المقدمة
بداية العابد وكفاية الزهد
الجزء: 1 - الصفحة: 1
بداية العابد وكفاية الزهد
للعلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي (ت: 1192 هـ)
تحقيق د. أنس بن عادل بن خليفة اليتامى د. عبد العزيز بن عدنان العيدان
الجزء: 1 - الصفحة: 3
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إنَّ الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإنه لما كان «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وكان طلب العلم فريضة في الجملة، ويحتاج إليه كل مسلم، اجتهد علماء كل فنٍّ بتذليل ذلك الفن على طالبيه، وتسهيل فهمه لراغبيه، وكتابة مسائله في مختصرات ومتوسطات ومطولات، ليتمكن السالك في ذلك الفن من الارتقاء، ابتداء بأوائل ذلك العلم، وحتى بلوغ نهمته منه.
وإن من ذلك، ما ألفه العلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي في مختصره المنيف: (بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ)، حيث جعله متنًا مختصرًا، ورتبه ترتيبًا بديعًا، واقتصر فيه على أبواب العبادات،
الجزء: 1 - الصفحة: 5
ليكون أول درجة يرتقيها طالب العلم في فقه الحنابلة، ليتوصل بعد دراسته إلى ما هو فوقه من المتون.
ولما كان هذا المختصر مختصرًا مفيدًا، صالحًا لأن يكون بداية للعابد، ولم يكن له شرح مطبوع سوى ما سطره مؤلفه -وهو شرح مختصر للغاية-، استعنا الله تعالى بوضع شرح عليه وسميناه: (مُنْيَةَ السَّاجِدِ فِي شَرْحِ بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ).
ثم رأينا بعد ذلك: أن هذا المختصر بحاجة إلى أن يكون بين يدي المبتدئ بأسلوبٍ ميسرٍ يُسهل عليه التعرف على أمهات المسائل، وفروعها الملحقة بها، والأنواع والتقاسيم الواردة عليها، فقمنا بالعناية بمخطوطه - كما سيتضح لك - وصغناه صياغة تتوافق مع ما تقدم ذكره، والله الموفق والهادي إلى سبيل العلم والرشاد.
ولا يخفى أن ثَمَّ مواطن في مثل هذا العمل خاصة تختلف فيها أنظار النظار، إلا أن ذلك لا يُغلق باب تسهيل العلم على المتفقهين، وتقريبه للطالبين، ولا يزال هذا التسهيل والتقريب محل اهتمام المؤلفين والعلماء المصلحين، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان.
والحمد لله رب العالمين
المحققان
الجزء: 1 - الصفحة: 6
ترجمة المؤلف
(1)
اسمه ونسبه
: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمد الحنبلي البعلي الدمشقي الحنبلي.1
الجزء: 1 - الصفحة: 7
قال الزركلي: وُلد أحد جدوده في بعلبكّ فعُرِف بالبعلي، مولده وشهرته في دمشق، ووفاته في حلب.
مولده ونشأته
:
ولد في ضحوة يوم الأحد، الثاني عشر من جمادي الأولى، سنة عشرة ومائة وألف (1110 هـ).
ثم لما بَلَغ سنَّ التمييز قرأ القرآن حتى ختمه على والده في مدة يسيرة.
ثم شرع في الاشتغال بطلب العلم في سنة عشرين، فقرأ على الشيخ عواد الحنبلي النابلسي في بعض مقدمات النحو والفقه، واشتغل عليه بالقراءة بعد ذلك نحوًا من عشرين سنة، وهو أول من أخذ عنه العلم.
ولما توفي والده في سنة اثنين وعشرين (1122 هـ)، لازم دروس الشيخ أبي المواهب الحنبلي في الفقه والحديث نحو خمس سنين، ودروس الشيخ عبد القادر التغلبي في
الجزء: 1 - الصفحة: 8
الحديث والفقه والنحو والفرائض والحساب والأصول وغير ذلك مدة خمسة عشر سنة، وأجازه إجازة عامة.
