فتح المتعال على القصيدة المسماة بلامية الأفعالفتح المتعال

فتح المتعال

عن هذه الطبعة
عَلَم
حمد بن محمد الصعيدي
الكتاب
فتح المتعال على القصيدة المسماة بلامية الأفعال
المؤلف
حمد بن مُحَمَّد الرائقي الصعيدي الْمَالِكِي (المتوفى: نحو 1250هـ)
المحقق
إبراهيم بن سليمان البعيمي
الناشر
مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الطبعة
1417هـ - 1418هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: هَذَا هُوَ عنوان كتَابنَا الْمُحَقق وَقد سبقت دراسته والتعريف بِهِ.
ثَانِيًا: عرض الْمسَائِل عِنْدهم: عِنْدَمَا يُرِيد ابْن النَّاظِم أَن يشْرَح فكرة فَإِنَّهُ يصدِّرها بِبَيْت من اللامية ثمَّ يتولّى شرح ذَلِك الْبَيْت شرحاً موجزاً مفسّراً بالأمثلة دون إسهاب فِيهَا بل يجتزئ بالمثال الْوَاحِد الدَّال على الْقَاعِدَة، وَإِن كَانَ الْأَمر يلْزم الْحصْر فَإِنَّهُ يحصر كَأَن يَقُول: وَلم يرد مِنْهُ سوى تِسْعَة أَفعَال هِيَ.. ثمَّ يوردها، وَيذكر اخْتِلَاف اللُّغَات إِذا كَانَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا حكم صرفي كَقَوْلِه فِي مضارع وَرِعَ يَرِعُ "وَحكى سِيبَوَيْهٍ يورع".

أما بحرق فَإِنَّهُ يذكر أَبْيَات اللامية وَلكنه جعل كِتَابه معجماً للأمثلة؛ إِذْ يَسُوق على الْقَاعِدَة الْوَاحِدَة الْكثير من الْأَمْثِلَة، وَقد بلغ بَعْضهَا ثَلَاثمِائَة وَسبعين مِثَالا على قَاعِدَة وَاحِدَة وَهُوَ قد صرّح بذلك فِي مُقَدّمَة شَرحه فَقَالَ: "فَلهَذَا شرحت أَنا هَذِه الْمَنْظُومَة شرحاً مطابقاً لغَرَض النَّاظِم رَحمَه الله فبسطت القَوْل فِي الْبَاب الأول بِكَثْرَة الْأَمْثِلَة الَّتِي يُحتاج إِلَيْهَا فَذكرت للْفِعْل الرباعي نَحْو مائَة مِثَال، ولفعُل المضموم مائَة أَيْضا، ولفعِل المكسور ثَلَاثمِائَة وَسبعين مِنْهَا أَرْبَعِينَ لوناً" وَكَانَ يرتب أمثلته حسب تَرْتِيب الْقَامُوس فَيبْدَأ بِمَا آخِره همزَة، ثمَّ مَا آخِره بَاء، وَهَكَذَا مَعَ مُرَاعَاة التَّرْتِيب الداخلي حَتَّى يصل إِلَى آخر الْأَمْثِلَة.
وتوسط الصعيدي بَينهمَا فِي هَذَا الْمِضْمَار فَلم يسرف إِسْرَاف بحرق وَلم يوجز إيجاز ابْن النَّاظِم، بل كَانَ يمثل لقواعده بأمثلة يضمن مَعهَا إِيضَاح الْقَاعِدَة للقارئ.

ثَالِثا:

شواهدهم

: اسْتشْهد ابْن النَّاظِم بِإِحْدَى عشرَة آيَة فَقَط، وَلم يستشهد بالأحاديث، وَبقول وَاحِد لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبأربعة عشر بَيْتا من الشّعْر مِنْهَا ثَمَانِيَة من الرجز وَالْبَاقِي من القصيد.
أما بحرق فقد فاقت شواهده من الْقُرْآن مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ شَاهدا، وَاسْتشْهدَ من الحَدِيث بأَرْبعَة عشر حَدِيثا، وبثلاثة أَقْوَال للْعَرَب، وبثلاثة عشر بَيْتا من الشّعْر مِنْهَا تِسْعَة من الرجز وَالْبَاقِي من القصيد.
أما الصعيدي فَكَانَ أَيْضا وسطا إِذْ اسْتشْهد بِمَا يُقَارب الثَّمَانِينَ آيَة وَعشرَة

أَحَادِيث، أما الشواهد الشعرية فَإِنَّهُ أقل الْقَوْم إِذْ لم تبلغ شواهده خَمْسَة أَبْيَات.
وَكلهمْ كَانَ يعلق على الشَّاهِد بِمَا يضمن مَعَه فهم وَجه الاستشهاد بِهِ.

