مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزياداتكِتَابُ الآدَابِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ فِيمَا جَاءَ في فَضْلِ الاشْتِغَالِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا

أعلم أنَّه قَدْ تَظاهَرت الآياتُ والأَخبارُ والآثَارُ، وتَطَابقَتِ الدَّلائِلُ الصَّريحَةُ وتَوافَقَتْ على فضيلةِ الاشْتِغَالِ بالعِلْمِ، والحَثِّ على تحصيلِهِ والاجتهادِ في اقتباسِهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)﴾ [طه: 114]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، إلى غيرِ ذَلِكَ من الآياتِ الكثيراتِ.
وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدينِ"، متفق عليه 1.

الجزء: 1 - الصفحة: 315

وقال عليه السَّلامُ لِعَليٍّ: "فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ"، متفق عليه 2. وقال عليه السَّلامُ لمعاذ لمّا بَعَثَهُ إلى اليمن: "لأَنَّ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلًا واحدًا خَيْرٌ لَكَ من الدُّنيا وما فيها"، رواه أحمد 3. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ دَعَا إلى هُدى، كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ من آثامِهِمْ شَيْئًا"، رواه مسلم 4. وقال عليه السَّلامُ: "لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فهو يَقْضِي بها"، متفق عليه 5. وقال عليه السَّلامُ: "إذا مَاتَ ابنُ آدمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا من ثَلاث: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رواه مسلم 6.

الجزء: 1 - الصفحة: 316

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ فَهُوَ في سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ" 7. وقال عليه السَّلامُ: "فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدناكم"، ثُمَّ قال: "إنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوْتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمي النَّاسِ الخَيْرَ"، رواهُما التِّرمِذي 8. وقال عليه السَّلامُ: "فَقيهٌ واحِدٌ أَشَدُّ على الشَّيطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ"، رواه ابن ماجه والترمذي 9.

الجزء: 1 - الصفحة: 317

وقال عليه السَّلامُ: "لِكُلِّ شيءٍ عِمَادٌ، وعِمَادُ هذا الدينِ الفِقْه، وما عُبدَ الله بشيءٍ أفضلَ من فقهٍ في الدِّين"، رواه الدارقطني 10. وقال عليه السَّلامُ: "أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُون ما فِيهَا إلَّا ذِكْرَ اللهِ، وما والاهُ، وعَالِمًا أَوْ مُتَعَلمًا"، رواه الترمذي 11. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغي فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلى الجَنَّةِ، وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ العِلْمِ رِضَىً بِمَا يَصْنَعُ، وإِنَّ العَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ من في السَّمَواتِ وَمَنْ في الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضلُ العَالِمِ على العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ على سَائِرِ الكَواكِبِ، وإن العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وإِنَّ الأَنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ"، رواه التِّرمذي وصححه ابن حِبَّان 12.

الجزء: 1 - الصفحة: 318

وقال عليه السَّلامُ: "مَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ ستين سنة" 13. وقال عليه السَّلامُ: "يَسيرُ الفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ العِبادَةِ" 14. وقال عليه السَّلامُ: "فَقِيهٌ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ من ألفِ عَابِدٍ" 15. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ العِبَادة الفِقْه" 16، رواها الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه".
وقال عليه السَّلامُ: "ما تَصَدَّقَ النَّاسُ بِصَدَقةٍ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمٍ يُنْشَرُ"، رواه الطبراني 17. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ المَرْءُ المُسْلِمُ عِلْمًا

الجزء: 1 - الصفحة: 319

ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهْ المُسْلِمَ"، رواه ابن ماجه وصححه 18. وقال عليه السَّلامُ: "ذَنْب العَالِمِ ذَنْبٌ واحدٌ، وَذَنْبُ الجَاهِلِ ذَنْبَانِ"، رواه الديلمي في "الفردوس" 19. وقال عليه السَّلامُ: "اُغْدُ عَالِمًا أو مُتَعَلِّمًا أو مُسْتَمِعًا أو مُحِبًّا، ولا تَكُن الخَامِسَة تَهْلِك"، رواه البزار والطبراني 20. وقال عليه السَّلام: "مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ العَامِلِ" رواه ابن ماجه 21. وقال عليه السَّلام: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ تَكَفَّلَ الله بِرِزْقِهِ" رواه الخطيب 22.

الجزء: 1 - الصفحة: 320

وقال عليه السَّلام: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ فهو في سبيل الله حَتَّى يَرْجِعَ" 23 رواه أبو نُعَيْم.
تَنْبِيهُ: وليحذَرِ العَالِمُ غَايةَ الحَذَرِ من الوقوع في الذُّنُوبِ صَغَائِرِها وكَبائِرِها، فلا يُرَخِّصُ لِنَفْسِهِ في أَدْنَى شيء منها بل يَشُدُّ زِمَامَها ما أمكَنَهُ وإلَّا تُهْلِكُهُ وهو لا يَشْعُرُ، فإنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ مِنْ ذَنْبِ الجَاهِلِ بكثيرٍ؛ لأَنَّه يفعلُهُ على بصيرةٍ وعِلْمٍ، ولأَنَّهُ يُقتَدى به.
فكثيرًا ما تكونُ معصيتُهُ وسيلةً إلى معصيةِ غَيْرِهِ فيكونُ عليه وزرانِ: وِزْرُ معصيتِهِ، ومثلُ وِزْرِ من اقتدَى به.
فَيَجِبُ على العَالِمِ إذا حَدَّثَتْهُ نفسُهُ بالذَّنْبِ أن يخافَ هذه العاقِبَةَ، ويجتهدَ على مَنْعِها منه؛ لأَنَّه لو لم يكن فيه إلَّا هذا المَحْذُورُ العَظِيمُ لكانَ الواجِبُ عليه كَفَّها عنه بأي وجهٍ أمكنَ، وألا يكونَ عاصيًا ومُتَسَبِّبًا لمعصيةِ المَلِكِ الجَليلِ.
قال الإمامُ أحمد: العَالِمُ يُقْتَدى بِهِ، لَيْسَ العَالِمُ مِثلَ الجَاهِلِ.
ومعناه لابن المبارك وغيره.
وقال الفضيل بن عياض: يُغْفَرُ لسبعينَ جاهِلًا قَبْلَ أن يُغْفَرَ لِعالِمٍ واحدٍ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أَشَدُّ النَّاسِ عَذابًا يوم القيامة عَالِمٌ لم يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ، فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ اليَهُودِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 321

وفي الجُمْلَةِ العِلْمُ أَفْضَلُ الأَعْمالِ، وَأَقْرَبُ العلماءِ إلى اللهِ أولاهُم بِه، وأكثرهُم لَهُ خَشيةً، وأعظمهم مُوافَقَةً، وأحسنُهم سِيرَةً، وَأَشَدُّهُم اتباعًا لهدي النَّبِيِّ عليه السَّلام وطريقةِ صَحْبِهِ وسَلَفِ أُمتهِ الكِرام.
وقال عليه السَّلامُ: "كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعاةً، ولا تكُونوا له رواة" 24. وقال علي رضي الله عنه: قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلانِ: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ، وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ، فالجَاهِلُ يَغُرُّ النَّاسَ بِتَنَسُّكِهِ، والعَالِمُ يُنَفِّرُهُم بتهتُّكِهِ.
إذا عَرَفْتَ هذا فاعلم أيضًا أَن الآثار الواردةَ عن السَّلَفِ الصَّالح في فَضْل العِلْمِ وأهله كثير جدًّا، منها ما قاله على كَرَّم اللهُ وجهه: كَفَى بالعِلْمِ شَرَفًا أن يَدَّعِيَه من لا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحَ إِذا نُسِبَ إليه، وَكَفى بالجَهْلِ ذَمًّا أنَّه يتبرأُ مِنْه من هو فيه.
وقال معاذ رضي الله عنه: تَعلَّموا العِلْمَ، فإن تَعلُّمَهُ لَكَ حَسَنَةٌ، وطلبَهُ عِبادَةٌ، ومذاكرتَهُ تَسْبيحٌ، والبحثَ عنه جِهادٌ، وتعليمَهُ من لا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وبذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 322

وقال أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: مَثَلُ العُلماءِ كالنُّجُوم في السماءِ، إذا بَدَتْ للنَّاسِ اهْتَدَوْا، وإذا خَفِيَتْ عنهم تَحَيَّروا.
وقال وهب بن منبه رضي الله عنه: يَتَشَعَّبُ مِن العِلْمِ الشَّرَفُ وإن كانَ صاحبه دنيئًا، والعِزُّ وإن كان مهينًا، والقُرْبُ وإن كان قصيًّا، والغِنَى وإن كان فقيرًا، والنُّبْلُ وإن كان حَقيرًا، والمهابَةُ وإن كان وضيعًا.
وقال الشَّافعيُّ رضي الله عنه: طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ من صَلاةِ النَّافِلَة.
وقال: لَيْسَ بعد الفَرائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْم.
وقال: من أرادَ الدُّنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخِرَةَ فعليه بالعِلْمِ.
وقال: من لا يُحِبُّ العِلْمَ لا خَيْر فيه، ولا يكونُ بيْنَكَ وبينَهُ معرِفَةٌ ولا صداقةٌ.
وقال: العِلْمُ مُرُوءةٌ، مَنْ لا عِلْمَ لَهُ لا مُروءَةَ له.
وقالَ: إن لم يكن الفُقَهَاءُ، وفي روايةٍ: العامِلونَ أولياءَ فَلَيْسَ للهِ وليٌّ.
وقال: ما أَحَدٌ أورعَ لِخَالِقِهِ من الفُقهاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 323

وقال: من تَعَلَّمَ القُرآنَ عَظُمَتْ قيمتُهُ، ومن نَظَرَ في الفِقْهِ نَبُلَ قَدْرُهُ، ومن نَظَرَ في اللُّغَةِ رَقَّ طَبْعُهُ، ومن نَظَرَ في الحِسابِ جَزُلَ رأيُهُ، ومن كَتَبَ الحديثَ قَويت حُجَّتُهُ، ومن لم يَصُنْ نفسَهُ لم ينفَعْهُ علمُهُ.
وقال أبو الدرداء: ما نحنُ لولا كَلِماتُ الفُقَهاءِ.
وقال علي رضي الله عنه: العَالِمُ أَعْظَمُ أَجْرًا من الصَّائِمِ القَائِمِ الغَازِي في سَبيلِ اللهِ.
وقال أبو ذَرٍّ وأبو هريرة رضوان الله عنهما: بابٌ مِنَ العِلْمِ نتعلمُهُ أَحَبُّ إلينا من ألفِ رَكْعَةٍ، وبابٌ مِنَ العِلْمِ نُعَلِّمُهُ عُمِلَ بِهِ أولم يُعْمَلْ أَحَبُّ إلينا من مائةِ رَكْعَةٍ تطوعًا.
وقالا: سمعنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ وهو على هذه الحَالَةِ ماتَ شَهيدًا" 25. وقال أبو هريرة أيضًا: لأَنَّ أعْلَم بَابًا مِنَ العِلْمِ في أَمْرٍ وَنَهْيٍ أَحَبُّ إليَّ من سبعين غزوةً في سبيل اللهِ.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: مذاكرةُ العِلْمِ ساعةً خير من قيام ليلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 324

وقال الحسن البصري: لأَنَّ أَتَعلَّم بابًا مِنَ العِلْمِ فَأُعَلِّمَه أحبُّ إِليَّ من أن تكونَ ليَ الدُّنيا كُلُّها في سبيل اللهِ.
وقال: يحيى بن أبي كثير: دِراسَةُ العِلْمِ صلاةٌ.
وقال سفيان الثَّوْرِيُّ: ليسَ شيءٌ بَعْدَ الفرائضِ أَفْضَلَ من طَلَبِ العِلْمِ.
وقيل لأَحمدَ بنِ حنبل: أيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِليكَ: أجْلِسُ باللَّيلِ أنسخُ أو أُصلي تطوعًا؟ قال: نَسْخُكَ تَعْلَمُ به أمرَ دينكَ فهو أَحَبُّ إليَّ.
وقال مكحول: ما عُبِدَ اللهُ بأفضلَ من الفقِهِ.
وقال الزُّهريُّ: ما عِنْدَ اللهِ مِثْلُ الفِقْهِ.
وقال سعيدُ بن المُسَيَّب: ليست عبادةُ الله بالصَّوْمِ ولا بالصَّلاةِ، ولكن بالفِقه في دينه، يعني أعظمَهَا وأفضلَها.
وقال ابن أبي فروة 26: أَقْرَبُ النَّاسِ من دَرَجَةِ النُّبُوةِ أَهْلُ العِلْمِ، وَأَهْلُ الجِهَادِ، فالعلماءُ دَلوا النِّاس على ما جاءت به الرُّسُلُ، وأهلُ الجِهادِ جاهدوا على ما جاءت به الرُّسُلُ.
وقال سفيان بن عُيينةَ: أَرْفَعُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ منزلةً من كانَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وهم الرُّسُلُ والعُلَماءُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 325

وقال سَهْلُ بن عبد الله التُّسْتَريُّ: من أرادَ النَّظَرَ إلى مَجَالِسِ الأَنبياءِ فلْيَنْظُر إلى مجالِسِ العُلَماءِ، فاعْرِفُوا لَهُمْ ذَلِكَ.
فَهَذهِ نُبْذَةٌ يَسِيرةٌ مِمَّا جاءَ في فضيلَةِ الاشتغالِ بالعِلْمِ، ولو اسْتقْصِيَ ذَلِكَ لَبَلَغَ عِدَّةَ مُجَلَّداتٍ؛ لكن في هذا القَدْرِ كِفَايَةٌ لمن وَفَّقَهُ اللهُ لِرضَاهُ، وكفاهُ شَرَّ خَلْقِهِ ونفسِهِ وهواهُ، ومِنَ الشَّيطَانِ وأَعْوانِهِ وأَوليائِهِ حَماهُ، فَنَسْأَلُ اللهَ تعالى بِمَنِّهِ أن يُوَفِّقَنا لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، ويَعْصِمَنَا من الغرورِ والزَّيْغِ والزَّلَلِ، ويُجيرَنا من مُوجِباتِ النَّدَمِ، ويغفرَ لَنَا ما زَلّتْ بِهِ القَدَم، وأن يَهْديَنا سواءَ السَّبيلِ، ويُلْهِمَنا اتباعَ النَّبِيِّ الجليل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يَمُنَّ علينا بِحُسْنِ الخِتَامِ وسترِهِ الجَمِيل، إنَّه سبحانه وتعالى حَسْبُنا وَنِعْمَ الوكيل، ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العلي العظيم.

فَصْلٌ في ذِكْرِ شَيءٍ مِن آدابِ طَالِبِ العِلْمِ

أعلم أَنَّهُ أَوَّلُ ما يَجِبُ على الطَّالِبِ إخلاصُ النِّيَّةِ، فإنَّهُ إن لم يُقدم النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الخالِصَةَ لم يكن عليه نُورٌ، ولا على عِلْمِهِ نُورٌ، بل ولا ينفعُهُ عِلْمُهُ ولا يَنْتَفعُ بِهِ غيرُهُ، فيجبُ عليه أن يَنْوِيَ بِطَلبِهِ العِلْمَ التَّقَرُّبَ إلى مولاهُ بمعرِفَةِ الحلالِ لِيَتْبَعَهُ وَمَعْرِفَةِ الحرام ليجتَنِبَه، ولتكونَ عبادتُهُ للهِ تعالى على بصيرةٍ فتكونَ نافعةً صحيحةً؛ فإنّ

الجزء: 1 - الصفحة: 326

عابدَ الله تعالى على جَهْلٍ إفسادُهُ في الدِّينِ أكثرُ من إصْلاحِهِ، وإن أَكْثَرَ العِبَادَةَ واستوْعَبَ أنواعَها بزيادة.
وَيَقْصِدُ أيضًا تَعليمَ الجَاهِل وإرشادَهُ ودلالتهُ على مولاهُ وما يُقَرِّبُهُ منه، ولا تقْصِدُ بِطَلَبِهِ العِلْمَ اقتناصَ عَرَضِ الدُّنيا والرِّفْعَةَ والتَّعاظُمَ على أقرانِهِ والتَّكَبُرَ على غيره، وَصَرْفَ وجُوهِ النَّاسِ إليه؛ فإن قَاصِدَ ذَلِكَ لا خَيْرَ فيه ولا بركة، بل يكون سعيُه كهباءٍ مَنْثُورٍ، بل لو بقي على جَهْلِهِ لكانَ أحسنَ في حَقِّهِ وأكرمَ، وأصونَ لِعِرْضِهِ وأحكم، وأبعدَ عن عذاب اللهِ وأَسْلَمَ.
قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا من الدُّنْيا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ".
رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة 27. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ طَلبَ العِلْمَ لِيُجارِيَ بِهِ العُلماء، أو ليُمَارِيَ بِهِ السُّفَهاء، أو يَصْرِفَ به وجوهَ النَّاسِ إِليه، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّار".
رواه التِّرْمذي عن كعب بن مالك 28.

الجزء: 1 - الصفحة: 327

وعن حماد بن سلمة: مَنْ طَلَب الحديثَ لِغَيْرِ اللهِ مُكِرَ بِهِ.
فينبغي للعَاقلِ إذا عَزَمَ على طَلَبِ العِلْمِ أن يَسأَلَ اللهَ بِعَزْمٍ وَصِدْقٍ وإخلاصِ نِيَّةٍ أن يُوَفِّقَهُ للعَمَلِ به ويعينه عليه، وأن يُخَلِّصَهُ من الدَّعاوى والكِبْرِ والتَّرَافُع وتزكِيَةِ النَّفْسِ، وأن يُيَسِّرَ لَهُ شَيْخًا صَالِحًا، عَارِفًا نَاصِحًا مُخْلِصًا، عَدْلًا نَاسِكًا، يُبادرُ على بركة الله تعالى بلا تَوَقُّفٍ ولا تَأْخِيرٍ مُسْتعينًا بالله.
قال عليه السَّلامُ: "احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ باللهِ، ولا تَعْجَزْ" 29. وَليُجِدَّ الطَّالِبُ في طَلَبِهِ غايةَ ما يمكِنُهُ، قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ.
وقال الشَّافعيُّ رضي الله عنه: لا يَطْلُبُ هذا العِلْمَ من يطلبه بالتملُّلِ وغِنَى النَّفْسِ فَيُفْلحَ، ولكن مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وضيق العَيْشِ، وخِدْمَةِ العِلْمِ، أفلَحَ.
ولْيُجِلَّ الطَّالِبُ الشَّيْخَ وَيعظِّمْهُ ويتواضَعْ مَعَهُ غايةَ ما يُمْكِنُهُ، فيكونَ بين يديه كأَنَّهُ لا وجودَ لَهُ، قال مُغِيرَةُ: كُنَّا نَهابُ إبْراهيم كما نهاب الأَمير 30. وقال الشَّافِعي: كُنا نَجْلِسُ بين يدي مَالك وكَأَنَّ الطَّيْرَ على رؤوسِنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 328

ولا يَتَعاظَمْ على أحدٍ من خَلْقِ اللهِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ؛ لأَنَّ معظمَ نَفْعِ العلم له، وحينئِذٍ إن لم يكن عامِلًا به فالجاهِلُ خَيْرٌ منه، فكيف يَصِحُّ لَه أن يترافَعَ على من هو خيرٌ منه، بل ذلك حُمْقٌ عَظِيمٌ لِصَاحِبِهِ.
وقد يكونُ علمُه ضررًا عليه وعلى غيره إن لم يَعْمَلْ به، فالجاهِلُ خَيْرٌ مِنْهُ؛ لأَنَّ الجاهِلَ قد يُعْذَرُ في الجُمْلَةِ بخلافِهِ هو إِذْ لا عُذْرَ لَهُ أَصْلًا.
ولا يَرْتَفِعْ على أَحَدٍ من جُلسائِهِ في مَحَلِّ الدَّرْسِ ولو كان دونَهُ، لأَنَّهم سواءٌ في الأَخْذِ عن الشَّيْخِ، بل يجلِسُ أينما انتهى به المجلسُ.
ولا يَجْلِسْ بين يديه مُتَرَبِّعًا، ولا مُحْتَبيًا، ولا مُسْتَندًا، ولا مُتكئًا، ولا مُنْحَنِيًا، ولا ناصِبًا ظهرَهُ بِلا عُذْرٍ، بل جاثيًا على ركبتَيْهِ مُعْتَدِلَ الجلوسِ بسكينةٍ ووقارٍ، فيقعُدُ قِعْدَةَ المتعلمينَ لا قِعْدَةَ المُعَلِّمين، فإنه بقدرِ إجلالِهِ للشَّيْخِ والتَأَدُّبِ بين يديه ومعَهُ يكونُ انتفاعُهُ بعلمِهِ، فيعتَقِدُ أهليتَه ورجحانَهُ في قَوْلهِ وَنَظَرِهِ وفهمِهِ.
ولا يَضْحَكْ، ولا يُكْثِر الكلامَ، ولا يرْفَعْ صَوْتَهُ، وإذا دَخَلَ عليه فليكن مُتَأَدِبًا مُتَطَهِّرًا مُتَطَيِّبًا، ويعتقدُ في نفسِهِ وهو بين يديه كَمَالَ الجَهْلِ، وأن خَطَأَ الشَّيْخِ أصَحُّ من صَوَابِ نَفْسِهِ.
قال بَعْضُهم: مَنْ لَمْ يَرَ خَطَأَ الشَّيْخِ خَيْرًا من صَوابِ نَفْسِهِ لم

الجزء: 1 - الصفحة: 329

ينتفعْ به.
وكان بَعْضُهُم إذا ذَهَبَ إلى شَيْخِهِ يَتَصَدَّقُ بشيءٍ، ويقول: اللَّهُمَّ استر عَيْبَ مُعَلِّمِي عني ولا تُذْهِبْ بركَةَ عِلْمِهِ مني.
ولا يُظْهِرْ بين يديهِ أَّنَّهُ عَارِفٌ أو حَافِظٌ أو نَبيلٌ أو نحو ذَلِكَ.
فلو أَلقى إِليه شيئًا يَعْلَمُهُ يُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ خالي الذِّهْنِ منه، وَأنَّهُ ما سَمِعَهُ قط من غَيْرِهِ، وإن أَخْطَأَ في شيء أو سَبَقَ لِسانُهُ أعادَ السُّؤالَ بِلُطفٍ وَحُسْنِ عبارةٍ وأدبٍ لعله يتذكر، فلا يقولُ له هذا خطأ، أو ما قالَ به أحد، أو غيركَ قال خلاف هذا، أو لا أُسلِّمُ لَكَ، وشبهها، فلا ينبغي للطَّالِبِ أن يُواجِهَ الشَّيْخَ بشيءٍ من ذَلِكَ، فإنَّهُ أمر مذمومٌ وصاحبه مخطئٌ ملُومٌ.
وقد يُقال إِنه مأْزُورٌ ومَأْثُومٌ؛ لأَنَّ إساءةَ الأَدب تَمْنَعُ صاحِبَها بُلوغَ الأَرَبِ، وتُبَعِّدُهُ من كُلِّ خَيْرٍ، وتجْلُبُ له كُلَّ غمٍّ وهمٍّ وضير، وتسدُّ عنه أبوابَ الفوائد، وتَحْرِمُهُ جَمِيلَ العَوائِدِ، وَتُسَلِّطُ عليه لسانَ كُلِّ أَحَدٍ من عارفٍ وجَاهِلٍ ومُعانِدٍ.
إذْ نفوسُ السَّادَةِ العُلَمَاءِ كَرام؛ لأَنَّهُم لم يعتادوا خُشونَةَ الكلامِ، ولا المخاطبةَ بعباراتِ اللئامِ، ولا المشافهةَ بما تشَافَهُ به العوامِ؛ لأَنَّ الله تعالى ميّزَهَمُ بما فهمه عبادُهُ الموفَّقُونَ بقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وبقوله جل من قائل قولًا يعتقده الحكماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

الجزء: 1 - الصفحة: 330

أَمَرَ سبحانه بِسُؤَالِهم والرُّجوعِ إلى بيانِهِم في كتابه المكنون بقوله عز قائلًا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾ [النحل: 43].
والحاصِلُ أَن الآياتِ والأَحاديثَ والآثَارَ الواردَةَ في تعظيمِ العُلمَاءِ والتَّأَدُّبِ مَعَهُم، واحترامِهِم، ومحبتِهِم، واعتقادِهِم، والرُّجوعِ إِليهِمْ، وسُؤالِهِم، أَشْهَرُ من أن تُشْهَرَ وأجل من أن تُحْصَرَ، لكن في هذا القَدْرِ كفايةٌ للعاقِلِ النَّبِيل القَابِلِ للكمَالِ والتَحْصيل، وأما ذو الغَبَاوَةِ وَنَقْصِ العَقْلِ والأَدَبِ فلا يفيدُهُ التَّطْوِيل، ولو تُلِيت عليه التَّوراةُ والإِنْجِيل.
وينبغي للشَّيخِ أن يُقْبِلَ بكُلِّيَّتِهِ على الطَّالِبِ عند قراءَتِهِ عليه، ويُصغي إليه، من غيْرِ لَهْوٍ بحديثٍ أو غيره مِمَّا هو أجنبيٌّ عن ذلِك بلا ضَرُورةٍ.
وَلَيَحْذَرِ الطَّالِبُ من قَطْعِهِ إملاءَ الشَّيْخِ وتقريرَهُ بِسُؤالٍ أو غيرِهِ، فإذا عَرَضَ لَهُ سُؤالٌ صَبَرَ إلى فراغِهِ مِمّا هو فيه، فإن لم يَمُرَّ سُؤالُه في تقريرِهِ سَأَلهُ عنه إذا سَكَتَ.
ولْيحذَرِ الطَّالِبُ غايَةَ الحَذَرِ من إظهارِ أَنَّهُ أَهْلُ فَضْلٍ وصَاحِبُ عِلْمٍ وَفَهْمٍ، وهو ليسَ كَذَلِكَ؛ لأَن النَّاس تغترُّ به حينئِذٍ فيتوهمونَ أنّهُ أهْلُ عِلْمٍ فيسألونَهُ فيُفتِي بِغَيْرِ عِلْمٍ، فيَضِلُّ ويُضِلُّ غيرَهُ لتحليلهِ وتحريمِهِ بهواهُ، فيكونُ ممن يفتري الكَذِبَ على اللَّهِ ورسولهِ، فَيَدْخُلُ تحت قوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 331

لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)} [النحل: 116 - 117]، ويكونُ حينئِذٍ مِمَّن قَالَ فيهم عليه السَّلامُ: "المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبي زُورٍ"، متفق عليه 31. والمُتَشَبِّعُ هو الذي يُظْهِرُ الشِّبَعَ وليس بشَبْعانَ، ومعنَاهُ هنا أن يُظْهِرَ أَنَّهُ حَصَلَ له فضيلة في العِلْمِ أو غيره، والواقِعُ أنها ما حصلت، فيكونُ مُزَوِّرًا ومُلَبِّسًا حالَهُ على النَّاس بأن يتزيَّا بزِيِّ أَهْلِ العِلْمِ أو الزُّهْدِ أو الثّرْوةِ ليغتَرَّ بِه النَّاسُ، وليس هو بِتِلْكَ الصِّفةِ، وسببُ هذا فَقْدُ العُلماءِ أو قلّتُهُمْ.
وكما قَالَ عليه السَّلامُ: "إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَساء جُهَالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" 32. إذا عَلِمتَ ذلِكَ فاعلَمْ أَنّه لا ينبغي لأَحدٍ أن يتزيَّا بِزي يُظَنُّ فيه بسَببِهِ أَنَّه عَالِم أو فقيهٌ أو نحو ذَلِكَ حَتَّى يكون فيه أَهليَّة لِذَلِكَ، بأن يكونَ قَادِرًا على إلقاءِ العِلْمِ لأَهْلِهِ، وعلى فَهْمِ السُّؤالِ ومرادِ السَّائِل، وعلى رَدِّ الجَوابِ المُطَابِقِ لَهُ المُوافِقِ للحقِّ، وألا يكون من المُزَوِّرينَ على النَّاس والكذّابينَ على الله ورسوله.

الجزء: 1 - الصفحة: 332

فلا يَغْتَرَّ بِمَحْمَدَةِ النَّاس لَهُ ووصفِهِ بالفَضْلِ والعِلْمِ والكمالِ، لأَن هذا شأْنُ سُخَفاءِ العُقُولِ الخَالينَ من المنقولِ والمَعْقول؛ لأَن ذلك لا يُكْسِبُهُ الفضلَ والعلمَ والكمالَ، وإِنَّما يُكْسِبُهُ إياه الجِدُّ والاجتهادُ، وتَلَقّيهِ من فُحُولِ الرِّجالِ، فهو أعرفُ بنفسِهِ وبحالِهِ من كُلِّ أَحَدٍ غيرِه، إِذْ ما من ضريرٍ إلَّا وهو أعرفُ بحالِهِ بنفسِهِ من ألفِ بصيرٍ.
واعلم أنه لا ينبغي لأَحَدٍ أن يمدحَ أحدًا ويَصِفُهُ بالعِلْمِ والكَمالِ ونحو ذَلِك من حميد الخِصَالِ، حَتَّى يكونَ مُتَّصفًا بما يصِفَهُ بِهِ في حقيقةِ الحَالِ، وإلَّا يكونُ شاهدَ زورٍ كذّابًا ضارًّا لنفسِهِ غاشًّا لِمَن يمدحُهُ.
وإن كان الممدوحُ نَاقِصَ العَقْلِ قَليلَ الدّين والفَهْمِ اغترَّ بِذَلِكَ وَصَدَّقَهُ، فيتركُ التَّعَلُّمَ واكتسابَ الكَمالِ اغْترارًا بالمَدْحَةِ التي لم تُصَادِفْ مَحَلًّا، ولم تُوافِقْ شَرْعًا ولا عُرْفًا ولا عَقْلًا، فيكونُ ذلك سبَبًا لِقَطْعِهِ عن الخَيْرِ والصَّلاحِ، ووسيلةً لغرورِهِ وحِرْمانِهِ ما بِهِ الفوزُ والفلاحُ، وذريعةً لتركِهِ الطَّلَبَ الذي له بِهِ في الدَّارين النَّجَاةُ والنَّجاحُ.
وقد قالَ كثيرٌ من العلماءِ العَاملين: احذر المدحَ كما تحذَر الذَّمَّ.
ولا شَكَّ أَنَّه كلام موفَّقِينَ، إِذْ رُبَّ مَدْحَةٍ واحدةٍ قد تكون أَضَرَّ من ألفِ ذَمَّةٍ لما يترتبُ عليها من القطع عن التَّحْصيلِ، وعن الاشتغالِ

الجزء: 1 - الصفحة: 333

بالعِلْمِ واكتسابِ ما به التَّكميلُ، وإعطاءِ النَّفْسِ حظَّها لِفَرْطِ الجَهالاتِ، فيبقى الفَاسِقُ بِذَلِكَ مُصرًّا على السيّئاتِ، وهذه مصيبةٌ بل أعظمُ المصيباتِ، وقد كَثُرَتْ وعَمَّتْ في هذا الزمانِ الذي غالِبُ أهلِهِ حُثالات، وما حظُّ عاقليهِ وصالِحيهِ إلَّا كثيرَ الحسراتِ، فَنَتَوَسَّلُ إلى اللَّهِ بِبَرَكَةِ نبينا محمدٍ سيِّدِ السَّادَاتِ أن يعصمنا من ذلك 33، ومن سَائِرِ الهَلَكَاتِ.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مُدحَ الفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ، واهتَزَّ لِذَلِكَ العَرْشُ" 34. وليجتَهِد الطَّالِبُ غَايَةَ الاجتهادِ في العَمَلِ بمَا سَمعَ من الحديث في فَضائِلِ الأَعمالِ، فإن هذا آكدُ شيءٍ في حَقِّهِ وأنفَعُ ما يكونُ له وأعون شيء له على تحصيل العلم.
فقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. وقال علي رضي الله عنه: إِن رجلًا قال: يا رَسُول اللهِ، ما يَنْفِي عنِي حُجَّةَ الجَهْلِ؟ ، قال: "العِلْمُ"، قال: فما يَنْفِي عَني حُجَّةَ

الجزء: 1 - الصفحة: 334

العِلْمِ؟ قال: "العَمَلُ" 35. وقال عليه السَّلامُ: "إذا عَلِمَ العَالِمُ، فَلَمْ يَعْمَلْ كانَ كالمصباح يُضِيءُ للنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ" 36 وقال عليه السَّلامُ: "إنَّ أناسًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يَطّلعونَ إلى أناسٍ مَنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: بِمَ دَخَلْتُمُ النَّارَ؟ فَوَاللهِ ما دَخَلْنَا الجَنَّةِ إلَّا بما تَعَلَّمْنَا مِنكمْ، فيقولونَ: إنَّا كُنَّا نَقُولُ ولا نَفْعَلُ" 37.

الجزء: 1 - الصفحة: 335

وعن عمرو بن قيس بن المُلائي قال: إذا بَلَغَكَ شيءٌ مِنَ الخَيْرِ فاعْمَل بِهِ ولو مَرَّةً يمُنْ من أهْلِهِ 38. وقال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به.
وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به 39. وقال الإِمام أحمد بن حنبل: ما كتبتُ حديثًا إلَّا وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ، حَتَّى مَرَّ بي في الحديث أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتَجَمَ وَأَعْطَى أبا طَيْبَةَ دينارًا، فأعطيتُ الحَجَّام دينارًا حين احتَجَمتُ 40. وليحذر من التَّثْقيل على الشَّيْخِ بالإِطالةِ لئلا يُضْجِرَهُ ويملَّهُ.
قال الخطيب: وإذا حَدَّثَهُ فَيَجِبُ أن يأخُذ منه العفو، ولا يُضْجِرَهُ، قال: والإضجارُ يغيرُ الأَفهام، ويُفسِدُ الأَخلاقَ، ويحيلُ الطِّباع 41. وقد كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خلقًا، فلم يزالوا به حَتَّى ساء خلقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 336

وعن محمد بن سيرين أنه سأله رَجُلُ عن حديث وقد أرادَ أن يَقُومَ فقال: إنَّكَ إن كلَّفْتَني ما لم أُطِقْ ساءَك ماسَرَّك مني من خُلُقٍ 42. قال ابن الصلاح: يُخْشى على فَاعِلِ ذلِكَ أن يُحْرَمَ الانتفاع.
قال الشيخ زين الدِّين عبد الرحيم العراقي في "شرح ألفيته": إن أبا العباس أحمد بن عبد الرحمن المرادي كان كَبِرَ وَعَجَزَ عن الإسماعِ حَتَّى كُنَّا نتَأَلّفهُ على قراءةِ الشيء اليسير، فَقَرَأَ عليه بعضُ أصحابِنا فيما بَلَغني "العُمْدَة" بإجازِتِه من عبد الدائِمِ، وأطالَ عليه فَأَضْجَرَهُ، فكان يقول له الشَّيخ: لا أَحْياكَ اللَّهُ أن ترويَها.
ونَحْو ذَلِكَ، فماتَ الطَّالِبُ بعد قليلٍ، ولم ينتَفع بِما سمعه عليه 43. فليكن تحفُّظُ الطَّالِب للعلْمِ على التدريج قليلًا قليلًا، ولا يأْخُذْ نَفْسَهُ بما لا تطيقُهُ، ففي الحديث الصحيح: "خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ" 44. وعن الثَّوري قال: كنت آتي الأَعمش ومنصورًا فَأَسْمَعُ أربعةَ أحاديث خمسة، ثُمَّ أنصرِفُ كراهيةَ أن تكثُر وتَغْلِبَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 337

وروي نحو ذلك عن شعبة، وابن علية، ومَعْمَر.
وعن الزُّهري: من طلب العلم جُمْلَةً فاته جُمْلَةً، وإنما يُدْرَكُ العِلْمُ حديثٌ وحديثان.

  • وقال أيضًا: إن هذا العلمَ إن أخذتَهُ بالمُكاثَرَةِ له غَلَبَكَ، ولكن خُذْهُ مع الأَيام والليالي أَخْذًا رفيقًا تَظْفَرْ بِهِ.
    وروي عن الشَّافعي رضي الله عنه: من حَفِظَ كُلَّ يَوْمٍ مسألةً تفقَّه في سَنَةٍ، ومن حَفِظَ كُلَّ يوم مَسْأَلتَيْنِ تَفقَّه في سنتين، أو نحو ذلك.
    واعلم أنَّهُ مِمَّا يُعينُ على دوامِ الحِفْظِ المُذَاكَرةُ.
    قال علي بن أبي طالب: تذاكروا هذا الحديث، إلَّا تفعلوا يُدْرَسْ.
    وعن ابن مسعود: تَذاكروا الحديثَ، فإن حياتَهُ مذاكرتُهُ.
    وروي نحوه عن أبي سعيد الخُدري، وابن عباس.
    وقال الخليلُ بن أحمد: ذَاكِرْ بِعِلْمِكَ تذكُرْ ما عِنْدَكَ، وتستفدْ ما ليس عندك.
    وعن عبد الله بن المُعْتَز قال: من أكثرَ مذاكرةَ العلماءِ لم ينسَ ما عَلِمَ، واستفادَ ما لم يعلم.
    ومن فوائِدِ مُذاكَرَةِ العِلْمِ: أنَّها تُقَوي النَّفْسَ، وتُثَبِّتُ الحفظَ، وتُذَكي القلب، وتَشْحَذُ الطبعَ، وتَبْسُطُ اللِّسانَ، وتجيدُ البيان، وتكشِفُ المُشْتَبِه، وتُوضِحُ المُلتَبِس، وتكْسِبُ أيضًا جَميلَ الذِّكْرِ وتُخَلِّدَهُ إلى آخِر الدَّهْر، كما قال الشَّاعر:

الجزء: 1 - الصفحة: 338

يموتُ قَوْمٌ فَيُحْيِي العِلْمُ ذكرَهم ... والجهلُ يُلْحِقُ أَمواتًا بِأَمواتِ وهذا كُلُّهُ مشروطٌ بقصدِ الإِفادةِ والاستفادةِ، وَقَصْدِ إظهارِ الحَقِّ، ونشرِ العِلْمِ مع سلامةِ الصَّدرِ من الغِش، والبُغْضِ، والحِقْدِ، ولينِ الجانب، واللطفِ بمن يذاكِرُهُ، وتحمُّلِ أذاهُ، والتَّأنِّي عليه مع الصَّبْرِ التَّامِ على جفائه.
وأما إذا قُصِدَ بذلك الرَّفعةُ، والتعاظُمُ، وإظهارُ الرِّئاسةُ، أو تعريفُ النَّاسِ مقامَهُ بأنَّهُ أعلمُ وَأَعْرَفُ أو أفْهَمُ، أو كان بترافُعٍ وَتَعاظُمٍ على من يذاكرُهُ، أو عدم صبر عليه لينظُرَ مأخذَهُ ومخلصَهُ، فإنها لا تَحِلُّ قطعًا، بل صاحبها آثِمٌ، ومن كُل خَيْرٍ خائِبٌ، وإلى كُلِّ شَرٍّ وضُرٍّ آيبٌ.
وليَكُن الطَّالِبُ مُصاحِبًا للإتقانِ، صابرًا على تناولِ العلم على التَّدريج بلا ضَجَرٍ وتوانٍ؛ لأَن قليل العلم مع الإِتقان خَيْرٌ وأنفعُ من كثيرِهِ بلا إتقانٍ.
فلا ينبغي للطَّالب أن يقتصرَ على سماع الحَدِيث ونحوِهِ وكُتُبِهِ دون معرفَتِهِ وَفَهْمِه.
قال أبو عاصم النَّبيل: الرِّئَاسةُ في الحديث بلا درايةٍ رئَاسة نَذْلَةٌ 45.

الجزء: 1 - الصفحة: 339

وقال عبد الرحمن بن مهدي: الحِفْظُ الإتقانُ.
قال فارس بن الحسين: يا طَالِبَ العِلْمِ الذي ... ذَهَبَتْ بمدَّتِهِ الرِّواية كُن في الرِّواية ذا العِنا ... يَةِ بالرِّوَايَةِ والدِّرَايَة وارْوِ القَليلَ وراعِهِ ... فالعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نهاية 46 وَليَحْذَرِ الطَّالِبُ غايةَ الحَذَرِ أن يمنعَهُ التكبُّرُ والحياءُ عن طلبِ العِلْمِ؛ فإنّ الحياءَ هنا مذمومٌ، وصاحِبُهُ ملومٌ بل مأثوم؛ لأَن هذا الحياء في الحقيقةِ قِلّةُ حياءٍ مِنَ اللَّهِ تعالى وغِشٌ لنفسه، حيثُ يُبْقيهَا حائِرَة من الجهالة، راتعةً في ميادين البطالةِ، راضية بمقام أهل الذُّلِّ والنَّذالة.
وأما التَّكبرُ فإنه من حيث هو من أقبح العُيُوب بل من أعظمِ الذنوب، وأقوى أسباب البُعْدِ عن علَّام الغُيُوبِ؛ لكن إثْمُه هنا أشد وأعظمُ، والعقابُ عليه أحْتَمُ وَأَلْزَمُ، وكيف لا وقد مَنَعَ صاحبَهُ نيلَ الطَّريقِ الأَقْوَمِ.
قال مجاهد: لا ينالُ العِلْمُ مُسْتَحٍ ولا مستكبر، والله الموفق.
ويتأكد في حَقِّ الطَّالبِ الصبرُ على سُوءِ خُلُقِ الشيخ وجفوته، ولا يمنعهُ ذلك من الملازمةِ لما عندَهُ من التكبُّرِ والتَّعَاظُمِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 340

قال الشَّافعي: لا ينال الرَّجُلُ من هذا العِلْمِ حَالًا ينتفعُ بها حَتَّى يُطيلَ الاختلاف إلى العلماءِ، ويَصْبِرَ على جفوتهِم، ويحتمل الذُّلَّ في جنبِ الفائدةِ منهم.
وقال شيخُ القراء نافع: كُلُّ من قرأت عليه فأنا عبدُهُ 47. وعن ابن مجاهد عن ابن الجهم: كُلُّ من أخذَ عن أحد فهو فتاهُ، وإن كان أعلى سِنًّا منه.
ويتأكَّدُ عليه أيضًا الدُّعاء لشيخه لأَنه أَنتجَهُ سعادةَ الدَّارين، والرِّفْعَة بين الثَّقلين، وأخرجَهُ من ظلماتِ الغَباوَةِ والجَهْلِ إلى نورِ العِلْمِ والفَهْمِ.
قال الإِمام أبو يوسف: ما تركتُ الدعاء لأَبي حنيفة مع أَبَوَيَّ أربعين سنةً، وكان يقول: من لم يعرف حقًّا لأُستاذه لم يفْلحْ أبدًا.
وليجتنبْ الطَّالِبُ إذا ظَفِرَ بشيخٍ أو بسماعٍ لشيخٍ أن يكتمَهُ لينفرد به عن أضرابه؛ فإن ذلِكَ لُؤْمٌ من فاعله، قال مالك: من بركة أهل الحديث إفادةُ بعضهم بعضًا، ونحوه عن ابن المبارك، ويحيى بن معين.
وعن يحيى بن معين قال: من بَخِلَ بالحديث، وَكَتَمَ على النَّاس سماعَهُ لم يُفْلحْ.