ثم لازم حفيده العلامة الشيخ محمد المواهبي نحو تسع سنين في الحديث والفقه أيضاً، وأجازه.
وحضر دروس الشيخ عبد الغني النابلسي في تفسير البيضاوي، وفي الفقه والعربية وغير ذلك، ولازمه نحو ثمان سنين، وأجازه إجازة عامة بخطه.
ولازم دروس كثير من مشايخ عصره غير هؤلاء المذكورين، منهم الإمام الشيخ محمد الكاملي، والعلامة الشيخ إلياس الكردي، والشيخ إسماعيل العجلوني، والشيخ محمد الحبال، والشيخ أحمد المنيني، والشيخ علي كزبر، وغيرهم.
وأخذ الفرائض والحساب عن الشيخ مصطفى النابلسي.
وحفظ القرآن على الحافظ المقري المتقن الشيخ إبراهيم الدمشقي.
ثم بعد أن ارتحل إلى حلب وذلك في سنة أربع وأربعين أخذ عن جماعة من أجلالها، وممن ورد إليها، فسمع الحديث المسلسل بالأولية، وأكثر صحيح الإمام البخاري من المحدث العلامة الشيخ محمد عقيلة المكي.
الجزء: 1 - الصفحة: 9
وقرأ جملة من المنطق والأصول على الشيخ صالح البصري، وطرفاً من الأصول أيضًا والتوحيد والنحو والمعاني والبيان على الشيخ محمد الحلبي المعروف بالزمار.
وحضر دروسه كثيرًا في صحيح البخاري، وأخذ العروض والاستعارات عن الفاضل الشيخ قاسم البكرجي، وأشياخه كثيرون لا يحصون عدة.
وكان بحلب مستقيمًا ساكنًا فاضلًا، وله أناس يبرونه، قائمين بمعاشه، وما يحتاج إليه، واستقام بها إلى أن مات.
مشايخه
: ذكر البعلي في ثبته (منار الإسعاد) مشايخه الذين أخذ عنهم، فقال: (هذا ثبت جمع فيه جملة ممن تشرفت برؤيتهم، ولحظتني السعادة بأنفاسهم وبركاتهم، من مشايخي الأئمة الأعلام، وهداة الأنام، عمدة علماء التحقيق، وزبدة رؤساء التدقيق، الذين جعلهم الله تعالى لطلب علوم الشريعة المطهرة أوضح منهاج، ولجِيد هذا القرن الثاني عشر ورأسه أشرف عِقد وأعظم تاج)، ثم قال: (قد اجتمع لي بحمد الله تعالى من المشايخ عدة أفراد محققين، وجهابذة مدققين)، وأخذ في سردهم بأسمائهم وألقابهم، ومن هؤلاء:
الجزء: 1 - الصفحة: 10
1 - الشيخ الإمام محمد أبو المواهب الحنبلي، مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشام.
2 - الشيخ العلامة عبد القادر بن عمر التغلبي، صاحب كتاب: (نيل المآرب بشرح دليل الطالب).
3 - الشيخ عبد الله بن الشيخ أحمد بن محمد الحنبلي، الشهير بالخطيب
4 - الشيخ عبد الغني النابلسي.
وذكر آخرين من علماء دمشق وغيرهم، ممن أخذ عنهم ولازمهم واستجازهم، حتى ذكر (36) من العلماء، رحمهم الله جميعًا.
ثناء العلماء عليه
:
أثنى عليه جملة من العلماء الذين ترجموا له، فمن ذلك:
قال أبو الفضل المرادي (1206 هـ): (الشيخ العالم الفاضل الصالح كان فقيهاً بارعاً بالعلوم خصوصاً في القراآت وغيرها).
وقال ابن بدران (1346 هـ): (وكان فقيهًا متفننًا أديبًا شاعرًا).
وقال عبد الحي الكتاني (1382 هـ): (الشيخ العالم الصالح المقري المسند).