رَابِعا

: موقفهم من النَّاظِم:

فِي هَذَا الْجَانِب تطغى كفة بحرق إِذْ كَانَ يكثر من التَّنْبِيهَات الَّتِي يسْتَدرك فِيهَا على النَّاظِم، أَو يردّ عَلَيْهِ أَو يُقيد مَا أطلقهُ.
أما ابْن النَّاظِم فَلَيْسَ عِنْده من هَذَا شَيْء يذكر.
وَأما الصعيدي فَهُوَ مُوَافق لبحرق فِي هَذَا الْجَانِب إِذْ جلّ تنبيهاته مستلة من بحرق، وَكَانَ أَمينا فِي نَقله فَهُوَ يصدّر كل تَنْبِيه بقوله قَالَ الشَّارِح وَالْمرَاد بِهِ بحرق كَمَا صرّح بِهِ فِي مُقَدّمَة كِتَابه.

خَامِسًا

: التَّعَرُّض للمسائل الخلافية:

الْمسَائِل الخلافية فِي الصّرْف قَليلَة لَا تصل حدّ الْخلاف فِي النَّحْو، وَمَعَ ذَلِك نجد خلافًا بَين الصرفيين فِي بعض الْمسَائِل كالرباعي المضعف مثل وسوس أهوَ على وزن فَعْلَلَ أم فَعْفَعَ، وَوزن فُعْلَلٍ كجُؤْذَرٍ أهوَ بِنَاء أُصَلِّي أم هُوَ متفرع عَن فُعْلُلٍ كبُرْثُنٍ، وَهل الْمَحْذُوف من اسْم مفعول الثلاثي الأجوف الْعين أم وَاو مفعول.
مثل هَذِه الْمسَائِل ابْن النَّاظِم لم يقف عِنْدهَا وَلم يذكرهَا، أما بحرق فَإِنَّهُ يذكر مثل هَذِه الخلافات ويختار مَا يرَاهُ راجحاً قَالَ متحدثاً عَن وزن طَقْطَقَ: "هَذِه الْأَمْثِلَة ربَاعِية أَصْلِيَّة عِنْد الْبَصرِيين؛ لِأَن وَزنهَا فَعْلَلَ لَا فَعْفَعَ، وَعند الْكُوفِيّين أَن نَحْو كَبْكَبَهُ مِمَّا يَصح الْمَعْنى بِإِسْقَاط ثالثه من مزِيد الثلاثي"1

وصف النّسخ الخطية

اعتمدت فِي تَحْقِيق الْكتاب على نسختين خطيتين: الأولى: فِي مكتبة الْحرم النَّبَوِيّ الشريف برقم 35/415، ورمزت لَهَا بالرمز (ح) أول كلمة حرم، وَقد جَعلتهَا أصلا.
وَهِي تقع فِي سبعين لوحة، فِي كل لوحة صحيفتان، رمزت لليسرى مِنْهُمَا وَهِي الَّتِي فِيهَا الترقيم الْأَصْلِيّ للمخطوطة بالرموز (أ) ، ورمزت للَّتِي فِي ظهرهَا بالرمز (ب) . وكل صحيفَة مِنْهَا تضم وَاحِدًا وَعشْرين سطراً، فِي كل سطر إِحْدَى عشرَة كلمة تَقْرِيبًا.
وَهَذِه النُّسْخَة قد قوبلت على نُسْخَة الْمُؤلف، ويشيع فِي صفحاتها عبارَة: بلغ مُقَابلَة على نُسْخَة الْمُؤلف.
وكتبت بِخَط النّسخ الْجَمِيل، وَنَصّ اللامية فِيهَا بالمداد الْأَحْمَر مِمَّا جعلهَا تبدو فِي التَّصْوِير باهتة.
وَيظْهر أَنه قد سقط مِنْهَا ورقة العنوان فَألْحق بهَا بِخَط مُخْتَلف عَن خطّ الْأُم، وَلم يسْقط مِنْهَا شَيْء مَا عَداهَا.
وتاريخ نسخهَا دُوّن بِالْيَوْمِ والشهر، وَتركت السّنة، وناسخها عبد الْقَادِر الْمَازِني الْجَوْهَرِي فِي سَابِع يَوْم خلا من رَجَب الْفَرد على التَّمام والكمال، ويبدو أَن النَّاسِخ لَيْسَ من طلبة الْعلم إِذْ فَاتَهُ شَيْء كثير من الأخطاء الإِملائية والنحوية.

أما النُّسْخَة الثَّانِيَة: فَهِيَ نُسْخَة خطية تُوجد فِي مَرْكَز الْملك فيصل، وَهِي فِيهِ برقم 1559، ورمزت لَهَا بالرمز (ف) . وَتَقَع فِي 82 لوحة فِي كل لوحة صحيفتان، وَفِي كل صحيفَة تِسْعَة عشر سطراً، وَفِي كل سطر ثَمَانِي كَلِمَات تَقْرِيبًا، وخطها مشرقي غير جيد، وَهِي كَامِلَة سَالِمَة من الخروم وَالنَّقْص والرطوبة وَغَيرهَا من آفَات المخطوطات، وَقد كتبت عَام 1248هـ، وَلم تسلم كسابقتها من الأخطاء الإملائية والنحوية.