الجزء: 1 - الصفحة: 341

وقال إسحاق بن راهويه: رأينا أقوامًا منعوا هذا السَّمَاع، فوالله ما أفلحوا ولا أنْجَحوا 48. فينبغي للطَّالِبِ إفادةُ الحديثِ ونحوِه لمن لم يَسْمَعْه، والدِّلالةُ على الشيوخ، والتَّنبيهُ على رواياتِهم، فإِن أقلَّ ما يكونُ في ذلك النُّصْحُ للطّالِبِ، والحفظُ للمطلوب مع ما يكتَسِبُ به من جزيلِ الأَجر، وجميلِ الذِّكْرِ.
روى الخطيب بإسناده إلى ابن عباس رفعَه، قال: "إخواني، تناصَحُوا في العِلْمِ، ولا يكتُمْ بعضُكُمْ بَعْضًا؛ فإن خيانَةَ الرَّجُلِ في عِلْمِهِ أَشَدُّ من خيانَتِهِ في ماله" 49. ثُمَّ روى عن الثَّوري قال: لِيُفدْ بعضُكُم بَعْضًا 50. وأما ما روي عن بعض الأَئمة كشعبةَ، وسفيانَ الثوري، وابنِ جريج، وغيرِهم، أنَّه كَتَمَ العِلْمَ عن بعض النَّاسِ؛ فإنَّه محمولٌ على كتمه عمَّن لم يَرَوْهُ أهلًا، أو على من لم يقبَلِ الصَّوابَ إذا أُرْشِدَ إِليه أو نحو ذلك.
وقد قال الخطيب: من أدَّاهُ -لجهلِهِ- فَرْطُ التِّيهِ والإعجابِ إلى المُحَامَاةِ عن الخطإِ والمُمَاراةِ في الصَّوابِ، فهو بذلكَ

الجزء: 1 - الصفحة: 342

الوصفِ مذمومٌ مَأْثومٌ، وَمُحْتَجِزُ الفائِدَةِ عنه غيرُ مُؤَنَّبٍ ولا ملومٌ.
وقال الخليل بن أحمد لأَبي عُبيدة مَعْمَرِ بنِ المُثَنَّى: لا تَرُدَّنَّ على مُعْجَبٍ خَطَأً، فيستفيد مِنْكَ عِلْمًا، ويتخذَكَ بِهِ عدوًّا 51. ولتكن همةُ الطَّالِبِ تحصيلَ الفَائِدَةِ سواءٌ وقعت لَهُ بعلوّ أو نزولٍ، ولا يأنفْ أن يكتُبَ عمَّن هو دونَهُ ما يستفيدُهُ.
قال سفيانُ ووكيعٌ: لا يكونُ الرَّجُلُ من أهل الحديث حَتَّى يكتُبَ.
وقال وكيع: لا يكونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يأخُذَ عمن هو فَوْقَهُ، وعمن هو دونَهُ، وعمن هو مثلَهُ.
وكان ابن المبارك يكتُبُ عَمَّن هو دونَهُ، فقيل له في ذلك فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع لي 52. وليحذَرِ الطَّالِبُ أن تكونَ همتُه تكثيرَ الشيوخِ لمجردِ اسمِ الكَثرَةِ وصِيتِها؛ فإن ذلك مما لا طائل تحتَهُ.
قال ابن الصَّلاح: وليس بِمُوفَّقٍ من ضَيَّعَ شيئًا من وقتِهِ في ذلك 53.

الجزء: 1 - الصفحة: 343

وأمَّا إذا قَصَدَ بذلِكَ تكثيرَ طُرُقِ الحديث والتَّثَبُّتَ في العُلُومِ فهو محمودٌ.
قال أبو حاتم: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه.
وقال القاسم بن داود البغدادي: كتبت عن ستة آلاف شيخ 54. وينبغي للطَّالِبِ أن يَسْمَعَ ويكتُبَ ما وقَعَ له من كتابٍ أو جُزءٍ على التَّمامِ ولا ينتَخِبْه، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء مما لم ينتخِبْه فيندَم.
قال ابن المبارك: ما انتخبت على عالم قط إلَّا ندمت.
وقال: ما جاء من منتقٍ خَيْر قط 55، لكن فِعْلُ مثل هذا لِعذرٍ لا بأس به، كما لو كان الشَّخصُ غريبًا يعسُرُ عليه طولُ الإِقامةِ، أو كان الشَّيخُ كبيرًا أو مُكْثرًا يعسر الأَخذ عنه كذلك.
وَليجتهدِ الطَّالبُ في الكتابةِ، فإنَّها من أعظم أسبابِ تحصيل العلم، ولا يقتَصِر على السَّماع فقط ولا على الحفظ فقط؛ لأَن ذلك قد يخونُ فيرجِعُ إلى الكِتَاتةِ إن كانَتْ، وإلَّا ذَهَبَ سعيُهُ وضاعَ تحصيلُهُ.
بل لولا الكتابةُ لضاعت غَالِبُ مصَالح النَّاس، ولضاعَ أكثر العلم، فهي أهم شيءٍ في حَقِّ طالبِ العلم، بل رأسُ مالِهِ فلا غنى له

الجزء: 1 - الصفحة: 344

عنها، لا سيما في هذه الأَزمنةِ التي عَمَّتْ فيها الهمومُ، وتوالت فيها الغُمومُ التي هي أعظمُ أسباب النِّسيان، حَتَّى فَتَرَتْ بِذَلِكَ هِمَمُ أكثرِ النَّاسِ عن الحفظ والإِتقان، فَتَعيَّنَ حينئذٍ الاستعانَةُ بالكتَابَةِ لأَهلِ الجِدِّ والعرفانِ.
وَمِمَّا يدلُّ على تأكدِ الكتابة الشِّعْرُ المنسوبُ للإِمامِ أحمدَ بنِ حنبل رضي الله عنه، وهو هذا: مَنْ طَلَبَ العِلْمَ والحديثَ فلا ... يَضْجَرْ من خمسةٍ يُقَاسِيها دَراهِمٌ للعلوم يَجْمَعُها ... وعِنْدَ نَشْرِ الحَديثِ يُفْنِيهَا يُضْجِرُهُ الضَّرْبُ في دفاتِرِه ... وكثرةُ اللّحْقِ في حواشِيها يَغْسِلُ أَثوابَهُ وبَشْرَتَهُ ... من أثَرِ الحِبْرِ ليسَ يُنْقِيهَا يشيرُ إِلى أنَّه لكثرةِ كتابته يعلَقُ الحِبْرُ على أثوابِهِ وبشرته حَتَّى لا يكاد ينقى لكثرته.
وقد كان هذا دَأَبَهُ ودأبَ أضرابِهِ رضي الله عنهم، بل كان هو مع ذلك يكتب بالأُجرة رضي الله عنه.
وينبغي للطَّالِبِ ضبطُ كتابِهِ بالنَّقْطِ والشَّكْلِ ليُؤَديَهُ كما سَمِعَهُ، فإن لم يفعلْ ضَبَطَ المُشْكِلَ؛ لأَنه أعونُ له ولغيره.
وَيَجتَنِبُ الخَطَّ الدقيق؛ لأَنه لاينتفع به من نظرُهُ ضعيفٌ، وربما ضَعُفَ نَظَرُ كاتبِهِ بعد ذلك، فلا ينتفع به، كما قال الإِمام

الجزء: 1 - الصفحة: 345

أحمد بن حنبل لابن أخيه حَنْبَل بن إسحاق، ورآه يكتبُ خطًا دقيقًا: لا تَفْعَلْ، أحوجَ ما تكونُ إليه يخُونُكَ 56. ومحلُّ هذا إذا كان لغير عُذْرٍ، فإن كان عذرٌ كضيق ما يكتُبُ فيه، أو كان رحَّالًا في طلبِ العِلْمِ يريد حمل كُتُبِهِ معه فتكونُ خفيفةً عليه فلا يُكْرَهُ ذَلِكَ.
ويستحَبُ له تحقيقُ الخَطِّ وتجويدُهُ دونَ المَشْقِ والتَّعْلِيقِ.
وقد ذَكَر ابن قُتَيْبَةَ أن عمر بن الخطاب قال: شَرُّ الكِتَابَةِ المَشْقُ، وَشَرُّ القراءة الهَذْرَمَةُ، وأجودُ الخَطِ أَبْينُهُ 57. والمشقُ: سُرْعَةُ الكتابَةِ، والهَذْرَمَةُ: بالذال المعجمة سرعةُ القراءَةِ.
ويُكْرَهُ أن يفصل في الخط بين ما أضيف إلى اسم الله، وبين اسم الله تعالى مثل عبد الله بن فلان، أو عبد الرحمن بن فلان وغير ذلك من الأَسماء، فيكتب عبد في آخر سطر ويكتب أول السَّطْرِ الآخر اسم الله وبقية النَّسَبِ، ومثلُهُ أن يكتُبَ في آخرِ السَّطْرِ قال رسول، وفي أول السَّطر الذي يليه الله صلَّى الله عليه وسلم، فينبغي التَّحَفُّظ من ذَلِكَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 346

ولا يختصُ المنع بأسماءِ الله بل الحُكْمُ كَذلِكَ في أسماء النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة أيضًا، مثاله لو قال: سابُّ النبيِّ عليه السَّلامُ كافرٌ، وقاتلُ ابن الزُّبير في النَّارِ ونحو ذلك، فلا ينبغي أن يكتب "سابُّ" أو "قاتِلُ" في آخرِ سَطْرٍ وما بَعْدَ ذَلِكَ في سَطْرٍ آخَرَ.
وينبغي أيضًا اجتنابُ كل ما يُسْتَبْشَع، ولو وَقَع ذلك في غير المضافِ والمُضافِ إليه.
أما إذا لم يكن في شيءٍ من ذلك بعد اسم الله تعالى أو اسم نبيه أو اسم الصَّحابي ما ينافيه، بأن يكون الاسمُ آخِرَ الكِتَابِ أو آخر الحديث ونحو ذَلِكَ، أو يكونَ بعدَهُ شيءٌ مُلائِمٌ له غيرُ مُنَافٍ له فلا بأس بالفَصْلِ، نحو قوله في آخر البخاري: "سبحان الله العظيم"؛ فإنهُ إذا فَصَلَ بين المُضافِ والمضاف إليه كان أول السَّطرِ الله العظيم، فلا مُنافَاةَ في ذَلِكَ، ومع هذا جَمْعُهما في سطر واحد أولى.
وينبغي له أن يُحافِظَ على كَتْبِ الثَّنَاءِ على اللَّهِ عِنْدَ ذكرِ اسمه، نحو عَزَّ وَجَلَّ، وتباركَ وتعالى، وما أَشْبَهَهما، وعلى الصَّلاةِ والسَّلامِ على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذكره، ولا يسأَم من تكرُّرِ ذلك فإن أَجْرَهُ عظيمٌ، فيحافظُ على كتابة ذلك، وإن لم يَكُنْ مكتوبًا في الأَصْلِ الذي يَكتُبُ منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 347

وكذلك يُحافِظُ على التَّرضي والتَّرَحُّمِ على الصَّحابَةِ والعلماءِ وسائرِ الأَخيار.
ويُكْرَهُ الرَّمْزُ للصَّلاةِ على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأن يقتصر من ذلك على حرفين، ونحو ذلك ككتابَةِ "صلعم" إشارة إلى الصَّلاةِ والسَّلامِ.
ويُكْرَهُ حذفُ واحدٍ من الصَّلاةِ والسَّلامِ والاقتصار على أحدهما، وعِنْدَ الإِمام أحمد هو خلاف الأَوْلَى على الأَصَحِّ عنه.
قال حمزة الكتاني: كنتُ أَكتُبُ عند ذكر النَّبِيِّ صلَّى الله عليه، فرأيته في المنام فقال لي: ما لكَ لا تُتِمُّ الصَّلاة عليَّ؟ قال: فما كتبتُ بعد ذَلِكَ صلَّى الله عليه إلَّا كتبت وسلَّم.
وإذا كانت المحافظَةُ على كتابةِ الصَّلاة والسَّلام على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثناءِ على الله سبحانه، والتَّرضي والتَّرَحمِ على الصحابة والعلماء والأَخيار مؤكدةً، فذلك في اللفظ آكَدُ إذا ذَكَرَ الشَّيخُ أو الرَّاوي واحدًا منهم، والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 348

بَابُ حُكْمِ السَّلامِ والمُصَافَحَةِ والتَّثاؤبِ والعُطَاسِ والاسْتِئْذانِ

يُخيَّرُ في السَّلامِ على الجماعة بَيْنَ تَعْريفِهِ وَتَنْكِيرِهِ، وابْتِداؤُهُ سُنَّة، ومِن جماعَةٍ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، والأَفضلُ مِنْ جَمِيعِهم؛ فلو سَلَّمَ عليه جَمَاعَةٌ، فقال: وَعَلَيْكُمُ السَّلامَ.
وَقَصَدَ الرَّدَّ عليهمْ جميعًا، أَجْزَأَهُ.
ويُسَنُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بابتدائِهِ بحيثُ يَسْمَعُ المُسَلَّمُ عليهم سَمَاعًا مُحَقَّقًا.
وإن سَلَّمَ على أَيْقَاظٍ عِنْدَهُم نِيَامٌ، أو على مَن لا يَعْلَمُ هَلْ هُمْ أيقاظٌ أو نِيَامٌ، خَفضَ صَوْتَه بحيثُ يُسْمعُ الأَيقاظَ ولا يُوقِظُ النِّيَامَ.
ولو سَلَّمَ على إنسانٍ، ثُمَّ لقيهُ على قُرْبٍ، استُحِبَّ أن يُسَلِّمَ عليه ثانيًا، وثالثًا، وأكثَرَ.
ويُسَنُّ أن يبدَأَ بالسَّلامِ قَبْلَ كُلِّ كَلامٍ، ولا يتْرُكُ السَّلامَ إلَّا إذا غَلَبَ على ظَنِّهِ أن المُسَلَّمَ عليه لا يَرُدُّ.
وإن دَخَلَ على جماعةٍ فيهم عُلماءُ، سَلَّمَ على الكُلِّ عمومًا ثُمَّ على العلماءِ ثانيًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 349

وردُّ السَّلامِ فورًا فَرْضُ عينٍ على المفرَدِ، وكفايةٍ على الجَمَاعَةِ، ورفْعُ الصَّوْتِ به واجبٌ قدرَ ما يحصلُ به السَّماعُ للمُسَلِّمِ، وكذا زيادة الواو.
ويُكْرَهُ السَّلامُ على الأَجنبيةِ إلَّا أن تكون عَجُوزًا أو بَرْزَةً، وفي الحَمَّامِ، وعلى من يَأْكُلُ أو يقاتِلُ، وعلى تالٍ، وذاكرٍ، ومُلَبٍّ، وَمُحدِّثٍ، وخطيبٍ، وواعظٍ، وعلى من يَسْتَمعُ لهم، وعلى مُكَرِّرِ فِقْهٍ وَمُدَرِّسٍ، وعلى من يَبْحَثونَ في العِلْمِ، وعلى من يُؤَذِّنُ أو يقيمُ، وعلى من هو على حَاجَتِهِ، أو يتمتعُ بأهله، أو مُشْتَغِلٍ بالقَضَاءِ، ونحوهم، ولا يَجِبُ الرَّدُّ.
ولا يُسَلِّم على المُتَلبسينَ بالمعاصي، كمن يلعبونَ بالشَّطَرنج أو النَّرْدِ، أو يشربونَ الخَمْرَ، أو يلعبونَ بالقمارِ.
وإن سَلَّمَ أحدٌ منهم عليه رَدَّهُ إلَّا أن يغلِبَ على ظنه انزجارُهُ عن المعصية بتركِهِ الرَّدَّ عليه، فإذًا لا يَرُدُّ.
ولا يُسَلِّم على الذِّميّ، فإن كان معه مُسْلمٌ نواهُ بِالسَّلامِ، وإن كَتَبَ كِتابًا إلى كافرٍ، وَكَتَبَ فيه سلامًا كتب: سَلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدى.
وإن سَلَّمَ على من ظَنَّهُ مُسْلمًا ثُمَّ عَلِمَ أنَّه ذميٌّ نُدِبَ قَوْلُهُ لَهُ: رُدَّ عليَّ سلامي.
وإن سَلَّمَ أَحَدُهُم لَزِمَ رَدُّهُ فيقال له: وعليك أو وعليكم، وإذا لَقِيَهُ المُسْلِمُ في طريقٍ فلا يوسِّع له بل يضطَرُّه إلى أضْيَقِهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 350

وتُكْرَهُ مصافحتُهُ وتشميتُهُ والتَّعَرُّضُ له بما يُوجِبُ المودةَ بينهما.
وإن شَمَّت الكَافِرُ مسلمًا أجابَهُ بنحو يهديكُمُ الله.
وتَحْرُمُ تهنئَتُهُم وتعزيتُهُم، وعيادتُهُم، وشهودُ عيدِهم، ومُهَاداتُهُم لعيدهم.
ويَحْرُمُ بيعُهُم ما يعملونَ به كنيسةً أو تمثالًا ونحوَه، وكل ما فيه تخصيصٌ لعيدهم وتمييز لهم، وهو من التَّشبُّهِ بهم، والتَّشَبُّهُ بهم منهيٌّ عنه إِجماعًا لقوله عليه السَّلامُ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَومٍ فهو مِنْهُم" 58. وَيُكْرَهُ أن يَخُصَّ بِالسَّلامِ بعضَ قوم لقيهم، وأن يقولَ: سلامُ اللَّهِ عليكم.
فَائِدَةٌ: ولا يَهْجُرُ المسلمُ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا أن يكونَ من أهلِ البِدَعِ والضَّلالِ فيجبُ هجرُهُ على الدَّوامِ.
وَيُسَنُّ هجرُ المتجاهِرِ بالمعاصي ما دام على هذه الحال، والهجرُ المنهيُّ عنه يزول إثْمُهُ بِالسَّلامِ.
وَيُسَنُّ السَّلامُ عِنْدَ الانصراف أيضًا، وإن دَخَلَ بيتًا خاليًا أو مسجدًا خاليًا قال: السَّلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين.

الجزء: 1 - الصفحة: 351

وإذا دخل بيته قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ المَوْلجِ، وَخَيْرَ المَخْرَج، بِسْمِ اللهِ وَلَجْنَا، وبِسْم الله خَرَجْنَا، وَعَلَى الله رَبِّنا تَوَكَّلْنا"؛ ثُمَّ يُسَلِّمُ على أهلِهِ 59. ويسنُّ السَّلامُ على الصِّبيان تأديبًا لهم، ويُسَنُّ لهم الرّدُّ ليعتادُوه، وإن سَلَّم على صبي وبالغٍ لم يَكْفِ ردُّ الصبي، وإن سَلَّمَ الصبيُّ على بالغٍ وَجَبَ الرَّدُّ في وجهٍ، وهو الصحيحُ.
والمجزئُ في السَّلامِ: السَّلامُ عليكم، وفي الرَّدِّ: وعليكم السَّلامُ، وأكملهُ ابتداءً وردًّا: وبركاتُهُ.
وإن سَلَّمَتْ شابةٌ على رَجُلٍ ردَّهُ عليها، وإن سلَّمَ عليها لا تَرُدُّهُ.
وإرسالُ السَّلامِ إلى الأَجنبيةِ لا بأس به للمصلحةِ مع عدم المحذورِ.
والسُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ الصغيرُ والقليلُ والماشي والرَّاكبُ على ضِدِّهم، فإن عكسُوا حصلت السُّنَةُ، لكن الوارد يَبْدَأُ مطلقًا.
وإن سَلَّمَ مِنْ وراءِ جدارٍ، أو الغائبُ عن البلدِ برسالةٍ أو كتابةٍ وَجَبَت الإِجابةُ عند البَلاغ.

الجزء: 1 - الصفحة: 352

ويُسَنُّ أن يُسَلِّمَ على الرَّسُولِ فيقول: وَعَلَيْكَ وعليه السَّلامُ، وإن تَحَمَّلَ السَّلامَ وَجَبَ تبليغُهُ.
ويُسَنُّ لِكُل من المُتلاقِيَيْنِ أن يَحْرِصَ على الابتداءِ بِالسَّلامِ، فإن بَدَا معًا وَجَبَ على كُلٍّ منهما الرَّدُّ.
ولو سَلَّمَ على أصمَّ جَمَعَ بَيْنَ اللّفْظِ والإِشارةِ، كَرَدِّ سلامه، وسلامُ الأَخْرَسِ وردُّه بالإِشارةِ.
وسلامُ النِّساءِ على النِّساءِ كسلامِ الرِّجَالِ على الرِّجَالِ.

فَصْلٌ

وَتُسَنُّ مصافحةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ والمرأةِ المرأَةَ، ولا بأسَ بمصافحةِ الرَّجُلِ المردانَ إن وَثَقَ من نفسِهِ وقَصَدَ تعليمَهم حُسْنَ الخُلُقِ.
ولا تجوزُ مصافحَةُ الأَجنبية الشَّابَّةِ.
ولا يَنْزِعُ يدَهُ مِنْ يدِ من صافحَهُ حَتَّى ينزِعَهَا إلَّا لحاجةٍ كحيائِهِ ونحوِه.
ولا بَأْسَ بالمُعَانَقَةِ، وتقبيلِ الرَّأْسِ واليَدِ لأَهْلِ العلم والدَّين ونحوهم.
ويُكْرَهُ تقبيلُ الفَم لِغَيْرِ زوجتِهِ وجاريتِهِ المباحةِ له.

الجزء: 1 - الصفحة: 353

فَائِدَةٌ: التَّثاؤبُ من الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ كَظمَ ما استطاعَ، فإن غَلَبَهُ غَطَّى فَمَه بِكُمِّهِ أو غيره.
والعطاسُ من الرَّحمنِ، فإذا عَطَسَ خَمَّرَ وجْهَه وغَضَّ صَوْتَه، ولا يَلْتَفِت يمينًا وشِمالًا، وحَمِدَ الله جهرة بحيثُ يُسْمِعُ جليسَه ليُشَمِّتَهُ.
وَتَشْمِيتُه فَرْضُ عَيْنٍ من الواحدِ، وكِفَايَةٍ من الجماعَةِ، فيقولُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أو يَرْحَمُكُم اللَّهُ.
وردُّ العاطِس فَرْضُ عَيْنٍ، فَيقُولُ: يَهْدِيكُم اللَّهُ وَيُصْلحُ بَالَكُمْ، وإن قال: يَغْفِرُ اللهُ لكم، جاز.
ويُكْرَهُ أن يُشَمِّتَ من لم يَحْمَدِ الله، وإن نَسِيَ لم يُذَكِّرْه، لكن يُعَلِّمُ الصَّغيرَ والجَاهِلَ.
ولا يُسَنُّ تَشْميتُ الذِّمِّيِّ، فإن قِيل له: يَهْدِيكُم اللَّهُ، جاز، ويقالُ للصَّبِيِّ إذا عَطَسَ: بُورِكَ فِيكَ وَجَبَرَكَ اللَّهُ.
وَتُشَمِّتُ المرأةُ المَرْأةَ، والرَّجُلُ الرَّجُلَ والمَرْأَةُ العَجُوزُ البَرْزةَ، ولا يُشَمِّتُ الشَّابَّةَ ولا تُشَمِّتُه.
فإن عَطَسَ ثانيًا وثالثًا شَمَّتَه إن حَمِدَ، ورابعًا دعا له بالعَافِيَةِ من غَيْرِ تَشْميتٍ، وإن لم يَكُنْ شَمَّتَه قَبْلَها شمَّتَهُ.
فَائِدَةٌ: ومن طنَّتْ أُذُنُهُ ذَكَرَ النَّبِي عليه السَّلامُ وصلى عليه

الجزء: 1 - الصفحة: 354

وقال: ذَكَرَ اللَّه مَن ذَكَرَني بِخَيْرٍ (1).

فَصْل

وَيَجِبُ الاستئذانُ على كُل من يُريدُ الدُّخُولَ عليه من أقاربَ وأجانِبَ، فإِن أُذنَ له دخل وإلَّا رَجَعَ.
ولا يَزِدْ على ثلاثٍ إلَّا إذا ظَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهم، ولا يطرقُ أهله لَيْلًا.
وإِذا أُذِنَ له في دار غيرِهِ فَدَخَلَ جَلَسَ حيثُ يَأْذَنُ له صاحبُ الدَّارِ وإن كان ذميًّا، ولا يرتفعُ في المَجْلِسِ إلَّا بإذنٍ.
وإن فَجَأَ قَوْمًا وهم على طَعَامِهِمِ بلا تَعَمُّدٍ أَكَلَ، إلَّا أن يَكُونَ صاحِبُ الطَّعامِ ممن لم تَجْرِ عادتُهُ بالسَّمَاحَةِ وطيبِ القَلْبِ بذلك فلا يأكُلْ.

فَصْلٌ فيما يُسْتَحب فِعْلُهُ بيمينِهِ وما يُستحب فِعْلُهُ بشمالِهِ

يُستَحَبُّ تناوُلُ الأَشياءِ ومناولَتُها بيمينِهِ، والأَكْلُ والشُّرْبُ، والمُصافحَةُ بها، والبداءَةُ بها في الوضوءِ والانتعال وَلُبْسِ الثيابِ.
وكذلك يَبْدَأُ في الدُّخولِ إلى المواضِعِ المُبارَكَةِ كالمساجِدِ والمَشَاهِدِ، والمَنَازلِ والدُّورِ بِرِجْلِهِ اليُمنَى وإلى ضِدِّها باليُسرى.60

الجزء: 1 - الصفحة: 355

وأما اليَسارُ فَلِفِعْلِ الأَشياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، ولإزالَةِ الدَّرَنِ كالاستنجاءِ، والاستنْثارِ، ونتفِ الإِبطِ، وَغَسْلِ النِّجاساتِ كُلِّها والامتخاطِ، إلَّا أن يتعذَّرَ عليه ذلك لشللِ اليسارِ أو نحوِهِ فيفعلَهُ بيمينه.
قال عليه السَّلامُ: "لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ"، رواه ابن ماجه 61. ولا يمشِ في نَعْلٍ واحِدَةٍ إلَّا أن يكون ذلك يَسيرًا بمقدار ما يُصْلحُ الأُخرى إذا انقطع شِسْعُها، فيعدل بين رِجْلَيْهِ في الحَفَاءِ وضدِّهِ كما يَعْدِلُ بين غيرِهِما، ومثله إدخالُ إِحدى يديه في كُم القِبَاء ونحوه وتَرْكُ الأخرى بلا إدخالٍ.
فَائِدَةٌ: إذا مَشَى مع من هو أَعْلى مِنْهُ في المنزلَةِ والفَضْلِ فليمشِ عن يمينه، يجعلُهُ كإمامِهِ في الصَّلاةِ، وإن كان دونه في المنزلةِ فليمش عن يَسَارِهِ ويجعلُهُ عن يمينه.


الجزء: 1 - الصفحة: 356

بَابُ آدَابِ الأَكْلِ والشُّرْبِ

يُسَنُّ غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وبعده ولو مُتَوضئًا، وأن يتوضأَ الجُنُبُ قبل الأَكلِ والشُرْبِ.
ولا يُكْرَهُ غَسْلُ اليدينِ في الإِناءِ الذي أُكُلَ منه، ويُكْرَهُ بطَعامٍ، وهو القوتُ، ولو دقيقَ حِمِّصٍ وَعَدَسٍ وَبَاقِلَّاءٍ ونحوه، ولا بأس بِنُخَالَةٍ.
وإن دعت الحاجَةُ إلى استعمالِ القُوتِ، كالدَّبغ بدقيقِ الشَّعيرِ، واستعمالِ اللَّبَنِ والدَّقِيقِ للجَربِ ونحو ذلك رُخصَ فيه.
ويُسَنُّ بِتَأَكُّدٍ أن يَتَمَضْمَضَ من شُرْبِ اللَّبَنِ، ويُسَنُّ لِمن أَكَلَ أن يَلْعَقَ أصابِعَهُ قبل غَسْلِهَا أو مَسْحِها، أو يُلْعِقَها لغيره.
ويَعْرِضُ رَبُّ الطعامِ الماءَ لِغَسْلِهِما ويقدِّمُهُ بِقُرْبِ طعامِهِ، ولا يَعْرِضُ الطَّعامَ.
وتُسَنُّ التَّسميةُ على الطَّعامِ والشَّرابِ، ويجهَرُ بها فيقولُ: بِسْمِ الله، ولو زادَ الرَّحمن الرحيم لكان حسنًا.
وأن يَأْكُلَ بيمينه، ومِمَّا يليه

الجزء: 1 - الصفحة: 357

ويُكْرَهُ تركُهُما، والأَكْلُ والشُّرْبُ بشمالِهِ إلَّا من ضَرورةٍ، وإن جَعَلَ بيمينه خُبْزًا وبشمالِهِ شيئًا يأْتَدِمُ به، وَجَعَلَ يَأْكُلُ من هذا ومن هذا، كُرِهَ لما فيه من الشَّرَهِ؛ ولأَنَّهُ أَكَلَ بِشِمَالِهِ.
ومَنَ أَكَلَ أو شَرِب بِشمالِهِ شاركَهُ الشَّيطانُ في ذلك.
وإن نسيَ التَّسْميةَ في أَوَّلِهِ قال إذا ذَكَرَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وآخِرَهُ.
فإن كانوا جماعةً سَمُّوْا كُلُّهُمُ حَتَّى المُمَيِّزُ، ويُسمَّى عمن لا عَقْلَ له.
وإذا فَرَغَ الآكلُ والشَّارِبُ حَمِدَ الله جَهْرًا وقال ما ورد، ومنه: "الحَمْدُ للَّهِ الذي أطْعَمَنا وسَقَانا وجَعَلَنا مسلمين" 62. "الحَمْدُ للَّهِ الذي أَطْعَمَنِي هذا وَرَزَقَنيهِ، من غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ" 63.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

ويُسَنُّ الدُّعاء لصاحِبِ الطَّعامِ ومنهُ: "أفْطَرَ عِنْدَكُم الصائمونَ، وَأَكَلَ طعامَكُمُ الأَبرارُ، وصَلَّت عليكم الملائكة، ونَزَلَتْ عليكم الرَّحْمَةُ، وذكَركم اللَّهُ فيمن عنده" 64. ويُسَنُّ إذا فَرَغَ من الأَكل ألَّا يُطِيلَ الجُلُوسَ من غَيْرِ حاجةٍ، بل يستأذِنُ رَبَّ المنزلِ وينصرِفُ.
وَيُسمي الشَّارِبُ عِنْدَ كل ابتداءٍ، ويَحْمَدُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ، وإن فَعَلَهُ في أَكْلِ كُلِّ لُقْمةِ كان حسنًا؛ لأَن الإِمام أحمد فَعَلَهُ وقال: أَكْل وحَمْدٌ خَيْرٌ من أَكْلٍ وَصَمتٍ.
ويُكْرَهُ الأَكْلُ من أعلى الطعام، ومن وسطه، فالأَكمل الأَكل من أسفلِهِ وكذلك الكيلُ.
وَيُكْرَهُ نَفْخُ الطَّعَامِ والشَّرَابِ والتَّنفُّسُ في إنائيهِمَا، وأكلهُ حارًّا بلا حاجَةٍ، وأَكلُهُ مِمَّا يَلي غَيْرَهُ إن كان الطَّعامُ نوعًا واحدًا، فإن كان أنواعًا أَو فاكِهةً فلا بأس.
وكُرِهَ شديدًا أن يَتَعَمَّدَ القَوْمَ حينَ وَضْعِ الطَّعامِ فَيَفْجَأَهُم، وأن يَتْبَعَ القومَ من غير أن يُدْعى وهو الطُّفَيْليّ، ولا تقبل شهادتُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 359

وقال الشيخ عبد القادر 65: ويحرُمُ التَّطَفُلُ على طعام النَّاس، وهو دخولُهُ مع المَدْعُوينَ من غَيْرِ أن يُدْعَى، وهو ضَرْبٌ من الوَقَاحَةِ والغَصْبِ، ففيه إِثمان، أحدهما: الأَكلُ لِمَا لَمْ يُدْعَ إليه، والآخَرُ: دخولُهُ إلى مَنْزِلِ الغَيْرِ بغَير إذنِهِ، والنَّظَرُ إلى أسرارِهِ والتَّضْييقُ على من حَضَرَ، انتهى.
وكُرِهَ الخُبْزُ الكِبارُ، لأَنَّهُ لا بَرَكَةَ فيه، وأن يتبذلَهُ، فلا يمسَحُ يَدَهُ ولا السكينَ به، ولا يضعُهُ تَحْتَ القَصْعَةِ ولا تحت المِمْلَحَةِ، ويجوزُ وضعُ المِلْحِ وحدَهُ على الخُبْزِ.
وَيُسَنُّ أن يُصَغِّرَ اللُقْمَةَ، ويجيدَ المَضْغَ، ويطيلَ البَلْعَ، لا يأخذ لُقْمَةً حَتَّى يَفْرُغَ من التي قبلَهَا، وتصغيرُ الكَسْرِ، وأن ينويَ بأَكْلِهِ وشُرْبِهِ التَّقَوِّيَ على الطَّاعَةِ، وَيَبْدَأَ الأَكبرُ، والأَعلَمُ، وصاحِبُ البَيْتِ، ويُكْرَهُ لغيرهم السَّبْقُ إلى الأَكلِ.
وإذا أَكَلَ معه ضريرٌ أعلمَهُ بما بين يديه.
ويُسَنُّ مَسْحُ الصَّحْفَةِ وأكلُ ما تناثَرَ، والأَكْلُ عِنْدَ حضور رَبِّ الطَّعامِ وإذنِهِ، والأَكْلُ بثلاثِ أصابعٍ، ويُكْرَهُ بما دُونَها، وَبِما فَوْقَها بلا حاجَةٍ، ويُبَاحُ بالمِلْعَقةِ.
ويُكْرَهُ القِرانُ في التَّمْرِ وَنَحْوهِ، مِمَّا جرت العادةُ بتناوُلِهِ إفرادًا، وفِعْلُه ما يَستقذِرُهُ من غيرِهِ، كبصاقٍ ومُخاطٍ وغيرِهما، وأن يَنْفُضَ يَدَهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 360

في القَصْعَةِ، وأن يُقَدَّمَ إليها رَأسَهُ عِنْدَ وضعِ اللُّقْمَةِ في فيه، وأن يَغْمِسَ اللقْمَةَ الدَّسِمَةَ في الخَل أَو الخَلَّ في الدَّسَمِ فقد يكرهُهُ غيره، ولا بَأْسَ بوضعِ الخَلِّ والبُقُولِ على المَائِدَةِ غَيْرَ الثومِ والبَصَلِ وما له رائِحَةٌ كريهة، ويَحْسُنُ وضعُ ماءٍ تُدْفَعُ به الغُصَّةُ.
وَيَنْبَغِي أن يُحَوِّلَ وجهَهُ عِنْدَ السُّعَالِ والعُطَاسِ عن الطعامِ، أو يُبْعِدَهُ عَنْهُ، أو يَجْعَلَ على فيه شيئًا؛ لئلا يَخْرُجَ منه بُصَاقٌ فيقَعَ في الطعَامِ.
وإن خَرَجَ من فيه شيءٌ ليرميَ به، صَرَفَ وجهَهُ عن الطَّعامِ، وأخذَهُ بيسارِهِ ورماهُ، ويُكْرَهُ رُدُّهُ إلى القصعةِ، وأن يغمِسَ بقيَّةَ اللُقْمَةِ التي أَكَلَ منها في المَرَقَةِ، وكذا هَنْدَسَةُ اللقْمَةِ؛ وهي أن يَقْضِمَ بأسنانِهِ بَعْضَ أطرافها، ثُمَّ يضعَهَا في الإِدامِ، وأن يتكلَّمَ بما يُسْتقذَرُ أو بما يُضْحِكُ أو يُحْزِنُ، وأن يأكُلَ مُتكئًا، أو مُضْطَجِعًا، أو مُنْبَطِحًا، أو على الطَّريقِ، وأن يعيبَ الطَّعامَ، بل إن اشتهَاهُ أَكَلَ مِنْهُ، وإلَّا تَرَكَهُ، ولا بأس بمدحِهِ، لا من صاحبِهِ فيكرَهُ منه ذَلِكَ لتقويمِهِ له.
وَيُسَنُّ أن يَجْلِسَ على رجْلِهِ اليُسرى، وَيَنْصِبَ اليُمْنى أو يَتَربَّعَ.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ولا يَشْرَبُ الماءَ في أثناءِ الطَّعامِ؛ فإنه أَجودُ في الطِّبِّ.
ومَحَلُّهُ إن لم يكن عادةٌ، ولا يَعُبُّ الماءَ عبًّا، بل يأخُذُ إناءَ الماء بيمينِهِ، ويُسَمّي، وينظرُ فيه ثُمَّ يشربُ منه مَصًّا مقطعًا ثلاثًا، ويُكْرَهُ أن يَتنفّس في الإِناءِ، وأن يشربَ من فَمِ

الجزء: 1 - الصفحة: 361

السِّقاءِ وثُلمةِ الإِناءِ أو مُحاذيًا للعُروَةِ المُتَّصِلَةِ بَرَأْسِ الإِناءِ.
ولا يُكْرَهُ الأَكلُ والشُّرْبُ قائمًا والأَكملُ قَاعِدًا.
فَائِدَةٌ: وماءُ آبارِ ثَمُودَ لا يُباحُ شُرْبُهُ، ولا الطَّبْخُ به، ولا استعمالُهُ، فإن طَبَخَ منه، أو عَجَنَ أَكْفَأَ القِدْرَ، وعَلَفَ العجينَ النَّواضِحَ، ويُبَاحُ منها بِئْرُ النَّاقَةِ.
وديارُ قوم لوطٍ يُكْرَهُ شُرْبُ مائِهَا واستعمالُهُ، لأَنَّها مسخوطٌ عليها.

فَصْلٌ

وإذا شَرِبَ يُسْتَحَبُّ أن يُناولَهُ الأَيمنَ، وكذا غسلُ اليدين ورشُّ الماوَرْدِ ونحوِه، ويبدأُ في ذلك بأفضلهم ثُمَّ بمن على اليمين.
ويُسَنُّ أن يَغُضَّ طَرْفَهُ عن جليسِهِ، وأن يؤثر على نفسه المحتاجَ، وأن يُخَلِّلَ أسنانَهُ إن عَلِقَ بها شيءٌ لا في أثناءِ الطَّعامِ ولا بِعُودٍ يَضُرُّهُ، ويُكْرَهُ ابتلاعُ ما قلعَهُ بالخِلالِ لا ما قَلَعَهُ بلسانِهِ.
ولا يأكُلْ مِما شُرِبَ عليه الخَمْرُ ولا مُخْتَلِطًا بحرام إلَّا لضرورةٍ، ولا يُلَقِّمْ جليسَهُ ولا يَفْسَحْ لغيرِهِ، ولا يُطْعِمْ هرًّا ولا سائِلًا إلَّا بإذنِ رَبِّ الطَّعَامِ، وفي معنى ذلك تقديمُ الضَّيْفِ ما لديه إِلى غَيْرِهِ، ولا يَخْلِط طعامًا بطعامٍ، وقطعُ اللَّحْمِ بالسِّكينِ جَائِز.
فَائِدَةٌ: يُبَاحُ النّهْدُ، وهو أن يُخْرِجَ كُلُّ واحدٍ من رُفقةٍ شيئًا من

الجزء: 1 - الصفحة: 362

النَّفَقَةِ، ويدفعونَهُ إلى من يَنْفِقُ عليهم منه، ويأكلونَ جميعًا، فلو أَكَلَ بعضُهُمْ أَكْثَرَ أو تَصَدَّقَ منه فلا بَأْسَ.
والسُّنَّةُ أن يكونَ البَطْنُ أَثلاثًا: ثُلثًا للطَّعامِ، وثُلثًا للشَّرابِ، وثُلثًا للنَّفَس.
ويَحْرمُ أكلُهُ كثيرًا بحيثُ يتأذَّى وَيَتَّخِمُ.
ويُكْرَهُ إدمانُ أَكْلِ اللَّحْمِ، وتقليلُ الطَّعام بحيثُ يَضُرُّهُ، ومِنَ السَّرفِ أن تَأْكُلَ كلما اشْتَهَيْتَ.
ويأكُلُ ويشرَبُ مع أبناء الدُّنيا بالأَدبِ والمُروءَةِ، ومع الفُقراءِ بالإِيثار، ومع الإِخوانِ بالانْبِساطِ، ومع العلماءِ بالتَّعَلُّم، ولا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلى المكانِ الذي يخرجُ منه الطَّعامُ.
وَيُسَنُّ الأَكْلُ مع الزَّوْجَةِ والولَدِ، ولو طِفْلًا، وأَن تكثُرَ ألأَيدي على الطَّعامِ، وأن يُجْلِسَ عبدَهُ على الطَّعامِ، فإن لم يُجْلِسْهُ أطْعَمَهُ منه.
وَيُسَنُّ لمن أَكَلَ مع جماعة ألَّا يَرْفَع يَدَهُ حَتَّى يكتَفُوا.
ويُسَنُّ أن يُباسِطَ الإِخْوانَ بالحديثِ الطَّيِّبِ والحكاياتِ التي تليقُ بالحالِ إذا كانوا مُنقبضينَ، ويُقدِّم ما حَضَرَ من الطَّعامِ من غير تَكَلُّفٍ، ولا يَحْتَقِرهُ فيمتنعَ من تقديمِهِ.
قال الشَّاعِرُ: نُقَدِّمُ للضَّيْفِ ما عِنْدَنا ... وإن لم يَكُنْ غَيْرَ خَلٍّ وَبَقْلْ

الجزء: 1 - الصفحة: 363

فَأَمَّا الكَرِيمُ فَيَرْضى بِهِ ... وَأَمَّا اللئيمُ فَمَنْ لَمْ نُبَلْ وقلت: إذا جاءك الزَّائرُ مُخْلِصًا ... فَأَحْسِنْ قِرَاهُ مِمَّا حَضَرْ وبادِرْ أُخَيَّ بِلا كُلْفَةٍ ... لَهُ فالشَّرْعُ عَنْها زَجَرْ فَأَمَّا الكَرِيمُ فَيَرْضَى بِمَا ... تَيَسَّرْ وذو اللؤمِ لا يُعْتبَرْ وإذا كان الطَّعامُ قليلًا والضُّيوفُ كثيرةً فالأَولى تركُ الدَّعوةِ.
ويُسَنُّ أن يَخُصَّ بدعوتِهِ الأَتقياءَ والصَّالِحين، وإذا طَبَخَ مَرَقَةً أن يُكْثِرَ ماءها ويتعاهدَ مَعَهُ بعضَ جيرانِهِ.
تَنْبِيهٌ: وإقراءُ الضَّيْفِ مسنونٌ بِتَأَكُّدٍ، ولا خَيْرَ فيمن لا يُضَيِّفُ.
ومن آدابِ إحضار الطَّعامِ تعجيلُهُ وتقديمُ الفاكهةِ قَبْلَ غيرها؛ لأَنَّهُ أَصْلَحُ في بابِ الطِّبِّ، ولا يستأْذِنُهُم في التَّقْدِيم.
ومِنَ التكلُّفِ أنْ يُقَدِّمَ جميعَ ما عِنْدَهُ، ولا يجمعْ بين النَّوى والتَّمْرِ في طَبَقٍ، ولا يجمَعهُ في كفِّهِ، بل يَضَعُهُ من فيه على ظهرِ كَفِّهِ، وكذا كُلُّ ما فيه عَجَمٌ وثُفْلٌ 66. ولا يَخْلِطْ قِشْرَ البطِّيخِ الذي أَكلَهُ بما لم يُؤْكَلْ، ولا يَرمِ به، بل

الجزء: 1 - الصفحة: 364

يَجْمَعُهُ مُنْفردًا عنده ثُمَّ يُلْقيه.
ولِرَبِّ الطَّعامِ أن يَخُصَّ بعض الضيفانِ بشيءٍ طَيِّبٍ إذا لم يَتَأَذَّ غيرُهُ.
ويُسَنُّ للضَّيْفِ أن يُفْضِلَ شيئًا لا سيَّما إن كانَ مِمَّنْ يُتبَرَّكُ بفضلتِهِ 67، أو كانَ ثَمَّ حاجةٌ.
وفي "شرح مسلم" للنَّووي رحمه الله تعالى: يُسْتَحَبُ لصاحِبِ الطَّعامِ، وأهلِ الطَّعامِ الأَكلُ بعد فراغِ الضَّيفانِ 68. والأَولى النَّظَرُ في قَرائِنِ الحَالِ.
ولا يُشْرَع تقبيلُ الخُبْزِ ولا شيء من الجماداتِ، إلَّا ما وردَ بِهِ الشَّرْعُ كالحجرِ الأَسود.
ويُكْرَهُ أن يَأْكُلَ ما انْتَفَخَ من الخُبْزِ ووجْهَهُ، ويَتْرُكَ الباقي.
ولا يقتَرح الزَّائِرُ طعامًا بعينِهِ، وإن خُيِّرَ بين طعامَيْنِ، اختارَ الأَيْسَرَ، إلَّا أن يعلمَ أنَّ مُضَيِّفَهُ يُسَرُّ باقتراحِهِ ولا يقصِّرُ عن تحصيلِ ذلك.
وينبغي ألَّا يقصدَ بالإِجابةِ إلى الدَّعْوةِ نفسَ الأَكْلِ، بل يَنْوي بها الاقتداءَ بالسُّنَّةِ، وإكرامَ أخيه المُسْلم، وصيانَةَ نفسِهِ عن مُسِيءٍ به الظَّنَّ، بالتَّكبُّرِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 365

وَيُسَنُّ أن يجْعَلَ ماءَ الأَيْدي في طَسْتٍ واحدٍ، ولا يَرْفَعْهُ حَتَّى يمتلئَ، ولا يَضَعَ الصَّابونَ في ماءِ الطسْتِ بَعْدَ غسل يَدِهِ.
ومن أَكَلَ طعامًا فليقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيه، وأَطْعِمْنا خَيْرًا منه.
وإذا شَرِبَ لبنًا قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيه، وزِدْنا منه" 69. وإذا وَقَعَ الذُّبَابُ ونحوُهُ في طعامٍ أو شراب، سُن غَمْسُهُ كُلِّهِ فيه ثُمَّ ليَطْرَحْهُ.
وَيَغْسِلُ يديْهِ وَفَمَهُ من ثُومٍ وَبَصَلٍ وزُهُومةٍ ورائحةٍ كريهةٍ، ويتأكَّدُ عند النَّوْمِ.
واعلم أن في الثَّريدِ فَضْلًا على غيره من الطَّعامِ، وهو أن يَثْرُدَ الخُبْزَ -أي يَفُتَّهُ- ثُمَّ يَبُلَّهُ بِمَرقِ لحمٍ أو غيره.
وإذا ثَرَدَ غَطَّاه شيئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرَهُ؛ فإنه أَعْظَمُ للبَرَكَةِ.
ويُكْرَهُ رَفْعُ يَدِهِ قبلَهُم بلا قرينةٍ، وأن يُقيمَ غيره عن الطَّعامِ قبل فراغِهِ؛ لما فيه من قطع لذَّته، ولا يقومُ عن الطَّعامِ حَتَّى يُرفَع إلَّا لحاجة.
وإن أَكَلَ تَمْرًا عتيقًا ونحوه فَتَّشَه، وأَخْرَجَ سُوسَهُ.
وإطعامُ الخُبْزِ البَهِيمَةَ ترْكُهُ أَوْلى إلَّا أن يكونَ يسيرًا أو لحاجةٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 366

ومن السُّنَّةِ أن يَخْرُجَ مع ضَيْفِه إلى بابِ الدَّارِ، ويحسُنُ أن يَأْخُذَ بركابِهِ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ مَنْ لا يَرْجُوهُ ولا يَخَافُهُ غُفِرَ لَهُ" 70. وينبغي للإنسان أن يتواضعَ في مجلسِهِ، وإذا حضرَ أن لا يَتَصَدَّرَ، وإن عَيَّنَ له صاحِبُ البيتِ مكانًا لا يَتَعَدَّاه.
والنِّثارُ في العُرْسِ وغيرِه مكروهٌ، وكذا التقاطُهُ، لأَنَّهُ شبيهٌ بالنِّهبةِ، والتقاطُهُ دناءَةٌ، وإسقاطُ مروءةٍ.
ومن أخذَ منه شيئًا ملكَهُ، ومن حَصَلَ في حجره منه شيءٌ فهو لَهُ، كما لو وَثَبَتْ سمكةٌ من البحر فوقعَتْ في حِجْرِهِ.
وأما قَسْمُ ذَلِكَ على الحاضرين فليس بمكروهٍ، وكذا إن وَضَعَهُ بين أيديهم، وأَذِنَ لهم في أخذه على وَجْهٍ لا يقَعُ فيه تناهُبٌ.