وقال الغزي: (عظم أمره، وارتفع قدره، واشتهر ذكره، وغلا سعره).
الجزء: 1 - الصفحة: 11
وقال ابن شطي (1379 هـ): (الإمام العالم العامل، الأديب البارع، الفقيه المقرئ، المفنن الأوحد).
مؤلفاته
:
له مصنفات كثيرة متنوعة، مطبوعة ومخطوطة ومفقودة، فمن ذلك:
1 - منار الإسعاد في طرق الإسناد 2.
2 - مختصر الجامع الصغير للسيوطي، وسماه: (نور الأخبار وروض الأبرار في حديث النبي المصطفى المختار) 3.
3 - شرح مختصر الجامع الصغير، وسماه: (فتح الستار وكشف الأستار).
4 - النور الوامض في علم الفرائض.
5 - الجامع لخطب الجوامع، ومختصره المسمى: النور اللامع
الجزء: 1 - الصفحة: 12
في خطب الجوامع.
6 - رحلة، قال في ثبته منار الإسعاد: (ذكرت فيها ما شاهدته في سياحتي من عجائب البر والبحر).
7 - كشف المخدرات في شرح أخصر المختصرات 4.
8 - ديوان شعر، قال المرادي: (وله ديوان رائق محتو على رقائق).
9 - مجنى الثمرات، وقد ذكر في ثبته أنه مختصر لشرحه كشف المخدرات.
10 - بلوغ القاصد جل المقاصد 5.
11 - الدرة المضية في اختصار الرحبية، وهي منظومة.
12 - نظم الآجرومية.
13 - الرسالة الحلبية في اختصار الآجرومية، وشرحها: القطع الذهبية.
الجزء: 1 - الصفحة: 13
14 - بداية العابد وكفاية الزاهد (1)، وهو كتابنا هذا.
وفاته
: كانت وفاته بحلب، سنة اثنين وتسعين ومائة وألف (1192 هـ)، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.6
الجزء: 1 - الصفحة: 14
منهج التحقيق
1 - اعتمدنا نسخة واحدة، وهي النسخة المكتوبة بخط المؤلف مع الشرح، واستعنا - عند الحاجة - بالنسخة المطبوعة.
2 - قمنا بتوثيق الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث تخريجًا مختصرًا يتناسب مع المختصر.
3 - ضبطنا كلمات المتن كلها، معتمدين في ذلك على كتب اللغة والمعاجم.
4 - شرحنا الكلمات التي نرى أنها بحاجة إلى شرح من مصادرها المعتمدة، واعتمدنا غالباً على ما ذكره محمد بن أبي الفتح البعلي (ت: 709 هـ)، صاحب كتاب: (المطلع على ألفاظ المقنع)؛ لكونه إماماً في اللغة وفقه الحنابلة، وإلا فغيره من كتب اللغة والمعاجم والغريب.
5 - قمنا بترتيب مسائل الكتاب، بحيث يُسهِّل على القارئ معرفة المسائل وفروعها وأقسامها، وذلك على النحو التالي:
- جعلنا لكل مسألة منفصلة علامة قبلها وهي: (*).
- إذا كانت المسألة تحتها فروع؛ جعلنا كل فرع في سطر تحت المسألة الأم، وجعلنا أمام هذا الفرع علامة (-).
الجزء: 1 - الصفحة: 15
- إذا كانت المسألة تحتها أنواع أو شروط أو أركانه أو نحو ذلك؛ جعلنا أمام كل نوع أو نحوه رقمًا بين معكوفتين، هكذا: [1].
- إذا ساق المؤلف جملة من المسائل، ثم ذكر بعد هذه المسائل حكمها جميعًا: وضعنا كل مسألة في سطر، ووضعنا أمام كل مسألة علامة (-)، على ما تقدم بيانه، ثم جعلنا الحكم المذكور في سطر دون أن تكون أمامه أي علامة؛ ليدل على أن هذا الحكم راجع لجميع المسائل السابقة.