عَمَلي فِي التَّحْقِيق:

1 - – قارنتُ بَين النّسخ وأثبتُ الْخلاف فِي الْهَامِش.
2 - – ضبطتُ النَّص بالشكل.
3 - – خرجتُ الشواهد، وضبطتها بالشكل.
4 - – ميزتُ بَين اللامية وَالشَّرْح بِجعْل اللامية بَين قوسين كبيرين وبخط مُخْتَلف كَمَا سبقت الْإِشَارَة لَهُ فِي دراسة الْكتاب.
5 - – ذكرتُ فِي الْهَامِش أَبْيَات اللامية كَامِلَة عِنْد أول ذكر لَهَا.
6 - – وثقتُ إحالات المُصَنّف ونقوله من الْمُتَقَدِّمين من كتبهمْ، وَكَانَ كثيرا مَا يعول على كتب ابْن مَالك وَشرح ابْن النَّاظِم وَشرح بحرق وسيبويه والصحاح والقاموس، وَبَعض الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَة.
7 - – أشرتُ فِي الْهَامِش إِلَى الخلافات والآراء الْمُتَعَلّقَة بالمسائل إثراء للنَّص.
8 - – راعيتُ فِي كِتَابَة المخطوطة قَوَاعِد الإِملاء الحديثة، مَعَ الاعتناء بعلامات الترقيم.

9 - ترجمتُ للأعلام الَّذين ورد لَهُم ذكر فِي الْمَتْن، وأعرضت عَن الْمَشْهُور مِنْهُم جدا.
10 - وضعتُ بَين معقوفين عناوين لبَعض الْمسَائِل المحتاجة لذَلِك.
11 - فسرتُ مَا أغفل المُصَنّف تَفْسِيره من الْكَلِمَات الغريبة، أما مَا فسره المُصَنّف فإنني أعرضتُ عَن تَفْسِيره حَتَّى وَإِن كَانَ تَفْسِيره مُخْتَصرا لِئَلَّا يكون عَمَلي تَفْسِير التَّفْسِير.
12 - ذكرتُ فِي الْهَامِش أهم المراجع للقضايا الصرفية عِنْد أول وُرُود لَهَا لراغبي الْمَزِيد.
13 - ألحقتُ بِالْكتاب مَجْمُوعَة من الفهارس الفنية.

صُورَة الغلاف من نُسْخَة ح

الصَّحِيفَة الأولى من نُسْخَة ح

صُورَة من نُسْخَة ح يظْهر عَلَيْهَا عبارَة: بلغ مُقَابلَة على نُسْخَة الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى

اللوحة الْأَخِيرَة من نُسْخَة "ح"

صُورَة الغلاف من نُسْخَة "ف"

اللوحة الأولى من نُسْخَة "ف"

اللوحة الْأَخِيرَة من نُسْخَة ف

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله على إفضاله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله.
وَبعد: فَيَقُول أحْوج الْعباد، وأخفض العبيد: حمد بن مُحَمَّد الصعيدي الْمَالِكِي غفر الله لَهُ ولوالديه: هَذَا تَعْلِيق لطيف على منظومة الإِمَام أبي عبد الله جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك الأندلسي الجيَّاني النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الصرفي اقتصرت فِيهِ على حلّ ألفاظها، وَبَيَان مرادها، والتنبيه على بعض مَا فاتها، اقتطفته من ثمار شرح الإِمام الْفَاضِل بحرق اليمني1 - وَهُوَ المُرَاد بالشارح عِنْد الإِطلاق - وَبَعض كَلِمَات من غَيره.
وسميته ب (فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الْأَفْعَال) . وَبِاللَّهِ أَعْتَصِم وأسأله الْعِصْمَة [2/ا] مِمَّا يصم، لَا رب سواهُ، وَلَا مأمول إِلَّا خَيره، وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل.
قَالَ النَّاظِم: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: ابْتَدَأَ المُصَنّف كِتَابه بالبسملة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز، وَعَملا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم "كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع"2، وَفِي رِوَايَة

فَهُوَ "أَبتر"1، وَفِي رِوَايَة فَهُوَ "أَجْذم2"3 رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره4، وَحسنه ابْن الصّلاح5 وَغَيره6، أَي نقل ابْن الصّلاح تحسينه عَن غَيره من الْمُتَقَدِّمين؛ لِأَن ابْن الصّلاح يَقُول: "لَا يُمكن التحسين والتصحيح فِي زَمَاننَا" قَالَ الْعِرَاقِيّ7

