتُ الظُّهْرِ من زَوالِ الشَّمْسِ حَتَّى يتساوَى مُنتصِبٌ وفَيؤُهُ سِوى ظِلِّ الزَّوَالِ، وتعجيلُهَا أفضلُ إلَّا في شِدَّةِ حَرٍّ فَيُسَنُّ التَّأْخِيرُ مُطْلقًا حَتَّى يَنْكَسِرَ، وفي غَيْمٍ إلى قُرْبِ ثانية لمصلِّيها جَمَاعةً، والجُمُعَة تُعَجَّلُ بِكُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ يَلِيهِ الوَقْتُ المُخْتَارُ للعَصْرِ حَتَّى يصيرَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مثليه سِوى ظِلِّ الزَّوَالِ، ثُمَّ يَبْقى وَقْت ضرورةٍ إلى الغروبِ.
وَيُسَنُّ تعجيلُهَا بِكُلِّ حَالٍ والجلوسُ بَعْدَها في مُصَلاه إلى غروبِ الشَّمْسِ، وبعد فَجْرٍ إلى طلوعَها.
ثُمَّ يليه المغربُ حَتَّى يَغِيْبَ الشَّفَقُ الأَحمَرُ، وتعجيلُها أفْضَلُ إلَّا ليلةَ المُزْدَلفة لِمُحْرِمٍ قَصَدَهَا إن لَمْ يوافِهَا وَقْتَ الغُروبِ، وإلَّا في غَيْمٍ لِمَن يُصلِّيها جَمَاعة، وفي جَمْعٍ إن كان أرفَقَ، ويُكْرَهُ تأخيرُها لِظُهورِ النُّجُومِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 65
ويليهِ المختارُ للعشاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّل، وتَأْخيرُها إليه أفْضَل إن سَهُلَ ما لَمْ يُؤَخِّرِ المغرِبَ لِغَيْمٍ أو جَمْعٍ، ويُكْرَهُ إن شَقَّ ولو على بعضهم، والنومُ قبلها والحديثُ بعدها إلَّا يسيرًا، أو لِشُغْلٍ أو أَمْرِ المسلمينَ.
ثُمَّ هو وقْتُ ضرورةٍ إلى طُلوعِ الفَجْرِ الثَّاني وهو البياض المعترضُ بالمشرقِ ولا ظُلْمَة بَعْدَهُ، والأَولُ مستطيلٌ أزرقُ له شُعَاعٌ ثُمَّ يُظْلِمُ، ويليه الفجر إلى الشُّروقِ.
ويُسَنُّ تَعْجِيلُها بِكُلِّ حالٍ وتأخير الكُلِّ مع أمْنِ فوتٍ لصلاةِ كسوفٍ وَمَعْذورٍ كحاقِنٍ وتَائِقٍ أَفْضَلُ، ويَجِبُ لِتَعَلُّمِ الفاتحةِ وذكرٍ واجبٍ.
فَائِدَةٌ: ومن أيام الدَّجَّالِ ثَلاثةٌ طِوَالٌ، يومٌ كسنةٍ ويوم كشهرٍ ويوم كجمعةٍ، فيُقْدر للصَّلاة فيها قدرُ المعتادِ.
فَصْلٌ
وتُدْرَكُ مكتُوبَةٌ حَتَّى الجُمُعةُ أداءً بإحرامٍ في وقْتِها، لكِن يَحْرُمُ تأخيرُها إلى وقتٍ لا يَسَعُهَا، ولا يُصلي حَتَّى يتيقَّنَهُ أو يغلِبَ على ظَنِّهِ دخولُهُ إن عَجَزَ عن اليقين، ويعيدُ إن أَخْطَأَ، وكذا أَعْمَى ونحوه عاجِزٌ عن معرفتِهِ ولم يجد من يُقَلِّدُهُ.
ومن صَلَّى قبل تيقُّنِهِ أو غَلَبَةِ ظَنِّهِ أعاد ولو أصابَ، ويعملُ بأذانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ وكذا إخبارُهُ عن يقينٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 66
ومن صارَ أَهْلًا لوجوبها قبل خروج وَقْتِها بتكبيرةٍ لزمَتْهُ، وما يُجْمَعُ إليها قَبْلَهَا.
وإن أدركَ من وقتِ الصَّلاةِ قدرَ تكبيرةٍ ثُمَّ طَرَأَ مانعٌ كجنونٍ وَحَيْضٍ قضاها بعد زوالِهِ، ويَجِبُ فورًا قضاءُ فوائتَ مُرتبًا إلَّا إذا خَشِيَ فوات حاضِرَةٍ أو خروجَ وقتِ اختيارِها.
ولا يَصحُّ نفلُهُ حِينَئِذٍ ويسقُطُ الترتيبُ بِنسيانِهِ أيضًا لا بجهلِ وجوبِهِ، وتسقُطُ الفوريَّةُ إن تَضَرَّرَ بِبَدَنِهِ أومالِهِ أو بِتَرْكِ معيشةٍ يحتاجُهَا أو حَضَرَ لِصَلاةِ عيدٍ.
ولا يَصِحُّ نَفْلٌ مطلقٌ مِمَّن عليه فائتةٌ، ويَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِغَرضٍ صحيحٍ كانتظارِ رُفْقَةٍ أو جماعةٍ، وإن ذَكَرَ فائِتَةً مَن أحرَمَ بحاضِرَةٍ أتمهَا نافلةً إن اتسعَ وقتها ثُمَّ قضى الفائتةَ ثُمَّ صَلَّى الحاضرة، والإِمام يقطعُها مطلقًا، وعليهما مع ضيقه إتمامُها وتُجزِئُ.
ومن فاتته صلواتٌ وشَكَّ في قَدْرِها وَتَيَقَّنَ سَبْقَ الوجوبِ لَزِمَتْهُ من حينِهِ، وإلَّا فمن وقتِ تَيَقُّنِهِ.
فلو تَرَكَ عشر سَجَداتٍ من صلاةِ شهرٍ قَضَى عَشْرَةَ أيامٍ، ومن نَسِيَ صلاةَ يَوْمٍ وجهِلَهَا قضى الخمس، وإن قَلَّتِ الفَوائِتُ قضى معها سُنَنَها، وإن كَثُرَتْ فالأَولى تركُها إلَّا سنة الفجرِ، ويخيَّرُ في الوترِ.
الثَّالِثُ: سَتْرُ العَوْرَةِ مَعَ القُدْرَةِ، وهي سَوءةُ الإِنسانِ وكُلُّ ما يُسْتَحيى مِنْهُ، وَسَتْرُهَا حَتَّى خَارِجَ الصَّلاةِ في خَلْوَةٍ وَظُلْمَةٍ بما لا يَصِفُ البشرةَ فَرْضٌ، ويباحُ كَشْفُهَا لِتَدَاوٍ ونحوِهِ وَلِمُبَاحٍ ومُبَاحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 67
وعورة رَجُلٍ وَحُرَّةٍ مُرَاهِقَةٍ وَأَمَةٍ مطلقًا ما بين سُرَّةٍ ورُكْبَةٍ، ويُسَنُّ استتارُهُنَّ كالحُرَّةِ.
وابنُ سَبْعٍ إِلى عَشْرٍ الفَرْجَانِ، وَكُلّ الحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا وجهَهَا، وَيَحْرُمُ نَظَرُ الأَجَانِبِ إِليه كبقيتها.
وَشُرِطَ في فَرْضِ الذَّكَرِ البَالِغِ سَتْرُ أَحدِ عَاتِقَيهِ مَع سَتْرِ عَوْرَتِهِ بشيءٍ مِن اللِّبَاسِ.
وَيُسَنُّ صَلَاةُ الرَّجُلِ في ثَوبينِ مع سَتْرِ رَأْسِهِ، ويُتَأَكَّدُ ذَلِكَ في حَقِّ الإِمامِ.
وَتُسَنُّ صَلَاةُ الحُرّةِ في دِرْعٍ وَخمَارٍ ومِلْحَفَةٍ، وتكرَهُ في نقَابٍ وَبُرْقُعٍ بلا حاجةٍ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بانكشافِ يَسيرٍ مِنَ العَوْرةِ لا يفحُشُ في النَّظَرِ عُرْفًا بِلَا قَصْدٍ ولو في زَمَنٍ طَوِيلٍ، وكذا حُكْمُ كَثيرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ، فلو أَطَارَتِ الرِّيْحُ سترتَهُ ونحوه عن عَوْرَتِهِ فبدا منها ما لَمْ يُعْفَ عَنْهُ ولو كُلَّهَا فأعادها سَريعًا بِلَا عَمَلٍ كَثيرٍ لَمْ تَبْطُلْ، وإِنْ انكشَفَ يَسيرًا منها قَصْدًا بَطَلَتْ.
وَمَنْ صَلَّى في غَصْبٍ وَلَوْ بَعْضَهُ ثَوْبًا أَوْ بُقْعَةً أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضةٍ أَوْ رَجُلٌ في حَرِير أَوْ فيما غالبُهُ، أَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ عَالِمًا ذَاكِرًا لَمْ يصح ذلك، وإِنْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ، فَكَغَصْبٍ، لا إِنْ مَنَعَ منه غَيْرَهُ وَصَلَّى موضِعَهُ.
وَتَصِحُّ مع لُبْسِ عِمَامَةٍ وخَاتَمٍ وَخُفٍّ، وَتِكَّةٍ مَنْهِيٍّ عنها، لكن
الجزء: 1 - الصفحة: 68
يَحْرُم ذَلِكَ مِنْ غير صَغيرٍ وَنَحْوِهِ.
وتَصِحُّ مِمَّن حُبِسَ بِغَصْبٍ أَو نَجِسٍ لا يُمْكِنُهُ الخروجُ مِنْهُ ويُومِئُ برطبةٍ غايةَ ما يُمْكِنُهُ وَيَجْلِسُ عَلى قَدَمَيهِ وَيُصَلِّي عُريانًا مع غَصْبٍ، وفي حَرِيرٍ لِعَدَمٍ ولا إعادة، وفي نَجسٍ لِعَدمٍ وَيُعِيدُ.
وَمَنْ صَلَّى على أَرْضِ غَيْرِهِ أَوْ عَلى مُصَلَّاه بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ جَازَ، وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ آبِقٍ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ أَوْ مَنْكِبَهُ وعَجُزَه، سترَ مَنكِبَهُ وَعَجُزَهُ، أَوْ الفَرْجَينِ أَوْ أَحدهمَا سَتَرَهُ والدبرُ أَولي، ويُصَلِّي جَالِسًا فيهنَّ نَدْبًا.
وَيَلْزَمُهُ تَحْصيلُ سُتْرَةٍ بثمنِ مثلها إن قدر عَليه وقبولُها عاريةً لا هبةً، فإِنْ عَدِمَها بالكُلِّية صَلَّى جالسًا نَدْبًا بالإِيماءِ.
وَيَنْضَمُّ في جلوسِهِ بأن يُقيمَ إِحْدَى فَخِذَيْه على الأُخْرى.
وإِنْ وَجَدَهَا مُصَلٍّ قَريبَةً عُرْفًا سَتَرَ وَبَنَى وإِلَّا ابتدأ، [وكذا] 6 أمةٌ عَتَقَتْ فيها واحتاجت إليها.
وَتُصَلِّي العُرَاةُ جَماعةً وإِمَامُهم بَيْنَهُم وجُوبًا فيهما.
فإن اجتمعَ أنواعٌ صلَّى كُلّ نوعٍ وحدَهُ، فإِن شَقَّ صلَّى الفَاضِلُ واستدبَرَهُمُ المفضولُ ثُمَّ عُكِسَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 69
وَمَنْ أَعَارَ سُتْرَتَهُ وصلَّى عُريانًا لَمْ تَصِحَّ، لكن تُسَنُّ إعارتُها بعد صلاته، ويُصلي بها واحدٌ بَعْدَ واحِد، ويقدم إِمَامٌ مع ضيقِ الوقتِ، والمرأة أولى من الرَّجُلِ.
فَصْلٌ
يُكْرَهُ في الصَّلاةِ السَّدْلُ وهو طَرْحُ ثَوْبٍ عَلى كَتِفيهِ ولا يَرُدُّ طَرَفَهُ على الكَتِفِ الأُخرى أَوْ يُمْسِكُهُ بيدَيهِ أَوْ يَعْقِدُهُ، واشتمالُ الصَّماء وهو أن يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ ليسَ عليهِ غَيْرُهُ، وتغطيةُ وجهِهِ والتَّلَثُّمُ عَلى فَمِهِ وأَنْفِهِ، وكَفُّ كُمِّهِ بلا سَبَبٍ، والتَّشَبُّهُ بالكفارِ مُطْلَقًا، وَمَشيٌ بِنَعلٍ واحدةٍ ولو لِإصلاحِ النَّعل الأُخرى.
ويُكْرَهُ في نعلين مُختلفينِ بلا حاجةٍ، ولُبْسُهُ مُعَصْفَرًا في غيرِ إِحْرامٍ، وَمُزَعْفَرًا وأَحْمَرَ مُصْمَتًا، وطَيْلسانًا وهو المُقَوَّرُ، وجِلْدًا مُخْتَلَفًا في نجاسَتِهِ، وافتراشُهُ لا إِلباسُهُ دابّتَهُ، وَيحْرُمُ إلباسُهَا ذَهبًا أَوْ فِضَّةً أو حريرًا.
ويُكْرَهُ كونُ ثيابه فوقَ نصفِ سَاقِهِ أَوْ تَحْتَ كعبِهِ بِلا حَاجَةٍ.
وَيَجُوزُ لِلْمَرأةِ الزيادةُ عليه إلى ذراعٍ.
وَيُكْرَهُ لُبْسُ ما يَصِفُ البَشَرَةَ للرجُلِ والمرأةِ إِن رَآها غيرُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ تَحِلُّ لَهُ، ولُبْسُ زِيِّ الأَعاجِمِ كَعِمامة صَمَّاء، وَلُبْسُ ما فيه شُهْرَةٌ، فَيَدْخُلُ فيه خلافُ المعتادِ كَلُبْسِ ثَوْبٍ مَقْلُوبٍ أَوْ مُحَوَّلٍ كما يفعلُهُ بعضُ أَهل الجفاء والسَّخَافَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
ويُكْرَهُ خلاف زيّ بلدِهِ وَمُزْرٍ بِهِ، فإِن قَصَدَ الارتفاعَ، وإظهارَ التواضع حَرُمَ لأَنه رِيَاءٌ.
وَيَحْرُمُ التَّعَاظُمُ والتَّكَبُّرُ بِلُبسِ ثَوْبٍ أَوْ عمامةٍ أَوْ نَعْلٍ أَوْ غيرِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ على ذَكَرٍ وَأُنْثَى لُبْسُ ما فيه صورةُ حَيوانٍ وتعليقُهُ وسَتْرُ الجُدُرِ بِهِ، وتصويرُهُ كبيرةٌ حَتَّى في سِتْرٍ وَسَقْفٍ وَحائِطٍ وسريرٍ وَغَيْرها؛ لا افتراشُهُ وجعلُهُ مِخَدًّا بلا كراهَةٍ.
وَتُكْرَهُ الصَّلاةُ عليه، والسُّجُودُ على الصُّورةِ أَشدُّ كَراهَةً.
ولا تَدخلُ الملائِكةُ بيتًا فيه كَلْبٌ أَوْ صُورةٌ أو جَرَسٌ أو جُنُبٌ إلَّا أن يَتَوَضَّأَ، ولا تصحبُ رفقةً معها جَرَسٌ.
وإِنْ أُزِيلَ من الصُّورةِ ما لا تَبْقَى مَعَهُ الحَياةُ، كالرأْسِ 7 فلا بَأسَ بِهِ.
وَيُكْرَهُ الصَّلِيبُ في الثَّوْبِ ونَحْوِهِ.
وَيَحْرُمُ عَلى رَجُلٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ بلا ضَرورةٍ لُبْسُ ثيابِ حَرِيرٍ وَلَوْ بِطَانةً وتِكَّةَ سَرَاوِيلَ وافْتِرَاشُهِ، واسْتِنَادُهُ إِليه، واتِّكاؤُهُ عليهِ، وَتَوَسُّدُهُ، وَتَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ الجُدُرِ بِهِ غَيْرَ الكَعْبَةِ، وَكَذا ما غالِبُه حَرِيرٌ ظُهُورًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ مُطْلقًا؛ وهو ما سُدِيَ بحرِيرٍ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ.
ويَحْرُمُ عَليهِما بلا حَاجَةٍ لُبْسُ مَنْسوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بأَحَدِهما.
فإِن اسْتَحَالَ لَوْنُهُ ولم يَحْصُلْ منه شيْءٌ، أُبِيحَ، وإِلَّا فَلا.
وَيُبَاحُ لُبْسُ الحَريرِ لِحَكَةٍ - وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ في زَوَالِها - وَلِقَمْلٍ، ومَرَضٍ، وفي حَرْبٍ مُبَاحٌ إذا تراءى الجَمْعانِ إلى انْقِضاءِ القِتالِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حاجةٍ، ولِحاجَةٍ، كَبِطَانَةِ بيضةٍ 8 ودِرْعٍ ونحوِه.
وَيَحْرُمُ إلباسُ صَبِيٍّ ما يَحْرُمُ على رَجُلٍ، وَصَلاتُه فيهِ كصَلاتِهِ.
وَما حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ من حَرِيرٍ وغيرِه حَرُمَ بَيْعُهُ ونَسْجُهُ وخياطتُهُ وتَمْليكُهُ وَتَلُّكُهُ، وأُجْرَتُهُ لذلك، والأَمرُ بِهِ.
وَيَحْرُمُ يَسِيرُ ذَهَبٍ تَبَعًا غَيْرَ فَصِّ خَاتَمٍ، وَتَشبُّهُ رَجُلٍ بامرأَةٍ، وعَكْسُهُ في لِبَاسٍ وغيره.
ويُبَاحُ عَلَمٌ حَرِيرٌ، وهو طِرازُ الثَّوْبِ، ورِقاعٌ منه، وَسَجْفُ الفِرَاءِ، ولِبْنَةُ الجَيْبِ وهو الطَّوْقُ الذي يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ إذا كانَ ذَلِكَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ مَضْمُومَةً فَمَا دُون، وخِيَاطَةٌ بِهِ وَأَزْرَارٌ مِنْهُ.
ويُبَاحُ 9 للأُنْثى، وَيَحْرُمُ كتابةُ مَهْرِهَا فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 72
ويُسَنُّ أن يكون النَّعْلُ أَصْفَرَ والخُفُّ أَحْمَرَ أو أَسْوَدَ.
ويُكْرَهُ لُبْسُ الخُفِّ والأُزُرِ والسَّراويلِ قَائِمًا، ونَظَرُ مَلابِسِ حَريرٍ، وآنِيةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَنَحْوِهَا، إِنْ رَغَّبَهُ في التَّزَيُّنِ بِهَا والمُفَاخَرَةِ والتَّنَعُّمِ، وَزِيِّ أَهْلِ الشِّرْكِ.
ويُسَنُّ التَّواضُعُ في اللِّباسِ، ولُبْسُ الثِّيابِ البِيضِ وهي أَفْضلُ الثِّيابِ، والنَّظَافَةُ في ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ وَمَجْلِسِه، وَإِرْخَاءُ الذُّؤابَةِ خَلْفَهُ.
ويُبَاحُ السَّوادُ ولو للجُنْد.
وَيُسَنُّ السَّراوِيلُ والقَمِيصُ والرِّدَاءُ.
وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الإِرْفَاهِ 10 والإِسْرَافُ في المُبَاحِ، وَتَرْكُ الوَسَخِ في ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ، ولُبْسُ ما تُظَنُّ نَجاستُهُ من الثِّيابِ لتَرْبيةٍ ورَضاعٍ وحَيْضٍ وصِغَرٍ، وَكَثْرةِ مُلَابَستِها ومُبَاشَرَتها، وقِلَّةِ التحَرُّزِ منها في صَنْعَةٍ وغَيْرِهَا.
وَيُسَنُّ لِمَن لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أن يَقُولَ: "الحَمْدُ للهِ الَّذي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ" 11.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
الرَّابع: اجتنابُ النَّجَاسَةِ التي لا يُعْفى عنها في ثَوْبِ المُصلي وبدنِهِ وَبُقْعَتِهِ مع القدرةِ، فَتَصحُّ من حَامِلٍ مُسْتَجْمِرًا أَوْ حَيْوانًا طَاهِرًا، وممن حُبِسَ بِبقْعةٍ نَجِسَة وَتَقَدَّمَ.
وإِنَّ مَسَّ ثوبُهُ ثوبًا نَجِسًا، أو حَائِطًا لَمْ يَسْتَنِدْ إِليه، أَوْ صَلَّى على طَاهِرٍ طَرَفُهُ مُتَنَجِّسٌ أَوْ سَقَطَت عليه النَّجَاسَةُ فزالت، أَوْ أَزَالَهَا سَرِيعًا صَحَّتْ.
وتَبْطُلُ إن عَجَزَ عن إزالتِها في الحالِ أَوْ نَسِيَهَا أَوْ جَهِلَ عَينَها أَوْ حُكْمَهَا ثمَّ عَلِمَ.
وإن طَيَّنَ أَرْضًا مُتَنَجِّسَةً أَوْ بَسَطَ عليها أَوْ على حَيوانٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَى حَرِيرٍ شَيئًا طَاهِرًا صَفيقًا لا يَنْفذُ إِلى ظَاهِرِهِ، أَوْ صَلَّى على بِسَاطٍ باطنُهُ نَجِسٌ وَظاهِرُهُ طَاهِرٌ، أَوْ في عُلْوٍ سُفْلُه غَصْبٌ، أَوْ على سَرِيرٍ تَحْتَه نَجِسٌ، أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ نَجِسٍ وصَلَّى عليه، صَحَّتْ مع الكَرَاهَةِ.
وإن كانَ في يده، أَوْ وَسَطِه طَرَفُ شيءٍ وطرفُهُ الآخَرُ نَجِسٌ أَوْ في نَجاسَةٍ، أَوْ سَفِينةٍ صَغِيرةٍ، أو حيوانٍ نَجِسٍ كَكَلْبٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ تَنجر معه إذا مَشَي، أَوْ أَمْسَكَ حَبْلًا أَوْ غيره ملقًا على نجاسة، لَمْ تَصحَّ صَلَاتُهُ.
= ضعيف، والراوي عنه أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون المصري أيضًا، لا يُحْتَجُّ به".
وبهما أعل الإسناد الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 121).
الجزء: 1 - الصفحة: 74
فَصْلٌ
وَلَا تَصِحُّ الصَّلاةُ في الأَرضِ المَغْصُوبَةِ ولا في المَقْبَرَةِ، ولا يَضُرُّ قَبَرانِ وَلا خَشْخاشَة 12 ولا ما دُفِنَ في دَارِهِ، وَتَصِحُّ صَلاةُ الجَنَازَةِ فِيها.
ولا في المَجْزَرَةِ، والمَزْبَلَة، والحُشِّ، وأَعْطَانِ الإِبلِ، وقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، والحَمَّامِ، وكُل ما يتبعُهُ في البيع، وأسطحةُ هذه المواضِعِ مِثْلُهَا في عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عليها.
وَتَصِحُّ الجُمُعةُ والعيدُ والجَنَازَةُ ونحوها بالطريق، والغَصْبِ عِنْدَ الضرورةِ.
وَتَصِحُّ الصَّلاةُ في الكُلِّ لِعُذْرٍ.
وَتُكْرَهُ إِليها بِلَا حَائِلٍ، وَلَوْ كَمُؤَخِّرةِ الرَّحْلِ.
وَلَوْ غُيِّرَتْ هذه الأَماكِنُ بما يُزِيلُ اسْمَها؛ كَجَعْلِ الحَمَّامِ دَارًا، صَحَّتِ الصَّلاةُ فيها.
والمَسْجِدُ الحَادِثُ في المَقْبَرَةِ مِثْلُها.
ولا يَصِحُّ فَرْضٌ دَاخِلَ الكَعْبَةِ ولا على ظَهْرِهَا، إلَّا إذا وَقَفَ على مُنْتَهَاهَا، بحيثُ لَمْ يَبْقَ وراءَهُ شيءٌ منها، وَتَصِحُّ مَنْذُورةٌ، وَتُسَنُّ نَافِلَةٌ فيها وعليها وفي الحِجْرِ، ويَصِحُّ التّوجُّهُ إِليه مطلقًا، والفرض فيه كداخِلِهَا.
الجزء: 1 - الصفحة: 75
وتُكْرَهُ الصَّلاةُ بأرضِ الخَسْفِ لا في بَيْعةٍ وَكَنِيسَةٍ.
الخامس: استقبالُ القِبْلَةِ مَع القُدْرَةِ، فَلَا تَصِحُّ بدونِهِ إلَّا لِمَعْذُورٍ، كالتحامِ حَرْبٍ وَهَرَبٍ مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ أَوْ سَبُعٍ ونَحْوِهِ، كَمَرِيضٍ عَجَزَ عنه وعن مَن يُدِيرُهُ إِليها، وَكَمَرْبُوطٍ ونحوِهِ، فَتَصِحُّ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ مِنْهُم بِلَا إِعَادَةٍ.
وَلِمُتَنَفِّلٍ رَاكِبٍ وَمَاشٍ في سَفَرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَلا مَكْرُوهٍ ولو قَصِيرًا، لا رَاكِبٍ تَعَاسيْفَ وهو رُكوبُ الفَلاةِ وَقطْعُها على غير صَوْبٍ.
فلو عَدَلَت بِهِ دابَّتُه عن جِهَةِ سَيْرِهِ لِعَجْزِهِ عَنْها أو لِجِماحِها ونحوِه، أَوْ عَدَلَ هو إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، غَفْلَةً أَوْ نَوْمًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، أَوْ لِظَنِّهِ أَنّها جِهَةُ سَيْرِه، وطالَ، بَطَلَتْ، لا إِنْ قَصُرَ، وَيَسْجُدُ للسَّهْوِ.
وإِنْ كَانَ غير مَعْذُورٍ في ذَلِكَ بأن أمكنه رَدُّ دابتِهِ أَوْ عَدَلَ إِلى غَيْرِ القِبْلَةِ مع عِلْمِهِ بَطَلت.
وإِنْ وَقَفَتْ دابتُهُ تَعَبًا أو مُنْتَظِرًا رِفْقَةً ونحوِهِ، أَوْ نوى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَه، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.
وَلَوْ رَكِبَ المُسافِرُ النَّازِلُ وهو في نَافِلَةٍ، بَطَلَت، لا المَاشي فَيُتِمُّها.