الجزء: 1 - الصفحة: 367

بَابُ الوَليمَةِ

وهي اسمٌ لِطَعَامِ العُرْسِ خاصَّةً، وهي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ولو بشيءٍ قليل كَمُدَّينِ من شعيرٍ.
ويُسَنُّ ألَّا تَنْقُصَ على شاةٍ، والأَوْلَى الزِّيادَةُ عليها.
والإِجابَةُ إليها واجبةٌ، إذا عيَّنَهُ داعٍ مسلمٌ يحرمُ هَجْرهُ ومكسبه طيبٌ في اليوم الأَول.
فإن كان المدعو مريضًا، أو يُمَرِّضُ أحدًا، أو مشغولًا بحفظِ مالٍ، أو كان شِدَّة حَرٍّ، أو بَرْدٍ، أو مَطَرٍ يبُلُّ الثِّيابَ، أو وَحْل، أو كان أجيرًا ولم يأذن له المستأجِرُ لم تَجِبْ.
والعبد كالحُرِّ إن أَذِنَ له سَيِّدُه، والمكاتَبُ إن أَضَرَّ بكسبِهِ لم يلزَمْهُ الحضورُ ولا أن يأذنَ له سيّدُهُ.
وتكْرَهُ إجابةُ من في مالِهِ حرامٌ كالأَكلِ منه، ومُعاملَتُهُ وَقَبُولُ هديَّتِهِ وهبتِهِ، ونحوِهِ، وَتَقْوَى الكَراهةُ وتضْعُفُ بِحَسَبِ كثرةِ الحرامِ

الجزء: 1 - الصفحة: 368

وَقِلَّتِهِ، وقيل: يَحْرُمُ.
قال الأَزجيُّ 71: وهو قَياسُ المَذْهَبِ.
وسُئِلَ الإِمام أحمد عن الذي يُعامِلُ بالرِّبا، أَيُؤْكَلُ عِنْدَه؟ قال: لا.
وقال صَاحِبُ الرِّعاية 72 فيها: لا يَأْكُلْ مُخْتَلِطًا بِحَرامٍ بلا ضرورةٍ، وإِن لم يَعْلَمْ أنّ في المالِ حرامًا، فالأَصلُ الإِبَاحَةُ ولا تحريمَ بالاحتمالِ، لكن التَّرْكَ حينئذٍ أولى؛ لأَنَّه لا يخفى على الورع.
قال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: كُنَّا نَدَعُ سبعينَ بابًا من الحَلالِ مخافةَ أن نَقَعَ في بابٍ من الحرامِ.
وينبغي صَرْفُ الشُّبهاتِ في الأَبعدِ عن المنفعةِ، فالأَقربُ ما يدخُلُ في الباطنِ من الطّعامِ والشّرابِ ونحوه، ثمَّ ما ولي الظاهرَ من اللِّباسِ، فإن دعاهُ الجَفَلَى، أو في اليوم الثَّالِثِ، أو ذِمِّيٌّ كُرِهَتْ الإِجابة، وتُسَنُّ في اليوم الثَّاني.
وإن دَعَتْهُ امرأة فكرجُلٍ، إلَّا مع خَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
والجَفَلَى هي أن يَعُمَّ الدَّاعي بدعوته كان يقول: أيُّها النَّاسُ هَلُمُّوا إلى الطَّعامِ، أو يقول الرَّسُولُ: قد أُذِنَ لي أن أدعُوَ من لقيتُ أو من شئتُ أن يَحضر.

الجزء: 1 - الصفحة: 369

فَائِدَ: وسَائِرُ الدَّعواتِ مباحة إلَّا العقيقةَ فَتُسَنُّ، والمأتَمَ ما يُعْمَلُ بعد الموت فتكره.
وَيُكْرَهُ لأَهْلِ الفَضْلِ والعِلْمِ الإِسراعُ إلى الإِجابَةِ والتَّسامُحُ فيه؛ لما فيه من البِذْلَةِ والدَّناءَةِ والشَرَهِ لا سِيَّما الحَاكِمِ، وقد قيل: ما وضعَ أحدٌ يدَهُ في قَصْعَةِ أَحَدٍ إلَّا ذَلَّ.
وإن حَضَرَ وهو صائم صَوْمًا واجبًا لم يُفْطِرْ، ودعا، وأخبَرَهم أَنَّه صائِمٌ ثُمَّ انْصَرَفَ، وإن كان مُفْطرًا اسْتُحِبَّ له الأَكْلُ، وإن كان صائمًا تَطَوُّعًا، وفي تركِهِ الأَكْلَ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعي، اسْتُحِبَّ له أن يُفْطِرَ، وإلَّا فإتمامُ الصَّوْم أَوْلَى.
ويَحْرُمُ شديدًا أخذُ شيءٍ من الطَّعامِ بغيرِ إِذن صاحبِهِ.
وإن دعاهُ اثنان أجابَ أسْبَقَهُما بالقولِ، فإن اسْتَوَيا، أجاب أدْيَنَهما، ثُمَّ أقْرَبَهما رَحِمًا، ثُمَّ جِوارًا، ثُمَّ يُقْرِعُ، فإن اتَّسَعَ الوقتُ لإِجابَتِهما وَجَبَ أن يُجيبَهُما.
تَنْبِيهٌ: وإن عَلِمَ أنَّ في الدَّعْوةِ مُنْكَرًا، كالزّمْرِ، والخَمْرِ، والعُودِ، والطَّبْلِ، ونحوه، أو آنيَةِ ذَهبٍ أو فِضةٍ أو فُرُشًا مُحَرَّمَةً، وأَمْكنه إزالتُهُ لَزِمَهُ الحُضُورُ والإِنكارُ، وإن لم يَقْدِرْ لم يَحْضُرْ.
فإن لم يَعْلَمْ حَتَّى حَضَر وشاهَدَهُ، أزالَه وَجَلَسَ، فإن لم يَقْدِرْ على الإِنكارِ انصرف.

الجزء: 1 - الصفحة: 370

وإن عَلِمَ به ولم يَرَه، ولم يَسْمَعْهُ، فله الجلُوسُ والأَكْلُ، وله الانصرافُ.
وإن شاهَدَ سُتُورًا معَلَّقَة فيها صُوَرُ حيوانٍ، وأمكنَه حَطُّها، أو قَطْعُ رُؤوسِها، فَعَل وَجَلَس، وإن لم يُمْكِنْه ذلك، كُرِهَ الجلوسُ، إلا أن تُزالَ.
وإن عَلِمَ بها قبلَ الدُّخولِ كُرِهَ الدُّخولُ، وإن كانت مَبْسُوطَةً أو على وِسادة، فلا بأس بها.
وَيَحْرُمُ تَعْليقُ ما فيه صُورَةُ حيوانٍ، وسَتْرُ الجُدُرِ به، وتَصْويرُهُ، فإن قَطَعَ رأسَ الصُّورةِ أو ما لا تَبْقَى الحياةُ بعد ذهابِهِ؛ كَصَدْرِها وَبَطْنِها، أو صُوِّرَتْ بلا رَأْسٍ، أو بلا صَدْرٍ أو بلا بَطْنٍ، أو جَعَل رأسها مُنْفَصِلًا عن بَدَنِها، أو رأْسٌ بلا بَدَنٍ، فلا كَراهَةَ.
ويُكْرَهُ سَتْرُ حيطانٍ بسُتُورٍ لا صُوَرَ فيها، أو فيها صُوَرُ غيرِ حَيوانٍ.
وَيَحْرُمُ بحريرٍ مُطْلقًا بلا ضرورةٍ فيهما، وحيثُ حَرُمَ الحريرُ حَرُمُ الجُلوسُ معه.
واعلم أنَّهُ يَحْرُمُ الأَكْلُ بغيرِ إذنٍ صَرِيحٍ أو قَرِينَةٍ، ولو من بَيْتِ قَرِيبِهِ أو صديقِهِ، وإن لم يكن مُحرزًا عنه كأخْذِ الدَّراهِمِ.
والدُّعاءُ إلى الوَليمَةِ أُذِنَ فيه لتقديمِ الطعامِ إذا أُكمِلَ وَضْعُه، ولم يُلْحَظِ انتظارُ من يأتي، وليس ذَلِكَ إذنًا في الدُّخول إلَّا بقرينَةٍ، ولا يَمْلِكُ الطَّعامَ الذي قُدِّمَ إليه، بل يَهْلِكُ على مِلْكِ صاحبِهِ، فلا يَجُوزُ لِلضِّيفانِ قَسْمُهُ.
ولو حَلَفَ ألَّا يَهَبُه، فأضافَهُ، لم يَحْنَثْ.

الجزء: 1 - الصفحة: 371

وَيُسَنُّ إعلانُ النكاح، والضرْبُ بدُفٍّ مُباحٍ، وهو الذي لَيْسَ فيه حِلَقٌ ولا صُنُوج، وَيُكْرَهُ للرِّجَال.
ولا بَأْسَ بِهِ في الخِتَانِ، وقُدومِ الغائبِ ونحوِهما، ويَحْرُمُ في غَيْرِ ذلك.
وَتَحْرُمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ مُطْلقًا كَمِزْمَارٍ، وَطَبْلٍ، وطُنْبُورٍ، ورَبابٍ، وجَنْكٍ، ونايٍ، وَمَعْزَفَةٍ، وجُفانَةٍ، وعُودٍ، وزَمّارَةِ الرَّاعي ونَحْوِ ذَلِكَ، سواءٌ اسْتُعْمِلَتْ لحُزْنٍ أو سُرورٍ.
ويُكْرَهُ الغِنَاءُ واستماعُهُ بلا آلةِ لَهْوٍ، ويحرمان معها لقوله عليه السَّلامُ: "الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفاق في القَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الماءُ الزَّرْعَ" 73. وسُئِلَ الشِّبْليُّ عن الغناءِ فقال: أحقٌّ هو؟ قيل: لا، فقال: فماذا بعد الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ.
ويُباحُ الغَزَلُ في العُرْسِ، وأما الشِّعْرُ فهو كالكلامِ حَسَنُهُ حَسَنٌ وقبيحُهُ قَبِيحٌ؛ فَيَحْرُمُ منه ما كان هجوًا، أو فُحْشًا، أو تشبيبًا بامرأَةٍ بِعَيْنها محرمةٍ، أو بِأَمْرَدَ، أو خَمْرٍ ونحو ذَلِكَ، أو إطنابًا في مدح النّاسِ بما ليس فيهم، ويفسُقُ بِذَلِكَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 372

ويُباحُ إن كان حِكَمًا وَأَدَبًا، أو مَواعِظَ وأَمْثالًا، أو لُغَةً يستشهَدُ بها على تأويل القرآنِ والحَدِيثِ، أو مديحًا للنبي عليه السَّلام أو للنَّاسِ بما لا كذب فيه، أو هجوًا للمُشْرِكينَ ونحو ذلك.

فَصْلٌ في الكَسْبِ

هو سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ حَتَّى مع الكفاية، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
وقال عليه السَّلامُ: "لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُم حَبْلَهُ ثُمَّ يأتيَ الجَبَلَ فَيَأْتيَ بِحُزْمةِ من حَطَبٍ على ظَهْرِهِ فيبيعَها فَيَكفَّ اللَّهُ وجهَهُ، خَيْرٌ لَهُ من أن يَسْأَلَ النَّاسَ، أعطَوْهُ أم مَنَعُوهُ" 74. وقال عليه السَّلامُ: "كانَ داودُ عليه السَّلامُ لا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِيهِ" 75. وقال عليه السَّلامُ: "ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قط خَيْرًا من أن يَأْكُلَ من عَمَلِ يَدِهِ" 76، روى الجميعَ البخاريُّ رحمه الله تعالى.
وقال عليه السَّلامُ: "كان زَكَريا عليه السَّلامُ نَجَّارًا"، رواه مسلم 77. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ بَاتَ كَالًّا مِن طَلَب الحَلالِ باتَ

الجزء: 1 - الصفحة: 373

مَغْفُورًا له" 78، رواه ابن عساكر.
وقال عليه السَّلامُ: "خَيْرُ الكَسْبِ كَسْبُ يَدِ العَامِلِ إذا نَصَحَ"، رواه أحمد 79. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الأَعمال الكَسْبُ مِنَ الحَلالِ" 80. وقال عليه السَّلامُ: "لَعَثْرَةٌ في كَدٍّ حَلالٍ على عَيِّلٍ مَحْجُوبٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ من ضَرْبٍ بِسَيْفٍ حَوْلًا كامِلًا، لا يجف دَمًا مع إِمامٍ عادِلٍ" 81، رواه ابن عساكر.
والحاصِلُ أن الدَّلائِلَ الدَّالةَ على مشروعيَّةِ الكَسْبِ كثيراتٌ شَهيراتٌ، ولا يليقُ استقصاؤهُ في هذا المُخْتَصَرِ.
واعلم أَنَّه يُسَنُّ تَعَلُّمُ أحكامِ الكَسْبِ، وَيَجِبُ التكسُّبُ على من لا قُوتَ لَهُ أو لعيالِهِ فيكتَسِبُ لنفسِهِ، ولمن تلزمُهُ مؤنتُهُ، ولوفاءِ دينِهِ.
ويقَدَّمُ الكَسْبُ لعيالِهِ ودَيْنهِ على كل نَفْلٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 374

قال سفيان الثَّوري: عَلَيْكَ بَعَمَلِ الأَبطالِ، الكَسْبُ مِنَ الحلالِ والإِنفاقُ على العَيالِ.
ويُكْرَهُ تركُهُ والاتِّكالُ على النَّاسِ.
قال الإِمام أحمد: لم أرَ مِثْلَ الغِنَى عن النَّاس، وقال في قوْم لا يَعْمَلُونَ ويَقُولونَ نَحْنُ مُتَوَكِّلونَ: هؤُلاء مُبْتَدِعَةٌ 82 واعلم أن هذا في حَقِّ أمثالِنَا مِمَّن ضَعُفَ إيمانُهُ وَقَلَّ يقينُهُ ونقصَ توكُّلُهُ، وأمًاا لكامِلُونَ في اليقينِ والتمكينِ فلا يَصِحُّ قَوْلُ مثل ذَلِكَ في حقهم، فإنَّه رحمه الله تعالى قد أجازَ التَّوكُّلَ لمن اسْتُعْمِلَ فيه الصِّدْقُ، نقلَهُ عنه المَرُّوْذِي 83. وقال: من لم يَطْمَعْ من آدميٍّ أن يجيبَهُ بشيءٍ رَزَقَهُ اللَّهُ إيَّاهُ كان متوكلًا.
وقد قال في موضع آخرَ فيمن يَحجُّ على سبيل التَّوكُّلِ: هؤلاء يَحُجُّونَ متوكلينَ على أزوادِ النَّاسِ.
وقال: لا أُحِبُّ أن يدخُلَ الباديةَ بلا زاد، لأَنَّهُ يَتَوَكَّلُ على أزوادِ النَّاسِ 84، وهذا وأشباهُهُ يُحْمَلُ على من ذكرنا أولًا.
والحَاصِلُ أَن الكَسْبَ من المصالحِ العامَّه؛ فلا يُرَخَّصُ في تركِهِ ولا يُعابُ فاعِلُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 375

قال الإِمام أحمد: استغنِ عن النَّاسِ ما استطعتَ فلم أرَ مثله، الغِنى من العافية 85. وقد دعا لعلي بن جعفر وقال لأَبيه: أَلْزِمْه السُّوقَ وَجنِّبْهُ أقرانه 86. وقال له رجلٌ مرةً: يا أبا عبد الله ما ترى مكاسِبَ النَّاس؟ فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يريد أن يُفْسِدَ على النَّاسِ معايشهم 87. وقال رجل: إني في كفاية، قال له: الزَم السُّوق، واتَّجِرْ تَصِلُ بِه الرَّحِمَ، وتعودُ به على نَفْسِكَ وغيرك 88. وقال مرة: لا ينبغي أن يدعَ السَّبَبَ وينتظرَ ما بيدِ النَّاسِ.
وقال عَمَّن يفعل هذا: هؤلاءِ مبتدعةٌ، إِنهم قومُ سوءٍ يريدونَ تعطيلَ الدُّنيا 89. وفي "الغنية" قد روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "مَنْ طَلَبَ الدُّنيا حلالًا؛ استعفافًا عن المَسْأَلةِ، وَسَعيًا على

الجزء: 1 - الصفحة: 376

أهلِهِ، وَتعَطُّفًا على جارِهِ، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القيامَةِ ووجهُهُ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنيا حَلالًا مُكَاثِرًا، مُفاخِرًا، مُرائيًا، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وهو عليه غَضْبَان" 90. وعن ثابت البُنَانِيِّ أَنَّه قال: بَلَغَني أن العافيةَ في عَشْرَةِ أشياءٍ: تسعة منها في السُّكُوتِ، وواحد منها في الفرارِ من النَّاس.
والعبادةُ عشرةُ أشياءٍ: تسعة منها في طلب المعيشة، وواحدٌ في العبادة.
وعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَفْتَحُ الرَّجُلُ على نفسِهِ بابًا من المسأَلةِ إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عليه بابًا مِنَ الفَقْرِ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغن يغنِهِ اللَّهُ، لأَن يَأْخُذَ أَحَدُكُم حَبْلًا ثُمَّ يَعْمَدَ إلى هذا الوادي فيحتَطِبَ مِنْهُ، ثُمَّ يأتيَ سُوقَكُم فَيَبيعَهُ بِمُدِّ تَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أن يَسْأَلَ النَّاسَ أعطَوْهُ أو مَنَعُوهُ" 91.

الجزء: 1 - الصفحة: 377

ورُوِيَ: "ما مِنْ رَجُلٍ يفتَحُ على نفسِهِ بابًا من المَسْأَلةِ إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عليه سبعينَ بابًا مِنَ الفَقْر" 92. وروي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُحْتَرِفٍ أبا العيال، ولا يحبُّ الفارِغَ الصَّحيحَ لا في عملِ الدُّنيا ولا في عَمَلِ الآخِرَةِ" 93. وروي أن خليفة الله تعالى ونبيه داود عليه السَّلامُ سَأَلَ اللَّهَ تعالى أن يجعلَ كسبَهُ في يده، فألانَ لَهُ الحديدَ حَتَّى صارَ في يَدِهِ كالشَّمْعِ أو العجينِ، يتخِذُ منه الدُّروعَ فيبيعُهَا ويعيشُ هو وعياله بِثَمَنِها.
وقال ابنه سليمان عليهما السَّلامُ: رب قد آتيتني مِنَ المُلْكِ ما لم تؤتِهِ أحدًا قبلي، وسألتُكَ ألَّا تُعْطِيَهُ أحدًا مِنْ بعدي فَأَعْطَيتَنيه، فإن قَصَّرْتُ في شُكْرِكَ فَدُلَّني على عَبْدٍ هو أَشْكَرُ لك مني، فأوحى الله إليه: أن يا سليمانُ، عَبْدٌ يَكْسِبُ بيدِهِ ليَسُدَّ جوعتَهُ ويستُرُ عورتَهُ، ويَعْبُدني، هو أشْكَرُ لي مِنْكَ، فقال: يا رَبِّ اجْعَلْ كسبي في يَدِي،

الجزء: 1 - الصفحة: 378

فأتاهُ جبريلُ عليه السَّلامُ فعلَّمَهُ الخُوصَ يتخذُ منه القِفَافَ، فأول من عَمِلَ الخُوصَ هو عليه السَّلامُ.
وقال بَعْضُ الحُكماءِ: لا يقومُ الدِّينُ والدُّنيا إلَّا بأربعةٍ: العلماءُ، والأمراءُ، والغُزاةُ، وَأَهْلُ الكَسْبِ.
فالأُمراءُ هم الرُّعاةُ يرعونَ الخَلْقَ، والعلماءُ هم ورثةُ الأَنبياءِ يَدُلّون الخَلْقَ على الآخِرَةِ، والنَّاسُ يقتدونَ بهم، والغُزاةُ هم جندُ اللَّهِ في الأَرض يقمع الكفار بهم، وأما أَهْلُ الكَسْبِ فهم أمناءُ الله تعالى بهم تَتِمُّ مصالحُ الخَلْقِ وعِمارةُ الأَرْضِ.
فالرُّعاةُ إذا صاروا ذِئابًا فَمَنْ يَحْفَظُ الغَنَمَ؟ والعلماءُ إذا تَركوا العِلْمَ واشتغلوا بالدُّنيا فَبِمَنْ يقتدي الخَلْقُ؟ والغُزاةُ إذا رَكِبُوا الفَخْرَ والخُيلاءُ، وخرجوا للطمع، فَمَتَى يظفرونَ بالعَدُوِّ؟ وأهلُ الكَسْبِ إذا خانوا النَّاسَ فكيف يأمنهُمُ النَّاسُ؟ وإذا لم يكن في التَّاجِرِ ثلاثُ خِلالٍ افتقرَ في الدُّنيا والآخرة: أَوَّلُها: لِسانٌ يَتَّقِي ثلاثًا: الكَذِبَ، واللَّغْوَ، والحَلِفَ.
والثَّانيةُ: قَلْبٌ صافٍ مِنَ الغِشِّ والحَسَدِ لجارِهِ وقرينهِ.
والثَّالِثَةُ: نفسٌ مُحافِظَة لِثَلاثِ خِلالٍ: الجُمُعَةُ والجَمَاعَةُ، وَطَلَبُ العِلْمِ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وإيثارُ مرضاتِ اللَّهِ تعالى على غيرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 379

وإيَّاكَ والكَسْبَ الحرامَ فَقَدْ قيل: إذا كَسَبَ العَبْدُ خبيثًا وأرادَ أن يَأْكُلَ مِنْهُ وقال: بِسْمِ اللَّهِ، قال الشَّيطانُ: كلا إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ حين كسبتَهُ فلا أُفارِقُكَ، إِنَّما أنا شَريكُكَ؛ فهو شريكُ كُلِّ كاسبِ حرامٍ.
قال الله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: 64]، فالأَموالُ هي الأَموالُ الحرامِ، والأَولاد هي أولادُ الرنا، كذا ذُكِرَ في التَّفسير.
وقد رُوِيَ عن ابن مسعود عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال: "لا يَكْسِبُ العَبْدُ مالًا مِنَ الحَرامِ، وَيَتَصَّدَّقُ بهِ فَيُؤْجَرَ عليه، ولا يُنْفِقُ منه فَيُبَارَكَ له فيه، ولا يَتْرُكُه خَلْفَ ظَهْرِهِ إلَّا كان زادَهُ إلى النَّارِ" 94. في الجُمْلَةِ لا يمتنعُ مِنَ الحرامِ إلَّا من هو مُشْفِقٌ على لَحْمِهِ وَدَمِهِ، فدين المرءِ لحمُهُ وَدَمُهُ، فَلْيَجْتَنِب الحرامَ وأهلَهُ ولا يُجالِسْهُم، ولا يَأْكُلْ طعامَ من كسبُهُ حرامٌ، ولا يَذَر أحدًا على حرامٍ فيكونَ شريكَهُ، فالورعُ هو مِلاكُ الدَّينِ وقِوَامُ العِبَادَةِ واستكمالُ أمر الآخِرَةِ.
انتهى كلامُ إِمامِ الأَئِمَّةِ، وسلطانِ الأَمَّةِ، شيخِ الإسلامِ وَرَحْمَةِ الأَنامِ، قُطْبِ العارفين، لِسَانِ المُوَحِّدِينَ، رُكنِ الشريعةِ، عَلَمِ الحقيقة 95،

الجزء: 1 - الصفحة: 380

عبد القادر الكيلاني في "الغنية" 96 رضي الله عنه.
إذا علمت هذا فاعلم أن الزِّراعة أفْضَلُ مُكْتَسَب، وقيل عَمَلُ اليَدِ، وقيل التِّجارة، لقوله عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرورٌ، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ" 97. وقوله عليه السَّلامُ: "تِسْعَةُ أَعْشارِ الرِّزْقِ في التِّجَارَةِ، والعُشْرُ في المواشي" 98. وقولُهُ عليه السَّلامُ: "إِنَّ أَطْيَبَ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الذينَ إذا حَدَّثُوا لم يَكْذِبُوا، وإذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وإِذا وَعَدُوا لم يخْلِفوا، وإِذا اشْتَرْوا لم يَذُمُّوا، وإِذا بَاعُوا لم يُطْرُوا، وإِذا كان عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وإذا كانَ لَهُمْ لَمْ يُعَسِّرُوا" 99.

الجزء: 1 - الصفحة: 381

وأفضلُها في بزٍّ وَعِطْرٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ وماشيةٍ، وأبغضُها في رقيقٍ وَصَرْفٍ.
وأفضَلُ الصنائع خِياطَةٌ، وَكُلُّ ما نُصِحَ فيه فهو حَسَن، وَأدناها حِياكَةٌ وحِجَامَةٌ، وَأَشَدُّهَا كراهةً صبغٌ وصياغَة وحِدادةٌ ونحوها، ويُكْرَهُ كَسْبُهُم.
وَكسبُ الجَرارِ أيضًا مكرُوهٌ؛ لأنَّهُ يُوجِبُ قساوةَ القَلْبِ، وكَذَلِكَ يُكْرَهُ كَسْبُ من يُباشِرُ النَّجاسَةَ، والفَاصِدِ والمُزيّنِ والجَرائحي والخَتَّانِ ونحوهِم مِمَّن صَنعتُهُ دنيئة، والمرادُ مع إمكانِ أصلحَ مِنْها.
وَيُسَنُّ الغَرسُ والحَرْثُ، واتِّخاذُ الغَنَمِ.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغي للتَّاجِرِ أن يَصْحَبَ الرِّفْقَ والسَّمَاحَةَ في أمورِهِ كُلِّها، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ في بيعِهِ وشرائِهِ وقضائِهِ واستقضَائِهِ لِتَشْمَلَهُ دعوتُهُ عليه السَّلامُ بالرَّحمة لمن كان كذلك؛ قال عليه السَّلامُ: "رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إذا بَاعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرَى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقتضى".
رواه البخاري وابن ماجه 100. وينبغي لَهُ أيضًا أن يَتَجَاوَزَ عن المُعْسِرِ رجاءَ أن يتجاوزَ اللهُ عنه وهو أَحْوَجُ ما يكونُ إلى ذَلِكَ، قال عليه السَّلامُ: "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْر شيءٌ إِلَّا أنَّهُ كان رَجُلًا مُوسِرًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 382

وكان يُخالِطُ النَّاسَ، وكان يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أن يَتَجَاوَزُوا عن المُعْسِرِ.
فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَل لملائكَتِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ منه، تَجَاوَزوا عَنْهُ".
رواه البُخاري والتِّرمذي والحاكم 101. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أو وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ"، رواه أحمد ومسلم 102. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلّ يَوْمٍ مِثْلَهُ صَدَقَة قَبْلَ أن يَحِلَّ الدَّيْنُ، فإِذا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلاهُ صَدَقَةٌ"، رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم 103. تَتِمَّةٌ: أَفْضَلُ مَأْكُولٍ الصَّيدُ لكن يُكْرَهُ اتخاذهُ لهوًا، وإن كانَ فيه ظُلْمُ النَّاسِ بالعُدوانِ على زُرُوعِهِم وأموالِهِم فَحَرامٌ يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ، ولا يُصَادُ الحَمَامُ إلَّا أن يكونَ وحشيًا، وَيَحْرُمُ صَيْدُ سَمَكٍ وغيرِهِ بنجاسَةٍ كَعَذِرَةٍ وميتةٍ.


الجزء: 1 - الصفحة: 383

بَابُ آدابِ النِّكَاحِ

فمنها: أن يكون نيةُ المُتَزَوِّجِ امتثالَ أمرَ الله عزَّ وَجَلَّ في قولِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]، وقولهِ عَزَّ وَجَل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
وَقَوْلِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تناكَحُوا تناسَلوا، فإنِّي أُكاثِرُ بِكُمْ الأُمَمَ ولو بالسِّقْطِ" 104. وقولِهِ عليه السَّلامُ: "تناكَحوا تكاثَروا، فإِني أُباهي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ" 105. ومنها: أن يَعْتَقِدَ إعفافَ نفسِهِ وإحرازَ دينه وتكميلَهُ، ولقولِ

الجزء: 1 - الصفحة: 384

النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ نِصْفَ دينِهِ" 106. وقولِهِ عليه السَّلامُ: "إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ فَقَدْ اسْتكْمَلَ نِصْفَ دينِهِ" 107 وقولِهِ عليه السَّلامُ: "رَكْعَتانِ مِنْ المُتَأَهِل خَيْر من اثنين وثَمانين رَكْعَةً من العَزَبِ" 108.

الجزء: 1 - الصفحة: 385

ومنها: الاقتداءُ بالأَنبياءِ والصَّالحين لقوله عليه السَّلامُ: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحَيَاءُ، والتَّعَطُّرُ، والنِّكاحُ، والسِّواكُ" (1). ومنها: رجاءُ أن يرزقه اللَّهُ ولدًا تكثُرُ به الأُمَّةُ ويحصُلُ به نَفْعٌ عامٌ أو خاصٌّ به أو هما، وشاهِدُ العامِّ كثيرٌ، وكذلك شاهِدُ الخاصِّ، ومنه قوله عليه السَّلامُ: "إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا من ثَلاثٍ" وذكر منها: "ولدًا صالِحًا يَدْعُو لَهُ" (2). وقولُهُ عليه السَّلامُ: "إنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ درَجَتُهُ في الجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هذا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" (3).

فَصْل

وَيَتَخَيَّرُ الحسيبَةَ الأَجنبيةَ البِكْرَ الجميلةَ، وأن تكون من نساءٍ يُعْرَفْنَ بالدِّين والقَنَاعَةِ، وكثرَةِ الولادةِ؛ لأَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ109110111 = الحافظ الذهبي في "الميزان" (4/ 100): "لا أعرفه، وخبره باطل" وقال الحافظ ابن حجر فيما نقله السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (2/ 160): "هذا حديث منكر" كما أن في السَّند كذلك محمد بن هارون بن شعيب متكلم فيه كما في "لسان الميزان" (5/ 411).

الجزء: 1 - الصفحة: 386

وَسَلَّمَ قال لجابر بن عبد الله لما أخبره أنَّه تَزَوَّج بالثيب: "أَفلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ" (1). ولقوله عليه السَّلامُ: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ إِنَي مُكَاثِرٌ بِكُمْ" (2). وإِنَّما قُلْنا أجنبيةً لئلا تقَعَ بينَهُم مُنَافَرَةٌ وعداوةٌ؛ فيؤدي ذَلِكَ إلى قَطْعِ الرَّحِمِ المأمورِ بإيصالها، ولهذا منَعَ الشَّرْعُ من الجَمْعِ بين الأُخْتينِ، وبين المرأَةِ وعمتها أو خالَتِها ونحوِ ذلك في النِّكاحِ.
ولا ينبغي أن يتزوجَ سليطَةَ اللَّسانِ، ولا حمقاءَ، ولا لقيطةً، ولا بِنْتَ زنىً، ولا من لا يُعْرَفُ أَبوها، ولا مُختلفةً، والأَفضلُ ألَّا يزيد على واحدةٍ إن حَصَلَ بها إعفافُهُ.

فَصْلٌ

والنكاحُ سُنَّةٌ لمن له شهوةٌ ولا يخافُ الزِّنا بتركه ولو فقيرًا، واشتغالُهُ به حينئذٍ أَفْضَلُ من التَّخَلِي منه لنوافِلِ العِبادَةِ.
وجزم صَاحِبُ "النَّظْم" 114 بألَّا يَتَزَوَّجَ فقيرٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرورةِ، وكذا قَيَّدَهُ ابن112113

الجزء: 1 - الصفحة: 387

رُزَيْنٍ 115 بالمُوسِرِ 116. والمَذْهَبُ الأَول لقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى: تقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ، ويُبَاحُ لمن لا شهوةَ له، والتفرُّغُ منه حينئذٍ لِنَفْلِ العبادةِ أَفْضَلُ.
وَيَجِبُ على من يخافُ الزِّنا بتركِهِ من رَجُلٍ وامرأَةٍ ولو ظنًّا، ويقَدَّمُ حينئذٍ على حَجٍّ واجبٍ.
ولا يَكْتَفِي في الوجوبِ بِمَرَّةٍ واحدةٍ، بل يكونُ في مجموع العمر، ويجب الاستمتاعُ، ويجزئُ التَّسري عنه.
ومن أَمَرَهُ به والِداهُ أو أحدُهما، قال الإِمام أحمد: أَمَرْتُهُ أن يَتَزَوَّجَ، وينبغي لهما أن لا يُلْزِماهُ بِنِكَاح من لا يُريدُ.
وَيَجوزُ لمن أرادَ خِطْبَةَ امرأةٍ وَغَلَبَ على ظَنِّه إجابَتُه النَّظَرُ إلى ما يَظْهَرُ منها غالِبًا، كَوَجْهٍ، وَرَقبَةٍ، وَيَدٍ وَقَدَمٍ، ويُكَرِّرُهُ وَيَتَأَمَّلُ المحاسِنَ بشرطِ ألَّا يَخلوَ بها وأن يأمنَ الشَّهْوَةَ.
وإِن لم يَتيَسَّرْ له النَّظَرُ إليها أو كرِهَهُ بَعَثَ إليها امرأةً يِثِقُ بها تتأَمَّلُها ثُمَّ تَصِفُها له.
= ونظمه هو "عِقدُ الفرائد وكنز الفوائد" وهي قصيدة دالية في الفقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 388

وللمرأَةِ أن تَنْظُرَ إلى الرَّجُلِ إذا عَزَمَتْ على نِكاحِه، لأنه يُعْجِبُها منه ما يُعْجِبُه منها.
قال ابن الجوزي: وَيُسْتَحَبُ لمن أرادَ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ أن يَنْظُرَ لها شابًّا مُسْتَحْسَنَ الصُّورَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَيجِبُ على من اسْتُشِيرَ في خاطِبٍ أو مَخْطُوبَةٍ، أن يَذْكُرَ ما فيه مَن مساوِئَ وغيرها، ولا يكونُ غِيبةً مُحَرَّمةً إذا قصد به النَّصيحَةَ، وإن اسْتُشِيرَ في أمر نَفْسِهِ بيَّنَهُ، كقولهِ: عِنْدِي شُحٌّ، وخُلُقي شديدٌ ونحوُهُما.
ولا يَصْلُحُ مِنَ النِّساءِ من طالَ لُبْثُها مَعَ رَجُلٍ، ومِنَ التَّغَفُّلِ أن يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبيَّةً.
وينبغي أن يمنَعَ المرأةَ من مُخالَطِةِ النِّساء، فإنَّهُنَّ يُفْسِدْنَها عليه.
والأَوْلى ألَّا يَسْكُنَ بها عِنْدَ أَهْلِها، وألأَ يدْخلَ بَيْتَهُ مُراهِقٌ، وألَّا يَأْذَنَ لها في الخُروج.
وإذا تَزَوَّجَ امرأَةً فَلْيُحَسِّنْ خُلقَهُ معها، ولا يُؤْذِها، ولا يكرِهْها على مَهْرِهَا بلا سَبَبٍ لِتَخْتَلِعَ مِنْهُ، ولا يَشْتُمْ لها أَبًا ولا أُمًا ولا أَحدًا من أقاربها، فإن فَعَلَ شيئًا من ذلك كان الله ورسوله بَريئَينِ منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 389

قال النبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا فإنَّهُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُم" 117، يعني أسيراتٍ.
وفي "الصحيحين" عنه عليه السَّلامُ: "اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا، فإنَّ المَرْأة خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع، وإنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاهُ، فإن ذَهَبْتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإن تَرَكَتْهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا" 118. وجاء في بَعْضِ الآثار: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصداقٍ، ويُريدُ ألَّا يُؤَدِّيَهُ إِليها جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ زانيًا" 119، لكن إن كانت تؤذيه بِلسَانِها، وفي ذَلِكَ إفسادُ دينِهِ فليُؤدِّها حقها ويُرِحْ نفسَهُ منها، أو يَلجأ إِلى الله عز وجل ويبتهل إِليه بالدُّعاء ليُصلِحَهَا أويريحَهُ منها، فإِنَّهُ يكْفى شَرَّهَا.
وإن صَبَرَ على ذلك كان كالمجاهدِ في سبيل الله، وكذلك هي إِذا صبرت على خُلُقِ زَوْجِها فهي كالمجاهدةِ في سبيل الله.
وإن طابت نفسها له بشيء من مالها من غَيْرِ إكراهٍ فليأكُلْهُ هنيئًا

الجزء: 1 - الصفحة: 390

مريئًا كما قال الله عز وجل 120. ويُكْرَهُ أن يُطَلِّقها من غير حاجةٍ لقوله عليه السَّلامُ: "ما من مُبَاحٍ أَبْغَضَ إلى الله مِنَ الطَّلاقِ".
وقوله عليه السَّلامُ: "أَبْغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاق والشِّبَعُ" 121. ويُبَاحُ عند الحاجة إِليه لسوءِ خُلُقِ المرأَةِ وسوءِ عِشرَتِها، وكذا للتَّضرُّرِ بها من غير حُصُول الفَرْضِ بها، ومنه مُحَرَّمٌ كفي الحَيْضِ ونحوه.
ومنه واجِبٌ كطلاقِ المُولي بَعْدَ التَّربُّصِ إذا لم يَفِ.
ويُسَنُّ لتفريطِهَا في حقوقِ اللهِ الواجبَةِ كالصَّلاةِ والزَّكَاةِ ونحوِهِمَا إذا لم يُمكنْهُ إجبارُها عليها.
ويُسَنُّ أيضًا في الحالِ الذي تخرجُ به المرأَةُ إلى المُخالفَةِ من شقاقٍ وغيره ليُزيلَ الضَّرَرَ، ولكونِها غيرَ عفيفةٍ، ولتَضَرُّرِها بالنِّكاح.

الجزء: 1 - الصفحة: 391

ولا يَجِبُ إذا أَمَرَهُ به أَبوهُ، وإنْ أَمَرَتْهُ أمُّهُ.
قال الإمام أحمد: لا يُعْجِبُنِي طَلاقُهُ؛ وكذا لو أَمَرَتْهُ ببيعِ سُرِّيتِهِ، ويَحْرُمُ ذلك عليها لحظِّ نَفْسِها.
ويُسَنَّ عَقْدُ النِّكاحِ يوم الجُمُعَة مساء بعد خُطْبَةِ ابن مسعود يخطُبُها العاقِدُ أو غيرُه، قبلَ الإيجابِ والقَبُولِ.
وكان الإمامُ أحمد إذا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ ولم يُخْطَبْ فيه بها، قامَ وَتَرَكَهُم.
ويُجْزئُ عنها أن يَتَشَهَدَ ويُصَلِّيَ على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي: إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالله من شُرُور أنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُه.
ويَقْرَأ ثَلاثَ آياتٍ وهُنَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ [آل عمران: 102]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا 122[النساء: 1]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ [الأحزاب: 70، 71] (1).

الجزء: 1 - الصفحة: 392

وَبَعْدُ، فإِنَّ اللهَ أَمَرَ بالنِّكَاح، وَنَهَى عَنِ السِّفَاحِ؛ فقال مُخْبِرًا وآمِرًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾ [النور: 32]، فإذا تَمَّ العَقْدُ سُنَّ أن يُقالُ للمُتَزَوِّجِ: "بَارَكَ اللهُ لَكُمَا وعليكُما وَجَمَعَ بينكُما في خَيْرٍ وعافيةٍ" (1)، وأن يقول إذا زُفَّتْ إِليه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها، وَخَيْرَ ما جَبَلْتَها عليه، وأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وَشَرِّ ما جَبَلْتَها عليه" (2).