فِي التَّذْكِرَة1: "وَعِنْده التَّصْحِيح لَيْسَ يُمكن فِي عصرنا2، وَقَالَ يحيى يُمكن3" وَالضَّمِير عِنْده لِابْنِ الصّلاح، وَالْمرَاد بـ (يحيى) الإِمام النَّوَوِيّ4 رَحمَه الله.
وَالْمعْنَى نَاقص وَقَلِيل الْبركَة فَهُوَ وَإِن تمّ حسّاً لَا يتمّ معنى.
ثمَّ إِنَّه يَنْبَغِي لكل شَارِع فِي فن أَن يتَكَلَّم على الْبَسْمَلَة بِمَا يُنَاسِبهَا من الْفَنّ الْمَشْرُوع فِيهِ، ثمَّ إِن محلّ التكلُّم عَلَيْهَا إِذا كَانَت من مَوْضُوعه، فَإِن لم تكن مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم عَلَيْهَا، وحينئذٍ فلابدّ من تَقْدِيم مقدّمة مُشْتَمِلَة على المبادئ الَّتِي من جُمْلَتهَا الْمَوْضُوع ليُعلم هَل الْبَسْمَلَة مِنْهُ فَيُتَكَلَّمُ عَلَيْهَا أَولا، ومبادئ كل فنّ عشرَة جمعهَا بَعضهم بقوله [2/ ب] : إنّ مبادي كل فنِّ عشرَة ... الحدّ والموضوع ثمَّ الثَّمَرَة وفضله وَنسبَة والواضع ... وَالِاسْم الاستمداد حكم الشَّارِع مسَائِل وَالْبَعْض بِالْبَعْضِ اكْتفى ... وَمن درى الْجَمِيع حَاز الشرفا فالتصريف لُغَة: مُطلق التَّغْيِير5، وَمِنْه تصريف الرِّيَاح، أَي تغييرها، وَتَقَلُّبهَا.

وَاصْطِلَاحا: علم بأصول يبْحَث فِيهِ عَن أَحْوَال أبنية الْكَلِمَة صِحَة واعتلالا، وَزِيَادَة ونقصاناً1.
وموضوعه: الْكَلِمَات الْعَرَبيَّة من حَيْثُ الْبَحْث عَن صِحَّتهَا واعتلالها.
وواضعه معَاذ بن مُسلم الهرّاء2، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الرَّاء، نِسْبَة إِلَى بيع الثِّيَاب الهروية، قَالَه فِي التَّصْرِيح3، وَحكى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ. وثمرته: تأديته إِلَى فهم اللُّغَة الموصلة إِلَى فهم كتاب الله تَعَالَى. وفضله: شرفه من هَذِه الْحَيْثِيَّة. ونسبته لبَقيَّة الْعُلُوم: التباين. واسْمه: الصّرْف والتصريف4.
واستمداده: من الْكتاب، وَالسّنة، وَكَلَام الْعَرَب.
وَحكمه: الْوُجُوب الكفائي.

ومسائله: قضاياه الَّتِي يطْلب فِيهَا نِسْبَة محمولاتها1 إِلَى موضوعاتها2، كَقَوْلِنَا: ضَرَبَ فِعْلٌ مجرّد، وأكْرَمَ فِعْلٌ مزِيد، وفَعل مضموم الْعين مضارعه بِالضَّمِّ، إِلَى غير ذَلِك.
وإِذا علمت أنّ الْبَسْمَلَة من الْمَوْضُوع فَنَقُول: الِاسْم مُشْتَقّ من السمة عِنْد الْكُوفِيّين3 فأصله (وسم) واوي الْفَاء حذفت فاؤه [1/3/أ] وعوِّض عَنْهَا همزَة الْوَصْل، وَعند الْبَصرِيين من السموِّ، فأصله (سمو) واوي اللَّام حذفت، وعوِّض عَنْهَا همزَة الْوَصْل بعد تسكين فائه، واستدلّوا على ذَلِك بجمعه على أَسمَاء، وتصغيره على سميٍّ، وَأَصله: (سُمَيْوٌ) اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء، وأدغمت فِي الْيَاء؛ إِذْ لَو كَانَ أَصله (وسم) كَمَا يَقُول الْكُوفِيُّونَ لم يجمع على أَسمَاء؛ لِأَن فعْلاً صَحِيح الْعين لَا يجمع على أَفعَال كَمَا يعلم من الْخُلَاصَة4، وَلم يصغّر على سميّ بل على وسيم

قَالَ فِي الكافية1: واشتق الِاسْم من سم البصريُّ ... واشتقه من وسم الكوفيُّ وَالْأول الْمُقدم الْجَلِيّ ... دَلِيله الْأَسْمَاء والسميّ وَالله: علم على الذَّات الأقدس، وَأَصله (إِلَه) 2 ثمَّ دخل حرف التَّعْرِيف فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السَّاكِن قبلهَا وحذفت، وَقيل حذفت متحركة فَصَارَ "الله" أدغمت اللَّام فِي اللَّام وفخِّم للتعظيم، فعلى الأوّل يكون الْحَذف قِيَاسا؛ لِأَن الْمَحْذُوف سَاكن، والإدغام غير قياسيٍّ، لوُجُود الْفَاصِل بَين اللامين تَقْديرا؛ لِأَن الْمَحْذُوف قياسياً كَالثَّابِتِ، وعَلى الثَّانِي يكون الْحَذف غير قياسيٍّ؛ لِأَن المتحرك متعاصٍ بالحركة، والإدغام قياسياً؛ لعدم وجود الْفَاصِل تَقْديرا.
والرحمن: الْمُنعم بجلائل النعم.
والرحيم: الْمُنعم بدقائقها.