وإِنْ نَزَلَ الرَّاكِبُ في أَثْنَائِهَا، نَزَلَ مُسْتَقْبِلًا وأتمَّها.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
وَيَلْزَمُ الرَّاكِبَ استقبَالٌ وَرَكُوعٌ وسُجودٌ، إِنْ أَمْكَنَه بِلا مَشَقَّةٍ، وإلَّا فَيَلْزَمُهُ ما يَقْدِرُ عَليه، فإِن لَمْ يَقْدِرَ على شَيء سَقَطَ الجميعُ.
وَيُومِئُ بالركوعِ والسُّجُودِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ سجودَهُ أَخْفَضَ مِنْ ركوعِهِ إِنْ قَدَرَ، وَيُعْتَبَرُ فيه طَهَارَةُ مَحَلِّه، نحوَ سَرْجٍ وَإِكَافٍ 13، وإن وَطِئَ الماشي نجاسةً عمدًا بَطَلت صَلاتُهُ.
ويدورُ في السَّفينةِ والمِحفَّةِ وَنَحْوِهَا إلى القِبْلَةِ في كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ لا نَفْلٍ، والمُرَادُ غَيْرُ الملَّاحِ لحاجَتِهِ.
وَيَلْزَمُ الماشِيَ أيضًا الافْتِتاحُ إلى القِبْلَةِ ورُكوعٌ وسُجودٌ.
والفَرْضُ في القِبْلَةِ لِمَن قَرُبَ مِنْها - كمَن بِمَكَّةَ - إِصَابَةُ العَيْنِ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، فإِنْ تَعَذَّرَت بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ مِن جَبَلٍ وَنَحْوه، اجْتَهَدَ إلى عَيْنِها.
وبِحَائِلٍ غيرِ أَصلِيٍّ كالمَنَازِلِ، لا بُدَّ مِن اليَقينِ بِنَظَرٍ أَوْ خَبَرٍ ونحوِه.
وَفَرْضُ البعيدِ إِصابةُ الجِهَةِ بالاجتهادِ - وَيُعْفَى عن الانْحِرافِ قَليلًا - وهو مَن لَمْ يَقْدِرْ على المُعَايَنَةِ ولا على مَنْ يُخْبِرُهُ عن عِلْمٍ، سوى المُشَاهِدِ لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقَرِيبِ مِنْهُ، فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ العَيْنِ، فإِن أَمْكَنه ذلك بِخَبَرِ ثِقةٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ ظَاهِرًا
الجزء: 1 - الصفحة: 77
وَبَاطِنًا عن يَقِينٍ، أو باسْتِدْلالٍ بِمَحَارِيبِ المُسْلِمِين، لَزِمَه العَمَلُ به.
وإن اشْتَبَهَت في السَّفَرِ اجتهَدَ عَارِفٌ بِأَدِلَّتِها وَقَلَّدَ غَيْرَهُ، فإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ مع القُدْرَةِ قَضَى سواءٌ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ.
السَّادس: النِّيَّة، وهي شَرْعًا؛ عَزْمُ القَلْبِ على فِعْلِ العِبَادَةِ تَقَرُّبًا إلى اللهِ تعالى، فَلَا تَصِحُّ عِبَادَةٌ بدُونها بِحَالٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلاةَ بِعَيْنِها، إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنةً - كَظُهْرٍ وعَصْرٍ وَمَنْذُورةٍ - وَنَفْلٍ مُوقَّتٍ - كَوِتْرٍ وراتبةٍ - وإن لَمْ تَكُن مُعَيَّنَةً أَجْزَأَتْهُ نيةُ الصَّلاة.
وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ قَضَاءٍ في فَائِتَةٍ، ولا أَداءٍ في حَاضِرَةٍ، ولا فَرْضِيَّةٍ في فَرْضٍ، وَيَصِحُّ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ أَدَاءٍ، وَعَكْسُه مَع الجَهْلِ.
وَلَوْ كانَ عليه ظُهْران؛ حَاضِرَةٌ وفَائِتةٌ، فَصَلَّاهُما، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّه تَرَكَ شَرْطًا مِنْ إِحْداهُما لا يَعْلَمُ عَيْنَها، صَلَّى ظُهْرًا وَاحِدَةً، يَنْوِي بِهَا ما عَلَيه، وَلَوْ كانَ الظُّهْران فَائِتتيْن، فنوَى ظُهْرًا منهما، لَمْ يُجْزِئْه عن وَاحِدَةٍ مِنْهُما حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَة لأَجْلِ التَّرْتِيبِ، بِخِلَافِ المَنْذُورَتَيْنِ.
وَتُسَنُّ إِضَافَةُ الفِعْلِ إِلى اللهِ تعالى في العِبَادات كُلِّها، وَمُقَارَنةُ النِّيَّةِ لِتكبِيرةِ الإِحْرامِ.
ولو قُدِّمَتْ عليها بِيَسِيرٍ بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ وَلَمْ يَفْسَخْها صَحَّت، كما لَوْ أَتَى بِهَا قَاعِدًا ثُمَّ قَامَ في فَرْضٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
وَيَجِبُ اسْتِصْحابُ حُكْمِها إلى آخِرِ الصَّلَاةِ، فإِنْ قَطَعَها في أثنائِها، أَوْ عَزَمَ على قَطْعِها، أَوْ تَرَدَّدَ في قَطْعها، أَوْ شَكَّ هل نَوَى فَعَمِلَ مَع الشَّك عَمَلًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّه نَوَى أَوْ شَكَّ في تَكْبيرةِ الإِحْرامِ، أَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ ثُمَّ ذَكَرَ فِيها، أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيَقْطَعُها بَطَلَت.
وَإِنْ شَكَّ هل نَوَى فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ أَتَمَّها نَفْلًا، إلَّا أن يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى فَرْضًا قَبْلَ أَن يُحْدِثَ عَمَلًا فَيُتِمَّها فَرْضًا، وإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ رُبَاعيةٍ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَينِ يَظُنُّهَا جُمْعَةً أَوْ فَجْرًا أَوْ مِنَ التَّرَاوِيحِ ثُمَّ ذَكَرَ بَطُل فَرْضُهُ، وإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ عدمُهُ أَوْ قَبْلَ دُخولِ وَقْتِهِ انقلبَت نَفْلًا، ولا تَنْعَقِدُ مَع العِلْمِ فيهما 14.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ في وَقْتِهِ المُتَّسِع ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا لِغَرَضٍ صَحيحٍ، مِثْلَ أَنْ يُحرِمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يريدَ الصَّلاةَ في جَمَاعَةٍ، جَازَ، بل هو أَفْضَلُ.
وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الفَرْضِ.
وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إِلى فَرْضٍ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرةِ إِحْرَامٍ للثَّانِي، انْقَلَبَ فَرْضُهُ الأَوَّلُ نَفْلًا، وكَذَا حُكْمُ ما يُبْطِلُ الفَرْضَ فَقَط، إذا وُجِدَ فيه، كَتَرْكِ القِيَامِ، والصَّلاةِ في الكَعْبَةِ، والائتِمَامِ بِمُتَنَفِّلٍ، ولم يَنْعَقِد الثاني، إلَّا أَن يَقْتَرِنَ بِهِ بِتَكْبِيرةِ إِحْرامٍ لَه فَيَصِحُّ وَيَبْطُلُ الأَول.
الجزء: 1 - الصفحة: 79
وَمِنْ شَرْطِ الجَمَاعَةِ أَن يَنْوِيَ الإِمامُ والمَأْمُومُ حالَهما، فَلَوْ نَوَى إِمامَةَ مَنْ لا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّه، كَأُمِّيٍّ يَؤْمُّ قَارِئًا، وامرأَةٍ تَؤمُّ رَجُلًا، أَوْ نَوَى الائتِمَامَ بِأَحَدِ الإِمَامينِ لا بعينِهِ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِمُنْفردٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِحَاضِرٍ فانصرَفَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، أَوْ عَيَّن إِمَامًا أَوْ مَأمُومًا فَأَخْطَأَ، أَوْ نَوَى الإِمَامَةَ وهو لا يَرْجو مَجيءَ أَحَدٍ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ نَوَى الإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأمُومٍ، صَحَّ، لا مع الشَّكِّ، فإنْ لَمْ يَحْضُرْ لَمْ تَصِحَّ.
وإنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الإِمَامَةَ أَوْ الائتِمَامَ لَمْ تَصحَّ.
وإنْ أَحْرَمَ مَأمومًا، ثُمَّ نَوَى الانْفِرَادَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الجَمَاعة - كَتَطْويلِ إِمامٍ، وَمَرَضٍ، وَغَلَبةِ نُعاسٍ، أَوْ لِشَيءٍ يُفْسِدُ صَلاتَه، أَوْ خَوْفٍ على أَهْلٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ فَوْتِ رُفْقَةٍ، أَوْ خَرَجَ مِنَ الصَّفِّ مَغْلُوبًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ، وَنحوِه - صَحَّ إنْ استَفَادَ بِمُفَارَقَتِهِ تَعْجِيلَ لُحُوقِ حَاجَتِهِ قَبْلَ فراغِ إِمامه.
فَإِن زَالَ العُذْرُ قَبْل إتمامِها فَلَهُ الدُّخولُ مع الإِمامِ.
فإنْ فَارَقَهُ في قِيَامٍ قبل قِراءَتِهِ الفَاتِحَةَ، قَرَأَ، وبعدَها لَهُ الرُّكُوعُ في الحَالِ، وفي أثنائِها يُكْمِلُ ما بَقِيَ.
وَإِنْ كَانَ في صَلَاةِ سِرٍّ وَظَنَّ أن إمامَه قَرَأَ، لَمْ يَقْرَأْ.
وَإِنْ فَارَقَهُ في ثانيةِ جُمعَةٍ أَتَمَّ جُمعةً.
وإِنْ أَحْرَمَ إِمامًا ثُمَّ صَارَ مُنْفَرِدًا كما لَوْ سَبَقَ المأْمومَ الحَدَثُ أَوْ فَسَدَتْ صلاتُهُ أَوْ انصَرَفَ، فنَوَى الانفِرَادَ، صَحَّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 80
وَلَهُ أيضًا الانفرادُ لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الجَمَاعَةِ 15.
وَتَبْطُلُ صَلاةُ مَأْمُومِ بِبُطْلانِ صَلاةِ إِمامِهِ مُطْلقًا.
وَإِنْ سُبِقَ اثنانِ فأكثَرُ بِبَعْضِ الصَّلاةِ فَائتَمَّ أحدُهما بصاحِبِه في قَضَاءِ ما فاتَهُما، أو ائتم مُقيمٌ بِمِثْلِهِ إذا سَلَّمَ إمامٌ مُسَافِرٌ صَحَّ في غَيْرِ جُمُعَةٍ لا فيها، وبِلَا عُذْرِ السَّبْق لا يَصِحُّ.
وإنْ أَحْرَمَ إمامًا لِغَيْبةِ إِمَامِ الحَيِّ، أَوْ إِذْنِهِ، ثُمَّ حَضَرَ في أَثْنَائِها، فَأَحْرَمَ بِهم وَبَنى على صَلاةِ خَليفَتِهِ، وَصَارَ الإِمَامُ مَأْمُومًا صَحَّ، وتَرْكُه أَولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 81
باب آداب المشي إلى الصلاة
يُسَنُّ الخُروجُ إِليها متَطَهِّرًا بِخَوْفٍ وَخُشُوعٍ وَسَكِينَةٍ وَوَقارٍ، وَأَنْ يَقُولَ إذا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ للصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِها: "بِسْمِ اللهِ، آمَنْتُ باللهِ، اعْتَصَمْتُ باللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ أَنْ أضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ" 16. وَأَنْ يُقَارِبَ خُطَاهُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 82
وَيُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بينَ أَصابعِه أو يُفَرقِعَها من حِينِ يخرجُ، وَذَلِكَ في المَسْجِد أشدُّ كَرَاهَةً، وفي الصَّلَاةِ أَشَدُّ وَأَشَدُّ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هذا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءَ ولا سُمْعَةً، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّار، وَأَنْ تَغْفِرَ لي ذُنُوبِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إِلَّا أَنْتَ" 17.
"اللَّهُمَّ اجْعَلْني مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إليْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إِليْك" 18.
"اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبي نُورًا، وفي قَبْري نُورًا، وفي لِسَانِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وعن يَميني نُورًا، وعن شِمَالي نُورًا، وأَمامي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، = الانقطاع، فلعل من صَحَّحه سَهَل الأمر فيه لكونه من الفضائل، ولا يقال: اكتفى بالمعاصرة؛ لأنَّ محل ذلك أن لا يحصل الجزم بانتفاء التقاء المتعاصرين إِذا كان النافي واسع الاطلاع مثل ابن المديني، والله أعلم".
الجزء: 1 - الصفحة: 83
وفي عَصَبِي نُورًا، وفي لَحْمِي نُورًا، وفي دَمِي نُورًا، وفي شَعْري نُورًا، وفي بَشَرِي نُورًا، وفي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لي نُورًا، واجْعَلْنِي نُورًا، اللَّهُمَّ أعْطِني نُورًا، وزِدْنِي نُورًا" 19.
فَإِذا سَمِعَ الإِقَامَةَ لَمْ يَسْعَ، وإنْ طَمِعَ في إدْراكِ الرّكْعَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ شيئًا يَسيرًا.
فإِذا دخَلَ المَسْجِدَ استُحِبَّ أَنْ ويُقَدِّمَ رِجْلَهُ اليُمْني، وأَن يَقُولَ: "بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ باللَّهِ العَظيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَريمِ، وَسُلْطَانِهِ القَديمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ" 20، "الحمدُ للهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لي أَبْوابَ رَحْمتِك".
وإِذا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَه اليُسْرى وقال: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبي، وافْتَحْ لي أَبْوابَ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيسَ وجُنُودِهِ" 21.
الجزء: 1 - الصفحة: 84
فَإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ نَوَى الاعتِكَافَ، وصَلَّى تَحِيَّةَ المَسْجِدِ، ثُمَّ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ؛ لأَنَّهُ خَيْرُ المَجَالِسِ.
وَيَشْتَغِلُ بِطَاعَةِ اللهِ مِنْ صَلاةٍ وقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ أَوْ يَسْكُت.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَخُوضَ في حَديثِ الدُّنْيا.
فَمَا دامَ كَذلِكَ فيه فهو في صَلاةٍ، والمَلائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يَتكَلَّمْ بِأَمْرِ الدُّنْيا أَوْ يُحْدِث" 22.
-
-
- = الكبرى" (2/ 42) وفي "الدعوات الكبير" (66) عن أبي حميد، وأبي أُسَيْدِ السَّاعِدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إِذا دَخَلَ أَحُدُكُمُ المَسْجدَ فلْيُسَلِّم وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ، وإِذا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ مِنْ فَضلِكَ" وإسناده صحيح وقد أخرجه مسلم (1/ 494) من غير ذكر التسليم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما ذكر المغفرة في الدخول والخروج من المسجد فقد أخرجه أحمد (6/ 282)، والترمذي (314)، والبغوي في "شرح السنة" (2/ 367) من طريق عبد الله بن الحسن عن فاطمة الصغرى عن فاطمة بنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال الترمذي بعده: "ليس إِسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لَمْ تدرك فاطمة الكبرى"، وقد أعله الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 284) أيضًا بالانقطاع؛ فيكون الحديث ضعيفًا.
وأما دعاء الاستعاذة من الشيطان في الخروج من المسجد: فقد أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (95)، وابن ماجة (773)، وابن السني في "عمل اليوم والليل" (86) من حديث أبي هريرة وقال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 272): "إسناد صحيح، رجاله ثقات".
- = الكبرى" (2/ 42) وفي "الدعوات الكبير" (66) عن أبي حميد، وأبي أُسَيْدِ السَّاعِدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إِذا دَخَلَ أَحُدُكُمُ المَسْجدَ فلْيُسَلِّم وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ، وإِذا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ مِنْ فَضلِكَ" وإسناده صحيح وقد أخرجه مسلم (1/ 494) من غير ذكر التسليم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما ذكر المغفرة في الدخول والخروج من المسجد فقد أخرجه أحمد (6/ 282)، والترمذي (314)، والبغوي في "شرح السنة" (2/ 367) من طريق عبد الله بن الحسن عن فاطمة الصغرى عن فاطمة بنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال الترمذي بعده: "ليس إِسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لَمْ تدرك فاطمة الكبرى"، وقد أعله الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 284) أيضًا بالانقطاع؛ فيكون الحديث ضعيفًا.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 85
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
يُسَنُّ أَنْ يَقُومَ إِمَامٌ فَمَأمُومٌ - غَيْرُ مُقِيمٍ - عِنْدَ قَوْلِ المُقيم: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يُسَوِّي الإِمامُ الصُّفُوفَ، نَدْبًا بِمُحاذاةِ المَناكِبِ والأَكْعُبِ دُونَ أَطْرَافِ الأَصابِعِ، فَيَلْتَفِتُ عن يَمِينِهِ قَائِلًا: "اعْتَدِلُوا وَسَؤُوا صُفُوفَكُم" وَنَحْوَه، وعن يَسَارِه كَذَلِكَ.
وَيُسَنُّ تَكْميلُ الصَّفِّ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، وَتَراصُّ المأْمُومين، وَسَدُّ خَلَلِ الصُّفُوفِ، فلو تَرَكَ القَادِرُ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، كُرِهَ.
فيحافِظُ عليهِ ولو فاتتهُ ركعةٌ.
وَيَمْنَةُ كُلِّ صَفٍّ للرِّجالِ أَفْضَلُ، وكُلَّما قَرُبَ مِنَ الإِمامِ فهو أَفْضَلُ.
وَالأَفْضَلُ تَأْخِيرُ المَفْضُولِ - كالصِّبيِّ - والصَّلاةُ مَكانَه.
وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّها آخِرُها، عَكْسُ صُفُوفِ النِّساءِ، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُنَّ، فَتُكْرَهُ صَلاةُ رَجُلٍ بينَ يَدَيْه امْرَأَةٌ تُصَلِّي، وَإِلَّا فَلَا.
ثُمَّ يقولُ: اللهُ أَكْبَرُ، رَافِعًا يَدَيهِ - أَو إِحْدَاهمَا لِعُذْرٍ - إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 86
حَذْوِ مَنكبيهِ بِرُؤُوسِهمَا مَمْدُودَتَي الأَصَابِعِ مَضْمُومةً، مسْتَقْبلًا ببُطُونِها القِبْلَةَ، وَيَسْقُطُ بِفَرَاغِ التَّكْبيرِ.
ثُمَّ يَقْبِضُ بِكَفِّهِ الأَيْمَنِ كُوعَهُ الأَيْسَرَ وَيَجْعَلُهُما تَحْتَ سُرَّتِهِ، وَيُكْرَهُ على صَدْرِهِ.
وَيُسَنُّ نَظَرُهُ إِلى مَحَلِّ سُجودِهِ في كُلِّ الصَّلاةِ، إلَّا الخَائِفَ فَيَنْظُرُ إِلى العَدُوِّ.
وَيَأْتِي بِها قَائِمًا إِنْ كانَ فَرْضُهُ القيامُ، ولا يُجْزِئُهُ غيرُها، وَيُرتِّبُها.
فإِنْ زَادَ على التَّكْبيرِ كَقَولهِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا.
أَوْ اللهُ أَكْبَرُ وأَعْظَمُ ونحوه كُرِهَ.
وَإِنْ مَدَّ هَمْزَةَ "اللهُ" أو "أَكْبَرُ"، أو قال: "أَكْبَار"، لَمْ تَنْعَقِدْ.
ولا تَضُرُّ زيَادةُ المَدِّ على أَلِف الجَلالةِ التي بعد اللَّام وَتَركُها أولى؛ لأَنَّه يُكْرَهُ تَمْطيطُه.
فإِن لَمْ يُحْسِنِ التَّكْبيرَ بالعربيةِ لَزِمَهُ تَعَلُّمُه مَكانَه أَوْ مَا قَرُبَ منه.
فإن خَشِيَ فواتَ الوَقْتِ، أو عَجَز عن التَعَلُّمِ، كَبَّرَ بِلُغَتِهِ، فَإِنْ عَرَفَ لُغَاتٍ، فَالأَوْلَى تَقْدِيمُ السِّرْيانِيِّ، ثُمَّ الفارِسِيِّ، ثُمَّ التُّرْكيِّ، أو الهِنْديِّ، فَإِنْ عَجَزَ حَتَّى عَن البَعْضِ سَقَطَ عنه، كَالأَخْرَسِ، وَكَذا حُكْمُ كُلِّ ذِكْرٍ وَاجِبٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
ولا يُتَرْجِمُ عن مُسْتَحِبٍّ، فإِنْ فَعَلَ بَطَلَت.
وَالأَخْرَسُ وَمَقْطُوعُ اللِّسانِ يُحْرِمُ بِقَلْبِهِ ولا يُحَرِّكُ لِسانَه، وكذا حُكْمُ القِراءَةِ والتَّسْبِيح ونحوِهِما.
وَيُسَنَّ جَهْرُ إِمامٍ بالتَّكْبيرِ كُلِّه، وبتَسْميعٍ لا تَحْمِيدٍ، وبِسَلامٍ أَوَّلَ فقط، وفي قِراءَةٍ في جَهْرِيَّةٍ بحيثُ يُسْمعُ مَن خَلْفَه، وأدناه سَماعُ غَيْرِهِ، وَيُسِرُّ مأمُومٌ، ومُنْفَرِدٌ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ.
ويُكْرَهُ جَهْرُ مَأْمومٍ، إلَّا بِتَكْبيرٍ وتَحميْدٍ، وسَلامٍ لحَاجةٍ، فَيُسَنُّ.
قال شَيْخُ الإِسلامِ ابن تَيمِيَّة: إذا كان صوتُ الإِمامِ يَبْلُغُ المأمومينَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لأَحَدٍ من المأمومينَ التَّبْلِيغُ باتِّفَاقِ المُسْلمين.
انتهى.
وَجَهْرُ كُلِّ مُصَلٍّ في رُكْنٍ وواجبٍ بِقَدْرِ ما يُسْمعُ نَفْسَهُ فَرْضٌ، إِنْ لَمْ يَكُن مَانِعٌ، فَإِنْ كَانَ فبحيثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مع عَدَمِهِ.
ثُمَّ يَسْتَفْتحُ سِرًّا فيقولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ، وتَعَالى جَدُّك، ولا إلهَ غَيْرُكَ" 23، ولا يُكْرَهُ بغيرِهِ مِمَّا وَرَدَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 88
ثُمَّ يَتَعَوَّذُ سِرًّا، ثُمَّ تقْرَأُ البَسْمَلَةَ سِرًّا، وليست من الفاتحةِ ولا مِنْ غَيرها، بل هِيَ آيةٌ من القُرْآنِ، مَشْروعَةٌ قبلَها وبينَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سِوى "بَرَاءَةٌ" فَيُكْرَهُ ابتداؤُها بها.
فإِنْ تَرَك شيئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى شَرَعَ فيما بَعْدَهُ سَقَطَ.
ثُمَّ يَقْرَأُ الفاتحَةَ مُرَتَّبَةً مُتَوالِيَة مُشَدَّدَةً.
والسُّنَّةُ أَنْ يَأْتي بها مُرَتَّلَةً مُعْرَبَةً، وأَن يّقِفَ عِنْدَ كُلِّ آيةٍ، وإن كانتْ متعلقةً بما قبلَهَا.
وأَن يُمَكِّنَ حُروفَ المَدِّ واللِّينِ بلا تَمْطيطٍ، وهي أَعْظَمُ سُورَةٍ في القُرآنِ، وأعْظَمُ آيةٍ فيه آيةُ الكُرْسِي.
وفي الفاتحة إِحْدى عَشْرَةَ تَشْديدةً.
فإنْ تَرَكَ تَرْتيبَها أَوْ حَرْفًا مِنها أَوْ تَشْديدةً، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا.
وإنْ قَطَعَها غيرُ مأمومٍ بِذِكْرٍ أَوْ دُعاءٍ، أو قُرْآنٍ كثيرٍ، أو سُكوتٍ طويلٍ، عَمْدًا، لَزِمَهُ اسْتِئْنافُها، لا إن كانَ يسيرًا أو كثيرًا، سَهْوًا أو نَوْمًا، أو انْتقلَ إلى غيرها غَلَطًا وطال.
ولا يَضُرُّ في حَقِّ مأمومٍ إن كان مَشروعًا كالتَّأمينِ، وسُجودِ التِّلاوةِ، أو لاسْتِماع قِراءةِ الإِمامِ.
وَيُكْرَهُ الإِفْراطُ في التَّشْديدِ والمَدِّ، وأن يَقولَ مع إمامهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾ ونحوَه.
فإذا فَرَغَ من قِراءَتِها قال: "آمين" بعدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا
الجزء: 1 - الصفحة: 89
ليست مِن القُرْآنِ، يَجْهَرُ بها إمامٌ ومأمومٌ، أو أسَرَّه أتى به مَأمومٌ لِيُذَكِّرَه.
والأَوْلَى المدُّ في "آمين"، ويجوزُ القَصْرُ، ويحرمُ تَشْدِيدُ الميمِ ويُبْطِلُهَا.
وَيُسَنُّ سُكوتُ الإِمامِ بعدَها بقَدْرِ قِراءةِ المأْمُومِ.
وَيَلْزَمُ الجَاهِلَ تَعَلُّمُها، فإن لَمْ يَفْعلْ مع القُدْرَةِ، لَمْ تَصِحَّ صلاتُه، فإن لَمْ تقْدِرْ أو ضَاقَ الوقْتُ عنه، سَقَطَ ولَزِمَه قِراءةُ قَدْرِها في عددِ الحُروفِ والآياتِ من غيرها.
فإن لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيةً واحدَةً كَرَّرَها بِقَدْرِها، فإن كان يُحْسِنُ آيةً منها وشيئًا من غيرها، كَرَّرَ الآيةَ، لا الشيءَ بِقَدْرِها.
فإن لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بعضَ آيةٍ، لَمْ يُكَرِّرْهُ.
وَحَرُمَ أن يُتَرْجِمَ عنه جَاهِلٌ بِلُغَةٍ أُخْرى كعالم.
والتَّرْجَمَةُ ليست قُرآنًا فلا تَحْرُمُ على الجُنُبِ، ولا يَحْنَثُ بها مَن حَلَفَ لا يقرأُ، ويحسُنُ للحاجَةِ تَرْجَمَتُهُ إذا احْتاجَ إلى تفهيمِهِ إياهُ بالتَّرجَمَةِ.