آدابُ الجِمَاعُ

يُسَنُّ أن يقول عند الوطء: "بِسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا" 125 وتقولُ هي أيضًا.
وَيُسَنُّ أن يلاعِبَها قبل الجِمَاع لِيُنْهِضَ شَهْوَتَهَا، وأن يُغطيَ رأسَهُ عنده، ولا يستقبلَ القِبْلَةَ.
وَيُسَنُّ لَهَا أن تتخذَ خِرْقَةً تُناوِلُهَا للرَّجُلِ بعد فراغه، وينبغي لها ألَّا تُظْهِرَها بين يدي امرأةٍ من أهلِ دارِهَا، وأن تكونَ غير التي تَمْسَحُ بِها فَرْجَها.123124

الجزء: 1 - الصفحة: 393

وتُكْرَهُ كثرةُ الكلامِ حالَ الوطء.
ويُسَنُّ ألَّا ينزع إذا فَرَغَ قبلها حَتَّى تَفْرُغَ، فلو خالفَ كُرِهَ.
وَيُكْرَهُ الجِماعُ وهما مُتَجردانِ وتَحَدُّثُهما به.
ويُكْرَهُ وطؤهُ بحيثُ يراهُ غيرُ طفلٍ لا يعقلُ أو يَسْمَعُ حِسَّهُمَا، وَيَحْرُمُ مع رؤيةِ العَوْرَةِ.
ويُكْرَهُ أن يُقَبِّلَها أو يباشِرَهَا عند الناس.
وله الجَمْعُ بين نسائِهِ وإمائِهِ بغُسْلٍ واحِدٍ.
وللزَّوْجِ الاستمتاعُ بزوجتِهِ كُلَّ وقتٍ على أي صفةٍ كانتْ إذا كان في القُبُلِ، ما لم يُشْغِلْها عن فَرْضٍ أو يَضُرَّ بها، ولو كانت على التَّنُورِ أو على ظَهْرِ قَتْبٍ.
ولا يُكْرَهُ الجِماعُ في ليلةٍ من اللَّيالي ولا يَوْمٍ من الأَيامِ إلَّا في صومِ فَرْضٍ وفي الحَيْضِ، ولا يَجُوزُ لها تطوعٌ بصلاةٍ ولا صَوْمٍ وهو شاهِدٌ إلَّا بإذنِهِ، ولا أن تأذنَ في الدُّخولِ إلى بيتِهِ إلَّا بإذِنِهِ.
ويحرم وطؤها في الدُّبُرِ، فإن فعل عُزِّرَ وهو من أكْبَرِ الكبائر، بل سماه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اللُّوطيَّةُ الصُّغْرى" 126، وإن تطاوعا

الجزء: 1 - الصفحة: 394

عليه أو أَكْرَهَها ونُهِيَ فلم ينتَهِ فُسِخَ نِكَاحُهُمَا.
وليْسَ لها استدخالُ ذَكَرِهِ بلا إذْنِهِ وهو نائمٌ، ولها لَمْسُهُ وتقبيلُهُ بشهوةٍ.
وَيَحْرُمُ العَزْلُ عن الحُرَّةِ إلَّا بإِذنها، وعن الأَمَةِ إلَّا بإذنِ سَيِّدِهَا، وله العَزْلُ عن سُرِّيتِهِ بلا إذْنٍ.
ويَجِبُ العزلُ عن الكُلِّ بدارِ حَرْبٍ بلا إذْنٍ.
وله إجبارُها على غُسْلٍ حَيْضٍ ونِفاسٍ مُطلقًا، وإجبارُ المُسْلِمَةِ البَالِغَةِ على غسل الجنابةِ أيضًا.
وله إجبارُهَا على غسلِ نجاسةٍ، واجتنابِ مُحَرَّمٍ، وأخذِ شعرٍ وظُفْرٍ تعافُهُ النَّفْسُ، وإزالةِ وَسَخ، فإن احتاجَتْ إلى شِراء الماء فثَمَنُهُ عليه.
وتُمنَعُ من أَكْلِ ما له رائحةٌ كريهةٌ كبصلٍ وثُومٍ وكُرَّاثٍ.

فَصْلٌ

وعليه أن يبيتَ في المَضْجَعِ ليلةً من كُلِّ أربعٍ عند الحُرَّةِ، ومن كُلِّ سبعٍ عند الأَمَةِ إن طلبتا ذلك، وله الانفرادُ في البقيةِ بنفسِهِ أو مع سُرِّيتِهِ.
وعليه أن يطأَها كُلَّ أربعةِ أَشْهرٍ مَرَّةً، فإن أبى ذَلِكَ أو البيتوتَةَ في اليوم المُقَرَّرِ حَتَّى مَضَتْ أربعةُ أشهرٍ بلا عُذْرٍ لأَحَدهما وَطَلَبَت الفِرقةَ أُجيبتْ إليها.
= للنسائي (ص 119 - 137)، فقد ذكر فيه الأحاديث الزاجرة عن إتيان النساء في أدبارهن.

الجزء: 1 - الصفحة: 395

وإن سافَرَ عنها لِعُذْرٍ أو حاجةٍ سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ والوطْءِ.
وإن طال سَفَرُهُ وإن لم يكن عُذْرٌ مانعٌ من الرُّجوع وغابَ أكثرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قدومَهُ لَزِمَهُ ذلك إن لم يكن في غَزْوٍ أوحَجٍّ واجبينِ أو طلبِ رِزْقٍ يحتاجُ إليه، فيكتُبُ إليه الحاكمُ، فإن أَبى أن يَقْدُمَ من غير عُذْرٍ بعد مراسلةِ الحاكم إِليه فُسِخَ نكاحهُ.
وإذا غابَ غَيْبَةً ظاهِرُها السَّلامَةُ، ولم يُعْلَمْ خبَرهُ، وتضررت زوجتُهُ بتركِ الوطء، لم يُفْسَخْ نكاحُهَا لِذَلِكَ ولو طالَتْ غيبته.

فَصْلٌ

ويلزَمُ غيرَ طِفْلٍ أن يساويَ بين زوجاتِهِ في القَسْمِ إذا كُنَّ حرائرَ كُلَّهُنَّ، أو إِماءً كُلَّهُنَّ، فيبيتَ عند كُلِّ واحدةٍ ليلةً، وإن رَضِينَ بغير ذلك كليْلَتَيْنِ ليلتَينِ أو أكثر جاز.
وعمادُ القَسْمِ اللَّيْلُ ويخرجُ في النَّهارِ إلى معاشِهِ وقضاءِ حقوقِ النَّاسِ وما جَرَتِ العادةُ به، ولصلاةِ العِشاءِ والفجر ولو قبل طلُوعِهِ كصلاةِ النَّهارِ، فإن تعذَّرَ عليه المقامُ عِنْدَها ليلًا لِشُغْلٍ أو حَبْسٍ، أو تَرَكَهُ لغير عُذْرٍ قضاهُ لها، ويدخلُ النَّهارُ تبعًا لِلَّيلَةِ الماضية، وإن أحبَّ أن يجعلَ النَّهارُ مضافًا إِلى اللَّيْلِ يتعقبُهُ جازَ؛ لأَن ذلك لا يتفاوتُ.
ومن معيشتُهُ باللَّيْلِ كالحارسِ فإنَّه يقسمُ بالنَّهارِ، ويكونُ اللَّيلُ تَبعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 396

وَيَقْسِمُ المريضُ والمجبوبُ ونحوه كالصَّحيح، فإن شَقَّ على المريض أستأذن أزواجَهُ أن يكونَ عند إحداهنَّ، فإن لم يأذَنَّ له أقامَ عند إحداهُنَّ بِقُرْعَةٍ أو اعتَزَلَهُنَّ جميعًا إن أحبَّ.
ولا تَجِبُ التَّسويةُ بَيْنَهُنَّ في وطءٍ ودواعيهِ، ولا في نفقةٍ وكسوةٍ وشهواتٍ إذا قامَ بالواجبِ، وإن أمكنَهُ ذلك كان أحسنَ وَأَوْلَى وأبعدَ عن الشَّرِّ.
وَيَقْسِمُ لزوجتِهِ الأَمَةِ على النِّصْفِ من الحُرَّةِ وللمُبَعَّضَة بالحسابِ.
وَيَقْسِمُ لحائِضٍ، وَنُفَسَاءَ، ومريضةٍ، ومعيبَةٍ، ورتْقاءَ، وصغيرةٍ يُمْكِنُ وطؤها، ولمن آلى أو ظاهَرَ منها، ولِمُحْرِمَةٍ وَزَمِنةٍ، ومجنونَةٍ مَأْمُونَةٍ، لا لرَجْعِيَّة.
ويَحْرُمُ دخوله في ليلة المَرْأَةِ إلى غيرها إلَّا لضرورةٍ مثل أن تكون مَنْزُولًا بها، أو لتُوصِيَ إليه، أولما لا بُدَّ منه، فإذا دَخَلَ بِلا ضَرُورةٍ ولم يَلْبَثْ عِنْدَها لم يَقْضِ، وإن لَبِث أو جامَعَ، لَزِمَهُ أن يَقْضِيَ لها مثلَ ذلك من حَقِّ الأُخرى، وإن قَبّلَ وَنحوه لم يلزمْهُ القضاءَ، والعدلُ أن يَقْضِيَ.
وكذا يحرُمُ دخوله نهارًا إلَّا لحاجةٍ، ويجوزُ أن يَقْضِيَ ليلةَ صَيْفٍ عن ليلةِ شِتاءٍ، وأوَّلَ اللَّيْل عن آخرِه، وعكسُهُ.
والأَوْلى أن يكون لِكُلِّ واحدةٍ من نِسَائِهِ مَسْكَنٌ يَأْتِيها فيه، فإن اتَّخَذَ لنفسِهِ مَسْكنًا يَدْعو إليه كلَّ واحِدةٍ مِنْهُنَّ وحدَها في ليلتِها ويَوْمِها

الجزء: 1 - الصفحة: 397

جازَ، وله دعاءُ البَعْضِ إلى مسكنِهِ وَيَأْتي البعض.
وإن امْتَنعتْ من دَعاها عن إجابتِهِ سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ.
فإن كان له امرأتانِ في بلدينِ، فعليه العَدْلُ بينَهما، بأن يَمْضِيَ إلى الغائبة في أيَّامِها، أو يُقْدِمَها إليه، فإن امْتَنَعَتْ من القُدومِ مع الإمكان، سَقَطَ حَقُّها لنُشُوزها، وإن قَسَم في بَلَدَيْهما، جَعَلَ المُدَّةَ بحَسَب ما يُمْكِنُ، كشهرٍ وشهرٍ، أو أكثرَ أو أقَلَّ، على حَسَبِ تقارُبِ البَلدَيْنِ.
وإن قَسَمَ، ثُمَّ جاءَ ليَقْسِمَ للثَّانِيَة فأغْلَقَت البابَ دونَه، أو منعَتْهُ من الاستمتاعِ بها، أو قالت: لا تَدْخُلْ عليَّ أو لا تَبِتْ عندِي.
أو ادَّعَت الطَّلاقَ، سَقَطَ حَقُّها من القَسْمِ والنَّفَقَةِ، فإن عادت إلى المُطاوعَةِ استَأْنَفَ القَسْمَ بينهما، ولم يَقْضِ لناشِزٍ.
ولا يَجُوزُ الجَمْعُ بين زوجتَيه في مَسْكَنٍ واحدٍ، أيْ بَيْتٍ واحدٍ إلَّا برضاهُما؛ لأَن كُلَّ واحدةٍ منهما تَسْمَعُ حِسَّهُ إذا أتى الأُخْرَى، فإن رضيتا ذلك أو بنومه بينهمَا في لِحَافٍ واحدٍ جاز.
وَيَجُوزُ أن يسكنَهُما في دارٍ واحدة، كل واحدةٍ منهما في بيتٍ منها إذا كان مَسكنَ مِثْلِها.
وكذلك لا يَجْمَعُ بين الزَّوْجَةِ والسُّرِّيَّةِ إلَّا برضى الزَّوْجَةِ.
وله منعُ زوجتِهِ من الخروج من منزله إلى ما لها منه بُدٌّ سواءٌ أرادت زيارةَ والديْها أو عيادتَهُما أو حضورَ جنازَةِ أحَدهما أو غيرَ ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 398

وَيَحْرُمُ عليها الخروجُ بلا إذْنِهِ، فإن فعلَتْ فلا نفقَةَ لها إذن، هذا إذا قام بحوائجها، وإلَّا فلا بُدَّ لها منه.
فإن مَرِضَ بَعْض محارِمِها أو مات لا غيرُهُ من أَقارِبها اسْتُحِبَّ له أن يأْذن لها في الخروج إليه، لا لزيارةِ أبويْها، ولا يَمْلِكُ منعها من كلامِهِمَا، ولا مَنْعَهما من زيارتِها إلَّا من ظَنَّ حصولَ ضَرَرٍ، ويُعْرَفُ بقرائنِ الحَال، ولا يلزمُهَا طاعةُ أبويْها في فراقِهِ، ولا في زيارةٍ ونحوها، بل عليها طاعةُ زَوْجِها فهي أحَقُّ من طاعتهِما.
وإذا أرادَ النقلةَ من بلدٍ بِنِسَائِه وأمكنَهُ اسْتِصْحابُ الكُلِّ في سفرِهِ فَعَلَ، ولا يجوزُ إفرادُ إحداهُنَّ إلَّا بقرعَةِ، فإن فعل قَضَى للباقياتِ.
فَائِدَةٌ: وللمرأةِ أن تَهَبَ حَقَّها من القَسْمِ في جميع الزَّمان، وفي بعضِهِ لبعضِ ضَرائِرها بإذْنِهِ، أو لهُنَّ كُلِّهِنَّ، أو له، فَيَجْعَلَه لمن شاء منهُنَّ، ولو أبَتِ الموهوبُ لها، ولا يجوزُ هِبَةُ ذلك بمالِ، فإن أَخَذَتْ وَجَبَ رَدُّهُ، وعليه أن يَقْضِيَ لها؛ لأَنَّها تركتْه بشرْطِ العِوَضِ ولم يُسَلَّمْ لها، فإن كان عِوَضُها غيرَ المالِ؛ كإرضاءِ زَوْجِها عنها أو غيره جاز.
ثُمَّ إن كانت تلك الليلةُ المَوْهُوبَةُ تَلِي ليلةَ المَوْهُوبِ لها، وَالَى بينهما، وإلَّا لم يَجُزْ إلَّا برضا الباقيات، ومتى رَجَعَتْ في الهِبَةِ، عادَ حَقُّها في المُسْتَقْبَلِ فقط ولو في بعض اللَّيْلِ؛ ولا يَقْضِيه إن لم يَعْلَمْ

الجزء: 1 - الصفحة: 399

إلَّا بعد فراغِ اللَّيْلَةِ، ولها هِبَةُ ذَلِكَ وَنَفَقَتُها وغيرُهما لِزَوْجِها ليُمْسِكَها، ولها الرُّجوعُ في المُسْتَقْبَل.
تَنْبِيهٌ: ولا قَسْمَ عليه في مِلْكِ اليمينِ، وله الاسْتِمتَاعُ بِهنَّ، وإن نَقَصَ زَمَنُ زَوْجاتِهِ، لكن يُساوِي بين زوجاتِهِ حينئِذٍ في حِرْمانِهنَّ.
وتُسَنُّ التَّسويَةُ بين إمائِهِ ولا يَعْضُلهُنَّ عِنْدَ عدم الاستمتاعِ.
وإذا احتاجَتِ الأَمَةُ إلى النِّكاحِ وَجَبَ عليه إعْفَافُها؛ إمَّا بوَطْئِها، أو تَزْويجِها، أو بَيْعِها.
ويَجِبُ عليه الرِّفْقُ بمملوكِهِ ذَكَرًا كان أو أُنثى، وألَّا يُكَلِّفَهُ من العمل ما لا يطيقُ، وأن يكسوَهُ ويُطْعِمَهُ بالمعروف، وأن يُزَوِّجَهُ إن احتاجَ.
ولا يُكْرِهَ الذَّكَرَ على ذلك، فإن قَصَّرَ بشيءٍ من ذلك عَصَى اللهَ تعالى ورسولَه وأُمِرِ بِبَيْعِهِ أو عِتْقِهِ أو كتابتهِ إن طلبها العَبْدُ.

فَصْلٌ

وإذا تَزَوَّجَ بِكْرًا ولو أَمَةً أقامَ عِنْدها سبعًا، وثَيِّبًا ثلاثًا، ولا يُحْتَسَبُ عليهما بِما أقاما عندهما، فإذا انتَهَتْ مُدَّةُ إقامتِهِ عند الجَديدةِ عادَ إلى القَسْمِ بين زوجاتِهِ كما كان، وَدَخَلَتْ بينهُنَّ، فصارَتْ آخِرَهُنَّ نَوْبَةً.
وإذا طَلَّقَ إحدى نسائِهِ في ليلتِها أَثِمَ، فإن تَزَوَّجَها بَعْد، قَضَى لها ليلتَها.

الجزء: 1 - الصفحة: 400

والنُّشُوزُ حرام بل هو من أَكبَرِ الكَبائِرِ، وهو مَعْصِيَتُها إيَّاهُ فيما يَجِبُ عليها.
وإذا ظَهَرَ منها أماراتُهُ؛ بأن تَتَثَاقَلَ وتَتَدافعَ إذا دعاها إلى الاسْتِمْتَاعِ، أو تُجِيبَه مُتَبَرِّمَةً مُتكَرِّهَةً، أو يَخْتَلَّ أَدَبُها في حَقِّهِ، وَعَظَها، فإن رَجَعَتْ إلى الطَّاعَةِ والأدَبِ، حَرُمَ الهَجْرُ والضَّرْبُ.
وإن أصَرَّتْ وَأَظْهَرَت النُّشُوزَ، بأن عَصَتْهُ، وامْتَنَعَتْ من إجابَتِهِ إلى الفِراشِ، أو خَرَجَتْ من بَيْتِهِ بغيرِ إذْنِهِ، ونحو ذلك، هَجَرَها في المَضْجَعِ ما شاءَ، وفي الكلامِ ثلاثَةَ أيَّامٍ فقط، فإن لم تَرْتَدِعْ، فله أن يَضْرِبَها ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ، يُفَرِّقُهُ على بَدَنِها، وَيَجْتَنِبُ الوَجْهُ، والبَطْنَ، والمَواضِعَ المخُوفَة، ولا يزيدُ على عَشْرَةِ أسواطٍ، فإن تَلِفَتْ من ذلك، فلا ضَمَانَ عليه.
وَيَجُوزُ مَنْعُ الرَّجُلِ من زوجتِهِ إذا عُلِمَ أنَّه يمنعُهَا حقَّهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ويُحْسِنَ عِشْرَتَهَا.
ولا يسْأَلُهُ أَحَدٌ لِمَ ضَرَبَها؟ ولا أَبُوها؛ لأَن فيه إبْقَاءً للمودَّةِ.
وله تأديبُها كذلك على تَرْكِ فرائضِ الله تعالى.
فإن ادَّعى كُلٌّ منهما ظُلْمَ صاحبِهِ، أسْكَنَهما الحاكِمُ إلى جانِبِ ثِقَةٍ يُشْرِفُ عليهما، ويَكْشِفُ حالَهما، ويُلْزِمُهُما الإنْصافَ، ويكونُ الإسكانُ المذكورُ قَبْلَ بَعْثِ الحَكَمَيْنِ، فإن خَرَجَا إلى الشِّقاقِ والعَداوَةِ، وبَلَغا إلى المُشَاتَمَةِ، بَعَثَ الحاكِمُ حَكَمين، حُرَّيْن، مُسْلِمَيْن، ذَكَرَيْنِ، عَدْلَيْنِ، مُكَلَّفَيْنِ، فَقِيهَيْنِ، عَالِمَيْنِ بالجَمْعِ

الجزء: 1 - الصفحة: 401

والتَّفْرِيقِ، فيفعلانِ ما يَرَيانِهِ من جَمْعٍ بينَهما، أو تَفْرِيقٍ بطلاقٍ أو خُلْعٍ.
والأَولى أن يكونَ الحَكمانِ من أَهْل الزَّوْجَيْن، وينبغي لهما أن ينويَا الإصلاح لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]، وأن يُلَطِّفا ويُنْصِفا، وأن يُرَغِّبا ويُخَوِّفا، وألَّا يَخُصَّا أحدَهما دونَ الآخَرِ.
وهُما وكيلانِ عن الزَّوْجَينِ في ذلك، لا يُرْسِلانِ إلَّا برضاهُما وتوكيلِهما، فلا يملكانِ تَفْريقًا إلَّا بإِذْنِهما، فَيأْذَنُ الرجلُ لوكيلِهِ فيما يَراه من طلاقٍ أو إصلاحٍ، وتأذَنُ المرأَةُ لوكيلِها في الخُلْعِ، أو الصُّلْحِ على ما يراه.
ولا يَنْقَطعُ نَظَرُهما بغيْبَةِ الزَّوْجين أو أَحَدِهما ويَنْقَطعُ بجُنُونِهما أو أَحَدِهما ونحوِه مِمَّا يُبْطِلُ الوكالة.
وإن امْتَنَعا من التَّوْكيلِ لم يُجْبَرا عليه، لكن لا يزالُ الحاكِمُ يَبْحَثُ ويُرْسِلُ وَيَسْتَفْهِمُ عنهما حَتَّى يَظْهَرَ مَن الظالمُ؟ فَيَرْدَعَه، وَيَسْتَوفي منه الحَقَّ.
ولا يَصِحُّ الإبراءُ من الحكمين إلَّا في الخُلْعِ، خاصَّةً وكيلَ المرأة فقط.
وإن خافَتِ امرأةٌ نُشُوزَ زَوْجِها، وإعراضَه عنها، لِكبَرٍ أو غيره، فَوضَعَتْ عنه بعضَ حُقوقِها، أو كلَّها، تَسْتَرْضِيه بذلك جاز، ولها الرُّجوع بذلك في المستقبلِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 402

فَصْلٌ

وَيَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ منهُما معاشرَةُ الآخَرِ بالمعروف من الصُّحْبَةِ الجميلَةِ، وكفِّ الأَذى، ولا يمطُله بحقِهِ مع قدرتِهِ، ولا يُظْهِرُ الكراهَة لِبَذْلِهِ، بل يَبْذُلُهُ ببشْر وطلاقةِ وجهٍ، ولا يُتبِعُهُ أذَىً ولا مِنّةً، وحقُّهُ عليها أعظمُ من حَقِّها عليه.
ويُسَنُّ لِكُلٍّ منهما تحسينُ خُلُقِهِ لصاحبِهِ والرِّفْقُ به واحتمالُ أذَاهُ، ولا ينبغي أن يعلمها قَدْرَ ماله، ولا يُفْشِي إليها سِرًّا يخافُ إذاعتَهُ، وليكن غيورًا من غَيْرِ إفراطٍ لئلا تُرمَى بالشَّرِّ من أجلِهِ.
وإذا تَمَّ العَقْدُ وَجَبَ تسليمُ المَرْأَةِ في بيت الزَّوْجِ إذا طَلَبَها، وكانت حُرَّةً يمكِنُ الاستمتاعُ بها ما لم تشتَرِطْ بيتَها 127.


الجزء: 1 - الصفحة: 403

بَابُ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلى النِّساءِ

يُبَاحُ للرَّجل إذا أراد خِطْبَةَ امرأَةٍ أن يَنْظُرَ منها الوجْهَ والرَّقَبَةَ واليَدَ والقَدَمَ وَتَقَدَّم بشروطِه.
وإذا أرادَ شِراءَ أَمَةٍ فَلَهُ أن ينظُرَ إِلى ذلك، وإلى ساقٍ ورأْس، وله نظرُ ذلِكَ من ذواتِ محارمِهِ، وَهُنَّ من تحرُمُ عليه على التّأْبيدِ بِنَسبٍ أو سَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا إلَّا نسَاءَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يحلُّ النَّظَرُ إليهنَّ.
وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلى أُمِّ المَزْنِيّ بها، وابنتِها؛ لأَن تَحريمَهمَا بِسبَبٍ محَرَّمٍ، وكذا المُحَرَّمَةُ باللِّعَانِ، وبنتُ المَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَأُمُّها.
ولِعَبْدٍ غيرِ مُبَعَّضٍ ومُشْتَرَكٍ نَظَرُ ذَلِكَ من مولاتِهِ، غيرَ أُولِي الإرْبَةِ؛ وهو مَن لا شَهْوَةَ له، كعِنِّينٍ، ومن ذَهَبَتْ شهْوَتُه لِمَرَضٍ لا يُرْجى بُرْؤُهُ لا يَحْرُمُ عليه النَّظَرُ إلى الأَجنبيَّة.
ويجوزُ مُطلقًا إلى من لا تُشْتَهَى كعجوزٍ، وَبَرْزَةٍ، وقبيحَةٍ إلى غير عورتها في الصَّلاةِ، وَيَحْرُمُ نَظَرُ خَصِيٍّ، وَمَجْبُوبٍ كَفَحْلٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 404

وَلِشاهِدٍ نَظَرُ مَشْهُودٍ عليها، تَحَمُّلًا وأداءً عند المُطالبَةِ إن لم يَتَيَقَّنْهَا بِسَمَاعِ صوتهَا، وكذا من يعاملها في بيعٍ وإِجارَةٍ ونحو ذلك، ولطبيبٍ مَنْ يَلي خِدْمَةَ مريضٍ ولو أُنثى في وضوءٍ واسْتِنْجَاءٍ نَظَرُ ولَمْسُ ما تدعو الحاجَةُ إلى نظرِهِ وَلَمْسِهِ حَتَّى فرجِهَا وباطنِهِ، مع حُضُورِ مَحْرَمٍ أو زوجٍ، وكذا له حلقُ عانةِ من لا يُحْسِنُ حَلْقَ عانتِهِ.
ولِصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ غَيْرِ ذي الشِّهْوَةِ نَظَرُ ما فَوْقَ السُّرَّةِ وتحتَ الرُّكْبَةِ، وذُو الشَّهْوَةِ كمحرم، وبِنْتِ تِسْعٍ مع رَجُلٍ كمحرم، ولتخليصِ المرأةِ من غَرَقٍ وَحَرَقٍ ونحوهما.
ولا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلى عَوْرَةِ طفلٍ وطفلةٍ قبلَ السَّبْعِ ولا لَمْسُها، ولا يَجِبُ سَتْرُها مع أَمْنِ الشَّهْوةِ، ولا الاسْتِتارُ منه في شيءٍ.
وللمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ، ومع المرأَةِ ولو كافِرَةً، وللرَّجُلِ مع الرَّجُلِ نَظَرُ ما فوق السُّرَّةِ، وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ.
وأما الخُنْثَى المُشْكِلُ فهو مع الرَّجُل كامرأةٍ، ومع المَرْأَةِ كَرَجُلٍ.
وَيَجوزُ النَّظَرُ إلى الأَمْرَدِ بلا شهوةٍ، وإن خافَ ثَوَرانَهَا حَرُمَ.
وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إليه أو إِلى أحدٍ مِمَّن ذُكِرَ بشهوةٍ أو خوفِهَا، واللّمْسُ أَشَدُّ من النَّظَرِ في التَّحْريمِ، وَمَعنى الشِّهْوةِ التَّلَذُّذُ بالنَّظَرِ.
وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلى الحُرَّةِ الأَجْنَبِيَّةِ قَصْدًا مطلقًا حَتَّى شَعْرِهَا المُتَّصِلِ.
وَصَوْتُها ليس بعَوْرَةٍ، لكن يَحْرُمُ التَّلذُّذُ بسماعِهِ ولو بقراءَةٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 405

وَيَحْرم النَّظَرُ مع شَهْوَةِ تخْنيثٍ وسِحاقٍ، وإلى دابَّةٍ يَشْتَهيها ولا يَعِفُّ عنها، وكذا الخَلْوَةُ بها.
وَتَحرُمُ الخَلْوَةُ بغير مَحْرَم على الكُلِّ مطلقًا، كخَلْوَتِهِ مع أجنبيةٍ ولو رَتْقاءَ أو أجنبياتٍ.
وَخَلْوَةُ أجانِبَ بها، وَتَحْرُمُ الخلوةُ بحيوانٍ يَشْتَهِي المرأَةَ أو تَشْتَهِيه، كالقِرْدِ، والخَلْوَةُ بأَمْرَدَ ومُضاجعتُهُ كامرأَةٍ ولو لمصلحةِ تعليمٍ وتأديبٍ، والمُقِرُّ مَوْلاهُ عِنْدَ من يعاشِرُهُ كذلك، ملعونٌ ديّوثٌ.
ومن عُرِفَ بمَحَبَّتِهم والمعاشرَةِ بينَهمْ، مُنعَ من تعليمِهم.
وقال الإمامُ أحمد لِرَجُلٍ معه غُلامٌ جميلٌ، هو ابن أخته: الذي أَرَى لَكَ أن لا يَمْشِيَ معك في طريق.
وكَرِهَ أيضًا رضي الله عنه مُصَافَحَةَ النِّساءِ، وَشَدَّدَ فيه حَتَّى لِمَحْرَمٍ، وَجَوَّزَه لوالِدٍ، وَجَوَّزَ أَخْذَ يَدِ عَجُوزٍ وشوهاء.
وَلا بَأْسَ للقادِمِ من سَفَرٍ بِتَقْبيلِ ذَواتِ المَحَارِمِ إذا لم يَخَفْ على نَفْسِهِ، لكنْ لا يَفْعَلُه على الفَمِ أبَدًا، بل على الجَبْهَةِ والرَّأْسِ.
وَلِكُلِّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ نَظَرُ جميعِ بَدَنِ الآخَرِ وَلَمْسُهُ بلا كراهَةٍ حَتَّى الفَرْجِ، وكذا السَّيدُ مع أمَّتِهِ المُبَاحَةِ له، وينْظرُ من مُزوجةٍ، ومُسْلِمٌ من أمَتِهِ الوَثَنيَّةِ والمَجُوسيَّةِ إلى غير العَورَةِ، ومن لا يملكُ إلَّا بعضًا فكمن لا حَقَّ لَهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 406

وَحَرُمَ على المرأَةِ التَّزيُّنُ لِغَيْرِ زوجها وسيدها، ويُكْرَهُ نومُ رَجُلينِ، أو امرأتَينِ، أو مراهقين مُتَجردينِ تحت ثَوْبٍ واحدٍ أو لِحاف واحدٍ، وإن كان أحدهما ذَكَرًا غير زَوْجٍ وَسَيّدٍ، ومع أمردَ حَرُمَ شديدًا.
وإذا بَلَغَ الإخوةُ عشرَ سنين ذكورًا كانوا أَو إِناثًا أو ذكورًا وإناثًا فرَّق وليُّهم بينهم في المضَاجِعِ، فيجعلُ لِكُلِّ واحدٍ منهم فِراشًا وحده.

فَصْلٌ

وَيَحْرُمُ التَّصريحُ -وهو ما لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكاح- بِخِطْبَة مُعْتَدةٍ بائنٍ، على غير زَوْجٍ تحلُّ له.
وَيَحْرُمُ التَّعريضُ -وهو ما يُفْهَمُ منه النِّكاحُ مع احْتِمال غيره- بخِطْبَةٍ رَجْعِيَّةٍ، ويجوزُ التَّعريضُ في عِدَّةِ الوفاةِ، وفي عِدَّةِ البائِنِ مطلقًا، وهي في الجوابِ مثله فيما يَحِلُّ وَيَحْرُمُ.
وَصِفَةُ التَّعريضِ نحو أن يقول: إِنِّي في مِثْلِكِ لراغِبٌ.
ولا تَفوِّتِينِي نفسَكِ، وإذا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَأَعْلِمِيني.
وما أشبه ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّها على رغبَتِهِ فيها.
وَصِفَةُ جَوابها نحو أن تَقول له: ما يُرْغَبُ عنك، وإذا قُضِيَ شيءٌ كان، ونحو ذلك.
فإن صَرَّحَ بالخِطْبَةِ أو عَرَّضَ في موضعٍ يَحْرُمانِ فيه، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ حِلِّها، صَحَّ نِكاحُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 407

ولا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ مُسْلِمٍ إن أُجيبَ تصريحًا أو تَعْريضًا، فإن فَعَلَ صَحَّ العَقْدُ.
ويُكْرَهُ للمرأَةِ والوليِّ الرُّجوعُ عن الإجابة بلا غَرضٍ، وأعظمُ منه تحريمًا من فَرَضَ له وليُّ الأَمرِ على الصَّدقات أو غيرها ما يستحقُّهُ، فيجيء من يُزاحِمُه أو يَنْزِعُه منه، والتَّعْويلُ في الرَّدِّ والإجابة عليها، إن لم تَكُنْ مُجْبَرَةً وإلَّا فعلى الوَليّ، لكن لو كَرِهَت المُجابَ، واختارت غيرَهُ وَعَيَّنَتْه، سَقَطَ حُكْمُ إجابَةِ وليِّها؛ لأَن اختيارَها مُقَدَّمٌ على اختياره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولو خَطَبَت المرأَةُ أو وَليُّها الرَّجُلَ ابتداءً، فأجابَها، فَيَنْبغي أن لا يَحِلَّ لرَجُلٍ آخرَ خِطبَتُها، إلَّا أنه أضعفُ من أن يكون هو الخاطِبُ، ونظيرُ الأُولى أن تخطُبَه امرأةٌ أو وَليُّها بعد أن خَطَب هو امرأَةً، فإن هذا إيذاءٌ للمخطُوبِ في المَوْضعَيْنِ، كما أنَّ ذلك إيذاءٌ للخاطِبِ.
وهذا بِمَنْزِلَةِ البَيْعِ على بَيْعِ أخيه قبل انْعِقادِ العَقْدِ، وذلك كلُّه يَنْبَغي أن يكون حرامًا.
انتهى كلامُهُ رضي الله عنهُ، وهو من أوضَحِ القياس.
واعلم أن السَّعي من الأَب لابنته في التَّزويج، واختيارِ الأَكْفاء لها غير مكروه لفعل عمر رضي الله عنه 128.


الجزء: 1 - الصفحة: 408

بَابُ آدابِ النَّوْمِ والاستيقاظِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

يُسَنُّ لمن أرادَ أن ينامَ أن يُوكِئَ سِقاءهُ، ويُطفِئَ سِراجَهُ، وَيَغْلِقَ بابَهُ، وَيَغْسِلَ فمَهُ إن كان أكل ما لهُ رائِحَةٌ لئلا يقصدهُ الدَّبِيبُ، وينفُضَ فراشَهُ، ويُسَمِّيَ الله عز وجل، ثُمَّ يقولَ ما وَرَدَ، ومنه: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِليْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِيَ إِلَيْكَ، وَأَلجأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجَى مِنْكَ إلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بكتابِكَ الذي أَنْزَلْتَ، وَنَبيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ" 129، يجعلُهُ آخِرَ ما يقولُ من قراءَةٍ وغيرها.
وَيُسَنَّ نَوْمُهُ على جَنْبِهِ الأَيمنِ على طَهَارَةٍ مستقبِلَ القِبْلَةِ كما يكونُ في اللَّحْدِ، ويجعلُ يَدَهُ اليُمْنى تحت خَدِّهِ الأَيمَنِ.
ويُكْرَهُ النَّوْمُ على سَطحٍ ليس عليه تحجيرٌ، ونومُه بَعْدَ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقبل العشاءِ، وتحتَ السَّمَاءِ مُتَجرِّدًا، أو بين قوم مُسْتَيْقِظِينَ، ونومُهُ وحدَهُ، وَسَفَرُهُ وَحْدَهُ، ونومُهُ وجلُوسُهُ بَيْنَ الشَّمْسِ والظِّلِّ، وركوبُ البَحْرِ عند هَيَجانِهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 409

قال ابن الجوزي في "طِبِّه": "النَّوْمُ في الشَّمْسِ في الصَّيْفِ يُحَرِّك الدّاءَ الدَّفِينَ، والنَّوْمُ في القَمَرِ يُحِيلُ الأَلوانَ إلى الصُّفْرَةِ ويُثْقِلُ الرَّأْسَ" انتهى كلامه.
وَتُسَنُّ القَائِلَةُ نِصْفَ النَّهارِ، وحقيقتُها قَبْلَ الزَّوالِ، فإذا استيقظ من النَّوْمِ، ذَكَر الله تعالى، وقال ما ورد، ومنه: "لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، الحَمْدُ للهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، ولا إِلهَ إلَّا الله، واللهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله".
ثُمَّ إن قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي.
أو دعا، اسْتُجيبَ له، فإن تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبلَت صلاتُه 130، ثُمَّ يقولُ: "الحمدُ للهِ الذي أَحْياني بعدما أَماتَني وإليه النُّشُور" 131، "لا إِلهَ إلَّا أنْتَ لا شَرِيكَ لَكَ سُبْحانَكَ، أَسْتَغْفِرُ لِذَنْبي وَأَسْأَلُك رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْني عِلْمًا، ولا تُزِغْ قَلْبي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَني، وَهَبْ لِيَ من لُدُنْكَ رَحْمَةً إنَّك أنت الوَهّاب" 132. "الحَمْدُ للهِ الذي رَدَّ عَليَّ رُوحي، وعافانِي في جَسَدِي، وأَذِنَ لي بِذِكْرِهِ" 133.

الجزء: 1 - الصفحة: 410

فَائِدَةٌ: وإذا رأى الرؤيا يكرهها فإنها من الشيطان، فلْيَبْصُقْ عن يساره ثلاثًا وليستعذ من الشيطان ثلاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الذي كان عليه وليقُلْ: اللَّهُمَّ ارْزُقني خَيْرَ رؤياي واكفني شَرَّها، وإن رأى رؤيا يحبُّها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها ولا يُحَدِّثْ بها إلَّا من يحبُّ 134 إن كان عارفًا بتعبير الرُّؤيا.
فَائِدَةٌ: وَيُكْرَهُ القَزَعُ -وهو حَلْقُ بعْضِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ بعضه- وَحَلْقُ القَفَا مُنْفردًا عن الرَّأْسِ وهو مُؤَخَّرُ العُنُقِ وتَقَدَّمَ، والتَّحْذِيفُ لِرَجُلٍ وهو إرسالُ الشَّعْرِ الذي بين العِذَارِ والنَّزعَةِ وَحَفُّهُ وجهَهُ، ولا يكرهانِ لامرأَةٍ كتحمير وجهِها وتحسينِهِ.
ويُكْرَهُ النَّقْشُ والتَّكْتيبُ والتَّطْرِيفُ -وهو الذي يكونُ في رؤوسِ الأَصَابِعِ، وهو القموع- فلا تَفْعَلُ شيئًا من ذَلِكَ بل تَغْمِسُ يدَها في الخِضابِ غَمْسًا.
وَيُكْرَهُ كَسْبُ الماشِطَةِ ونحوِها.
وَيُسَنُّ الامتشاطُ، واتِّخاذُ الشَّعْرِ، وأن يغسلَهُ ويُسرِّحَهُ ميامِنًا ويفرِّقَهُ، فيكونَ للرَّجُلِ إِلى أُذنيهِ وينتهي إلى منكبيه، ولا بأس بالزِّيادَةِ على ذلك، ولا يجعلُهُ ذؤابة.
= كما في "الفتوحات الربانية" (1/ 291).

الجزء: 1 - الصفحة: 411

وَيُسَنُّ إعفاءُ اللِّحيَةِ، وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا، ولا يُكْرَهُ أَخْذُ ما زادَ على القَبْضَةِ منها، ولا أخذُ ما تحت حَلْقِهِ، وقد أخذ إمامُنا أحمدُ رحمه الله من حاجِبَيْهِ وعارِضَيْه.
ويسن قَصُّ طَرَفِ الشَّارِبِ، وحَفُّه أفضلُ، وتقليمُ الأَظفارِ مُخَالِفًا، فَيَبْدَأ بِخِنْصِرِ اليُمْنَى، ثُمَّ الوُسْطى، ثُمَّ الإبْهام، ثُمَّ البِنْصَرِ، ثُمَّ السَّبَابَةِ، ثُمَّ ينتقل إلى إِبهام اليُسْرَى، ثُمَّ إلى الوُسْطى، ثُمَّ الخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبّابَةِ، ثُمَّ البِنْصَرِ، ويُسَنُّ غَسْلُها بعد قصِّها تكميلًا للنَّظَافَةِ.
ويكونُ ذَلِكَ قبل الصَّلاةِ يوم الجُمُعَةِ.
وَيُسَنُّ ألا يَحيفَ عليها في الغَزْو ونحوه؛ لأَنه قد يحتاجُ إلى حَلِّ شيءٍ.
ويُسَنُّ نَتْفُ الإبِط، وَحَلْقُ العانَةِ، وله قَصُّهُ وإزالتُهُ بما شَاءَ، وَفَعَلَ الإمام أحمد التَّنوير في العانة وغيرها، وتُكْرَهُ كثرتُهُ، وَتَرْكُهُ فوقَ أربعينَ يومًا، ويفعلُهُ كُلَّ أسبوع، ويُدْفَنُ الدَّمُ والشَّعْرُ والظُّفُرُ.
وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ، ويُسَنُّ خِضَابُهُ بحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ، ولا بأس بِوَرْسٍ وزعفرانٍ، ويُكْرَهُ بسوادٍ، وإن حصل به تدليسٌ حَرُمَ.
ويُسَنُّ النَّظَرُ في المرآة وأن يقول إذا نَظَرَ فيها: "اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي حَسِّن خُلُقي، وَحَرِّم وَجْهِي على النَّار" 135، والتَّطيُّبُ

الجزء: 1 - الصفحة: 412

بما ظَهَرَ ريحُه وخَفِيَ لَوْنُهُ، وللمرأَةِ في غَيْرِ بَيْتِها عَكْسُهُ؛ لأنَّها ممنوعةٌ في غير بَيْتها مما يَنِمُّ عليها كضربها برجلها لِيُعْلَمَ ما تخفي من زينتها ومن نعل صرارة وغير ذلك، وفي بيتهَا تَطيَّبُ بما شاءت، ويُكْرَهُ حَلْقُ رَأْسِها وقصُّهُ بلا عُذْرٍ، ويَحْرُمُ لمصيبَةٍ.

    • * = وورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دون التقيد بالنظر إلى المرآة.
      أخرجه أحمد (6/ 68، 155) من حديث عائشة بإسناد صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 413

بابٌ في اللَّعِبِ المُبَاحِ

تَجُوزُ المُسَابَقَةُ بلا عِوَضٍ على الأَقدام وبين سائر الحيوانات من إبلٍ وخيلٍ وبغالٍ وحُمُرٍ وفِيَلَةٍ وطيورٍ كحمامٍ، وَبَيْنَ سُفُنٍ ومزاريقَ ونحوها، وَمَناجِيقَ وَمَقالِيعَ، ورميُ أحجارٍ بيَدٍ.
ويُكْرَهُ الرَّقْصُ، ومجالِسُ الشِّعْرِ وكُلُّ ما يُسمى لَعِبًا إلَّا ما كان مُعينًا على قتالِ العدوِّ، فَيُكْرَهُ لعبه بأرجوحَةٍ، وكذا مراماةُ الأَحجارِ ونحوِها، وهي أن يَرْمِيَ كُلٌّ إلى صاحبه الحَجَر.
ولا يجوزُ اللَّعِبُ المعروفُ بالطَّابِ والنَّقيلَةِ، ويُسَنُّ اللَّعبُ بآلة الحَرْبِ.
قال جماعة: والثقافُ، وَيَتَعَلَّمُ بسيفِ خَشَبٍ لا حديدٍ.
وليسَ مِنَ اللَّعِبَ المُحَرَّم ولا المكرُوهِ تَأْديبُ فرسِهِ، وملاعبَةُ أهله، ورميُهُ عن قوسِهِ.
ويُكْرَهُ لمن عَلِمَ الرمي أن يَتْرُكَهُ كراهيةً شديدةً.
وتجوزُ المُصارعةُ، ورفعُ الأَحجارِ لِمَعْرِفَةِ الأَشدِّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 414

وأما اللَّعِبُ بالنَّرْدِ والشَّطَرنْج، ونطاحِ الكِبَاشِ، ونقارِ الدُّيوكِ فلا يباحُ بِحَالٍ.
ولا تجوزُ المُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ إلَّا في الخيلِ والإبلِ والسِّهامِ للرِّجالِ بشروطها المقررة في المُطوَّلاتِ.

فَصْلٌ

والتَّعَالُجُ في الأَمراضِ جائِزٌ بالحِجَامَةِ والفَصْدِ، والكَيِّ وشُرْبِ الأَدويَةِ، والأَشْرِبَةِ، وقطعِ العُروقِ، والبَطِّ، وقطعِ العُضو عند وقوع الأَكَلَةِ فيه إذا خِيفَ التَّعَدِّي إلى بقيةِ البَدَنِ، ويجوزُ التَّداوي بِكُلِّ ما فيه صلاحٌ للبَدنِ إذا كان مُباحًا طَاهِرًا، وَتَقَدَّمَ بعضُ ذَلِكَ في الجَنَائِزِ، ويُكْرَهُ الكَيُّ بلا حاجَةٍ.
وَيَحْرُمُ حَرْقُ كُلِّ ذي رُوحٍ بالنَّارِ من قَملٍ وبراغيثَ وَنَمْلٍ، وغيرِ ذَلِكَ، لكن يُباحُ تدخينُ الزَّنابير، فإن لم يندفِعْ ضَرَرُها إلَّا بإحراقها جاز.