(الْحَمد لله) وابتدأ [3/ ب] ثَانِيًا بِالْحَمْد لما مرَّ من الِاقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز، وَالْعَمَل بالأحاديث الْوَارِدَة فِي طلب الِابْتِدَاء بِالْحَمْد، وللإِشارة إِلَى أَنه لَا تعَارض بَين الرِّوَايَتَيْنِ2؛ لِأَن الِابْتِدَاء قِسْمَانِ: حَقِيقِيّ وَهُوَ مَا تقدّم أَمَام الْمَقْصُود، وَلم يسْبقهُ شَيْء.
وإضافيّ: وَهُوَ مَا تقدّم أَمَام الْمَقْصُود مُطلقًا.
وَالْحَمْد لُغَة: الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْمَحْمُود بجميل صِفَاته، سَوَاء كَانَ فِي مُقَابلَة نعْمَة أم لَا.
وَاصْطِلَاحا فعل يُنبئ عَن تَعْظِيم الْمُنعم بِسَبَب كَونه منعماً على الحامد أَو غَيره.
وَالشُّكْر لُغَة: هُوَ الْحَمد عرفا بإبدال الحامد بالشاكر.
وَاصْطِلَاحا: صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله عَلَيْهِ إِلَى مَا خلق لأَجله، فَبين الحمدين الْعُمُوم وَالْخُصُوص الوجهي، يَجْتَمِعَانِ فِي ثَنَاء بِلِسَان فِي مُقَابلَة نعْمَة، وينفرد اللّغَوِيّ فِي ثَنَاء بِهِ لَا فِي مُقَابلَة نعْمَة، والاصطلاحي فِي ثَنَاء بِغَيْرِهِ فِي مُقَابلَة نعْمَة، وَكَذَا بَين الْحَمد وَالشُّكْر اللّغَوِيّ فَيُقَال مَا تقدّم، وَبَين الشُّكْر اللّغَوِيّ وَالْحَمْد عرفا الترادف، وَبَين الشُّكْر الاصطلاحي وكلٍّ من1

الثَّلَاثَة الْعُمُوم وَالْخُصُوص الْمُطلق فَهُوَ أخصها فَهَذِهِ سِتّ نسب قَالَ سَيِّدي علىّ الأُجْهُوري1: إِذا نَسَبَا لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ دُمْتَهَا ... بِوَجْهٍ لَهُ عَقْلُ اللبِيْبِ يُوالِفُ فَشُكْرٌ لِذِيْ عُرْفٍ أَخَصُّ جَمِيْعُها ... وَفِي لُغَةٍ لِلْحَمْدِ عُرْفاً يُرادِفُ عُمُوْمٌ لِوَجْهٍ فِي سِوَاهُنَّ نِسْبَةٌ ... فَذِي نِسَب سِتٌّ لِمنْ هُوَ عَارِفُ (لَا أبغي بِهِ بَدَلا) أَي [4/أ] لَا أطلب بِهِ عوضا بل لما تستحقه ذَاته تَعَالَى يُقَال بغيت الشَّيْء أبغيه بُغية بِالضَّمِّ وبغِية بِالْكَسْرِ وبُغَىً وبُغاءً بِالْمدِّ مَعَ الضَّم فيهمَا أَي: طلبته وَمِنْه ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ 2 وَقد يُقَال بغيته الشَّيْء أَي: طلبته لَهُ وَمِنْه ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ 3. وَبدل الشَّيْء عوضه.
وَجُمْلَة قَوْله (لَا أبغي بِهِ بَدَلا) فِي مَوضِع نصب إِمَّا على أَنه وصف لمصدر مَحْذُوف أَي حمداً لَا أبغي بِهِ بَدَلا، وَالضَّمِير للحمد، وَإِمَّا على الْحَال من فَاعل الْحَمد إِذْ هُوَ فِي معنى أَحْمد أَي أَحْمد الله حَالَة كوني لَا أبغي بِهِ بَدَلا، وَالضَّمِير على هَذَا إِمَّا للحمد، وَإِمَّا لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَي لَا أطلب بِاللَّه إِلَهًا آخر.

(حمداً) مَنْصُوب بِفعل مقدّر أَي أَحْمَده حمداً، لَا بِالْحَمْد الْمَذْكُور لفصله عَنهُ بالْخبر وَهُوَ أَجْنَبِي من الْحَمد أَي غير مَعْمُول لَهُ كَذَا قيل، وَالْمرَاد أَنه أَجْنَبِي من جِهَة المصدرية لَا من جِهَة كَونه مُبْتَدأ يَعْنِي أنّ عمل الْحَمد فِي حمداً من جِهَة أَنه مصدر بِحَسب الأَصْل، وَعَمله فِي (لله) 1 من جِهَة أَنه مُبْتَدأ فَيكون أَجْنَبِيّا من الْحَمد من جِهَة المصدرية الَّتِي يعْمل بهَا فِي حمداً، والفصل بالأجنبي وَلَو باعتبارٍ يمْنَع عمل الْمصدر.
(يبلّغ) أَي يُوصل يُقَال بلّغت الشَّيْء بِالتَّشْدِيدِ، وأبلغته أوصلته وَبِهِمَا قرئَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي﴾ 2 وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل نصب نعت [4/ ب] لـ (حمداً) . (من رضوانه) بِكَسْر الرَّاء وضمّها، وَبِهِمَا قرئَ فِي السَّبع3 حَيْثُمَا وَقع غير ثَانِي الْعُقُود4 بِمَعْنى الرضى ضد السخط يُقَال رَضِي الله عَنهُ وَعَلِيهِ رضى ورضواناً: أبعده الله عَن السخط.