وَحَصَل الإِنْذارُ بالقُرآنِ دونَ تلك اللُّغَةِ كَتَرْجَمَةِ الشَّهَادَةِ.
وَيَلْزَمُ من لَمْ يُحْسِن آية منه أن يقول: سُبْحانَ اللهِ،
والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
فإن لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بعضَ الذكْرِ، كَرَّره بقَدْرِهِ، فإن لَمْ يُحْسِنْ شيئًا منه، وَقَفَ بِقَدْرِ الفاتِحَةِ كالأَخْرَس، ولا يُحَرِّكُ لِسانَه.
الجزء: 1 - الصفحة: 90
وَمَنْ صَلَّى وتَلَقَّفَ القِراءةَ مِنْ غيرهِ صَحَّتْ.
ثُمَّ يقرأُ سُورةً كَامِلَةً، نَدْبًا من طِوال المُفَصَّلِ في الفَجْرِ، ومن قِصارِهِ في المَغْرِبِ، وفي البَاقي من أوْسَاطِه، وأولُه "ق".
وَيُكْرَهُ بِقِصَارِهِ في الفَجْرِ بلا عُذْرٍ، وأن يَقْتَصِرَ المصلي على الفاتحةِ.
وتزولُ الكَراهةُ بآية مَعها والأَولى أن تكونَ طويلَةً.
ويُسَنُّ جَهْرُ الإِمامِ بالقراءَةِ في الصُّبْحِ، وأُولَيي مَغْرِبٍ وعِشَاءٍ، وَيُكْرَهُ لمأْمُومٍ.
ويُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ وقائِمٌ لقَضاءِ ما فاتَهُ.
ولا بَأْسَ بجَهْرِ امْرَأَةٍ، أو خُنْثَى إن لم يَسْمَعْهُمَا أَجْنَبيٌّ.
ويُسِرُّ في القضاءِ نهارًا، وَيَجْهَرُ بالجَهْريَّةِ ليلًا في جَمَاعةٍ.
ويُكْرَهُ جَهْرُهُ في نَفْلٍ نَهارًا ولَيْلًا، يُرَاعي المَصْلَحَةَ.
وَيَحْرُمُ تَنكيسُ كَلماتِ القرآنِ، وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلاةُ.
وَيُكْرَهُ تَنْكِيسُ السُّوَرِ في رَكْعَةٍ أو رَكعَتَيْن كالآيات، وقراءةُ كُلِّ القرآنِ في فَرْضٍ.
ولا تَصِحُّ بقراءةٍ تخرجُ عن مُصْحَفِ عُثْمان.
ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رافعًا يديه مع ابتدائِهِ فَيَضَعُ يدَيه مُفَرَّقَتي الأصابع على رُكْبَتَيْه، مُلْقِمًا كُلَّ يَدٍ رُكْبَةً، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا، وَرَأْسُهُ حيالَهُ، ويُجَافي مِرْفَقَيْه عن جَنْبَيه وبطنَه عن فَخِذَيه.
والمُجْزِئُ انحناؤُهُ بحيثُ يُمْكِنُه مَسُّ رُكْبَتَيْه بِكَفَّيهِ إذا كان وَسَطًا مِن النَّاسِ لا طَويلَ اليَدَيْنِ، ولا قَصِيرَهما، وَقَدْرُه من غيرِهِ،
الجزء: 1 - الصفحة: 91
ومِنْ قَاعِدٍ: مُقابلةُ وَجْهِهِ ما قُدّامَ رُكْبَتَيْه مِنَ الأَرْضِ أَدنى مُقابَلَةٍ، والأَكمَلُ تَتمتُها، وأحدبُ لا يمكنهُ ينويهِ.
ويقولُ بعد انتهائِه: "سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيم" ثلاثًا.
وهو أدنى الكَمالِ، وأعْلاهُ لإِمامِ عَشْر، ولِمُنْفَرِدٍ العُرْفُ.
ولو انْحَنى لتناول شيءٍ، ولم يَخْطُرْ بِبَالِهِ الرُّكوعُ، لم يُجْزِئْه عنه.
ثُمَّ يرفَعُ رأسَهُ مع يديهِ قَاِئلًا - إمامٌ ومُنْفَرِدٌ -: "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه" مُرَتَّبًا وجُوبًا.
ثُم إن شَاءَ وَضَع يَمينَه على شِمالِهِ أو أَرْسَلَهُما.
فإذا قَامَ قال: "رَبَّنا ولكَ الحمدُ، مِلْءَ السَّماءِ ومِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ ما شِئْتَ من شيء بَعْدُ".
والمأمومُ يقول: "رَبَّنا ولك الحمدُ" فقط في رَفْعِهِ.
وإِنْ عَطَسَ حَالَ رفْعِهِ أو حَالَ ابتدائِهِ الفاتِحَةَ فحمد لهما لَمْ يُجزئْهُ.
ثُمَّ يَخِرُّ مُكَبِّرًا ولا يرفَعُ يديهِ، فَيَضَعُ رُكْبَتيهِ ثُمَّ يدَيهِ ثُمَّ جَبْهتَهُ وأَنْفَهُ، ويكونُ على أَطْرافِ أصابِع رِجْلَيْه مُفرَّقَةً مُوَجَّهَةً إلى القِبْلَةِ.
ولَوْ سَقَطَ إلى الأَرْضِ مِنْ قيام أَوْ رُكوعٍ ولم يَطْمَئنَّ، عَادَ فأتى بذلك، وإن اطْمَأنَّ، عَادَ فانْتَصَبَ قائمًا ثُمَّ سَجَدَ.
ويُكْرَهُ عُلُوُّ مَوْضِعِ رَأْسِهِ على قدمَيهِ كثيرًا، وإِنْ خَرَج عن صِفَةِ السُّجُود لم يَكْفِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 92
والسُّجُودُ بالمُصلى على هذهِ الأَعضاءِ مع الأَنْفِ ركنٌ مع القُدرةِ، وإنْ عَجَزَ بالجَبْهَةِ، أَوْمَأَ ما أَمْكَنَه، ولم يَلْزمَه بغيرِهَا.
وَيُجْزِئُ بعضُ كُلِّ عُضْوٍ منها، ولو على ظَهْرِ كَفٍّ وَقَدَمٍ ونَحوِهما.
لا إن كان بعضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
وَيُعْتَبَرُ المَقَرُّ لأَعضاءِ السُّجود، فلو وَضَعَ جبهتَهُ على قُطْنٍ مَنْفُوشٍ ونحوهِ، أو صَلّى مُعلقًا ولا ضرورةَ لم تَصِحَّ.
وتُسَنُ مباشرةُ المُصَلَّى باعضاءِ السُّجودِ ما عَدا الرُّكْبتينِ، وبباطنِ كفْيهِ، وَضم أَصابِعهما موجهةً نحو القِبْلَةِ رافعًا مرفقَيهِ.
ويُكْرَهُ تَرْكُ المُبَاشَرَةِ بلا عُذْرٍ، والصَّلاةُ بمكانٍ شديدِ الحَرِّ أو البَرْدِ.
ويُسَنُّ أن يُجافِي عَضُدِيْهِ عن جَنْبَيْه، وَبَطْنَه عن فَخِذَيْه، وَفَخِذَيْه عن ساقَيْه، ما لم يُؤْذِ جَارَه فَيَجِبُ تَرْكُهُ.
ويَضَعُ يديهِ على الأَرْضِ حَذْوَ مَنكِبَيْه ويُفَرِّقُ بيْنَ رُكْبَتَيْه ورِجْلَيْه، ويقول: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأَعْلَى".
وحُكْمُهُ كتَسْبِيح الرُّكوع.
ثُمَّ يَرْفَعُ رأْسه مُكَبِّرًا، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فيفْرُشُ يُسْرَاهُ ويجلسُ عليها، وَينصِبُ يمناهُ، ويَجْعَلُ بُطونَ أصابِعِها نحو القِبْلةِ مفرَّقةً باسطًا يديه على فخذيهِ مضمومةَ الأَصَابِعِ، قائلًا: "رَبِّ اغْفِرْ لِي" ثلاثًا، وهو الكمالُ هنا، ولا تكْرُه الزيادةُ على شيءٍ من ذلك مِمَّا وَرَدَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 93
ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانيةَ كالأُولَى.
ثمَّ يَرْفَعُ رأسه مُكَبِّرًا قائِمًا على صُدورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه بيَدَيْه، وإن شَقَّ يَعْتَمِدُ بالأَرضِ.
ويُكْرَهُ أن يُقَدِّمَ إِحْدى رِجْلَيْه.
ولا تُسَنُّ جلسةُ الاسْتِرَاحَة.
ثُمَّ يأتي بِمِثْلِها إلَّا في تَجْدِيد النِّيَّةِ وتَحْرِيمةٍ واستفتاحٍ، وتَعَوُّذٍ إن تَعَوَّذَ في الأولى.
ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَيَضعُ يديهِ على فخذيهِ، يَقْبِضُ مِنْ يُمناه الخِنْصِرَ والبِنْصِرَ ويُحلِّقُ الِإبهامَ مع الوُسْطَى، ويَبْسُطُ أصابِعَ يُسرَاهُ مضمومةً إلى القِبْلَةِ، ثُمَّ يَتَشَهَدُ سرًّا فيقول: "التَّحِيَّاتُ للهِ والصَّلَواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لا إلهَ إِلَّا اللهُ، وأَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه ورسُولُه".
ويُشيرُ بسبابتِه اليُمنى في تَشهدِهِ ودعائهِ مُطلقًا عند ذكر الله تعالى.
ثُمَّ يَنْهَضُ في مغرب ورُباعيةٍ مُكَبرًا، ولا يَرْفَعُ يديهِ، ويُصلي الباقي كذلك إلَّا أنَّه يُسِرُّ ولا يزيدُ على الفاتحة.
ثُمَّ يَجلس مُتَورِّكًا؛ يَفْرِشُ اليُسْرَى، ويَنْصِبُ اليُمْنى ويُخْرِجُهما عن يمينِهِ وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ على الأَرض، ثُمَّ يَتَشهدُ التَّشَهُّد الأَوَّل ثُمَّ يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ على
الجزء: 1 - الصفحة: 94
آلِ إبراهيم، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بَاركْتَ على آل إبراهيم، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
ثُمَّ يقول نَدْبًا: "أَعُوذُ باللهِ مِنْ عَذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عَذَابِ القَبْرِ، ومِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجّالِ".
وإن دعا بِما وَرَدَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، أو عن الصَّحَابَةِ أو السَّلَفِ، أو بأمْرِ الآخِرَةِ ولو لم يُشْبِهْ مَا وَرَدَ، أو لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِغَير كافِ الخطابِ فَلا بَأْسَ، وتبطلُ إن أتى بها لِغَير اللهِ ورسولهِ 24.
ثُمَّ يقولُ عن يمينهِ ثُمَّ عن يَسارِه: "السَّلامُ عليكم وَرَحْمَةُ اللهِ" مُرَتَّبًا مُعَرَّفًا وجُوبًا.
وسُنَّ التفاتُهُ عن يمينه أولًا، وعن يَسَارِه أكثر، وَأَكْمَلُهُ فيهما بحيث يُرَى خَدَّاهُ، وحَذْفُ السَّلام وهو أن لا يُطَوِّلَهُ ولا يَمُدَّهُ في الصَّلاةِ وعلى النَّاس، وَجَزْمُهُ بِأَنْ يَقِفَ عَلَى آخِرِ كُلِّ تسليمةٍ، ونِيَّتُهُ بِهِ الخُرُوجَ مِنَ الصَّلاةِ.
فإِن نَوى معه على الحفظَةِ والإمام والمَأْمُومِ جَازَ ولم يُسْتَحَبْ، ولا يُجْزِئُ إن تَرَكَ وَ "رحمةُ اللهِ" أو أسْقَطَ المِيمَ من "عَليكُم"، والأَولى أن لا يزيدَ "وبركاتُهُ".
والمَرأَةُ كالرَّجُلِ، لكن تَجْمَعُ نَفْسَهَا، وَتَجْلِسُ مُسدِلةً رِجْلَيْها عن يَمينِها، وهو أَفْضَلُ أو مُتَرَبِّعَةً، والخُنْثَى مِثْلُها.
الجزء: 1 - الصفحة: 95
فَصْلٌ
يُسَنُّ عَقِبَ الصَّلاةِ أنْ يستغفِرَ اللهَ ثَلاثًا ويقولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلالِ والإِكْرامِ" 25، "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ، لا إِلهَ إِلَّا اللهُ ولا نَعْبُدُ إِلَّا إِيّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إِلهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون" 26.
"لا إِله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" 27.
وَيُسَبِّحُ الله وَيَحْمَدُهُ ويُكبرُهُ ثلاثًا وثلاثين مرةً، والأَفْضَلُ أن يَفْرُغَ منهنَّ معًا بِأَن يقول: "سُبْحَان الله، والحمد للهِ، واللهُ أكبَرُ"، وتَمَامُ المئة: "لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ" 28.
وَيَعْقِدُهُ، والاسْتِغْفَارَ بِيَدِهِ، ويقولُ بَعْد كُلٍّ مِنَ الصُّبْح والمَغْرِبِ
الجزء: 1 - الصفحة: 96
- وهو ثانٍ رِجْلَيه قَبْلَ أن يَتكلَّم - عَشْرَ مَرَّاتٍ: "لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي ويُميتُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ" 29، "اللَّهُمَّ أَجِرْني مِنَ النَّارِ".
سَبع مَرّاتٍ 30. وَيَقْرَأُ بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ آيةَ الكُرْسِيِّ والإِخْلاصِ والمُعَوذَتَين.
وَيَدْعو بَعْد كُلِّ صَلاةٍ، ويَبْدَأُ بالحَمْدِ للهِ والثَّنَاءِ عليه، والصَّلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَخْتِمُ بِذَلِكَ.
وَيَسْتَقْبِلُ - غيرُ إِمام هنا - القِبْلَةَ، وَيُكْرَهُ للِإمامِ، فَيستقْبِلُ المأمومينَ، وَيُلحُّ الدَّاعي، ويكررهُ ثَلاثًا، وسِرًّا أفضَلُ.
وَمِنْ آدابِهِ بَسْطُ يديْهِ وَرَفْعُهُما إلى صَدْرِهِ، وأن يَدْعُوَ بدعاءٍ مَعْهُودٍ بِتَأَدُّبٍ وخُشوعٍ وخُضوعٍ وعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ وحُضور قَلْبٍ وَرَجَاءٍ، ويَنْتَظِرُ الِإجَابَةَ، ولا يَعْجَلُ فيقولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِيْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 97
ولا بَأْسَ أن يَخُصَّ نَفْسَه بالدُّعاءِ، ما لم يَكُن مِمَّا يُؤَمَّنُ عليه كالمأمومينَ مع الإِمامِ فَيُعِمُّ وإلَّا خانَهمْ.
ويُسَنُّ أن يُخَفِّفَه.
وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ في صَلاةٍ وغيرِها، إلَّا لحاجٍّ.
ويُشْتَرَطُ الإِخلاصُ، واجتنابُ المُحَرَّماتِ.
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ فيها التفات بلا حاجَةٍ، ولا تَبْطُلُ إن استدارَ بِصَدْرِهِ مع وجهِهِ فقط بل بِجُمْلَتِهِ، وَرَفْعُ بَصَرِه إلى السَّماءِ، لا حَالَ التَّجَشُّؤ في جمَاعَةٍ.
وتغميضُهُ بِلا حاجَةٍ، كَخَوْفِ مَحْذورٍ، وصلاتُهُ إِلى صورةٍ مَنْصُوبةٍ، وحملُهُ فَصًّا أو ثَوْبًا ونحوَه فيه صُورةٌ، وإلى وَجْهِ آدَمِيٍّ وإِلى ما يُلْهيْهِ، وإِلى نَارٍ ولو سِرَاجًا ونحوَهُ.
وحملُهُ ما يُشغِلُهُ، وإخراجُ لِسانِهِ وفَتْحُ فَمِهِ ووضعُهُ فيه شيئًا، وإِلى مُتَحَدِّثٍ وَنَائِمٍ وكَافِر، واسْتِنَادُهُ بلا حَاجَةٍ، فإِن سَقَط لو أُزِيلَ، لَمْ تَصِحَّ، ووقوفُ غَيْرِ معذورٍ على رِجْلٍ واحدةٍ، وابتداؤُهَا مع ما يَمْنَعُ كَمَالَهَا كَحَرٍّ وَبَرْدٍ وجُوعٍ وعَطَشٍ مُفْرِطٍ، أو حَاقِنًا أو حَاقِبًا، أو مع ريح مُحْتبَسَةٍ ونحوِها، أو تَائِقًا إلى طَعامٍ أو شَرابٍ أو جِمَاعٍ، فَيَبْدَأُ بالخلاءِ وما تاقَ إِليه، ولو فاتَتْه الجماعةُ، وإن ضَاقَ الوقتُ حَرُمَ اشتغالُهُ بغيرِها، وَتَعَيَّنَ فِعْلُها.
وَيُكْرَهُ افتراشُ ذِراعَيهِ سَاجِدًا، وإقعاؤُهُ وهو أن يَفْرُشَ قَدَمَيْه
الجزء: 1 - الصفحة: 98
وَيَجْلِسَ على عَقِبَيْهِمَا، وَعَبَثُهُ وتقليبُهُ الحَصَى، وَمَسُّه، وَوَضْعُ يَدِه على خَاصِرَتِهِ، وَتَرَوُّحُه بِمِرْوحَةِ ونَحوها، إِلّا لِحاجةِ، كَغَمٍّ شَديدِ ما لَمْ يَكْثُرْ.
وَيُسَنُّ تَفْرِقتُهُ بين قَدَميهِ قدْرَ شِبْرٍ ومراوحتُهُ بينَهما.
وَيُكْرَهُ كثرتُهُ، وفرقعةُ أصابعِهِ وتشبِيكُهَا، ولَمْسُ لِحْيَتِهِ، وَنَفْخُهُ، واعْتِمَادُهُ على يَدِهِ في جُلُوسِهِ من غَيْرِ حَاجَةِ، وصَلاتهُ مَكْتوفًا، وَعَقْصُ شَعرِهِ وكَفُّهُ وَكَفُّ ثَوْبِهِ ونحوِه، وَتَشْمِيرُ كمِّه ولو فَعَلَهما لِعَمَلِ قبلَها، وَجَمْعُ ثَوْبِه بيَدِه إذا سَجَد، وأن يَخُصَّ جَبْهَتَه بما يَسْجُدُ عليه؛ لا صلاتُهُ على حائِلٍ كمنديلٍ.
وَيُكْرَهُ التَّمَطِّي، وإن تَثَاءَبَ كظَم عليه، نَدْبًا، فإِنْ غَلَبه اسْتُحِبَّ وَضْعُ يَدِه على فِيهِ.
وَيُكْرَهُ مَسْحُ أَثَرِ سُجودِه، وأَنْ يُكْتَبَ أَوْ يُعَلَّقَ في القِبْلَةِ شيءٌ، والتَّزْوِيقُ وكُلُّ ما يَشْغَلُ المُصَلِّيَ عن صَلاتِه، وتَكْرارُ الفَاتِحَةِ في ركعةٍ، وقِراءَةُ كُلِّ القرآنِ في فَرْضٍ وَاحِدٍ، وأن يَقْرَأَ الِإمامُ قراءةً مُخالِفَةً لِعُرْفِ البلد لأَنه مُنَفِّرٌ للجَمَاعَةِ.
وَمَنْ أتى بالصَّلاةِ على وجهٍ مَكْروهٍ يُسَنُّ لَهُ أن يَأْتِيَ بها على وجهٍ غير مكروهٍ في وقتِها.
وَيُسَنُّ في غَيْرِ مكَّةَ رَدُّ مَارٍّ بين يديهِ غير مُحتَاجٍ للمرورِ يَدْفَعُهُ بلا عُنْفٍ، وَيَحْرُمُ مع خَوفِ إفسَادِ صَلاتِهِ، فإن غلَبَهُ وَمرَّ لم يردَّهُ.
وَتُكْرَهُ
الجزء: 1 - الصفحة: 99
في موضِعٍ يُحتاجُ فيه إلى المرور، ويحرُمُ مروره بين مُصَلٍّ وسُتْرَته ولو بَعيدةً وإلَّا فبقدرِ ثلاثةِ أَذْرُعٍ بِذِراعِ اليَدِ.
وَلَهُ القِراءَةُ في المُصحَفِ، والسُّؤالُ عند آيةِ رحمةٍ والتَّعَوذُ عند آيةِ عذابٍ ولو مَأْمومًا، ويخفضُ صوتَهُ.
وله عَدُّ الآي والتَّسْبيح بأصابِعِه كتكبيراتِ العيدِ، وَقَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَب وَقَمْلٍ، وَلُبْسُ ثَوْبٍ وعِمَامَة ولَفُّهَا، وَحَمْلُ شيءٍ وَوَضْعُه، وإشارَةٌ لِحَاجَةٍ وإلَّا كُرِهَ.
وإن طَالَ الفِعْلُ عُرْفًا وتوالى بَطَلت مُطلقًا.
وإِشَارَةُ أَخْرَسَ مفهومةٌ أو لا كَعَمَلٍ.
ولا تبطُلُ بِعَمَل القَلْبِ - ولَوْ طَالَ - لا بإِطالَةِ نَظَرٍ في كِتَابٍ بلا نُطْقٍ مع كراهتِهِ، وَلَهُ الفَتْحُ على إمَامِهِ إذا أُغْلِقَ عليه أَوْ غَلِطَ، وَيَجِبُ في الفَاِتَحِة، ولِنسيانِ سجدةٍ ونحوِها.
وَكُرِهَ فتحُهُ على غير إِمامِهِ، وحمدُهُ إذا عَطَسَ.
فائدة: وَمَن دعاهُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَتْ إجابتُهُ مُطْلقًا، وتَبْطُلُ صَلاتُهُ بِهَا، ويُجيبُ والدَيْه في نَفْلٍ فَقَط، وَتَبْطُلُ بها.
وَيُسَنُّ أن يُصَلي على النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند قِراءَةِ اسمِهِ في النَّفْلِ، ولا يَبْطُلُ بِها الفَرْضُ.
وَيَجِبُ قَطْعُهَا لِرَدِّ معصومٍ عن بِئْرِ ونحوِه، ولإِنقَاذِ غَرِيقٍ ونحوهِ، وَلَهُ ذَلِكَ إنْ فَرَّ منْهُ غريمُهُ، وإن نابَهُ شيءٌ - مثلُ سهو إِمَامِهِ، أو استئذانٍ عليه ونحوِه - سَبَّح رَجُلٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 100
ويُبَاحُ بقراءةٍ وتكبيرٍ ونحْوِه.
ويُكْرَهُ بِنَحْنَحَةٍ وصَفِيرٍ، كتَصْفيقِه وَتَسْبيحِها، وصَفَّقَتِ امْرَأةٌ بِبَطْنِ كَفِّها على ظَهْرِ الأُخرى، وإن كَثُرَ بَطَلَتْ.
وَلو عَطَسَ فقال: "الحَمْدُ للهِ"، أو لَسَعَهُ شَيءٌ فقال: "بِسْمِ اللهِ"، أو سَمعَ أوَ رَأَى ما يَغُمُّهُ فقال: "إِنّا للهِ وإِنَّا إِليه راجعون"، ونحوِ ذَلِكَ كُرِهَ وَصَحَّتْ.
وكذا لو خَاطَبَ بشيءٍ من القرآن كقوله لِمُستَأذنٍ عليه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)﴾ [الحجر: 46].
وإن بَدَرَهُ مُخاطٌ أو بُزَاقٌ ونحوُه في المَسْجِدِ، بَصَقَ في ثوْبِهِ، وفي غيرِهِ عن يسارِه تحت قدمِهِ اليُسْرى، وفي ثَوْبِهِ أَوْلى إن كان في صلاةٍ، وكُرِهَ أمامَه وعن يمينهِ مُطْلَقًا.
وَتُسَنُّ صلاةُ غير مَأْمُومٍ إلى سُتْرَةٍ من جِدارٍ أَوْ شيءٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ طولَ ذراعٍ فأكْثَرَ، وأن يقرُبَ منها قَدْرَ ثلاثةِ أَذْرُعٍ من قَدَمَيْه، وانحِرافُه عنها يَسيرًا.
فإن تَعَذرَ شاخِصٌ وتَعَذرَ غَرْزُ عَصا ونحوِه خَطَّ خَطًّا كالهِلالِ.
ولا تُجْزِئُ مَغْصُوبَة فتُكرهُ الصَّلاةُ إليها وتجزئُ نجسةٌ.
ولا يُكْرَهُ المرورُ وراءَ السُّتْرَةِ، وإن مرَّ بينَهُ وبينَهَا أو لم تَكُن فَمَرَّ بين يديهِ قَرِيبًا مِنْهُ قدرَ ثلاثةِ أَذْرُع كَلْبٌ أَسْوَد بَهيمٌ وهو ما لا لَونَ فيه سِوَى السَّواد بَطَلَت صلاتُهُ، ولا تَبْطُلُ بمرورِ شيءٍ غَيْرِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 101
فَصْلٌ
أركانُها أربعةَ عَشَرَ وهي:
القِيَامُ في فَرْضٍ لِقَادِرٍ سِوَى عُرْيانٍ، وخائفٍ، ولِمُدَاوَاةٍ، ونحوِه.
وَحدُّهُ ما لم يَصِرْ راكعًا.
والرُّكْنُ منه الانتِصابُ بِقَدْرِ تكبيرةِ الإحْرام، وقِراءَةِ الفَاتِحَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولى، وبِقَدْرِ قراءَةِ الفَاتِحَةِ فيما بَعْدَها، وبقدرِ التَّحْريمَةِ في حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ إمامَهُ في الرُّكوعِ.
وتكبيرَةُ الإِحرامِ.
وقراءَةُ الفَاتِحَةِ على غَيْرِ مَأْمُومٍ.
والرُّكوعُ.
والاعتدالُ عنهُ، ولا يَضُرُّ تطويلُهُ.
والسُّجُودُ.
والاعتدالُ عَنه.
والجلوسُ بين السَّجْدَتَيْن.
والطُّمَأْنينَةُ في هذهِ الأَفْعَالِ بِقَدْرِ الذِّكْرِ الوَاجِبِ لذاكِرِه، ولناسِيه بِقَدْرِ أدنَى سُكون.
