بداية المجتهد ونهاية المقتصدصفحات 205-245
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِجَارَاتِ

صفحات 205-245

طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ.
فَمَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ قِبَلِ السَّمَاعِ فِيهِ دِيَةٌ فَالْأَصْلُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَوَاجِبَ لَيْسَتْ أَعْضَاءً لَهَا مَنْفَعَةٌ وَلَا فِعْلٌ بَيِّنٌ، أَعْنِي: ضَرُورِيًّا فِي الْخِلْقَةِ.
وَأَمَّا الْأَجْفَانُ فَقِيلَ: فِي كُلِّ جَفْنٍ مِنْهَا رُبُعُ الدِّيَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْعَيْنِ دُونَ الْأَجْفَانِ.
وَفِي الْجَفْنَيْنِ الْأَسْفَلَيْنِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا الثُّلُثُ وَفِي الْأَعْلَيَيْنِ الثُّلُثَانِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ تُصَابَ عَيْنَاهُ وَأَنْفُهُ فَلَهُ دِيَتَانِ.
وَأَمَّا الْأُنْثَيَانِ فَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ فِيهِمَا الدِّيَةَ، وَقَالَ جَمِيعُهُمْ: إِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى ثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مِنْهَا، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثُ الدِّيَةِ.
فَهَذِهِ مَسَائِلُ الْأَعْضَاءِ الْمُزْدَوِجَةِ.
وَأَمَّا الْمُفْرَدَةُ فَإِنَّ جُمْهُورَهُمْ عَلَى أَنَّ فِي اللِّسَانِ خَطَأً الدِّيَةُ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَلِكَ إِذَا قُطِعَ كُلُّهُ أَوْ قُطِعَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الْكَلَامَ.
فَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِصَاصِ فِيهِ عَمْدًا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ قِصَاصًا، وَأَوْجَبَ الدِّيَةَ، وَهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْكُوفِيُّ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى الدِّيَةَ فِي مَالِ الْجَانِي، وَالْكُوفِيُّ وَمَالِكٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ: فِي اللِّسَانِ عَمْدًا الْقِصَاصُ.
وَأَمَّا الْأَنْفُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُوعِبَ جَدْعًا عَلَى أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ، وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ ذَهَبَ الشَّمُّ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ.
وَعِنْدَهُ أَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَفِي ذَهَابِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الذَّكَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْوَطْءُ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
وَاخْتَلَفُوا فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ وَالْخَصِيِّ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ فِيهَا الدِّيَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ فِيهَا حُكُومَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً.
وَأَقَلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عِنْدَ مَالِكِ قَطْعُ الْحَشَفَةِ، ثُمَّ فِي بَاقِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ.
وَأَمَّا عَيْنُ الْأَعْوَرِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ كَمَا فِي عَيْنِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ لِلْأَعْوَرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا لِغَيْرِ الْأَعْوَرِ، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَعْنِي عُمُومَ قَوْلِهِ: «وَفِي الْعَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ» ، وَقِيَاسًا أَيْضًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَطَعَ يَدَ مَنْ لَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ.

فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ، وَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْقِيَاسِ.
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ، فَأَذْهَبَ بَعْضَ بَصَرِهَا - مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَرَ بِالَّذِي أُصِيبَ بَصَرُهُ بِأَنْ عُصِبَتْ عَيْنُهُ الصَّحِيحَةُ.
وَأَعْطَى رَجُلًا بَيْضَةً، فَانْطَلَقَ بِهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يُبْصِرْهَا، فَخَطَّ أَوَّلَ ذَلِكَ خَطًّا فِي الْأَرْضِ.
ثُمَّ أَمَرَ بِعَيْنِهِ الْمُصَابَةِ فَعُصِبَتْ وَفُتِحَتِ الصَّحِيحَةُ.
وَأَعْطَى رَجُلًا الْبَيْضَةَ بِعَيْنِهَا، فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى خَفِيَتْ عَنْهُ.
فَخَطَّ أَيْضًا عِنْدَ أَوَّلِ مَا خَفِيَتْ عَنْهُ فِي الْأَرْضِ خَطًّا، ثُمَّ عَلَّمَ مَا بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مِنَ الْمَسَافَةِ، وَعَلَّمَ مِقْدَارَ ذَلِكَ مِنْ مُنْتَهَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ، فَأَعْطَاهُ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الدِّيَةِ.
وَيَخْتَبِرُ صِدْقَهُ فِي مَسَافَةِ إِدْرَاكِ الْعَيْنِ الْعَلِيلَةِ وَالصَّحِيحَةِ بِأَنْ يَخْتَبِرَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا شَتَّى فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِنْ خَرَجَتْ مَسَافَةُ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَ وَاحِدَةً عَلِمْنَا أَنَّهُ صَادِقٌ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الشَّكْلِ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: فِيهَا حُكُومَةٌ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فِيهَا عُشْرُ الدِّيَةِ مِائَةُ دِينَارٍ.
وَحَمَلَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ تَقْوِيمًا لَا تَفْوِيتًا.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الشَّكْلِ وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَتِمُّ دِيَةُ السِّنِّ بِاسْوِدَادِهَا، ثُمَّ فِي قَلْعِهَا بَعْدَ اسْوِدَادِهَا دِيَةٌ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ عَمْدًا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنْ لَمْ يَعْفُ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَإِنْ عَفَا فَلَهُ الدِّيَةُ؛ قَالَ قَوْمٌ: كَامِلَةٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: نِصْفُهَا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَ مَالِكٌ.
وَبِالدِّيَةِ كَامِلَةً قَالَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَابْنُ دِينَارٍ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَيْسَ لِلصَّحِيحِ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنُهُ إِلَّا الْقَوَدُ، أَوْ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى جَمِيعَ الدِّيَةِ عَلَيْهِ إِذَا عَفَا عَنِ الْقَوَدِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ مَا تَرَكَ لَهُ وَهِيَ الْعَيْنُ الْعَوْرَاءُ، وَهِيَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمَذْهَبُ عُمَرُ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ - أَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ إِذَا فُقِئَتْ وَجَبَ فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ فِي مَعْنَى الْعَيْنَيْنِ كِلْتَيْهِمَا إِلَّا الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ، فَإِذَا تَرَكَهَا لَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا.
وَعُمْدَةُ أُولَئِكَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ، أَعْنِي: أَنَّ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَمْدَ لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ مَحْدُودَةٌ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي بَابِ الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: إِنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وَإِنَّ الْأَصَابِعَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنَّ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثَ الْعَشْرِ إِلَّا مَالَهُ مِنَ الْأَصَابِعِ أُنْمُلَتَانِ كَالْإِبْهَامِ، فَفِي أُنْمُلَتِهِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ.

وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» . وَخَرَّجَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْأَصَابِعِ بِعُشْرِ الْعَشْرِ» ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهِيَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِحَسَبِ مَا يَرَى وَاحِدٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي الدِّيَةِ مِنَ الْوَرِقِ، فَهِيَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عُشْرُهَا، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آلَافٍ عُشْرُهَا.
وَرُوِيَ عَنِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ اخْتِلَافٌ فِي عَقْلِ الْأَصَابِعِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا بِعَقْلِ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرِ فَرَائِضَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرٌ، وَفِي الْوُسْطَى عَشْرٌ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَمَانٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ سَبْعٌ.
وَأَمَّا التَّرْقُوَةُ وَالضِّلْعُ فَفِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ حُكُومَةٌ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهَا تَوْقِيتٌ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ، وَالضِّلْعِ بِجَمَلٍ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ.
وَعُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوْقِيتٌ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا حُكُومَةٌ.
وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ مِنْ أَسْنَانِ الْفَمِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ وَذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ.
وَأَمَّا الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهَا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فِي الْأَضْرُسِ بَعِيرَانِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ اعْتَرَضَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَتَجْعَلُ مُقَدَّمَ الْأَسْنَانِ مِثْلَ الْأَضْرَاسِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَصَابِعِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ.
عُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «فِي السِّنِّ خَمْسٌ» ، وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وَاسْمُ السِّنِّ يَنْطَلِقُ عَلَى الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ وَمُؤَخَّرِهِ، وَتَشْبِيهُهَا أَيْضًا بِالْأَصَابِعِ الَّتِي اسْتَوَتْ دِيَتُهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا.
وَعُمْدَةُ مَنْ خَالَفَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّرْعَ يُوجَدُ فِيهِ تَفَاضُلُ الدِّيَاتِ؛ لِتَفَاضُلِ الْأَعْضَاءِ، مَعَ أَنَّهُ يُثْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهِ عَنْ تَوْقِيفٍ.
وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تَثْبُتُ الدِّيَةُ فِيهَا خَطَأً فِيهَا الْقَوَدُ فِي قَطْعِ مَا قُطِعَ وَقَلْعِ مَا قُلِعَ.

وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْرِ مَا كُسِرَ مِنْهَا مِثْلُ السَّاقِ وَالذِّرَاعِ هَلْ فِيهِ قَوَدٌ؟ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْقَوَدَ فِي كَسْرِ جَمِيعِ الْعِظَامِ إِلَّا الْفَخِذَ وَالصُّلْبَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ: لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ مِنَ الْعِظَامِ يُكْسَرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى السِّنَّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ، وَكَذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَادَ فِي السِّنِّ الْمَكْسُورَةِ» مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُقِدْ مِنَ الْعَظْمِ الْمَقْطُوعِ فِي غَيْرِ الْمِفْصَلِ» إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَاتِ الشِّجَاجِ وَأَعْضَائِهَا، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: تُسَاوِي الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِي عَقْلِهَا مِنَ الشِّجَاجِ وَالْأَعْضَاءِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ.
فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ عَادَتْ دِيَتُهَا إِلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، أَعْنِي: دِيَةَ أَعْضَائِهَا مِنْ أَعْضَائِهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِهَا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي اثْنَيْنِ مِنْهَا عِشْرُونَ، وَفِي ثَلَاثَةٍ ثَلَاثُونَ، وَفِي أَرْبَعَةٍ عِشْرُونَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ دِيَةُ جِرَاحَةِ الْمَرْأَةِ مِثْلُ دِيَةِ جِرَاحَةِ الرَّجُلِ إِلَى الْمُوضِحَةِ، ثُمَّ تَكُونُ دِيَتُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ قَوْلَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ دِيَةُ الْمَرْأَةِ فِي جِرَاحِهَا وَأَطْرَافِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إِلَّا أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا.
وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَعُمْدَةُ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، فَوَاجِبٌ التَّمَسُّكُ بِهَذَا الْأَصْلِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ مِنَ السَّمَاعِ الثَّابِتِ؛ إِذِ الْقِيَاسُ فِي الدِّيَاتِ لَا يَجُوزُ وَبِخَاصَّةٍ لِكَوْنِ الْقَوْلِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ لِسَعِيدٍ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ عَنْهُ.
وَلَا اعْتِمَادَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى إِلَّا مَرَاسِيلَ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ حِينَ سَأَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهَا؟ قَالَ: عِشْرُونَ.
قُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ بَلِيَّتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا!؟ قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قُلْتُ: بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ.
قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ مُرْسَلِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ وَعِكْرِمَةَ.
وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْقَوْلَ بِهِ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، لَكِنَّ فِي هَذَا ضَعْفٌ؛ إِذْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ الْقَوْلَ بِهِ إِمَّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْقِيَاسَ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ فِي ذَلِكَ قِيَاسٌ ثَانٍ، أَوْ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ.
فَهَذِهِ حَالُ دِيَاتِ جِرَاحِ الْأَحْرَارِ وَالْجِنَايَاتِ عَلَى أَعْضَائِهَا الذُّكُورِ مِنْهَا وَالْإِنَاثِ.