فَصْلٌ في حُكْمِ الكَلْبِ

يَحْرُمُ اقتناؤُهُ ولو لِحِفْظِ البيوتِ ونحوِها، إلَّا كلْبَ ماشيةٍ، وَصَيْدٍ وَحَرْثٍ إن لم يكن أسودَ بهيمًا أو عقورًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 415

ويجوزُ تربيةُ الجِروِ، والصَّغيرِ؛ لأَجل الثَّلاثَةِ، ومن اقتناهُ لغيرها نَقَصَ من أجْرِه كُلُّ يَوْمٍ قيراطانٍ، ومن اقتنى كَلْبَ صَيْدٍ ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً وهو يريدُ العَوْدَ إليه لم يحرُمْ اقتناؤُهُ مُدَّة تركه، وكذا لو حَصَدَ الزَّرْعَ أُبِيحَ اقتناؤُهُ حَتَّى يزرعَ زَرْعًا آخَرَ، ومثلُهُ لو هلكت ماشيتُهُ أو باعَهَا وهو يرجو شراءَ غيرها.
ولا يَصِحُّ بيعَهُ ولو كان مُعَلَّمًا، لكن من مات وفي يده كلبٌ فورثته أَحَقُّ بِهِ.
وَيَجِبُ قَتْلُ العَقُورِ، ولو كان مُعَلَّمًا، ويَحْرُمُ اقتناؤهُ، واقتناءُ الأَسودِ البَهيمِ وهو ما لا بياضَ فيه أو بين عينيه نكتتانِ، وَيَحْرُمُ الصَّيْدُ به مطلقًا، ويُسَنُّ قَتْلُهُ مُطْلَقًا، ولا تُقْتَلُ كلبَةٌ عَقَرَتْ مَن قُرُبَ من ولدِهَا أو خَرَقَتْ ثَوْبَهُ بل تُنْقَلُ، ولا يُباحُ قَتْلُ الكلب غيرَ ما تقدَّمَ.
وأَمَّا الخنزيرُ فَيَحْرَمُ اقتناؤهُ والانتفاعُ به مطلقًا، ويُسَنُّ قَتْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ.
ومن اقتنى كَلْبًا لِغَيْرِ شيءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ أو عقورًا أو أسودَ بهيمًا أو كَبْشًا مُعلَّمًا لِلنِّطَاحِ أو أَسَدًا أَو نِمْرًا أو نحوهما من السِّباع المُتَوحِّشَةِ فَعَقَرَتْ أو خَرَقَتْ ثوبًا ضَمِنَ إن كان له عادةٌ بذلك، ومثلُهُ هِرٌّ تَأْكلُ الطيور، وَتُقَلِّبُ القدورَ في العادةِ مع علْمِهِ بأن تَقَدَّمَ لها عادةٌ بذلك، لكن من دخل بيتَهُ بلا إذْنِهِ أو بإذْنِهِ وَنبَّهَهُ أن الكلب عقورٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 416

أو غيرُ موثوقٍ لم يَضمَنْهُ، ولا يضمنُ ما أفْسَدَتْ ببولٍ أو ولُوغٍ، وله قتلُ هِرٍّ بأكلِ لَحْمٍ ونحوه كالفواسِقِ.
وإن اقتَنَى طَيْرًا من حَمَامٍ أو غيره فَأَرسلَهُ نهارًا فَلَقَطَ حبًا ضَمِنَ، ولا يجوزُ اقتناءُ الحمامِ الطيّارةِ ليلعبَ بها أو ليسترعيَهَا مِنَ المزارِعِ أو ليَصِيدَ بها حمامَ غَيْرِهِ أو يُراهِنَ بها.
ويجوزُ للأُنس بصَوْتِها ولاستفراخِهَا، وَحَمْلِ الكُتُبِ من غير أذى يتعدَّى إلى النَّاسِ، وإجارتُها لِحَمْلِ الكُتُبِ فاسدَةٌ.
وإذا عُرِفَتِ البهيمةُ بالصَّوْلِ وَجَبَ على كُلِّ أحد إتلافُها إذا صالَتْ ولا ضمانَ فيها، وَتَقَدَّم في محظوراتِ الإحرامِ أنَّه يُسَنُّ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ كالحيةِ لكن ينبغي لمن رأى الحَيَّةَ في منزلِهِ أن يُؤْذِنَها ثلاثًا قبل قتلها، فيقول: امض بسلام لا تُؤْذِنَا، فإن بدا لَهُ بعد ذَلِكَ فليقتُلْهُ، ويَقْتُلُ ما في الصَّحارى، وذُو الطُّفْيتَينِ وهو الذي في ظهرِهِ خَطٌ أسودُ أو بين عينيه شعرتانِ سَوْداوانِ بلا إِذْنِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الحَيوانِ

تَجِبُ معاشرتُهُ بالمعروفِ، وَيَحْرُمُ تكليفُهُ فَوْقَ طاقتِهِ في الحَمْلِ والحَرْثِ والسَّيْرِ، ومنحُهُ ما يكفيه من العَلَفِ والماءِ، ولو عَطِبَ فإن فعل أُجْبِرَ على بيعه ونحوه أو ذبحِهِ إن كان مأكولًا فلا يُعَذِّبْ خَلْقَ الله.

الجزء: 1 - الصفحة: 417

وَيَحْرُمُ أن يَحْلِبَ من لبنِهِ ما يضُرُّ بولدِهِ، ويُسَنُّ للحالِبِ أن يَقُصَّ أظفارَهُ لئلا يَجْرَحَ الضَّرْعَ.
وجيفته له، ونقلها عليه، فيلزمه أن ينقلها إلى مكانٍ يدفعُ فيه ضَرَرَها عن النَّاسِ.
وَيَحْرُمُ ضَرْبٌ وَوَسْمٌ فِي الوجْهِ إلَّا لمداواة، وفي الآدميِّ أَشدُّ، ويُكْرَهُ خَصْيُ غير غَنَمٍ، وديوكٍ، ويحرمُ في الآدميِّ لِغَيْرِ قِصاصٍ.
وَيُكْرَهُ تعليقُ جَرَسٍ وَوَتْرٍ، وَجَزُّ معرفةٍ وناصيةٍ وَذَنَبٍ.
وَيَحْرُمُ لَعْنُ الدَّابة، قال الإمام أحمد: قال الصَّالِحُونَ: لا تُقْبَلُ شهادتُه، وإن امتنَعَ من الإنفاق على دابَّتِهِ أجْبِرَ على ذَلِكَ، فإن أبى أو عَجَزَ أجْبِرَ على بَيعٍ أو إجارةٍ أو ذبحِ مَأْكُولٍ، فإن أبى فعلى الحاكم الأَصلحُ أو اقتَرضَ عليه.
ويجوزُ الانتفاعُ بها في غير ما خُلِقَت له كَبَقَرٍ للحملِ أو الرَّكوبِ، وإبلِ، وحُمْرٍ للحرثِ ونحوه، ولا يجوزُ قَتْلُهَا ولا ذَبْحُها للإِراحَةِ، كما لا يجوزُ قَتْلُ الآدميِّ المُتَأَلِّمِ بالأَمراضِ الصَّعْبَةِ.

فَصْلٌ في بِرِّ الوَالدينِ وصِلَة الرَّحِمِ

هو فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ وَلَدٍ له أبوانِ أو واحدٌ، وعُقُوقُهما من أكبر الكبائر.
قال الله عز وجل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) ... ﴾ [الإسراء: 23]، الآية.

الجزء: 1 - الصفحة: 418

وقال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾ [لقمان: 14].
وروى ابن عباس عن النِّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "مَنْ أَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوالِدَيْهِ، أَصْبَحَ وَلَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ النَّارِ، ومن أَمسى مُسْخِطًا لوالِديهِ أَمْسَى وله بابانِ مَفْتوحانِ من النَّارِ، وإن كان واحدٌ فواحدٌ، وإِنْ ظَلَمَاهُ، وإِنْ ظَلَمَاهُ، وإِن ظَلَمَاهُ" 136. وعن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رِضى الرَّبِّ في رضى الوالدينِ، وَسَخَطُهُ في سَخَطِهما" 137. وقال عليه السَّلامُ: "لا يُجْزِي وَلَدٌ والدًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" 138. وقال عليه السَّلامُ: "بابانِ مُعَجلَةٌ عُقُوبَتُهُمَا في الدُّنيا: البَغْيُ والعُقُوقُ" 139.

الجزء: 1 - الصفحة: 419

وعن عبد الله بن عمرو قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إِنِّي أُرِيدُ الجِهَادَ فقال: "أَلَكَ أَبَوانِ؟ "، قال: نعم، قال: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" 140. وقال عليه السَّلامُ: "ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلونَ الجَنَّةَ أبدًا: العَاقُّ لِوالديهِ، والدَّيُّوثُ، وَرَجلَةُ النِّسَاءِ" 141. وقال عليه السَّلامُ: "ثَلاثَةٌ لا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ: الشِّرْكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، والفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ" 142. وقال عليه السَّلامُ: "ثَلاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرَ، والعَاقُّ لوالِديهِ، والدَّيُّوثُ الذي يُقِرُّ في أَهْلِهِ الخَبَثَ" 143. وَصِفَةُ البِّرِّ أن تكفيَهُما ما يحتاجانِ إِليه، وَتُكَفَّ عَنْهُما الأَذى، وتُدارِيَهُمَا مُداراةَ الطَّفْلِ الصَّغيرِ، وألَّا تَضجَرَ من حاجَتِهِما، وأن تُقَدِّمَ خدمَتهُما على كثيرٍ من نوافِلِكَ من صَلاةٍ وصيامٍ وغيرهما، وتَسْتَغْفِرَ لَهُما، ويتأكدُ عَقِبَ صَلاتِكَ، ولا تُحْوِجهُما إلى التَّعَبِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 420

وتَتَحَمَّلَ أَذاهُما، ولا تُعْلِي صَوْتَكَ على صَوْتِهِمَا، ولا تُخَالفهُما فيما لا يكونُ فيه تَرْكُ شيءٍ من فَرائِضِ الله كَحَجَّةِ الإسلامِ، والصَّلواتِ الخَمْسِ، والزَّكَاةِ، والكَفَّارَةِ، والنَّذْرِ، وَطَلَبِ العِلْمِ المَفْرُوضِ وغير ذلك، ولا تُطِعهُما في ارتكابِ مُحَرَّمٍ من مَحارِمِ الله تعالى كالزِّنا، وَشُرْبِ الخَمْرِ، والقَتْلِ، والقَذْفِ، والغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، وغيرِ ذلك من المناهي لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا طَاعَةَ لأَحَدٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ تعالى" 144. ولقوله عليه السَّلامُ: "لا طَاعَة لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ" 145. ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15]، فهذا الحديثُ وهذه الآيةُ عامَّانِ في وجُوبِ مُخالَفَةِ كُلِّ من يَأْمُرُ بمعصيةِ الله تعالى أو تَرْكِ طاعتِهِ.
وسُئِلَ الإمامُ أحمد عن الرَّجُلِ ينهاهُ أَبُوهُ عن الصَّلاةِ في الجَمَاعَةِ فقال: لَيْسَ لَهُمَا طاعةٌ في الفَرْضِ، وأمَّا النَّوافلُ فيجوزُ تَرْكُها لطاعتِهِمَا؛ بل الأَفضلُ طاعَتُهُمَا فيها.

الجزء: 1 - الصفحة: 421

ومن البِرِّ لهما أن تَصِلَ من وَصَلَهُمَا، وَتَهْجُرَ من هَجَرَهُمَا، وتَغْضَبَ لَهُما كما تَغْضَبُ لِنَفْسِكَ في الموتِ والحياةِ، وإذا ثارَ طبعُكَ في الغَضَبِ عليهما فاذكر تَرْبيتَهُمَا وَسَهَرَهُمَا وتَعَبَهُما وإشفاقَهُما، واذكر قول الله سبحانه لك: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)﴾ [الإسراء: 23]، فإن لم يَرْدَعَك ذَلِكَ عن غَيْظِكَ عليهما، ولم تَرْحَمْهُما بعد ذلك لا لله ولا لَهُما فاعلم أنَّك مَحْرومٌ مَسْخُوطٌ عليك، مطرودٌ عن رحمة الله تعالى إن لم تَتَدَارَكْ زَلَّتَكَ بالتَّوَّبةِ النَّصُوح، وباسترضائِهِمَا والتَّذَلُلِ لَهُما، والتَّواضُعِ غايةَ ما يُمكِنُكَ مع مُخالَفَةِ نَفْسِكَ بما تَأْمُرَكَ به في حَقِّهِما؛ لأَنَّها لا تَأْمُرُ إلَّا بالسُّوء؛ فَعَساهُما أن يَرْحَماكَ ويَرْضيا عَلَيْكَ؛ وإلَّا فيَا خَسَارَتَكَ دُنيا وأُخرى بِغَضَبِهِمَا عَلَيْكَ، وسخَطِهِمَا مِنْكَ بِسَبَبِ عُقوقك لَهُما.
إذا علمتَ هذا فلا تسافِرْ سَفَرًا لَيْسَ بواجِبٍ عَلَيْكَ إلَّا بإِذْنِهِما، ولا تغزُ غَزْوًا غَيْرَ مُتعَيِّنٍ عَلَيْكَ إلَّا بإِذْنهما، فلا تَفْجَعْهُمَا بِنَفْسِكَ، فَقَدْ نُهِىَ غَيْرُكَ أن يَفْجَعَهُمَا بِكَ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَنَ الله مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الوالدينِ وَوَلدِهِما، وَبَيْنَ الأَخِ وَأَخيهِ" 146. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ فَرَّقَ بين والِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ الله بَيْنَهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 422

وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ" 147. ثُمَّ إن ظفِرتَ بطعامٍ أو شرابٍ من الحلالِ فَعَلَيْكَ بإيثارِهِما بأطيبِهِ فطالما آثَراكَ وجاعا وأَشْبَعَاكَ وَسَهِرا وَنَوَّمَاكَ، فاجتهد رَحِمَكَ الله على بِرِّهِما غايةَ الاجتهادِ، واعمل بِمَا ذَكَرْتُ لَكَ من النَّصِيحَةِ والإرشادِ، ولا تتبع سَبيلَ العاقِّ لوالديهِ من أهلِ الغِوايَةِ والعِنَادِ، فإنْ فَعَلْتَ تَكُنْ من المبعُودينَ والمطرودينَ من رحمةِ المَلِكِ الجوَاد، نَسْأَلُ اللهَ العافيةَ من ذَلِكَ، والنَّجَاةَ من كُلِّ أمرٍ مُوقعٍ في المهالكِ.
إذا علمتَ هذا فاعلم أيضًا أنه يجِبُ عليك أن تَصِلَ بَقِيَّةَ رَحِمِكَ، وهم كُلُّ قرابَةٍ لَكَ مِنَ النَّسَبِ، فَصِلَتُهُم فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْكَ، وقطيعتُهُمْ مُحَرَّمَةٌ عليك تحريمًا مُؤَكَّدًا، فهي من أكْبَرِ الكبائِرِ عِنْد الله تعالى، وقد قرنَ الله سبحانه الأَرحامَ باسمِهِ الكريم في قوله: جلَّ من قائِلٍ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ [النساء: 1]؛ وذلك تنبيهٌ على أن صِلَتَها بمكانٍ منه سبحانه ومُقَرِّبٌ إليه، وقطعَهَا خَطَرٌ عظيمٌ عِنْدَهُ وَمبعدٌ عنه تبارك وتعالى.
قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الرَّحِم شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمن، قال الله تعالى: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ" 148، وقال عليه

الجزء: 1 - الصفحة: 423

السَّلامُ: "الرَّحِمُ مُتَعَلِّقَةٌ بالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ الله" 149. وقال عليه السَّلامُ: "للرَّحِمِ لِسانٌ عِنْدَ الميزانِ، تَقُول: يا رَبِّ مَنْ قَطَعَنِي فاقْطَعْهُ، وَمَنْ وَصَلَنِي فَصِلْهُ" 150. وقال عليه السَّلامُ: "مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: مَنْ سَرَّهُ أن تَطُولَ حَياتُهُ، وَيُزادَ في رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" 151. وقال عليه السَّلامُ: "مِنْ أَشراطِ السَّاعَةِ الفَحْشُ والتَّفَحُّش، وقطيعَةُ الرَّحِم، وتَخْوِينُ الأَمينِ، وائتمانُ الخَائِن" 152.

الجزء: 1 - الصفحة: 424

وقال عليه السَّلامُ: "إنِّي لم أُبْعَث بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ" 153. وقال عليه السَّلامُ: "لَيْسَ شيءٌ أُطِيعَ الله فيه أعجلَ ثَوابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمَ، وَلَيْسَ شيءٌ أَعْجَلَ عِقابًا مِنَ البَغْيِ وقطيعَةِ الرَّحِمَ، واليَمِينُ الفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ" 154. وقال عليه السَّلامُ: "إنَّ الرَّحْمَةَ لا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِع" 155. وقال عليه السَّلامُ: "إنَّ أَعْمَالَ بَني آدَمَ تُعْرَضُ على اللهِ عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَلا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِع رَحِمٍ" 156. وقال عليه السَّلامُ: "لَيْسَ الواصِلُ بالمُكافِئ؛ لَكِنَّ الواصِلَ الذي إِذا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها" 157.

الجزء: 1 - الصفحة: 425

وقال عليه السَّلامُ: "الصَّدَقَةُ على وَجْهِهَا، واصْطِنَاعُ المَعْرُوفِ، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الرَّحِمَ، تُحَوِّلُ الشَّقَاءَ سَعَادَةً، وتَزِيدُ في العُمُرِ وَتَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ" 158. واعلم أَن المُرادَ بِصِلَةِ الرَّحم موالاتُهُم ومَحَبَّتُهُم أكثرَ من غيرهم لأَجل قرابتهم، وتأكيدُ المبادرةِ إلى صلحهم عِنْدَ عداوتِهِم، والاجتهادُ في إيصالهم كفايتَهُم بطيبِ نَفسٍ عِنْدَ فَقْرِهِم، والإسراعُ إلى مُساعدتِهم ومعاونَتِهِم عند حاجتِهِم، ومُراعاةُ جَبْرِ خاطِرِهم مع التَّعَطُّفِ والتَّلطُّفِ بهم، وتقديمُهُم في إِجابةِ دعوتِهِم، والتَّواضُعِ معهم من غير ترافع مع غنَاهُ وفقرِهِم وقوتِهِ وَضَعْفِهِم، ومداومةُ مودَّتِهِم وَنُصْحِهِم في كُلِّ شؤونِهِم، والبُداءَةُ بهم في الدَّعوةِ والضِّيافَةِ قبل غيرِهِم، وإيثارُهُم في الإحسانِ والصَّدَقَةِ والهديَّةِ على من سِوَاهُم؛ فإن الصَّدَقَةَ عليهم صدقةٌ وصِلَةٌ، وفي معناها الهديةُ وغيرها.
وَيَتأَكَّدُ فِعْلُ ذلك مع الرَّحِمِ الكاشِحِ أي المُبغِضِ، عَسَاهُ يرجعُ عن بُغْضِهِ إلى مودَّةِ قريبه ومحبتِهِ.
قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصَّدَقَةُ على المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعلى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ" 159.

الجزء: 1 - الصفحة: 426

وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ؛ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ" 160 واعلم أن هذا كُلَّه مع الرَّحِمِ الموافِق في الدِّين، أما إذا كان الشَّخْصُ مُسْلِمًا وهم كفار فلا يُوالهم ولا يُوادُّهُم لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... ﴾ [المجادلة: 22]، الآية.
فَصِلْ رَحِمَكَ رَحِمَكَ مَوْلاكَ، وخالف بِذَلِكَ نَفْسَكَ وهواكَ، واصبِرْ على أذاهُم إذ نَبِيُّكَ بِذَلِكَ أوصاكَ، وَأَحْسِنْ إلى من أساءَ إِلَيْكَ منهم تُحْمَدْ بِذَلِكَ عُقْبَاكَ، وَحسِّنْ خُلقَكَ معهم تَنَلْ بِذَلِكَ راحتَكَ ورضاكَ، وتظفرْ بخيْري دُنياكَ وأُخْراكَ، واللهُ المسؤولُ بفضْلِهِ أن = سلمان بن عامر، وهو حديث صحيح، ونحوه في "الصحيحين" من حديث زينب الثقفية.

الجزء: 1 - الصفحة: 427

يوفقني لِذَلِكَ وإيَّاكَ (1).

فَصْلٌ في الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)﴾ [الأحزاب: 56].
وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بِهَا عَشْرًا" 162. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يُصلِّي عَلَيَّ إلَّا صَلَّتْ عليهِ المَلائِكَةُ ما دامَ يُصَلِّي عَليَّ، فَلْيُقِلَّ العَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ" 163. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ واحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَواتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عشرَ خَطِيئاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ161

الجزء: 1 - الصفحة: 428

دَرَجاتٍ" 164. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عليَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ" 165. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من صلَّى عَليَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَليَّ نائيًا أُبْلِغْتُهُ" 166. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صلَّى عليَّ صَلاةً كَتَبَ الله له قِيراطًا؛ والقيراطُ مِثْلُ أُحُدٍ" 167، وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

الجزء: 1 - الصفحة: 429

"أَوْلَى النَّاسِ بي يَوْمَ القِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ عليَّ صَلاةً" 168. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه الصَّعْقَةُ، فأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فيه، فإنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فقالوا: يا رسولَ الله وكيف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وقد أَرَمْتَ أي بَليتَ؟ قال: "إنَّ الله حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أن تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء" 169. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليَّ" 170، وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تَجْعَلوا قَبْرِي عيدًا، وَصَلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتَكُمْ تَبْلُغني حيثُ كُنْتُم" 171.

الجزء: 1 - الصفحة: 430

وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عليَّ إِلَّا رَدَّ الله عليَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ" 172. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصلِّ عليَّ" 173. وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ أَبْخَلَ النَّاسِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ" 174. وعن فَضالَةَ بنِ عبيدٍ رضي الله عنه قال: سَمِعَ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو في صَلاتِهِ لَمْ يَحْمَدِ الله تعالى،

الجزء: 1 - الصفحة: 431

وَلَمْ يُصَلِّ على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَجِلَ هذا"، ثُمَّ دعاهُ فقال لَهُ أو لغيرِهِ: "إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى والثَّنَاءِ عليهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدعو بعدُ بِما شَاءَ" 175. والحَاصِلُ أَن الأَحاديثَ الدَّالَّةَ على فرضيَّة الصَّلاةِ عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرةٌ، والآثارُ في ذلك شهيرةٌ، ولا يليقُ استقصاءُ ذَلِكَ في هذا المُخْتَصَرِ بل ذلك مِمَّا لا يُمْكِنُ عِنْدَ أهلِ الأَثَرِ، إذْ فوق كُلِّ ذي عِلْمٍ عليمٌ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَليِّ العَظِيم.
ثُمَّ اعلم أنَّ الصَّلاةَ على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ بالإجماعِ إلَّا أن العلماءَ اختلَفوا في وقتِ وجُوبِها على أقوالٍ، أَصَحُّها: أنَّها فَرْضٌ في كُلِّ صلاةٍ، وفي كُلِّ خُطْبَةٍ سواءٌ كانت فرضًا أو نفلًا، وقيل: في العُمْرِ مَرَّةً، وقيل: في كُلِّ مَجْلِسٍ، وقيل: في أولِ كُلِّ دُعَاءٍ وآخره وقيل: كلما ذُكِرَ وهو ظاهِرُ الأَدلَةِ.
وقد ذَهَبَ إِلى ذلك جماعةٌ مُحَقِّقُونَ، وأَئِمَّةٌ مُدقِّقُونَ منهم: الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحاوي من الحنفية، والإمام أبو الحسين اللَّخمِيُّ من المالِكيةِ، والإمامُ أبو عبد الله الحليميُّ من الشَّافعيةِ، والإمام

الجزء: 1 - الصفحة: 432

أبو عبد الله بن بَطَّةَ من الحنابلة، والفقيرُ عفا الله عنه وهداهُ إلى سواءِ السَّبيلِ يميلُ إلى ذَلِكَ تَمسُّكًا بِما لَهُ من قاطع الدَّليلِ، واقتداءً بهؤلاءِ الأَئمة الأَعلامِ، ومن وافقَهُمْ من العلماءِ العِظَامِ، ورغبةً في وافِر الأَجْرِ مِنَ المَلِكِ العَلَّامِ، واسْتِئْناسًا بإفتاءِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لي بِلُزومها في المنام؛ وذلك أنِّي رأيتُ ليلةَ الجُمُعَةِ خِتَامَ شعبان سنة سَبْعٍ وأربعينَ وَألفٍ في المنامِ كَأنِّي في الجامعِ الأَموي مُسْنِدًا ظَهْرِي إِلَى المقصورةِ مِنَ الجانِبِ الغَرْبِي القريبِ من تحت القُبَّةِ وأنا واقفٌ، فبينما أنا كذلك إذْ حَضْرةُ جنابِ النَّبِيِّ المُكَرَّمِ، والرَّسولِ المُفَخَّمِ، والخليل المُعَظَّمِ سَيِّدنا محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مارٌّ عليَّ من جهةِ بيتِ الخِطَابَةِ غَيْرَ أَنِّي لم أعلم هل هو آتٍ منه أو من غيره، فأخذتُ أَنْظُرُ إلى ذاته الشَّرِيفَةِ المُعَظَّمَةِ المُنيفَةِ زادها الله لديهِ عُلُوًّا واحترامًا وَقُرْبًا وإجْلالًا وإعْظامًا.
وبينما أَنا كَذَلِكَ إذْ رجلٌ من إِخواني وَأَحِبَّائي بل من خيارهم يُناديني لِأَذْهَبَ معه، فَقَلْتُ له: اصْبِرْ حَتَّى أَسْتَفْتِيَ حَضْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه المسأَلةِ، فَلَمَّا صار صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُجاهي وأنا واقف بين يديه قريبًا منه جدًّا، أَخَذْتُ أستفتيهِ، فقلت له صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسول الله إذا سَمعَ الإنسانُ ذِكْرَكَ هل يلزمُهُ أن يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هذا الجواب الصَّرِيح بهذا اللَّفْظِ المُهَذَّبِ المُحَرَّرِ الصَّحيحِ من لِسانِهِ الصَّادِقِ الفَصيحِ، مشافِهًا لي بذلك مِنْ غَيْرِ شَكٍّ

الجزء: 1 - الصفحة: 433

حَصلَ لِيَ هُنَالِكَ، عَلِمْتُ أنَّها رؤيا حَقٍّ وفَتْوى صِدْقٍ، فاعتقدتُ من حيني وجُوبَها عليَّ كُلَّما ذُكِرَ، وتأكيدها عليَّ كُلَّما اسمُهُ الشَّريفُ نُشِرَ، وهذا اعتقادي فيها إن شاء الله إلى المماتِ، راجيًا بذلك مُضاعَفَةَ الأَجْرِ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ والسَّمواتِ، والدُّخولِ في شَفَاعتِهِ عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسْليماتِ.
فَائِدَةٌ: واعلم أَنَّهُ لَيْسَ اعتمادي في ذَلِكَ على المَنامِ المذكورِ؛ لأَنَّهُ لا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، لكن يُسْتأْنَسُ به، وإِنَّما اعتمادي على ظاهرِ الأَدِلَّةِ المذكورةِ.
فَائِدَةٌ: ذَكرَ أبو عيسى التَّرمذيُّ في جامِعِهِ عِنْدَ ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عليه إذا ذُكِرَ عن بَعْضِ أهلِ العِلْمِ أَنَّهُ قال: إذا صَلَّى عليه مَرَّة في المَجْلِسِ أَجْزَأَ عنه ما كان في ذَلِكَ المَجْلِس، نقله عنه الإمام النَّووي في كتابه "الأَذكار" وأَقَرِّهُ (1).

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الآثَارِ في فَضْلِ الصَّلاة عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَمِنْ ذَلِكَ ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب كَرّمَ الله وَجْهَهُ أنَّه قال: لولا أن أَخَافَ أن أنسى ذِكْرَ الله ما تَقَرَّبْتُ إِليه إِلَّا بالصَّلاة على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن ذلك ما رواه سيدنا عليّ كرم الله176

الجزء: 1 - الصفحة: 434

وجهه عن صاحبه وشيخه الثِّقَةِ عِنْدَهُ وعِنْدَ غيرِهِ خليفةِ الرَّسول وأفْضَلِ أصحابِهِ بل وجميعِ الخَلْقِ غَيْرِ الأَنْبِياءِ سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعن جميع الصحابة والأَزواجِ وذَوِي القَرابَةِ أنَّه قال: الصَّلاةُ على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْحَقُ للخَطَايا مِنَ الماءِ للنَّارِ، والسَّلامُ عليه أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ، وحُبُّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُهَجِ الأَنْفُس أي من بَذْلِ الأَرواحِ، أو قال: مِنْ ضَرْبِ السَّيفِ في سبيلِ الله 177. وفي روايةٍ أُخرى عنه رضي الله عنه أنه قال: إن الصلاة عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْحَقُ للذُّنُوبِ مِنَ الماءِ للنَّارِ، وأَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ، ومن مُهَجِ الأَنْفُسِ في سبيل الله، وإنَّ حُبَّهُ أَفْضَلُ من ضَرْبِ السَّيْفِ في سبيل الله.
وروي من حديث أبي هريرة عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صَلَّى الله عليه عَشْرًا، وَمَنْ صَلَّى عليَّ عَشْرًا صلَّى الله عليه مَائَةً، وَمَن صلَّى عليَّ مائة صلَّى الله عليه ألفًا، وَمَنْ زادَ صَبَابَةً وَشَوْقًا كُنْتُ لَهُ شفيعًا وَشَهيدًا يَوْمَ القِيامَةِ".
وفي روايةٍ: "وَمَنْ صَلَّى عليَّ ألفًا حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ وعِظَامَهُ على النَّارِ" 178.

الجزء: 1 - الصفحة: 435

وعند الطبراني في "معجميه الأَوسط والصَّغير"، من حديث أنس مثله، لكن فيه: "ومَنْ صَلَّى عليَّ مائَة كَتَبَ الله لَهُ بين عَيْنَيْهِ بَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَأَسْكَنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الشُّهَداءِ" 179. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيُّ ابن الصحابيِّ: "مَنْ صَلَّى عليه صلَّى الله عليه وسلَّم واحِدةً، صَلَّى الله وملائكتُه عليه سَبْعِينَ صَلَاةً" 180، إِسناده صحيح، ومِثْلُهُ لا يقالُ إِلَّا عن توقيفٍ فهو في حُكْمِ المرفوعِ.
وفي حديث عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ في يومٍ -وفي روايةٍ - في يَوْمِ الجُمُعَةِ أَلْفَ مَرَّةٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى = شكه في صحة هذا الحديث: "أخرجه أبو موسى المديني بسند قال فيه الشيخ مغلطاي: لا بأس به، فالله أعلم".

الجزء: 1 - الصفحة: 436

مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ" 181. وروى أبو موسى المديني في "ترغيبه" أَنَّ خَلَّادَ بن كثيرٍ كان في النَّزْع فوجدوا عِنْدَ رَأْسِهِ رُقْعَة أي ورَقَة مكتوبٌ فيها: هذه بَراءَةٌ مِنَ الله لخلَّاد بن كثير، فسألوا عنه أهلَهُ ما كان عملُهُ فقيل: إِنَّه كان يُصَلِّي على النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ 182. وروى أبو القاسم الأَصبهاني في "ترغيبه" أن ابن مسعود الصحابي قال لزيد بن وَهْبٍ: لا تَدَعْ هذا يوْمَ الجُمُعَةِ 183. وفي حديث نَبَوِيٍّ: "مَنْ صَلَّى عليَّ حِينَ يُصْبِحْ عَشْرًا، وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا، أَدْرَكْتُهُ شفاعتي يَوْمَ القِيامَة" 184. وفي آخر: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَكُلَّ لَيْلَةٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 437

ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ حُبًّا لِي وَشَوْقًا إِليَّ كان حَقًّا عَلَى الله أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذُنُوبَهُ ذَلِكَ اليَوْمَ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ" 185. وفي آخر: "لَيَرِدَنَّ عَليَّ -يعني الحَوْضَ- أَقْوامٌ ما أَعْرِفُهُم إلَّا بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِم عَلَيَّ" 186. وروى أبو الشيخ، وأبو القاسم الأَصْبَهانيان، وغيرُهما من طريق مالك بن دينار، وأبان بن صالح، عن أنس بن مالك عنه عليه الصَّلاة والسَّلامُ أنَّه قال: "مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً فَتَقُبِّلَتْ مِنْهُ محا الله عَنْهُ ذُنوبَ ثَمَانينَ سَنَةً" 187.

الجزء: 1 - الصفحة: 438

وَأَسْنَدَ القُشَيرِيُّ في رسالتِهِ إِلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أَوْحى الله إلى مُوسى عليه السَّلامُ: أَحَبُّ ما تَكونُ إِليّ وَأَقْرَبُه إِذا أَكثرتَ الصَّلاة على مُحَمَّدٍ.
وقال إِمامُ الأَئَمَّةِ الشَّافعيُّ رضي الله عنه: أُحِبُّ كَثْرَةَ الصَّلاةِ على النِّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كُلِّ حَالٍ، وأنا في يَوْمِ الجُمُعَة وَلَيْلَتِها أَشَدُّ استحبابًا.
وفي "المُنْتَخَبِ من كتاب الثَّواب" لأَبي الشيخ، و"الترغيب" لأَبي موسى المديني، عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: مَنْ صَلَّى على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهؤلاءِ الكَلِمَاتِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ويومِ الجُمُعَةِ مَائَةَ مَرَّةٍ يَقولُ: صَلواتُ الله وملائكتِهِ وأنبيائِهِ ورُسُلِه، وجميعِ خَلْقِهِ على مُحَمَّدِ، وعلى آل مُحَمَّدٍ وَعَلَيه وَعَلَيْهِم السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، فَقْدَ صَلَّى عليه بِصَلاةِ جَمِيعِ الخَلائِقِ، وحُشِرَ يَوْمَ القيامَةِ في زُمْرَتِهِ، وَأَخَذَ بيده حَتَّى يدْخِلَهُ الجَنَّةَ.
وقال الحافظ طَاهِرُ بن مُحمَّدٍ الحَدادِيّ في كتابه "عُيُون المَجَالِسِ": سمعت أبا عبد الله الطرائفيّ يقول: خَرَجَ رَجلٌ مِنَ الصَّالحِينَ في أيَّامِ الرَّبيع فَرَأَى خُضْرَةَ الدُّنيا وبَهْجَتَها، فقال 188: يا رَبِّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ وَرَقِ هذِهِ الأَشْجَارِ، وصلِّ عليه بِعَدَدِ رَمْلِ القِفَارِ، وَصَلِّ عليه بِعَدَدِ قَطْرِ البِحَارِ، وصَلِّ عليه بِعَدَدِ الوَرْدِ والنّوَّارِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 439

وصَلِّ عليه بِعَدَدِ دَوَابِّ البرِّ والبِحَارِ، فلما نامَ هَتَفَ بِهِ هاتِفٌ: يا هذا، أتْعَبْتَ الحَفَظَةَ عَنْ كَتْبِ ثَواب هذا إلى آخِرِ الدَّهْرِ والأَعمارِ، واسْتَوْجَبْتَ من الله الكريم البَار جنَّاتِ عدنٍ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ.
وقال سَهْل بن عبد الله التُّستَري قَدَّسَ الله سِرَّهُ: إنَّ الصَّلاة عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلُ العبادات، قال: لِأَن الله تعالى تولاها هو وملائكتُه ثُمَّ أَمَرَ بها المؤمنين، وسائرُ العبادات ليست كذلك، ذَكرَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسلام العلَّامة برهان الدِّين أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ النَّاجِي في كتابه الذي سماه: "كَنْزُ الرَّاغِبينَ العُفاة في الرَّمْزِ إلى المَوْلدِ المُحَمَّدي والوَفَاة" 189. وذكر فيه أيضًا عن الشيخ أبي سليمان الديراني أَنَّ من أَرَادَ أن يَسْأَلَ اللهَ حاجَةً فَلْيَبْدَأ بالصَّلاةِ على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يسأل حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَخْتِم بالصَّلاةِ عليه، فإِنَّ الله سبحانه بكرمه يَقْبَلُ الصَّلاتينِ، وهو أَكْرَمُ من أن يدعَ بينهما 190. وعن أبي الدّرْداءِ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذا سَأَلْتُمُ اللهَ حاجَةً فابدؤوا بالصَّلاةِ عليّ، فإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ من أن يُسْأَلَ حاجتينَ فيقضي إحداهما ويَرُدَّ الأُخرى" 191.

الجزء: 1 - الصفحة: 440

وقال العراقي: هو موقوفٌ على أبي الدَّرْداءِ.
وقال ابن مسعود: إِذا أَرادَ أَحَدُكُم أن يَسْأَلَ اللَّهَ شيئًا، فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِهِ والثَّنَاءِ عليه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ يصلِّي على النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَل؛ فإِنَّهُ أَجْدَرُ أن يَنْجَحَ 192. وفي هذا المعنى وأشباهِهِ أحاديثُ كثيرةٌ، وآثارٌ شهيرةٌ، وفي هذا القدر كفاية لأَهل الذوق والبصيرة.
وفي الجُمْلَةِ والتَّفْصيلِ فَضْلُ الصَّلاة على النَّبِيِّ الكريمِ عليه أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسليمِ أَشْهَرُ من أن يُشْهَرَ، وأظْهرُ من أن يُذْكَرَ، وأكْثَرُ من أن يُحْصَرَ؛ إذ هي من أَفْضَل الأَعمالِ، وبها يُنالُ الفوزُ في الحالِ والمآلِ، وقد أُفْرِدَ لها مصنفاتٌ طِوالٌ صدَرَتْ من فحولِ الرِّجال الذين عليهم الاعتمادُ في الأَقوال والأَفعال، فَجَزاهُمُ اللَّهُ بِفَضْلِه خَيْرَ الجَزاءِ، وحَشَرَهُم تحتَ لواءِ نَبِيِّهِم المصطفى، وألحقني، ومن أحبني بِهِمْ؛ إِنَّه لا يخيبُ من له رجاء، ولعفوه سأل وإِليه التجأ.
لكن الاعتماد فيها، وفي غيرها من الأَعمالِ على الإخلاصِ كما نطق بِذَلِكَ الكِتَابُ والسُّنَّةُ على الإطلاقِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 441

فلا يَجوزُ الاغترارُ بما يلهجُ به كثير مِنَ النَّاس، ويتداولونه بينهُم من غير مُسْتَنَدٍ أن كُلَّ الأَعمالِ منها المقبول، ومنها المردود، إلَّا الصَّلاةَ على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنها مقبولة غير مردودةٍ، فإن هذا الكلام مردودٌ غير مقبولٍ، لأَن كَلِمَةَ التَّوحيدِ أعظمُ منها وأفضل، ولا تقبلُ مِن كثيرٍ مِمَّن يدعي أنّه من أهلها، وليس هو في الحقيقةِ كذلك، فهي وغيرها من سائر الأَعمال لا تفيدُ، ولو أَتى بها بشُرُوطها إلَّا أن يوفق الله ويتفضلَ بالقبول! لكن ينبغي للعاقِلِ العارفِ مع العَمَلِ والاجتهاد والإخلاصِ أن يخاف الرَّدَّ ويترجى القبول، وقد قال فَضالة بن عبيد الصحابي: لأَنْ أكونَ أعلمُ أن الله قد تقبَّلَ مِني مِثْقَالَ حبةٍ من خَرْدَلٍ أحبُّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ لأَن الله تعالى يقول ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)﴾ [المائدة: 27].
وروي عن سيدنا عبد الله بن عمر نحوه، ويؤيد قولَهما رضي الله عنهما قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]، أي: يعطون ما أعطوه من الصَّدَقَاتِ وقلوبهُمُ خائِفَةٌ ألَّا تُقْبَلَ منهم.
وَقُرِئَ: (يَأْتُونَ) بفتح الياء (ما أَتَوْا) بِقَصْرِ الهَمْزَةِ؛ أي يفعلون ما فعلوا من الطَّاعاتِ وقلوبهم خائفة ألَّا تقبل، وأن لا تَقَع على الوجه اللائِقِ فيؤاخذوا به.
والحاصل أن قَبُولَ الأَعمالِ مع الإخلاصِ موقوفٌ على

الجزء: 1 - الصفحة: 442

مشيئة الله تعالى، إِذْ لا يَجِبُ عليه سبحانه شيءٌ، فإِن شاءَ سبحانه قبلها كَرَمًا منه وفضلًا، وإِن شاءَ رَدّها حِكْمَةً منه وعدلًا.
وأما مع عَدَمِ الإخلاصِ فإِنَّها مردودةٌ على عامِلِها قطعًا؛ لأَن الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَّا طيبًا، فالمُرائي مذمومٌ غَيْرُ محمودٍ بل هو مَأْثومٌ وعنِ الرَّبِ مطرودٌ، وعمله المشوبُ بالرياءِ عليه مردود، وكيف لا وقد أَتَى ذَنْبًا من أكبرِ الكبائِرِ، بل هو الشِّرْكُ الأَصغر عند أولي العقولِ والبصائر، فعقابُهُ عليه عظيمٌ إن لم يَعْفُ عنه الرَّبُّ الغفور الرحيم.
والحاصل أن الكتاب والسُّنَّةَ مشحونانِ مَنْطُوقًا ومفهومًا بِرَدِّ كُلِّ عَمَلٍ فُعِلَ رَياءً من فَرْضٍ وَنَفْلٍ كَصَوْمٍ وصلاةٍ وَصَدَقَةٍ وغيرها، ولم يُستثن من ذلك الصَّلاةُ على النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا غيرُها.
فمن رَجَا قَبُولَ العَمل مِنَ الصَّلاةِ على النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرها فعليه بالإخلاصِ التَّامِ الذي نَطَقَ به الكتابُ والسُّنَّةُ وأجمع عليه أئمة الإسلام، نَسْأَلُ الله تعالى التوفيقَ على ذلك بفَضْلِهِ على الدَّوامِ، وأن يُلحقَنَا بصالحِي خلقِهِ من أَهْلِ الإخلاصِ في الأَنام.