والتَّشَهُّدُ الأَخيرُ، والرُّكْنُ مِنْهُ ما يُجْزِئُ في التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، وهو: "التَّحِيّاتُ للهِ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ، سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رسُول الله - أَو عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -".
الجزء: 1 - الصفحة: 102
والصَّلاةُ على النَّبِيِّ عليه السلام بَعْدَهُ، والرُّكْنُ مِنْهُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمّدٍ".
والجلوس لَهُ.
والتَّسْليمَتانِ إلَّا في صَلاةِ جنازَةٍ، فالثانيةُ مُبَاحَةٌ فيها، وفي نافِلَةٍ فهي سُنَّةٌ.
والتَّرتِيبُ.
وواجباتُها ثمانية: تكبيرُ الانتقَالِ في محلِّهِ، فَلَوْ شَرَعَ فيه قبلَ انْتِقَالِه أو كَمَّلَه بعد انْتِهَائِه، لم يُجْزِئْه كَتكميلِه واجِبَ قراءةٍ رَاكعًا، وشروعِهِ في تَشَهُّدٍ قَبْلَ قُعودِهِ، لكن مَنْ أَدْرَكَ الإِمامَ رَاكعًا فالتكبيرةُ الثانية سُنَّةٌ لَهُ، والتَّسْمِيعُ للإمَامِ والمُنْفَرِد، والتَّحْمِيدُ لِلكُلِّ.
وَتَسْبيحُ رُكوعٍ، وسُجودٍ، "ورَبِّ اغْفِرْ لي" مَرَّةً مَرَّةً، وَتَشَهُّدٌ أَوَّلٌ على غير مأمومٍ قامَ عنه إِمَامُهُ سَهْوًا، والجلوسُ له، وما عدا ذَلِك سُنَنُ أقوالٍ وأفعالٍ وهَيْئاتٍ.
فَسُنَنُ الأَقوالِ سَبْعَةَ عَشَرَ: دُعاء الاسْتِفْتَاحِ، والتَّعوذُ، والبَسْمَلةُ، والتَّأْمِينُ، وقراءةُ السُّورة في فَجْرٍ وجُمُعَةٍ وعيدٍ وأولَيَيْ غيرِ فجْرٍ وتَطَوعٍ كُلِّهِ، والجَهْرُ والإِخْفَاتُ، وَقَوْلُ: "مِلْءَ السَّماءِ".
بعدَ التَّحْميدِ، وما زادَ على المرَّةِ في تَسْبِيح ركوعٍ وسجودٍ، وفي سُؤال المَغْفرَةِ، والدُّعاءِ في التشهدِ الأَخير، والصلاةُ فيه على آله عليه السَّلامُ، والبَرَكةُ فيه عليهِ وعليهم، وما زادَ على المُجزِئِ في التَّشَهُّدِ، والقُنوتُ في الوِتْرِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
وسُنَنُ الأفعالِ مع الهَيْئَاتِ خَمْسٌ وأربعون وهي:
رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ الإِحرامِ وعند الرُّكوعِ والرَّفع مِنْه، وَحَطُّهُمَا عَقِبَ ذَلِكَ، وقَبْضُ اليمين على كُوع الشِّمَالِ وَجَعْلُهما تحتَ سُرَّتهِ، والنَّظَرُ إلى مَوْضِع سُجودِه، وَتَفْرِيقُه بينَ قَدَمَيْه في قيامِهِ، ومُراوحَتُه بينَهما قَليلًا.
والجَهْرُ والإِخْفَاتُ، وترْتيلُ القِرَاءَةِ والتَّخْفيفُ فيها للإِمامِ، والإِطالَةُ في الأولى، والتَّقْصيُر في الثَّانِية.
وَقَبْضُ رُكْبَتَيْه بيَدَيْهِ في الرُّكوع، وَمَدُّ ظَهْرِهِ فيه، وَجَعْلُ رَأْسِه حيالَه، والبَداءةُ بوَضْع رُكْبَتَيْه قبلَ يَدَيْه في سجودِهِ، ورفْعُ يَدَيْه أَوَّلًا في القيام.
وَتَمْكينُ كُلِّ جَبْهَتِه وأنْفِهِ، وَكُلِّ بقيّةِ أعضاءِ السُّجودِ مِن الأَرْضِ في سُجوده.
ومُجافاةُ عَضُديْه عن جَنْبَيْه وَبَطْنِه عن فَخِذَيْه، وفَخِذَيْه عن ساقَيْه.
والتَّفْرِيقُ بينَ رُكبتيهِ وإقامَةُ قَدَمَيْه، وجَعْلُ بُطونِ أصابِعِهما على الأَرْضِ مُفَرّقَةً فيه وفي الجلوس.
وَوَضْعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبيْهِ مَبْسوطَةً، وَتَوْجيهُ أصابِعهما مَضْمُومَةً نحو القِبْلة فيه.
ومُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بأعضاءِ السُّجودِ وَعَدَمُها بالرُّكبتينِ، وقيامُهُ إِلى الركَّعَةِ على صدورِ قَدَميه معتمدًا على رُكبَتيهِ بيديه، والافتراشُ في مَحَلِّه والتَّورُكُ في مَحلِّه، ووضعُ اليَدينِ على الفَخِذَينِ في التَّشَهُّدِ بصفتِهِ المُتقَدِّمَة، والإِشارةُ بسبّابة اليُمنى عند ذِكْرِ اللهِ، والتفاتُهُ في تسليمهِ وتفضيلُ الشِّمَالِ على
الجزء: 1 - الصفحة: 104
اليمينِ فيه، ونيتُهُ به الخروجَ من الصَّلاة، والخشوعُ وهو مَعْنًى يقومُ بالنَّفْسِ يظْهَرُ مِنْهُ سُكونُ الأَطرافِ.
تنبيهٌ: الرُّكْنُ ما كانَ داخِلَ الماهية، والشَّرطُ ما كانَ خَارِجَهَا ويَبْقى إلى انْقِضَائها، ولا يسقُطُ واحدٌ مِنهما عمدًا ولا سَهْوًا ولا جَهْلًا.
والواجِبُ ما كان داخِلَها ويسقُطُ سَهْوًا وَجَهْلًا، والسُّنَّةُ تسقطُ مُطْلقًا، ولا يُشْرَعُ لها السُّجودُ مُطلقًا، وإن سَجَدَ فلا بَأْسَ.
فائدة: ولا يُشْتَرطُ أن يَعرِفَ المُصلي الشَّرْطَ من الرُّكْنِ، فإذا اعتقدَ الفَرْضَ سُنَّةً أو عكسَهُ أو لم يَعْتَقِدْ شيئًا وأدَّاهَا على ذلك وهو يَعْلمُ أن ذَلِكَ كُلَّهُ من الصَّلاة صَحَّتْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 105
بَابُ سُجُودِ السَّهُوِ
يُشْرَعُ للسَّهْوِ لا للعَمْدِ لِزِيَادَةٍ ونَقْصٍ وشَك في كُلِّ صلاةٍ ذاتِ رُكوعٍ وسجودٍ، لا لحديثِ نَفْسٍ وكثْرَةِ وَسواسٍ.
فَمتَى زادَ من جِنْسِ الصَّلاةِ قِيَامًا أَو قُعودًا أَو رُكوعًا أَو سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَت، وَسَهْوًا - وَلَوْ قَدْرَ جلسَةِ الاسْتِراحَةِ - سَجَدَ.
وَمَتَى ذَكَر، عَادَ إلى تَرْتيبِ الصَّلاةِ بِغيرِ تَكْبيرٍ.
وإن زَادَ رَكْعَةً قَطَعَ متى ذَكَرَ وَبَنى، ثُمَّ إن كانَ تَشَهَّدَ سَجَدَ وسَلَّمَ، ولا يعتَدُّ بِهَا مَسْبُوقٌ، ولا يَصِحُّ أَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ فيها من عَلِمَ أنَّها زَائِدَةٌ.
وإن كانَ إمامًا أو مُنْفَرِدًا فنبّهَهُ ثِقَتانِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ ظَنَّ خَطأهُما، ما لم يَتيَقنْ صوابَ نَفْسِه فَيَعْمَلَ بيقينِهِ، أو يَخْتَلِفْ عليه المُنَبِّهون فيَسْقُطَ قَوْلُهُم، ولا يَلْزَمُه الرُّجوعُ إلى فِعْلِهم من غَيْرِ تَنْبِيهٍ.
فإن لم يَرْجِعْ إمامٌ إلى قول الثِّقَتَيْنِ، فإن كان عَمْدًا وكان لجبْرانِ نَقْصٍ كما إذا لَمْ يَرْجع لِتدَارُك الواجب لم تَبْطُلْ، وإلَّا بَطَلَتْ صَلاتهُ
الجزء: 1 - الصفحة: 106
وصلاةُ المأمومِ، وإن كانَ سَهْوًا بَطَلَت صلاتهُ وصلاةُ من تَبِعَهُ - عَالِمًا لا جَاهلًا أو نَاسِيًا - وَوَجَبَتْ مُفارَقتُهُ.
ويَرْجِعُ طائِفٌ إلى قَوْلِ ثِقَتَيْنِ.
وَلَوْ نَوى نَهَارًا رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا فقامَ إلى ثالثةٍ سَهْوًا، فالأَفضَلُ إتمامُها أرْبَعًا، ولا يَسْجُدُ.
وله أن يَرْجِعَ وَيَسْجُدَ، وإن لم يَرْجِعَ ليلًا بَطَلَت.
وَعَمَلٌ مُتَوالٍ مُسْتكْثَرٌ عادةً، من غير جنسِ الصَّلاةِ، كمَشْيٍ وَفَتْحِ بابٍ ونحوِه، يُبْطِلُها عَمْدُه وسَهْوهُ وَجَهْلُه إن لم تَكُنْ ضَرورةٌ، ولا بأس بيسيرٍ لحاجةٍ، ويُكْرَهُ لغيرِها ولا سُجُودَ.
وإنْ أَكَلَ أو شَرِبَ عَمْدًا؛ بَطَلَ فرضُهُ مُطْلقًا، ونفلُهُ بكثيرِ شُرْبٍ عُرْفًا.
وإن كان سَهْوًا أو جَهْلًا، لم تَبْطُلْ بيسيرٍ مُطْلقًا.
ولا بَأْس بِبَلْعِ ما بَقِيَ في فيهِ، أو بينَ أسنانِهِ بلا مَضْغٍ، وبَلعُ ذَوْبِ سُكَّرٍ ونحوِه كأَكْلٍ.
وإن أتى بقوْلٍ مشْروعِ في غيرِ محلِّه - غيرَ سلامٍ - كالقِرَاءةِ في السُّجودِ والقُعود، والتَّشَهُدِ في القيامِ ونحو ذلك، لم تَبْطُلْ.
ويُسَنُّ السُّجود لِسَهْوِه.
وإِن سَلَّمَ قبل إتمَامِهَا عمدًا بَطَلَت.
وإن كان سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ قرِيبًا عُرْفًا أتمَّها وَسَجَدَ، ولَوْ خَرَجَ من المَسْجِدِ.
فإن لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ، فعليهِ أن يَجْلِسَ لِينْهَضَ إلى إتمَامِها
الجزء: 1 - الصفحة: 107
عن جُلوسٍ مع النِّيَّة.
وإن لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى شَرَعَ في غيرها قَطَعَها.
وإن كان سَلامُهُ ظَنًّا أن صَلاتَه قد انْقَضَتْ فَكَذَلِكَ.
فإن طَالَ الفَصْلُ أَو أَحْدَثَ أو تَكَلَّمَ لغيرِ مَصْلَحَتِها بَطَلَتْ.
وإن تَكَلَّمَ يَسيرًا لِمَصْلَحَتِها لم تَبْطُلْ.
والاحتياطُ إعادَتُها.
وإِن سَلَّمَ من رُباعية يَظُنُّها فَجْرًا أَو جُمْعةً أو التَّراويح، ثُمَّ ذَكَرَ بَطَل، وَتَقدَّمَ في النِّيَّةِ.
وإن تَكلَّمَ المُصَلّي مَغْلُوبًا على الكَلامِ، مِثْلَ إن سَلَّم سَهْوًا، أو نَامَ فَتكلَّمَ، أو سَبَقَ على لِسَانِه حالَ قِراءتِه كلِمَةٌ من غير القُرآنِ، أو غَلَبَه سُعَالٌ أو عُطاسٌ أو تثاؤُبٌ لم تَبْطُلْ، وإن قَهْقَهَ بَطَلَت، وإن لم يَبِنْ حَرْفَان، وإن تَكَلَّمَ أو نَفَخَ أو انْتَحَبَ، لا من خَشْيَةِ اللَّهِ، أو تنحْنَح بلا حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ بَطَلَتْ.
ويُكْرَهُ اسْتِدْعاءُ البُكاءِ كالضَّحِكِ.
فَصْلٌ
مَنْ نَسِيَ رُكْنًا غيرَ التَّحْرِيمَةِ فَذَكَرَ بعدَ شروعِهِ في قِراءَةِ ركعَةٍ أُخْرَى بَطَلَت التي تَرَكَهُ منها وصارت التي قَرأَ لها مكانَهَا.
فإن رَجَعَ عالمًا عَمْدًا، بَطَلَت صَلاتُهُ.
وقبلَه، عادَ فأتَى بِهِ وبما بعدَه، فإن لم يَعُدْ عَمْدًا بَطَلَت، وسَهْوًا أو جَهْلًا، تبطُلُ الرَّكعةُ، وبعد السَّلام فَكَتركِ ركعةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 108
فإن كانَ المَتْروكُ تَشهُدًا أخيرًا أو سَلامًا، أَتَى به وَسَجَدَ وَسَلَّمَ.
وإن نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ من أرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَلَمْ يَذْكُر حَتَى قَرَأَ في خامسةٍ فهي الأُولى، وقبله يسجُدُ سجدةً فَتُصْبِحُ له رَكعةٌ ويأتي بثلاثٍ، وبعد السَّلامِ تَبْطُلُ.
وإن نَهَضَ عن التَّشَهُّدِ الأَولِ نَاسِيًا لَزِمَ رجوعُهُ.
وكُرِهَ إن اسْتَتَمَّ قائمًا، وَحَرُمَ إن شَرَعَ في القِراءَةِ، وَبَطَلَت بشروعه صلاةُ غيرِ نَاسٍ وَجَاهِلٍ، ويَلْزَمُ المأمومَ متابَعَتُهُ، وكذا كُلُّ واجِبٍ، فَيَرجِعُ إلى تَسْبِيحِ رُكوعٍ وسجودٍ قبل اعتدالٍ لا بَعْدَهُ، وإنْ لَمْ يَرْجِعْ لِتدارُكِ الواجبِ حَرُم ولم تَبْطُل، وعليه السُّجُودُ لِلكُلِّ.
وإن ذَكَرَ تركَ رُكْنٍ وجَهلَ محلَّهُ بَنَى على الأَحْوَطِ؛ فلو ذَكَرَ في التَّشَهُّدِ أَنّهُ تَرَكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ هي من الأُولى أو الثانيةِ؟ جَعَلَها من الأُولى، وأَتَى بِرَكْعَةٍ، وإن تَرَكَ سَجْدَتَين لا يَعْلَمُ أَهُما من ركعةٍ أو ركعتينِ سَجَدَ سَجْدَةً فَحَصَلَت لَهُ ركعةٌ.
وإن ذَكَرَهُ بعد شُروعِهِ في قراءةِ الثَّالثة لَغَتِ الأَوَّلتَانِ.
وإن تَرَكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ من أَيِّ ركعةٍ هي؟ أتَى برَكْعةٍ.
ولو جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ المَتْروكِ، بَنَى على الأَحْوَطِ أيضًا، فإن شَكَّ في القِراءةِ والرُّكوع، جَعَلَهُ قِرَاءَةً، أو الرُّكوعِ والسُّجودِ، جَعَلَهُ رُكوعًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
وإن تَرَك آيَتَيْن مُتواليتيْن من الفاتِحَةِ جَعَلَهُما من ركعةٍ، وإن لَمْ يَعْلَمْ تَواليَهما، جَعَلَهُما من رَكْعتين.
فَصْلٌ
من شَكَّ في رُكْنٍ أو عَدَدِ ركعاتٍ بنى على اليقينِ، وهو الأَقَلُّ، ويأْخُذُ مأمومٌ عند شكِّهِ بفعل إمامِهِ إذا كان المأمومُ اثنينِ فأكثر، وفي فِعْلِ نفسِهِ يَبْني على اليقين.
فلو شَك هل دَخَلَ معه في الأُولى أو الثَّانيةِ؟ جَعَله في الثَّانية.
ولو أَدْرَكَ الإِمامَ راكِعًا، ثُمَّ شَكَّ بعد تَكْبيره في رَفعِ الإِمامِ رأْسَهُ قبل إدراكِه راكعًا، لم يَعْتَدّ بتلك الرّكْعَة.
وحيثُ بَنَى على اليَقينِ أتَى بِمَا بَقِيَ عليه وسَجَدَ للسَّهْوِ، والمأمومُ يأتي بِذَلِكَ بعد سَلامِ الإِمامِ ولا أثَرَ لِشَكِّه بعد سَلامِه.
وكذلك سائرُ العِباداتِ لا أثَرَ لِشَكِهِ بعد فَرَاغِهَا.
ولا يَسْجُدُ لِشَكِّهِ في تَرْكِ واجِبٍ ولا لِشَكِّه في زيادة إلَّا إذا شك وقت فعلها، ولا لِشَكِّهِ إذا تَبَيَّنَ أنَّهُ مُصِيبٌ.
وإن سَجَدَ لِشَكِّهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عليه سجودٌ سَجَدَ لذلك، وَلَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ للسَّهْوِ أو لا؟ سَجَدَ.
وليسَ على المأمُوم سُجودُ سَهْوٍ، إلَّا أن يَسْهُو إمامُه فيَسْجُدَ معه، ولو لم يَكُن أَتَمَّ تَشَهُّدَهُ، ثُمَّ يُتِمُّهُ بعدَهُ، فلو قامَ بعد سَلامِ إمامِهِ، رَجَعَ فَسَجَدَ معَه، إن لم يَكُنْ شَرَعَ في القِراءَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 110
وإن أدْرَكَهُ في آخِرِ سَجْدَتَيْ السَّهْو سَجَدَ مَعَهُ.
فإذا سَلَّمَ أتى بِالثَّانِيَةِ ثُمَّ قَضَى صلاتَهُ، وَإنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُما وقَبْلَ السَّلامِ، لَمْ يَسْجُد.
ويَسْجُدُ مَسْبُوقٌ لِسَلامِهِ مَعَهُ سَهْوًا، ولِسَهْوِهِ مَعَهُ، وفيما انفرَدَ بِه، وإن لم يَسْجُدْ مَعَهُ سَجَدَ آخِرَ صَلاتِهِ.
وإن أَيِسَ المأْمُومُ من سجودِ الإِمامِ سَجَدَ بعد سَلامِهِ، ويسجدُ المسبُوقُ إذا فَرَغَ.
تَنْبِيهٌ: وهو واجِبٌ، ومسنونٌ، ومُبَاحٌ.
فواجبٌ لِما يُبطلُ عَمْدُهُ الضَلاةَ، ولِلَحْنٍ يُحِيلُ المَعْنَى، سَهْوًا أو جَهْلًا، ومندوبٌ لإِتيانٍ بقولٍ مشروع في غيرِ مَحلِّهِ، ومُبَاحٌ لِتَرْكِ سُنَّةٍ، وَتَقَدَّمَ بيان ذلك كُلِّه.
ومَحَلُّه قَبْلَ السَّلامِ نَدْبًا، إلَّا إن سَلَّم عن نَقْصِ رَكْعةٍ فأكثَرَ فبعدَهُ ندبًا.
فإذا ترَكَ المشروعَ قَبْلَهُ أتى به بعدَهُ ما لم يَطُلِ الفصلُ عُرْفًا أو يَخْرُجْ من المَسْجِد أو يُحْدِثْ، وإن شَرَعَ في أُخرى قَضَاهُ إذا سَلَّمَ.
فإن لي يَأْتِ بِهِ عَمْدًا وهو واجبٌ بَطَلَت.
وإن تَرَكَ المَشْرُوعَ بَعدَه قَضَاهُ كَذلِك.
فإن لم يَفْعَل عَمْدًا لم تَبْطُل، لأَنه واجبٌ لَها مُنْفَرِدٌ عنها كالأَذَانِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 111
ويَكْفي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتانِ ولو اختلف محلُّهُ، ويُغَلَّبُ ما قَبْلَ السَّلامِ، وإن شَكَّ في مَحَلِّه سَجَدَ قَبْلَهُ.
تنبيهٌ: مَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلامِ كَبَّرَ وَسَجَدَ سَجْدَتين ثُمَّ جَلَسَ فتشهَدَ وجُوبًا التَّشَهُد الأَخيرَ ثُمَّ سَلّمَ، ولا يَتَوَّرك في ثُنَائِيَّةٍ.
وقبلَهُ يَسْجُدُهُما بعد تشهُّدِهِ ثُمَّ يَجلسُ فَيُسَلِّم، وهُما وما يقالُ فيهما وبينَهُما كَسجود صُلْبِ الصَّلاةِ 31.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
هِيَ آكَدُ تطوعاتِ البَدَنِ بَعْدَ جهادٍ فتوابِعِهِ، فَعِلْمٌ - تَعلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ - من حَدِيثٍ وفِقْهٍ ونحوِهِمَا.
ثُمَّ بعدها ما تَعَدَّى نَفْعُهُ؛ من عِيَادَةِ مَريضٍ، وقَضاءِ حَاجةِ مُسْلِمٍ، وإصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، ونحْوِهِ، وهو مُتَفاوتٌ، فَصَدَقَةٌ على قَريبٍ مُحْتاجٍ أفْضَلُ من عِتْقٍ، وعِتْق أفْضَلُ منها على أَجْنَبيٍّ إلَّا زَمَنَ غَلاءٍ وحاجَةٍ.
ثُمَّ حَجٌّ، ثُمَّ عِتْقٌ، ثُمَّ صَوْمٌ.
وأفضلُهَا ما يُسَنُّ جماعةً، وآكدُها كسُوفٌ فاستسقاءٌ فتراويحٌ فَوِتْرٌ.
ولا يجب إلَّا على النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَفْضَلُ الرَّاتِبَةِ سُنَّةُ فَجْرٍ، ثُمَّ سُنَّةُ مَغْرِبٍ، ثُمَّ سَواءٌ.
ووقتُ الوِتْرِ ما بَيْنَ صلاة العِشَاءِ وطلوعِ الفَجْرِ، وَفِعْلُهُ آخِرَ الليلِ أَفْضَلُ إن وَثِقَ من قيامِهِ فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 113
وأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وأَكْثرُهُ إحدى عَشْرَةَ، يُسَلِّمُ من كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ويُؤتِرُ بِرَكْعَةٍ عَقبَ الشَّفْعِ بلا تَأْخِيرٍ نَدْبًا.
وإن صَلَّاها بِسَلامٍ أو سَرَدَ عشرًا وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَامَ فأتَى بِرَكْعَة جَازَ، وكذا ما دونَها.
وإن أَوْتَرَ بِتِسْع، سَرَدَ ثمانيًا نص عليه، وَتَشَهَّدَ ثُمَّ [أتى] 32 بالتَّاسِعَة، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّم.
وإن أوْتَرَ بِسَبْعٍ أوْ خَمْسٍ، فالأَفْضَلُ سَرْدُهُنَّ.
وأَدنى الكَمَالِ ثلاثٌ بِسَلامَيْنِ، ويجوزُ بِسَلامٍ واحدٍ كالمغربِ، وسردًا.
وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمامِ ركعةً فإن كان سَلَّمَ من ثنتين أَجْزَأَ وإلَّا قَضَى.
وَيَقْرَا في الأُولى: ﴿سَبَّحَ﴾، وفي الثانية ﴿الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾.
ويَقْنُت فيه جَميع السَّنَةِ بعد الرُّكوع.
فَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَنَتَ قبلَه، جَازَ.
فَيَرْفَعُ فيه يَدَيْهِ إلى صَدْرِهِ، وَيَبْسُطُهُمَا وبُطُونُهما نحوَ السَّماء، فيقولُ جَهرًا: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، ونتوبُ إلَيْكَ، ونُؤْمِنُ بِكَ، وَنتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْني عَلَيْكَ الخَيْرَ كُلَّهُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 114
نَشْكُرُكَ ولا نكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفارِ مُلْحِقٌ 33 ". "اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنَا فيمَنْ عافَيْتَ، وَتَولَّنَا فيمَن توَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لنا فيما أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ ما قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ، ولا يَعِزُّ من عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" 34. "اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وبِعَفْوِكَ من عُقُوبَتِكَ، وبِكَ مِنْكَ، لا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" 35. ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بأْسَ وعلى آلِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
ويُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، ويُفْرِدُ مُنْفَرِد الضَّمِيرَ، ثُمَّ يمسح وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنا وإذا دعا خَارِج الصَّلاةِ، ويَرْفَعُ يَديهِ إذا أرادَ السُّجُودَ.
ويُسَنُّ قولُهُ إذا سَلَّمَ: "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" ثلاثًا.
يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ في الثَّالِثَّةِ، وأن يَتَكَلَّم بَيْنَ الشَّفْعِ والوترِ.
وكُرِهَ قُنوتٌ في غَيْرِهِ إلَّا أن ينزِلَ بالمُسْلِمينَ نازِلَةٌ غيرُ الطَّاعُونِ، فَيُسَنُّ لإِمامِ الوَقْتِ خَاصَّةً في غير الجُمُعَةِ.
وإن قَنَت كُلُّ مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صَلاتُهُ.
تنبيهٌ: ومن ائتم بمَن يقنت في فَجْرٍ أو نازلةٍ تابَعَهُ إن سَمِعَ وإلَّا دعا.
والرَّواتِبُ المُؤكَّدَةُ عَشْرُ رَكَعاتٍ ورَكْعَة الوِتْرِ، فَيُتَأَكدُ فِعْلُهُنَّ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُنَّ.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ من دَاوَمَ عَلَى تركِهِنَّ؛ لِسُقُوطِ عدالتِهِ، لكن يُخَيّرُ في سَفرٍ بين فِعْلِها وتركِها، إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ ووتْر فيُفعَلانِ فيهِ.