وَأَمَّا جِرَاحُ الْعَبِيدِ وَقَطْعُ أَعْضَائِهِمْ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ فِي جِرَاحِهِمْ وَقَطْعِ أَعْضَائِهِمْ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهِ قَدْرُ مَا فِي ذَلِكَ الْجُرْحِ مِنْ دِيَتِهِ، فَيَكُونُ فِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي عَيْنِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ إِلَّا مُوضِحَتَهُ وَمُنَقِّلَتَهُ وَمَأْمُومَتَهُ، فَفِيهَا مِنْ ثَمَنِهِ قَدْرُ مَا فِيهَا فِي الْحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ تَشْبِيهُهُ بِالْعُرُوضِ، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي تَشْبِيهُهُ بِالْحُرِّ؛ إِذْ هُوَ مُسْلِمٌ وَمُكَلَّفٌ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ مِنْ هَذِهِ إِذَا جَاوَزَتِ الثُّلُثَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الثُّلُثَ فَمَا زَادَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الْعُشْرَ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ.
قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ: الْمُوضِحَةُ فَمَا زَادَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ هِيَ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ، فَمَنْ خَصَّصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَلَا عُمْدَةَ لِلْفَرِيقِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ مَعْمُولٌ بِهِ وَمَشْهُورٌ.
وَهُنَا انْقَضَى هَذَا الْكِتَابُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ.

[كِتَابُ الْقَسَامَةِ]

ِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَسَامَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ لِفُرُوعِ هَذَا الْبَابِ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ؟ أَمْ لَا؟ الثَّانِيَةُ: إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا هَلْ يَجِبُ بِهَا الدَّمُ؟ أَوِ الْفِدْيَةُ؟ أَوْ دَفْعُ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يَبْدَأُ بِالْأَيْمَانِ فِيهَا الْمُدَّعُونَ؟ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ؟ وَكَمْ عَدَدُ الْحَالِفِينَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ؟ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِيمَا يُعَدُّ لَوْثًا يَجِبُ بِهِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى: أَمَّا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَسُفْيَانُ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ عُلَيَّةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي أَلْفَاظِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهَا أَنَّ الْقَسَامَةَ مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهَا، فَمِنْهَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ أَنْ لَا يَحْلِفَ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى مَا عَلِمَ قَطْعًا أَوْ شَاهَدَ حِسًّا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْسِمُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ، وَهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا الْقَتْلَ؟ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ فِي بَلَدٍ وَالْقَتْلُ فِي بَلَدٍ آخَرَ.
وَلِذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزُ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ فَأَضَبَّ الْقَوْمُ، وَقَالُوا: نَقُولُ

إِنَّ الْقَسَامَةَ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ قَدْ أَقَادَ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ وَنَصَّبَنِي لِلنَّاسِ.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاءُ الْأَجْنَادِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِدِمَشْقَ، وَلَمْ يَرَوْهُ - أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عِنْدَكَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ بِحِمْصَ، وَلَمْ يَرَوْهُ - أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ؟ قَالَ: لَا.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قُلْتُ: فَمَا بَالُهُمْ إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِأَرْضِ كَذَا، وَهُمْ عِنْدَكَ - أَقَدْتَ بِشَهَادَتِهِمْ؟ قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْقَسَامَةِ: إِنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا شَاهِدَيْ عَدْلٍ أَنَّ فَلَانًا قَتَلَهُ فَأَقِدْهُ، وَلَا يُقْتَلُ بِشَهَادَةِ الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا.
قَالُوا: وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَيْمَانَ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِشَاطَةِ الدِّمَاءِ.
وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الْأُصُولِ " أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ". وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حُكْمًا جَاهِلِيًّا، فَتَلَطَّفَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُرِيَهُمْ كَيْفَ لَا يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُصُولِ الْإِسْلَامِ؟ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا (أَعْنِي: لِوُلَاةِ الدَّمِ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ) ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نُشَاهِدْ؟ قَالَ: فَيَحْلِفُ لَكُمُ الْيَهُودُ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟» قَالُوا: فَلَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَحْلِفُوا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا لَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ السُّنَّةُ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ غَيْرَ نَصٍّ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَسَامَةِ، وَالتَّأْوِيلُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا فَصَرْفُهَا بِالتَّأْوِيلِ إِلَى الْأُصُولِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهَا وَبِخَاصَّةٍ مَالِكٌ فَرَأَى أَنَّ سُنَّةَ الْقَسَامَةِ سُنَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا مُخَصِّصَةٌ لِلْأُصُولِ كَسَائِرِ السُّنَنِ الْمُخَصِّصَةِ.
وَزَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ حَوْطَةُ الدِّمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَانَ يَكْثُرُ، وَكَانَ يَقِلُّ قِيَامُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِ الْقَاتِلِ إِنَّمَا يَتَحَرَّى بِالْقَتْلِ مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ - جُعِلَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ تَعَسَّرَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ، فَلِهَذَا أَجَازَ مَالِكٌ شَهَادَةَ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى السَّالِبِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِلْأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْلُوبِينَ مُدَّعُونَ عَلَى سَلْبِهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ فِيمَا يَجِبُ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَقُّ بِهَا الدَّمُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ: تُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ فَقَطْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِلَّا دَفْعُ الدَّعْوَى عَلَى الْأَصْلِ فِي أَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَغْرَمُ الدِّيَةَ.
فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ مِنْهَا دَفْعُ الْقَوَدِ فَقَطْ، فَيَكُونُ فِيهَا يَسْتَحِقُّ الْمُقْسِمُونَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ.
فَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَفِيهِ:

«فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» . وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، وَفِيهِ: «فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ؟» . وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ بِهَا الدِّيَةَ فَقَطْ فَهُوَ أَنَّ الْأَيْمَانَ يُوجَدُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَمْوَالِ، أَعْنِي: فِي الشَّرْعِ.
مِثْلَ مَا ثَبَتَ مِنَ الْحُكْمِ فِي الْأَمْوَالِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَمِثْلَ مَا يَجِبُ الْمَالُ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بِالنُّكُولِ، وَقَلْبِهَا عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِقَلْبِ الْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ مَعَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ مَالِكٍ.
وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَهْلٍ.
وَحَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ قَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ، فَأَرْسَلَهُ مَالِكٌ وَأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ السَّبَبَ فِي أَنْ لَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَاعْتَضَدَ عِنْدَهُمُ الْقِيَاسُ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا قَوَدَ بِالْقَسَامَةِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ ". وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهَا دَفْعُ الدَّعْوَى فَقَطْ - فَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي نَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ، أَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهَا يُسْتَوْجَبُ بِهَا مَالٌ أَوْ دَمٌ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالْأَيْمَانِ الْخَمْسِينَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُمْ: يَبْدَأُ الْمُدَّعُونَ، وَقَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: بَلْ يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ بَدَأَ بِالْمُدَّعِينَ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَمُرْسَلُهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ.
وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى التَّبْدِئَةَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ حَثْمَةَ.
وَفِيهِ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ! قَالَ: فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ يَهُودَ! وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطِلَّ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» . قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَوْجَبُ بِالْأَيْمَانِ الْخَمْسِينَ إِلَّا دَفْعُ الدَّعْوَى فَقَطْ.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ الْأَنْصَارِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودَ وَبَدَأَ بِهِمْ: أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا؟ فَأَبَوْا، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: احْلِفُوا! فَقَالُوا: أَنَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةً عَلَى يَهُودَ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» . وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ جَعَلَ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَهُمُ الْغُرْمَ مَعَ ذَلِكَ.
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.
وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، أَعْنِي أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ وَالدِّيَةِ.
وَخُرِّجَ مِثْلُهُ أَيْضًا مِنْ تَبْدِئَةِ الْيَهُودِ بِالْأَيْمَانِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى مَالِكٍ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِلْجُهَنِيِّ الَّذِي ادَّعَى دَمَ وَلِيِّهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَكَانَ أَجْرَى فَرَسَهُ فَوَطِئَ عَلَى أُصْبُعِ الْجُهَنِيِّ فَنُزِيَ مِنْهَا، فَمَاتَ، فَقَالَ: عُمَرُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِمْ: أَتَحْلِفُونَ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا؟ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا وَتَحَرَّجُوا.
فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ: احْلِفُوا! فَأَبَوْا، فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِشَطْرِ الدِّيَةِ ". قَالُوا: وَأَحَادِيثُنَا هَذِهِ أَوْلَى مِنَ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ بِالْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَاهِدٌ لِأَحَادِيثِنَا مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مُوجَبُ الْقَسَامَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا.
أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلُونَ بِهَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِشُبْهَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الشُّبْهَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَتِ الشُّبْهَةُ فِي مَعْنَى الشُّبْهَةِ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَسَامَةِ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَبَيْنَ قَوْمِ الْمَقْتُولِ عَدَاوَةٌ كَمَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ.
وَكَانَتْ خَيْبَرُ دَارَ الْيَهُودِ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، وَوُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ مِنَ الْأَنْصَارِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي نَاحِيَةٍ قَتِيلٌ، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ مُخْتَضِبٌ بِالدَّمِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ عَلَى نَفَرٍ فِي بَيْتٍ، فَوَجَدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلًا.
وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الشُّبَهَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْحُكَّامِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ لِقِيَامِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، أَعْنِي: أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِلَوْثٍ.
وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا لَوْثٌ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
وَكَذَلِكَ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي قَرِينَةِ الْحَالِ الْمُخَيِّلَةِ مِثْلَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ مُتَشَحِّطًا بِدَمِهِ، وَبِقُرْبِهِ