6 - ترجمنا للمؤلف من مصادر ترجمته، وعرَّفنا بالكتاب في مقدمة التحقيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 16
وصف النسخة المعتمدة
اعتمدنا في تحقيق هذا المختصر المبارك على نسخة خطية فريدة لكتاب (بلوغ القاصد جل المقاصد لشرح بداية العابد وكفاية الزاهد)، وهو شرحٌ لطيف مختصر لمؤلف المتن.
وهي نسخة مصورة من المكتبة الظاهرية، ورقمها (33791)، وتقع في (63 ورقة)، وعدد أسطر في الورقة (15 سطرًا)، وقد كتبت بخط النسخ المعتاد.
وقد اقتصرنا على هذه النسخة في التحقيق لأسباب:
1 - أنها نسخة سطَّرها المؤلف بيده، فقال في نهايتها: (قال ذلك بفمه، وكتبه بقلمه العبد المفتقر إلى فضل المنان، أبو عبد الله، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمد، الحنبلي، الخلوتي، ثم القادري، الدمشقي، ثم الحلبي، عفا الله عنه، وعن والديه، وعن مشايخه، وعن أخواله، ولمن دعا له بحسن الختام، والحمد لله على التمام، والصلاة والسلام على خير الأنام).
وهذا النوع من النسخ هو أعلى أنواع النسخ الخطية، وحين يقف عليها محقق كتاب يكتفي بها عن سائر النسخ - غالبًا -، كما هو معلوم في مناهج التحقيق الحديثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 17
2 - أنها نسخة كاملة، وواضحة، ومتقنة للغاية، حتى قام مؤلفها بمقابلتها وتحريرها مرة أخرى مما يدل على العناية بها، فكتب في آخرها على الهامش: (بلغ مقابلة وتحريرًا).
3 - أنها نسخة متأخرة النسخ، قال المؤلف في آخرها: (وفرغت من تسويده نهار الثلاثاء، عشر من شهر الله المحرم الحرام، افتتاح شهور سنة إحدى وسبعين ومائة وألف (1171 هـ)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
وللمتن نسخة خطية، كتبها: عبد الرحمن بن عثمان آل جلاجل، نقلها عن خط المؤلف، إلا أن النسخة التي بأيدينا تغني عنها لكونها بخط المؤلف، فلا حاجة بعد ذلك إلى غيرها من النسخ، خصوصًا أن النسخة التي اعتمدناها متأخرة عن الأخرى، حيث ذُكر أن نسخة آل جلاجل فَرغ مؤلفها من نسخها سنة تسع وخمسين ومائة وألف (1159 هـ)، فالفرق بينهما قريبًا من اثني عشر سنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 18
نماذج النسخ الخطية
الجزء: 1 - الصفحة: 19
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحَمْدُ لله الَّذِي فَقَّهَ فِي الدِّينِ مَنْ شَاءَ مِنَ العِبَادِ، وَوَفَّقَ أَهْلَ طَاعَتِهِ لِلْعِبَادَةِ وَالسَّدَادِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الهَادِي إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ السَّادَةِ القَادَةِ الأَمْجَادِ، وَعَلَى تَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ؛ صَلَاةً دَائِمَةً مُتَّصِلَةً إِلَى يَوْمِ المَعَادِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ مُخْتَصَرٍ مُفِيدٍ، مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى العِبَادَاتِ؛ تَرْغِيبًا لِلمُرِيدِ، وَتَقْرِيبًا لِلمُسْتَفِيدِ، فِي فِقْهِ الإِمَامِ المُبَجَّلِ، أَبِي عَبْدِالله أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَسَمَّيْتُهُ: «بِدَايَةَ العَابِدِ وَكِفَايَةَ الزَّاهِدِ»، وَمِنَ الله تَعَالَى أَرْتَجِي لَهُ القَبُولَ، وَالنَّفْعَ لِكُلِّ مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ؛ مِنْ سَائِلٍ وَمَسْؤُولٍ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَأْمُولٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 21