وهِيَ رَكْعَتانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتان بعدها، وَرَكْعَتان بعد المَغْرِب، يقرأ في أولاهُما بعدَ الفَاتحةِ: (الكافرون) وفي الثانية: (الإِخلاص)، وركعتانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وركعتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، ويُسَنُّ تَخْفِيفُهُما، والقِراءَةُ فيهما كسُنَّةِ المَغْرِب، والاضْطِجَاعُ بعدَهما على جنبه الأَيْمَنِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
وَيُسَنُّ قَضَاءُ الكُلِّ، ووترٍ مع شفِعِه إلَّا ما فَاتَ مع فرضِهِ وَكَثُرَ فالأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ، ويخيّرُ في الوِتْرِ.
ووقتُ كُلِّ راتِبَةٍ قَبْلَ الفَرْضِ من دُحْولِ وَقْتِهِ إلى فِعْلِهِ، وما بعدُهُ من فِعْلِهِ إلى آخِر وَقْتِهِ.
والسُّنَنُ التَّابِعَةُ للفَرائِضِ - غَيْرُ الرَّوَاتِبِ - عِشْرونَ:
أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَها، وأربعٌ قَبْلَ العَصْر، وأَرْبَعٌ بَعْدَ المَغْرِبْ، وقال المُوفّقُ 36: سِتٌّ.
وأَرْبَعٌ بَعْدَ العِشَاءِ.
ويُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ ثِنْتَانِ بعدَ الوِتْرِ جَالِسًا، وثنتَان بعد أذانِ المَغْرِبِ، وفِعْلُ الكُلِّ بِبَيْتٍ أَفْضلُ.
ويُسَنُّ الفَصْلُ بَيْنَ الفرضِ وسُنَّتِهِ بكلامٍ أو قيامٍ.
ولا رَاتِبَةَ للجُمُعَةِ قَبْلَها، وَأَقلُّها بعدَهَا ركعتانِ وأكثرها سِتٌّ، وفِعْلُهَا في المسجدِ مكانَهُ أَفْضَلُ.
ويُسَنُّ قَبْلَهَا أَرْبَعٌ.
والتَّرَاوِيحُ عِشْرونَ ركعةً بِرمضان، ولا بَأْسَ بالزِّيَادَةِ، وَفِعْلُها جماعةً وفي المَسْجِدِ أوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ.
ويُسَلِّمُ من كُلِّ ثِنْتَيْنِ بنيةٍ أَوَّلَ كُلِّ ركعتين، وَيَسْتَريحُ بَعدَ كُلِّ أَرْبَع بلا دُعاءِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
ووقتُها بين سُنَّةِ عِشاء ووترٍ، ويوتِرُ بعدها في الجَمَاعَةِ بثلاثِ رَكعاتٍ، فإن كان لَه تَهَجُّدٌ جَعَلَهُ بَعْدَه نَدْبًا، فإن أَحَبَّ متابعةَ الإِمامِ، قَامَ إذا سَلَّم فَشَفَعَها بِأُخْرَى.
وَمَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ الصَّلاة بَعْدَهُ، لم يَنقُضهُ، وصَلَّى شَفْعًا ما شاء، ولم يُوْتِرْ.
وَيُكْرَهُ النفْلُ بينَ التَّراويح، لا الطَّواف، ولا التَّعْقِيبُ، وهو النَّفْلُ بَعْدَها وبعد الوِتْر جَمَاعَةً.
والسُّنَّةُ أنْ يقرَأَ في التَّراويحِ خَتْمَةً، ولا يزيدَ إلَّا أن يُؤثرَ جماعةٌ محصورون يبتدئُهَا أولَ ليلةٍ بسورةِ القَلَمِ بعد الفَاتِحَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِية قَرَأَ من البَقَرة.
وَيَخْتِمُ آخِرَ لَيْلَة في آخِرَ رَكْعةٍ من التَّراوِيح، ويَدعو بِدُعاءِ القُرآنِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ويُطِيلُ ويَعِظُ بَعْدَها.
فَصْلٌ
حِفْظُ القُرآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، وهو أَفْضَلُ من سائِرِ الذِّكْرِ، ومِنْ التَّوراةِ والإِنجيلِ، وَبَعْضُهُ أَفْضَلُ من بَعْضٍ.
ويَجِبُ مِنْهُ الواجبُ في الصَّلاةِ.
وَيَبْدَأ الصَّبيَّ وليُّهُ بِهِ قَبْلَ العِلْمِ، فَيَقْرَأُهُ كُلَّهُ إلَّا أنْ يَشُقَّ، والمُكَلَّفُ يُقَدِّمُ العِلْمَ بَعْدَ حِفْظِ القِراءَةِ الواجِبَةِ مُطْلَقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
وَيُسَنُّ ختْمُهُ في كُلِّ أُسْبُوع، وَيَحْسُنُ في ثَلاثٍ، ولا بَأْسَ بِهِ فِيما دُونَها أحيانًا، وفي رمضان ونحوِه، ومكةَ ونحوِها.
ويُكْرَهُ تأخيرُهُ فَوْقَ أَربعين بلا عُذْرٍ.
ويَحْرُمُ إن خَافَ نِسْيَانَهُ، فنسيانُهُ، وكذا نسيانُ شيءٍ منه كَبيرةٌ كما صَرَّحَ بِهِ النَّووي في "الرَّوْضَةَ" وغيرها، لحديث أبي داود وغيره: "عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ من سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ أُوْتيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيها" 37 وحديثه أيضًا: "مَنْ قَرَأَ القُرانَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ يوم القِيَامَةِ أَجْذَمَ" 38. وقال الإِمامُ أَحمد: ما أشَدَّ ما جاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَ.
ويُسَنُّ السِّواكُ والتَّعَوُّذُ قَبْلَ القِراءَةِ، وحَمْدُ الله عِنْدَ قَطْعِها على تَوْفِيقِهِ ونِعْمَتِهِ، وسؤالُ الثَّباتِ والإِخْلاص.
فإن قَطَعَها قَطْعَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ أعادَ التَّعَوُّذَ، وإن قَطَعَهَا لِعُذْرٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 119
عَازِمًا على العَوْدِ كتناوُلِ شيءٍ، وإجَابَةِ سَائِلٍ، وَلَم يَطُلْ كَفَاهُ التَّعُّوذ الأَول.
وَيَخْتِمُ في الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، والصيف عَكْسهُ، وَيَجْمَعُ أهلَهُ وَوَلَدَه عِنْدَ خَتْمِهِ وَيَدْعُو، وَيُكَبِّرُ فَقط لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ من آخِر (الضُّحَى).
وَيُسَنُّ تَحسينُ القِراءَةِ وتَرتيلُها، ولا يجوزُ الإِخلالُ بإعرابِهَا، ويُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ عَمْدًا لتغييرِهِ القُرآنَ.
وَالتَّفَهُمُ فيهِ وتَدَبُّرُهُ بالقَلبِ أفضَلُ من إدراجهِ كثيرًا من غَيْرِ تَفَهُّمٍ، ويُمَكِّنُ حُروفَ المَدِّ واللِّين من غير تَكَلُّفٍ.
وقِرَاءَةُ الكَلِمَةِ الوَاحِدَةِ بِقِراءَةٍ مُتواتِرةٍ لقارئٍ والأُخرى بِقِراءَة متواتِرةٍ لآخَرَ جَائِزَةٌ، مَا لم يَكُنْ في ذلك إحالةٌ لمعنى القُرْآنِ.
ولا بَأْسَ بالقِراءَةِ قائمًا ومُضْطَجِعًا، وفي الطَّريقِ، ومع نَجَاسَةِ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ وَفَمٍ، ومع مَسِّ زَوْجَةٍ وسُرِّيَّةٍ وَذَكَرٍ.
وتُكْرَهُ في المَواضِعِ القَذِرَةِ، واسْتِدامَتُها حالَ خُروجِ الرِّيحِ، وَجَهْرُهُ بها مع الجنازَةِ.
وتُسَنُّ في المُصْحَفِ، والاسْتِماعُ لها، ويُكْرَهُ الحديثُ عَنْدَها بما لا فَائِدة فيه، وقراءةُ الأَلْحانِ؛ فإن حَصَلَ تَغْييرٌ كَجَعْلِ الحَركَات حُروفًا حَرُمَ.
وكُرِهَ رَفْعُ الصَّوْتِ بقراءةٍ تُغَلِّطُ المُصَلِّينَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
فَاِئدَةٌ: يَجُوزُ تفسيرُ القُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، ويَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلى تَفسيرِ الصَّحابِي لا التَّابِعي، و "مَنْ قَالَ في القُرْآنِ بِرَأَيِهِ، أَوْ بِمَا لا يَعْلَمُ فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" (1)، وأَخْطأَ وَلَوْ أَصَابَ.
ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ القُرْآنَ بَدَلًا من الكَلامِ، مِثْلَ أن يَرى رَجُلًا جاء في وَقْتِهِ فيقول: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: 40]، ولا النَّظَرُ في كُتُبِ أَهْلِ الكِتَابِ، وأَهْلِ البِدَعِ، والكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ على الحَقِّ والبَاطِل ولا رِوايتُها.
فَصْلٌ
يُسَنُّ النَّفْلُ المُطْلَقُ في غيرِ وَقتِ النَّهي، وتتأَكدُ صلاةُ اللَّيْل لأَنَّها أفضلُ من صَلاةِ النَّهار، وبَعْدَ النَّوْمِ أفضلُ؛ لأَنَّ النَّاشِئَة لا تكونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ.
والتَّهَجُّدُ إنَّما هو بَعدَ النَّوْم، فإذا اسْتَيْقَظَ ذَكَرَ الله، وقَالَ ما وَرَدَ، ثُمَّ يَسْتاكُ.
فإذا تَوَضّأَ يُسَنُّ أن يَبْتَدِئَ تَهَجُّدَهُ بركعتين خَفِيفَتيْنِ، وأن يَقْرَأَ حِزْبَهُ من القُرآنِ فيه، وأن يُغْفِي بَعدَهُ.
وأفضل اللَّيْل ثُلُثَهُ بَعْدَ نِصْفِهِ.
وكان قيام الليل واجِبًا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.39
الجزء: 1 - الصفحة: 121
ويُكْرَهُ قِيَامُهُ كُله إلَّا ليلةَ عيدٍ.
وَيُسَنُّ التَّنفُّلُ بَيْنَ العشائين وإحياؤُه وهو من قِيَامِ اللَّيْلِ، لأَنَّه من المغربِ إلى طلوع الفجر الثاني.
ويُسَنُّ أن يكونَ له تَطوعاتٌ يُداوِمُ عليها، فإذا نَشِطَ طَوَّلَهَا وإلَّا خففَها، وإذا فاتَتْ يقضيها.
وأن يَقُولَ عند الصَّبَاح والمساءِ والنوم، وفي الانتباهِ، وفي السَّفَرِ وغيره ما ورد، ويأتي ذلك في الآداب.
وصلاةُ الليل والنَّهار مَثْنَى مَثْنَى، وإن تَطَوَّعَ في النَّهارِ بِأَرْبعٍ كالظُّهْرِ فلا بَأْسَ، وإن سَرَدَها جَازَ وقد تَرَكَ الأَوْلَى، يَقْرَأ في كُلِّ رَكْعَةٍ بسورةٍ بَعْدَ الفاتحة، وإن زادَ على أربع نَهارًا أو ثنتين ليلًا كُرِهَ وَصَحَّ.
والتَّطَوُعُ الذي لا تُشْرَعُ لَهُ الجَمَاعَةُ: في البيتِ أَفْضَلُ وعَدَمُ إعلانه أولى.
ويُكْرَهُ جَهْرُهُ فيه نهارًا وليلًا، يُراعِي المَصْلَحَةَ، فإنْ كان أنشَطَ في القراءَةِ أو بِحَضرته من ينتفِعُ بقراءتِهِ فهو أفضَلُ، وإن تَضَرَّرَ به أحدٌ أو خَافَ رياءً أَسَرَّ.
ولا بَأْسَ بالجَمَاعةِ فيه.
وكثرةُ الرُّكُوعِ والسُّجودِ أفْضَلُ من طُول القِيام في غير الوَاردِ.
ويُسَنُّ الإكثارُ من الاسْتِغْفارِ في السَّحَرِ.
ومن فاتَهُ تَهجُّدُهُ قَضَاهُ قبل الظُّهْرِ، وَتَنفُّلُ القَاعِدِ بلا عُذْرٍ على نصفِ أَجْرِ القائِمِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
ويُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى جَالِسًا أن يكون مَوْضِعَ القيام مُتَرَبِّعًا، فإذا بَلَغَ الرُّكوعَ، فإن شَاءَ قامَ ثمَّ رَكَعَ، وإن شاءَ ثَنَى رِجْلَيه وركعَ.
ولهُ القيامُ إذا ابتدَأَها جَالِسًا وعكسُهُ، ولا يَصِحُّ من مُضْطَجِعٍ بلا عُذْرٍ وله يَصِحُّ، وَيَسْجُدُ إن قَدَرَ وإلَّا أَوْمَأَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
بَابٌ جَامِعٌ في النَّفْلِ
تُسَنُّ صَلاةُ الضُّحَى، وَوَقْتُها من ارتفاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إلى قُبَيْل الزَّوالِ، وفعلُهَا إِذا اشَّتَدَّ الحَرُّ أَفْضلُ.
وأقلُّها ركعتانِ وأكثرُها ثمانٍ.
وَصَلاةُ الاستِخَارَةِ إذا هَمَّ بِأَمْرٍ، فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ مِن غيرِ الفَريضةِ، ثُمَّ يقولُ عَقِبَهُمَا بَعْدَ أن يَحْمَدَ اللهُ ويُثنيَ عليه ويُصَلِّيَ على النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وأنْتَ عَلَّامُ الغُيوبِ، اللَّهُمَّ إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ -ويُسِمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرٌ لِي في دِيني وَمَعَاشِي وعَاقِبَةِ أَمْري -أو في عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِه-، فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثُمَّ بَارِكْ لي فيهِ مع العَافيةِ، وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ شَرٌّ لِيَ في دِينِي وَمَعَاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي -أو في عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِه- فاصْرِفْهُ عَنِّي واصْرِفْني عَنْهُ، واقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِه مع العَافِية" 40.
الجزء: 1 - الصفحة: 124
ولا يَكونُ وَقْتَ الاسْتِخَارَةِ عَازِمًا على فِعْلِ الأَمْرِ أو تَركِه؛ لأَنَّه خِيانَةٌ في التَّوَكُّلِ، ثُمَّ يَسْتَشِيرُ ويَفعلُ ما تظهَرُ فيه المَصْلَحَةُ.
وَصَلاةُ الحَاجَةِ إلى الله تعالى وآدميٍّ فَيتوضأُ ويُحْسِنُ الوضُوء، ثُمَّ يُصلي رَكْعَتين، فإذا فَرَغَ حَمِدَ الله تعالى وأَثْنَى عليه وصلَّى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ليقُلْ: "لا إِلهَ إلَّا اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إِلهَ إلَّا الله العَلِيُّ العَظِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتكَ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَه، ولا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، ولا حَاجَة هِيَ لَكَ رضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين" 41.
وَصَلاةُ التَّوْبَةِ إذا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهُ تعالى ويتُوبُ مِن ذَنْبِهِ.
وصَلاةُ التَّسْبِيح عند جماعةٍ وهي أرْبَعُ رَكَعاتٍ، يَقْرَأُ في كُلِّ ركعةٍ بالفاتِحَةِ وسُورَةٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ ويُهَلِّلُ ويُكَبِّرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ أن يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهُنَّ في ركوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ منهُ عَشْرًا، ثُمَّ في سُجُودِهِ عشرًا، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ منهُ عَشْرًا، ثُمَّ في سُجودِهِ عَشْرًا، ثُمَّ يفعلُ كَذَلِكَ في كُلِّ رَكْعَةٍ.
فيفعَلُهَا في كُلِّ يومٍ مرةَ، فإن لم
الجزء: 1 - الصفحة: 125
يَفْعَل ففي كُلِّ جُمعةٍ مرَّةً، فإن لم يَفْعَل ففي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فإن لم يَفْعَل ففي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فإن لم يَفْعَلْ، ففي العُمُرِ مَرَّةً.
وصَلاةُ تَحيَّةِ المَسْجِد، وهي رَكْعَتانِ فَأَكْثَرُ، لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهُ، في غيرِ وقتِ نَهْي قَصَدَ الجُلُوسَ أوْ لا، إلَّا خطيبًا دَخَلَ للخُطبةِ، وقَيِّمَهُ لتكرارِ دُخُولهِ، وداخلَهُ لِصَلاةِ عِيْدٍ، ودَاخِلَ المَسْجِدَ الحرَامَ فَلا تُسَنُّ لهم، فإن جَلَس قَبْلَ فعلها قَامَ فأتَى بها إن لم يطل.
ولا تحصُلُ بصلاةِ جَنَازَةٍ وسجودِ تلاوةٍ وشُكْرٍ، بل براتِبَةٍ وصلاةِ فَرْضٍ.
ولو دَخَلَه والمُؤذِّنُ شارِعٌ في أذان غير الخُطْبَةِ أجابَهُ ثُمَّ أَتى بها، ومن دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَها ركعتين مُوجَزتَيْنِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ تكبيرةِ الإحرامِ.
وصلاةُ سُنَّة الوضُوءِ، وهي ركعتانِ عَقِبَ الوضُوء، ولا يَفْعَلُ شيءٌ من ذَلِكَ وقت نهي.
ويُسَنُّ إِحياءُ بَيْنَ العِشائَيْنِ كُلّ لَيْلَةٍ بصلاةٍ أو قراءةٍ أو ذكرٍ أو غيرِ ذَلِك من أنواع العبادةِ، وإحياء لَيلتي العيدينِ عند جَمَاعةٍ.
وأَما صَلاةُ الرَّغَائبِ والصَّلاةُ الأَلفيَّةُ لَيْلَة نِصْفِ شعبان فَبِدْعَةٌ لا أصْلَ لهما، وأما لَيْلَةُ النِّصْفِ من شَعْبَان، ففيها فَضْلٌ جزيل فينبغي الاجتهادُ فيها بالعِبَادَةِ مع التَّوبَةِ النّصُوحِ، ولا بَأْسَ بالصلاةِ فيها اقتداءً
الجزء: 1 - الصفحة: 126
بكثيرٍ من السَّلَفِ، لكن الاجتماعُ لإحيائِهَا في المَسَاجِد بِدْعَةٌ، وهي كليلة العيدِ في قيامِهَا.
فَصْلٌ
سَجْدَةُ التِّلاوةِ سُنَّةٌ مُؤكَدةٌ للقارئ والمُستَمِع -وهو الذي يَقْصِدُ الاستماعَ لا السَّامِعَ وهو الذي لا يَقْصِدُهُ- ولا المُصلي لقراءَةِ غير إمامِهِ بحالٍ، ولا مَأْمومٍ لقراءَةِ نفسِهِ.
فَتُسَنُّ في الصَّلاةِ وغيرها عَقِبَ تِلاوتِهَا، ومع قِصَرِ فَصْلٍ لا مع طوله عُرْفًا.
وَيتيمَّمُ لها مُحْدِثٌ لِعُذْرٍ، والرَّاكِبُ يُومِئُ بها حيثُ كان وجهُهُ، والماشي يسجُدُ بالأَرض مُسْتقبِلًا، وهي وسجدة شُكْرٍ صلاةٌ فيعتَبرُ لهما ما يُعْتبَرُ لصلاةِ نافلةٍ من الطَّهَارَةِ وغيرها، وأن يكونَ القارئ يصلحُ إمامًا للمستَمِعِ فلا يسجُدُ قُدامَ القارئِ، ولا عن يسارِه مع خُلُوِّ يمينهِ ولا قبلَهُ، ولا رَجُل لتلاوةِ امرأة وخنثَى، ويسجُدُ لتلاوةِ أُميٍّ وَزَمِنٍ وصَبِيٍّ.
وله الرَّفْعُ قبلَ القارئِ في غير الصَّلاةِ.
وهو أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً: في الحَجِّ ثِنْتَانِ، وفي المُفَصَّلِ ثَلاثٌ.
وسَجْدَةُ "ص" ليست مِن عزائِم السُّجُودِ، بل سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسَنُّ خَارِجَ الصَّلاةِ وتبطلُ بها من غيرِ جَاهِلٍ وناسٍ، وَسَجْدَةُ "حم" عند ﴿يَسْأَمُونَ (38)﴾ [
فصل
ت: 38].
الجزء: 1 - الصفحة: 127
ويُكَبِّرُ إذا سَجَدَ رافعًا يديهِ بلا تكبيرةِ إِحرامٍ، وإذا رَفَعَ.
وَيَجْلِسُ في غيرِ صلاةٍ ثُمَّ يُسلِّمُ واحِدَةً عن يمينه.
ويُكَرِّرُ السُّجود بتكرَارِها ويقولُ فيه ما يقولُ في سُجُودِ الصَّلاةِ، وَإِنْ زَادَ غيره مما وَرَدَ فَحَسَنٌ ومنه: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِها عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، واجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْها مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَها مِن عَبْدِك دَاود" 42، والأَفضَلُ سُجودُهُ عن قِيامٍ.
ويُكْرَهُ لإمامٍ قِراءَةُ سَجْدَةٍ في صَلاةِ سِرٍّ، وسجوده لها.
فإن فَعَل لَم يَلْزم المأْمُومَ متابَعَتُهُ ولكنها أَوْلَى.
ويُكْرَهُ أن يَجْمَعَ آياتِ السُّجُودِ في ركعةٍ واحدةٍ يَسْجُدُ فيها، وأن يُسْقِطَها من قراءَتِهِ.
وَتُسَنُّ سجدةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تجدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ أو دَفْعِ نِقْمَةٍ ظاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ، أو في أمْرٍ يَخُصُّه، وإِلَّا فَنِعَمُ اللهِ في كُلِّ وقتٍ لا تُحْصَى.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
وتَبْطُلُ بها صلاةُ غيرِ ناسٍ وجاهلٍ، وهي كسجدة التِّلاوةِ في أحْكَامِها.
وَمَنْ رأى مُبْتَلًى في دينِهِ، سَجَدَ بحضُورِه وغيره، وقال: "الحَمْدُ للهِ الذي عَافَانِي مِمّا ابتلاكَ بِهِ، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمّنْ خَلَق تَفْضيلًا" (1).
وإن كانَ في بَدَنه سَجَد وقال ذلك وكَتَمه منه، وسَأَلَ الله العافيةَ.
ويُكْرَهُ السُّجُودُ بلا سببٍ لا ليدعُوَ فيه، ولا يَسْجُد لِتَلاوةٍ وشُكْرٍ وقتَ نَهْيٍ.
فَصْلٌ
أَوقَاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ: بَعْدَ طُلوعِ فَجْرٍ ثَانٍ إلى طُلوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ طُلوعِها حَتَّى تَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ، وعِنْدَ قِيامِها حَتَى تَزولَ، وبعدَ فَراغِ صَلاةِ عَصْرٍ حَتى تَشْرَعَ في الغروبِ، ولو جَمْعًا في وقْتِ الظُّهْرِ في حَقِّ مُصَلِّيها، وإذا شَرَعَتْ فيه حَتَّى يَتِمَّ.43
الجزء: 1 - الصفحة: 129
وتُفْعَلُ سُنَّةُ الصُّبْحِ بَعْدَ الفَجْرِ وقبل الصَّلاةِ.
وسُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَ العَصْرِ في الجَمْعِ مُطْلقًا، ويجوزُ قضاءُ الفرائِضِ، وفِعْلُ المَنذُورةِ ونَذْرُها فيها، وَفِعْلُ رَكعتي طوافٍ، وإعادةُ جَمَاعةٍ إذا أُقيمَت وهو في المَسْجِدِ، وصلاةُ جَنَازةٍ بَعْدَ فَجْرٍ وعصر لا في غيرهما، مَا لَمْ يُخْشَ عليها.
وتَحْرُمُ على غَائِبٍ وَقَبْرٍ وَقْتَ نَهْيٍ نَفْلًا وَفَرْضًا.
ويَحْرُمُ ولا ينعقدُ التَّطَوُّع فيها بغير ما ذُكِرَ ولا جاهلًا، وكذا إيقاعُ بَعْضِهِ فيها حَتَّى الذي له سَبَبُ التَّطَوُّع؛ كسُجودِ تِلاوَةٍ وراتِبَةٍ، وَصَلاةِ كسُوفٍ وتَحيَّةِ مَسْجِدٍ إلَّا حَالَ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ.
ومكَّةُ كغيرِها في النَّهْيِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ
أَقلُّها اثنانِ، وَهي وَاجِبَةٌ للصَّلوات الخَمْسِ المُؤَدّاةِ حَضَرًا وسَفَرًا وفي شِدَّةِ خَوْفٍ على الرِّجَالِ الأَحْرارِ القَادرِينَ دونَ النِّساء والخَنَاثى لا شَرْطٌ.
فَتَصِحُّ من مُنْفَرِدٍ ولا ينقصُ أَجْرُهُ مع عُذْرٍ، وتَفْضُلُ على صَلاةِ الفَذِّ بلا عُذْرٍ بسَبْعٍ وعشرينَ دَرَجَة، وله فِعْلُهَا في بيتِهِ وَصَحْراءَ، وفي مَسْجِدٍ 44 أَفْضَلُ.
وَتُسَنُّ لِنِساءٍ مُنْفَرِدَاتٍ عن الرِّجَالِ، ويُكْرَهُ لِحَسْنَاءَ حُضُورُهَا مَعَهُمْ، ويُبَاحُ لغيرِها، وكذا مَجَالِسُ الوَعْظِ.
ولا يَدَعُ الجماعَةَ لِمُنكرٍ بطريقِهِ؛ بل ينكِرُهُ ويأتيهَا 45.
ويُسَنُّ لأَهلِ الثَّغْرِ الاجتماعُ بِمَسْجِدٍ واحدٍ والأَفضلُ لِغيرِهم الصَّلاةُ بالمَسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه إلَّا بحُضورِه، ثُمَّ الأَقْدَمُ ثُمَّ الأَكثرُ جَمَاعَة، وأبعدُ أَوْلى من أَقْرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
وَحَرُمَ أن يَؤُمَّ بِمَسْجِدٍ له إمامٌ رَاتِبٌ قبلَهُ، فَلا تَصِحُّ إِلَّا إذا أَذِنَ، أو تأخَّرَ لِعُذْرٍ، أو لم يُظَنَّ حُضُورُهُ، أو ظُنَّ ولا يكرَهُ، أو ضَاقَ الوقتُ.