إِنْسَانٌ بِيَدِهِ حَدِيدَةٌ مُدْمَاةٌ.
إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ لَيْسَ لَوْثًا، وَإِنْ كَانَتْ هُنَالِكَ عَدَاوَةٌ بَيْنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الْقَتِيلُ وَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ هَاهُنَا شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِاشْتِرَاطِ اللَّوْثِ فِي وُجُوبِهَا.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهَا قَوْمٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ، وَبِهِ أَثَرٌ - وَجَبَتِ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ.
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ بِنَفْسِ وُجُودِ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ دُونَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ، وَدُونَ وُجُودِ الْأَثَرِ بِالْقَتِيلِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ بِهِ الزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ، قَالَ: الْقَسَامَةُ تَجِبُ مَتَى وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ قَتَلَهُ أَيْنَمَا وُجِدَ، فَادَّعَى وُلَاةُ الدَّمِ عَلَى رَجُلٍ، وَحَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا.
فَإِنْ هُمْ حَلَفُوا عَلَى الْعَمْدِ فَالْقَوَدُ، وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْخَطَأِ فَالدِّيَةُ.
وَلَيْسَ يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا.
وَعِنْدَ مَالِكٍ رَجُلَانِ فَصَاعِدًا مِنْ أُولَئِكَ.
وَقَالَ دَاوُدُ: لَا أَقْضِي بِالْقَسَامَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَانْفَرَدَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ مِنْ بَيْنِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الْقَائِلِينَ بِالْقَسَامَةِ، فَجَعَلَا قَوْلَ الْمَقْتُولِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي - لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ.
وَكُلٌّ قَالَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ شُبْهَةٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ، وَلِمَكَانِ الشُّبْهَةِ رَأَى تَبْدِئَةَ الْمُدَّعِينَ بِالْأَيْمَانِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ الشُّبَهَ عِنْدَ مَالِكٍ تَنْقُلُ الْيَمِينَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الْمُدَّعِي؛ إِذْ سَبَبُ تَعْلِيقِ الشَّرْعِ عِنْدَهُ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ لِقُوَّةِ شُبْهَتِهِ فِيمَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْأَمْوَالِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ نَفْسَ الدَّعْوَى شُبْهَةٌ فَضَعِيفٌ وَمُفَارِقٌ لِلْأُصُولِ وَالنَّصِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخُرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَمَا احْتَجَّتْ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُنَالِكَ أُسْنِدَ إِلَى الْفِعْلِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ.
وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ هَلْ يُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الْقَسَامَةُ إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْسَمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَيُقْتَلُ مِنْهَا وَاحِدٌ عَيَّنَهُ الْأَوْلِيَاءُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ: كُلُّ مَنْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ قُتِلَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَدْلَانِ أَنَّ إِنْسَانًا ضَرَبَ آخَرَ، وَبَقِيَ الْمَضْرُوبُ أَيَّامًا بَعْدَ الضَّرْبِ، ثُمَّ مَاتَ - أَقْسَمَ أَوْلِيَاءُ الْمَضْرُوبِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ وَقِيدَ بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَسَامَةِ فِي الْعَبْدِ، فَبَعْضٌ أَثْبَتَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَشْبِيهًا بِالْحُرِّ.
وَبَعْضٌ نَفَاهَا تَشْبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ، وَبِهَا قَالَ مَالِكٌ.
وَالدِّيَةُ عِنْدَهُمْ فِيهَا فِي مَالِ الْقَاتِلِ.
وَلَا يَحْلِفُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي الدَّمِ، وَيَحْلِفُ الْوَاحِدُ فِي الْخَطَأِ.
وَإِنْ نَكَلَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ بَطَلَ الْقَوَدُ، وَصَحَّتِ الدِّيَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكُلْ، أَعْنِي: حَظَّهُ مِنْهَا.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ نَكَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ بَطَلَتِ الدِّيَةُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْقَوْلُ فِي الْقَسَامَةِ هُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الدِّمَاءُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جُزْءٌ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ، وَلَكِنْ ذَكَرْنَاهُ هُنَا عَلَى عَادَتِهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ قَضَاءٌ خَاصٌّ بِجِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ رَأَوْا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُذْكَرَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ الَّذِي يَعُمُّ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْقَضَاءُ فَيُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ.
وَقَدْ تَجِدُهُمْ يَفْعَلُونَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنَّهُ سَاقَ فِيهِ الْأَقْضِيَةَ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ.

[كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الزِّنَى]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّ الزِّنَى]

كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الزِّنَى وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ فِي حَدِّ الزِّنى، وَفِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ، وَفِي الْعُقُوبَاتِ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ، وَفِيمَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْفَاحِشَةُ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّ الزِّنَى فَأَمَّا الزِّنَى فَهُوَ كُلُّ وَطْءٍ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِكَاحٍ، وَلَا شُبْهَةِ نِكَاحٍ، وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحُدُودَ مِمَّا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ دَارِئَةٍ.
وَفِي ذَلِكَ مَسَائِلُ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا.
فَمِنْهَا الْأَمَةُ يَقَعُ عَلَيْهَا الرَّجُلُ، وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ - فَقَالَ مَالِكٌ: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِهِ، وَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعَزَّرُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا إِذَا عَلِمَ الْحُرْمَةَ.
وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» . وَالَّذِينَ دَرَءُوا الْحُدُودَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ؟ أَمْ لَا يَلْزَمُ؟ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ذَلِكَ الَّذِي يُغَلَّبُ مِنْهَا حُكْمُهُ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ؟ أَمْ حُكْمُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ يُغَلَّبُ عَلَى حُكْمِ الَّذِي يَمْلِكُ؟ فَإِنَّ حُكْمَ مَا مَلَكَ الْحِلِّيَةُ، وَحُكْمَ مَا لَمْ يَمْلِكِ الْحُرْمِيَّةُ.
وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّجُلِ الْمُجَاهِدِ يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَدَرَأَ قَوْمٌ عَنْهُ الْحَدَّ وَهُوَ أَشْبَهُ.
وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا أَنْ يُحِلَّ رَجُلٌ لِرَجُلٍ وَطْءَ خَادِمِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُعَزَّرُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ هِيَ هِبَةٌ مَقْبُوضَةٌ، وَالرَّقَبَةُ تَابِعَةٌ لِلْفَرْجِ.
وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لِرَجُلٍ خَاطَبَهُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ» ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ.
وَلِذَلِكَ قَالُوا: تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حَمَلَتْ أَمْ لَمْ تَحْمِلْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَيْضًا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَبَ لَوْ قَتَلَ ابْنَ ابْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ الِابْنُ لَهُ وَلِيًّا.
وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَطَأُ جَارِيَةَ زَوْجَتِهِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ، فَيَغْرَمُهَا لِزَوْجَتِهِ إِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا قُوِّمَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ حُرَّةٌ.
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالْأَوَّلُ قَوْلُ عُمَرَ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ فَقَطْ سَوَاءٌ أَكَانَ مُحْصَنًا أَمْ ثَيِّبًا.
وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ.
فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَنَّهُ وَطِئَ دُونَ مِلْكٍ تَامٍّ، وَلَا شَرِكَةِ مِلْكٍ، وَلَا نِكَاحٍ - فَوَجَبَ الْحَدُّ.
وَعُمْدَةُ مَنْ دَرَأَ الْحَدَّ مَا ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَضَى فِي رَجُلٍ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا لِسَيِّدَتِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا» . وَأَيْضًا فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِثَلَاثٍ ... فَذَكَرَ مَالَهَا» ، وَيَقْوَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَصْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا مِنْ زَوْجِهَا فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ، أَوْ فِي الثُّلُثِ فَمَا فَوْقَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَمِنْهَا مَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ وَاطِئِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ وَمَرْغُوبٌ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ أَشْبَهَتْ سَائِرَ الْمَنَافِعِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا عَلَيْهَا، فَدَخَلَتِ الشُّبْهَةُ وَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ.
وَمِنْهَا دَرْءُ الْحَدِّ عَمَّنِ امْتَنَعَ، اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَنْكِحَةُ الْفَاسِدَةُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَكْثَرُهَا عِنْدَ مَالِكٍ تَدْرَأُ الْحَدَّ إِلَّا مَا انْعَقَدَ مِنْهَا عَلَى شَخْصٍ مُؤَبَّدِ التَّحْرِيمِ بِالْقَرَابَةِ مِثْلَ الْأُمِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ وَعُقُوبَاتِهِمْ]

