بداية المجتهد ونهاية المقتصدصفحات 33-72
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْأَحْرَارُ الْمَالِكُونَ لِأَمْرِ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ رِضَاهُمْ وَقَبُولِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجْبُرُ الْعَبْدَ عَلَى النِّكَاحِ سَيِّدُهُ، وَالْوَصِيُّ مَحْجُورَهُ الْبَالِغَ؟ أَمْ لَيْسَ يُجْبِرُهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْبِرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبِرُهُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِ السَّيِّدِ؟ أَمْ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِهِ؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي جَبْرِ الْوَصِيِّ مَحْجُورَهُ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ النِّكَاحُ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْمَنْظُورِ لَهُ؟ أَمْ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْمَلَاذُّ؟ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ اللَّاتِي يُعْتَبَرُ رِضَاهُنَّ فِي النِّكَاحِ فَاتَّفَقُوا عَلَى اعْتِبَارِ رِضَا الثَّيِّبِ الْبَالِغِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَالثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ وَفِي الثَّيِّبِ الْغَيْرِ الْبَالِغِ مَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ مِنْهَا الْفَسَادُ؛ فَأَمَّا الْبِكْرُ الْبَالِغُ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لِلْأَبِ فَقَطْ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْبِكْرِ الْمُعَنَّسَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذَا لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا» . وَقَوْلِهِ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ بِخِلَافِ الْيَتِيمَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورِ: «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ» - يُوجِبُ بِعُمُومِهِ اسْتِئْمَارَ كُلِّ بَكْرٍ، وَالْعُمُومُ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ، مَعَ أَنَّهُ خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ زِيَادَةً، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ.
وَأَمَّا الثَّيِّبُ الْغَيْرُ الْبَالِغِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: يُجْبِرُهَا الْأَبُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبِرُهَا.
وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: إِنَّ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّ الْأَبَ يُجْبِرُهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ بَعْدَ

الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يُجْبِرُهَا وَإِنْ بَلَغَتْ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ.
وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يُجْبِرُهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ.
وَالَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَهْلُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ كَابْنِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا» ، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ لَا تُسْتَأْمَرُ إِلَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ اسْتِئْمَارِ الثَّيِّبِ الْبَالِغِ.
وَعُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» يَتَنَاوَلُ الْبَالِغَ وَغَيْرَ الْبَالِغِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» - يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَلِاخْتِلَافِهِمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْقِيَاسِ مِنْ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ الْبِكْرَ غَيْرَ الْبَالِغِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْبِرُ الثَّيِّبَ الْبَالِغَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا قُلْنَا - اخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ الْإِجْبَارِ هَلْ هُوَ الْبَكَارَةُ؟ أَوِ الصِّغَرُ؟ فَمَنْ قَالَ: الصِّغَرُ - قَالَ: لَا تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ.
وَمَنْ قَالَ: الْبَكَارَةُ - قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرَ الْبَالِغُ، وَلَا تُجْبَرُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ.
وَمَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْإِجْبَارَ إِذَا انْفَرَدَ - قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ وَالثَّيِّبُ الْغَيْرُ الْبَالِغِ.
وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ تَعْلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّالِثُ تَعْلِيلُ مَالِكٍ.
وَالْأُصُولُ أَكْثَرُ شَهَادَةً لِتَعْلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الثُّيُوبَةِ الَّتِي تَرْفَعُ الْإِجْبَارَ وَتُوجِبُ النُّطْقَ بِالرِّضَا أَوِ الرَّدَّ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا الثُّيُوبَةُ الَّتِي تَكُونُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِزِنًى وَلَا بِغَصْبٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كَلُّ ثُيُوبَةٍ تَرْفَعُ الْإِجْبَارِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» - بِالثُّيُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ؟ أَمْ بِالثُّيُوبَةِ اللُّغَوِيَّةِ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْبِكْرَ وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا؛ لِمَا ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِنْتَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَبَنَى بِهَا بِنْتَ تِسْعٍ بِإِنْكَاحِ أَبِي بَكْرٍ أَبِيهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» إِلَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْخِلَافِ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ غَيْرُ الْأَبِ؟ فَأَمَّا هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهَا الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَالْأَبُ فَقَطْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا الْأَبُ فَقَطْ، أَوْ مَنْ جَعَلَ الْأَبُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا عَيَّنَ الزَّوْجَ إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا الضَّيْعَةُ وَالْفَسَادُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ كُلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ مِنْ أَبٍ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ.
وَسَبَبُ

اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» - يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ بَكْرٍ، إِلَّا ذَاتَ الْأَبِ الَّتِي خَصَّصَهَا الْإِجْمَاعُ، إِلَّا الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَكَوْنُ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ مَعْلُومًا مِنْهُمُ النَّظَرُ وَالْمَصْلَحَةُ لِوَلِيَّتِهِمْ يُوجِبُ أَنْ يُلْحَقُوا بِالْأَبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ جَمِيعَ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ الْجَدَّ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَبِ؛ إِذْ كَانَ أَبًا أَعْلَى، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ.
وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ رَأَى أَنَّ مَا لِلْأَبِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ لِغَيْرِهِ ; إِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشَّرْعَ خَصَّهُ بِذَلِكَ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا يُوجَدَ فِيهِ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يُوجَدَ فِي غَيْرِهِ.
وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ ضَرُورَةٌ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِجَوَازِ إِنْكَاحِ الصِّغَارِ غَيْرُ الْآبَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] قَالَ: وَالْيَتِيمُ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى غَيْرِ الْبَالِغَةِ.
وَالْفَرِيقُ الثَّانِي قَالُوا أَنَّ اسْمَ الْيَتِيمِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى بَالِغَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ» ، وَالْمُسْتَأْمَرَةُ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَهِيَ الْبَالِغَةُ، فَيَكُونُ لِاخْتِلَافِهِمْ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ اشْتِرَاكُ اسْمِ الْيَتِيمِ.
وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ لَمْ يُجِزْ نِكَاحَ غَيْرِ الْأَبِ لَهَا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا» . قَالُوا: وَالصَّغِيرَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِئْمَارِ بِاتِّفَاقٍ، فَوَجَبَ الْمَنْعُ.
وَلِأُولَئِكَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذَا حُكْمُ الْيَتِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِئْمَارِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهَا.
وَأَمَّا: هَلْ يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ غَيْرُ الْأَبِ الصَّغِيرَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا أَجَازَهُ لِلْوَصِيِّ، وَأَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَهُ لِلْأَوْلِيَاءِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ الْخِيَارَ لَهُ إِذَا بَلَغَ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ إِنْكَاحُهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ قِيَاسُ غَيْرِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمَوْجُودَ فِيهِ الَّذِي جَازَ لِلْأَبِ بِهِ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَ مِنْ وَلَدِهِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْأَبِ - لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ أَجَازَ ذَلِكَ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ فِي ذَلِكَ وَالصَّغِيرَةِ فَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ إِذَا بَلَغَ وَلَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمَا الْخِيَارَ إِذَا بَلَغَا.

[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ هَلْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْخِيَارِ]

وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ، وَهُوَ هَلْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْخِيَارِ؟ - فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَجُوزُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ النِّكَاحِ بَيْنَ الْبُيُوعِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ، وَالْبُيُوعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ.
أَوْ نَقُولُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ لَا خِيَارَ إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ، وَعَلَى الْمُثْبِتِ لِلْخِيَارِ الدَّلِيلُ.
أَوْ نَقُولُ: إِنَّ أَصْلَ مَنْعِ الْخِيَارِ فِي الْبُيُوعِ هُوَ الْغَرَرُ، وَالْأَنْكِحَةُ لَا غَرَرَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْمُكَارَمَةُ لَا الْمُكَايَسَةُ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْخِيَارِ وَالرُّؤْيَةِ فِي النِّكَاحِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْبُيُوعِ.

[الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ تَرَاخِي الْقَبُولِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَنِ عَقْدِ النكاح]

وَأَمَّا تَرَاخِي الْقَبُولِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَنِ الْعَقْدِ، فَأَجَازَ مَالِكٌ مِنْ

ذَلِكَ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُنْكِحَ الْوَلِيُّ امْرَأَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَيَبْلُغَهَا النِّكَاحُ فَتُجِيزَهُ.
وَمِمَّنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا الشَّافِعِيُّ، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ لِمَالِكٍ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ وُجُودُ الْقَبُولِ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعًا؟ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ عَرَضَ فِي الْبَيْعِ.

[الرُّكْنُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ عَقْدِ النكاح]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْأَوْلِيَاءِ]

[الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ]

الرُّكْنُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْعَقْدِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْلِيَاءِ.
الثَّانِي: فِي الشُّهُودِ.
الثَّالِثُ: فِي الصَّدَاقِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْلِيَاءِ وَالنَّظَرُ فِي الْأَوْلِيَاءِ فِي مَوَاضِعَ أَرْبَعَةٍ: الْأَوَّلُ: فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ.

الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الْوَلِيِّ.

الثَّالِثُ: فِي أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ، وَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْوِلَايَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
الرَّابِعُ: فِي عَضْلِ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَلُونَهُمْ، وَحُكْمِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى عَلَيْهِ.
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلِ الْوِلَايَةُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ؟ أَمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ النِّكَاحُ إِلَّا بِوَلِيٍّ، وَأَنَّهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ: إِذَا عَقَدَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَكَانَ كُفُؤًا - جَازَ.
وَفَرَّقَ دَاوُدُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الثَّيِّبِ.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوِلَايَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ أَنَّ اشْتِرَاطَهَا سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْمِيرَاثَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ غَيْرِ الشَّرِيفَةِ أَنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ عَلَى إِنْكَاحِهَا، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُقَدِّمَ الثَّيِّبُ وَلَيَّهَا لِيَعْقِدَ عَلَيْهَا، فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ لَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، أَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَا مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ آيَةٌ وَلَا سُنَّةٌ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ، بَلِ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِاحْتِجَاجِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهَا هِيَ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يَشْتَرِطُ إِسْقَاطَهَا هِيَ أَيْضًا مُحْتَمَلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَحَادِيثُ مَعَ

كَوْنِهَا مُحْتَمَلَةً فِي أَلْفَاظِهَا مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا إِلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْقِطُ لَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
وَنَحْنُ نُورِدُ مَشْهُورَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ، وَنُبَيِّنُ وَجْهَ الِاحْتِمَالِ فِي ذَلِكَ؛ فَمِنْ أَظْهَرِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ مَنِ اشْتَرَطَ الْوِلَايَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] قَالُوا: وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْوِلَايَةِ لَمَا نُهُوا عَنِ الْعَضْلِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] قَالُوا: وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا احْتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234] . قَالُوا: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا.
قَالُوا: وَقَدْ أَضَافَ إِلَيْهِنَّ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الْفِعْلَ، فَقَالَ: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] ، وَقَالَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» . وَبِهَذَا الْحَدِيثِ احْتَجَّ دَاوُدُ فِي الْفَرْقِ عِنْدَهُ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
فَهَذَا مَشْهُورُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ مِنَ السَّمَاعِ.
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232]- فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَهْيِ قَرَابَةِ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتِهَا مِنْ أَنْ يَمْنَعُوهَا النِّكَاحَ، وَلَيْسَ نَهْيُهُمْ عَنِ الْعَضْلِ مِمَّا يُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ إِذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، أَعْنِي: بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ أَدِلَّةِ الْخِطَابِ الظَّاهِرَةِ أَوِ النَّصِّ، بَلْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ ضِدُّ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى مَنْ يَلُونَهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] هُوَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَوْ لِأُولِي الْأَمْرِ.
فَمَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي خِطَابِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا عَامٌّ، وَالْعَامُّ يَشْمَلُ ذَوِي الْأَمْرِ وَالْأَوْلِيَاءَ - قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ بِالْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ

بِالشَّرْعِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَوْنُ الْوَلِيِّ مَأْمُورًا بِالْمَنْعِ بِالشَّرْعِ لَا يُوجِبُ لَهُ وِلَايَةً خَاصَّةً فِي الْإِذْنِ، أَصْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ.
وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ إِذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ لَكَانَ مُجْمَلًا لَا يَصِحُّ بِهِ عَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا صِفَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَلَوْ كَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ شَرْعٌ مَعْرُوفٌ لَنُقِلَ تَوَاتُرًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَعْقِدُ أَنْكِحَتَهُمْ، وَلَا يُنَصِّبُ لِذَلِكَ مَنْ يَعْقِدُهَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الْوِلَايَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَا لَا يُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا اشْتِرَاطُ إِذْنِ الْوَلِيِّ لِمَنْ لَهَا وَلِيٌّ، أَعْنِي: الْمَوْلَى عَلَيْهَا.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةُ لَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا، أَعْنِي: أَنْ لَا تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَلِي الْعَقْدَ، بَلِ الْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ الْوَلِيُّ لَهَا جَازَ أَنْ تَعْقِدَ عَلَى نَفْسِهَا دُونَ أَنْ تَشْتَرِطَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ إِشْهَادَ الْوَلِيِّ مَعَهَا.
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]- فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ التَّثْرِيبِ عَلَيْهِنَّ فِيمَا اسْتَبْدَدْنَ بِفِعْلِهِ دُونَ أَوْلِيَائِهِنَّ، وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَبِدَّ بِهِ الْمَرْأَةُ دُونَ الْوَلِيِّ إِلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ، فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ لَهَا أَنْ تَعْقِدَ النِّكَاحَ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ الْفَسْخُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَنْ يُحْتَجَّ بِبَعْضِ ظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَلَا يُحْتَجَّ بِبَعْضِهَا - فِيهِ ضَعْفٌ.
وَأَمَّا إِضَافَةُ النِّكَاحِ إِلَيْهِنَّ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِنَّ بِالْعَقْدِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الِاخْتِصَاصُ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ لَعَمْرِي ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَأْذَنُ، وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا الْوَلِيُّ - فَبِمَاذَا - لَيْتَ شِعْرِي - تَكُونُ الْأَيِّمُ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا؟ وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا هَذَا الْحَدِيثَ أَحْرَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي السُّكُوتِ وَالنُّطْقِ فَقَطْ، وَيَكُونَ السُّكُوتُ كَافِيًا فِي الْعَقْدِ.
وَالِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234] هُوَ أَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلِي الْعَقْدَ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221] عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَلِي الْعَقْدَ.
وَقَدْ ضَعَّفَتِ الْحَنَفِيَّةُ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَحَكَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ

أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ، وَلَا الْوِلَايَةُ مِنْ مَذْهَبِ عَائِشَةَ.
وَقَدِ احْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، وَلَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ " فِي نِكَاحِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَّ سَلَمَةَ وَأَمْرِهِ لِابْنِهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ ". وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي فَمُحْتَمَلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرُّشْدَ إِذَا وُجِدَ فِي الْمَرْأَةِ اكْتُفِيَ بِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، كَمَا يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مَائِلَةٌ بِالطَّبْعِ إِلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إِلَى تَبْذِيرِ الْأَمْوَالِ، فَاحْتَاطَ الشَّرْعُ بِأَنْ جَعَلَهَا مَحْجُورَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى التَّأْبِيدِ، مَعَ أَنَّ مَا يَلْحَقُهَا مِنَ الْعَارِ فِي إِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ كَفَاءَةٍ يَتَطَرَّقُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا، لَكِنْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْفَسْخُ أَوِ الْحِسْبَةُ.
وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ كَمَا تَرَى، وَلَكِنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الشَّارِعُ اشْتِرَاطَ الْوِلَايَةِ لَبَيَّنَ جِنْسَ الْأَوْلِيَاءِ وَأَصْنَافَهُمْ وَمَرَاتِبَهُمْ، فَإِنَّ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ.
فَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَكَانَ عُمُومُ الْبَلْوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ يُنْقَلَ اشْتِرَاطُ الْوِلَايَةِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَاتُرًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ التَّوَاتُرِ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ - فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ لَيْسَتِ الْوِلَايَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا لِلْأَوْلِيَاءِ الْحِسْبَةُ فِي ذَلِكَ.
وَإِمَّا إِنْ كَانَ شَرْطًا فَلَيْسَ مِنْ صِحَّتِهَا تَمْيِيزُ صِفَاتِ الْوَلِيِّ وَأَصْنَافِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ قَوْلُ مَنْ يُبْطِلُ عَقْدَ الْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ.

[الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْوَلِيِّ]

الْمَوْضِعُ الثَّانِي: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْوِلَايَةِ وَالسَّالِبَةِ لَهَا، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوِلَايَةِ الْإِسْلَامَ، وَالْبُلُوغَ، وَالذُّكُورَةَ.
وَأَنَّ سَوَالِبَهَا أَضْدَادُ هَذِهِ، أَعْنِي: الْكُفْرَ وَالصِّغَرَ وَالْأُنُوثَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ وَالسَّفِيهِ؛ فَأَمَّا الْعَبْدُ فَالْأَكْثَرُ عَلَى مَنْعِ وِلَايَتِهِ، وَجَوَّزَهَا أَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا الرُّشْدُ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، أَعْنِي عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَشْهَبُ، وَأَبُو مُصْعَبٍ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَشْبِيهُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ بِوِلَايَةِ الْمَالِ؛ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَدْ يُوجِبُ الرُّشْدَ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ مَعَ عَدَمِهِ فِي الْمَالِ - قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا فِي الْمَالِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الرُّشْدِ فِي الْمَالِ، وَهُمَا قِسْمَانِ كَمَا تَرَى، أَعْنِي أَنَّ الرُّشْدَ فِي الْمَالِ غَيْرُ الرُّشْدِ فِي اخْتِيَارِ الْكَفَاءَةِ لَهَا.
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا نَظَرٌ لِلْمَعْنَى،

أَعْنِي: هَذِهِ الْوِلَايَةَ.
فَلَا يُؤْمَنُ مَعَ عَدَمِ الْعَدَالَةِ أَنْ لَا يَخْتَارَ لَهَا الْكَفَاءَةَ.
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَالَةَ الَّتِي بِهَا يَخْتَارُ الْأَوْلِيَاءُ لِمُوَلِّيَاتِهِمُ الْكُفْءَ غَيْرُ حَالَةِ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ خَوْفُ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِمْ، وَهَذِهِ هِيَ مَوْجُودَةٌ بِالطَّبْعِ، وَتِلْكَ الْعَدَالَةُ الْأُخْرَى مُكْتَسَبَةٌ، وَلِنَقْصِ الْعَبْدِ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي وِلَايَتِهِ كَمَا يَدْخُلُ فِي عَدَالَتِهِ.

[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ فِي أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْوِلَايَةِ]

الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: وَأَمَّا أَصْنَافُ الْوِلَايَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا فَهِيَ نَسَبٌ، وَسُلْطَانٌ، وَمَوْلَى أَعْلَى وَأَسْفَلَ.
وَمُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ مَالِكٍ صِفَةٌ تَقْتَضِي الْوِلَايَةَ عَلَى الدَّنِيئَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَصِيِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ الْوَصِيُّ وَلِيًّا، وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ صِفَةُ الْوِلَايَةِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنَابَ فِيهَا؟ أَمْ لَيْسَ يُمْكِنُ ذَلِكَ؟ وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَكَالَةِ فِي النِّكَاحِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِهَا إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْإِيصَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ وَكِيلٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْوَكَالَةَ تَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ الْوِلَايَةِ مِنَ النَّسَبِ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْوِلَايَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالتَّعْصِيبِ إِلَّا الِابْنَ، فَمَنْ كَانَ أَقْرَبَ عَصَبَةً كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ، وَالْأَبْنَاءُ عِنْدَهُ أَوْلَى وَإِنْ سَفَلُوا.
ثُمَّ الْآبَاءُ، ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ لِلْأَبِ فَقَطْ، ثُمَّ الْأَجْدَادُ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَوْا.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: الْجَدُّ وَأَبُوهُ أَوْلَى مِنَ الْأَخِ، وَابْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَصْلٍ، ثُمَّ الْعُمُومَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْمَوْلَى، ثُمَّ السُّلْطَانُ.
وَالْمَوْلَى الْأَعْلَى عِنْدَهُ أَحَقُّ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَالْوَصِيُّ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ وَلِيِّ النَّسَبِ، أَعْنِي: وَصِيَّ الْأَبِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَنْ هُوَ أَوْلَى: وَصِيُّ الْأَبِ؟ أَوْ وَلِيُّ النَّسَبِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْوَصِيُّ أَوْلَى، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: الْوَلِيُّ أَوْلَى.
وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي وِلَايَةِ الْبُنُوَّةِ فَلَمْ يُجِزْهَا أَصْلًا، وَفِي تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ عَلَى الْجَدِّ، فَقَالَ: لَا وِلَايَةَ لِلِابْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَبَ أَوْلَى مِنَ الِابْنِ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَالَ أَيْضًا: الْجَدُّ أَوْلَى مِنَ الْأَخِ، وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةَ.
وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ التَّعْصِيبَ، أَعْنِي أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ " لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلَيِّهَا، أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا، أَوِ السُّلْطَانِ ". وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ مَالِكٌ فِي الِابْنِ؛ لِحَدِيثِ أَمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ ابْنَهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ» . وَلِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا، أَعْنِي: مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ - عَلَى أَنَّ الِابْنَ يَرِثُ الْوَلَاءَ الْوَاجِبَ لِلْأُمِّ، وَالْوَلَاءُ عِنْدَهُمْ لِلْعَصَبَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْجَدِّ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ هُوَ أَقْرَبُ هَلِ الْجَدُّ؟ أَوِ الْأَخُ؟ . وَيَتَعَلَّقُ بِالتَّرْتِيبِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ: أَحَدُهَا: إِذَا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا غَابَ الْأَقْرَبُ هَلْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إِلَى الْأَبْعَدِ؟ أَوْ إِلَى السُّلْطَانِ؟

وَالثَّالِثَةُ: إِذَا غَابَ الْأَبُ عَنِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ هَلْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ؟ أَوْ لَا تَنْتَقِلُ؟ فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ، فَمَرَّةً قَالَ: إِنْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ، وَمَرَّةً قَالَ: النِّكَاحُ جَائِزٌ، وَمَرَّةً قَالَ: لِلْأَقْرَبِ أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَفْسَخَ.
وَهَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ عِنْدَهُ فِيمَا عَدَا الْأَبَ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالْوَصِيِّ فِي مَحْجُورَتَهِ.
فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي هَذَيْنِ مَفْسُوخٌ، أَعْنِي: تَزْوِيجَ غَيْرِ الْأَبِ الْبِنْتَ الْبِكْرَ مَعَ حُضُورِ الْأَبِ أَوْ غَيْرِ الْوَصِيِّ الْمَحْجُورَةَ مَعَ حُضُورِ الْوَصِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَعْقِدُ أَحَدٌ مَعَ حُضُورِ الْأَبِ لَا فِي بِكْرٍ وَلَا فِي ثَيِّبٍ.
وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ هُوَ هَلِ التَّرْتِيبُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، أَعْنِي: ثَابِتًا بِالشَّرْعِ فِي الْوِلَايَةِ؟ أَمْ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؟ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا فَهَلْ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ؟ أَمْ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؟ فَمَنْ لَمْ يَرَ التَّرْتِيبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا قَالَ: يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَبْعَدِ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَرَأَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلِيِّ - قَالَ: النِّكَاحُ مُنْعَقِدٌ؛ فَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ انْفَسَخَ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ قَالَ: النِّكَاحُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ.
وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمَذْهَبِ، أَعَنَى: أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ مُنْفَسِخًا غَيْرَ مُنْعَقِدٍ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى الْأَبْعَدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْتَقِلُ إِلَى السُّلْطَانِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الْغَيْبَةُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ؟ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي انْتِقَالِهَا فِي الْمَوْتِ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ غَيْبَةُ الْأَبِ عَنِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ - فَإِنَّ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا تَفْصِيلًا وَاخْتِلَافًا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى بُعْدِ الْمَكَانِ وَطُولِ الْغَيْبَةِ أَوْ قُرْبِهِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ أَوِ الْعِلْمِ بِهِ، وَحَاجَةِ الْبِنْتِ إِلَى النِّكَاحِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَإِمَّا لِمَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ عَدَمِ الصَّوْنِ، وَإِمَّا لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً، أَوْ كَانَ الْأَبُ مَجْهُولَ الْوَضْعِ أَوْ أَسِيرًا، وَكَانَتْ فِي صَوْنٍ وَتَحْتَ نَفَقَةٍ - أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَدْعُ إِلَى التَّزْوِيجِ لَا تُزَوَّجَ، وَإِنْ دَعَتْ فَتُزَوَّجُ عِنْدَ الْأَسْرِ وَعِنْدَ الْجَهْلِ بِمَكَانِهِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُزَوَّجُ مَعَ الْعِلْمِ بِمَكَانِهِ؟ أَمْ لَا؟ إِذَا كَانَ بَعِيدًا.
فَقِيلَ: تُزَوَّجُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقِيلَ: لَا تُزَوَّجُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنِ وَهْبٍ.
وَأَمَّا إِنْ عُدِمَتِ النَّفَقَةَ، أَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ صَوْنٍ - فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي: فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَفِي الْأَسْرِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ.
وَكَذَلِكَ إِنِ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ صَوْنٍ تُزَوَّجُ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ إِلَى ذَلِكَ.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ الْمَعْلُومَةِ؛ لِمَكَانِ إِمْكَانِ مُخَاطَبَتِهِ، وَلَيْسَ يَبْعُدُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْمَصْلَحِيِّ الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ هَذَا النَّظَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَخَشِيَ السُّلْطَانُ عَلَيْهَا الْفَسَادَ - زُوِّجَتْ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا.

وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ تَجُوزُ وِلَايَةُ الْأَبْعَدِ مَعَ حُضُورِ الْأَقْرَبِ؛ فَإِنْ جَعَلَتِ امْرَأَةٌ أَمْرَهَا إِلَى وَلِيَّيْنِ، فَزَوَّجَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ، أَوْ يَكُونَا عَقَدَا مَعًا.
ثُمَّ لَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ الْمُتَقَدِّمُ، أَوْ لَا يُعْلَمُ.
فَأَمَّا إِذَا عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا دَخَلَ الثَّانِي ; فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِلْأَوَّلِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِلثَّانِي.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَأَمَّا إِنْ أَنْكَحَاهَا مَعًا فَلَا خِلَافَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ فِيمَا أَعْرِفُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الدُّخُولِ أَوْ لَا اعْتِبَارِهِ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا» . فَعُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ الدُّخُولَ فَتَشْبِيهًا بِفَوَاتِ السِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْفَسْخِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ مَا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: تُخَيَّرُ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَتْ كَانَ هُوَ الزَّوْجَ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

[الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ فِي عَضْلِ الْأَوْلِيَاءِ]

ِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْضُلَ وَلِيَّتَهُ إِذَا دَعَتْ إِلَى كُفْءٍ، وَبِصَدَاقِ مِثْلِهَا، وَأَنَّهَا تَرْفَعُ أَمْرَهَا إِلَى السُّلْطَانِ فَيُزَوِّجُهَا، مَا عَدَا الْأَبَ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَذْهَبُ.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذَا الِاتِّفَاقِ فِيمَا هِيَ الْكَفَاءَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي ذَلِكَ، وَهَلْ صَدَاقُ الْمِثْلِ مِنْهَا؟ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْ إِنْكَاحِ مَنْ لَهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ جَبْرُهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا الْكَفَاءَةُ مَوْجُودَةً كَالْأَبِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ.
أَمَّا غَيْرُ الْبَالِغِ بِاتِّفَاقٍ، وَالْبَالِغُ وَالثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ بِاخْتِلَافٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ فِي مَحْجُورِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ.
فَأَمَّا الْكَفَاءَةُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدِّينَ مُعْتَبَرٌ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ إِسْقَاطِ اعْتِبَارِ الدِّينِ.
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْبِكْرَ إِذَا زَوَّجَهَا الْأَبُ مِنْ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ مِنْ فَاسِقٍ - أَنَّ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ النِّكَاحِ.
وَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ إِنْ زَوَّجَهَا مِمَّنْ مَالُهُ حَرَامٌ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ كَثِيرُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي النَّسَبِ هَلْ هُوَ مِنَ الْكَفَاءَةِ؟ أَمْ لَا؟ وَفِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْيَسَارِ، وَفِي الصِّحَّةِ مِنَ الْعُيُوبِ.
فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَوَالِي مِنَ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ: لَا تُزَوَّجُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ مَوْلًى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ، وَلَا عَرَبِيَّةٌ إِلَّا مِنْ عَرَبِيٍّ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِدِينِهَا، وَجِمَالِهَا، وَمَالِهَا، وَحَسَبِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ» .

فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ» . وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الْحَسَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ بِمَعْنَى الدِّينِ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ كَوْنُ الْحُسْنِ لَيْسَ مِنَ الْكَفَاءَةِ.
وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ بَرَدِّ النِّكَاحِ مِنَ الْعُيُوبِ يَجْعَلُ الصِّحَّةَ مِنْهَا مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْحُسْنُ يُعْتَبَرُ لِجِهَةٍ مَا.
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّ الْفَقْرَ مِمَّا يُوجِبُ فَسْخَ إِنْكَاحِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَعْنِي: إِذَا كَانَ فَقِيرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، فَالْمَالُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا مِنَ الْكَفَاءَةِ؛ لِكَوْنِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ لِتَخْيِيرِ الْأَمَةِ إِذَا عُتِقَتْ.
وَأَمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ يَرَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَتَهُ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، أَعْنِي: الْبِكْرَ.
وَأَنَّ الثَّيِّبَ الرَّشِيدَةَ إِذَا رَضِيَتْ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَوْلِيَاءِ مَقَالٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَهْرُ الْمِثْلِ مِنَ الْكَفَاءَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَمَّا فِي الْأَبِ فَلِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ لَهُ أَنْ يَضَعَ مِنْ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ شَيْئًا؟ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا فِي الثَّيِّبِ فَلِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ تَرْتَفِعُ عَنْهَا الْوِلَايَةُ فِي مِقْدَارِ الصَّدَاقِ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً كَمَا تَرْتَفِعُ فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهَا الْمَالِيَّةِ؟ أَمْ لَيْسَ تَرْتَفِعُ الْوِلَايَةُ عَنْ مِقْدَارِ الصَّدَاقِ؛ إِذْ كَانَتْ لَا تَرْتَفِعُ عَنْهَا فِي التَّصَرُّفِ فِي النِّكَاحِ، وَالصَّدَاقُ مِنْ أَسْبَابِهِ؟ وَقَدْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَخْلَقَ بِمَنْ يَشْتَرِطُ الْوِلَايَةَ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا، وَلَكِنْ أَتَى الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ.
وَيَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْوِلَايَةِ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهِيَ هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُنْكِحَ وَلِيَّتَهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ قِيَاسًا عَلَى الْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ.
وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ» ؛ لِأَنَّ ابْنَهَا كَانَ صَغِيرًا.
وَمَا ثَبَتَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، فَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا» . وَالْأَصْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَنْكِحَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا عَلَى الْخُصُوصِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِكَثْرَةِ خُصُوصِيَّتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَكِنْ تَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الشَّهَادَةِ]

ِ وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ شَرْطُ تَمَامٍ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ؟ أَوْ شَرْطُ صِحَّةٍ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ السِّرِّ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ، وَوُصِّيَا بِالْكِتْمَانِ - هَلْ هُوَ سِرٌّ؟ أَوْ لَيْسَ بِسِرٍّ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ سِرٌّ، وَيُفْسَخُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِسِرٍّ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؟ أَمْ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا سَدُّ ذَرِيعَةِ الِاخْتِلَافِ أَوِ الْإِنْكَارِ؟ فَمَنْ قَالَ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ - قَالَ: هِيَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ.
وَمَنْ قَالَ: تَوَثُّقٌ - قَالَ: مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ» ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ رَأَى هَذَا دَاخِلًا فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّ فِي سَنَدِهِ مَجَاهِيلَ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ هُوَ الْإِعْلَانُ فَقَطْ.
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ الْمَعْنَيَيْنِ، أَعْنِي: الْإِعْلَانَ وَالْقَبُولَ.
وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِيهَا الْعَدَالَةَ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَيْسَ تَتَضَمَّنُ عِنْدَهُ الْإِعْلَانَ إِذَا وُصِّيَ الشَّاهِدَانِ بِالْكِتْمَانِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ مَا تَقَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ السِّرِّ؟ أَمْ لَا؟ . وَالْأَصْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ عُمَرُ فِيهِ: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ، وَلَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: لَيْسَ الشُّهُودُ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ، لَا شَرْطَ صِحَّةٍ وَلَا شَرْطَ تَمَامٍ.
وَفَعَلَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، ثُمَّ أَعْلَنَ بِالنِّكَاحِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الصَّدَاقِ]

[الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ فِي حِكَمِ الصداق وَأَرْكَانِهِ]

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الصَّدَاقِ وَالنَّظَرُ فِي الصَّدَاقِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِهِ وَأَرْكَانِهِ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي تَقَرُّرِ جَمِيعِهِ لِلزَّوْجَةِ.
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي تَشْطِيرِهِ.
الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ: فِي التَّفْوِيضِ وَحُكْمِهِ.
الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ: الْأَصْدِقَةُ الْفَاسِدَةُ وَحُكْمُهَا.
الْمَوْضِعُ السَّادِسُ: فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الصَّدَاقِ.
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: وَهَذَا الموضع فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: فِي حُكْمِهِ.

الثَّانِيَةُ: فِي قَدْرِهِ.
الثَّالِثَةُ: فِي جِنْسِهِ وَوَصْفِهِ.
الرَّابِعَةُ: فِي تَأْجِيلِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا حُكْمُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَرْكِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 25] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا قَدْرُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّهِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّابِعِينَ: لَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ.
وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَقِيمَةً لِشَيْءٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَقَالَ طَائِفَةٌ بِوُجُوبِ تَحْدِيدِ أَقَلِّهِ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا، فَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ كَيْلًا مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ مَا سَاوَى الدَّرَاهِمَ الثَّلَاثَةَ، أَعْنِي: دَرَاهِمَ الْكَيْلِ فَقَطْ فِي الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَقَلُّهُ، وَقِيلَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّقْدِيرِ سَبَبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مِنَ الْأَعْوَاضِ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي بِالْقَلِيلِ كَانَ أَوْ بِالْكَثِيرِ، كَالْحَالِ فِي الْبَيُوعَاتِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً فَيَكُونَ مُؤَقَّتًا.
وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَنَافِعَهَا عَلَى الدَّوَامِ يُشْبِهُ الْعِوَضَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى إِسْقَاطِهِ يُشْبِهُ الْعِبَادَةَ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: مُعَارَضَةُ هَذَا الْقِيَاسِ فَالْمُقْتَضِي التَّحْدِيدَ لِمَفْهُومِ الْأَثَرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ.
أَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا: إِنَّهُ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ مُؤَقَّتَةٌ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ عَدَمَ التَّحْدِيدِ فَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ! فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ مَعَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا! فَقَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئًا.
فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ! فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَكَذَا - لِسُوَرٍ سَمَّاهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . قَالُوا: فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا قَدْرَ لِأَقَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قَدْرٌ لَبَيَّنَهُ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ بَيِّنٌ كَمَا تَرَى مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْدِيدِ لَيْسَ تَسْلَمُ مُقَدِّمَاتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ انْبَنَى عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الصَّدَاقَ عِبَادَةٌ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ مُؤَقَّتَةٌ.
وَفِي كِلَيْهِمَا نِزَاعٌ لِلْخَصْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُلْفَى فِي الشَّرْعِ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَيْسَتْ مُؤَقَّتَةً، بَلِ الْوَاجِبُ فِيهَا هُوَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَبَهُ الْعِبَادَاتِ خَالِصًا، وَإِنَّمَا صَارَ الْمُرَجِّحُونَ لِهَذَا الْقِيَاسِ عَلَى مَفْهُومِ الْأَثَرِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَثَرُ خَاصًّا بِذَاكَ الرَّجُلِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: «قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وَهَذَا خِلَافٌ لِلْأُصُولِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ: «قُمْ فَعَلِّمْهَا» ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَامَ فَعَلَّمَهَا، فَجَاءَ نِكَاحًا بِإِجَارَةٍ.
لَكِنْ لَمَّا الْتَمَسُوا أَصْلًا يَقِيسُونَ عَلَيْهِ قَدْرَ الصَّدَاقِ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا أَقْرَبَ شَبَهًا بِهِ مِنْ نِصَابِ الْقَطْعِ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا.
وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: عُضْوٌ مُسْتَبَاحٌ بِمَالٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا، أَصْلُهُ الْقَطْعُ.
وَضَعْفُ هَذَا الْقِيَاسِ هُوَ مِنْ قِبَلِ الِاسْتِبَاحَةِ فِيهِمَا هِيَ مَقُولَةٌ بِاشْتِرَاكِ الِاسْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَطْعَ غَيْرُ الْوَطْءِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَطْعَ اسْتِبَاحَةٌ عَلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ وَالْأَذَى وَنَقْصُ خِلْقَةٍ، وَهَذَا اسْتِبَاحَةٌ عَلَى جِهَةِ اللَّذَّةِ وَالْمَوَدَّةِ.
وَمِنْ شَأْنِهِ قِيَاسُ الشَّبَهِ عَلَى ضَعْفِهِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي بِهِ تَشَابَهَ الْفَرْعُ وَالْأَصْلُ شَيْئًا وَاحِدًا لَا بِاللَّفْظِ بَلْ بِالْمَعْنَى، وَأَنَّ يَكُونَ الْحُكْمُ إِنَّمَا وُجِدَ لِلْأَصْلِ مِنْ جِهَةِ الشَّبَهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْدُومٌ فِي هَذَا الْقِيَاسِ.
وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ مِنَ الشَّبَهِ الَّذِي لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِيَاسِ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الْقِيَاسَ فِي إِثْبَاتِ التَّحْدِيدِ الْمُقَابِلِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ؛ إِذْ هُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي تَعْيِينِ قِدْرِ التَّحْدِيدِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتَعْمَلُوهُ فِي مُعَارَضَةِ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَيَشْهَدُ لِعَدَمِ التَّحْدِيدِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ امْرَأَةً تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَجَوَّزَ نِكَاحَهَا» . وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلَمَّا اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْدِيدِ عَلَى قِيَاسِهِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِصَابِ

السَّرِقَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: هُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ النِّصَابُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي السَّرِقَةِ.
وَقَدِ احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ لِكَوْنِ الصَّدَاقِ مُحَدَّدًا بِهَذَا الْقَدْرِ بِحَدِيثٍ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا مَهْرَ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَكَانَ رَافِعًا لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ لِمَوْضِعِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ يُحْمَلَ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ - قَالُوا - مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ، وَمُبَشِّرٌ وَالْحَجَّاجُ ضَعِيفَانِ، وَعَطَاءٌ أَيْضًا لَمْ يَلْقَ جَابِرًا.
وَلِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَمَّا جِنْسُهُ فَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يُتَمَلَّكَ وَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَكَانَيْنِ: فِي النِّكَاحِ بِالْإِجَارَةِ، وَفِي جَعْلِ عِتْقِ أَمَتِهِ صَدَاقَهَا.
أَمَّا النِّكَاحُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالْإِجَازَةِ، وَقَوْلٌ بِالْمَنْعِ، وَقَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ.
وَلِذَلِكَ رَأَى فَسْخَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَجَازَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَصْبُغُ، وَسَحْنُونٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا فِي الْعَبْدِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ سَبَبَانِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَازِمٌ لَنَا حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ارْتِفَاعِهِ؟ أَمِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ لَازِمٌ - أَجَازَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] الْآيَةَ.
وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِلَازِمٍ - قَالَ: لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِالْإِجَارَةِ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِجَارَةِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجَارَةَ هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ الْمَجْهُولِ، وَلِذَلِكَ خَالَفَ فِيهَا الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ التَّعَامُلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ ثَابِتَةٍ فِي عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ ثَابِتَةٍ.
وَالْإِجَارَةُ هِيَ عَيْنٌ ثَابِتَةٌ فِي مُقَابَلَتِهَا حَرَكَاتٌ وَأَفْعَالٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ وَلَا مُقَدَّرَةٍ بِنَفْسِهَا.
وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مَتَى تَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْعِتْقِ صَدَاقًا فَإِنَّهُ مَنَعَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَا عَدَا دَاوُدَ، وَأَحْمَدَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِلْأُصُولِ، أَعْنِي: مَا ثَبَتَ مِنْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» . مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِهِ عَلَيْهِ