وإن لم يُعْلَمْ عُذْرُهُ وتأخَّرَ عن وقْتِهِ المُعْتَادِ، انْتُظِرَ ورُوْسِلَ مع قُرْبٍ وَعَدَمِ مشقةٍ، وإن بَعُدَ أو شَقَّ، صَلَّوا.
وَمَنْ صَلَّى ثُمَّ أُقيمَتْ يُسَنُّ لَهُ أن يُعِيدَ، وكذا إن جَاء مَسْجِدًا غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ لغيرِ قَصْدِها إلَّا المَغْرِبَ.
والأُولى فرضه كإِعادتِها مُنْفَرِدًا، فَلا يَنْوي الثَّانيةَ فَرْضًا، بل مُعَادةً أو نَفْلًا، والمَسْبوقُ في المُعادةِ يُتِمُّها.
ويكره قَصْدُ مَسْجِدٍ لها، وفِعْلُ الجمَاعةِ بَعْدَ الراتبِ مَرَّةً بعد أُخرى في مَسْجِدَيْ مَكَةَ والمدينَة بلا عُذرٍ 46.
ويَمْنَعُ شروعٌ في إقامةٍ يُريدُ الصَّلاةَ مع إمامِها انعقادَ نَافِلَةٍ، ومن فيها يُتِمُّها خَفيفةً إن أَمِنَ فَوْتَ الجَمَاعةِ.
ومن كَبَّرَ قَبْلَ تسليمةِ الإمامِ الأُولى أَدْرَكَ الجماعةَ، ومن أدركَ الركوعَ دون الطُّمَأنِينَةِ واطمَأَنَّ هو ثُمَّ تَابَعَ فقد أدركَ الرَّكعة، وأَجزأَتْهُ تكبيرةُ الإحْرامِ.
وَيُسَنُّ دخولُهُ مَعهُ كيف أدْرَكَهُ، وَينْحَطُّ بلا تَكْبيرٍ ويقومُ بِه، وإن
الجزء: 1 - الصفحة: 132
قامَ المَسبُوقُ قبل تَسليمِ الإمامِ الثَّانية ولم يرجع ليقومَ بعدها انقلبَ فَرْضُهُ نَفْلًا، وما أَدْرَكَ آخرُ صلاتِهِ وما يقضِي أولُها فيستَفْتِحُ لهُ ويتعوذُ ويقرأُ السُّورَةَ.
لكن لَوْ أَدْرَكَ رَكعةً مِن رُباعيَّةٍ أو مَغْرِبٍ تَشَهَّدَ عَقِبَ أُخْرى، وَيَتَورَّكُ مَعَهُ ويكرِّرُ التَّشَهُّدَ الأَولَ حَتَّى يُسَلِّم.
وَيَتَحَمَّلُ إِمامٌ عن مأْمُومٍ ثمانية أشياءَ: القِراءةُ، وسُجُودُ سَهْوٍ، وتلاوةٍ، والسترةُ بين يديه، ودُعاءُ قُنوتٍ، وتَشَهُد أول إذا سُبِقَ بِرَكْعَةٍ، وقولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، وقولُ: "مِلْءَ السَّماء، ومِلْءَ الأَرْضِ" 47.
وَيُسَنُّ أن يَسْتَفْتِحَ وَيَتعوَّذَ في جهريَّةٍ إن لم يَسْمَعْهُ، وأن يَقْرَأَ الفاتِحَةَ وسُورةً حَيْثُ شُرِعَتْ في سكتاتِهِ، وهي قَبْلَ الفاتحةِ وبعدَهَا، وتُسَنُّ هنا بقدرِهَا، وبَعْدَ فراغِ القراءَةِ قبل الرُّكوع، وأن يقرأَ فيما لا يَجْهَرُ فيه أو لا يسمعُهُ لِبُعْدٍ أو طَرَشٍ إن لَمْ يَشْغَل من لجنْبِهِ 48.
وَمَنْ رَكَعَ أَو سَجَدَ ونحوه قَبْلَ إمامِهِ عَمْدًا حَرُمَ، وعليه وعلى من فَعَلَهُ جَاهِلًا أو نَاسِيًا وذَكَرَ أن يَرجِعَ ليأتي به مَعَهُ، فإن أَبى عَالِمًا بالوجُوبِ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ فيه بَطَلَتْ لا جاهِلًا أو ناسيًا ويُعْتَدُّ بِهِ.
والأَوْلى أن يشرعَ في أفْعَالِها بعدَهُ، فإن وافقَهُ كُرِهَ وإن كَبَّرَ
الجزء: 1 - الصفحة: 133
للإحرامِ مَعَهُ أو قبل إتمَامِهِ لم تَنْعَقِد، وإن سَلَّمَ قبلَهُ عَمْدًا بلا عُذْرٍ أو سَهوًا ولم يُعْدِهُ بَطَلَتْ، ومَعَهُ يُكْرَهُ.
ولا يَضُرُّ سَبْقُه بِقَوْل غيرِهِما.
وإن سَبَقَه بِرُكْنٍ، بِأَن رَكَعَ ورفَعَ قبل رُكوعِهِ أو بِرُكْنينِ بأن رَكَعَ وَرَفَع قبل ركوعِهِ، وهَوى إلى السُّجودِ قَبْلَ رَفْعِهِ عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَت، وجَاهِلًا أو نَاسِيًا بَطَلَت الرّكعةُ إن لم يَأْتِ بذلك مَعَهُ، لا بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكوعٍ.
وإن تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ بلا عُذْرٍ فكَسَبْقٍ ولِعُذْرٍ إن فَعَلَهُ وَلَحِقَهُ صَحَّتْ وإلَّا لَغَتْ الرَّكْعَةُ، وَبِرُكْنَيْنِ تبطُلُ، ولِعُذْرٍ كنومٍ وَسَهْوٍ وزِحَامٍ إن لم يَأْتِ بما تَرَكَهُ مع أَمْنِ فَوْتِ الآتية، وإِلَّا لَغَتْ الرَّكْعَةُ والتي تليها عِوَضُها.
وإن زَالَ عُذْرُ مَن أَدْرَكَ رُكوعَ الأولى وقد رَفَعَ إمامُهُ من ركوعِ الثَّانيةِ تابعَهُ، وَتَصِحُّ له ركعةٌ مُلَفَّقَةٌ من ركعَتي إِمَامِهِ يُدْرِكُ بِها الجُمُعَةَ.
وإن ظَنَّ تَحريمَ مُتَابعتِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا اعتَدَّ بها، فلو أدركَهُ في رُكوعِ الثَّانية تَبِعَهُ وتَمَّتْ جُمُعَتُهُ، وبعدَ رفعِهِ تَبِعَهُ وَقَضَى.
وإن تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ فأكثَرَ لِعُذْرٍ تَابَعَ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ.
ويُسَنُّ للإِمامِ التَّخفيفُ مع الإتمامِ ما لم يُؤْثِرْ مأْمومٌ مَحصورٌ التَّطْويلَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وتُكْرَهُ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ المأْمُومَ فِعل ما يُسَنُّ لَهُ.
ويُسَنُّ تطويلُ قراءَةِ الرَّكعَةِ الأولى عن الثَّانية إلَّا في صَلاةِ جُمعَةٍ وانتظارُ داخلٍ إن لم يَشُقَّ على مأْمومٍ.
ومن استأذنَتْهُ امرأَتُهُ إلى المَسْجِد كُرِهَ منعُها؛ لكن بَيتُها خَيْرٌ لها، وإن خِيفَ فِتْنَةٌ بخروجِها يَجِبُ على أَبٍ ووليٍّ مَحْرَمٍ مَنْعُها منه، ومن الانفراد.
فَصْلٌ
فَائِدَةٌ: الجِنُّ مُكَلَّفونَ في الجُمْلَةِ، يَدْخُلُ كافِرُهم النَّار ومُؤْمِنُهُم الجَنَّة.
وهُم فيها على قَدْرِ ثَوابِهِم، وتنعقدُ بهم الجماعةُ، وليسَ منهُم رسولٌ، ويقبلُ قَوْلُهم أَن ما بِيَدِهِمْ مُلكُهُمْ مع إسلامِهم، وكافرُهم كالحَرْبِيِّ.
ويحرُمُ عليهم ظُلْمُ الآدميينَ، وظُلْمُ بعضِهِم بَعْضًا، وَتَحِلُّ ذبيحتُهُمْ، وبَوْلُهُم وقيئُهُم طاهرانِ.
فَصْلٌ
الأَوْلَى بالإمَامَةِ؛ الأَجوَدُ قِرَاءَةً الأَفْقَهُ، ثُمَّ الأَجْوَدُ قِراءَة الفقيهُ، ثُمَّ الأَقْرَأُ إن كانَ عَالِمًا فِقْهَ صلاتِهِ حَافِظًا للفاتحةِ، ثُمَّ الأَكثرُ قرآنًا الفَقِيهُ، ثُمَّ قَارِئٌ أَفْقَهُ، ثُمَّ قَارِئٌ فَقِيهٌ، ثُمَّ قارئٌ عَالِمٌ فِقْهَ صلاتِهِ، ثُمَّ 49 قَارِئٌ لا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَفْقَهُ وأَعْلَمُ بأحكامِ الصَّلاة، ثُمَّ أَسَنُّ، ثم أَشْرَفُ وهو القُرَشِيُّ فَيُقَدَّمُ مِنْهُم بَنُو هَاشِمٍ على من سِواهُم، ثُمَّ الأَقْدَمُ
الجزء: 1 - الصفحة: 135
هِجْرَةً بِسَبْقِهِ إلى دارِ الإسلامِ مُسْلِمًا، ثُمَّ أسْبَقُ بإِسلامٍ، ثُمَّ الأَتْقَى والأَوْرَعُ، ثُمَّ من يختارُهُ الجيرَانُ المُصَلُّونَ أو أكثرُهُم أو كان أَعْمَرَ للمَسْجِدِ، ثُمَّ يُقْرَعُ.
وكُرِهَ تقدُّمُ غير الأَوْلَى، وصَاحِبُ البَيْتِ وإمامُ المَسْجِدِ ولو عَبْدًا أَحَقُّ بالإمامةِ إن كانَ أهلًا، فَيَحْرُمُ تقدُّمُ غيرهما عليهما بلا إِذْنٍ.
وَيُسَنُّ إذنُهما لِمَن هو أفضلُ منهما، وَيُقَدَّمُ عليهما ذو سُلطانٍ وهو الإِمامُ الأَعظَمُ، ثُمَّ نُوَّابُهُ كالقَاضي.
وسيِّدٌ في بيتِ عبدِهِ أَوْلى مِنْهُ، وَحُرٌّ أَوْلى من عَبْدٍ ومِنْ مُبَعَّضٍ.
ومُبَعَّضٌ أَوْلى مِنْ عَبْدٍ.
وحَاضِرٌ وبَصيرٌ وحَضَريُّ ومُتَوَضِّئٌ ومُعِيرٌ ومُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى مِن ضِدَّهم.
ولا تَصِحُّ إِمَامَةُ فَاسِقٍ مُطْلقًا؛ وهو مَنْ أَتَى كبيرةً أَو دَاوَمَ على صَغِيرَةٍ 50 إلَّا في جُمُعَةٍ وعيدٍ تعذرا خَلْفَ غيرِهِ، وإن خافَ أَذى صَلَّى خَلْفَهُ وأعادَ، وإن وَافَقَهُ في الأَفعالِ مُنْفَرِدًا أو في جماعةِ خَلَّفَهُ بإمامٍ لم يُعِدْ.
وَتَصِحُّ خَلْفَ أعمى أَصَمَّ وَأَقْلَفَ، وَأَقْطَعَ يَدَيْنِ أو رِجْلين أو إِحْداهما، أَو أَنْفٍ، وكثيرِ لَحْنٍ لم يُحِل المَعْنَى، والفَأْفَاءِ الذي يُكرِّرُ الفَاءَ، والتَّمْتامِ الذي يُكَرِّرُ التَّاءَ، ومن لا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُروف، أو يُصْرَعُ أو تُضْحِكُ رؤْيَتُهُ، واخْتُلِفَ في صِحَّةِ إمامَتِهِ مع الكراهَةِ فيهم لا خَلْفَ أَخْرَسَ وكَافِرٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
وإن قَالَ مجهولٌ بعد سَلامِهِ: هو كافرٌ، وإنما صَلَّى تَهَزُّؤًا، أعادَ مَأْمومٌ، وإن عُلِمَ لِشَخْص حالان: إسلامٌ وكُفْرٌ وَإِفاقة أو جُنونٌ وأمَّ فيهما، ولم يُدْرَ في أَيهما ائتَمَّ فإن عَلِمَ قبلها إسلامَهُ أوإفاقَتهُ وَشَكَّ في رِدَّته أو جنونِهِ لم يُعِد.
ولا تَصِحُّ إمامةُ مَنْ بِهِ حَدَثٌ مُسْتَمِرٌّ ولا عاجزٍ عن ركوعٍ أو سُجُودٍ أو قُعُودٍ ونحوِهِ أو عن شَرْطٍ إلَّا بمثلِهِ، وكَذَا عن قيامٍ إلَّا الراتِبَ بِمَسْجِدٍ إذا كانت علَّتُهُ يُرْجى زوالُهَا، ويجلسونَ خَلْفَهُ نَدْبًا.
وإن اعْتَلَّ في أثنائِها فَجَلَسَ أتمُّوْا قِيامًا وجُوبًا.
وإن تَرَكَ إمامٌ رُكنًا أَو شَرْطًا أو وَاجِبًا عندَهُ وَحْدَهُ، أو عندَهُ وعِنْدَ المأمومِ عَالِمًا أعادا.
وإن كانَ عِنْدَ المأموم وحدَهُ فلا.
ومَنْ تَرَكَ رُكْنًا أو شَرْطًا مُخْتَلَفًا فيه، بلا تَأْوِيلٍ أو تَقْلِيدٍ أعادَ.
وإن اعتَقَدَهُ مأمومٌ مُجْمَعًا عليه، فَبَانَ بخِلافه أعادَ.
وتَصِحُّ خَلْفَ من خَالَفَ في فَرْعٍ لم يَفْسُقْ بِهِ، وَخَلْفَ من لا يَعْرِفُهُ والسُّنَّة خَلْفَ من يَعْرِفُهُ.
ولا تَصِحُّ إمامةُ امرأةٍ وخُنْثَى لِرِجال وَخَنَاثى، ولا مميِّزٍ لِبَالِغٍ في فَرْضٍ، وتَصِحُّ في نَفْلٍ مُطْلقًا وفي فَرْضٍ بمثلِهِ.
ولا إمامةُ مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فإن جَهِلَ هو وجميع المأْمُومين حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لمأْمومٍ وَحْدَهُ إلَّا إن كانوا بِجُمْعَةٍ وهم بإمامٍ أَوْ مَأْمُومٍ كذلك أربعونَ فقط فَيُعِيدُ الكُلُّ، ولا إمامَةُ أُمِّي إلَّا
الجزء: 1 - الصفحة: 137
بمثلِهِ وهو من لا يُحْسِنُ الفَاتِحَة، أو يُدْغِم فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يُبدِلُ حَرْفًا بحرفٍ إلَّا ضاد "المغضُوبِ" و "الضالّينَ" بظاءٍ عَجْزًا، أو يَلْحن لحنًا يُحِيلُ المَعْنى كفتحِ هَمْزَةِ "اهْدِنا" وضَمِّ تاءِ "أنْعَمْتَ" عاجِزًا عن إصلاحِهِ، فإن تعمَّدَ أو قدَرَ على إصلاحِهِ لم تَصِحَّ، وإن عَجَزَ عن إصلاحِهِ قرأه في فَرْضِ القِرَاءَةِ، وإن زاد عليه بَطَلَت، ويكفرُ إن اعتقدَ إباحَتَهُ.
وإن كان لِجَهْلٍ أو نسيانٍ أو آفةٍ صَحَّتْ، ولم تُمنع إمامتَه.
فإن أمَّ أمِّيٌّ أُميًّا وقارئًا: فإن كانا عن يمينهِ أو الأميُّ فَقَطْ صَحَّتْ للإمامِ والأُميِّ وبَطَلَت من القارئِ، وإن كانا خلفَهُ أو القارئ وحدَهُ عن يمينِهِ فَسَدَتْ من الكُلِّ.
ولا يَصِحُّ اقتداءُ عَاجِزٍ عن النِّصْفِ الأَولِ من الفاتِحَةِ بعاجزٍ عن الثَّاني ولا بالعكس، ولا من يُبَدِّلُ حَرْفًا منها بِمَنْ يُبَدِّلُ غَيْرَهُ.
ومن لا يُحْسِنُ الفاتحة ويُحْسِنُ غيرها من القرآنِ بِقَدْرِهَا لا يَصِحُّ أن يُصَلِّيَ خَلْفَ من لا يُحْسِنُ شيئًا منه.
وإن سَبَقَ لِسَانُهُ إلى تغيير نظمِ القُرآنِ بِمَا هو منه على وجه يُحِيلُ معناهُ كَقَوْلهِ: (إن المتقينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ) ونحوِهِ لم تَبْطُل، ولم يَسْجُدْ له.
وكُرِهَ أن يؤم أجنَبيَّةً فأكثَرَ لا رجُلَ مَعَهُنَّ، أو قومًا أكثرُهُم يكرهُهُ بِحَقٍّ لا الصَّلاة خَلْفَهُ.
ولا بأسَ بإمامةِ ولدِ زِنًى، ولَقِيطٍ، ومَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وخَصِيٍّ
الجزء: 1 - الصفحة: 138
وجُنْدِيٍّ، وأعرابيٍّ، إذا سَلِمَ دِينُهم وصَلَحوا لها، ولا أن يَأْتَمَّ مُتَوضِّئٌ بِمُتَيمِّمٍ.
ويَصِحُّ ائتمامُ من يُؤدِّي الصلاةَ بمن يَقْضِيهَا وَعكْسُهُ إذا اتفقتا بالاسْمِ، ومتنفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ، لا إمامةُ عَادِم الماءِ والتُّرابِ بِمَن تَطَهَّرَ بِأحدِهما، ولا ائْتمام مُفْتَرِضٍ بمتنفِّلٍ إلَّا إذا صَلَّى بهم في خوفٍ صَلاتَيْنِ (1).
فَصْلٌ
في المَوْقِفِ: السُّنَّةُ تَقَدُّمُ إِمامِ جمَاعةٍ اثنينِ فَأَكْثَرَ قَرِيبًا مِنْهُمْ إلَّا إِمَامَ العُراةِ فَوَسْطًا وجُوبًا، وإلَّا امرأَةً أَمَّت نِسَاءً فَوَسْطًا نَدْبًا، وإن تَقَدَّمَهُ مَأْمُومٌ ولو بإحرامٍ لم تَصِحَّ لَهُ إلَّا فيما إذا تقابَلا أو تَدَابرا دَاخِلَ الكَعْبَةِ، وفيما إذا استدارَ الصَّفُّ حَوْلَهَا، والإِمامُ عنها أبعدُ مِمَّنْ هو في غير جِهَتِهِ، وفي شِدَّة خَوْفٍ إذا أمكنت المتابَعَةُ.
والاعتبارُ بِمؤَخَّر القَدَمِ، وفي القُعودِ بالأَلْيَةِ.
وإن وَقَفَ جَمَاعَةٌ عن يمينِهِ أو جانبيه صَحَّ، وَتقِفُ واحدٌ رجلٌ أَو خُنْثى عن يمينه، فلو وَقَفَ خَلْفَهُ أو عن يسَارِه مع خُلُوِّ يمينِهِ لم تَصِحَّ إن صَلَّى وهو كَذَلِكَ ما تَحْصُلُ بِهِ الرَّكْعَةُ، ويأتي.
والسُّنَّةُ أن يُدِيْرَ من وَقَفَ عن يَسَارِهِ مِن ورائِه إلى جهَةِ يمينه ولا تَبْطُلُ تحريمتُهُ، وإن كَبَّرَ خَلْفَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى يمينِهِ أو جاءَ آخَرُ فَوَقَفَ51
الجزء: 1 - الصفحة: 139
مَعَهُ أو تقدَّم إلى الصَّفِّ بين يَدَيْهِ جَازَ، فإن وقفا عن جانبيهِ أَخَّرَهُما خلفَهُ، فإن شَقَّ أو لم يُمكِنْ تأخرُهُما تَقَدَّم الإِمامُ، ثُمَّ إن بَطَلَتْ صلاةُ أَحدِهِمَا تَقَدَّمَ الآخَرُ إلى الصَّفِّ أو إلى يمينِ الإمامِ أو جَاء آخَرُ وإلَّا نوى المُفَارَقَةَ.
وإن أمَّ رَجُلٌ أو خُنْثى امرأةً وقفَتْ خلْفَهُ، وإن وَقَفَتْ عن جانبِهِ فكرجُلٍ.
ويُكْرَهُ وقوفُها في صَفِّ الرِّجالِ، ولا تبطُلُ صلاةُ من يليها أو خلفَها.
وإن أمَّ رَجُلًا وصبيًّا نُدِبَ وقوفُ الصَبيِّ عن يسارِهِ، وإن اجتَمَعَ أنواعٌ نُدِبَ تقديمُ رجالٍ أحرارٍ، ثُمَّ عبيدٍ الَأَفْضَلِ فالأَفْضَلِ، ثُمَّ صبيانٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَنَاثى، ثُمَّ نساءٍ.
ويقَدَّمُ من الجنائزِ إلى الإمامِ، وإلى القِبْلَةِ في قَبْرٍ واحدٍ حيثُ جَازَ، رَجُلٌ حُرُّ، ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ صَبِيٌّ، ثُمَّ خُنْثى، ثُمَّ امرَأَةٌ حُرَّةٌ، ثُمَّ أَمَةٌ.
ومَن لم يَقِفْ مَعَهُ إلَّا امرَأَةٌ أو كافِرٌ أو مجنونٌ أو خُنْثَى أو مُحْدِثٌ أو نَجِسٌ أو في فرضٍ صَبِيٌّ فَفَذٌّ.
وإن لم يَعْلَم المُحْدِثُ حَدَثَهُ فيها ولا عَلِمَهُ مُصَافُّهُ فليسَ بِفَذٍّ.
وإن وَقَفَ مَعَه مُتَنَفِّلٌ أو من لا يَصِحُّ أن يَؤُمَّهُ، كالأُمَيِّ والأَخْرَسِ، والعَاجِزِ، وناقِصِ الطَّهَارَةِ، والفَاسِقِ ونحوِه جَازَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 140
ومن وَجَدَ فُرْجَةً أو الصَّفَّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ وَقَفَ فيه وإلَّا فَعَن يَمينِ الإمامِ.
وكُرِهَ مشيُهُ لشيءٍ من ذَلِكَ عَرضًا بين يَدَي بَعْضِ المأمومينَ، فإن لم يُمكِن فلَهُ أن يُنَبِّهَ بكلامٍ أو نَحْنَحَةٍ أَو إِشَارَةٍ من يقف معَهُ ويتبعُهُ، ويُكْرَهُ بجذْبِهِ ولو عبدَهُ أو ابنَهُ.
ومن صَلَّى عن يسارِ إِمامٍ مع خُلُوِّ يمينِهِ أو فَذًّا ولو امْرأَةً خَلف امْرَأَةٍ ركعةً لم تَصِحَّ.
وإن رَكَعَ فذًّا لِعُذْرٍ ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ أو وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قبل سجودِ الإمام صَحَّتْ.
فَصْلٌ
وإذا جَمَعَهُما مَسْجِدٌ وأمكنَتِ المُتَابَعَةُ صَحَّتْ القدوةُ مُطْلَقًا، وإن كانا خارجين عَنْهُ أو المأمومُ وَحْدَهُ وأمكنَ الاقتداءُ صَحَّتْ إن رأَى أحدَهما ولو في بعضِ الصَّلاة ولو من شُبَّاكٍ ونحوِهِ، والجُمُعَةُ كَغَيرِهَا.
وإن كان بينهُما نَهَرٌ تَجْري فيه السُّفُنُ، أو طَرِيقٌ وَلَمْ تَتَّصِلْ فيه الصُّفُوفُ حيحثُ صَحَّتْ فيه لم تَصِحِّ، ومثلُهُ من بِسفينَةٍ وإمامُهُ في أُخْرى غير مَقْرونَةٍ بها، في غيرِ شِدَّة خوْفٍ.
وكُرِهَ عُلُوُّ إِمَامٍ على مأمومٍ ذِرَاعًا فأكثرَ، ولا بأْسَ به لمأْمُومٍ.
ولا بِقَطْعِ الصَّفِّ إلَّا عن يَسَارِهِ إذا بَعُدَ بِقَدْرِ مقامِ ثلاثةِ رِجَالٍ.
ويُبَاحُ
الجزء: 1 - الصفحة: 141
اتخاذُ المِحْرَابِ، وكُرِهَ بِلا حَاجَةٍ صَلاةُ الإمامِ فيه إن مَنَعَ مشاهدَتَهُ لا سجُودُهُ فيه.
وَيقِفُ عن يمين المِحْرابِ إذا كانَ المسجدُ واسِعًا.
وكُرِهَ له إطالَةُ القُعودِ بَعْدَ سَلامِه 52 مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بِلا حاجةٍ.
فإن أَطَالَ انْصَرَفَ المأْمُومُ وإلَّا نُدِبَ لَهُ ألّا ينصَرِفَ قبلَهُ.
وتطَوُّعُه موضِعَ المكتُوبَةِ بعدَهَا بلا حاجَةِ كضِيْقٍ، والأَولى للمأمومِ تركُهُ.
ونُدِبَ للنِّساءِ الانصِرافُ عَقِبَ سلامِ الإمامِ بلا تَأَخُّرٍ.
ويُكْرَهُ لِغير الإمامِ أن يَتَّخِذَ مَكانًا بالمسجدِ لا يُصَلِّي فرضَهُ إلَّا فيه، ووقوفُ مأْمُومٍ بين سَوَارٍ إِن قَطَعَتْ صُفوفَهُم عُرْفًا بلا حَاجَةٍ، وحضورُ مَسْجدٍ وجَمَاعَةٍ لآكلِ ثُومٍ أو بَصَلٍ أو فِجْلٍ ونحوِه، وكذا جزّارٌ لَهُ رائِحةٌ مُنْتِنَةٌ، ومن لَهُ صُنَانٌ، وكذا مَنْ بِهِ جُذامٌ أو بَرَصٌ يُتَأَذَّى بِهِ فَيُسَنُّ إخراجُهُمْ.
وَيَنْحَرِفُ إِمَامٌ جهَةَ قَصْدِهِ إلى مَأْمُومٍ وإلَّا فَعَن يمينِهِ.