فَصْلٌ

والأَكْمَلُ الجَمْعُ بين الصَّلاةِ والسَّلامِ، فإن اقتَصَرَ على أحدهما لم يُكْرَه عِنْدَنا، وكُرِهَ عند الأَكثر، وَحَرُمَ عند بعضهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 443

وَيُسَنُّ أن يُصلِّي على الآلِ والأَصحاب مع النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتجوزُ على غير الأَنْبياء استقلالًا، نص الإمام أحمد على ذلك، وكرهَهُ الأَكثر، وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُم.
تَنْبِيهٌ: ومحبته صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مُسْلِمٍ، فَيُقَدِّمُ حُبَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على نَفْسِهِ وزوجتِهِ وولدِهِ ومالِهِ ووالدِهِ والنَّاس أجمعين، فلو قَدَّمَ حبَّ شيءٍ على حُبِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عصى اللهَ ورسولَهُ أبلغَ العصيانِ، وباءَ بغضبِ الملكِ الدَّيَانِ بقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ [التوبة: 24].
فهذا وعيدٌ بليغٌ من الله تعالى لمن يكون به شيءٌ مِمَّا ذُكِرَ في الآيةِ أَحَبَّ إِليه مِنَ الله ورسولِهِ وجهادٍ في سبيلِهِ، ويُقاسُ ما لم يُذْكَرْ في الآيةِ على ما ذُكِرَ فيها، فمتى كان شيءٌ أَحَبَّ إِليه من الله ورسوله وجِهَادٍ في سبيله، أو أَحَبَّ إِليه من واحدٍ منهم لم يكن صَادِقًا في الإيمان؛ لأَن هذا من الكبائِرِ العِظَامِ بدليل أن الله تعالى تَوَعَّدَ عليه، وكُلُّ ما توعد عليه من الذُّنوبِ فهو من الكبائرِ كالذي فيه حَدٌّ في الدُّنيا؛ وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ

الجزء: 1 - الصفحة: 444

أَحَبَّ إِليهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعينَ" 193. فاجتَهِدْ وَفَّقَكَ الله على أن تكون محبتُكَ لَه صادِقَةً صادرةً من صميمِ القَلْبِ بلا رياءٍ ولا مُنافَقَةٍ، وعلامةُ ذلك أن تلزمَ الطاعةَ ما استطعت اتباعًا له ومُوافَقَةً.
ومن أعْظَمِ شُعُبِ الإيمانِ تعظيمُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أرشدنا الله إلى ذلك في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... ﴾ الآية [الحجرات: 2]، فلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يَرْفَعَ صوته فوق صوته، ولا أن يناديَه من وراء الحجرات، ولا أن يناديَه باسمه بأن يقول: يا محمد، يا أحمد، ونحو ذلك، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، ونحو ذلك، فقد دلت هذه الآية على وجوب تعظيمه والتأدب معه في القول، ويقاس عليه غيره.
وقد ذكر الإمام الحليمي تعظيمَهُ في كتابه، وَقَرَّرَ أن التَّعظيم مَنْزِلَةٌ فَوْقَ المَحَبَّةِ، ثُمَّ قال: فَحَقٌّ علينا أن نُحِبَّهُ ونُجِلَّهُ ونُعظِّمَهُ أكثرَ وأوفَرَ من إجلالِ كُلِّ عَبْدٍ سَيِّدَهُ وَكُلِّ وَلَدٍ والدَهُ، قال: وَبِمِثْلِ هذا نَطَقَ الكتَابُ وَوَرَدَتْ أوامِرُ الله تعالى، وكذا قال تلميذُهُ أبو بكر البيهقيُّ في "شُعَبِهِ" أن تعظيمه غير محبته.
وقال: ألا ترى أَّنَّكَ تُحِبُّ الوَلَدَ ولا تُعظِّمُهُ تعظيمَ الوالِدِ، وكذلك السّيد قد يُحِبُّ المملوك ولا يعظِّمُهُ، والمملوك قد لا يُحِبُّ

الجزء: 1 - الصفحة: 445

السَّيدَ ثُمَّ يعظمه، قال: فعرف بهذا أن للتعظيم حقيقةً سوى حقيقة المحبّة 194. وقال صاحبُ كتاب "النصائح" أبو إبراهيمَ إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ التُّجيبيُّ المالِكيُّ: واجبٌ أي مُتَأكّدٌ على كُلِّ مُؤْمِنٍ متى ذَكَرَهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو ذُكِرَ عِنْدَه أن يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ وَيَتَوقَّرَ وَيُسَكِّنَ من حَرَكتِهِ، ويأخُذَ في هيبتِهِ وإجلالِهِ بما كان يأخذ به نَفْسَهُ لو كان بين يَدَيه، وَيَتأَدَّبَ بما أَدَّبنا اللَّهُ به، وهذه كانت سيرة السَّلفِ الصَّالح معه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونحن مأمورون بالاقتداءِ بهم 195. فمنزلة ذكره صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحديثه الشريف منزلة ذاته عليه السَّلامُ، فتأدَّبْ معهما كتأدُّبِ السّلَف الصالح مع ذاته عليه السَّلامُ، فينبغي لمن أراد التحديث أن يستعمل ما رواه الثقات.
عن الإمام مالك -رضي الله عنه- أنَّه كان إِذا أرادَ أن يُحدِّث تَوَضَّأَ على صَدْرِ فراشِهِ وَسَرَّحَ لحيتَهُ، وتمكَّن في جُلُوسِهِ بوقارٍ وهيبَةٍ وَحَدَّث، فقيل له في ذلك فقال: أُحِبُّ أن أُعَظِّم حديث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أُحَدِّثَ إلَّا على طهارةٍ مُتَمكِّنًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 446

وكان يَكْرَهُ أن يُحَدِّث في الطريقِ وهو قائم أو يستعجل، وقال: أُحِبُّ أن أَتَفَهَّمَ ما أُحَدِّثُ به عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروي عنه أيضًا أنَّه كان يغتسل لذلك ويتبخَّر ويتطيَّب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبَرَهُ وقال: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]، فمن رَفَعَ صَوْته عند حديث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكأنَّما رَفَعَ صوته فَوْق صَوْتِ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 196. وكذلك ينبغي أن يَتَأَدَّبَ بهذهِ الآدابِ من حَضَرَ مَجْلِسَ التَّحديثِ، وهذا من جملةِ ما تُعْرَفُ به محبتُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعظيمُه وتوقيرُه، ومن الغرائبِ ما في كتاب "حلية الأَولياء" عن وهب بن منبِّهٍ أنَّه كان في بني إسرائيل رَجُلٌ عَصَى الله تعالى مائتي سَنَةٍ ثُمَّ ماتَ فَأَخَذوا بِرِجْلِهِ وألقَوْه على مَزْبَلةٍ، فَأَوحَى الله تعالى إلى موسى عليه السَّلامُ أن اخْرُج فصَلِّ عليه، قال: يا ربِّ، بنو إسرائيل شَهِدوا أَنَّه عَصَاكَ مئتي سَنة، فأوحى الله، هكذا كان إلَّا أنَّه كان كُلَّما نَشَرَ التَّوراةَ أي فتحها للقراءة فيها ونظر إلى اسمِ مُحمَّدٍ قَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ على عينيه وصلى عليه فَشَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَهُ وَزَوَّجْتُهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 447

سبعين حوراء، أي مِنَ الحورِ العين 197. وإذا كان أبو لَهَب عمُّ نبينا مع شدة كُفْرِهِ وقع له مَرَّةً في دهرِهِ الفَرَحُ به؛ وذلك لما بُشِّر بولادتِهِ فَنَفَعَهُ وخُفِّفَ عنه العذاب في البَرْزَخِ كُلَّ ليلةِ اثنين بسببه 198، أفلا ينفع ذلك المسلمَ السُّنيَّ الذي كان طول عمره به مسرورًا وله محبًّا صادقًا؟ وكيف لا يحصل له منه إن شاء الله الخيرُ الكُلّيُّ والبركةُ، والرِّعايةُ والعنايةُ والشَّفاعةُ؟ والحاصِلُ أن الوقائع العجيبةَ من هذا القبيلِ وما يشابِهُهُ كثيرة، والآثار الدالةَ على ما حصل ببركته من الفوزِ للخلق شهيرة، فبذل الأَرواح، ونفائس الذخائر أَقلُّ قليلٍ في حُبِّ هذا النَّبِيِّ الكريم، والرسول العظيم الجليل الذي ما كان مثله ولا يكون، وكيف لا؟ وقد خَلَقَه الله قبل جميع المخلوقات من نوره الإلهي نُورِهِ المكنون 199،

الجزء: 1 - الصفحة: 448

وَنَوَّه بذكرِهِ، وَشَهَرَ أمَرهُ، وقرَنَ اسمَه باسمه المصون؛ فصلَّى الله وسلَّم عليه بعدد أفراد مخلوقاته كلِّها صلاةً نُقَدِّمُها بين يديه للشفاعةِ التي هو أحَقُّ بها وهو أَهْلُهَا.

فَصْلٌ في الذِّكْر

وقال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 125]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾ [الجمعة: 10]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)﴾ [الأحزاب: 41، 42]، والآيات في الباب كثيرة معلومة، والأَحاديث كذلك.
منها قوله صلَّى الله عليه وسلم: "كَلِمَتانِ خَفِيفَتَانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزانِ، حَبيبتانِ إِلى الرَّحمن، سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ = الصحيحة الصريحة على غير ما قال به من أن الله خلقه صلَّى الله عليه وسلم قبل جميع المخلوقات؛ وأنه مخلوق من نوره، قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "والنبي صلَّى الله عليه وسلم خُلِق مِمَّا يُخلَق منه البشر، ولم يخلق أحد من البشر من نور؛ بل قد ثبت في "الصحيح" عن النبي صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله خلق الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخُلِق آدم مِمَّا وصف لكم" إلى آخر ما ذكر حول هذه المسألة، وقد أفاض -رحمه الله- في ذلك، كما أنه ذكر فضل نبيّنا محمدٍ صلَّى الله عليه وسلم ومناقبه الشريفة، انظر: "الفتاوى" (11/ 94 - 99).

الجزء: 1 - الصفحة: 449

سُبْحانَ الله العَظِيمِ".
متفق عليه 200. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "لأَنْ أَقْولَ: سُبْحانَ الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، والله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ".
رواه مسلم 201. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ لا إله إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ، في يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ" 202. وقال: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإِنْ كانت مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ"، متفق عليه 203. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ"، متفق عليه 204.

الجزء: 1 - الصفحة: 450

وقال صلَّى الله عليه وسلم: "أَلا أُخْبِرُك بِأَحَبِّ الكَلامِ إِلى اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ الكَلامِ إِلى اللهِ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ"، رواه مسلم 205. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "الطُّهُور شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحانَ اللهِ والحَمدُ للهِ تَمْلَان - أو تَمْلأُ - ما بَيْنَ السَّمواتِ والأَرْضِ"، رواه مسلم 206. وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ فُقَراءَ المُهاجرينَ أَتَوا رسولَ الله صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيم، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، ولهم فَضلٌ من أموالٍ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرونَ ويُجاهدونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، فقال: أَلا أُعَلِّمُكُم شيئًا تُدْرِكونَ بِهِ من سَبَقَكُم وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنكمْ إِلَّا من صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُم؟ "، قالوا: بَلَى يا رسُولَ اللهِ، قال: "تُسَبِّحُونَ وتحْمَدونَ وتُكَبِّرونَ خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثًا وثلاثينَ".
قال أبو صالح الرَّاوي عن أبي هُريرةَ لما سُئِلَ عن كيفيةِ ذِكْرِهِنَّ، يقول: "سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أَكْبَرُ حَتَّى يكونَ مِنْهُنَّ كُلِّهنَّ ثلاثًا وثلاثين" متفق عليه 207، وزاد مسلم في رواية:

الجزء: 1 - الصفحة: 451

"فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهاجِرينَ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: سَمعَ إخْوانُنَا أَهْلُ الأَمْوالِ بِمَا فَعْلَنا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثلاثينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثلاثًا وثلاثينَ، وَكَئرَ اللهَ ثلاثًا وثلاثين، وقال تَمام المِائَةِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خطاياهُ، وإن كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"، رواه مسلم 208. وعن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كُنَّا عِنْدَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ في كُلِّ يَوْمٍ أَلْف حَسَنَة؟ ". قال: "يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَة، أَو تُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ"، رواه مسلم 209. وفي رواية: "وَيَحطُّ بها أَلف".
وقال صلَّى الله عليه وسلم: "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صدَقَةٌ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صدَقَة، وَكُلُّ تكْبِيرةٍ صَدَقَةٌ، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى"، رواه مسلم 210.

الجزء: 1 - الصفحة: 452

وقال عليه السَّلامُ: "مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ، والذي لا يَذْكُرُ ربَّه مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ"، رواه البخاري 211. وقال عليه السَّلامُ: "يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأَنا مَعَهُ إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نفسي، وإِن ذَكَرَني في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ مِنْهُم"، متفق عليه 212. وقال عليه السَّلامُ: "سَبَقَ المُفَرِّدُونَ" قالوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رَسول الله؟ قال: الذَّاكِرونَ اللهَ كَثيرًا والذَّاكِراتُ"، رواه مسلم 213. والمُفَرِّدونَ روي بالتشديد للراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد.
وَقَال رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْني بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ به؟ قال: "لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه الترمذي 214. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 453

نَخْلَةٌ في الجَنَّة"، رواه الترمذي 215. وقال عليه السَّلامُ: "لَقِيتُ إِبْراهيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، أَقْرِئ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الماءِ، وأَنَّها قيعَان، وأَن غِراسَهَا: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أَكْبرُ".
رواه الترمذي 216. وقال عليه السَّلامُ: "أَلا أُنَبِّئُكُم بِخَيْرِ أَعْمَالِكُم، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَليكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُم، وَخَيْرٍ لَكُم مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُم، قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ اللهِ تعالى"، رواه الترمذي 217.

الجزء: 1 - الصفحة: 454

وقال عليه السَّلامُ: "إنَّ الذِّكْرَ فِي سَبِيلِ اللهِ يُضْعِف فَوْقَ النَّفَقَةِ سبعَمائة ضِعْفٍ"، رواه أحمد والطبراني 218. وقال عليه السَّلامُ: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي حِجْرِهِ دَراهِمُ يَقْسِمُهَا، وآخَرَ يَذْكُرُ اللهَ كانَ الذَّاكِرُ للهِ أَفْضَل"، رواه الطبراني 219. وعن موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلا أَدُلُكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كنوزِ الجَنَّةِ، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِالله"، متفق عليه 220. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ".
رواه الترمذي وغيره 221. وقال عليه السَّلامُ: "إن الله تعالى قَدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال

الجزء: 1 - الصفحة: 455

لا إله إلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ" 222، متفق عليه.
وقال عليه السَّلامُ: "ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه أحمد 223. وقال عليه السَّلامُ: "ما صَدَقَةٌ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه الطبراني 224. وقال عليه السَّلامُ: "إذا مَرَرْتُم برياضِ الجَنَّةِ فَارْتَعوا، قالوا فما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِّكْرِ"، رواه أحمد والترمذي 225. وقال عليه السَّلامُ: "ما جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرون الله تعالى إلَّا ناداهم مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُم"، رواه أحمد والضياء عن

الجزء: 1 - الصفحة: 456

أنس 226. وقال عليه السَّلامُ: "ما جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكرونَ الله تعالى، فيقومونَ حَتَى يُقالَ لَهُمْ: قُوموا قد غَفَرَ اللهُ لَكُم ذُنُوبكُم، وَبَدَّل سيئاتِكم حسناتٍ"، رواه الطبراني والبيهقي 227. وقال عليه السَّلامُ: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُروا اللهَ فيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا على نَبِيِّهِم إلَّا كانَ عليهِم تِرَةً، فإن شاءَ عَذَّبَهُمْ، وإن شاءَ غَفَرَ لَهُم"، رواه التِّرمذي وابن ماجه 228. وقال عليه السَّلامُ: "لأَنْ أَقْعُد مع قَوْمٍ يَذكُرونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ الغَداةِ حَتَّى تَطْلعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَن أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ، ولأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يذْكُرونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً"، رواه أبو داود 229.

الجزء: 1 - الصفحة: 457

وقال عليه السَّلامُ: "لأَنْ أقولَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ للَّهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ"، رواه مسلم والترمذي 230. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرسَتْ لَهُ بِها نَخْلَة فِي الجَنَّةِ"، رواه التِّرمذي، والحاكم، وابن حبان 231. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ، وبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"، متفق عليه 232. وقال عليه السَّلامُ: "أَكْثِروا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ"، رواه أحمد وغيره 233.

الجزء: 1 - الصفحة: 458

واعلم أَنَّ الأَحاديث في هذا المَعنَى كثيراتٌ، والآثارَ كثيراتٌ، ولو قُصِدَ اسْتِقْصاءُ ذَلِكَ لَبَلَغَتْ عِدَّةَ مُجلدات؛ ولكن في هذا القَدْرِ كِفَايَة لأَهْلِ العنايات، وأصحابِ الجَدِّ والسَّعاداتِ، واللهُ المسؤول أن يُبَلِّغَنَا بفضلِهِ أسنى الدَّرجاتِ، وَيَحْشُرَنَا في زُمْرَةِ الذاكرين الله كثيرًا والذَّاكِراتِ، وأن يوفِقَنا للاقتداءِ بهم بنياتٍ زاكياتٍ.
والحاصلُ أن ذِكْرَ الله تعالى ركنٌ قويٌّ في طريقِ الحَقِّ سبحانه بل هو العمدةُ في هذا الطَّريقِ، ولا يَصِلُ أَحَدٌ إلى الله سبحانه إلَّا بدوام الذِّكْر.

فَصْلٌ في فَضْلِ حِلَقِ الذِّكْرِ والنَّدْبِ إِلى مُلازَمَتِها والنَّهيِ عن مُفارَقَتِها لِغَيْرِ عُذْرٍ

234 قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].
وقال صلَّى الله عليه وسلم: "إن لِلهِ مَلائِكَةَ يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ

الجزء: 1 - الصفحة: 459

يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذكْرِ، فإذا وَجَدوا قَوْمًا يَذْكُرون اللهَ تنادَوْا هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ، فَيَحفّونَ بِأَجْنِحَتِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا.
فَيَسْأَلُهُم رَبُّهُم وَهُوَ أَعْلَمُ: ما يَقُولُ عِبادي؟ قالوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرونَكَ ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدونَكَ، فيقول: هل رَأَوْنِي؟ فيقولون: لا واللهِ ما رَأَوْكَ، فيقولُ: كَيْف لَوْ رَأَوْنِي؟ قال يقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا.
فيقول: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قال يقولونَ: يَسْألونَكَ الجَنَّةَ، قال فيقولُ: وهل رَأَوْها؟ قال يقولونَ: لا وَاللهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، فيقول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْها؟ قال يقولونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ عَلَيْها حِرْصًا، وَأَشَدَّ لها طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً، قال: فَمِمَّا يَتَعَوَّذون؟ قال: يَتَعوَّذونَ مِنَ النَّارِ، قال فيقولُ: وهل رَأَوْهَا؟ قال فيقولونَ: لا وَاللهِ ما رَأَوْها، فيقولُ: فَكَيْفَ لو رَأَوْها؟ قال يَقُولُونَ: لَوَ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ مِنْها فِرارًا، وَأَشَدَّ لها مَخَافَةً، قال فيقولُ: أشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قال: يقول مَلَكٌ مِنَ الملائِكَةِ: فيهم فُلان لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّما جاءَ لحاجَةٍ، قال: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى جَليسُهُم"، متفق عليه 235. وفي رواية لِمُسْلِمٍ عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن للهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فضلًا يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدوا مَجْلِسًا فيه ذِكْر قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ

الجزء: 1 - الصفحة: 460

حَتَى يَمْلَؤوا ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ، فإذا تَفَزَقُوا عَرَجُوا وَصعدُوا إلى السَّماءِ فَيَسْأَلُهُم اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وهو أَعْلَمُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قال: مَاذا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلونَكَ جَنَّتَكَ، قال: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا أيْ ربِّ! قال: فكيف لو رَأَوْا جَنَّتِي، قالوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، فيقول: وَمِمَّا يَسْتَجِيرونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يا ربِّ، قال: وهل رَأَوْا نارِي؟ قَالُوا: لا، قال: فكيف لو رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، فيقول: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُمْ ما سأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجاروا، قالوا: يقولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلان عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهم؟ فيقولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهم" 236. وعنه وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرونَ اللهَ إلَّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وَغَشْيِتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"، رواه مسلم 237. وعن أبي واقد الحَارث بن عَوْف أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَما هو جَالِسٌ في المَسْجِدِ والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أَقْبَلَ ثلاثَةُ نَفَرٍ،

الجزء: 1 - الصفحة: 461

فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ واحِدٌ فَوَقَفا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبا، فَلمَّا فَرَغَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أَلا أُخْبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى الله فآواهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ"، متفق عليه 238. وعن أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه قال: خَرَجَ معاويةُ رضي الله عنه على حَلْقَةٍ فِي المَسْجِدِ فقال: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قال: اللهِ ما أَجْلَسَكُم إلَّا ذاك؟ قالوا: ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذاك، قال: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كان أَحَدٌ بمنزلتي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقل عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، إِنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ على حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فقال: "ما أَجْلَسَكُم؟ " قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرَ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى ما هَدَانَا للإِسْلامِ، ومَنَ بِهِ عَلَيْنَا، قال: "آللهِ ما أَجْلَسَكُمِ إلَّا ذاكَ؟ " أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لَكُم، وَلَكِنَهُ أَتانِي جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَخْبَرَني أَنَّ اللهَ يُباهِي بِكُمُ الملائِكَةَ"، رواه مسلمَ 239. واعلم أن الذِّكْرَ على ضَرْبين: ذِكْرُ اللِّسانِ، وذِكْرُ القَلْبِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 462

والتَّأثير لِذِكْر القَلْب؛ فإذا كان العبدُ ذاكِرًا بلسانِهِ وَقَلبِهِ فهو الكامِلُ في وصفه في حال سلوكه، قاله القشيري في "رسالته" 240. وقال فيها: وقيل ذكر الله بالقلب سيف المُريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تَقْصِدهُم، وإن البلاء إذا أظلَّ العبْدَ ففزع بقلبه إلى الله يحيدُ عنه في الحال كلَّ ما يكرهه.
وذكر فيها: أن ذا النون المصري قال: من ذكر الله ذكرًا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيءٍ، وحفظه الله من كل شيءٍ، وكان له عوضًا عن كل شيءٍ.
قال فيها: ومن خصائص الذكر أنه غير مُؤَقَّتٍ بل ما من وقت من الأَوقات إلَّا والعبد مأمور بذكر الله إمَّا فرضًا وإمَّا ندبًا.
والصلاةُ وإن كانتْ أشرفَ العبادات فقد لا تجوز في بعض الأَوقات، والذكرُ بالقلب مستدامٌ في عموم الحالات.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191].

الجزء: 1 - الصفحة: 463

وقال: ومن خصائص الذِّكر أنَّهُ جُعِلَ في مُقَابَلَتِهِ الذِّكْرُ، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، وفي خَبَرٍ أن جبرِيلَ عليه السَّلامُ قال لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله تعالى يقول: أعطيتُ أُمَّتَكَ ما لم تُعْطَهُ أُمَّةٌ من الأمم، فقال: وما ذاك يا جبريل؟ قال: قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، لم يقل هذا لأَحدٍ غيرِ هذه الأُمّة.
وقيل: إن المَلَكَ يستأمِرُ الذاكرَ في قَبْضِ روحه.
وفي بعض الكتب أن موسى عليه السَّلامُ قال: يا ربِّ أين تسكُنُ؟ فأوحى الله إليه: في قلب عبدي المؤمن، ومعناه سكون الذكر في القلب، فالحق سبحانه وتعالى منزه على كل سُكُونٍ وحلولٍ، وإنما هو إثبات ذكر وتحصيل.
وقال: قال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلَّا والجليل سبحانه ينادي: عبدي ما أنصفتَني؛ أذكرُك وتنساني، وأدعوك إليَّ وتذهبُ إلى غيري، وأُذْهِبُ عنك البلايا وأنت معتكفٌ على الخطايا.
يا ابن آدم ما تقول غدًا إذا جئتَني؟ 241

الجزء: 1 - الصفحة: 464

وقال أبو سليمان الداراني: إن في الجَنَّة قيعانًا، فإذا أخذ الذّاكِرُ في الذِّكرِ أخذتِ الملائكةُ في غَرْسِ الأَشجار، فربما يقف بعضُ الملائكة فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: فَتَرَ صاحبي.
وقال الحسن: تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وقراءةِ القرآن، فإن وجدتموها وإلَّا فاعلموا أن الباب مُغْلَقٌ.
وقال حامد الأَسود: كنت مع إبراهيم الخواص في سفر فجئنا إلى موضعٍ فيه حياتٌ كثيرةٌ، فوضع ركوته وجلس وجلست، فلما كان بَرْدُ الليل، وَبَرْدُ الهواء خرجت الحيات، فصحت بالشيخ فقال: اذكروا الله، فذكرت، ورجعت ثُمَّ عُدتُ فَصحْتُ به فقال مثل ذلك، فلم أزل إلى الصَّباحِ في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه، فسقط من وطائه حية عظيمة قد تطوقت فيه، فقلت: ما أحسست؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت أطيب من البارحة 242. وقال سَرِيُّ السّقَطي رضي الله عنه: مكتوب في بعض الكتب التي أنزل الله تعالى: إذا كان الغالب عَلى عَبْدِي ذكري عَشِقَني وعَشِقْتُهُ، وقال: أوحى الله إلى داود عليه السَّلامُ: بي فافرحوا وبذكري فتنعّموا.

الجزء: 1 - الصفحة: 465

وقال النُّورِيُّ: لكل شيء عقوبةٌ، وعقوبةٌ العارف انقطاعه عن الذكر.
وفي الإِنجيل: اذكرْني حين تَغْضَبُ أَذْكُرْكَ حين أغضب، وارض بنظرتي لك، فإن نظرتي لك خير من نظرتِك لنَفْسِكَ.
وقيل لراهب: أنت صائم؟ فقال: صائم بذكره، فإذا ذكرت غيره أفطرت.
وقيل: إذا تمكن الذِّكْرُ من القلب، فإن دنا منه الشيطان صُرعَ كما يُصْرَعُ الإِنسانُ إذا دنا منه الشيطان، فتجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإِنس.
وقال سهل: ما أعرف معصيةً أقبحَ من نسيان هذا الرب.
وقال بعضهم: وُصِفَ لي ذاكر في أجمة فأتيته فبينا هو جالس إذا سبع عظيم ضَرَبَهُ ضَرْبَة واستلبَ منه قطعةً فغشي عليه وعليّ، فلما أفقت قلت: ما هذا؟ فقال: قيض الله هذا السبع على، فكلما داخلتني فترة عضني كما رأيت.
وقال الجَريري: كان بين أصحابنا رَجُل يكثر أن يقول: الله الله فوقع يومًا على رأسه جِذْعٌ فشجّ رأسَه وسقط الدمُ فانكتب على الأَرض: الله الله.
انتهى كلامه في الرسالة، وتركت الأَسانيد رعاية للاختصار 243.

الجزء: 1 - الصفحة: 466

فإذا كان هذا حالُ الذِّكْرِ مع الذَّاكر، فالواجبُ على العاقلِ النَّاصِح لنفسِهِ ألَّا يَغْفُلَ عنه طرفةَ عينٍ إن كان مراده طريق الله تبارك وتعالى، وأن يندرج في سلك السَّادة الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، المحبين له في السِّر والعلانيات.
قال عليه السَّلامُ: "عَلامَة حُبِّ اللهِ حُبُّ ذِكْرِ اللهِ، وَعَلامَةُ بُغْضِ اللهِ بُغْضُ ذِكْرِ اللهِ"، رواه البيهقي 244. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ العِبَادِ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الذاكِرُونَ اللهَ كثيرًا"، رواه أحمد والترمذي 245. واعلم أن الذِّكْر يتأكَّدُ في الزَّمانِ الفاضِلِ كرمضانَ، وَعَشْر ذي الحجَّةِ، وفي المكان الفاضلِ كالحرمينِ والأَقصى، فينبغي الإِكثارُ منه فيها لزيادةِ تضعيفِ الأَجْرِ فيها، وهذا شيءٌ بلا أشهرٌ من أن يشهر، وأظهرُ من أن يُذْكر.
وكذلك يتأكد الذِّكْرُ في أوقات الغَفْلَةِ وبين الغافلين؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَقَمَ: "ذاكِرُ الله في الغافلينَ بِمَنْزِلَة الصَّابِرِ في الفارين"، رواه الطبراني 246.

الجزء: 1 - الصفحة: 467

وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذاكِرُ الله في الغافِلينَ مِثْلُ الذي يُقاتِلُ عن الفَارِّين، وذاكِرُ الله في الغافِلينَ كالمِصْبَاحِ في البَيْتِ المُظْلِمِ، وذاكِرُ الله في الغافلين كمثَلِ الشَّجَرَةِ الخَضْراء في وَسَطِ الشَّجَرِ الذي قد تحاتَّ من الضَّريب، وذاكِرُ اللهَ في الغافلين يُعَرِّفَهُ الله مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وذاكِرُ الله في الغافلين يَغْفِرُ اللهُ له بِعَدَدِ كُلِّ فصيحٍ وأَعْجَمِيٍّ"، أخرجَهُ أبو نعيم في "الحلية" 247. تَنْبِيهٌ: المرادُ بالذِّكْرِ الشَّرعي كلُّ قول يدل على توحيد الله وإفرادِهِ، وتنزيهِهِ وتقديسه، وعلى كبريائِهِ وعظمتِهِ، وبيانِ كمال عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، ووجوبِ بقائِهِ وقدرته إلى غير ذلك من الأَسماء والصفات الثابتة للهِ تعالى المُقَرَرَّةِ في علم التوحيد، وأجلُّ الذِّكْرِ وأنفعُهُ ما أرشد إِليه النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأجله ما ذكرناه في الأَحاديث السالفةِ.
أَوَّلُ الفَضْلِ وأَفْضَلُهُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، لقوله عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ للهِ"، رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم 248.

الجزء: 1 - الصفحة: 468

وقوله عليه السَّلامُ: "مَا قَالَ عَبْدٌ: لا إلهَ إلَّا الله قَطُّ مُخْلِصًا إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبوابُ السَّماءِ حَتَّى تُفْضِيَ إلى العَرْشِ ما اجْتُنِبَتْ الكبائِرُ"، رواه الترمذي 249. وقال عليه السَّلامُ: "ما مِنْ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ لا إله إلَّا اللهُ، ولا من الدُّعاءِ أَفْضَلُ مِنَ الاستغفارِ"، رواه الطبراني 250. وليس شيءٌ من الذكر أفضلَ من ذلك إلَّا تلاوةَ القرآن لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمتي تِلاوةُ القرآنِ"، رواه البيهقيُّ 251. وقال عليه السَّلامُ في أثناء حديث: "وما تقرَّبَ عَبْدٌ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ بِأَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ منه"، رواه أحمد والترمذي 252. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فله بِهِ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، لا أَقُولُ ألم حَرْفٌ، ولكن أَلفٌ حَرْفٌ، ولامٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 469

حَرْفٌ، وميم حرفٌ"، رواه الترمذي 253. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ بِمائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَه قُنُوتُ لَيْلَةٍ"، رواه أحمد، والنسائيُّ 254. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يكْتَب مِنَ الغَافِلِينَ".
رواه الحاكم 255. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ"، رواه النسائيُّ، وابن حِبان 256.

الجزء: 1 - الصفحة: 470

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ الآيتينِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كفتاهُ"، متفق عليه 257. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ قُل هو اللهُ أحد، فَكَأَنّما قَرَأَ ثُلُث القرآنِ"، رواه أحمدُ، والنسائي 258. والحاصِلُ أن فضائلَ القرآن لا تعدُّ ولا تحصى، وقد أُفْرِدت بالتَّصانيف الكثيرةِ، وليس هذا محلَّ استقصائِها؛ وإنما المرادُ هنا التَّنبيهُ على وجهِ الاختصارِ على ما يَذْكُرُ العَبْدُ به ربَّه وما هو الأَفضلُ، ولا شُبْهَةَ عند أحدٍ أن القرآن أفضلُ الذِّكرِ على الإِطلاق؛ إلَّا أنَّه إذا عَيَّنَ الشارع لعبادةٍ أو وقتٍ غيرَ القرآن تَعَيَّنَ اتِّباعُهُ، وهذا لا ينافي أفضليةَ القرآن عليه لعروضِهِ والله أعلم.
والأَكملُ في حقِّ الذَّاكِرِ أن يكون على طهارةٍ كاملةٍ، وأن يذكرَ بسكينةٍ وَوَقَارٍ، وَخَوْفٍ وتَضَرُّعٍ وخُشُوع، وإخلاصٍ ولُطفٍ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بصوتٍ مُتَوسِّطٍ، قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ = "الصلاة" كما في "الترغيب" (2/ 448)، وأبو عمرو الخوري في "قوارع التنزيل" (21)، من حديث أبي أمامة، وصححه المنذري (2/ 448)، وجوَّد إسناده الهيثمي في "المجمع" (10/ 102).

الجزء: 1 - الصفحة: 471

عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)} [الأعراف: 205، 256]، لكن لا يَقْطَعكَ عن الذِّكر عدمُ اتصافِكَ بهذه الصِّفات.
فعليك بذكر اللهِ، وإن لم تكن مُتَّصِفًا بها فعسى أن يكون الذِّكْر على وجهٍ غيرِ أكملَ سَبَبًا للذِّكرِ على الوجه الأَكملِ.
واعلم أنَّه قد تقدمت آدابٌ كثيرةٌ، وأذكارٌ في الكتاب مع العبادات في مواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ يقف عليها من طلبها، فتبقى المحافظةُ على جميع ما ذكرنا وعلى ما ورد في الصَّباحِ والمساءِ، وأحسن ما جُمعَ في ذلك وِرْدُ الشيخ عبد الرحمن بن داود 259، فينبغي للسَّالِكِ في طريق اللهِ حفظُهُ، والمداومةُ عليه بكرةً وعشيًّا فإنه مستَنبطٌ من السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، فلا ينبغي لراغبٍ في ذكرِ الله أن يتركه بُكرةً واحدةً ولا عشيَّةً واحدة إن رام اتباعَ السُّنَّة في الأَذكار، لأَن ذلك من أجلِّ ما رغب فيه أهل النُّهى والأَبصار.

الجزء: 1 - الصفحة: 472

فَصْلٌ فِي الأَمْرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عَنِ المُنْكرِ

قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)﴾ [النساء: 63].
وقال تعالى حكايةً عن سيدنا لقمان: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)﴾ [لقمان: 17].
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
والآيات في الباب كثيرة، وكذلك الأَحاديث، منها قوله عليه السَّلامُ: "لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْروفِ وَلتنْهَوُنَّ عن المُنكرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عليكُم شِرارَكُم؛ فَيَدعوا خِيارُكُم فلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، رواه البزار والطبراني 260.

الجزء: 1 - الصفحة: 473

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ رَأَى مِنكم مُنكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بيدِهِ، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتَطعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ"، رواه أحمدُ ومسلمٌ وغيرهما 261. وقال عليه السَّلامُ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ويُوقِّرْ كبيرَنا، وَيَأْمُرْ بالمعروفِ وَينْهى عن المُنكرِ"، رواه أحمد، والترمذي 262، والأَحاديثُ في الباب كثيرةٌ شهيرةٌ.
إذا عَلِمتَ ذلك فالأَمر بالمعروف والنَّهيُ عن المُنكرِ فَرْضُ كفايةٍ على الجماعة، وَفَرضُ عَيْنٍ على الواحد، فإذا تركه الجماعة أثِمُوا كُلُّهُم، وإن تَرَكَهُ المتعينُ عليه أَثِمَ وحدَهُ، فيجب على من عَلِمَهُ وتحقَّقَهُ وشاهَدهُ، وهو عارِفٌ بما يُنْكِرُهُ، ولم يَخَفْ سَوْطًا ولا عَصًا، ولا أَذىً في نفسِهِ أو مالِهِ أو أهلِهِ؛ ولا فتنةَ تزيدُ على المنكَرِ إذا علم حصولَ المقصودِ به، ولم يقم به غيرهُ، وسواء في ذَلِكَ الإِمام والحاكم والعالِمُ والجاهِلُ، والعدلُ، والفاسِقُ وأعلاهُ باليدِ ثُمَّ باللِّسانِ وأضعفَهُ بالقَلْبِ.
= البحرين" (7/ 246)، من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف فيه حبان بن علي ضعيف.

الجزء: 1 - الصفحة: 474

وعلى النَّاسِ إِعانَةُ المُنْكِرِ وَنَصْرُهُ مع القُدرةِ، ولا ينكِرُ بسيفٍ أَو عصًا إلَّا مع سلطانٍ، ومن التزم مَذْهبًا أنكر عليه مخالفَته بلا دليلٍ صالحٍ أو تقليدٍ سائغٍ أو عذر ظاهرٍ.
واعلم أن الأَمرَ بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَرِ أعظمُ أصول الدِّينِ، لأَن حصوله موقوفٌ عليهما عن يقين، فَهُمَا أجَلُّ ما يعتني به أهلُ الجِدِّ والتمكين؛ فلولاهما لدامَ الفسادُ، ولتَمَادَى أَهْلُ الضَّلالِ والعِنَادِ، ولم يكن هدىً ولا رشاد، ولتمكنَتْ أهلُ الغِوايَةِ وظهرت، وقَويت على أهل الصَّلاح والهدايَةِ، ولتعطلت الأَحكامُ، وخفيت الشَّريعة على جميع الأَنامِ، فلا يسقطانِ بحالِ مع الإِمكانِ؛ بل يَجِبُ القيام بهما كُلَّ وقتٍ على مدى الأَزمان، فيتعينُ الاعتناء بِهِمَا حَتَّى تقوم السَّاعة باتفاق العلماءِ وأهلِ العرفان، وبالله سبحانه وتعالى المستعان.
ثُمَّ المعروف: كُلُّ فِعْلٍ وقَوْلٍ وَقَصْدٍ حَسُنَ شرعًا، والمنكرُ: كُلُّ قَوْلٍ وفِعْلٍ وَقَصْدٍ قَبُحَ شرعًا، والإِنكار في تركِ الواجبِ وفِعْلِ الحرامِ فَرْضٌ، وفي تركِ المندوبِ، وعَدَمِ تَعَلُّمِهِ وتعليمه، وفي فعل المكروهِ، وتَعَلُّمِهِ وتعليمه، سُنَّةٌ.
فَائِدَةٌ: وكُلُّ ما يُؤْمَرُ فيه ويُنْهى فحقُّ الله تعالى أو حَقُّ الآدَميِّ أو حقُّهما، فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ فكصلاةٍ وصوْمٍ، وكالحثِّ على فِعْلِ الطَّاعَةِ وتركِ المعصية، وأمَّا حَقُّ الآدميّ فكالمطلِ بالمالِ والحَيْفِ والظُّلْمِ

الجزء: 1 - الصفحة: 475

ونحو ذلك، وأما حَقُّهما فكزكاةٍ وحَجٍّ، وكفارَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ ونحو ذلك، والأَبُ وغيره في الإِنكارِ عليه سواء.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي أن يَكونَ الآمِرُ بالمعروفِ، والنَّاهي عن المُنكَرِ؛ مُتواضِعًا، رقيقًا فيما يدعو إِليه، شَفيقًا رحيمًا غَيْرَ فظٍّ، ولا غليظِ القَلْبِ ولا مُتَعَنِّتٍ، حُرًّا، عَدْلًا، فقيهًا عالمًا بالمأْموراتِ والمنَّهياتِ شرعًا، دِيِّنًا نَزِهًا، عفيفًا ذا رَأْي ومُراقَبةٍ وشِدَّة في الدَّينِ، قاصدًا بِذَلِكَ وَجْهَ الله تعالى، وإقامَةَ دينِهِ، ونُصْرَةَ شرعِهِ، وامتثالَ أمرِهِ، وإحياءِ سُنَّةِ نَبيِّهِ بلا رياءٍ ولا مُنافَقَةٍ، ولا مُداهَنَةٍ، غير مُنافِسٍ ولا مُفاخِرٍ، ولا مِمَّنْ يُخالِفُ قَوْلُهُ فِعْلُهُ؛ لكن يَجِبُ عليه الإِنكار وإن كان شريكًا في المعصيَةِ، لئلا يجمع بين معصيتَينِ فِعْلُهُ للمعصية، وتَرْكُهُ للإِنْكارِ على فاعلها، فَمَا ذُكِرَ للأَكْمَلِ.
ويُسَنُّ العَمَلُ بالنَّوافِلِ، والرِّفْق، وطلاقَة الوجْهِ، وحُسْن الخُلُقِ عِنْدَ إنكارِهِ، والتَّثَبُّت والمُسامَحَة بالهفْوَةِ مَرَّةً ومرتينِ، وَيَبْدَأُ في إنكارِهِ بالأَسْهلِ فالأَسهل؛ فإن زال وإلَّا زادَ، فإن لم يَزِلْ رَفَعَهُ إِلى سلطانٍ عادِلٍ لا يأْخُذ مالًا ولا يفعَلُ غير ما يَجِبُ.
ويُنْكِرُ على السُّلْطانِ بالوعْظِ والتَّخويفِ.
فَائِدَةٌ: وَيُسَنُّ هُجْرانُ العُصَاةِ المُتَجاهِرينَ بالمَعْصيةِ، ويَجِبُ الإِغضاءُ عن المُتَستِّرِينَ الكاتمينَ لها، لكن يَنْبَغي نُصْحُهُمْ سِرًّا مع علمِهَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 476

وَيَحْرُمُ التَّعَرُّض لِمُنكرٍ فُعِلَ قديمًا، وَكشْفُ مَسْتورٍ، وإشاعَتُهُ، وتَتَبُّعُهُ سِيَّما بالبيِّنَةِ.
وَيَجِبُ هُجْرانُ المبتدعينَ الدَّاعينَ إِلى الضَّلالَةِ مع العَجْزِ عن إِصْلاحِهِمْ، والإِنكارِ عليهم أو لم يَأْمَنِ الاغترار.
فَائِدَةٌ: يَجِبُ على القادِرِ الدَّفعُ عَنْ نَفْسِهِ وحرمتِهِ، وَيَجوزُ عن مالِهِ، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عن أخيه المُسْلِمِ؛ وكذا عن مالِهِ وحرمتِهِ إن أمكنَهُ، ويَسْقُطُ إن عَلِمَ أَنَّهُ لا يُفِيدُ.
وعليه إنجاؤهُ من غَرَقٍ وَحَرْقٍ ونحوهما كالمجاعَةِ مع القُدْرَةِ.
واعلم أَنّهُ لا يُعْتَدُّ بِشَيءٍ مِنَ العِبادات ولا يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ ذَرَّةً إلَّا مع النِّيَّةِ الصَّحيحَةِ الشَّرْعيةِ والإِخلاص، فَلأَجْلِ هذا خَتَمْتُ كِتاب الآدابِ بِنُبْذةٍ يَسيرةٍ منه ليتنبَّه عليه.

فَصْلٌ في الإِخلاص

قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
وقال عليه السَّلامُ: "قَالَ اللهُ تَعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فيه غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ"، رواه مسلم 263.

الجزء: 1 - الصفحة: 477

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ"، رواه البخاري، ومسلم 264. وَمَعنَى "سَمَّع" - بتشديد الميم - أَظْهَرَ عملَهُ للنَّاسِ رياءً، وَسَمَّعَ اللهُ به أي فَضَحَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
ومعنى: "رَاءَى" أَظْهَرَ للنَّاسِ العمل الصَّالح لِيعْظُمَ عِنْدَهُم، وليس هو كذلك! و"رَاءَى اللهُ بِهِ" أي أَظْهَر سَرِيرَتَهُ على رؤوسِ الخلائِقِ.
وقال عليه السَّلامُ: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسَامِكُم ولا إِلى صُوَرِكُمْ، ولكن يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُم"، رواه مسلم 265. وقال عليه السَّلامُ: "إِنَّما الأَعْمالُ بالنِّياتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرئ؛ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ ورسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ ورسولهِ، ومَنْ كانتِ هِجْرَتُهُ لدُنيا يُصيبُها أَوْ امرأَة يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِليه"، رواه البخاري ومسلم 266. وقال عليه السَّلامُ: "أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَليلُ مِنَ العَمَلِ"، رواه الحاكم 267.