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِكَثْرَةِ اخْتِصَاصِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَوَجْهُ مُفَارَقَتِهِ لِلْأُصُولِ أَنَّ الْعِتْقَ إِزَالَةُ مِلْكٍ، وَالْإِزَالَةُ لَا تَتَضَمَّنُ اسْتِبَاحَةَ الشَّيْءِ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهَا إِذَا أُعْتِقَتْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا فَكَيْفَ يُلْزِمُهَا النِّكَاحَ؟ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهَا إِنْ كَرِهَتْ زَوَاجَهُ غَرِمَتْ لَهُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا قَدْ أُتْلِفَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا أَتْلَفَهَا بِشَرْطِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُعَارَضُ بِهِ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لِغَيْرِهِ لَبَيَّنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَالْأَصْلُ أَنَّ أَفْعَالَهُ لَازِمَةٌ لَنَا، إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ.
وَأَمَّا صِفَةُ الصَّدَاقِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ عَلَى الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ الْمَوْصُوفِ، أَعْنِي: الْمُنْضَبِطَ جِنْسُهُ وَقَدْرُهُ بِالْوَصْفِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِوَضِ الْغَيْرِ مَوْصُوفٍ وَلَا مُعَيَّنٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى عَبْدٍ أَوْ خَادِمٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِفَ ذَلِكَ وَصْفًا يَضْبُطُ قِيمَتَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ.
وَإِذَا وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ عِنْدَ مَالِكٍ كَانَ لَهَا الْوَسَطُ مِمَّا سَمَّى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْبَرُ عَلَى الْقِيمَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَجْرِي النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْبَيْعِ مِنَ الْقَصْدِ فِي التَّشَاحِّ؟ أَوْ لَيْسَ يَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، بَلِ الْقَصْدُ مِنْهُ أَكْثَرُ ذَلِكَ الْمُكَارَمَةُ؟ فَمَنْ قَالَ: يَجْرِي فِي التَّشَاحِّ مَجْرَى الْبَيْعِ - قَالَ: كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ.
وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْمُكَارَمَةُ - قَالَ: يَجُوزُ.
وَأَمَّا التَّأْجِيلُ فَإِنَّ قَوْمًا لَمْ يُجِيزُوهُ أَصْلًا، وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُقَدِّمَ شَيْئًا مِنْهُ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالَّذِينَ أَجَازُوا التَّأْجِيلَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ إِلَّا لِزَمَنٍ مَحْدُودٍ، وَقَدَّرَ هَذَا الْبُعْدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ لِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يُشْبِهُ النِّكَاحُ الْبَيْعَ فِي التَّأْجِيلِ؟ أَوْ لَا يُشْبِهُهُ؟ فَمَنْ قَالَ: يُشْبِهُهُ - لَمْ يُجِزِ التَّأْجِيلَ لِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ.
وَمَنْ قَالَ: لَا يُشْبِهُهُ - أَجَازَ ذَلِكَ.
وَمَنْ مَنَعَ التَّأْجِيلَ فَلِكَوْنِهِ عِبَادَةً.

[الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي تَقَرُّرِ جَمِيع الصداق لِلزَّوْجَةِ]

الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي النَّظَرِ فِي التَّقَرُّرِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ أَوِ الْمَوْتِ.
وَأَمَّا وُجُوبُهُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ [النساء: 20] شَيْئًا) الْآيَةَ.
وَأَمَّا وُجُوبُهُ بِالْمَوْتِ فَلَا أَعْلَمُ الْآنَ فِيهِ دَلِيلًا مَسْمُوعًا إِلَّا انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ مَعَ الدُّخُولِ الْمَسِيسُ؟ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ، بَلْ يَجِبُ بِالدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْنُونَ بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُدُ: لَا يَجِبُ بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ إِلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ نَفْسِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَجِبُ الْمَهْرُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةُ حُكْمِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَصَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمَدْخُولِ بِهَا الْمَنْكُوحَةِ أَنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صَدَاقِهَا شَيْءٌ فِي قَوْله تَعَالَى:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] . وَنَصَّ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ أَنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] . وَهَذَا نَصٌّ كَمَا تَرَى فِي حُكْمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، أَعْنِي: قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَبَعْدَ الْمَسِيسِ.
وَلَا وَسَطَ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ بِهَذَا إِيجَابًا ظَاهِرًا أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْمَسِيسِ.
وَالْمَسِيسُ هَا هُنَا الظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ الْجِمَاعُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَصْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ الْمَسُّ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي تَأَوَّلَتِ الصَّحَابَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعِنِّينِ الْمُؤَجَّلِ: إِنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِطُولِ مُقَامِهِ مَعَهَا، فَجَعَلَ لَهُ دُونَ الْجِمَاعِ تَأْثِيرًا فِي إِيجَابِ الصَّدَاقِ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا، أَوْ أَرْخَى سَتْرًا - فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا حَكَمُوا.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ، وَهُوَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَسِيسِ، أَعْنِي: الْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ الْمَسِيسِ، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ تَدَّعِيَ هِيَ الْمَسِيسَ، وَيُنْكِرَ هُوَ - فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ دُخُولَ بِنَاءٍ صُدِّقَتْ، وَإِنْ كَانَ دُخُولَ زِيَارَةٍ لَمْ تُصَدَّقْ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ.
فَيَتَحَصَّلُ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَمَالِكٌ لَيْسَ يَعْتَبِرُ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ أَقْوَى شُبْهَةً فِي الْأَكْثَرِ، وَلِذَلِكَ يَجْعَلُ الْقَوْلَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ قَوْلَ الْمُدَّعِي إِذَا كَانَ أَقْوَى شُبْهَةً.
وَهَذَا الْخِلَافُ يَرْجِعُ إِلَى هَلْ إِيجَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعَلَّلٌ؟ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مَكَانِهِ.

[الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ فِي تشْطِيرِ المهر]

الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي التَّشْطِيرِ.
وَاتَّفَقُوا اتِّفَاقًا مُجْمَلًا أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَدْ فَرَضَ صَدَاقًا - أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] الْآيَةَ.
وَالنَّظَرُ فِي التَّشْطِيرِ فِي أُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: فِي مَحَلِّهِ مِنَ الْأَنْكِحَةِ، وَفِي مُوجِبِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ، أَعْنِي: الْوَاقِعَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَفِي حُكْمِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ التَّغْيِيرَاتِ قَبْلَ الطَّلَاقِ.
أَمَّا مَحَلُّهُ مِنَ النِّكَاحِ عِنْدَ مَالِكٍ فَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ، أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ يَقَعُ الطَّلَاقُ الَّذِي قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُرْقَةُ فِيهِ فَسْخًا، وَطَلَّقَ قَبْلَ الْفَسْخِ - فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
وَأَمَّا مُوجِبِ التَّشْطِيرِ فَهُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي يَكُونُ بِاخْتِيَارٍ مِنَ الزَّوْجِ لَا بِاخْتِيَارٍ مِنْهَا، مِثْلُ الطَّلَاقِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ قِيَامِهَا بِعَيْبٍ يُوجَدُ فِيهِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الَّذِي يَكُونُ سَبَبَهُ قِيَامُهَا عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ أَوِ النَّفَقَةِ مَعَ عُسْرِهِ، وَلَا فَرَقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ.
وَأَمَّا الْفُسُوخُ الَّتِي لَيْسَتْ طَلَاقًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَيْسَتْ تُوجِبُ التَّشْطِيرَ إِذَا كَانَ فِيهَا الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِ

الْعَقْدِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الصَّدَاقِ، وَبِالْجُمْلَةِ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ مُوجِبَاتِ الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ اخْتِيَارٌ أَصْلًا.
وَأَمَّا الْفُسُوخُ الطَّارِئَةُ عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِثْلُ الرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ اخْتِيَارٌ، أَوْ كَانَ لَهَا دُونَهُ لَمْ يُوجِبِ التَّشْطِيرَ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ مِثْلُ الرِّدَّةِ أَوْجَبَ التَّشْطِيرَ.
وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ فِيهِ التَّنْصِيفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ سَبَبِهَا أَوْ سَبَبِهِ، وَأَنَّ مَا كَانَ فَسْخًا، وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا - فَلَا تَنْصِيفَ فِيهِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هَذِهِ السُّنَّةُ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى؟ أَمْ لَيْسَتْ بِمَعْقُولَةٍ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ عِوَضَ مَا كَانَ لَهَا لِمَكَانِ الْجَبْرِ عَلَى رَدِّ سِلْعَتِهَا، وَأَخْذِ الثَّمَنِ كَالْحَالِ فِي الْمُشْتَرَى، فَلَمَّا فَارَقَ النِّكَاحُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْبَيْعَ جَعَلَ لَهَا هَذَا عِوَضًا مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ - قَالَ: إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ مِنْ سَبَبِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ مَا كَانَ لَهَا مِنْ جَبْرِهِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ السِّلْعَةِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَاتَّبَعَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ - قَالَ: يَلْزَمُ التَّشْطِيرُ فِي كُلِّ طَلَاقٍ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ أَوْ سَبَبِهَا.
فَأَمَّا حُكْمُ مَا يَعْرِضُ لِلصَّدَاقِ مِنَ التَّغَيُّرَاتِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِهَا أَوْ مِنَ اللَّهِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَلَفًا لِلْكُلِّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً وَنَقْصًا مَعًا.
وَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ بِتَفْوِيتٍ مِثْلِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، أَوْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ فِي مَنَافِعِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا أَوْ فِيمَا تَتَجَهَّزُ بِهِ إِلَى زَوْجِهَا.
فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُمَا فِي التَّلَفِ وَفِي الزِّيَادَةِ وَفِي النُّقْصَانِ شَرِيكَانِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي النُّقْصَانِ وَالتَّلَفِ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ، وَلَا يَرْجِعُ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوِ الْمَوْتِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا؟ أَوْ لَا تَمْلِكُهُ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا - قَالَ: هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ مَا لَمْ تَتَعَدَّ فَتُدْخِلَهُ فِي مَنَافِعِهَا.
وَمَنْ قَالَ: تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، وَالتَّشْطِيرُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ - أَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ مَا ذَهَبَ عِنْدَهَا.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إِذَا صَرَفَتْهُ فِي مَنَافِعِهَا ضَامِنَةٌ لِلنِّصْفِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا اشْتَرَتْ بِهِ مَا يُصْلِحُهَا لِلْجِهَازِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ؟ أَمْ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ الصَّدَاقُ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ مَشْهُورٍ مُتَعَلِّقٍ بِالسَّمَاعِ، وَهُوَ هَلْ لِلْأَبِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ؟ ، أَعْنِي: إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِلسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] . وَذَلِكَ فِي لَفْظَةِ " يَعْفُو " فَإِنَّهَا تُقَالُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَرَّةً بِمَعْنَى يُسْقِطُ،

وَمَرَّةً بِمَعْنَى يَهَبُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] عَلَى مَنْ يَعُودُ هَذَا الضَّمِيرُ؟ هَلْ عَلَى الْوَلِيِّ؟ أَوْ عَلَى الزَّوْجِ؟ فَمَنْ قَالَ: عَلَى الزَّوْجِ - جَعَلَ " يَعْفُوَ " بِمَعْنَى يَهَبُ.
وَمَنْ قَالَ: عَلَى الْوَلِيِّ - جَعَلَ " يَعْفُوَ " بِمَعْنَى يُسْقِطُ.
وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لِكُلِّ وَلِيٍّ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ الْوَاجِبِ لِلْمَرْأَةِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ اللَّذَانِ فِي الْآيَةِ عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنَّ مَنْ جَعَلَهُ الزَّوْجَ فَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا زَائِدًا فِي الْآيَةِ، أَيْ: شَرْعًا زَائِدًا؛ لِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ.
وَمَنْ جَعَلَهُ الْوَلِيَّ؛ إِمَّا الْأَبُ، وَإِمَّا غَيْرُهُ - فَقَدْ زَادَ شَرْعًا، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْآيَةَ أَظْهَرُ فِي الْوَلِيِّ مِنْهَا فِي الزَّوْجِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ يَعْسُرُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَحْجُورَةَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَهَبَ مِنْ صَدَاقِهَا النِّصْفَ الْوَاجِبَ لَهَا.
وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: يَجُوزُ أَنْ تَهَبَ، مَصِيرًا؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] . وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا وَهَبَتْ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا، ثُمَّ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ - فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلِ النِّصْفُ الْوَاجِبُ لِلزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ هُوَ فِي عَيْنِ الصَّدَاقِ؟ أَوْ فِي ذِمَّةِ الْمَرْأَةِ؟ فَمَنْ قَالَ: فِي عَيْنِ الصَّدَاقِ - قَالَ: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الصَّدَاقَ كُلَّهُ.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمَرْأَةِ - قَالَ: يَرْجِعُ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ لَهُ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا.
وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْقَبْضِ وَلَا قَبْضٍ، فَقَالَ: إِنْ قَبَضَتْ فَلَهُ النِّصْفُ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ حَتَّى وَهَبَتْ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَيْنِ مَا لَمْ تَقْبِضْ، فَإِذَا قَبَضَتْ صَارَ فِي الذِّمَّةِ.

[الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ فِي التَّفْوِيضِ في المهر]

الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ: فِي التَّفْوِيضِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ جَائِزٌ، وَهُوَ أَنْ يُعْقَدَ النِّكَاحُ دُونَ صَدَاقٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] . وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ فَرْضَ الصَّدَاقِ، وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ، وَلَمْ يَفْرِضْ، هَلْ لَهَا صَدَاقٌ؟ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى، وَهِيَ إِذَا قَامَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُبُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَفْرِضُ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ.
فَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْدِةِ النِّكَاحِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: الزَّوْجُ بَيْنَ خِيَارَاتٍ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَلَا يَفْرِضَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَ مَا تَطْلُبُهُ الْمَرْأَةُ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْرِضَ صَدَاقَ الْمِثْلِ وَيُلْزِمَهَا.
وَسَبَبُ

اخْتِلَافِهِمْ، أَعْنِي: بَيْنَ مَنْ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ بَعْدَ طَلَبِهَا الْفَرْضَ، وَمَنْ لَا يُوجِبُ - اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] ، هَلْ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي سُقُوطِ الصَّدَاقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ اخْتِلَافَهُمْ فِي فَرْضِ الصَّدَاقِ؟ أَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ سَبَبُهُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا فَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ عَنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْمَهْرِ فِي كُلِّ حَالٍ؟ أَوْ لَا يُفْهَمُ ذَلِكَ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ سُقُوطَهُ فِي كُلِّ حَالٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] . وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ ابْتِدَاءً أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ مَعَ شَطْرِ الصَّدَاقِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحِ غَيْرِ التَّفْوِيضِ، وَأَوْجَبَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ - أَنْ يُوجِبَ لَهَا مَعَ الْمُتْعَةِ فِيهِ شَطْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ بِمَفْهُومِهَا؛ لِإِسْقَاطِ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ.
وَإِنَّمَا تَعَرَّضَتْ لِإِبَاحَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا طُلِبَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَنْشَطِرَ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا يَنْشَطِرُ فِي الْمُسَمَّى، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ مَعَ خِيَارِ الزَّوْجِ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ وَالْأَوْزَاعِيَّ قَالُوا: لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ، وَلَهَا الْمُتْعَةُ وَالْمِيرَاثُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ وَالْمِيرَاثُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، إِلَّا أَنَّ الْمَنْصُورَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ؛ أَمَّا الْأَثَرُ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي؛ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي: أَرَى لَهَا صَدَاقَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا، وَلَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: أَشْهَدُ، لَقَضَيْتَ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍّ " خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا فَهُوَ أَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ، فَلَمَّا لَمْ يُقْبَضِ الْمُعَوَّضُ لَمْ يَجِبِ الْعِوَضُ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بَرْوَعَ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ، وَالَّذِي قَالَهُ هُوَ الصَّوَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ فِي الْأَصْدِقَةِ الْفَاسِدَةِ]

وَالصَّدَاقُ يَفْسُدُ إِمَّا لِعَيْنِهِ، وَإِمَّا لِصِفَةٍ فِيهِ مِنْ جَهْلٍ أَوْ عُذْرٍ؛ فَالَّذِي يَفْسُدُ لِعَيْنِهِ فَمِثْلُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ.
وَالَّذِي يَفْسُدُ مِنْ قِبَلِ الْعُذْرِ وَالْجَهْلِ فَالْأَصْلُ فِيهِ بِالْبُيُوعِ، وَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ:

الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، أَوْ بَعِيرًا شَارِدًا - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ إِذَا وَقَعَ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: فَسَادُ الْعَقْدِ وَفَسْخُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِنْ دَخَلَ ثَبَتَ، وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ حُكْمُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْبَيْعِ؟ أَمْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ فَمَنْ قَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ - قَالَ: يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِ الصَّدَاقِ، كَمَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِفَسَادِ الثَّمَنِ.
وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ صِحَّةُ الصَّدَاقِ بِدَلِيلِ أَنَّ ذِكْرَ الصَّدَاقِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ - قَالَ: يَمْضِي النِّكَاحُ، وَيُصَحَّحُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدُّخُولِ وَعَدَمِهِ ضَعِيفٌ، وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصَّدَاقِ الْمُحَرَّمِ الْعَيْنِ، وَبَيْنَ الْمُحَرَّمِ لِصِفَةٍ فِيهِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَلَسْتُ أَذْكُرُ الْآنَ فِيهِ نَصًّا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا إِذَا اقْتَرَنَ بِالْمَهْرِ بَيْعٌ، مِثْلَ أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ عَبْدًا، وَيَدْفَعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَنِ الصَّدَاقِ وَعَنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، وَلَا يُسَمَّى الثَّمَنُ مِنَ الصَّدَاقِ - فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفَرَّقَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْبَيْعِ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا بِأَمْرٍ لَا يُشَكُّ فِيهِ جَازَ.
وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَمَرَّةً قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَمُرَّةً قَالَ: فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ؟ أَمْ لَيْسَ بِشَبِيهٍ؟ فَمَنْ شَبَّهَهُ فِي ذَلِكَ بِالْبَيْعِ مَنَعَهُ، وَمَنْ جَوَّزَ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْجَهْلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ - قَالَ: يَجُوزُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً، وَاشْتُرِطَ عَلَيْهِ فِي صَدَاقِهَا حِبَاءٌ يُحَابِي بِهِ الْأَبَ - عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الشَّرْطُ لَازِمٌ، وَالصَّدَاقُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَهْرُ فَاسِدٌ، وَلَهَا صَدَاقُ الْمَثَلِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ الشَّرْطُ عِنْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ لِابْنَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَشْبِيهُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ بِالْبَيْعِ؛ فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْوَكِيلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ، وَيَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ حِبَاءً - قَالَ: لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ.
وَمَنْ جَعَلَ النِّكَاحَ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْبَيْعِ قَالَ: يَجُوزُ.
وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ فَلِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ نُقْصَانًا مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَلَمْ يَتَّهِمْهُ إِذَا كَانَ بَعْدَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى الصَّدَاقِ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى حِبَاءٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ وَأُخْتُهُ» . وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ

مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَحَّفَهُ، وَلَكِنَّهُ نَصٌّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِذَا رَوَتْهُ الثِّقَاتُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّدَاقِ يُسْتَحَقُّ، أَوْ يُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ - فَقَالَ الْجُمْهُورُ: النِّكَاحُ ثَابِتٌ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ؟ أَوْ بِالْمِثْلِ؟ أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؟ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ مَرَّةً بِالْقِيمَةِ، وَقَالَ مَرَّةً بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: تَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ، وَقِيلَ: تَرْجِعُ بِالْمِثْلِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: وَلَوْ قِيلَ: تَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِنَ الْقِيمَةِ، أَوْ صَدَاقِ الْمِثْلِ - لَكَانَ ذَلِكَ وَجْهًا.
وَشَذَّ سَحْنُونٌ فَقَالَ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَلْ يُشْبِهُ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ الْبَيْعَ؟ أَوْ لَا يُشْبِهُهُ؟ فَمَنْ شَبَّهَهُ قَالَ: يَنْفَسِخُ.
وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهُ قَالَ: لَا يَنْفَسِخُ.

الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ أَلْفٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَالصَّدَاقُ أَلْفَانِ - فَقَالَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: الشَّرْطُ جَائِزٌ، وَلَهَا مِنَ الصَّدَاقِ بِحَسَبِ مَا اشْتَرَطَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا الْمُتْعَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلَهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنَ الْأَلْفَيْنِ، أَوْ أَقَلَّ مِنَ الْأَلْفِ.
وَيَتَخَرَّجُ فِي هَذَا قَوْلٌ: إِنَّ النِّكَاحَ مَفْسُوخٌ لِمَكَانِ الْغَرَرِ، وَلَسْتُ أَذْكُرُ الْآنَ نَصًّا فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ.
فَهَذِهِ مَشْهُورُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ إِذَا قُضِيَ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ فِي جِمَالِهَا وَنِصَابِهَا وَمَالِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ عَصَبَتِهَا فَقَطْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ نِسَاءُ قَرَابَتِهَا مِنَ الْعَصَبَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ: هَلِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَنْصِبِ فَقَطْ؟ أَوْ فِي الْمَنْصِبِ وَالْمَالِ وَالْجِمَالِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِدِينِهَا، وَجِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا» الْحَدِيثَ.

[الْمَوْضِعُ السَّادِسُ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الصَّدَاقِ]

ِ، وَاخْتِلَافُهُمَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الْقَبْضِ أَوْ فِي الْقَدْرِ، أَوْ فِي الْجِنْسِ، أَوْ فِي الْوَقْتِ، أَعْنِي: وَقْتَ الْوُجُوبِ.
فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ مَثَلًا بِمِائَتَيْنِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: بِمِائَةٍ - فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَتَى الزَّوْجُ بِمَا يُشْبِهُ وَالْمَرْأَةُ بِمَا يُشْبِهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ - كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَالِفِ.
وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا حَلَفَا جَمِيعًا.
وَمَنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ مِنْهُمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَقَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا اخْتَلَفَا تَحَالَفَا، وَرُجِعَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَمْ تَرَ الْفَسْخَ كَمَالِكٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَجَمَاعَةٍ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ دُونَ يَمِينٍ مَا لَمْ يَكُنْ صَدَاقُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَتْ، وَأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَى هُوَ.
وَاخْتِلَافُهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» هَلْ ذَلِكَ مُعَلِّلٌ؟ أَوْ غَيْرُ مُعَلِّلٍ؟ فَمَنْ قَالَ: مُعَلِّلٌ - قَالَ: يَحْلِفُ أَبَدًا أَقْوَاهُمَا شُبْهَةً، فَإِنِ اسْتَوَيَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا.
وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مُعَلِّلٍ - قَالَ: يَحْلِفُ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهَا تُقِرُّ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَجِنْسِ الصَّدَاقِ، وَتَدَّعِي عَلَيْهِ قَدْرًا زَائِدًا، فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَقِيلَ أَيْضًا: يَتَحَالَفَانِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُرَاعِ الْأَشْبَاهَ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ.
وَمَنْ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ - رَأَى أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ أَبَدًا فِي الدَّعْوَى، بَلْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا وَلَا بُدَّ أَقْوَى شُبْهَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو دَعْوَاهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُعَادِلُ صَدَاقَ مِثْلِهَا فَمَا دُونَهُ، فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، أَوْ يَكُونَ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافهِمْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي التَّفَاسُخِ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَالرُّجُوعِ إِلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ - هُوَ هَلْ يُشَبَّهُ النِّكَاحُ بِالْبَيْعِ فِي ذَلِكَ؟ أَمْ لَيْسَ يُشَبَّهُ؟ فَمَنْ قَالَ: يُشَبَّهُ بِهِ - قَالَ بِالتَّفَاسُخِ.
وَمَنْ قَالَ: لَا يُشَبَّهُ ; لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ - قَالَ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ بَعْدَ التَّحَالُفِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا بَعْدَ التَّحَالُفِ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُهُمَا إِلَى قَوْلِ الْآخَرِ وَيَرْضَى بِهِ - فَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا فَإِنَّمَا يُشَبِّهُ بِاللِّعَانِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ، مَعَ أَنَّ وُجُودَ هَذَا الْحُكْمِ لِلِّعَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ فَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: لَمْ أَقْبِضْ، وَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ قَبَضَتْ - فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَ الزَّوْجُ حَتَّى يَدْفَعَ الصَّدَاقَ، فَإِنْ كَانَ بَلَدٌ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الْعُرْفُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا أَبَدًا.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا أَبَدًا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهَا مُدَّعًى عَلَيْهَا.
وَلَكِنْ مَالِكٌ رَاعَى قُوَّةَ الشُّبْهَةِ الَّتِي لَهُ إِذَا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا طَالَ الدُّخُولُ هَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بِيَمِينٍ؟ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَحْسَنُ؟ وَأَمَّا إِذَا اخْتُلِفَ فِي جِنْسِ الصَّدَاقِ، فَقَالَ هُوَ مَثَلًا: زُوِّجْتُكِ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ، وَقَالَتْ هِيَ: زُوِّجْتُكَ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ - فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ

قَبْلَ الْبِنَاءِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ ثَبَتَ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ مِثْلٍ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَتْ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: يَتَحَالَفَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إِنْ كَانَ يُشْبِهُهُ، سَوَاءٌ أَشْبَهَ قَوْلَهَا أَوْ لَمْ يُشْبِهْ.
فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا مُشْبِهًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهَا مُشْبِهًا تَحَالَفَا، وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهَما فِي الْقَدْرِ، أَعْنِي: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَاجَعَانِ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَسَبَبُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ بِالتَّفَاسُخِ فِي الْبَيْعِ سَتَعْرِفُ أَصْلَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي الْكَالِئِ.
وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي الْأَجَلِ قَوْلُ الْغَارِمِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ.
وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا مَتَى يَجِبُ؟ هَلْ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَمَنْ شَبَّهَ النِّكَاحَ بِالْبُيُوعِ قَالَ: لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ؛ إِذْ لَا يَجِبُ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ السِّلْعَةِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الصَّدَاقَ عِبَادَةٌ يُشْتَرَطُ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ: يَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يُقَدِّمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ.