وحَرُمَ بِناءُ 53 مَسْجِدٍ يُرادُ بِهِ ضَرَرُ مَسْجِدٍ بِقُرْبِهِ فيُهْدَمُ.
فَائِدَةٌ: مِنَ الأَدَبِ وَضْعُ إمامٍ نَعْلَهُ عن يسارِهِ، والمأمومُ بين يَدَيْهِ لئِلَّا يُؤْذِي غَيْرَه.
الجزء: 1 - الصفحة: 142
فَصْلٌ
وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ مريضٌ وخائفٌ حُدُوثَ مَرَضٍ، وهُما ليسا بالمَسْجِدِ، وتَلْزَمُ الجُمُعَة لمن لم يَتَضرَّر بإتيانِها رَاكِبًا أو مَحْمُولًا أو تبرَّعَ أحدٌ بِه أو بِقَوْدِ أَعمى، ومن هو ممنوعٌ من فِعْلِهما، كالمَحْبوس، ومن يدافِعُ أحَدَ الأَخْبثينِ، أو بِحَضْرَةِ طَعامٍ يَحْتَاجُ إِليه -وله الشِّبَعُ- أو له ضائِعٌ يرجوه، أو يَخَافُ ضياعَ مالِهِ، أو فواتَهُ، أو ضَرَرًا فيه، أو في معيشةٍ يحتاجُهَا، أو استؤْجِرَ لِحفظِهِ ولو نِطَارةَ بُستانٍ، أو موتَ قريبِهِ أو رفيقِهِ، أو فواتَ تمريضهِمَا، وليسَ من يقومُ مقامَهُ، أو على نفسِهِ من ضَرَرٍ أو سلطانٍ، أو مُلازَمَةِ غَرِيمٍ ولا شيءَ مَعَهُ، أو فواتَ رُفقَةٍ لِسَفَرٍ مُبَاحٍ، أو غلبَةَ نُعَاسٍ يَخَافُ بِه فوتَهَا في الوَقْتِ، أو معَ إمامٍ، أو أَذى بمطرٍ أو وَحَلٍ أو ثَلْجٍ أو جَلِيدٍ، أو ريحٍ بَارِدَةٍ بليلةٍ مُظْلِمَةٍ، أو تطويل إِمامٍ، أو كانَ عُريانًا، أو لم يَجِد إلَّا ما يستُرُ عورتَهُ فَقَطْ ونحوِهِ في غَيْرِ جَمَاعَةٍ عُراة، أو عليه قَوَد يرجُو العفوَ عَنْهُ بِتَأَخُّرِهِ لا مَنْ عليه حَدٌّ، أو بطريقِهِ أو بالمَسْجِدِ مُنْكَرٌ وينكرُهُ بِحَسَبِ حَالِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 143
بَابُ صَلاةِ أَهْلِ الأَعْذَارِ
يَجِبُ أن يُصَلِّي المريضُ قَائِمًا -إجماعًا- في فَرْضٍ، ولو كَراكِعٍ أو مُعْتَمِدًا على شيءٍ أو مُسْتَنِدًا ولو بِأجرَةٍ يَقْدِرُ عليها، فإن عَجَزَ أو شَقَّ لضررٍ أَوْ زيادَةِ مَرَضٍ أو بُطْؤ بُرْءٍ ونحوِهِ، فَقَاعِدًا مُتَرَبِّعًا نَدْبًا.
وَيَثْنِي رِجْلَيْه في رُكُوعٍ وسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ.
فإن عَجَزَ أو شَقَّ ولَوْ بتَعَدِّيهِ بِضَرْب سَاقِهِ فعلى جَنْبٍ، والأَيْمَنُ أفضَلُ.
وتُكْرَهُ على ظهرِهِ ورِجْلاهُ إلى القِبْلَةِ مع القُدْرَةِ على جَنْبِهِ، وإلَّا تَعَيَّنَ.
ويُومِئُ حِينَئذٍ بركوعٍ وسُجُودٍ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ.
وإنْ سَجَدَ ما أمكنَهُ على شيءٍ رُفِعَ كُرِهَ وَأَجْزَأَ، ولا بأْسَ بِهِ على وسادةٍ ونحوِها.
فإِن عَجَزَ أوْمَأَ بِطَرْفِهِ، ناويًا بقلْبِهِ، كأَسِيرٍ خائِفٍ، فإِن عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا القَوْلَ والفِعْلَ، ولا تَسْقُطُ الصَّلاةُ حِينَئذٍ ما دامَ عَقْلُهُ ثابتًا، بل يَحْرُم عليه إخراجُها عن وَقْتِها والحالةُ هذِهِ.
فإن قَدَرَ على قيامٍ أو قُعودٍ في أثنائِها انتقَلَ وبنى ويركعُ بلا قراءةِ مَن قَرَأَ وإلَّا قَرَأَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
وإن أَبْطَأَ مُتَثاقِلًا قاعدٌ أطاقَ القيامَ فعادَ العَجْزُ، فإن كان بِمَحَلِّ قعودٍ كَتَشَهُّد صَحَّتْ وإلَّا بَطَلَتْ صلاتُهُ وصلاةُ من خَلْفَهُ ولو جَهِلُوا، ويَبْني من عَجَزَ فيها، وتُجْزِئُ الفاتِحَةُ إن أَتَمَّها في انحطاطِهِ لا من صَحَّ فَأَتَمَّها في ارتفاعِهِ.
ومَنْ قَدَرَ على قيامٍ وقُعُودٍ دونَ رُكُوعٍ وسُجُودٍ أَوْمَأَ بركوعٍ قَائِمًا وبسجودٍ قاعدًا.
ومن قَدَرَ أن يقُومَ مُنْفَرِدًا أو يَجْلِسَ في جَمَاعَةٍ لَزِمَهُ القيامُ، ولمريضٍ يُطِيقُ القيامَ الصلاةُ مُستلقيًا لمداواةٍ بقول طبيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ حاذِقٍ فَطِنٍ، وله الفطْرُ بقوله: إِنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ العِلَّةَ.
ولا يَصِحُّ فَرْضٌ في سفينةٍ قاعِدًا من قادرٍ على القيامِ، وَيَصِحُّ على رَاحلةٍ لتأذٍّ بِوَحَلٍ وَمَطَرٍ ونحوهِمَا، وانقِطاعِ رُفْقَةٍ أو خوفٍ على نفسِهِ من عَدُوٍّ ونحوِهِ، أو عَجْزٍ عن ركوبٍ إن نَزَلَ، وعليهِ الاستقبالُ وما تقْدِرُ عليه، ولا يَصِحُّ لِمَرَضٍ.
ومن أَتى بِكُلِّ رُكْنٍ وَشَرْطٍ وصَلَّى علَيها أو بِسَفينَةٍ أو مِحَفَّةٍ ونحوِها سَائِرةً أو واقِفَةً ولو بِلا عُذْرٍ صَحَّتْ.
وَمَنْ بِمَاءٍ وطينٍ يُومِئُ كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ، وَيَسْجُدُ غريقٌ على مَتْنِ الماءِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 145
بَابُ القَصْرِ
يُسَنُّ لِمَن نَوَى سَفَرًا طَويلًا، وهو أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ستَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا تقريبًا، كُلُّ فَرْسَخٍ ثَلاثَةُ أميالٍ هَاشِمِيَّة، كُلُّ ميلٍ سِتَّةُ آلاف ذراع برًّا أو بَحْرًا، وهي يومان قَاصِدَانِ في زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ بسَيْرِ الأَثْقَالِ ودَبيبِ الأَقْدَامِ، فَيُصَلي الرُّباعِيّهَ رَكْعَتَيْنِ، ولا يُكرَهُ الإتمام.
وشُرِطَ كونُهُ مُبَاحًا، ولو نُزْهَةً وفُرْجَةً أو هو أكثرُ قَصْدِهِ أو تَابَ فيه وقد بَقِيَتْ أو أُكْرِهَ كَأَسِيرٍ، أو غُرِّب أو شُرِّدَ، لا هائمٌ وسائحٌ وتائِهٌ إذا فَارَقَ بيوت قريتِهِ العامرةِ، أو خيامَ قَوْمِهِ أو ما نُسِبَ إِليه عُرْفًا سكانُ قُصُورٍ وبساتينَ ونحوهم، وَأَلَّا يَرْجِعَ إلى وطنِهِ ولا ينويَه قَرِيبًا، فإن رَجَعَ لم يَتَرخَّصْ حَتَّى يُفَارِقَهُ ثانيًا، وإن بدا له الرُّجُوعُ لِحَاجَةٍ لم يَتَرخَّصْ في رجوعِهِ بعد نيَّةِ عَوْدِهِ حَتَّى يُفَارِقَ أيضًا إلَّا أن يكُونَ رُجوعُهُ سَفَرًا طويلًا، ولا يُعيدُ من قَصَرَ ثُمَّ رَجَعَ قبل استكمالِ المَسَافَةِ.
وإن رَجَعَ ثُمَّ بَدَا لَهُ العَوْدُ لم تقْصُرْ حَتَّى يُفارِقَ مكانَهُ، فإن شَكَّ
الجزء: 1 - الصفحة: 146
في قَدْرِ المَسَافَةِ لم يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَها كَمَن خَرَجَ في طَلَبِ آبقٍ أو ضَالَّةٍ.
ولو انتقَلَ من سَفَرِهِ المُبَاحِ إلى مُحَرَّمٍ امتنَعَ، ولو قَامَ إلى ثَالِثَةٍ عَمْدًا أَتمَّ وجُوبًا وسَهوًا رَجَعَ، فَلو نَوى الإتمامَ أَتَمَّ وأَتَى بما بَقِي سوى ما سَهى عنه فإنه لَغْو.
ولو كانَ إمامًا بمسافرٍ تَابَعَهُ إلَّا أن يعلمَ سَهْوَهُ فينبِّهَهُ، فإن رَجَعَ وإلَّا فَارَقَهُ.
وتَبطلُ صَلاتُهُ بمتابَعَتِهِ، وَيَقْصُرُ من أَسْلَمَ أو بَلَغَ أو طَهُرَتْ بِسَفَرٍ مُبيحٍ ولو بقي دُونَ المسافة.
وزَوْجَةٌ وقِنٌّ وجُنْديٌّ تَبَعٌ لِزَوْجٍ وسَيِّدٍ وأَمِيرٍ.
وأهلُ مكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا ليس لهم القَصْرُ والجَمْعُ في عرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ فَهُمْ في المَسَافَةِ كغيرِهِم.
وَمَنْ مَرَّ بوطنِهِ، أو ببلدٍ له فيه امرأَةٌ، أو تَزَوَّج فيه، أو دَخَلَ وقتُ صَلاةٍ عليه حَضَرًا، أو أَوْقَعَ بعضها فيه، أوذَكَرَ صلاة حضرٍ بسفرٍ أو عكسُهُ، أو ائْتَمَّ بمقيمٍ أو بِمَن يَشُكُّ فيه، ويكفي علمُهُ بسفَرِهِ بعلامَةٍ، أو شَكَّ إِمامٌ في أثنائِها أنه نَواهُ عند إحرامِها، أو أعادَ فاسِدَةً، يَلْزَمُهُ إتمَامُهَا، أولم ينوِهِ عند إحرامٍ، أو نواهُ ثُمَّ رَفَضَه، أو جَهِلَ أنّ إِمَامَهُ نَواهُ، أو نوى إقامةً مُطْلَقَةً، أو أكثرَ من عشرين صلاة، أو لِحَاجَةٍ وظنَّ أنَّها لا تنقضي قَبلها، أو شَكَّ في نِيَّةِ المُدةِ، أو عَزَم في صلاتِهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 147
على قَطْع الطريقِ ونحوه، أو تاب منه فيها، أو أَخَّرها بلا عُذْرٍ حَتى ضاق وقتُها عنها، لَزِمَهُ أن يُتِمَّ في جميع ذَلِكَ لا إن سَلَكَ أبْعَدَ الطريقينِ، أو ذكرَ صلاةَ سَفَرٍ في أَخَرَ، أو أقَامَ لِحَاجَةٍ بلا نِيّةِ إقامَةٍ ولا يدري متى تَنْقَضي أو حُبِسَ ظُلْمًا أو بمرَضٍ أو مَطَرٍ ونحوِه لا بِأَسْرٍ.
وَمَنْ نَوى بلدًا بِعَينهِ يَجْهَلُ مَسَافَتَهُ ثُمَّ عَلِمَهَا قَصَرَ بعد عِلْمِها كَجَاهِلٍ بجوازِ القَصْرِ ابتداءً، ويقصرُ من عَلِمَها ثُمَّ نَوى إن وَجَدَ غريمَهُ رَجَعَ، أو نوى إقامَةً لا تمنَعُ القَصْرَ دونَ مقصِدِه بينَهُ وبين بلد نيتهِ الأُولى دونَ المَسَافَةِ، ولا يَتَرَخَّصُ مَلَّاحٌ معهُ أهلُهُ وليس له نِيّةُ إقامةٍ بِبَلَدِ، ومثْلُهُ مُكارٍ وراعٍ، ورسولُ السُّلطانِ ونحوُهُم.
وإن نَوى مُسَافِرٌ القَصْرَ حيثُ لم يُبَحْ عَالِمًا لم تنعقِدْ كما لو نَواهُ مُقِيمٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
بَابُ الجَمْعِ
يُبَاحُ بين ظُهْرٍ -لا جُمْعَةٍ- وعصرٍ، وبَيْنَ عِشَائَيْنِ بِوَقْتِ إِحْدَاهُمَا، وتَرْكُهُ أَفْضَلُ غَيْرَ جَمْعَيْ عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ بِسَفَر قَصْرٍ.
ويُبَاحُ لِمَريضٍ يلحقُهُ بتركِهِ مَشَقَّةٌ، وَلِمرْضعٍ لِمَشَقَّةِ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ، ولِمُسْتَحَاضَةٍ ونحوِها، ولعَاجِزٍ عن طَهَارةٍ أو تَيَمُّمٍ لكُلِّ صَلاةٍ، أو معرفَةِ الوَقْتِ كَأَعْمَى ونحوِهِ، ولِعُذْرٍ أو شُغْلٍ يُبيحُ تَرْكَ جُمعَةٍ وجَمَاعَةٍ.
ويُبَاحُ بين العِشَائين فَقَطْ لِثَلْجٍ وَبَردٍ وَجَلِيدٍ، وَوَحَلٍ، وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ باردَةٍ، أو باردَةٍ فقط بليلةٍ مُظْلِمَةٍ، ولمطرٍ يَبُلُّ الثِّيابَ وتوجدُ مَعهُ مَشَقَّةٌ، ولو صَلَّى ببيْتِهِ أو مَسْجِدٍ طَريقهُ تَحْتَ سَاباطٍ ونحوِه.
والأَفْضَلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ من تقديمٍ أو تأْخِيرٍ، فإن استويا فالتَّأخِيرُ أفْضَلُ إلَّا جَمْعَيْ عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، فَيُقَدِّمُ بِعَرَفَةَ ويُؤَخِّرُ بِمُزْدَلِفَةَ.
ويُشْتَرَطُ لِلْجَمْعِ في وقتِ الأُولى ثَلاثَةُ شُروطٍ: نِيّةُ الجَمْعِ عِنْدَ إحْرَامِها، والمُوالاةُ فلا يُفَرِّقُ بينَهُما إلَّا بِقَدْرِ إقَامةٍ ووضوءٍ خفيفٍ،
الجزء: 1 - الصفحة: 149
فيبطُلُ براتِبَةٍ بَيْنَهُما لا بكلامٍ يَسيرٍ لا يَزِيدُ على ذَلِكَ، ووجودُ العُذْرِ عند افتتاحِهِمَا وسَلام الأُولى واسْتِمْرارُهُ في غير مَطَرٍ ونحوِهِ إلى فَراغِ الثَّانية.
فلو أَحْرَمَ بالأولى لِمَطَرٍ ثُمَّ انْقَطَعَ ولم يَعُدْ، فإن حَصَلَ وَحَل صَحَّ وإلَّا بطل، وإن انْقَطَعَ سَفَرٌ بأُولى بَطَلَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولو حَصَل وَحَلٌ أو مَرَضٌ فَيُتِمُّهَا وَتَصِحُّ، وبثانيةٍ بَطَلَ القَصْرُ والجَمْعُ ويتمها نَفْلًا.
والمَرَضُ في ذَلِكَ كالسَّفَرِ، وشُرِطَ لَهُ بِوَقْتِ ثانيةٍ نيتُهُ بوقتِ أُولى مَا لَم يَضِقْ عن فِعْلِها وبقَاءُ العُذْرِ إلى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانيةِ.
والتَّرْتيبُ لا غيرُ، فلو صَلَّاهُما خَلْفَ إِمامينِ أو خَلَف من لا يجمَعُ أو إِحداهُما مُنْفَرِدًا والأُخرى جَمَاعَةً ونحوَ ذَلِكَ صَحَّ.
فَصْلٌ
تَصِحُّ صَلاةُ الخَوفِ بِقِتَالٍ مُبَاح وَلَوْ حَضَرًا مع خوف هَجْمِ العَدُوِّ على سِتَّةِ أَوْجُهٍ كُلُّها جائِزَةٌ.
ويُسَنُّ أن يَحْمِلَ فيها ما يدفعُ بِهِ عن نَفْسِهِ ولا يُثْقِلُهُ كَسَيْفٍ وسِكيِّنٍ، وكُرِهَ ما يمنَعُ إكْمَالَها أو يَضرُّ غَيْرَهُ كَرُمْحٍ مُتَوَسِّطٍ، أو يُثْقِلُهُ كجَوْشَن.
وَجَازَ لِحَاجَةٍ حملُ نجسٍ ولا يُعِيْدُ.
وإذا اشْتَدَّ الخَوفُ صَلَّوْا رِجَالًا أو رُكبانًا للقِبْلَةِ وغيرها، ولا يَلْزَمُ افْتِتَاحُها إِليها، ولو أَمْكَن يومِئُونَ طَاقَتَهُم.
وكذا حَالةُ هَرَبٍ من عَدُوٍّ، وَهَرَبًا مُبَاحًا، أَو من سَيْلٍ، أو سَبُعٍ، أو نارٍ، أو غريمٍ ظَالِمٍ،
الجزء: 1 - الصفحة: 150
أو خوفِ فَوْتِ عَدوٍّ يطلُبُهُ، أو وقتِ وقوفٍ بعرَفَةَ، أو على نفسِهِ أو أهلِهِ أوم الِهِ، أو للدفعِ عن ذَلِكَ، أو عن نَفْسِ غيرِهِ.
فإن كانَت لِسوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا أو دُونَهُ مَانِعٌ أعادَ لا إِنْ بانَ يَقْصِدُ غيرَهُ، كمن خَافَ عَدوًا إن تَخَلَّفَ عن رُفقتِهِ فصلَّاها ثُمَّ بَانَ أمنُ الطَّريق، أو خاف بِتَرْكِها كمينًا أو مكيدةً أو مَكْروهًا، كَهَدْمِ سُوْرٍ أو طَمِّ خَنْدقٍ، وَمن خَافَ أو أمِنَ في صلاتِهِ انتقلَ وبنى.
ولا يزولُ حُكْمُ الخَوْفِ إلَّا بانهزام الكُلِّ، ولا يَضُرُّ كَرٌّ وفَرٌّ لِمَصْلَحَةٍ ولو طَالَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ
هِيَ أَفْضَلُ من الظُّهْرِ، ولا تَنْعِقِدُ بنيَّتِهِ مِمَّن لا تَجِبُ عليه كَعَبْدٍ ومُسَافرٍ، وليس لمن قُلِّدَها أَن يَؤُمَّ بالخَمْسِ، ولا من قُلِّدَ الخَمْسَ أن يَؤُمَّ فيها، ولا لِمَن قُلِّدَ أحَدهما أن يَؤُمَّ في عَيدٍ وكُسوفٍ واسْتِسْقاءٍ، إلَّا أن يُقَلَّدَ الجَميع.
وَهِيَ فَرْضُ الوَقْتِ، فلو صلَّى الظُّهْرَ أهلُ بَلَدٍ مع بقاءِ وَقْتِ الجُمعة لم تَصِحَّ، وتُتركُ فَجْرٌ فائتةٌ لِخَوفِ فَوْتِها، وإذا فاتت تَجِبُ الظُّهْرُ بَدَلًا عنها.
وهي فَرْضُ عينٍ على كُلِّ مسلمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ حُرٍّ، مستوطِنٍ ببناءٍ ولو من قَصَبٍ، أو قَرية خَرابًا عَزموا على إصلاحِها والإقامةِ بها، أو قريبًا من الصَّحْراءِ.
ولو تفرَّقَ إذا شَمَلَهُ اسمٌ واحدٌ إن بَلَغوا أربعيْنَ ولم يَكُنْ بينَهُم وبين موضِعِهَا أكثرُ من فرسخٍ تقريبًا فَتَلْزَمُهُمْ بغيرِهِم كمن بخيامٍ ونحوها.
ولا تَجِبُ على مُسَافِرٍ مَسَافَة قَصْرٍ سَفَرًا مُباحًا ما لَم يَقُمْ ما يَمْنَعُ
الجزء: 1 - الصفحة: 152
القَصْرَ فَتَلْزَمُهُ بغيرِهِ، ولا عبدٍ ولا مُبَعَّضٍ ولا امرأةٍ ولا خُنْثى، ومن حَضَرها مِنْهُمْ أجزأَتْهُ ولم تنعَقِد به.
ولم تَجُزْ أن يؤُمَّ هو، ومن لَزِمَتهُ بغيرِهِ فيها.
ومَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِمَطَرٍ أو مَرَضٍ ونحوِهما إذا حَضَرَهَا وَجَبت عليه وانعقَدَتْ بِهِ.
ولا تَصِحُّ الظُّهْرُ مِمَّن يلزمُهُ حضُورُ الجُمُعَةِ حَتَّى يَعْلَم أن الإمامَ صَلَّاهَا.
وتَصِحُّ من معذورٍ والأَفضَلُ بعدَهُ، فإن حَضَرَ بَعْدَ ذلك كانت نفلًا إلَّا الصَّبِيَّ إذا بَلَغَ ولو بعدَهُ فلا يَسْقُطُ فرضُهُ.
وحضورُهَا لمعذور ومختَلَفٍ في وجوبها عَلَيْهِ أفضَلُ، ونُدِبَ تَصَدُّقٌ بدينارٍ أو نصفِهِ لتارِكِها بلا عُذْرٍ، وَحَرُمَ سَفَرُ من تَلْزَمُهُ في يومِهَا بعد الزَّوالِ، وكُرِهَ قَبْلَهُ ما لم يأتِ بها في طريقهِ أو يَخَفْ فَوْتَ رُفقتِهِ.
فَصْلٌ
وَلِصِحَّتِها أَرْبَعَةُ شُروطٍ:
الأَول: الوَقْتُ، فلا تَصِحُّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، وهو من وَقْتِ العيدِ إلى آخرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وتَلْزَمُ بِالزَّوالِ وبعدَهُ أفْضَلَ، ولا تَسْقُطُ بِشَكٍّ في خُروجِهِ.
فإن تُحِقِّقَ خُرُوجُهُ قَبْل التَّحْرِيمَة صَلَّوْا ظُهْرًا وإِلَّا أْتمُّوا جُمُعَةً.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
الثَّانِي: استيطانُ أَرْبَعِينَ ولو بالإمامِ من أهلِ وجُوبها بقريةٍ، فلا تُتَمَّمُ من مَكَانَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، ولا يَصِحُّ تَجْمِيعُ أهل كاملٍ في نَاقِصٍ، والأَوْلى مع تَتِمَّةِ العَدَدِ تَجمِيعُ كُلِّ قَوْمٍ.
الثَّالِثُ: حُضُورُهم؛ ولو كَانَ فيهم خُرْسٌ أو صُمٌّ لا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ، وإن قَرُبَ الأَصَمُّ وَبَعُدَ من يَسمعُ لم تَصِحَّ.
فإن نَقَصُوا قبل إتمَامِها استَأْنَفوا ظُهْرًا إن لم تُمْكِن إِعادَتُها، وإن بقِيَ العدَدُ ولو مِمَّن لم يَسْمَع الخُطْبة أو لَحقوا بِهِمْ قبل نقصِهِم أتموا جُمُعةً.
وإن رَأَى الإمامُ وحدَهُ العَدَدَ فَنَقَصَ لم يَجُز أن يؤُمَّهُمْ ولَزِمَهُ أن يستخلفَ أحَدَهُم، فلو رأَوْهُ المأْمُومونَ لم تلزمْ واحِدًا منهما.
ولو أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أن يُصَلِّيَ إلَّا بِأَربعينَ لم يَجُزْ بِأَقَلَّ ولا أن يستخلِفَ، وبالعكسِ الولايةُ باطلةٌ.
ولو لم يَرَها قومٌ بوَطَن مسكونٍ فللمحتَسِبِ أَمْرُهُمْ برأيه بِها.
ومن في وقْتِها أَحْرَمَ وأدركَ مع الإمام منها ركعةً أَتَمّ جُمُعَةً وإلَّا ظُهْرًا إن دَخَلَ وَقْتُهُ ونواهُ وإلَّا فَنَفْلًا.
ومَنْ أَحْرَمَ مَعَهُ ثُمَّ زُحِمَ عن السُّجُودِ أو نَسِيَهُ لَزِمَهُ أن يسجُدَ على ظَهْرِ إنسانٍ أو رِجْلِهِ إن أَمْكَنَ بلا وَضعِ يَدَيْهِ ونحوِهما عليه، فإن لم يُمْكِنْهُ سجَدَ إذا زالَ الزِّحامُ إلَّا أن يخافَ فَوتَ الثَّانِيَةِ فيتابعَهُ فيها وتصيرُ أولاهُ ويُتِمُّهَا جُمُعَةً، فإن لم يتابِعْهُ عالِمًا تحريمَهُ بَطَلَتْ.
الجزء: 1 - الصفحة: 154
وإن جَهِلَ فَسَجَدَ ثُمَّ أدْرَكَهُ في التَّشَهُّدِ أتى بركعةٍ بعد سَلامٍ وَصَحَّتْ جمعتُهُ، وكذا لو تَخَلَّفَ لِمَرَضٍ أو نَوْمٍ أو سَهْوٍ ونحوِهِ.
ولو زالَ عُذْرُ من أَدْرَكَ ركوعَ الأوْلَى وقد رفعَ إمامُهُ من ركوعِ الثَّانِيةِ تابعَهُ في السُّجُودِ، فَتتِّمُ له ركعةٌ مُلَفَّقَةٌ من ركعتي إمامِهِ يُدْرِك بِها الجُمُعَةَ.