الجزء: 1 - الصفحة: 478

وقال عليه السَّلامُ: "أَخْلِصوا أَعْمالكم؛ فإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ إلَّا ما خلُصَ لَهُ"، رواه الدارقطني 268. والحاصِلُ أن الدَّلائل من الكتابِ والسُّنَّةِ على وجُوب الإِخلاصِ في كُلِّ عبادةٍ أكثر من أن تُحْصَرَ وأَشْهَرُ من أن تُشْهَرَ، واستِقْصاءُ ذَلِكَ لا يليق بهذا المختصر، فالواجِبُ على العاقِلِ ألَّا يُشْرِكَ بعبادَةِ رَبِّهِ أحدًا حَتَى يكونَ عملُهُ عبادةً؛ وإلَّا فمتى لاحظَ في عَمَلِهِ أحدًا من الخلق فليسَ بعامِلٍ لله وإنما هو مُراءٍ، والرِّياءُ ليس بعبادةٍ بل هو مَعْصيةٌ من أكبرِ المعاصي، يُحْبطُ العِبادَةَ ويُصَيّرُ المُتَعَبِّدَ آثِمًا، وكيف لا وقد سماه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّرْكَ الخفيَّ.
قال عليه السَّلامُ: "الشِّرْكُ الخَفي أن يَعْمَلَ الرَّجُلُ لِمكانِ الرَّجُلِ"، رواه الحاكم 269. فالإِخلاصُ هو ألَّا يُريدَ العَبْدُ بعبادتِهِ إلَّا التَّقرُّبَ إِلى الله سبحانه، قال الأُستاذ القُشيريُّ رحمه الله في "رسالته": الإِخلاصُ إفراد الحَق سُبْحانَهُ وتعالى في الطَّاعةِ بالقَصْدِ، وهو أن يريد بطاعتِهِ

الجزء: 1 - الصفحة: 479

التَّقرُّبَ إلى الله دون شيءٍ آخر من تَصَنُّعٍ لِمَخْلوقٍ أو اكتسابِ مَحْمَدةٍ عِنْد النَّاسِ أو صِحَّةِ مَدْحٍ من المَخْلوقِ، أو معنىً من المعاني سوى التَّقرب إِلى الله.
ويَصِحُّ أن يقال: الإِخلاصُ تصفيةُ الفِعْلِ عن ملاحظَةِ المَخلوقين، ويَصِحُّ أن يقال: الإِخلاص التَّوقي عن ملاحظة الأَشخاص.
وَقَدْ ورَدَ خَبَرٌ مُسْنَد أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عن جبريل عن الله سبحانه تعالى أنه قال: "الإِخْلاصُ سِرٌّ مِنْ سِرّي استودعتُهُ قلب من أحببتُ من عبادي" 270. ونقل فيها عن الأُستاذ أبي على الدَّقاق رحمه الله تعالى، قال: الإِخلاصُ التَّوقي عن ملاحظة الخَلْقِ، والصِّدق التَّنقي عن مطالعةِ النَّفْسِ، فالمخلصُ لا رياءَ لهُ، والصَّادِقُ لا إعجاب لَهُ.
وعن ذي النُّون المصري أنّه قال: الإِخلاصُ لا يتمُّ إلَّا بالصِّدْقِ، والصبر عليه، والصِّدْقُ لا يتمُّ إلَّا بالإِخلاص فيه والمداومة عليه.
وقال أيضًا: ثلاثٌ من عَلامَاتِ الإِخلاص: استواءُ المَدْحِ والذَّمِّ من العَامَّةِ، ونسيان رُؤيةِ الأَعمالِ في الأَعمال، واقتضاءُ ثوابِ العَمَلِ في الآخِرَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 480

وقال أبو يعقوب السُّوسي: متى شَهدوا في إخلاصِهِم الإخلاص؛ احتاجَ إخلاصُهم إلى إخلاصٍ.
وقال أبو عثْمان المغربيّ: الإخلاصُ ما لا يكون للنَّفْسِ فيه حَظٌّ بحالٍ، وهذا إِخلاصُ العَوَّامِ، وإخلاصُ الخَواصِّ ما يَجْرِي عليهم لا بِهِمْ؛ فتبدو منهم الطَّاعاتُ وهم عنها بمعزلٍ، ولا يَقَعُ لهم عليها رؤيةٌ ولا بها اعتداد، فَذَلِكَ إخلاص الخواصِّ.
وقال أبو بكر الدَّقاق: نقصانُ كُلِّ مُخْلِصٍ في إخلاصِه رؤيةُ إخلاصِهِ، فإذا أرادَ الله أن يُخلِّص إخْلاصَهُ أَسْقَطَ عن إخلاصِهِ رؤيةَ إخْلاصِهِ فيكون مُخْلِصًا لا مخلصًا.
وقال سَهْلٌ: لا يَعْرِفُ الرِّياء إلَّا مُخْلِصٌ.
وقال حذيفةُ المُرْعشيُّ: الإخلاصُ أن تستويَ أفعالُ العَبْدِ في الظَّاهِرِ والباطِنِ.
وقال السريُّ: من تَزَيَّنَ للنَّاسِ بما ليس فيه سَقَطَ من عَيْنِ اللهِ.
وقال الفُضَيلُ: تَرْكُ العَمَلِ من أجلِ النَّاس رياءٌ، والعملُ لأَجل النَّاس شِرْكٌ، والإخلاص أن يعافيكَ اللهُ منهما.
وقال الجُنَيد: الإخلاصُ سِرٌّ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ العَبْدِ لا يعلمُهُ مَلَكٌ فيكتُبَهُ، ولا شيطانٌ فَيُفْسِدَهُ، ولا هوًى فَيُميلَهُ.
وقيل لسهل بن عبد الله: أيُّ شيءٍ أَشَدُّ على النَّفْسِ؟ فقال: الإخلاصُ، لأَنَّه لَيْسَ لها فيه نصيبٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 481

وسُئِلَ بعضهم عن الإخلاص فقال: ألَّا تشهدَ على علمك غير الله.
وقال بعضهم دخلت على سهل بن عبد الله يوم جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلاةِ فرأيتُ في البَيْتِ حَيَّةً؛ فجعلتُ أُقَدِّمُ رَجْلًا وأُؤخِّرُ رجلًا أخرى، فقال: ادخُلْ لا يبلغ أحدٌ حقيقةَ الإيمان وعلى وجه الأَرض شيء يخافُهُ، ثُمَّ قال: هل لك في صلاةِ الجُمُعَةِ؟ فقلتُ: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة، فَأخَذَ بيَدي فما كان إلَّا قليل حَتَّى رأيتُ المَسْجِدَ فدخلنا وصلينا الجُمُعَة ثُمَّ خَرَجنا، فَوَقَفَ ينظُرُ إلى النَّاسِ وهم يَخرجُونَ فقال: أهل لا إله إلَّا الله كثيرٌ والمُخْلِصون منهم قليلٌ 271. وقال مكحولٌ: ما أخلصَ عَبْدٌ أَرْبَعِينَ يومًا إلَّا ظهرت ينابيعُ الحكمة من قَلْبِهِ على لسانِهِ.
انتهى كلام القُشيري مُلْخصًا بلا أسانيد رَوْمًا للاختصار 272. واعلم أنَّه يَجِبُ على كُلِّ متعبدٍ أن يُخلص عمله وعبادتَهُ من كُلِّ شائِبَةٍ رياءٍ حَتَّى تنفَعَهُ عند رَبِّهِ؛ لأَنَّها متى خالطها شائِبَةُ رياءٍ وإن قَلَّ

الجزء: 1 - الصفحة: 482

أبطلَهَا وصارت وبالًا على صاحِبها، بل انقلبت معصيةً من أكبَر المعاصي؛ لأَن الرِّياء من الكبائرِ العِظَامِ، وهو ملاحظةُ شيءٍ من الخَلْقِ في الأَعمالِ.
قال أبو سليمان الدَّاراني: إذا أَخْلَصَ العَبْدُ انقطع عنه الرِّياء وَكَثْرَةُ الوسواس.
وفي الجُمْلَة والتَّفْصيلِ: الإخلاصُ أَعزُّ شيءٍ في الدُّنيا، وأنفعُ شيءٍ في الآخرة؛ لأَنَّه أصعبُ شيءٍ على النَّفْسِ فلا يقدِرُ العبدُ عليه إلَّا بمجاهدةٍ لها شديدةٍ، ومُخالَفَةٍ لها أكيدةِ، فإذا وُفِّقَ لِذَلِكَ فإنَّهُ أَجَلُّ نعمةٍ عظيمَةٍ، فالواجِبُ عليه حينئذ أن يَعْرِفَ قَدْرَها، ويشكُرَ مولاهُ الذي وفَّقَهُ لها، ومع هذا يَتَّهِمُ نفسَهُ غايةَ الاتهامِ، ولا يَقْطَعُ لها بالإخلاصِ إن كان من أهل العزائم والإخلاص والإنصاف؛ لأَن هذا المقام مقامُ الأَفرادِ من النِّساءِ والرِّجالِ، وصِفَةُ الأَخيارِ من ذوي الجِدِّ والاجتهادِ، وحالُ الأَبطالِ المُخالفين النَّفْسَ والشَّيطانَ والهوى في كُلِّ حال، ولا يقدِرُ على ذَلِكَ إلَّا من اعتنى به مولاهُ وَوَفَّقَهُ بفضلِهِ وهداهُ، وأزاحَ عنه شَرَّ نَفْسِهِ وشيطانِهِ وهواهُ.
فنسأَلُ الله بمنِّهِ وَكَرَمِهِ وفضلِهِ، وإحْسَانِهِ العميم أن يَهْدِيَنا ويُرْشِدَنا إلى الصِّراط المُستقيم، وأن يُوفِّقَنا للإخلاصِ في كُلِّ عملٍ لِيَصِحَّ ويستقيم، وأن يُلحِقَنا بعبادِهِ المُخْلصينَ وَحِزْبِهِ المُفْلحينَ، إنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ، وَأَكْرَمُ الأَكرمين.

الجزء: 1 - الصفحة: 483

واعلم أنَّه قَد تَقَدَّم جُمْلَة من الإخلاصِ في الصَّلاةِ على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلتُعاود، وليكن هذا آخر ما أردناه من الآداب والله الموفق للعمل بها، إنَّهُ الكريمُ الوَهاب.
وهذا أوانُ الشُّروعِ في خاتِمَةِ الكِتَابِ المشتملةِ على بيانِ العَقِيدَةِ السُّنيَّة، واللهُ المسؤولُ أن يُوفِقنا لِحُسْنِ النِّيَّةِ، وأن يَعْصِمَنَا من كُلِّ عقيدةٍ بِدْعِيّةٍ، وأن يحفظَنَا من كُلِّ سيرةٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ.


الجزء: 1 - الصفحة: 484

خَاتِمَةٌ: في مَعْرِفَة الله تعالى وما يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ مِنَ الاعْتِقادِ

وتشتملُ على خَمْسَةِ أبوابٍ: الأَول: في مَعْرِفَةِ الله تعالى وما يَتَعَلَّقُ بها.
الثَّاني: في الأَفْعالِ.
الثَّالِثُ: في الأَحْكام.
الرَّابعُ: في بقيَّةِ السَّمْعياتِ وأحوالِ القِيامَةِ وغير ذلك.
الخامس: في النبوة والإمامة.

البَابُ الأَوّل: في مَعْرِفَةِ اللهِ تعالى

273 فَتَجِبُ معرفتُهُ سُبْحانه وتعالى شَرْعًا على كُلِّ مُكَلَّفٍ قادرٍ، وهي

الجزء: 1 - الصفحة: 485

أول واجِبٍ له تعالى؛ فالكافر إن ماتَ قبل أن تَبْلُغَهُ الدَّعوةُ لا يُعاقَبُ، والمراد بمعرفتِهِ -جَلَّ وَعلا وَتَقَدَّسَ- معرفة وجوبِ وجود ذاتِهِ بصفاتِ الكَمالِ فيما لم يزل ولا يزال، لا معرفة حقيقة ذاتِهِ لاستحالَةِ ذَلِكَ؛ لأَنها مخالفةٌ لسائر الحقائِقِ فلا يمكن معرِفتُها.
وتحصلُ المَعْرِفَةُ بالله تعالى وصِفاتِهِ شَرْعًا، والعَقلُ آلَةُ الإدراك فبه يَحْصُلُ التَّمييز بين المعلومات؛ فإذا نَظرَ المُكَلَّفُ في الوجودِ والموجودِ 274 نَظَرًا تامًّا عَلِمَ جَزْمًا أن مُوجِدَ ذَلِكَ وصانعَهُ واحدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وإن تَرَكَ النَّظَرَ وَقَلَّدَ في مَعْرِفَةِ الله تعالى حَرُمَ عليه ذلك 275، ثُمَّ إن كان اعتقادُهُ جازمًا لا يزولُ بتشكيكِ المُشَكِّكِ فهو = الصواب بين قوسين.
كما أنني عرضت هذه المواضع أيضًا على أخي العالم الألمعي الشيخ محمد بن عمر بازمول المكي فكان موافقًا لما ذكره شيخنا الأشقر، وقد أفادني ببعض النقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن الوزير فجزاهما الله عني خير الجزاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 486

مؤمنٌ وإلَّا فكافِرٌ.
وأولُ نِعَمِ الله تعالى الدِّينيةِ على المؤمن وأعظمُها وأنفعُهَا أن أقدرَهُ على معرفتِهِ، وأول نِعَمِهِ الدنيوية عليه الحياةُ العَرِيَّةُ عن الضَّرَرِ.
وشُكْرُ المُنْعِمِ واجبٌ شرعًا أيضًا؛ وهو اعترافُهُ بنعمتِهِ على جهةِ الخُضُوع والإذعانِ، وصرفُهُ نِعَمَهُ كلها في طاعتِهِ سبحانه.

فَصْلٌ

يَجِبُ الجَزْمُ بأنَّهُ سبحانه وتعالى واحدٌ لا يَتَجَزَّأُ ولا يَنْقَسِمُ، أَحَدٌ لا مِنْ عَدَدٍ 276، فَرْدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ، ولَمْ يُولَد، ولم يَكُن لَه كُفُوًا أحد، لا شَرِيك له في مُلْكِهِ، ولا ظهيرَ له في صُنْعِهِ، ولا مُعِينٌ لَهُ في خلقِهِ، ولا مِثْلَ لَه في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعالِهِ.
حَيٌّ موجودٌ قديمٌ أَزَليٌّ، لا أول له ولا بدايَة، ولا آخِرَ لَهُ ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه وتعالى مُتّصفًا بِصِفاتِهِ العُليا، وأَسْمائِهِ الحُسْنَى.
وَبِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَالِمٌ بِعِلْمٍ واحِدٍ قَدِيمٍ باقٍ ذاتيٍّ، مُحيطٍ بِكُلِّ = ثم أفاض في ذلك رحمه الله تعالى انظر: "مجموع الفتاوى" له (20/ 220، 203)، (5/ 197 - 209).

الجزء: 1 - الصفحة: 487

معلومٍ كُليٍّ أو جُزْئيٍّ على ما هو عليه، (فلا يَتَعدَّدُ علمهُ بتعدُّد المعلومات، ولا يَتَحدّدُ بِتَحدُّدِها، ولا يتجددُ بتجدُّدِها، ليس عِلْمُهُ جَلَّ وعلا ضروريًا ولا نظريًا، ولا كَسْبيًّا ولا استدلاليًّا) 277؛ لأَن هذه صفاتٌ لِعِلْمِ المخلوق وهو جَلَّ وعلا مُنَزَّهٌ عن مشابهتِهِ مطلقًا.
وبأنَّهُ سبحانه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ بِقُدْرَةٍ واحدَةٍ، وجوديَّةٍ قديمَةٍ، باقيَةٍ ذاتيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِكُلِّ مُمكِنٍ، فلم يوجد شيءٌ ولا يوجدُ إلَّا بها، وبأنَّه تعالى مريدٌ بإِرادةٍ واحدةٍ قديمةٍ ذاتيةٍ باقيةٍ مُتَعلقةٍ بِكُلِّ مُمكِنٍ، وَبأنَّهُ تعالى حَيٌّ بحياةٍ واحدةٍ وجُودِيَّةٍ قديمَةٍ ذاتيّةٍ، وبأنَّه تعالى سَمِيعٌ بصيرٌ بِسَمْعٍ وبَصَرٍ قديمينِ ذاتيينِ وجوديينِ مُتَعَلِّقينِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ وَمُبْصِرٍ، وبأنَّه تعالى قائلٌ وَمُتكَلِّمٌ بكلام قديمٍ ذاتيٍّ وجُوديٍّ غير مخلوقٍ (ولا مَحْدَثٍ ولا حادِثٍ) (2) بلا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ.
فالقرآنُ كلام الله ووحيهُ وتنزيلُهُ، مُعْجِزٌ بنفسه لجميع الخلق، غيرُ مخلوق ولا حالٌّ في شيءٍ ولا مقدور على بعض آية منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 488

فصْلٌ

ويَجبُ الجَزْمُ بأنه سبحانه وتعالى ليس بجوهر ولا جِسْمٍ ولا عرَض 278، (لا تحُلُّه الحوادثُ ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه) 279، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر 280. (فَيَجِبُ الجَزْمُ بأنه سبحانه بائن من خلقه، فالله تعالى كان ولا مكان ثُمَّ خَلَقَ المكان وهو كما كان قبل خلق المكان) 281، ولا يعرفُ بالحَوّاسِ، ولا يقاسُ بالنَّاس، ولا مدخل في ذاته وصفاته للقياس، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا فهو الغني عن كُلِّ شيء، ولا يستغني عنه

الجزء: 1 - الصفحة: 489

شيء، ولا يشبهُ شيئًا ولا يشبهه شيء، فمن شبَّههُ بشيء من خلقه فقد كفر (كمن اعتقده جسمًا أو قال إنه جسم لا كالأَجسام) (1)، فلا تبلغه سبحانه الأَوهام، ولا تدركهُ الأَفهام، ولا تضرب له الأَمثال، (ولا يعرف بالقيل والقال) (2)، وبكُلِّ حال مهما خطر بالبال وتوهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال (3).

فَصْلٌ في أسماءِ الله تعالى وصفاته

وهي قديمة توقيفيةٌ، فلا يجوز أن نسميَه ولا نصفَه إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة أو عن جميع علماء الأُمة، فَنكُفُّ عما كَفُّوا عنه ونَقِفُ حيث وقفوا، ولا نتعدى الكتاب والسُّنة وإجماع سلف الأُمة في ذلك.
فَكُلُّ ما صح نقله عن الله تعالى أو رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو جميع أمته في أسماء الله وصفاته يجب قبوله والأَخذ به وإمراره كما282283284

الجزء: 1 - الصفحة: 490

جاء وإن لم يعقل معناه 285، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره 286 كآية الاستواء وحديث النزول وغير ذلك إلَّا بصادر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بعض الصحابة، وهذا مَذْهَبُ السَّلَفِ قاطبةً وهو أسلم المذهبين وأولاهما.
وأقول وبالله التوفيق وعليه التُّكلان: هذا اعتقادي في السِّرِّ والإعلان، ولا يسعني خِلَافُهُ إلى أن ألقى الملك الديان، المنزه عن مشابهة شيء من الأَكوان، فالذي أدين الله به وأرجو أن ألقاه عليه الوقوف عن تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها وما شابَهَهَا إلَّا أن يكون واردًا في الكتاب أو السنة أو تجتمع عليه علماء الأمة اتباعًا لإجماع السَّلفِ الصالح، واقتداءً بهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 491

وإني ولله الحمد من حين نَشَأْتُ على هذا الاعتقاد وقد زادني محبة وتمسكًا به وأكدَهُ عندي أني رأيت في المنام إِمامنا الإمام أحمد رضي الله عنه فأخبرتُهُ باعتقادي فأقرني عليه وشافهني بأن التأويل بغير ورود أو إجماع غير جائز، بل أفهمني أن ما نقله عنه أصحابه من امتناع التأويل هو مذهبه لا غيره، حَتَّى إِني سألته عن الاستدلال بكلام الأَخطل وغيره مما استدل به أهل التأويل فغضب من ذلك غضبًا بليغًا وأَعْرَضَ عني وتغير لونه ثُمَّ قَال: لا يجوز ذلك ولا يصح، وأشار إليَّ بالإعراض عن جميع ذلك، وأفهمني أنَّه لا يجوز قياس كلام الله تعالى وصفاته ولا تخريجها على شيء من ذلك أصلًا مع أني كَرَّرْتُ عليه ذلك مرارًا وهو لا يجاوبني إلَّا بمثل ذلك 287، وهذا وشبهه هو الذي كان عليه في حياته كما نقله عنه أصحابه وغيرهم.
وكانت هذه الرؤيا في أواخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وألف وهي رؤيا حق إن شاء الله تعالى؛ لأَني كنت في مَرَضٍ شديدٍ مؤلم جدًّا وهو ريح مع بلغم بكتفي الأَيسر قد منعني النَّوم والأَكل والشُّرْبَ والمطالعَةَ والكتابةَ وغيرهُنَّ مُدَّةً، حَتى كدت أيأس من زواله، لأَني بالغت في التَّداوي له مبالغة زائِدَةً على العادة بحيث إني ما تركت دواءً وصفه لي مسلم أو ذميٌّ لشدةِ الوجع وفراغ الصبر، ولم يحصل

الجزء: 1 - الصفحة: 492

شيء من ذلك إلَّا زيادة في الألم، فزال ببركة رؤياه 288 رضي الله عنه وأرضاه، وشكر له ثباته وصبره على السُّنَّةِ ومسعاه، وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركاته وبركة ما أنعم به عليه ومنحه وأعطاه، حَتَّى نلقاه على خير طويَّةِ وأحسن نية، ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على العقيدة السنية ببركة نبينا سيد البرية 289. والحاصِلُ أن الصَّحابة والتابعين وتابعيهم اكتفَوْا بالإيمان بجميع ما ورد في الكتاب والسُّنَّةِ من أسماء الله سبحانه وصفاته مع إمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تعرُّضٍ لتفسيره أو تأويله 290 بلا ورودٍ، ولو كان تفسيره ذلك أو تأويله واجبًا لبينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولما تركه الصحابة؛ إذ لم ينقل عنهم ما يدل على ذلك مع أنهم أعلم الأمة وأعرفُها بذلك وغيره بالإجماع، وسكتوا عنه مع أنهم هداةُ الدِّين والأُمة وأئمتهما، فلو كان تمام إيمانها وإرشادها موقوفًا على شيء من ذلك لبيّنوهُ ولم يسعْهم كتمُهُ، وإذا كان كذلك فليَسَعْنا ما وسِعَهُم، ولنسكت عما سكتوا، ولنكفَّ عما كفوا عنه؛ لأَنه أهون وأسلم وأصون وألزم، والله أدرى وأعلم وأعز وأكرم.

الجزء: 1 - الصفحة: 493

إذا علمت هذا فاعلم أن الكلام في الصِّفات فرع على الكلام في الذَّات، فكما أنه سبحانه لا شبيه له في ذاته لا شبيه له في صفاته، فصفاتُهُ معلوم وجودها ولا يعلم حقائقها إلَّا هو سبحانه وتعالى وتَقَدَّسَ عن كل ما يخطر في قلوب العقلاء في ذاته وصفاته، فلنضرب عن الكيفية قطعًا، ولنمسك عن المثلية جزمًا، ولنحِد عن التعطيل حتمًا، فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة، ولا نميل في الإثبات إلى إلحاد الممثلة، بل نُثبتُ ولا نحرف، ونصفُ ولا نكَيف، فالإيمان بذلك واجب من غير رَدٍّ ولا تعطيلٍ ولا تشبيه ولا تجسيم.
فمذهبُ أهل السُّنَّة حَقٌّ بين باطلين، وهُدى بين ضلالتين، وهو إثباتُ الأَسماءِ والصِّفات مع نفي التشبيه والأَدوات (1).

فَصْلٌ

ويحرُمُ أن يُسَمَّى الله ويوصف بنحو فاضلٍ وعاقل وعارفٍ وعفيفٍ وفقيه، وإن كان معناه صحيحًا ثابتًا له تعالى؛ لعدم وروده، وأن يطلق عليه سبحانه ما يوهم أدنى نقص من اسم أو صفة وإن كان واردًا، كماهدٍ وزارعٍ وفالق ونحوِهَا، وأن يُسمَّى غيره بأسمائه المختصة به وهي الله والرحمن والغفار والملك والصّمَدُ291

الجزء: 1 - الصفحة: 494

والمتعالي (1) والسُبُّوح والقدوس والإله والمعبود، وأن يُدعى بغير أسمائه الحسنى.

فَصْلٌ في الرؤية

ونجزم بأن المؤمنين يرون ربهم تعالى يوم القيامة بالأَبصار ويكلمهم على ما يليق به فيهما بلا تكييف ولا تشبيه، ولا تراه الكفار، ولا تجوز رؤيته في الدنيا شرعًا يقظة، وتجوز منامًا.
ونجزم بأن نبينا محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم رأى ربَّهُ ليلة الإسراء عيانًا يقظة، وكلَّمه كفاحًا بلا تكييف ولا تشبيه 293، والله أعلم.292

الجزء: 1 - الصفحة: 495

الباب الثاني: في الأَفعال

اعلم أن كل شيء سوى الله وصفاته حادث، وهو سبحانه خلقَهُ وأوجدَهُ وابتدأه من العَدَمِ لا لعِلَّةٍ ولا لغرضٍ 294 ولا لداعٍ ولا لحاجةٍ ولا لموجب، ولا تَجِبُ رعايةُ ذلك في شيء من أفعاله سبحانهُ ولا يفعَلُ عبثًا، فلا خالق لِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ ولا شيء إلَّا هو سبحانه، وجميع أفعال العباد كَسْبٌ لهم وهي مخلوقة الله خيرُها وشرها حَسَنُها وقبيحها، وفعل العبد مختار ومُيسَّرٌ في كسب الطَّاعَةِ واكتساب المعصيَةِ غيرُ مُكْرهٍ ولا مُجْبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، والله سبحانه الخالق ما كَسَبَهُ العبدُ واكتسَبُه وفعلَهُ، والقدرة والمقدور والاختيار والمختار والكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه.
والقدرة هي التَّمكن من التَّصرف 295. وكُلُّ موجودٍ من أفعال العباد وغيرهم، فالله أراد وجوده وإن كان معصيةً ومضرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 496

وله تعالى إيلامُ الخَلْقِ وتعذيبهم من غير جُرْمٍ سابقٍ أو ثواب لاحقٍ أو اعتبار لائق، فله أن يفعل بخلقه ما يشاء ويحكم فيهم بما يريد 296، وكل ذلك منه حسن لأَنهم ملكُهُ وهومالكهم فلا يُسئل عما يفعل وهم يسألون.
وله تعجيل الثَّواب والعقاب وتأخيرهما والعفو عن المسلم المذنب وإن لم يتب وعن الكافر إذا أسلم، والمعدوم مخاطب إذا وُجِدَ.
ولا يجب عليه سبحانه لخلقه شيء ولا فعل الأَصلح والأَنفع لهم 297، ولا يَصِحُّ أن يقال إنما خَلَقَ الخَلْقَ لينفعهم فإن خلق أهل النَّار وتخليدهم وتسليط إبليسَ وجندِهِ عليهم بالضّلال وغيره ليس

الجزء: 1 - الصفحة: 497

لنفعهم، ويَصِحُّ خلق المؤمن لينفعه (1). وهو سبحانه الحاكم بكل حكم، والعقلُ المرعي تَبَعٌ وموافقٌ للنَّقْلِ الشَّرعي، فلا حُسْنَ ولا قُبْحَ ولا شُكْرَ ولا كُفْرَ ولا مَدْحَ ولا ذَمَّ ولا أَمْرَ ولا نَهْيَ إلَّا من الشَّرْع (2)، فلا تُخْتبَرُ إباحةٌ ولا غيرها إلَّا به فلا حُكْمَ للعَقْلِ في عين ولا غيرها قبل ورود الشَّرعِ.

فَصْلٌ

والله هو الرَّزَّاقُ من حَلالٍ وحرام، والرِّزْقُ ما يتغذَّى به الحي وينتفعُ به من الأمور المالية.
وهو سبحانه أَضَلَّ من شاءَ وهدى من أراد، ولو شاءَ الله لجمعهم على الهدى، ومن يضلل الله فما له من هاد.
والإضلال: خَلْقُ الكُفْرِ والضَّلالِ في القلبِ، وخلقُ المحبة لذلك والقدرة عليه، والهِدايةُ كَتْبُ الإيمانِ فيه وتحبيبُهُ والقُدْرَةُ عليه.
فهو سبحانه الخالقُ لِكُلِّ مخلوقٍ، والرَّازِقُ كُلَّ مرزوقٍ، والمُحيي كُلَّ حَيٍّ، والمميتُ كُلَّ مَيِّتٍ، والمبقي كُلِّ باقٍ، والمفني298299

الجزء: 1 - الصفحة: 498

كُلِّ فانٍ، لا رادَّ لحكمِهِ ولا صادَّ عن حتمِهِ، ولا ناقِضَ لما أَبْرَمَ، ولا مُغيّرَ لما أحكم، ولا مُبَدّلَ لما عَلِمَ وَلا مُزيلَ لِمَا قَسَمَ.

فَصْلٌ

ويستحيلُ من الله تعالى كُلُّ ما هو مستحيلٌ حقيقةً في العَقْلِ مِمَّا لِلْعَقْلِ مَدْخَلٌ في علمِهِ ومجالٌ، فلا يوصفُ سبحانه بالقُدْرة على المُحالِ في حَقِّهِ كالكذبِ والظُّلْمِ ونحوهما، فلا يستحيلُ منه سبحانه وتعالى ما هو مستحيلٌ في العَقْلِ، وليس للعَقْلِ مدخلٌ في علمه، كإيجادِ الأَشياء من العَدَم، وعذابِ القَبْرِ ونعيمِهِ.

البَابُ الثَّالِثُ: في الأَحكام

فيَجِبُ امتثالُ أَمْرِهِ سُبْحانَهُ، واجتنابُ نهيه الجازمين، ويُسَنُّ في غيرهما، ويلزمُ به الطَّاعةُ والخُضوعُ والإخلاصُ في الكُلِّ، ولا يستحقُّ المُطِيعُ على الله ثوابًا، ولا العاصي عِقَابًا بل يثيبُ الطائِعَ بفضلِهِ، ويُعَذِّبُ العاصي بعدله، وإذا عفا فبكرمِهِ وحلمِهِ، فلا نَقْطَعُ لطائعٍ بجنةٍ ولا لعاصٍ بنارٍ، لكن نرجو رحمة الله للطائِعِ، ونخافُ عذابه على العاصي، ونرجو له رحمتَهُ أيضًا.
وثوابُ المؤمنِ وعِقَابُ الكافِرِ دائمان شَرْعًا، ومَنْ عَمِلَ حَسَنَةً وسيِّئةً فله سبحانه أن يُثِيبَهُ على حسنتِهِ ويُعاقِبَهُ على سيئتِهِ، ولا يَجِبُ ذلك ففي الشَّخْصِ الواحدِ ثوابٌ وعقابٌ فالثَّوابِ في مقابل طاعته، والعقاب في مقابل معصيتهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 499

فَائِدَةٌ: الأَمْرُ والنَّهي المطلقانِ للفَوْرِ والتِّكرارِ المُمْكِنِ شَرْعًا.

فَصْلٌ في الإسلامِ والإيمانِ

فالإسلامُ هو الإتيان بالشَّهَادتين مع اعتقادِهِما والتزامُ الأَركانِ الخَمْسَةِ إذا تَعَيَّنت، وتصديقُ الرسول عليه السَّلامُ فيما جاء به.
والكفر جَحْدُ ما لا يتم الإسلام بدونه.
ومن فَعَلَ كبيرةً أو داومَ على صغيرةٍ فَسَقَ، فإن استحَلَّ ما ثَبَتَ جَزْمًا أو أُجْمِعَ على تحريمِهِ وهو ظاهِرٌ كَفَرَ.
والكبيرةُ ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، والصغيرةُ ما عدا ذلك.
ومن كَفَرَ يُسْتَتَابُ ثلاثة أيامٍ فإن لم يتب قُتِلَ.
فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ تَبَعًا لأَبويه أو لسابيه أو للدَّار، يلزمه الإتيان بالشَّهادتين إذا بَلَغَ إن لم يكن نَطَقَ بهما قبله.
تَنْبِيهٌ: الفِسْقُ لا يُزيلُ الإيمان، لكن لا يقال للفاسق ديِّن ومُتَّقٍ وموفَّقٌ ومُخْلِصٌ ووليُّ الله.
والإيمان عقدٌ بالجَنانِ، وقَوْلٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالأَركان، وترك العصيان، يزيد هو وثوابُهُ بالطَّاعَةِ وينقُصُ هو وثوابه بالمعصيةِ، ويَقْوَى بالعلم ويَضْعُفُ بالجَهْلِ والغفلة والنِّسيان.

الجزء: 1 - الصفحة: 500

وقول إن شاء الله فيه سُنَّةٌ لا على الشَّكِّ في الحالِ بل في المآل، أو في قبول بعض الأَعمال أو لخوف التقصير أو كَراهَةٍ لتزكية النَّفْسِ.

فَصْلٌ

والله مُقَدِّرُ الخَيْر والشَّرِّ والنَّفْعِ والضر، فلا يخرج شيءٌ عن تقديره ولا يصدرُ إلَّا بتدبيرِهِ، وكُلُّ ما علمه أو قضَاهُ أو حَكَمَ به أو أخبر به لا يَتصوَّرُ تغييرُهُ ولا مخالفَتُهُ، ولا يمكن الخُلْفُ فيه بل يستحيلُ، فلا يَتَعَدَّى شيءٌ أَجَلَهُ ولا يتقدمهُ ولا يتغيَّرُ ما خلقَ الله.
والمخنُوقُ، والمقتولُ، والغريقُ، والمحروقُ، وأكيلُ الوحش والمَصْلُوبُ والميتُ بِهَدمٍ أو تَردٍّ وشِبْهُها كمن يموت بأجله على حالته، فلا يقطعُ شيءٌ أجل أحدٍ.
ويجبُ بوعيدٍ تخليدُ الكافِرِ في النّارِ وبوعدِهِ إخراجُ غيره منها بشفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيره أو بكرمه سبحانه قبل الاقتصاص وبعده وقبل كماله.
فَائِدَةٌ: وتحبطُ المعاصي بالتَّوبة، والكُفْرُ بالإسلامِ، والطَّاعةُ بالرِّدّةِ المتصلة بالموتِ، ولا تحبطُ بغيرها.

فَصْلٌ

وَتَجِبُ التَّوبَةُ من كُلِّ ذَنْبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ على المُكَلَّفِ فورًا، وتُقْبَلُ فيما عدا الشِّرْكِ، ولا تُقْبَلُ ظاهرًا من مُبْتَدِعٍ داعيةٍ إلى بدعتِهِ

الجزء: 1 - الصفحة: 501

المُضلَّةِ، ولا من ساحِرٍ وزنديقٍ وهو المنافق، ومثله من أظهَرَ الخَيْرَ وأبطنَ الفِسْقَ، فلا تُقْبَلُ منه ظاهِرًا، ولا مِمَّنْ تكررت ردتُهُ أو سَبَّ اللهَ أو رسوله.
وهي النَّدَمُ على الذَّنْبِ لأَجل الله لا لأَجل نفع الدنيا أو خوفِ أذى الناس أو خوف سُقوطِهِ مِنْ أعينهم.
وشرطها: العَزْمُ أن لا يعود لمعصيةٍ يمكنهُ فِعْلُها، وأن يَرُدَّ المظْلَمَةَ التي تابَ منها وَبَدَّلَها إلى مستحقِّها، أو يعزمَ على ذلك عند العُذْرِ، وأن تكون عن اختيار لا أن يستحِلَّ من غيبة ونحوها مطلقًا، وتَصِحُّ من بعض الذنوب دون بعضٍ.
وَمَنْ جَهِلَ ذنبَهُ تابَ مُجْملًا من كل ذنب وخطيئةٍ وما علمه عيَّنَهُ، وقبولُهَا فضلٌ مِنَ اللهِ.
ولا يقال لتائب: ظَالِمٌ أو مُسْرِفٌ ونحوُهما.
وصفتها: إِني تائِبٌ إلى اللهِ من كذا، أو أسْتَغْفِرُ اللهَ منه، فَيَجِبُ الإتيانُ بإحدى العبارتينِ أو نحوهما.
فَائِدَةٌ: ومن لم يَنْدم على ما حُدَّ بِهِ لم يكن حَدُّهُ بِمُجَرَّدِهِ توبةً.

فَصْلٌ

وتوبةُ المُرْتَدِّ وكُلِّ كافِرٍ إتيانُهُ بالشَّهادتين مع إقرارِ جاحدٍ لِفَرْضٍ أو تحليلٍ أو تحريمٍ أو كتاب أو ملَكٍ أو رسولٍ أو رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى غير العَرَبِ بما جَحَدَهُ، أو قوله: أنا بريء

الجزء: 1 - الصفحة: 502

من كُلِّ دينٍ يُخالِفُ الإسلام أو نحوه، ولا يُغْني قوله: "مُحَمَّدٌ رسول الله" عن كلمة التَّوحيدِ ولو مُقِرًّا به.
تَنْبِيهٌ: لو كان في يدِهِ أو ذمته غصوبٌ لا يَعْرِفُ أربابها فَسَلَّمَها إلى الحاكِمِ -ويلزَمُهُ قبولُها- برئَ من عُهْدَتِها، وله الصَّدَقَةُ بها عنهم بشرط ضمانها لصاحبها إن وُجِدَ ويسقطُ عنه إِثْمُ الغَصْبِ، وكذا رهونٌ وودائعُ، وسائرُ الأَماناتِ والأَموال المُحَرَّمَةِ.
وليس لمن هي عندَهُ أخذُ شيء منها ولو فقيرًا، ولذا لو تَصَدَّقَ بالمال المذكور ثُمَّ حَضَرَ المالك خُيِّر بين الأَجر وبين أخذه من المتصدِّقِ، فإن اختارَ الأَخذَ فله ذلك والأَجر للمُتَصَدِّقِ، ولو نوى جحد ما بيدِهِ من ذلك أو نوى جَحْدَ حَقٍّ عليه في حياة ربه فثوابُهُ له وإلَّا فلورثته، ولو نَدِمَ وردَّ ما غصبَهُ ونحوه على الورثة بَرِئَ من إثْمِهِ لا من إِثْمِ الغَصْبِ، ولو رده وارثُ الغَاصِبِ فللمغصُوبِ منه مطالبتُهُ في الآخرَةِ نصًّا عن الإمام أحمد.
تَتِمَّةٌ: وتَصِحُّ تَوْبَةُ الأَقْطَعِ عن السَّرِقَةِ، والمجبوبِ عن الزِّنا، والمقطوع اللِّسان عن القَذْفِ ونحوهم.
وتقبَلُ التَّوبةُ ما لم يعاين التائب مَلَكَ الموت، وتَصِحُّ مِمَّن نَقَضَ توبَتَهُ ما لم يَعْزِمْ على مثل ما تَابَ منه.
ومن ترَكَ التَّوبة الواجبة مع القُدْرَةِ عليها والعلم بوجُوبِها لزمتْهُ التَّوبة من تركِ التَّوبة.

الجزء: 1 - الصفحة: 503

خاتِمَةٌ: لا يَكْفُرُ أَحَدٌ من أهلِ القِبْلَةِ بذنبٍ ولو عَمِلَ الكبائر ما لم يَسْتَحِلَّ مُجْمَعًا عليه ظاهرًا.

فَصْلٌ

ويَجِبُ الإيمانُ بالقضاءِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ ومُرِّهِ، وبأَنَّ ما أصاب العَبْدَ لم يكن لِيُخْطِئَهُ وما أخطأَهُ لم يكن ليصيبَهُ، وبأن الله تعالى قَضَى المَعَاصي والمكروهَ وَقَدَّرَ ذَلِكَ وكتبَهُ على خلقه ولم يأمُرْهم به ولا ألزمهم إيّاهُ، بل نهاهم عنه وعن الرِّضى به، وبِكُلِّ مُحَرَّمٍ ومكروهٍ لأَنَّهُ لا يرضى لعباده الكفر، وَينْهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وَكَرَّهَ إلى عبادِهِ المؤمنين الكُفْرَ والفُسُوق والعصيان فضلًا من الله ونعمة (1).

البَابُ الرَّابعِ: في بَقِيَّةِ السَّمْعياتِ

فَيَجِبُ الإيمان جَزْمًا بالرَّقيب والعتيد، وهما ملكان مُوكَّلان بالعبْدِ يكتبانِ أفعالَهُ ولا يفارقانِهِ بحالٍ، وقيل: بلى عند الخلاءِ، وبالسَّاعَةِ وأشراطها من الدَّجال ويأجوجَ ومأجوجَ، ونزولِ عيسى، وخروجِ النَّارِ، والدَّابةِ، وبالصَّعْقَةِ، والحَشْرِ والنَّشْرِ لِكُلِّ ذي روحٍ، وبإحياءِ المَيْتِ في قَبْرِهِ وضغطته فيه وَرَدِّ روحه إلى جَسَدِهِ بعينه قبل فنائه وبعده، وبكلامِهِ فيه لِمُنكرٍ ونكيرٍ وسُؤالهما له، وهما ملكانِ300

الجزء: 1 - الصفحة: 504

يَلِجانِ على المَيِّتِ يبشرانِهِ أو يُحَذِّرانِهِ، وثوابِ الميت وعقابِهِ وهما للرُّوح والجَسَدِ.
ونُؤْمِنُ بأن الميت يعلمُ بزائره، ويتأكد ذَلِكَ يَوْم الجُمُعة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشَّمْسِ، وبأن أرواح المسلمين في حواصل طيرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ في الجَنَّة، وأرواحُ الكُفَّارِ في حواصِلِ طير سودٍ تَعْلُقُ في النَّارِ.
فَائِدَةٌ: الأَرواحُ مخلوقَةٌ للهِ والقولُ بِقِدَمِها كُفْرٌ.
ونؤمنُ بأن كُلَّ أَحَدٍ يعلمُ مَصيرَهُ قبل موتِهِ، وبأن المَيِّتَ يُعْرَضُ عليه مقعده بالغداةِ والعَشِيِّ في الجنّةِ إن كان من أهلها وفي النار إن كان من أهلها، ويقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله إلى يوم القيامة، ونُؤْمِنُ بأن الميزان الذي تُوزَنُ بِهِ الحسناتُ والسَّيئاتُ حَقٌّ، وله لسانٌ وكفّان توزنُ بهما صحائِفُ الأَعمال.
قال ابن عباس: توزنُ الحسنات في أحسنِ صُورَةٍ والسيئاتُ في أَقْبَحِ صورةٍ.
وبأن المعاد الجسماني وهو إعادة الأَجسام بعد إعدامها حَقٌّ.

فَصْلٌ

ويُحاسَبُ المسلمونَ المُكَلَّفونَ إلَّا من شاءَ اللهُ أن يدخِلَهُ الجَنَّةَ بغيرِ حساب.
وكُلُّ مُكَلَّفٍ مسؤولٌ، ويَسْأَلُ من شاءَ من الرُّسُلِ عن تبليغِ الرِّسالَةِ ومن شاء مِنَ الكُفَّارِ عن تكذيب الرُّسُلِ.
فالكفارُ لا يُحاسبونَ

الجزء: 1 - الصفحة: 505

فلا تُوزَنُ صحائِفُهُم، وإن فَعَلَ كافِرٌ قُرْبَةً من نحوِ عتقٍ أو صدقةٍ أو ظلَمَهُ مُسْلِمٌ رجونا له أن يُخَفَّفَ عنه العذاب.
ونُؤْمِنُ بأن الصِّراطَ حَقٌّ وهو جِسْرٌ ممدودٌ على جَهَنَّمَ دَحِضٌ مَزَلَّةٌ، أَحَدُّ مِنَ السّيفِ وأدَقُّ من الشَّعْرِ وأَحَرُّ من الجَمْرِ، عليه خَطَاطِيفُ تأخُذُ الأَقدامَ، وعبورُهُ بِحَسَبِ الأَعمال، فَمُشَاةً ورُكْبانًا وزحافًا، يَمُرُّ عليه المُسْلِمُ والكافِرُ فيجوزُهُ المُسْلِمُ كالبَرْقِ والرِّيحِ وأجاودِ الخَيْلِ والرُّكْبانِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ ومخدوشٌ، وغيرُ ناجٍ مكدوسٌ في النَّارِ.
ونُؤْمِنُ ونُصَدِّقُ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارِ حَقٌّ وهُما وما فيهما مخلوقتان الآن، خُلقتا لِلبَقَاءِ، وأهلُ الجَنَّةِ لا يَبُولونَ ولا يَتَغوطونَ ولا يَتْفُلُونَ ولا يتمخطونَ، بل يَرْشَحونَ رَشْحًا كريح المِسْكِ، وبأنَّ المقامَ المَحْمودَ لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وصِدْقٌ وهو: أن اللهَ يُقْعِدُهُ على العَرْشِ 301 رَفْعًا لمقامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتمييزًا له على سائِرِ الخَلْقِ، أو الشَّفَاعَةُ العُظْمى.
وبأنَّ الحَوْضَ حَقٌّ، وهو نَهْرٌ ماؤهُ أَحْلَى من العَسَلِ وَأَشَدُّ بياضًا من اللَّبَنِ، آنيتُهُ عَدَدُ نجوم السَّماءِ يَشْرَبُ منه المؤمنون قبل دخول

الجزء: 1 - الصفحة: 506

الجَنَّةِ وبعد جوازِ الصِّراطِ، عَرْضُهُ مسيرةُ شَهْرٍ، من شَرِبَ منه شربةً لا يَظْمَأُ بعدَهَا أبدًا، فيه ميزابانِ يَصُبَّانِ من الكَوْثَرِ.
وبأن الصُّحُفَ، والشفاعةَ من الأَنبياء والعلماء والشُّهداء وبقية المؤمنينَ، والعَرْضَ والمساءلةَ والحِساب، وقراءةَ الكُتُبِ، وشهادَةَ الأَعضاءِ والجلود، والجزاءَ والعَفْوَ حَقٌّ وصِدْقٌ لا شُبْهَةَ لأَحَدٍ في شيءٍ من ذلك، وإعادةُ المجانين والبهائِم وَحَشْرُها جائزٌ، والقِصاصُ بين بني آدم وسائر الحيوانات حَتَّى لِلذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ المُحاسَبُ يُعْطى كتابُهُ بيمينِهِ، والفَاسِقُ بشمالِهِ من أمامِهِ، والكافِرُ من وراءِ ظَهْرِهِ بشمالِهِ.