[الرُّكْنُ الثَّالِثُ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَانِعِ النَّسَبِ]

الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الْعَقْدِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ فِي الشَّرْعِ بِوَجْهَيْنِ: إِمَّا بِنِكَاحٍ، أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ.
وَالْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ بِالْجُمْلَةِ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى قِسْمَيْنِ: مَوَانِعَ مُؤَبَّدَةٍ.
وَمَوَانِعَ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ.
وَالْمَوَانِعُ الْمُؤَبَّدَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى: مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَمُخْتَلَفٍ فِيهَا.
فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ: نَسَبٌ، وَصِهْرٌ، وَرَضَاعٌ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا: الزِّنَى، وَاللِّعَانُ.
وَغَيْرُ الْمُؤَبَّدَةٍ تَنْقَسِمُ إِلَى تِسْعَةٍ: أَحَدُهَا: مَانِعُ الْعَدَدِ.
وَالثَّانِي: مَانِعُ الْجَمْعِ.
وَالثَّالِثُ: مَانِعُ الرِّقِّ.
وَالرَّابِعُ: مَانِعُ الْكُفْرِ.
وَالْخَامِسُ: مَانِعُ الْإِحْرَامِ.
وَالسَّادِسُ: مَانِعُ الْمَرَضِ.
وَالسَّابِعُ: مَانِعُ الْعِدَّةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي عَدَمِ تَأْبِيدِهِ.
وَالثَّامِنُ: مَانِعُ التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا لِلْمُطَلِّقِ.
وَالتَّاسِعُ: مَانِعُ الزَّوْجِيَّةِ.
فَالْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ بِالْجُمْلَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَانِعًا، فَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَصْلًا.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَانِعِ النَّسَبِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ اللَّائِي يَحْرُمْنَ مِنْ قِبَلِ النِّسَبِ السَّبْعُ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْقُرْآنِ: الْأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأُمَّ هَا هُنَا اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْكَ وِلَادَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ.
وَالْبِنْتُ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لَكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ مِنْ قِبَلِ الِابْنِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْبِنْتِ أَوْ مُبَاشَرَةً.
وَأَمَّا الْأُخْتُ فَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى شَارَكَتْكَ فِي أَحَدِ أَصْلَيْكَ أَوْ مَجْمُوعَيْهِمَا، أَعْنِي: الْأَبَ أَوِ الْأُمَّ أَوْ كِلَيْهِمَا.
وَالْعَمَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى هِيَ أُخْتٌ لِأَبِيكَ، أَوْ لِكُلِّ ذَكَرٍ لَهُ عَلَيْكَ وِلَادَةٌ.
وَأَمَّا الْخَالَةُ فَهِيَ اسْمٌ لِأُخْتِ أُمِّكِ، أَوْ أُخْتِ كُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْكَ وِلَادَةٌ.
وَبَنَاتُ الْأَخِ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لِأَخِيكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا أَوْ مُبَاشَرَةً.
وَبَنَاتُ الْأُخْتِ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثَى لِأُخْتِكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ مُبَاشِرَةٌ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا.
فَهَؤُلَاءِ الْأَعْيَانُ السَّبْعُ مُحَرَّمَاتٌ، وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ [المائدة: 3] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّسَبَ الَّذِي يُحَرِّمُ الْوَطْءَ بِنِكَاحٍ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْمُصَاهَرَةِ]

ِ وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ فَإِنَّهُنَّ أَرْبَعٌ: زَوْجَاتُ الْآبَاءِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] الْآيَةَ.
وَزَوْجَاتُ الْأَبْنَاءِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ أَيْضًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَبَنَاتُ الزَّوْجَاتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] . فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعُ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ زَوْجَاتِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ.
وَوَاحِدَةٍ بِالدُّخُولِ وَهِيَ ابْنَةُ الزَّوْجَةِ، وَاخْتَلَفُوا مِنْهَا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلْ تَحْرُمُ بِالْمُبَاشَرَةِ لِلْأُمِّ لِلَذَّةٍ؟ أَوْ بِالْوَطْءِ؟ وَأَمَّا أُمُّ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ تَحْرُمُ بِالْوَطْءِ؟ أَوْ بِالْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ فَقَطْ؟ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي مَسْأَلَةٍ رَابِعَةٍ، وَهِيَ هَلْ يُوجِبُ الزِّنَى فِي هَذَا التَّحْرِيمِ مَا يُوجِبُهُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ أَوِ النِّكَاحُ بِشُبْهَةٍ؟ فَهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ هَلْ مِنْ شَرْطِ تَحْرِيمِ بِنْتِ الزَّوْجَةِ أَنْ تَكُونَ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ؟ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ . فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّحْرِيمِ.
وَقَالَ دَاوُدُ: ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23]- وَصْفٌ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحُرْمَةِ؟ أَوْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَوْجُودِ أَكْثَرَ؟ فَمَنْ قَالَ: خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَوْجُودِ الْأَكْثَرِ،

وَلَيْسَ هُوَ شَرْطًا فِي الرَّبَائِبِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الَّتِي فِي حِجْرِهِ أَوِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ - قَالَ: تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ بِإِطْلَاقٍ.
وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى قَالَ: لَا تَحْرُمُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا هَلْ تَحْرُمُ الْبِنْتُ بِمُبَاشَرَةِ الْأُمِّ فَقَطْ؟ أَوْ بِالْوَطْءِ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُرْمَتَهَا بِالْوَطْءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ الْوَطْءِ مِنَ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ أَوْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، هَلْ ذَلِكَ يُحَرِّمُ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ يُحَرِّمُ الْأُمَّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ دَاوُدُ وَالْمُزَنِيُّ: لَا يُحَرِّمُهَا إِلَّا الْوَطْءُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ.
وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ كَاللَّمْسِ إِذَا كَانَ نَظَرَ تَلَذُّذٍ إِلَى أَيِّ عُضْوٍ كَانَ، وَفِيهِ عَنْهُ خِلَافٌ.
وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ فَقَطْ.
وَحَمَلَ الثَّوْرِيُّ النَّظَرَ مَحْمَلَ اللَّمْسِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ اللَّذَّةَ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فَلَمْ يُوجِبْ فِي النَّظَرِ شَيْئًا، وَأَوْجَبَ فِي اللَّمْسِ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَلِ الْمَفْهُومُ مِنَ اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]- الْوَطْءُ؟ أَوِ التَّلَذُّذُ بِمَا دُونَ الْوَطْءِ؟ فَإِنْ كَانَ التَّلَذُّذُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ؟ أَمْ لَا؟

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا الْأُمُّ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ كَافَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى الْبِنْتِ، كَالْحَالِ فِي الْبِنْتِ، أَعْنِي أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى الْأُمِّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَلِ الشَّرْطُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]- يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُمُ الرَّبَائِبُ فَقَطْ؟ أَوْ إِلَى الرَّبَائِبِ وَالْأُمَّهَاتِ الْمَذْكُورَاتِ قَبْلَ الرَّبَائِبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] ؟ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] يَعُودُ عَلَى الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُمُ الْبَنَاتُ.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لِلْجُمْهُورِ مَا رَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَلَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا» .

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَاخْتَلَفُوا فِي الزِّنَى هَلْ يُوجِبُ مِنَ التَّحْرِيمِ فِي هَؤُلَاءِ مَا يُوجِبُ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ، أَعْنِي: الَّذِي يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الزِّنَى بِالْمَرْأَةِ لَا يُحَرِّمُ نِكَاحَ أُمِّهَا وَلَا ابْنَتِهَا، وَلَا نِكَاحَ أَبِي الزَّانِي لَهَا وَلَا ابْنِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ:

يُحَرِّمُ الزِّنَى مَا يُحَرِّمُ النِّكَاحُ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ مِثْل قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُحَرِّمُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: أَصْحَابُ مَالِكٍ يُخَالِفُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ فِيهَا، وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّ الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ لَا يُحَرِّمُ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاشْتِرَاكُ فِي اسْمِ النِّكَاحِ، أَعْنِي: فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ.
فَمَنْ رَاعَى الدَّلَالَةَ اللُّغَوِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22]- قَالَ: يُحَرِّمُ الزِّنَى.
وَمَنْ رَاعَى الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الزِّنَى.
وَمَنْ عَلَلَ هَذَا الْحُكْمَ بِالْحُرْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ، وَبَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ - قَالَ: يُحَرِّمُ الزِّنَى أَيْضًا.
وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنَّسَبِ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ؛ لِإِجْمَاعِ الْأَكْثَرِ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْحَقُ بِالزِّنَى.
وَاتَّفَقُوا فِيمَا حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ يُحَرَّمُ مِنْهُ مَا يُحَرِّمُ الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الْمُبَاشَرَةِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي النِّكَاحِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَانِعِ الرَّضَاعِ]

ِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ بِالْجُمْلَةِ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، أَعْنِي أَنَّ الْمُرْضِعَةَ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأُمِّ، فَتَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضَعِ هِيَ وَكُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ مِنْ قِبَلِ أُمِّ النَّسَبِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، الْقَوَاعِدُ مِنْهَا تِسْعٌ: إِحْدَاهَا: فِي مِقْدَارِ الْمُحَرِّمِ مِنَ اللَّبَنِ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي سِنِّ الرَّضَاعِ.
وَالثَّالِثَةُ: فِي حِلِّ الْمُرْضَعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ لِلرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ وَقْتًا خَاصًّا.
وَالرَّابِعَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ وُصُولُهُ بِرَضَاعِ وَالْتِقَامِ الثَّدْيِ؟ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ؟ وَالْخَامِسَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُخَالَطَةُ؟ أَمْ لَا يُعْتَبَرُ؟ وَالسَّادِسَةُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْوُصُولُ مِنَ الْحَلْقِ؟ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ؟ وَالسَّابِعَةُ: هَلْ يُنَزَّلُ صَاحِبُ اللَّبَنِ - أَعْنِي: الزَّوْجَ - مِنَ الْمُرْضَعِ مَنْزِلَةَ أَبٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ لَبَنَ الْفَحْلِ؟ أَمْ لَيْسَ يُنَزَّلُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ أَبٍ؟ وَالثَّامِنَةُ: الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ.
وَالتَّاسِعَةُ: صِفَةُ الْمُرْضِعَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا مِقْدَارُ الْمُحَرِّمِ مِنَ اللَّبَنِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا فِيهِ بِعَدَمِ التَّحْدِيدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَؤُلَاءِ يُحَرِّمُ

عِنْدَهُمْ أَيُّ قَدْرٍ كَانَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِتَحْدِيدِ الْقَدْرِ الْمُحَرِّمِ، وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَتُحَرِّمُ الثَّلَاثُ رَضَعَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُعَارَضَةُ عُمُومِ الْكِتَابِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي التَّحْدِيدِ، وَمُعَارَضَةُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
فَأَمَّا عُمُومُ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِرْضَاعِ.
وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى حَدِيثَيْنِ فِي الْمَعْنَى: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، أَوِ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَمِّ الْفَضْلِ، وَمِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ، وَفِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» . وَالْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ سَهْلَةَ فِي سَالِمٍ أَنَّهُ «قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ» . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ.
فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ» . فَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ: «تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» . وَمَنْ جَعَلَ الْأَحَادِيثَ مُفَسِّرَةً لِلْآيَةِ، وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيَةِ، وَرَجَّحَ مَفْهُومَ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» عَلَى مَفْهُومِ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي حَدِيثِ سَالِمٍ - قَالَ: الثَّلَاثَةُ فَمَا فَوْقَهَا هِيَ الَّتِي تُحَرِّمُ، وَذَلِكَ أَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» - يَقْتَضِي أَنَّ مَا فَوْقَهَا يُحَرِّمُ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: «أَرَضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ» - يَقْتَضِي أَنَّ مَا دُونَهَا لَا يُحَرِّمُ.
وَالنَّظَرُ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ دَلِيلَيِ الْخِطَابِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يُحَرِّمُ فِي الْحَوْلَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَكَافَّةُ الْفُقَهَاءِ: لَا يُحَرِّمُ رَضَاعُ الْكَبِيرِ.
وَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ.
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ سَالِمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ» . فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ اللَّبَنُ الَّذِي لَا يَقُومُ لِلْمُرْضَعِ مَقَامَ الْغِذَاءِ، إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ سَالِمٍ نَازِلَةٌ فِي عَيْنٍ، وَكَانَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَوْنَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِسَالِمٍ.
وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ سَالِمٍ، وَعَلَّلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ - قَالَ: يُحَرِّمُ رَضَاعُ الْكَبِيرِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَغْنَى الْمَوْلُودُ بِالْغِذَاءِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، وَفُطِمَ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ امْرَأَةٌ - فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ الرَّضَاعُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِهِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الرَّضَاعَ الَّذِي يَكُونُ فِي سِنِّ الْمَجَاعَةِ كَيْفَمَا كَانَ الطِّفْلُ وَهُوَ سِنُّ الرَّضَاعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إِذَا كَانَ الطِّفْلُ غَيْرَ مَفْطُومٍ، فَإِنْ فُطِمَ فِي بَعْضِ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ رَضَاعًا مِنَ الْمَجَاعَةِ.
فَالِاخْتِلَافُ آيِلٌ إِلَى أَنَّ الرَّضَاعَ الَّذِي سَبَبُهُ الْمَجَاعَةُ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللَّبَنِ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الِافْتِقَارُ الطَّبِيعِيُّ لِلْأَطْفَالِ، وَهُوَ الِافْتِقَارُ الَّذِي سَبَبُهُ سِنُّ الرَّضَاعِ؟ أَوِ افْتِقَارُ الْمُرْضَعِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالْفَطْمِ وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالطَّبْعِ؟ وَالْقَائِلُونَ بِتَأْثِيرِ الْإِرْضَاعِ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ مَنِ اشْتَرَطَ مِنْهُمُ الْفِطَامَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَقَالَ: هَذِهِ الْمُدَّةُ حَوْلَانِ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ زُفَرُ، وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ التَّحْرِيمَ فِي الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ عَلَى الْعَامَيْنِ.
وَفِي قَوْلٍ الشَّهْرُ عَنْهُ، وَفِي قَوْلٍ عَنْهُ: إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَوْلَانِ وَسِتَّةُ شُهُورٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا يُظَنُّ مِنْ مُعَارَضَةِ آيَةِ الرَّضَاعِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]- يُوهِمُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذَيْنِ الْحَوْلَيْنِ لَيْسَ هُوَ رَضَاعَ مَجَاعَةٍ مِنَ اللَّبَنِ.
وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» - يَقْتَضِي عُمُومُهُ أَنَّ مَا دَامَ الطِّفْلُ غِذَاؤُهُ اللَّبَنُ أَنَّ ذَلِكَ الرِّضَاعَ يُحَرِّمُ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَمَّا هَلْ يُحَرِّمُ الْوَجُورُ وَاللَّدُودُ، وَبِالْجُمْلَةِ مَا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ؟ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يُحَرِّمُ الْوَجُورُ وَاللَّدُودُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَدَاوُدُ: لَا يُحَرِّمُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الْمُعْتَبَرُ وُصُولُ اللَّبَنِ كَيْفَمَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ؟ أَوْ وُصُولُهُ عَلَى الْجِهَةِ الْمُعْتَادَةِ؟ فَمَنْ رَاعَى وُصُولَهُ عَلَى الْجِهَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّضَاعِ - قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الْوَجُورُ وَلَا اللَّدُودُ.
وَمَنْ رَاعَى وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الْجَوْفِ كَيْفَمَا وَصَلَ قَالَ: يُحَرِّمُ.

الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَأَمَّا هَلْ مِنْ شَرْطِ اللَّبَنِ الْمُحَرِّمِ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْحَلْقِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخَالِطٍ لِغَيْرِهِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا اسْتُهْلِكَ اللَّبَنُ فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ سُقِيَهُ الطِّفْلُ - لَمْ تَقَعِ الْحُرْمَةُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ حَبِيبٍ، وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: تَقَعُ بِهِ الْحُرْمَةُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوِ انْفَرَدَ اللَّبَنُ أَوْ كَانَ مُخْتَلِطًا لَمْ تَذْهَبْ عَيْنُهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَبْقَى لِلَّبَنِ حُكْمُ الْحُرْمَةِ إِذَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ؟ أَمْ لَا يَبْقَى بِهِ حُكْمُهَا، كَالْحَالِ فِي النَّجَاسَةِ إِذَا خَالَطَتِ الْحَلَالَ الطَّاهِرَ؟ وَالْأَصْلُ الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ انْطِلَاقُ اسْمِ اللَّبَنِ عَلَيْهِ كَالْمَاءِ هَلْ يَطْهُرُ إِذَا خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ؟

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَأَمَّا هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَى الْحَلْقِ؟ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ؟ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ سَبَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي السَّعُوطِ بِاللَّبَنِ وَالْحُقْنَةِ بِهِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَوْضِعِ الشَّكِّ، هَلْ يَصِلُ اللَّبَنُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ؟ أَوْ لَا يَصِلُ؟

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَأَمَّا هَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ اللَّبَنُ، أَعْنِي: زَوْجَ الْمَرْأَةِ، أَبًا لِلْمُرْضَعِ، حَتَّى يُحَرِّمَ بَيْنَهُمَا وَمِنْ قِبَلِهِمَا مَا يُحَرِّمُ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ الَّذِينَ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا لَبَنَ الْفَحْلِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعَيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: لَبَنُ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْفَحْلِ.
وَبِالْأَوَّلِ قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَبِالْقَوْلِ الثَّانِي قَالَتْ عَائِشَةُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ عُمَرَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَشْهُورِ، أَعْنِي: آيَةَ الرَّضَاعِ.
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هُوَ قَالَتْ: «جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، وَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَهُ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ! فَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَالِكٌ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَا فِي الْحَدِيثِ شَرْعٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:

﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] ، وَعَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ» - قَالَ: لَبَنُ الْفَحْلِ مُحَرِّمٌ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الرَّضَاعِ وَقَوْلَهُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ» إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى جِهَةِ التَّأْصِيلِ لِحُكْمِ الرَّضَاعِ ; إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ - قَالَ: ذَلِكَ الْحَدِيثُ إِنْ عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِهَذِهِ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُغَيِّرَةَ لِلْحُكْمِ نَاسِخَةٌ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهَا التَّحْرِيمَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ، وَهِيَ الرَّاوِيَةُ لِلْحَدِيثِ.
وَيَصْعُبُ رَدُّ الْأُصُولِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا التَّأْصِيلُ وَالْبَيَانُ عِنْدَ وَقْتِ الْحَاجَةِ بِالْأَحَادِيثِ النَّادِرَةِ وَبِخَاصَّةٍ الَّتِي تَكُونُ فِي عَيْنٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ لِحَدِيثِ امْرَأَةٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ.
وَقُومَا قَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ، وَقَوْمًا قَالُوا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ - مِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ فُشُوَّ قَوْلِهِمَا بِذَلِكَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَالَّذِينَ أَجَازُوا أَيْضًا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فُشُوَّ قَوْلِهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ أَقَلَّ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَمَّا بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالِاثْنَتَيْنِ فَاخْتِلَافُهُمْ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ هَلْ عَدِيلُ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ امْرَأَتَانِ فِيمَا لَيْسَ يُمْكِنُ فِيهِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ؟ أَوْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَتَانِ؟ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فَمُخَالَفَةُ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِلْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنَ الرِّجَالِ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ، وَأَنَّ حَالَ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنْ حَالِ الرِّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَحْوَالُهُنَّ فِي ذَلِكَ مُسَاوِيَةً لِلرِّجَالِ.
وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِشَهَادَةِ وَاحِدَةٍ، وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ هُوَ حَدِيثُ «عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ» . وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُصُولِ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَأَمَّا صِفَةُ الْمُرْضِعَةِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ لَبَنُ كُلِّ امْرَأَةٍ بَالِغٍ وَغَيْرِ

بَالِغٍ، وَالْيَائِسَةِ مِنَ الْمَحِيضِ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ.
وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ حُرْمَةً لِلَبَنِ الرَّجُلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ وُجِدَ فَلَيْسَ لَبَنًا إِلَّا بِاشْتِرَاكِ الِاسْمِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي لَبَنِ الْمَيِّتَةِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَتَنَاوَلُهَا الْعُمُومُ؟ أَوْ لَا يَتَنَاوَلُهَا؟ وَلَا لَبَنَ لِلْمَيِّتَةِ إِنْ وُجِدَ لَهَا إِلَّا بِاشْتِرَاكِ الِاسْمِ، وَيَكَادُ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةً غَيْرَ وَاقِعَةٍ فَلَا يَكُونُ لَهَا وُجُودٌ إِلَّا فِي الْقَوْلِ.

[الْفَصْلُ الرَّابِعِ فِي مَانِعِ الزِّنَى]

وَاخْتَلَفُوا فِي زَوَاجِ الزَّانِيَةِ، فَأَجَازَ الْجُمْهُورُ، وَمَنَعَهَا قَوْمٌ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]- هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الذَّمِّ؟ أَوْ مَخْرَجَ التَّحْرِيمِ؟ وَهَلِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]- إِلَى الزِّنَى؟ أَوْ إِلَى النِّكَاحِ؟ وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الذَّمِّ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَوْجَتِهِ أَنَّهَا لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: طَلِّقْهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّهَا.
فَقَالَ لَهُ: فَأَمْسِكْهَا» . وَقَالَ قَوْمٌ أَيْضًا: إِنَّ الزِّنَى يَفْسَخُ النِّكَاحَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ.
وَأَمَّا زَوَاجُ الْمُلَاعَنَةِ مِنْ زَوْجِهَا الْمُلَاعِنِ فَسَنَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ اللِّعَانِ.

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي مَانِعِ الْعَدَدِ]

  • وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ أَرْبَعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ مَعًا، وَذَلِكَ لِلْأَحْرَارِ مِنَ الرِّجَالِ.
    وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي الْعَبِيدِ، وَفِيمَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ.
    أَمَّا الْعَبِيدُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ.
    وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الْعُبُودِيَّةُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ هَذَا الْعَدَدِ كَمَا لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ نِصْفِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْحُرِّ فِي الزِّنَى، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ؟ وَذَاكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى تَنْصِيفِ حَدِّهِ فِي الزِّنَى، أَعْنِي أَنَّ حَدَّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
    وَأَمَّا مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْخَامِسَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ» . وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ قَالَ لِغَيْلَانَ لَمَّا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: " أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ تِسْعٌ،

وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَجَازَ التِّسْعَ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ - أَعْنِي: جَمْعَ الْأَعْدَادِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]-.

[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي مَانِعِ الْجَمْعِ]

  • وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِهِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ.
    وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] لِعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي آخِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يَعُودَ لِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنَ التَّحْرِيمِ إِلَّا مَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ، فَيَخْرُجُ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] . مِلْكُ الْيَمِينِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَّا إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، فَيَبْقَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ عَلَّلْنَا ذَلِكَ بِعِلَّةِ الْأُخُوَّةِ أَوْ بِسَبَبٍ مَوْجُودٍ فِيهِمَا.
    وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْمَنْعِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِنِكَاحٍ وَالْأُخْرَى بِمِلْكِ يَمِينٍ، فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَوَاتُرِهِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَمَّةَ هَا هُنَا هِيَ كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْتٌ لِذَكَرٍ لَهُ عَلَيْكَ وِلَادَةٌ، إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ ذَكَرٍ آخَرَ، وَأَنَّ الْخَالَةَ: هِيَ كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْتٌ لِكُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْكَ وِلَادَةٌ، إِمَّا بِنَفْسِهَا، وَإِمَّا بِتَوَسُّطِ أُنْثَى غَيْرِهَا، وَهُنَّ الْحُرَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، أَمْ هُوَ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ؟ وَالَّذِينَ قَالُوا: هُوَ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ اخْتَلَفُوا أَيُّ عَامٍّ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ - وَهُمُ الْأَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: هُوَ خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَقَطْ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ مَنْ نُصَّ عَلَيْهِ.
    وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ خَاصٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرَّمَةٌ أَوْ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ، وَلَا بَيْنَ ابْنَتي خَالٍ أَوْ خَالَةٍ، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ عَمِّهَا أَوْ بِنْتِ عَمَّتِهَا، أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِنْتِ خَالَتِهَا.
    وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قُرَابَةٌ مُحَرِّمَةٌ، أَعْنِي: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا.
    وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنِ اشْتَرَطَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا - أَعْنِي: إِذَا جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ

مِنْهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى فَلَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا ; فَهَؤُلَاءِ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ذَكَرٌ يَحْرُمُ التَّزْوِيجُ ; وَلَمْ يَحْرُمْ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ ; فَإِنَّ الْجَمْعَ يَجُوزُ، كَالْحَالِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ إِنْ وَضَعْنَا الْبِنْتَ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ مِنْهُ لِأَنَّهَا زَوْجُ أَبِيهِ، وَإِنْ جَعْلَنَا الْمَرْأَةَ ذَكَرًا حَلَّ لَهَا نِكَاحُ ابْنَةِ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا تَكُونُ ابْنَةَ الأَجْنَبِيّ، وَهَذَا الْقَانُونُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَأُولَئِكَ يَمْنَعُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ زَوْجِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا.

[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي مَوَانِعِ الرِّقِّ]

ِّ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ، وَلِلْحُرَّةِ أَنْ تَنْكِحَ الْعَبْدَ إِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ.
فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: عَدَمِ الطَّوْلِ، وَخَوْفِ الْعَنَتِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ﴾ [النساء: 25] الْآيَةَ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: 32] الْآيَةَ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] الْآيَةَ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الطَّوْلِ إِلَى الْحُرَّةِ.
وَالثَّانِي: خَوْفُ الْعَنَتِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ إِنْكَاحَهُنَّ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، وَاحِدًا كَانَ الْحُرُّ أَوْ غَيْرَ وَاحِدٍ، خَائِفًا لِلْعَنَتْ أَوْ غَيْرَ خَائِفٍ.
لَكِنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ أَقْوَى هَا هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنَ الْعُمُومِ، لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يُتَعَرَّضْ فِيهِ إِلَى صِفَاتِ الزَّوْجِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ الْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِنَّ وَأَلَّا يُجْبَرْنَ عَلَى النِّكَاحِ، وَهُوَ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِرْقَاقِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، أَعْنِي: الَّذِينَ لَمْ يُجِيزُوا النِّكَاحَ إِلَّا بِالشَّرْطَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا: أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ: هَلْ هِيَ طَوْلٌ، أَوْ لَيْسَتْ بِطَوْلٍ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ طَوْلٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَتْ بِطَوْلٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَانِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ وُجِدَ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ نِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَهٍ وَاحِدَةٍ: ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ أَوْ ثِنْتَانِ؟ فَمَنْ قَالَ: إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَلَيْسَ يَخَافُ الْعَنَتَ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَزَبٍ، قَالَ: إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَمَنْ قَالَ: خَوْفُ الْعَنَتِ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِإِطْلَاقٍ، سَوَاءٌ كَانَ عَزَبًا أَوْ

مُتَأَهِّلًا، لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ الْأُولَى مَانِعَةً مِنَ الْعَنَتِ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حُرَّةٍ تَمْنَعُهُ مِنَ الْعَنَتِ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً، لِأَنَّ حَالَهُ مَعَ هَذِهِ الْحُرَّةِ فِي خَوْفِ الْعَنَتِ كَحَالِهِ قَبْلَهَا، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا خَشِيَ الْعَنَتَ مِنَ الْأَمَةِ الَّتِي يُرِيدُ نِكَاحَهَا.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَنْكِحُ أَمَةً ثَانِيَةً عَلَى الْأَمَةِ الْأُولَى أَوْ لَا يَنْكِحُهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ خَوْفَ الْعَنَتِ مَعَ كَوْنِهِ عَزَبًا إِذْ كَانَ الْخَوْفُ عَلَى الْعَزْبِ أَكْثَرَ قَالَ: لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ مُطْلَقًا قَالَ: يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ إِنَّهُ يَنْكِحُ عَلَى الْحُرَّةِ.
وَاعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ.
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى الْحُرَّةِ أَمَةً، فَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَهَلْ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ، أَوْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؟ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَجَدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ: هَلْ يُفَارِقُ الْأَمَةَ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ عَنْهُ خَوْفُ الْعَنَتِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهَا - أَعْنِي: أَصْحَابَ مَالِكٍ -. وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ مَنْ مَلَكَتْهُ وَأَنَّهَا إِذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ.

[الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي مَانِعِ الْكُفْرِ]

  • وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْكِحَ الْوَثَنِيَّةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] . وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِهَا بِالْمِلْكِ.
    وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ الْكِتَابِيَّةَ الْحُرَّةَ، إِلَّا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
    وَاخْتَلَفُوا فِي إِحْلَالِ الْكِتَابِيَّةِ الْأَمَةِ بِالنِّكَاحِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِحْلَالِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
    وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي نِكَاحِ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، مُعَارَضَةُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] وَهُنَّ الْمَسْبِيَّاتُ، وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُشْرِكَةً أَوْ كِتَابِيَّةً، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهَا.
    وَبِالْجَوَازِ قَالَ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ مَا رُوِيَ مِنْ نِكَاحِ الْمَسْبِيَّاتِ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسَ إِذِ اسْتَأْذَنُوهُ فِي الْعَزْلِ فَأَذِنَ لَهُمْ.
    وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لِجَوَازِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ الْأَحْرَارِ بِالْعَقْدِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بِنَاءُ الْخُصُوصِ عَلَى الْعُمُومِ، أَعْنِي: أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: 5] هُوَ خُصُوصٌ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] هُوَ عُمُومٌ، فَاسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ الْخُصُوصَ مِنَ الْعُمُومِ.
    وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ جَعَلَ الْعَامَّ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.
    وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي إِحْلَالِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ بِالنِّكَاحِ لِمُعَارَضَةِ الْعُمُومِ فِي ذَلِكَ الْقِيَاسَ، وَذَلِكَ أَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى الْحُرَّةِ يَقْتَضِي إِبَاحَةَ تَزْوِيجِهَا، وَبَاقِي الْعُمُومِ إِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ الْحُرَّةُ يُعَارِضُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا خُصِّصَ بَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الْعُمُومِ، فَمَنْ

خَصَّصَ الْعُمُومَ الْبَاقِيَ بِالْقِيَاسِ ; أَوْ لَمْ يَرَ الْبَاقِيَ مِنَ الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ عُمُومًا قَالَ: يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ.
وَمَنْ رَجَّحَ بَاقِيَ الْعُمُومِ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ عَلَى الْقِيَاسِ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَهُنَا أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ لِاخْتِلَافِهِمْ: وَهُوَ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] يُوجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْغَيْرِ مُؤْمِنَةٍ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْحُرَّةِ يُوجِبُ ذَلِكَ، [وَالْقِيَاسُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ يَجُوزُ فِيهِ النِّكَاحُ بِالتَّزْوِيجِ، وَيَجُوزُ فِيهِ النِّكَاحُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَصْلُهُ الْمُسْلِمَاتُ، وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ ثَمَّ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ بِالتَّزْوِيجِ إِلَّا بِشَرْطٍ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُجَوَّزَ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ بِالتَّزْوِيجِ] . وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى إِحْلَالِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ السَّبْيَ يُحِلُّ الْمَسْبِيَّةَ الْغَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ هَلْ يَهْدِمُ السَّبْيُ نِكَاحَهَا ; وَإِنْ هَدَمَ فَمَتَى يَهْدِمُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ سُبِيَا مَعًا - أَعْنِي: الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ - لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهَا، وَإِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ السَّبْيُ يَهْدِمُ سُبِيَا مَعًا أَوْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّبْيَ لَا يَهْدِمُ النِّكَاحَ أَصْلًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَهْدِمُ بِإِطْلَاقٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَهْدِمُ أَوْ لَا يَهْدِمُ: هُوَ تَرَدُّدُ الْمُسْتَرَقِّينَ الَّذِينَ أَمِنُوا مِنَ الْقَتْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ الذِّمِّيِّينَ أَهْلِ الْعَهْدِ ; وَبَيْنَ الْكَافِرَةِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، أَوِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ كَافِرٍ، وَأَمَّا تَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ أَنْ يُسْبَيَا مَعًا، وَبَيْنَ أَنْ يُسْبَى أَحَدُهُمَا فَلِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ عِنْدَهُ فِي الْإِحْلَالِ هُوَ اخْتِلَافُ الدَّارِ بِهِمَا لَا الرِّقُّ، وَالْمُؤَثِّرَ فِي الْإِحْلَالِ عِنْدَ غَيْرِهِ هُوَ الرِّقُّ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ هَلْ هُوَ الرِّقُّ مَعَ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ؟ وَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلزَّوْجِيَّةِ هَا هُنَا حُرْمَةٌ، لِأَنَّ مَحَلَّ الرِّقِّ.
وَهُوَ الْكُفْرُ سَبَبُ الْإِحْلَالِ: وَأَمَّا تَشْبِيهُهَا بِالذِّمِّيَّةِ فَبَعِيدٌ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إِنَّمَا أَعْطَى الْجِزْيَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُقَرَّ عَلَى دِينِهِ فَضْلًا عَنْ نِكَاحِهِ.

[الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي مَانِعِ الْإِحْرَامِ]

ِ. - وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، فَإِنْ فَعَلَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ النَّقْلِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتُ النَّقْلِ

خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ، وَعَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ مَيْمُونَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوِيَتْ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ مَوْلَاهَا، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ.
وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» . فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» . وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ; بِأَنْ حَمَلَ النَّهْيَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ قَالَ: يَنْكِحُ وَيُنْكِحُ.
وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعَارُضِ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، وَالْوَجْهُ الْجَمْعُ، أَوْ تَغْلِيبُ الْقَوْلِ.

[الْفَصْلُ الْعَاشِرُ نِكَاحِ الْمَرِيضِ]

الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: فِي مَانِعِ الْمَرَضِ - وَاخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِ الْمَرِيضِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ يُفَرّقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّفْرِيقَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ النِّكَاحِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَبَيْنَ الْهِبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمَرِيضِ إِلَّا مِنَ الثُّلُثِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلِاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ: هَلْ يُتَّهَمُ عَلَى إِضْرَارِ الْوَرَثَةِ بِإِدْخَالِ وَارِثٍ زَائِدٍ أَوْ لَا يُتَّهَمُ؟ وَقِيَاسُ النِّكَاحِ عَلَى الْهِبَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ إِذَا حَمَلَهَا الثُّلُثُ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِالنِّكَاحِ هُنَا بِالثُّلُثِ، وَرَدُّ جَوَازِ النِّكَاحِ بِإِدْخَالِ وَارِثٍ قِيَاسٌ مَصْلَحِيٌّ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَكَوْنُهُ يُوجِبُ مَصَالِحَ لَمْ يَعْتَبِرْهَا الشَّرْعُ إِلَّا فِي جِنْسٍ بَعِيدٍ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي يُرَامُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْمَصْلَحَةِ، حَتَّى أَنَّ قَوْمًا رَأَوْا أَنَّ الْقَوْلَ بِهَذَا الْقَوْلِ شَرْعٌ زَائِدٌ، وَإِعْمَالَ هَذَا الْقِيَاسِ يُوهِنُ مَا فِي الشَّرْعِ مِنَ التَّوْقِيفِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَمَا لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ.
وَالتَّوَقُّفُ أَيْضًا عَنِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ تَطَرَّقَ لِلنَّاسِ أَنَّ يَتَسَرَّعُوا لِعَدَمِ السُّنَنِ الَّتِي فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ إِلَى الظُّلْمِ، فَلْنُفَوِّضْ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمَصَالِحِ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِحِكْمَةِ الشَّرَائِعِ الْفُضَلَاءِ الَّذِينَ لَا يُتَّهَمُونَ بِالْحُكْمِ بِهَا ; وَبِخَاصَّةٍ إِذَا فُهِمْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِظَوَاهِرِ الشَّرَائِعِ تَطَرُّقًا إِلَى الظُّلْمِ، وَوَجْهُ عَمَلِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَوَاهِدِ الْحَالِ، فَإِنْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ خَيْرًا لَا يُمْنَعُ النِّكَاحُ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِوَرَثَتِهِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّنَائِعِ يَعْرِضُ فِيهَا لِلصُّنَّاعِ الشَّيْءُ وَضِدُّهُ مِمَّا اكْتَسَبُوا مِنْ قُوَّةِ مِهْنَتِهِمْ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ فِي ذَلِكَ حَدٌّ مُؤَقَّتٌ صِنَاعِيٌّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّنَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ.

[الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي مَانِعِ الْعِدَّةِ]

الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ: فِي مَانِعِ الْعِدَّةِ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ فِي الْعِدَّةِ، كَانَتْ عِدَّةَ حَيْضٍ، أَوْ عِدَّةَ حَمْلٍ، أَوْ عِدَّةَ أَشْهُرٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا وَدَخَلَ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ فِي تَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ على قَوْلِ الصَّاحِبِ حُجَّةٌ، أَمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؟ وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَّقَ بَيْنَ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّةَ وَبَيْنَ زَوْجِهَا رَاشِدٍ الثَّقَفِيِّ لَمَّا تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْ زَوْجٍ ثَانٍ وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ كَانَ الْآخَرُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ; وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الْآخَرِ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ". قَالَ سَعِيدٌ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا.
وَرُبَّمَا عَضَّدُوا هَذَا الْقِيَاسَ بِقِيَاسِ شَبَهٍ ضَعِيفٍ مُخْتَلَفٍ فِي أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي النَّسَبِ شُبْهَةً فَأَشْبَهَ الْمُلَاعِنَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مُخَالَفَةُ عُمَرَ فِي هَذَا.
وَالْأَصْلُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَضَى بِتَحْرِيمِهَا، وَكَوْنِ الْمَهْرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا أَنْكَرَهُ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ: وَجَعَلَ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَمْ يَقْضِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهَا بِالْعَقْدِ فَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ حَتَّى تَضَعَ، لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَاخْتَلَفُوا إِنْ وَطِيءَ هَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ الْوَلَدُ أَوْ لَا يَعْتِقُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ مَاؤُهُ مُؤَثِّرٌ فِي خِلْقَتِهِ أَوْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُؤَثِّرٌ كَانَ لَهُ ابْنًا بِجِهَةٍ مَا، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «كَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَقَدْ غَذَّاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ» . وَأَمَّا النَّظَرُ فِي مَانِعِ التَّطْلِيقِ ثَلَاثًا، فَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.

[الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي مَانِعِ الزَّوْجِيَّةِ]

ِ - وَأَمَّا مَانِعُ الزَّوْجِيَّةِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَانِعَةٌ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّينَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْبِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْأَمَةِ إِذَا بِيعَتْ هَلْ يَكُونُ بَيْعُهَا طَلَاقًا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ طَلَاقٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] يَقْتَضِي الْمَسْبِيَّاتِ وَغَيْرَهُنَّ، وَتَخْيِيرُ بَرِيرَةَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْعُهَا طَلَاقًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْعُهَا طَلَاقًا لَمَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلَكَانَ نَفْسُ شِرَاءِ عَائِشَةَ لَهَا طَلَاقًا مِنْ زَوْجِهَا.
وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ: مَا خَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَرِيَّةً، فَأَصَابُوا حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ يَوْمَ أَوْطَاسَ، فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَأَصَابُوا نِسَاءً لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، وَكَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَثَّمُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] » . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَلْيَقُ بِكِتَابِ الطَّلَاقِ.
فَهَذِهِ هِيَ جُمْلَةُ الْأَشْيَاءِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْأَنْكِحَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهِيَ كَمَا قُلْنَا رَاجِعَةٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ: صِفَةِ الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَصِفَةِ الْعَقْدِ، وَصِفَةِ الشُّرُوطِ فِي الْعَقْدِ.
وَأَمَّا الْأَنْكِحَةُ الَّتِي انْعَقَدَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ إِذَا كَانَ مِنْهُمَا مَعًا - أَعْنِي: مِنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ -، وَقَدْ كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى مَنْ يَصِحُّ ابْتِدَاءً الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُصَحِّحُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ.
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ.
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَمِنَ الْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ

وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَخْتَارُ الْأَوَائِلَ مِنْهُنَّ فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إِذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ فَارَقَهُمَا جَمِيعًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَ أَيَّتِهُمَا شَاءَ، وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ غَيْرُهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَثَرَانِ: أَحَدُهُمَا: مُرْسَلُ مَالِكٍ: «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَامَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» . الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ: «أَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» . وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُخَالِفُ لِهَذَا الْأَثَرِ: فَتَشْبِيهُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَوَاخِرِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ - أَعْنِي: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ فَاسِدٌ فِي الْإِسْلَامِ كَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ -، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْآخَرُ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ وَهِيَ فَنِكَاحُهَا ثَابِتٌ، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَذَلِكَ: «أَنَّ زَوْجَهُ عَاتِكَةَ ابنة الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ هُوَ، فَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نِكَاحِهِ ". قَالُوا: وَكَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مَنْ شَهْرٍ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، إِلَّا أَنْ يَقْدُمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ إِسْلَامِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ إِذَا عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَبَتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَوَاءٌ أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ ; أَوِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ إِذَا وَقَعَ الْإِسْلَامُ الْمُتَأَخِّرُ فِي الْعِدَّةِ ثَبَتَ النِّكَاحُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] يَقْتَضِي الْمُفَارَقَةَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمُعَارِضُ لِمُقْتَضَى هَذَا الْعُمُومِ: فَمَا رُوِيَ: «مِنْ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَسْلَمَ قَبْلَ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَتِهِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَهِنْدٌ بِهَا كَافِرَةٌ، فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ، وَقَالَتْ: اقْتُلُوا الشَّيْخَ الضَّالَّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ فَاسْتَقَرُّا عَلَى نِكَاحِهِمَا» . وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِلْأَثَرِ: فَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُسْلِمَ هِيَ قَبْلَهُ، أَوْ هُوَ قَبْلَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ مُعْتَبَرَةً فِي إِسْلَامِهَا قَبْلُ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ فِي إِسْلَامِهِ أَيْضًا قَبْلُ.

فصول الكتاب · 4 فصل · 258 صفحة
جارٍ التحميل