و (الأملا) بِأَلف الْإِطْلَاق أَي الرَّجَاء يُقَال أملت الشَّيْء مخففا آمله بمدّ الْهمزَة كأكلته آكله، وأمّلته بِالتَّشْدِيدِ أؤمله أَي رجوته.
ثمَّ لما كَانَ شكر الوسائط1 فِي إِيصَال الْخيرَات مَأْمُورا بِهِ شرعا وَإِن كَانَ الْمُنعم الْحَقِيقِيّ هُوَ الله تَعَالَى ثلّث النَّاظِم بِالصَّلَاةِ على أكبر الوسائط بَين الْعباد ومعبودهم فِي إِيصَال كل خير، وَدفع كل ضير وَهُوَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَصَحبه الَّذين آووا الدّين ونصروه وَحَمَلُوهُ إِلَى الْأمة ونقلوه فَقَالَ عاطفاً على الْحَمد.
(ثمَّ الصَّلَاة) وَعطف ذَلِك بـ (ثمَّ) ليُفِيد التَّرْتِيب صَرِيحًا لِأَن حمد الله تَعَالَى أهم وأحق بالتقديم.
وَالصَّلَاة: النِّعْمَة المقرونة بالتعظيم، وأفرد المُصَنّف الصَّلَاة عَن السَّلَام مَعَ كَرَاهَة إِفْرَاد أَحدهمَا عَن الآخر إِمَّا لِأَنَّهُ سلم لفظا وَهُوَ كافٍ، أَو جَريا على مَذْهَب من لَا يرى كَرَاهَة الْإِفْرَاد.2

(على خير الورى) أَي أفضلهم بتفضيل من الله لَا بمزية وجدت فِيهِ؛ لِأَن المزية لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّة، والورى بِالْقصرِ: الْخلق، وَهَذِه الصّفة مُخْتَصَّة بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؛ وَلذَا اسْتغنى بهَا عَن التَّصْرِيح [5 أ] باسمه.
(وعَلى سَادَاتنَا) جمع سادة، وسَادَة جمع سيّد وَهُوَ من سَاد قومه وفاقهم فِي الشّرف، وعَلى هَذَا فسادات جمعُ الْجمع ثمَّ أبدل مِنْهُ قَوْله: (آله وَصَحبه الفضلا) والآل: أَصله (أَهْلٌ) بِدَلِيل قَوْلهم فِي تصغيره (أُهَيْلٍ) فأبدلت الْهمزَة من الْهَاء لقرب الْمخْرج ثمَّ أبدلت الْهمزَة الثَّانِيَة ألفا، وَلم تبدل الْهَاء من أول وهلة؛، لِأَنَّهُ لم يعْهَد ذَلِك فِي مَوضِع فيقاس هَذَا عَلَيْهِ.
وَقيل أَصله (أَوَلٌ) ? (جَمَلٍ) بِدَلِيل تصغيره على (أُوَيْلٍ) قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَالْأول مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ1، وَالثَّانِي مَذْهَب الْكسَائي2، وآلُ الرجل عشيرته وَأَتْبَاعه وَتَخْصِيص آله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببني هَاشم وَالْمطلب شَرْعِي لَا لغَوِيّ، والصَّحْب اسْم جمع

لصَاحب كرَكْبٍ ورَاكِبٍ وسَفْرٍ وسافرٍ1 وتَجْرٍ وتَاجِر، وَأما أَصْحَاب فَجمع.
والفضلاء جمع فَاضل على غير قِيَاس2 كشاعر وشعراء؛ لِأَن فَاعِلا يجمع على (فَعَلَةٍ) ككَاملٍ وكَمُلَةٍ أَو على (فُعَّلٍ) أَو (فُعَّالٍ) بِضَم الْفَاء تَشْدِيد الْعين ? (عُذَّلٍ) و (عُذَّالٍ) . وأصل الْفضل الزِّيَادَة فَمن زَاد على أحد بِشَيْء فقد فَضله بِهِ, وهم رَضِي الله عَنْهُم قد فضلوا سَائل الْأمة بِمَا خصهم الله بِهِ من صحبته ورؤيته والانتساب إِلَيْهِ واتباعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ [5/ب] وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ 3 وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَداً4 أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَباً مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيْفَهُ" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم5 أَي إِنْفَاق أحدهم مدّاً أَو نصف مدٍّ أفضل من إِنْفَاق غَيرهم مثل أُحُدٍ ذَهَباً.