فَصْلٌ

ونُؤْمِنُ بأنَّه لا عَدْوى ولا طيرةَ ولا هَامَةَ ولا نَوْءَ ولا صَفَرَ، وبأنَّ الملائِكَةَ والكُتُبَ المنزلة والأَنبياء والرُّسُلَ حَقٌّ، وبأنَّ إبليسَ ووسواسَهُ بالكفْرِ والمعصيةِ والقُبْحِ حَقٌّ، وبأنَّ الشياطينَ والغُولَ حَقٌّ، وتجوزُ رؤيتهُم، والغيلانُ: شَجَرةُ الجِنِّ، قال سيدنا عمر بن الخطاب: "إذا رأيتُمُ الغيلانَ فاهتُفُوا بالأَذانِ" 302 يريدُ رؤية أشخَاصِهِم أو سَمَاع حِسِّهِم أو ما يخرج مِنْهُم من النَّارِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 507

فَائِدَةٌ: والجنُّ مُكَلَّفُونَ يَدْخُلُ مؤمِنُهم الجَنَّةَ وكافرُهُم النَّار، ويأكُلُونَ وَيَشْرَبونَ ويَتَناكحونَ، وهم أجسامٌ مُؤَلَّفَةٌ وأشخاصٌ مُمَثَّلَةٌ.
ونُؤْمِنُ بأن العَيْنَ حَقٌّ، وبأنّ السِّحْرَ ثابتٌ موجودٌ له حقيقةٌ يَكْفُرُ مُعَلِّمَهُ ومُتَعَلِّمهُ، ويكفُرُ أيضًا المُنَجِّمُ وَمَنْ صَدَّقَهُ أو اعتقد تأثيرَ النُّجومِ أو تأثيرَ شيءٍ غَيْرِ اللهِ أو اعتقد عِلْمَ الغَيْبِ.

البَابُ الخَامِسُ: في النُّبُوّةِ والإمَامَةِ

فَصْلٌ في النُّبُوّةِ

ويجوزُ أن يَتَفَضَّلَ اللهُ بإرسالِ الرُّسُلِ إلى العباد لتكونَ وسائطَ بَيْنَهُم وبين رَبِّهِم المَلِكِ الجَوادِ، فإرسالهم رحمةٌ عامَّةٌ ونِعْمَةٌ من اللهِ دائمةٌ؛ إِذْ بهم تحصلُ الهداية وترتفِعُ الغَواية، ومنهم يستمدُّ الخَلْقُ وبِهِمْ يُعْرَفُ الملكُ الحَقُّ، ولا شَكَّ أن بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ من بَعْضٍ.
ونَجْزِمُ بأنَّ نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بن عبد الله رسول الله حقًّا إلى الجنِّ والإنْسِ كافةً، وأنَّه خاتَمُ الأَنبياء والمرسلين وأفضلهُمْ أجمعين، وأعلمُهُم وأكرمهم وأشْجَعُهُم وأرقَى من جميعهم في كُلِّ كمالٍ عن يقين، فعليه وعليهم أزكى صلاةٍ وأَنْماها كُلَّ وقت إلى يوم الدِّين.
وأنَّه مَخصوصٌ بالمقام المحمود، وأنَّه لم يكن قبل البعثة على دين قومه بل ولد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا مؤمنًا، وأن المُعجِزَةَ

الجزء: 1 - الصفحة: 508

القَاطِعَة المُعْتَبرةَ لصدقِهِ وُجِدتَ دالَّةً على نُبوَّتِهِ مقترنةً بدعوتِهِ، وهي ما خرَقَ العادَة من قَوْلٍ أو فعل إذا وافق دعوى الرِّسالة وقارنها وطابقها على جهة التَّحدي ابتداءً، لا يقدر أَحَدٌ عليها ولا على مثلها ولا ما يقاربها، ولا يجوزُ ظُهورُها على يَدِ كاذبٍ بدعوى النُّبوةِ.
فَائِدَةٌ: ونَعْلَمُ أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخافُ عِقابَ اللهِ قبل أن يُؤمِنَهُ مِنْهُ، ويخافُ لَوْمَهُ وعِتَابَه بعدَ ذلك، وأن أُصولَ شرعِهِ وما لابدَّ منهُ فيه منقولٌ إلينا من جهته قَطْعًا، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معصومٌ فيما يُؤَدِّي عن الله سبحانه، وكذا من كُلِّ ذَنْبٍ، وكذا سائر الأَنبياء، ولا تَجِبُ العِصْمَةُ لغيرهم، ولا تمتنع بل تجوز (1). تَنْبِيهٌ: ولا يجوز التَّناقُضُ من الأَنبياءِ في صفاتِ الله سبحانه ووحدانيته ونحو ذلك، ومن شَهِدَ لَهُ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجنّةٍ أو نارٍ فهو كما قال قطعًا، ولا نَقْطَعُ لِغَيْرِهِمْ بشيءٍ من ذلك لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء ونرجو لَهُ ونَكِلُ أَمْرَهُما إِلى الله سبحانه.

فَصْلٌ

وكراماتُ الأَولياءِ حَقٌّ وهي خرقُ العادَةِ لا على وجه الاستدعاءِ لها والتَّحدي بها والدعاء إليه، ولا عِنْدَ استدعائها منه عن نفسِهِ أو عن303

الجزء: 1 - الصفحة: 509

اللهِ، ولا تَدُلُّ على صِدْقٍ من ظَهَرتْ على يديه، ولا على ولايتِهِ لجوازِ سَلْبِها، وأن تكونَ استدراجًا ومكرًا به، وتعم الرِّجال والنِّساء، والأولى أن يكتُمَها ويستُرَها غالبًا، ويُسِرَّها ولا يُساكنها، ولا يقطعُ هو بكرامتِهِ بها ولا يدعيها، وتظهَرُ بلا طلبه تشريفًا له ظاهرًا، ولا نَعلم من ظهَرَتْ له ولا غيرَهُ أنَّهُ ولي الله غالبًا بذلك.
ولا يلزَمُ من صحةِ الكرامةِ صِدْقُ من يَدَّعيها بدون بينةٍ أو قرائنَ جَليَّةٍ تفيدُ الجَزْمَ بذلك، وإن مَشَى على الماءِ أو طارَ في الهواءِ أو سُخِّرت له الجنُ والسِّبَاعُ حَتَّى تُنْظَرَ خاتمتُهُ وموافقته للشَّرْعِ في الأَمر والنَّهي، فإن ظَهَرتْ لجاهِل أو فاسِقٍ فهي مكرٌ وإغواءٌ من إبليسَ وإضلالٌ وإزلالٌ، ولا شيءَ على من ظَنَّ الخَيْرَ بمن ظهَرتْ له وهو كذلك، وأما حُسْنُ الظنِّ بأهل الدِّين فهو حسنٌ ممدوحٌ دنيا وأُخرى.
فَائِدَةٌ: الأَنبياءُ أَفْضَلُ من الأَولياءِ، وهُما أَفْضَلُ من الملائِكَةِ.

فَصْلٌ

والرؤيا منها الصَّالحةُ وهي جُزءٌ من أجزاء النُّبُوةِ وهي المبشرات يَرَاهَا المؤمنُ وتُرى له، وهي كلامٌ يكلِّمُهُ اللهُ للمؤمِنِ، ومنها أضغاثُ أحلام، وثَمَرَةُ أخلاط وما يكون من الشيطانِ وسوسةً وَتَحْزينًا، ومنها ما يكون من حديث النَّفْسِ وإلهامها وتوهُّمِها.

الجزء: 1 - الصفحة: 510

فَصْلٌ في الإِمَامِةِ

فَيَجِبُ إِقامَةُ الإمامِ شَرْعًا، وهي مرتبةٌ دينية عامَّةٌ، وهي فَرْضُ كفايَةٍ، وتتعيَّنُ على من هو أهْلُها وليس غيرُهُ، وَيقْرَعُ مع التَّساوي، وإن صار الفاضِلُ بعد الولاية مَفْضُولًا لم يضرَّ مطلقًا.
والإمامُ من قامَ مقامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قُريشٍ في إقامَتِهِ قانونَ الشَّرْعِ من إقامَةِ الحَقِّ، ودحضِ الباطِلِ، وإقامَةِ الحَجِّ والغَزْو وسائرِ العباداتِ، وإقامَةِ الحُدودِ، وإنصافِ المظلوم، والأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وحراسة الأُمَةِ، وحمايَةِ الشَّريعَةِ، وجمعِ الكَلِمَةِ، ومعرفَةِ الأَحكامِ، وصحَّةِ التنفيذِ والتَّدبير، وإيثار الطَّاعَةِ، وأخذ الخَرَاجِ والفيءِ والزَّكاةِ ونحوها، وصرفِ المالِ في جهاتِهِ، وغير ذلك من الأُمور المُتَعَلِّقَةِ به.
وَتَجِبُ طاعتُهُ في الطَّاعَةِ وتَحْرُمُ في المَعْصيةِ، وتُسَنُّ في المسنونِ، وتكْرَهُ في المكروهِ.

فَصْلٌ

وَتَثْبتُ الإمامة بالنَّصِّ والاجتهادِ والاختيار، وبالغلَبةِ تارةً ممن يَصْلحُ لها، وتنعقِدُ باتفاقِ أهل الحلِّ والعَقْدِ عليه بشرط كونهم عُدولًا يعرفون من يَصلُحُ لها وَيَسْتَحِقُّهَا وأولى بها وأصلح للنَّاسِ والدِّين من غيره، وأهل بلدِهِ كغيرِهِم، ولا تَنْعَقِدُ لأَكثرَ من واحدٍ، وشُرِط أن

الجزء: 1 - الصفحة: 511

يكونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا، عَدْلًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، عالمًا بأحكامِ الشَّرْعِ، خَبيرًا بتدبير الأُمور، قادِرًا على إيصالِ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّهِ وعلى سائِرِ ما يتعلقُ به، ذَكَرًا شُجاعًا مطاعَ الأَمر، نافِذَ الحُكْمِ قُرَشيًا، فإن طَرَأَ له عجز عما لا بدَّ له منه وَجَبَ عليه عَزْلُ نفسِهِ، فإن أبى لَزِمَ النَّاسَ عَزْلُهُ.
ولا يجوزُ الخروج عليه وإن كان فاسقًا؛ لما في ذلك من المفسدة العظيمة على الخَلْقِ، بل نصلي خلفَهُ ونَحُجُّ مَعه ونُعطيه الزَّكاة والخراجَ والعُشْرَ ونحو ذلك وندعوا له بالصَّلاح.
وإذا صحَّت البيعةُ فليس لأَحَدٍ فَسْخُها.

فَصْلٌ

وَخَيْرُ النَّاس بعد رسول الله صَلَّى اللةُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفضلهم أبو بكر الصدِّيقُ، وهو رضي الله عنه أَوَّلُ من وليَ الخِلافَة بالاستحقاقِ، وأَوَّلُ الأَئمة على الإطلاق، والأَحقُّ بها من جميع الخَلْقِ بالاتفاق، ثُمَّ عمر بن الخطاب فهو ثاني الخلفاء والأَئمة بلا شك ولا ارتياب، ثُمَّ عثْمان بن عفان فهو ثالث الخلفاء والأَئمة عند العلماء الأَعيان، ثُمَّ عليُّ بن أبي طالب فهو رابعُهُم في الخلافَةِ والإمامَةِ والتَفْضيلِ، وقد تَشَرَّفَتْ الخلافَةُ ببعضِ ما فيه من العلم والزُّهْدِ والوَرَعِ والعَدْلِ والتّكميل.
ثُمَّ بقيةُ العَشَرَةِ وهم: طلحةُ، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص،

الجزء: 1 - الصفحة: 512

وعبدُ الرحمن بن عوفٍ، وسعيدُ بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح، ثُمَّ بَعْدُهم في الفَضْلِ أَهْلُ بَدْرِ من المهاجرين ثُمَّ الأَنصار على قدر الهجرةِ أوّلًا فأوَّلًا، ثُمَّ سائر أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولهم رُتبٌ، ومعاوية رضي الله عنه من أجلّهم وأفضلهم وهو الإمام بعد سيدنا عليّ وابنه الحسن رضي الله عنهم أجمعين، ثمَّ التابعون ثُمَّ تابعوهم بإحسانِ، ثُمَّ اللهُ أعلم بمن هو خير.
وعائشة رضي الله عنها أَفْضَلُ النساء ثُمَّ خديجةُ ثُمَّ فاطمةُ.
تَنْبِيهٌ: ويَجِبُ حُبُّ كُلِّ الصَّحابِةِ والكفُّ عما وقع بينهم كتابةً وقِراءةً وَسَماعًا وتسميعًا.
ويجبُ ذِكْرُ محاسِنِهِم والإمساكُ عن مساوئِهم، ويَحْرُمُ التَّحامُلُ عليهم.
ويَجِبُ التَّرَضي عنهم واعتقادُ العُذْرِ لهم لأَنهم ما فعلوا شيئًا إلَّا باجتهادِ سائغٍ يثابون عليه، مُصيبُهم بأجرين ومُخطئهُم بأجرٍ، فمن سَبَّ أحدًا منهم مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وإن لم يستحلَّ فَسَقَ، وعنه: يَكْفُرُ مطلقًا، وإن فَسَّقَهُمْ أو طَعَنَ في دينهم كَفَرَ.
ومن فَضَّلَ سيدنا عليًّا على أبي بكر أو عمر أو قَدَّمَهُ على واحدٍ منهما في الفضيلة والإمامة دون النَّسَبِ فهو رافضيٌّ مُبْتَدع فَاسِقٌ غَيْرُ كافرٍ، ومن أنكر صُحْبَة أبي بكر أو قَذَف عائشة أو غيرها من أزواجه عليه السَّلامُ أو اعتقد أن جبريل غَلِطَ في الوحي كَفَرَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 513

فَصْلٌ في المُرْتَدِ

وهو من كَفَرَ ولو مُميزًا طَوْعًا ولو هَازِلًا بعد إسلامه.
فمن ادَّعى النُّبُوة أو أشركَ باللهِ تعالى أو سبَّهُ، أو سَبَّ رسولًا أو ملَكًا أو جَحَدَ ربوبيته أو وحدانيته أو صفةً له، أو كتابًا أو رسولًا أو ملكًا له، أو وجوبَ عبادةٍ من الخَمْس والطَّهَارَةِ، أو حُكْمًا ظاهرًا مُجْمَعًا عليه إجماعًا قطعيًا كتحريم الزِّنا أو لَحْمِ الخنزير، أو جَحَدَ حِلَّ الخُبْزِ ونحوه كاللَّحْمِ والسَّمْنِ وغير ذلك، أو شَكَّ فيه ومثله لا يجهلُهُ أو يجهلُهُ وعُرِّفَ فَأَصَرَّ، أو سَجَدَ لكَوْكَبٍ أو صَنَمٍ أو غيرهما، أو أَتَى بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين، أو امتهنَ القرآنَ، أو ادّعى اختلاقَهُ أو القدْرَة على مِثْلِهِ، أو أَسْقَطَ حرمتَهُ كَفَرَ.
ولا يكفُرُ من حَكَى كُفْرًا سمِعَهُ ولم يَعْتَقِدْهُ.
فمن ارتدَّ وهو مُكَلَّفٌ مُخْتارٌ ولو أنثى دُعِيَ إلى الإسلام واستُتيبَ ثلاثة أيامٍ وجُوبًا، وينبغي أن يضيَّقَ ويُحبَسَ، فإن لم يتُبْ قُتِلَ بالسَّيْفِ، ولا يقتلُهُ إلَّا الإمامُ أو نائبُهُ، فإن قَتَلَهُ غيرُهُما بلا إذنِ واحدٍ منهما أساء وعُزِّر ولا ضمان.
وَأَشَدُّ الذُّنوبِ الكُفْرُ ثُمَّ القَتْلُ بِغَيْرِ حقٍّ ثُمَّ الزِّنا واللواطُ ثُمَّ بقيةُ

الجزء: 1 - الصفحة: 514

الكبائر كالسِّحْرِ والرِّبا، وعقوقِ الوالدين، والقذف، وشُرْبِ الخَمْرِ، والفرارِ يوم الزَّحْفِ، والغيبَةِ والنَّميمَةِ وما أشبه ذلك، ولا شَكَّ أن بَعْضَ الكبائر أَعْظَمُ من بَعْضٍ، وأن الصغائِرَ دونَ الكبائر ما لم تتكرر وإثْمُها متفاوت أيضًا، والله أعلم.

وصيَّة نافعة إن شاء الله تعالى

حيثُ عَلِمْتَ يا أخي أن الاشتغالَ بالعِلْمِ من أفضلِ الطَّاعاتِ، وأَعْظَمِ القرُباتِ، وأنْفَعِ العباداتِ بل ينبغي أن يكون أفضلها على الإطلاق لتوقف معرفتها وصحتِها عليه بالاتفاق، فاعلم وفقني الله وإيَّاك أنَّه ليس المراد بالعِلْمِ مجردَ الاشتغال به، والإقبال عليه من القراءة والإقراءِ والكِتَابةِ والتَّأْليف وغير ذلك بلا عَمَلٍ يقودُ إِليه، وإنَّما المقصودُ الأَعظمُ منه الحِرْصُ على إحْكامِ العَمَلِ مع تطهير النُّفُّوسِ من المعاصي والزَّللِ، وتنزيهِهَا عن القبابح والرَّذائِلِ، وتبعيدِها عن القَواطعِ عن الله والشَّواغِلِ، وتصفيتِها من المعائب بالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ والإخلاص، والسَّعي التَّامِّ على ما فيه في الدَّارين النِّجاةُ والخلاصُ.
فَفَرْضٌ على كُلِّ عاقِلٍ أن يكونَ مُهْتَمًا غايةَ الاهتمامِ بتحصيلِ ما فيه صلاحُ نَفْسِهِ ومُوجِبُ عدالتها عند الله وبين الأَنام، وأن يكون ساعيًا بجدٍّ واجتهاد في تفريغ قَلْبِهِ من قاذوراتِ الكِبْرِ والبُغْضِ والحَسَدِ والعناد، وأن يكون مُقْبِلًا على مولاهُ في سائِر الأَطوارِ مُعْرِضًا عن جمِيع الأَضدادِ والأَغيار، فإن كان كذلك فَهُوَ في الدُّنيا والأُخرى

الجزء: 1 - الصفحة: 515

حَميدٌ وسَعيدٌ، وكيفَمَا تَوَجّهَ رشيدٌ وسديدٌ، وإلَّا فهو شَقيٌّ وطريدٌ، وعن كُلِّ خَيْر قصيٌّ وبعيدٌ، وإن كان مُكِبًّا على العِلْمِ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهَارِ معتنيًا بتحصيله غاية الاعتناء في السِّرِّ والجهار، إذ اشتغالُهُ به الأَوقاتِ ما أفادَهُ إلَّا مزيدَ غَضَبِ رَبِّ الأَرْضِ والسَّمَواتِ.
وحيثُ عَلِمتَ هذا فاعلم أنَّ مِنَ الفَرَائِضِ المُحَتِّمَةِ والواجبات المؤكَّدَةِ صَوْنَ اللِّسانِ عن الكَذِبِ والزُّورِ والفحشاءِ والغِيبَةِ والنَمِيمَةِ والباطِلِ، ومن المحرمات دماءُ المسلمين وأموالُهُم وأعراضُهُم إلَّا بحقِّهَا، فلا يَحِلُّ دَمُ المُسْلِمِ إلَّا أن يكفرَ بعد إيمانِهِ، أو يَزْنيَ بعد إحصانِهِ، أو يقتُلَ نَفْسًا بغير نَفْسٍ، وفرضٌ على كُلِّ أَحدٍ كَفُّ يَدِهِ عمَّا لا يَحِلُّ من مالٍ أو جَسَدٍ أو دمٍ.
ويحرُمُ على كُلِّ أَحَدٍ أن يسعى بقدمِهِ إلى ما لا يَحِلُّ له، وأن يُباشِرَ بِجَسَدِهِ أو فَرْجِهِ ما لا يَحِلُّ له، وأن يَسْمَعَ ما لا يَحِلُّ له سماعُهُ من غيبَةٍ ونميمَةٍ وكَذِبَةٍ وغير ذلك، وأن يُبْصِرَ بعينِهِ ما لا يَحِلُّ له كالنَّظَرَ إلى الأَمردِ بِشَهْوَةٍ عند الأَكثر ومطلقًا عند كثيرين أو إِلى الأَجنَبية مُطْلقًا؛ لأَن الله تعالى حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ.
وَفَرْضٌ على كُلِّ أَحَدٍ أن يَكُفّ جميعَ شَرِّهِ عن جميع خَلْقِ الله، فلا يُؤْذِيَ أَحَدًا بيدٍ، ولا رِجْلٍ، ولا لِسَانٍ، ولا عَيْنٍ، ولا سَمْعِ، ولا اعتِقادٍ، ولا في مالٍ وإن قَلَّ كَخَرْدَلَةٍ، ولا عِرْضٍ وإن سَهُلَ، ولا في شيءٍ من الأَشياءِ مطلقًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 516

وليُحْسِن إلى جميع خلقِ اللهِ ما استطاعَ إن الله يُحِبُّ المحسنين.
وعَلَيْكَ بِأَكْلِ الطَّيِّبِ وهو الحلال لأَن ذلك أساسُ العِباداتِ كُلِّها، وعمادُ الخَيْراتِ بِأَسْرِها، فليهتَمَّ بذلك العاقِلُ أَعْظَمَ الاهتمام إن رامَ سلامةَ دينِهِ على الدَّوامِ، وإن فَرَّطَ في ذلك وتساهَلَ ولم يُبَالِ من أين يتناوله فقد تَعِسَ وخابَ وخَسِرَ واجترم، وسينْدَمُ حين لا ينفعُهُ النَّدَمُ.
واجْتَهِدْ رَحِمَكَ الله غايَة الاجتهادِ أن يكون ذلك من كَسْبِكَ المُبَاحِ لأَن أفضل ما أَكَلَ المرءُ من كَسْبِهِ باتفاقِ علماءِ الإسلام كما أرشدَ إلى ذلك النبي عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام، وهكذا ما تلبسُهُ وتنامُ عليه، وكُلُّ ما تنفِقُهُ فرضٌ عَلَيْكَ أن يكون كُلُّ ذلك من الحلال.
فلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يَأْكُلَ إلَّا حلالًا، ولا يَشْرَبَ إلَّا حلالًا، ولا يسكُنَ ولا يركب إلَّا حلالًا، ولا يَسْتَعْمِلَ شيئًا مِمَّا يُنْتَفعُ به إلًا حلالًا.
واعلم أن وراء الحَلالِ أمورًا مشتبهاتٍ من تركَهَا سَلِمَ ومَنْ أخذ بشيءٍ منها كان كالرَّاعي حَولَ الحِمى يُوشِكُ أن يَقَعَ فيه.
وحَرَّمَ الله أَكْلَ المالِ بالباطِل، ومِنَ الباطل الغَصْبُ والتَّعدي والخيانَةُ والرِّبا والقِمارُ والغَررُ والنَّجْشُ والخديعة.
وحَرَّمَ سبحانه أكل الميتةِ والدَّمِ وَلَحْمِ الخِنْزيرِ وما أهلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ وما ذُبِحَ على النُّصُبِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 517

والخَمْرُ نَجِسَةُ العَيْن قَد حَرَّمَ الله قليلها وكثيرَها كيف ما كان على أيِّ وجهٍ كان، وبيَّنَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الخمر أمُّ الفواحِشِ وأكْبَرُ الكبائر 304 وأن من شربها لم تُقبل صلاته أربعين يومًا 305، وبيَّن عليه السَّلامُ أن ما أسكَرَ كثيرهُ من الأَشْرِبَةِ فقليلُهُ حرامٌ 306 وكُلُّ ما خامَرَ العَقْل وأسْكَرَ من كُلِّ شرابٍ فهو خمر.
وما حَرُمَ حَرُمَ بَيْعُهُ وأَكْلُ ثَمَنِهِ والانتفاعُ بهِ.
والحشيشَةُ نَجِسَة يَحْرُمُ قليلُهَا وكثيرُها وهي عِنْدَ شيخِ الإسلامِ ابن تَيميَةِ كالخَمْرِ حَتَّى في وجوب الحَدِّ 307. ومن أَعْظَمِ الواجباتِ بِرُّ الوالدين وإن كانا فاسقين، وطاعتُهُما في غَيْرِ معصيةِ الله تعالى وإن كانا عاصيين، فإن كانا كافرين فليصاحِبْهُما في الدُّنيا معروفًا، ولا يطعهما في معصية الله تعالى، إذْ لا طاعَةَ لمخلوقٍ في معصية الخَالِقِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 518

وعلى الوالدينِ أن يُعَلِّمَا ولدَهُما القراءَةَ والكِتَابَةَ، وما ينتفعُ به في دينِهِ من الفَرائِضِ والسُّنَنِ، وإن وَرَّثَاهُ أن يُوَرِّثَاهُ حَلالًا وإلَّا فرزقُهُ على اللهِ خالِقِهِ ورازقِهِ لا عليهما فيكِلانِ أَمْرَهُ في رزقِهِ وغيره إلى اللهِ سبحانه إِذْ ما من دابةٍ في الأَرض إلَّا على الله رزقها ويعلم مُسْتَقرَّهَا ومُسْتَوْدَعَها.
وعلى المؤمن أن يستغفرَ الله سبحانِهِ لأَبويه المؤمنين، ويَحْرُمُ استغفارُهُ للكافر منهما، وعليه أن يَصِلَ رَحِمَهُ، وَتَتَأَكَّدُ صِلَةُ الرَّحِمِ الكاشِحِ أي المُبْغِضِ، وعليه موالاةُ المؤمنينَ والنَّصيحةُ لهم، وعليه أيضًا النَّصيحَةُ لإمامِهِ وطاعتُهُ في غَيْرِ معصية الله تعالى، والذَّبُّ عنه، والجهادُ بين يديه إذا كان قادرًا، وعليه اعتقادُ إِمامَتِهِ فإن من فارقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ من عُنُقِهِ، وإن باتَ ليلةً لا يعتقدُ فيها إمامته فمات على ذَلِكَ كانت ميتتهُ على ذلك ميتةً جاهليةً.
ولا يبلُغُ أَحَدٌ حقيقةَ الإيمانِ حَتَّى يُحِبَّ لأَخيه المؤمن ما يحب لنفسه من الخَيْرِ، ولا حقيقةَ الوَرَع حَتَّى يَدَع ما لا بَأْسَ به خَوْفًا من أن يَجُرَّهُ إلى ما به بأْسٌ.
ومِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يعنيه.
ومن حَقِّ المؤمنِ على المؤمن أن يُسَلِّمَ عليه إذا لَقِيَهُ، ويعُودَهُ إذا مَرِضَ، ويُشَمتَهُ إذا عَطَسَ فَحَمِدَ الله تعالى، وأن يَشْهَدَ جنازتَهُ إذا

الجزء: 1 - الصفحة: 519

مات، ويحفظَهُ إذا غابَ في السِّرِ والعلانية، ولا يهجرُ أخاه فَوْقَ ثلاثِ ليالٍ، والسَّلامُ عليه يخرجُهُ من ذَلِكَ، لكن يتأكَّد في حَقِّهِ أن يُكَلِّمَهُ بعد ذَلِكَ.
والهجرانُ المأذونُ فيه هَجْرُ ذوي البِدَعِ، والمُجاهرينَ بالمعاصي ولا يَقْدِرُ على موعِظَتِهم أو لا يقبلونها مِنْهُ، ولا غيبةَ لهؤلاءِ في ذِكْرِ حالهم على وَجْهِ النَصيحَةِ كَذِكْرِ حالِ المُشَاورِ فيه لأَجْلِ نِكَاحٍ أو شَرِكَةٍ أو مُعَامَلَةٍ أو غير ذلك، وبيان ذلك فرضٌ لوجوبِ النَّصيحَةِ.
ومن مكارِمِ الأَخلاقِ أن تعفو عن من ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ من حَرَمَكَ، وتَصِلَ من قَطَعَكَ.
وَعَلَيْكَ بالصَّدَقَةِ، وأَفْضَلُ الصَّدَقة على ذي الرَّحِمِ الكاشِح أي المُعادي المُباغِض، وحسنُ الجوار مأمورٌ به مُرَغَّبٌ فيه فإن للجارِ حقًّا وحُرْمَةً، وليس حُسْنُ الجوار كَفَّ الأَذى عن الجار، لأَن كَفّ الأَذى عن الجار وغيره فَرْضٌ مُتَأكِّد على كُلّ أَحَدٍ، ولكنه تَحَمَّلُ الأَذَى من الجارِ ما لم يكن معصيَةً.
ولا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يتعمدَ سَمَاعَ شيءٍ من الباطل، ولا أن يَتَلَذَّذَ بسماعٍ صَوْتِ امرأَةٍ أجنبية، ولا أن يَسْمَعَ شيئًا من الملاهي والغِنَاءِ، ولا قراءَةُ القُرآنِ باللُّحونِ المُرجّعَةِ كترجيعِ الغِنَاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 520

فَليُجِلَّ كِتَابِ الله أن يتلُوَهُ إلَّا بسكينةٍ ووقارٍ، وترتيلٍ في الجَهْرِ والإسْرارِ، مع حضورِ قَلْبٍ وخشوعٍ وَتَذَلُلٍ وخضوعٍ، وهِمَّةٍ قويَّةٍ ونِيَّةٍ سَوِيَّةٍ، وطويَّةٍ صحيحةٍ، وعزيمَةٍ ربيحَةٍ، مع حُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ وَفَهْمٍ وَتَفَكُّرٍ، وبما يوقِنُ التّالي أن الله يرضى به ويثيب عليه وْيُقَرِّبُ مِنْهُ ويُزلفُ لديه، ويلطفُ به ويرحمُهُ بين يديه.
واعلم أن من الفرائِضِ المُؤَكَّدَةِ والواجبات المحتَّمةِ الأَمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر على كل من بُسطت يده في الأَرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك، فمن عجز بِيَدِهِ فبلسانِهِ وَقَلْبِهِ، فإن لم يقدر بِلسَانِهِ فبقلبِهِ وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ.
وَفَرْضٌ على كُلِّ مُؤمِنٍ أن يريد بِكُلِّ قَوْلٍ وعَمَلٍ وَنِيَّهٍ وجهَ الله سبحانه وتعالى، ومن أراد بشيء غير وجه الله لم يقبل منه؛ لأَنَّه رياء وتعالى الله أن يقبل عملًا أُشرِك به غيرُه؛ إذ الرياء هو الشِّرْكُ الأَصغر.
واعلم أن التَّوْبة فريضة من كُل ذَنْبٍ على الفَوْرِ من غَيْرِ إصرارٍ.
والإصرار: المَقَامُ على الذَّنْبِ واعتقادِ العَوْدِ إليه أو إِلى مثله.
ولا صَغيرةَ مع الإصرارِ ولا كبيرة مع الاستغفارِ.
وَفَرْضٌ على كُلِّ إنسانٍ أن يجتهدَ غايَةَ الاجتهادِ في رَدِّ المظالِم إلى أهلها قَلّت أو جَلَّت، فإن توبتَهُ منها لا تَصِحُّ إلَّا بِرَدِّها ولو كانت مثقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ، فإن الله القادِرُ على كل شيءٍ يأتي بها، فَلْيَسْعَ العاقِلُ في خلاصِ نَفْسِهِ من حقوقِ العِباد وتفريغِهَا قبل أن لا يقدر

الجزء: 1 - الصفحة: 521

على ذلك، فإن أهمَّ الأَعمالِ وآكدها وأعظَمها نفعًا له وصلاحًا لدينه في الدُّنيا والأُخرة سعيُهُ في تفريغ ذِمَّتِهِ وتخليصِهَا إن كان ناصحًا لنفسه راحمًا لها، فإنَّه ما لَقِيَ العَبْدُ رَبَّهُ بِذَنْبٍ أَعْظَمُ من أن يلقاه بشيءٍ من حُقُوقِ العباد، وليس ثَمَّ دِرْهَم ولا دينارٌ يوفي منه.
وليس صاحِبُ الحَقِّ في ذلك الوقت أَهْلًا لأَن يَسْمَح أو يَعْفو لأَن كل أحد حينئذٍ لا يهمُّه إلَّا نفسُهُ، ولا يخطُرُ ببالِهِ إلَّا طَلَبُ نجاة نفسِهِ، فَيَودُّ أن يكون له حَقّ على أبيه وأخيهِ وصديقِهِ وغيرهم حَتَّى يتمسَّكَ به، ويُطالبَ ويشُحَّ به على من هو عنده بحيث لايسمحُ عن مقدارِ خردلةٍ منه، لأَن المرء حينئذ يفرُّ ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34 - 37] الآيات، فيؤخَذُ حينئذٍ من حسنات من عليه الحَقُّ إن كان له حسناتٌ ويوفى منها حُقُوقُ العِبَاد، فإن لم تُوفِّ أُخِذَ من سيئاتِ أصْحَابِ الحقوق وطُرِحَتْ على سيئاتِهِ فَتعظُم سيئاتُهُ وليسَ عِندَهُ شيءٌ من الحَسَناتِ، فهنالكَ تتضاعف الحسرات، وتَتَساكبُ العبرات ويندَمُ حين لا ينفع النَّدم، وتَزِلُّ به والعياذ بالله القَدَم، وَيَظْهَرُ لَهُ الحَقُّ اليقين، ولا يفيده حينئذٍ توبة ولا يَصِحُّ منه عَمَلٌ، أَلا ذَلِكَ هو الخُسرانُ المبين، فيكون ممن ضل سعيُهُ في الحياة الدُّنيا وهم يحسبون أنهم يُحْسنون صُنْعًا.
وَلْيَلْجإِ العبدُ إِلى الله جلَّ اسمُهُ فيما عَسُرَ عليه من انقياد نفسِهِ

الجزء: 1 - الصفحة: 522

لأَمْرِ اللهِ ومخالفتها نهيه، مُوقِنًا أنّهُ القَادِرُ الصَّالِحُ شأنَهُ والمالِكُ توفيقَهُ وتسديدَهُ، ولا يفارِقُ ذَلِكَ على ما فيه من حَسَنٍ أو قبيحٍ، ولا ييأسُ من رحمةِ الله تعالى بل يرجو رحمتَهُ ويخافُ عذابَهُ ويتذكَّرُ نعمتَهُ ويشكُرُ فَضْلَهُ عليه بتوفيقه للأعمال بفرائضِهِ وَتَرْكِ ما يَكرَهُ فعله، وَيَتَقَرَّبُ إِليه بما يَسّرَهُ له من نوافلِ الخَيْرِ، ويعلمُ أنَّه ضعيفٌ عاجز لا يقدِرُ على شيءٍ إلَّا ما قدرَهُ اللةُ ويسَّرَهُ عليه.
وليستعن بِذِكْرِ المَوْتِ وما بعده على تَرْكِ المعاصِي والزَّلاتِ، وعلى المُلازَمَةِ على فِعْلِ الخَيْراتِ والمُسَارَعَةِ إلى الطَاعاتِ، وليعرف قَدْر نِعْمَةِ اللهِ بإمهالِهِ إيَّاهُ مع مبارزتِهِ له بالمعاصي، وكم أَخَذَ غيرَهُ بذنبِهِ عاجِلًا قبل أن يُؤْخَذَ بالنَّواصِي.
وليُفكِّر العاقِلُ في سالِفِ ذنبه وعاقبةِ أَمْرِهِ، ولعله لم يبق شيءٌ من أجله، فيتداركَ أمرَهُ بالتَّوبة النَّصُوحِ، ويُخَلِّصُ ذمتَهُ الخلاصَ التَّامِّ من حُقُوقِ الله سبحانه وحُقُوق العِباد، فيقضِي ما تركَهُ من العبادات من صلاةٍ وزكاةٍ ونَذْرٍ وغير ذلك من حقوق اللهِ الواجبة، ويُوفي ما عليه من الدُّيون والغُصوب والسَّرِقَةِ والأَمانات وغير ذلك من حقوقِ الآدميِّ المبينةِ على المشاحَّةِ، وينتظر الموت بصدقٍ ويقينٍ، ولا يتَهاون في الوصية كُلَّ ليلةٍ إن كان من الموقنين، فيكونَ في الدُّنيا إن كان عاملًا كَيِّسًا كأنَّهُ غريبٌ أو عابِرُ سبيل، وليعُدَّ نفسه من أهْلِ القُبورِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 523

وإذا أَمْسَى فلا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بالصَّبَاحِ، وإذا أصْبَحَ فلا يُحَدِّثُ نفسهُ بالمساءِ، وليغتنم حياتَهُ قبل موته، وصحته قبل سُقْمِهِ، وفراغَهُ قبل شُغْلِهِ، وشبابَه قبل هرمِهِ، وغناهُ قبل فَقْرِهِ.
واعلم أن معنى اغتنام ذلك الاجتهادُ فيه بصالِح العَمَلِ لا تضييعُهُ في اللَّهو والكَسَل، وعلى هذا كان السَّلَفُ الصَّالحُ، ففازوا بالمَتْجَرِ الرَّابِح والمآل النَّاجح فليقتد بهم ولْيَحْذُ حذوهم نفعنا الله ببركاتهِمِ وأعاد علينا وعلى جميع المسلمين من صالح دعواتهم، ووفقنا لاتباعهم والاقتداء بهم.
تَتِمَّةٌ: أولى القُلُوبِ وأفضَلُهَا وأقربُها إلى خالِقها ورازقِهَا قَلْبٌ وعى علم دين الله سبحانه وشرائِعِهِ مِمَّا أَمَرَ به ونهى عنه، ومِمَّا دعا إليه وَخَصَّ في كتابه وعلى لسان رسوله عليه السَّلامُ، والفقهُ في ذلك والفهمُ فيه والتَّفهُّم والتَّفهيمُ أولى ما يشتَغِلُ به العاقل.
والعلمُ مع العمَلِ به أفضلُ الأَعمال وأنفسُ ما تُصرَفُ إليه الهِمَمُ في الحال والمآل، وأقرب العلماء إلى الله وأولاهُم به أكثرهم له خشيَةً وفيما عِنْدَه رغبة، وأدومُهم له مراقَبَةً.
والعلم دليلُ على الخيرات وقائدٌ إليها، والعِصْمَةُ بكتاب الله وسنة نبيه هي المعولُ في كُل الأُمور عليها، وفي اتباع سَبيلِ المؤمنين والسَّلَفِ الصَّالح النَّجاة والرَّشاد، وفي الرُّجوعِ إلى ما قالوهُ وتأولوهُ واستنبطوهُ غايةُ الصَّلاحِ والفلاحِ والسَّدادِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 524

فَنَسْأَلُ الله بمنِّهِ وكرمِهِ أن يوفقنا لذلك، وأن يُجيرَنَا من العصبيةِ المُوقِعَةِ في المهالكِ، وأن يُلْحِقَنا بصالحِ الأمَّةِ، وأن يرزقنا بركة الأَئمة 308 وأن ينفعني والمسلمين بهذا الكتاب، وأن يجعلة خالصًا لوجه إنه الكريم الوهاب، وأن يغفر لي ما جنيتُهُ في هذا التَّأْليفِ، إِذْ ما عُصِمَ إلَّا مَلَكٌ أو رسولٌ أو نبيٌّ شريفٌ.
وَأَسْأَلُهُ سبحانه أن يُوفقني وكُلُّ واقفٍ عليه للعمل به بما فيه من الوظائف، وأن يَحْشُرنا بكرمِهِ تحت لواء أهل العِلْمِ والاستقامَةِ والمعارف، مشمولين بشفاعَةِ النَّبِيِّ الكريم، مغمورينَ بِرَحْمَةِ الرَّبِّ الحليمِ الرَّحيمِ، وليكن هذا آخر ما أردت نقلُهُ في هذه المسودة، واللهُ المسؤولُ أن يُفَرِّجَ عن المسلمين كُلَّ هَمٍّ وغَمٍّ وشِدَّةٍ.
لكن العَبْدُ الفَقِيرُ المُعْتَرِفُ بعظيم الذنْبِ وَمزيدِ التَّقْصيرِ، الرَّاجي عَفو ربه القدير يرجوا من كُلّ واقفٍ عليها أو على ما نُقِلَ منها أن يدعو لي بِحُسْنِ الخِتامِ، وأن لا يؤاخذني بما زَلَّ بِهِ القَلَمُ وَجَنَتْ يدهُ من سوءِ الإلمام، وأن يَعْتَقِدَ لي العُذْرَ إذ هو شأنُ الكرام؛ فإن بضاعتي من العِلْمِ أندَرُ البضائِع، وصناعتي من الفَضْلِ أَقلُّ الصنائِع، إلَّا أَنه ألجأني إلى ذلك رغبتي في دعوة عَبْدٍ صالحٍ، ورجائي أن ينتفع به سالكٌ فالِحٌ، بإعانَةِ الله وتوفيقه إنَّه الكريمُ المانِحُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 525

وصلى الله على سَيِّدنا مُحَمَّدِ الخاتمِ الفاتِحِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الذين كُلٌّ منهم رابِحٌ وناجِحٌ، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدِّين مُتكَرِّرَيْن في كُل وقْتٍ وحين، آمين آمين آمين، والحمد للَّهِ رب العالمين.
ووافق الفراغُ من تبييضها نهار الأربعاء بعد العصر تاسع عشر المحرم الحرام سنة سِت وخمسين وألف بمعونةِ الله تعالى وتوفيقه وإسعافه لمؤلفها محمد بن بدر الدِّين بن عبد القادر البَلْبَاني الخَزْرَجي عفا الله عنهم وعن جميع المسلمين ووفقه وكل واقف عليها للعمل بما فيها إنَّهُ أرحم الرَّاحمين.
قلت: وفرغت مِن تأليفها نهار الجُمُعَةِ بعد عصرها وهو الثامن من شهر رمضان المُعظَّم قدرهُ سنة خمسين وألف، وهذه النسخة ثاني نسخةٍ نقلتُهَا من المسودةِ المذكورة، والله أعلم، تمت وبالخير عمت بعون الله وحُسْنِ توفيقه 309.

الجزء: 1 - الصفحة: 526

فصول الكتاب · 10 فصل
فصول مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكتَابُ الصَّلَاةِكَتَابُ الجَنَائِزِكتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الحَجِّكتابُ الجهادكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ الآدَابِ
فَصْلٌ فِيمَا جَاءَ في فَضْلِ الاشْتِغَالِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًافَصْلٌ في ذِكْرِ شَيءٍ مِن آدابِ طَالِبِ العِلْمِبَابُ حُكْمِ السَّلامِ والمُصَافَحَةِ والتَّثاؤبِ والعُطَاسِ والاسْتِئْذانِفَصْلٌفَصْلفَصْلٌ فيما يُسْتَحب فِعْلُهُ بيمينِهِ وما يُستحب فِعْلُهُ بشمالِهِبَابُ آدَابِ الأَكْلِ والشُّرْبِفَصْلٌبَابُ الوَليمَةِفَصْلٌ في الكَسْبِبَابُ آدابِ النِّكَاحِفَصْلفَصْلٌآدابُ الجِمَاعُفَصْلٌفَصْلٌفَصْلٌفَصْلٌبَابُ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلى النِّساءِفَصْلٌبَابُ آدابِ النَّوْمِ والاستيقاظِ وَغَيْرِ ذَلِكَبابٌ في اللَّعِبِ المُبَاحِفَصْلٌفَصْلٌ في حُكْمِ الكَلْبِفَصْلٌ فِي حُكْمِ الحَيوانِفَصْلٌ في بِرِّ الوَالدينِ وصِلَة الرَّحِمِفَصْلٌ في الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلمفَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الآثَارِ في فَضْلِ الصَّلاة عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَفَصْلٌفَصْلٌ في الذِّكْرفَصْلٌ في فَضْلِ حِلَقِ الذِّكْرِ والنَّدْبِ إِلى مُلازَمَتِها والنَّهيِ عن مُفارَقَتِها لِغَيْرِ عُذْرٍفَصْلٌ فِي الأَمْرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عَنِ المُنْكرِفَصْلٌ في الإِخلاصخَاتِمَةٌ: في مَعْرِفَة الله تعالى وما يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ مِنَ الاعْتِقادِالبَابُ الأَوّل: في مَعْرِفَةِ اللهِ تعالىفَصْلٌفصْلٌفَصْلٌ في أسماءِ الله تعالى وصفاتهفَصْلٌفَصْلٌ في الرؤيةالباب الثاني: في الأَفعالفَصْلٌفَصْلٌالبَابُ الثَّالِثُ: في الأَحكامفَصْلٌ في الإسلامِ والإيمانِفَصْلٌفَصْلٌفَصْلٌفَصْلٌالبَابُ الرَّابعِ: في بَقِيَّةِ السَّمْعياتِفَصْلٌفَصْلٌالبَابُ الخَامِسُ: في النُّبُوّةِ والإمَامَةِفَصْلٌ في النُّبُوّةِفَصْلٌفَصْلٌفَصْلٌ في الإِمَامِةِفَصْلٌفَصْلٌفَصْلٌ في المُرْتَدِوصيَّة نافعة إن شاء الله تعالى
جارٍ التحميل