الرابع: تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ بدَلَ ركعتين لا من الظُّهْرِ من شرطِهِما الوقْتُ، وأن تكونا مِمَّنْ يَصِحُّ أن يَؤُمَّ فيها، وحَمْدُ الله تعالى، والصَّلاة على رسولِهِ عليه السلام بلفظِهمَا، وقراءةُ آيةٍ ولو جُنُبًا مع تحريمها، والوصِيَّهُ بتقوى الله، ولا يَتَعَيَّنُ لَفْظُها، وموالاةُ جَميعِها مع الصَّلاة، والنِّيَّةُ، والجَهْرُ بِحَيْثُ يُسْمعُ العَدَدَ المُعْتبَرَ حيث لا مَانِعَ، وحُضُورُ العَدَدِ وسائرُ شُرُوطِ الجُمُعَةِ لا الطهارتانِ ولا سَتْرُ العَوْرةِ، وإزالةُ النَّجَاسَةِ، ولا أن يتولاهُما واحِدٌ أو من يتولّى الصَّلاةَ، ولا حضورُ مُتَولِّي الصَّلاةِ الخُطْبَةَ، بل يُسَن ذَلِكَ.
وَيُبْطِلهُمَا كَلامٌ مُحَرَّمٌ ولو يَسِيرًا، وَإن عَجَزَ بالعربية خَطَبَ بلُغَتِهِ ما عَدا القِراءَةِ.
ويُسَنُّ أن يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ أو مَوْضعٍ عَالٍ عن يمينِ مُسْتَقْبلي القِبْلَةِ، وإن وَقَفَ بالأَرضِ فَعَنْ يسارِهم، وسَلامُهُ إذا خَرَجَ وإذا أقبلَ عليهم، وجلوسُهُ حَتَّى يُؤَذَنَ وبينَهُمَا قَليلًا، فإن أبى أو خَطَبَ جَالسًا فَصَلَ بِسَكْتَةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 155
وأن يَخْطُبَ قَائِمًا مُعْتمِدًا على سَيْفٍ، أو عَصًا، قَاصِدًا تلقاءَهُ أي تِلْقَاءَ وجْهِهِ، وتقصيرُهُما، وأن تكون الثَّانية أقصرَ، ورفعُ صَوْتِهِ حَسَبَ طاقَتِهِ، والدُّعاءُ للمسلمينَ، ويُبَاحُ لِمُعَيَّنٍ، وأن يخطبَ من صحيفةٍ.
فَصْلٌ
والجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، يُسَنُّ أن يقرَأَ جَهْرًا في الأُولى بـ "الجُمُعَةِ"، والثانية بـ "المُنَافِقِين"، أو بـ "سبح" ثُمَّ "الغاشيَةِ" بعد "الفَاتِحَةِ"، وفي فجرِها في الأولى ﴿الم 54﴾ "السجدة" وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾، ويكْرَهُ المداومةُ عليهما.
وفي عشاء لَيْلَتِها بسورة "الجمعة"، "والمنافقين".
ويَحْرُمُ إقامَةُ الجُمُعَةِ والعيدِ والإذْنُ فيهما في أكْثَرَ من مَوْضِعٍ من البَلدِ إلَّا لِحَاجةٍ، كَضِيْقٍ، وبُعْدٍ، وخوفِ فتْنَةٍ ونحوهَا، فإن كُرِّرَتْ بلا حاجةٍ فالصَّحِيحَةُ ما باشرَها أَو أَذِنَ فيها الإمام، فإن اسْتَوَتا في إِذْنٍ أو عَدَمِهِ فالسابقَةُ بالإحرامِ.
وإن وقَعتا معًا بَطلَتا، وصلَّوْا جُمُعَةً إن أمكنَ وإلَّا ظُهْرًا.
وإن جُهِلَ كيف وَقَعتا صَلَّوا ظُهْرًا وَلَوْ أَمْكَنَ جُمُعَةٌ.
وإذا وَقَعَ العيدُ يَوْمَهَا سَقَطَتْ عَمَّنْ حضرَهُ مع الإمامِ سُقوطَ حضورٍ لا وُجوبٍ كمريضٍ ونحوِه، إلَّا الإمامَ فإذا اجتَمَعَ معهُ العَدَدُ
الجزء: 1 - الصفحة: 156
المُعْتبَرُ أقامَهَا، وإلَّا صلوا ظُهْرًا.
وكذا يسقُطُ العيدُ بها، لكن يُعْتَبرُ العَزْمُ عليها.
وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَها ركعتانِ، وأكثرُها سِتٌّ.
ويُسَنُّ قِراءَةُ سُورَةِ "الكهف" في يَوْمِهَا ولَيْلَتِها، وكثرةُ الدُّعاءِ (1)، وبعدها، وأفضلُهُ بَعْدَ العصرِ، والصَّلاةُ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأُكُّدٍ، والغُسْلُ لها فيه، وأفضَلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ، وتنظُّفٌ بِقَصِّ شاربِهِ وتقليمِ أَظْفارِهِ، وَقَطْعِ الروائح الكَرِيهَةِ بالسِّواكِ وغيرِهِ، وتَطَيُّبٌ، ولُبْسُ أَحْسَنِ ثيابِهِ وهو البَيَاضُ، وتبكيرُ غيرِ الإمامِ إليها مَاشيًا بَعْدَ الفَجْرِ.
وَيَجِبُ السَّعْيُ بالنداءِ الثَّانِي بين يَدَي الخَطِيب إلَّا من بَعُدَ مَنْزِلُهُ ففي وقتٍ يُدْرِكُهَا فيه على أَحْسَنِ هَيْئَةٍ بسكينَةٍ ووقارٍ مع خُشُوع، ويدنُو مِن الإمامِ وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، وَيَشْتَغِلُ بالصَّلاةِ والذكْرِ، وأفضلُهُ قراءةُ القرآنِ إلى خُروج الإمام، فإذا خَرَجَ حَرُمَ ابتداءُ غيرِ تحيّةٍ ويُخَفِّفُ من ابتدأها قَبْلَهُ، ولو نَوى أربعًا صلَّى ثِنتيْنِ.
وَكُرِهَ لِغَيْرِ الإمام تَخطي الرِّقَابِ إلَّا إن رَأَى فُرجَةً لا يَصِلُ إليها إلَّا بِهِ، وإيثَارُهُ بمكانٍ أفْضَلَ لا قَبُولُهُ، وليس لغيره سَبْقُه إليه.
والعَائِدُ من قِيَامِهِ لِعارِض أَحَقُّ بِمَكانِهِ، وَحَرُمَ أن يُقِيمَ غيرَهُ ولو عبدَهُ أو ولدَهُ إلَّا الصَّغِيرَ، وإلَّا من جَلَسَ بِمَوْضِعٍ يحفَظُهُ لِغَيره بِإْذْنِهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 157
أوْ لا، وَرَفْعُ مَصلَّىً مفروشٍ ما لم تَحْضُرِ الصَّلاةُ، وكلامٌ والإمامُ يَخْطُبُ، وهو قَرِيبٌ منه بحَيثُ يَسْمَعُهُ إلَّا لَهُ أو لِمَن كَلَّمَهُ لِمَصْلَحَةٍ.
وَيَجِبُ لِتَحْذِيرِ ضرِيرٍ، وغَافِلٍ عن هَلَكَةٍ وبِئْرٍ ونحوه، ويُبَاحُ حال سُكُوتِهِ بينَهُمَا، وشُرُوعه في دعاءٍ.
وله الصَّلاةُ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سَمِعَها، وتُسَنُّ سِرًّا كَدُعاءٍ وتأمِينٍ عليه، وحمدُهُ خُفْيَةً إذا عَطَسَ، وردُّ سَلامٍ، وتشميتُ عاطِسٍ، وإشارةُ أَخْرَسَ إذا فُهِمَتْ كَكَلامٍ.
وَمَنْ دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِس حَتَّى يُصلّي التَّحِيَّة رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن.
ويُكْرَهُ التَّصدُّقُ على سَائلٍ وَقْتَ الخُطْبَةِ، لأَنَّهُ فعلَ ما لا يجوزُ، فلا يُعينُه.
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: وإن حَصَبَ 55 السائِلَ أي: زَجَرَهُ كان أَعجَبَ إليَّ، ولا يُناوِله، فإن سَأَلَ قبلَها ثُمَّ جَلَسَ لها، جَازَ، وَلَهُ الصَّدَقَةُ على من لَمْ يَسْأَلْ، والصَّدَقَةُ على بابِ المَسْجِدِ عِنْدَ دُخولِهِ، أو خُرُوجِهِ أَوْلَى.
وَيُكْرَهُ العَبَثُ حَالَ الخُطْبَةِ، وكذا الشُّرْبُ ما لم يَشْتَدَّ عَطشُه، وَمَنْ نَعَسَ سُنَّ انتِقالُهُ من مكانِهِ إن لم يتَخَطَّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 158
تَتِمَّةٌ: ويَحْرُمُ ولا يَصِحُّ البَيْعُ ولا الشِّرى مِمَّن تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِها الذي عِنْدَ المِنْبَرِ أو قبلَهُ لِمَنْ منزلُهُ بعيدٌ بحيثُ إِنَّهُ يدرِكُها إلَّا لِحَاجَةٍ كَمُضْطَرٍّ إلى طَعَامٍ أو شَراب يُبَاعُ، وكَعريَانٍ وجدَ سُتْرةً، وكفنِ مَيِّتٍ ومُوْنَةِ تجهيزِهِ إن خيفَ عليه الفَسَادُ بتأخيرٍ، ووجودِ أبيه ونحوِهِ يُباعُ مع من لو تَرَكَهُ لذهب، وَمَرْكُوبٍ لِعاجِزٍ أوْ ضريرٍ عُدِمَ قائدًا ونحوِهِ، والحُكْمُ كَذَلِكَ في كل مكتوبةٍ تضايقَ وَقْتُها.
وتَصِحُّ بَقِيَّةُ العُقُودِ وإمضاءُ بيعِ خيارٍ وإقالةٌ، وتحرُمُ مناداةٌ ومساومةٌ ونحوهما مما يُشْغِلُ كالبيع، ويُكْرَهُ شُرْبُ الماءِ حِينَئِذٍ بِثَمَنٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 159
بَابُ صَلاةِ العِيدَيْنِ
هي فَرْضُ كِفَايةٍ، فإذا تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ، قاتَلَهُمْ الإمامُ.
وكُرِهَ أن يَنْصَرِفَ من حَضَرَ وَيَتْرُكَها.
وَوَقْتُها كَصلاةِ الضُّحَى، فإن لَمْ يُعْلَمْ بالعيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوالِ، أو أخَّرُوهَا بلا عُذْرٍ صَلَّوا من الغَدِ قَضاءً، وكذا لو مَضَى أيَّامٌ.
وَتُسَنُّ بِصَحْرَاءَ قريبَةٍ عُرْفًا، وفي مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ بالمَسْجِدِ، ومكْرَهُ في غيرها فِيهِ بِلا عُذْرٍ.
وَيُسَنُّ أنْ يستَخلِفَ الإمَامُ من يُصلِّي بضَعَفَة النَّاسِ فيه، والأَوْلَى أن لا يُصَلُّوا قَبْلَهُ، وأَيَّهُمَا سَبَقَ سَقَطَ الفَرْضُ بِهِ.
وجازتِ التَّضْحِيةُ، وتَنْويهِ المَسْبُوقَةُ نَفْلًا.
وَيُسَنُّ تَقْديمُ الأَضْحَى بحيثُ يُوافِقُ من بِمنى في ذبحِهِمْ، وتأخيرُ الفِطْرِ والأَكْلُ فيهِ قبلَ الخُرُوج تَمرَاتٍ وِتْرًا، والإمْساكُ في الأَضْحَى حَتَى يُصَلِّي لِياكُل من أُضْحِيتِهِ، والأَوْلَى من كَبِدِهَا إن ضَحَّى، وإلَّا خُيِّرَ.
والغُسْلُ لها من الفَجْرِ، وتبكيرُ مَأْمُومٍ إليها بَعْدَ
الجزء: 1 - الصفحة: 160
صَلاتِهِ ماشيًا على أحسن هَيْئَةٍ من لُبْسٍ وتَطيُّبٍ ونحوِه، إلَّا المُعْتكِفَ ففي ثيابِ اعتكافِهِ.
وتَأَخُّرُ إمام إلى الصَّلاةِ، والتَّوْسعةُ على الأَهل، والصَّدَقَةُ، ورجوعُهُ في غيرِ طريقِ مُضِيِّهِ، وكذا جُمُعَةٌ.
ويشترطُ لوجوبِها شرُوطُ الجُمُعَةِ، ولِصَحَّتِها استيطانٌ، وعَدَدُ جُمُعةٍ لا إِذْنُ إمامٍ.
ويفعَلُها المُسَافِرُ والعبدُ والمرأةُ والمُنْفَرِدُ تَبعًا.
ويبدأُ بالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ فَيُصَلي ركعتين يُكَبِّرُ في الأُولى بعد الاسْتِفْتَاحِ وقَبْلَ التَّعوذِ سِتًا، وفِي الثَّانِيَة قَبل القراءة خَمسًا، يَرْفَعُ يَدَيْهِ مع كُلِّ تكبيرةٍ ويقولُ بين كل تَكْبِيرَتَيْن: "الله أكبرُ كَبيرًا، والحمدُ للَّهِ كثيرًا، وسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وأصِيلًا، وَصَلَّى الله على مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا".
وإن أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ.
ولا يَأْتِي بِذِكْرٍ عَقِبَ التكبيرةِ الأَخيرةِ بل يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْرًا الفَاتِحةَ ثُمَّ "سبح" في الأَولى، ثُمَّ "الغَاشِية" في الثَّانية، فإذا سلَّم خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، وأحكامُهُما كخُطبتي جُمُعَةٍ حَتَّى في الكلامِ، إلَّا التَّكْبِير مع الخطيب.
وَيُسَنُّ أن يستفتحَ الأُوْلى بتسعِ تكبيراتٍ، والثَّانية بسبعٍ نَسَقًا قائمًا، يَحُثُّهُمْ في خطبةِ الفِطْرِ على زكاةِ الفِطْرِ ويُبَيِّنُ لَهُمْ ما يُخْرِجُونَ، وعلى من تجِبُ، وإلى من تُدْفَعُ، ويُرَغِّبُهمْ في الأَضْحِية في الأَضْحى، وَيُبَيِّنُ لهم حُكْمَها.
الجزء: 1 - الصفحة: 161
تَنْبِيهٌ: والتَّكبيراتُ الزَّوائِدُ، والذِّكْرُ بينها، والخُطبتان سُنَّةٌ، ويُكْرَهُ التَّنَفُّلُ مُطْلقًا، وقضاءُ الفَائتةِ قبل الصَّلاةِ وبعدَهَا في موضِعِهَا قَبل مُفَارَقتِهِ.
ويُسَنُّ لِمَنْ فاتتْهُ قَضاؤُهَا في يَوْمِهَا على صِفَتِها كمن أَدْرَكَ الإمام في التَّشَهُّدِ، وإن أدركَهُ بعد التَّكبيرِ الزائدِ أو بعضِه لم يَأْتِ بِهِ، ويُكَبِّرُ مَسْبُوقٌ بمذهَبِهِ في قَضَاءٍ.
ويُسَنُّ التَّكبير المُطْلَقُ لِكُلِّ من تَصِحُّ منه الصَّلاة، وإظهارُهُ في المَسَاجِدِ، والمَنَازِلِ، والطُّرُقِ حَضَرًا وَسَفرًا، في كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ فيه ذِكْرُ الله، والجهرُ بِهِ لِذَكَرٍ في ليلتي العِيدَيْنِ والفطرُ آكدُ، وَمِنَ الخُروج إليهما، وفِي كُلِّ عَشْرِ ذي الحجة إلى فَرَاغِ الخُطْبَةِ، والمُقَيَّدُ عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ جماعةً حَتَّى الفائِتةِ في عامِهِ من صلاةِ فَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى عصرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريق، إلَّا المُحرِمَ فمِن صَلاة ظُهرِ يوم النَّحْرِ.
ويُكَبِرُ الإمامُ مُسْتَقبِلَ النَّاسِ ومن نَسِيَهُ قضَاهُ مَكَانَهُ، فمن قامَ أَو ذَهَبَ عَادَ فَجَلَسَ ما لم يُحْدِثْ أو يَخْرُجْ من المَسْجِد أو يَطُلِ الفَصْلُ.
ويُكَبِّرُ من نَسِيَهُ إمَامُهُ، ومسبوقٌ إذا قَضَى، ولا يُسَنُّ عَقِبَ صلاةِ عيدٍ.
وصِفَتُهُ شَفعًا: "الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا الله، والله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ، ولله الحَمْدُ".
ويَحْسُنُ تَكرارُهُ ثلاثًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 162
ولا بَأْسَ بِتِهنئَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بِمَا هُوَ مُسْتفيضٌ بينَهُمْ كَقَوْلهِ لغيره بعد الخُطْبَةِ: "تَقَبَّلَ الله مِنَا وَمِنْكَ" كالجواب، ولا بالتَّعريف عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بالأَمْصَارِ.
ويُسَنُّ بتأَكُّدٍ مِن الاجتهادِ في عَمَلِ الخَيْرِ أَيَّامَ عَشْرِ ذِي الحِجَّة من الذِّكْرِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وَسائِرِ أعْمَالِ البِّرِ، لأَنَّها أفضلُ الأَيامِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 163
بَابُ صَلاةِ الكُسُوفِ
هِيَ سُنَّة مُؤَكَّدَةٌ حَتَّى سَفَرًا بلا خُطْبَةٍ.
ووقْتُها من ابتدائِهِ إلى التَّجَلِّي، ولا تُقْضَى إن فَاتَتْ كاستسقاءٍ، وتحيةِ مَسْجِدٍ وسُجُودِ شُكْرٍ، ولا يعتبَرُ لَها ولاستسقاءٍ إذْنُ الإمامِ، وفِعْلُها جماعةً بِمَسْجِدٍ أفْضَلُ.
وَهِيَ ركعتَانِ يَقْرَأُ في الأُولى جَهْرًا حَتَّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ "الفاتحة" ثُمَّ "البقرة" أو قَدْرَها، ثُمَّ يَرْكَعُ طَويلًا ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ ويَحْمَدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ "الفاتحة" وسُورَةً طويلة دون الأولى، ثُمَّ يَرْكَعُ ويُطِيلُ دونَ الأَولِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طويلَتين، ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانية كالأُوْلى لكن دونَها في كُلِّ ما يفعل، ثُمَّ يتشهدُ ويُسَلِّمُ.
ولا تُعَادُ إن فرغَتْ قَبْلَ التَّجَلِّي بل يذكر ويَدعُو، وإن تَجلَّى فيها أَتَمَّهَا خفيفةً، وقبلها لَمْ يُصَلِّ.
وإن غابتِ الشَّمْسُ كاسفةً أو طَلَعَ الفَجْرُ والقمرُ خاسِفٌ لم يُصَلّ، وإن غابَ خاسِفًا ليلًا صَلَّى.
ويَعْمَلُ بالأَصْلِ في وجوبٍ وبقائِهِ وذهابِهِ ولا عِبْرَةَ بقول المُنَجمينَ، ويحرمُ تَصدِيقُهُ والعَمَلُ بِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 164
ويَدعو ويذكُرُ وَقْتَ نَهْيٍ بلا صلاةٍ، وإن أتى في كُلِّ ركعةٍ بثلاثِ ركُوعاتِ أوْ أربعٍ أو خَمْسٍ فلا بَأْسَ، وما بَعدَ الأَولِ سُنَّةٌ لا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَة، ويَصِحُّ فعلُها كنافلةٍ.
ولا يُصلَّى لآيةٍ غيرُه كظُلمة نَهارٍ أو ضياءِ لَيْلٍ، وريح شديدةٍ، وصَواعِقَ إلَّا زَلزلةً دائمةً فيُصلَّى لها كَصَلاة الكُسُوفِ.
ومتى اجتمَعَ كُسوفٌ وجنازةٌ قُدِّمَتْ الجَنَازَة، أو عيدٌ أو تراويحُ أو مكتوبةٌ - ولو جُمُعَةً لم يُشْرَعْ في خُطْبَتِها- قُدِّم الكُسُوفُ إن أُمِنَ الفَوْتُ، ويُقدَّمُ على وترٍ مُطْلَقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَدَةٌ حَتَّى سَفرًا إذا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ وَاحْتُبِسَ المَطَرُ، لا عن أرضٍ غير مسكونةٍ ولا مسلوكَةٍ أو غارَ ماءُ عُيونٍ أو أنهارٍ.
وَوَقْتُها وصِفتُها في مَوْضِعِها وَأَحْكامها كَصلاة عِيدٍ لكن لا تتقَيَّدُ بزوالِ الشَّمْسِ.
وإذا أرادَ إمامٌ الخُروجَ إليها، وَعظَ النَّاس، وأَمَرَهُمْ بالتَّوْبَة والخُروجِ من المظَالِمِ، وَتَرْكِ التَّشاحُنِ، وَأَمَرَهم بِالصَّدَقَةِ والصَّومِ، ولا يَلْزَمان بأمرِهِ، ويعِدُهُمْ يَومًا يخرجون فيه، ويتنظفُ لها ولا يَتطيَّبُ.
ويَخْرُجُ مُتَواضعًا مُتَخَشِعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا ومعَهُ أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ والشُّيوخِ.
ويُسَنُّ خُرُوجُ صَبيٍّ مُمَيّزٍ، ويُبَاحُ خروجُ طِفْلٍ وعجوز وبهيمة، والتَّوَسُّلُ بالصَّالِحِين 56، ولا تُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَةِ وتنفردُ عَنَّا لا بيومٍ 57، ويُكْرَهُ إخراجُنا لَهم، فيُصَلِّي ثُمَّ يَخْطُبُ واحدةً يفتتحُها بالتكبير كخُطْبةِ
الجزء: 1 - الصفحة: 166
العِيدِ، ويُكْثِرُ فيها الاستغفارَ، وقراءَة الآياتِ التي فيها الأَمْرُ بِهِ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ وظُهورُهُما نحو السَّماء فيدعُو بِدُعاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا، عَامًّا طَبَقًا، دَائِمًا" 58، "اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ ولا تَجْعَلْنَا من القَانِطِينَ" 59، "اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لا سُقْيَا عَذابٍ، ولا بَلاءٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَقٍ" 60. "اللَّهُمَّ إن بالعِبَادِ والبِلادِ من الَّلأْواءِ، والجَهْدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوهُ إلَّا إلَيْكَ.
اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، واسْقِنَا من بَرَكَاتِ السَمَّاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا من بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَع عَنَّا الجَهْدَ، والجُوعَ، وَالعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا من البَلاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غيْرُكَ.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا" 61.
الجزء: 1 - الصفحة: 167
وَيُكْثِرُ من الدُّعَاءِ، وَمِنَ الصَّلاة عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْنَاءِ الخُطْبَةِ فَيَقُولُ سِرًّا:
اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتنا بِدُعائِكَ، ووعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتنا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنا.
ثُمَّ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فيجعلُ مَا عَلَى الأَيْمَنِ عَلَى الأَيْسَرِ، وما على الأَيْسَرِ على الأَيْمَنِ، ويفعلُ النَّاس كَذَلِكَ ويتركُونَهُ حَتَّى ينزعُوهُ مع ثِيَابِهِمْ، فَإنْ سُقُوا، وإلَّا عَادوا ثَانيًا وثَالثًا، وإن سُقُوا قبلَ خُرُوجهم، فإن تَأَهَبُّوا خَرجوا وصلَّوها شُكْرًا للَّهِ تعالى، وإلَّا لم يَخْرُجُوا، وشكروا الله تعالى، وسأَلُوهُ المزيد من فَضْلِهِ.
وَيُسَنُّ الوقُوفُ في أَوَّلِ المَطَرِ والوضُوء والغُسْلُ منه، وإخراجُ رَحلهِ وثيابِهِ ليُصيبَها، ويقول: "اللَّهُمَّ صيِّبًا نافِعًا" 62، وإن كَثُرَ حَتَّى خِيفَ مِنْهُ يُسَنُّ قَوْلُ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولا علَيْنا، اللَّهُمَّ على الظِّرابِ والآكَامِ وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، ومَنَابِت الشَّجَرِ" 63.
وَيُسَنُّ الدُّعاءُ عِنْدَ نزولِ الغَيْث وقول: "مُطِرنَا بِفَضلِ الله = ثمَّ أشار ابن الملقن إلى أن البيهقي ذكره في "معرفة السنن والاثار" (3/ 100) ولم يسق له إسنادًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 168
وَرَحْمَتِهِ" 64. وَيَحْرُمُ: بِنَوْءِ كذا، وإِضَافةُ المَطَرِ إلى النَّوْءِ اعْتِقادًا كُفْرٌ إجماعًا! ولا يُكْرَهُ في نَوْءِ كذا.
تَتِمَّةٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى سَحَابًا أو هَبَّتِ الرِّيح أن يَسْأَلَ الله خيرَهُ وَيَتَعَّوذَ من شَرِهِ، ولا يَسُبُّ الرِّيحَ إذا عصفت بل يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ من شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وَشَرِّ ما أُرْسِلَت بِهِ" 65، "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً، ولا تَجْعَلْها عَذابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا" 66.
وَيَقُولُ إذا سَمعَ صَوْتَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بعَذابِكَ وعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك" 67، "سُبْحَانَ من يُسَبِّحُ
الجزء: 1 - الصفحة: 169
الرَّعْدُ بِحَمْد والملائِكَةُ من خِيفَتِهِ" 68. ويقولُ إذا انْقَضَّ الكَوْكَبُ: "ما شاءَ الله لا قوة إلَّا بالله" 69، وإذا سَمعَ نَهِيقَ حِمَارٍ، أو نِبَاحَ كَلْبٍ اسْتَعاذَ بِالله من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وإذا سَمعَ صيَاحَ الدِّيَكَةِ سَأَلَ الله من فَضْلِهِ 70. وَأما قَوْسُ قُزَح فهو أمانٌ لأَهْلِ الأَرْضِ من الغَرَقِ، وزعمُ بعضِ النَّاس أنَّهُ إن غَلَبَتْ حُمْرَتُه كانتَ الفِتَنُ والدِّماءُ، وإن غَلَبت خُضْرتُهُ كان رخاءٌ وسرورٌ هذيانٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 170