ثمَّ إِنَّه رَحمَه الله تَعَالَى بيّن الْغَرَض الدَّاعِي لَهُ إِلَى هَذَا النّظم وَهُوَ الحثّ على علم التصريف الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى علم اللُّغَة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى فهم كتاب الله تَعَالَى وَسنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (وَبعد) 1: هُوَ ظرف مَبْنِيّ على الضَّم لحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ ونيّة مَعْنَاهُ، وَهَذِه الْكَلِمَة يطْلب الإِتيان بهَا عِنْد الِانْتِقَال من غَرَض إِلَى آخر لَكِن الْوَارِد فِي السّنة (أمّا بعد) فالواو نائبة عَن (أمّا) ، وَهِي نائبة عَن (مهما) ؛ وَلذَا لَزِمت الْفَاء بعْدهَا، وَلَا أحسن قَول بَعضهم2: وَمَا وَاو لَهَا شَرط يَلِيهِ ... جَوَاب قرنه بِالْفَاءِ حتما هِيَ الْوَاو الَّتِي قرنت ببعد ... وأمّا أَصْلهَا وَالْأَصْل مهما (فالفعل من يحكم تصرفه يحز من اللُّغَة الْأَبْوَاب والسبلا) وَالْمرَاد بِالْفِعْلِ هُنَا الْفِعْل الصناعي من مضارع وماضٍ وَأمر مَعَ مَا يشْتَمل على حُرُوف الْفِعْل وَمَعْنَاهُ من مصدر واسمي فَاعل ومفعول واسمي زمَان وَمَكَان [6/أ] وَمَا يلْتَحق بهَا؛ وَذَلِكَ لِأَن علم التصريف يبْحَث فِيهِ عَن أَحْوَال بنية الْكَلم، والكَلِمُ اسْم وَفعل وحرف، وَلَا حَظّ للحرف فِي علم التصريف، وَكَذَا الْأَسْمَاء المبنية وَالْأَفْعَال الجامدة؛ لقوّة شبهها بالحروف، لِأَنَّهَا لَا تقبل

التَّغْيِير فَصَارَ علم التصريف مختصّاً بِالْأَصَالَةِ بالأفعال المتصّرفة والأسماء المتمكنة، وَهُوَ فِي الْفِعْل أصل لِكَثْرَة تغيّره بِظُهُور الِاشْتِقَاق فِيهِ، والناظم رَحمَه الله تَعَالَى خص هَذِه الْمَنْظُومَة بِالْفِعْلِ لما ذكره من أَن إحكامه مِفْتَاح علم الْعَرَبيَّة أَي اللُّغَة، وَالْفِعْل مجرّداً كَانَ أَو مزيداً فِيهِ ثَلَاثَة أَقسَام: ماضٍ ومضارع وَأمر، ولابدّ لكل فعل من مصدر وَمن فَاعل، فَإِن كَانَ متعدّياً فلابدّ لَهُ من مفعول بِهِ وَقد يحذف الْفَاعِل ويقام الْمَفْعُول بِهِ مقَامه فَيحْتَاج إِلَى تَغْيِير صِيغَة الْفِعْل لَهُ’ ولابدّ أَيْضا لوُقُوع الْفِعْل من زمَان وَمَكَان، وَقد تكون للْفِعْل آلَة يفعل بهَا، فانحصرت أَبْوَاب هَذِه الْمَنْظُومَة فِيمَا ذكر من بَاب الْفِعْل المجرّد وتصاريفه وَبَاب أبنية الْفِعْل الْمَزِيد فِيهِ كَذَلِك وَبَاب الْمُضَارع وَالْأَمر وَمَا لم يسمّ فَاعله وَبَاب أبنية أَسمَاء الفاعلين والمفعولين من المجرّد والمزيد فِيهِ وَبَاب أبنية المصادر مجرّدة ومزيداً فِيهَا وَبَاب أَسمَاء الزَّمَان [6/ب] وَالْمَكَان وَمَا يلْحق بهما من الْآلَة وَغَيرهَا وإحكام الشَّيْء إتقانه وَضَبطه، وَالتَّصَرُّف التقلب وَتصرف الشَّيْء تقلبه من حَال إِلَى حَال.
وَعلم التصريف فِي الِاصْطِلَاح مَا سبق.
وَقَوله (يحز) بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي يضم وَيجمع يُقَال: حَاز الشَّيْء يحوزه ضمه، وَالْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط، وَقَوله (من اللُّغَة) مُتَعَلق بـ (يحز) . وَمعنى (اللُّغَة) فِي اللُّغَة: اللهج والإسراع.
وَفِي الِاصْطِلَاح: أَلْفَاظ مَخْصُوصَة مَوْضُوعَة لمعان مَخْصُوصَة.
هَذَا مَا اشْتهر، وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين1 اللُّغَة فِي الِاصْطِلَاح اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ لَا نفس الْأَلْفَاظ؛ وَيدل لَهُ2 قَوْلنَا لُغَة تَمِيم إهمال (مَا) أَي استعمالهم.

وَقَوله (الْأَبْوَاب) : مفعول (يحز) جمع بَاب، وَبَاب الشَّيْء مَا يدْخل مِنْهُ، والسبل جمع سَبِيل بِمَعْنى الطَّرِيق يذكّر كلّ مِنْهُمَا ويؤنّث، وَالْمرَاد بالأبواب والسبل قَوَاعِد اللُّغَة؛ لِأَنَّهُ يتَوَصَّل بِمَا ذكر إِلَى معرفَة الجزئيات كَمَا سَيَقُولُ النَّاظِم، وَالْمعْنَى أَن من أتقن علم التصريف حَاز الطّرق الموصلة إِلَى فهم اللُّغَة.
وَاعْلَم أَن النَّاس فِي ذَلِك ثلاثةُ أَصْنَاف: صنف عرف الْأَبْنِيَة والأوزان كَأَن يعلم مثلا أَن مضارع فَعُلَ المضموم مضموم ككَرُمَ يكْرمُ، وأَن قِيَاس اسْم الْفَاعِل مِنْهُ على فَعلٍ وفَعِيلٍ كسهْلِ وظَرِيْفٍ [7/أ] وَقِيَاس مصدره الفَعَالَةُ والفُعُوْلَةُ كالشَّجَاعَةِ والسُّهُوْلَةِ فَهَذَا تصريفي فَقَط إِلَّا أَنه مفتقر إِلَى علم اللُّغَة الْفَارِق لَهُ بِالنَّقْلِ عَنْهُم بَين فَعُلَ بِالضَّمِّ وفَعِلَ بِالْكَسْرِ وفَعَلَ بِالْفَتْح، وصنف ثانٍ أَشرف على مواد اللُّغَة بِالنَّقْلِ والمطالعة، وَلَا يعرف الموازين والأقيسة الَّتِي يُردّ بهَا كل نوع إِلَى نَوعه فَهَذَا لغَوِيّ فَقَط لم يذقْ حلاوة علم اللُّغَة، وصنف ثَالِث عرف الموازين والأقيسة أوّلاً، ثمَّ تتبَّع موادَّ اللُّغَة نقلا فَهَذَا هُوَ المتقن الَّذِي أحكم علم التصريف وَحَازَ سبل اللُّغَة وَهُوَ مُرَاد النَّاظِم رَحمَه الله.
ثمَّ لمّا قويت دَاعِيَة السَّامع وتوفرت رغبته قَالَ من لي بِذَاكَ فَقَالَ: (فَهَاكَ) (هَا) : اسْم فعل أَمر بِمَعْنى خُذ، وَالْكَاف حرف خطاب تتصرف تصرّف الْكَاف الاسمية فَيُقَال هاكَ بِالْفَتْح للمذكر وبكسرها للمؤنث، وهاكما للمثنى،1

وهاكم وهاكنَّ، وَقد تبدل همزَة1 فتتصرف تصرفها فَيُقَال هَاء بِالْفَتْح للمذكر وبالكسر للمؤنث وهاؤما وهاؤم وهاؤنّ، وعَلى هَذِه اللُّغَة جَاءَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ﴾ 2 أَي هاكم.
(نظماً محيطاً بالمهم) نظْم الشيءِ تأليفه وَجمعه على وَجه مَخْصُوص وَمِنْه نظم الشّعْر يُقَال نَظَمَهُ يَنْظِمُهُ كضَرَبَهُ يَضْرِبُهُ نَظْماً ونِظاماً أَي جمعه [7/ب] وألَّفه، والإِحاطة بالشَّيْء إِدْرَاكه من جَمِيع جهاته وَمِنْه الْحَائِط.
والمُهِمُّ: الْأَمر الَّذِي يُهمُّك شأنُه، وَالْمرَاد بالمُهِمِّ هُنَا الْقَوَاعِد الْكُلية.
ثمَّ استشعر المُصَنّف سؤالاً من السَّامع تَقْدِيره: قد وصفت نظمك بِأَنَّهُ مُحِيط بالمهم فَقَط وَلَا يتم الْغَرَض إِلَّا بفهم الجزئيات فَأَجَابَهُ بقوله: (وَقد يحوي التفاصيل من يستحضر الجُمَلا) التفاصيل: الْأُمُور الْجُزْئِيَّة كمعرفة أَفْرَاد اللُّغَة مثلا، والجُمل3: الْأُمُور الْكُلية كمعرفة الْأَبْنِيَة والأقيسة، وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْمَنْظُومَة قد احتوت على المهم من علم اللُّغَة وَهُوَ الْأَبْنِيَة والأقيسة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى حفظ أفرادها وردّ كل نوع مِنْهَا إِلَى أَصله وَذَلِكَ مِمَّا يَدْعُو الطَّالِب إِلَى حصر الْموَاد واستقرائها.

جارٍ التحميل