وَالزُّنَاةُ الَّذِينَ تَخْتَلِفُ الْعُقُوبَةُ بِاخْتِلَافِهِمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: مُحْصَنُونَ ثُيَّبٌ، وَأَبْكَارٌ، وَأَحْرَارٌ، وَعَبِيدٌ وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ.
وَالْحُدُودُ الْإِسْلَامِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: رَجْمٌ، وَجَلْدٌ، وَتَغْرِيبٌ.
فَأَمَّا الثُّيَّبُ الْأَحْرَارُ

الْمُحْصَنُونَ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حَدَّهُمُ الرَّجْمُ إِلَّا فِرْقَةً مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ حَدَّ كُلِّ زَانٍ الْجَلْدُ، وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لِلرَّجْمِ؛ لِثُبُوتِ أَحَادِيثِ الرَّجْمِ، فَخَصَّصُوا الْكِتَابَ بِالسُّنَّةِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: 2] الْآيَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَجْلِدُونَ مَعَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الْإِحْصَانِ.

أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يُجْلَدُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا جَلْدَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُدُ: الزَّانِي الْمُحْصَنُ يُجْلَدُ، ثُمَّ يُرْجَمُ.
عُمْدَةُ الْجُمْهُورِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا، وَرَجَمَ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، وَرَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ وَامْرَأَةً مِنْ عَامِرٍ مِنَ الْأَزْدِ» . كُلُّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، وَلَمْ يَرْوُوا أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَدَّ الْأَصْغَرَ يَنْطَوِي فِي الْحَدِّ الْأَكْبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ فَلَا تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] ، فَلَمْ يُخَصَّ مُحْصَنٌ مِنْ غَيْرِ مُحْصَنٍ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ " أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ ". وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ» .

وَأَمَّا الْإِحْصَانُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الرَّجْمِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: الْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْوَطْءُ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَحَالَةٌ جَائِزٌ فِيهَا الْوَطْءُ، وَالْوَطْءُ الْمَحْظُورُ عِنْدَهُ هُوَ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي الصِّيَامِ.
فَإِذَا زَنَى بَعْدَ الْوَطْءِ الَّذِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ - وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ - فَحَدُّهُ عِنْدَهُ الرَّجْمُ.
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ إِلَّا فِي الْوَطْءِ الْمَحْظُورِ.
وَاشْتَرَطَ فِي الْحُرِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ حُرَّيْنِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيُّ الْإِسْلَامَ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ الْيَهُودِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّ اللَّذَيْنِ زَنَيَا» ؛ إِذْ رَفَعَ إِلَيْهِ أَمْرَهُمَا الْيَهُودُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] . وَعُمْدَةُ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِحْصَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ، وَلَا فَضِيلَةَ مَعَ عَدَمِ الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الثَّيِّبِ.
وَأَمَّا الْأَبْكَارُ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حَدَّ الْبِكْرِ فِي الزِّنَى جَلْدُ مِائَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّغْرِيبِ مَعَ الْجَلْدِ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَغْرِيبَ أَصْلًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ التَّغْرِيبِ مَعَ الْجَلْدِ لِكُلِّ زَانٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُغَرَّبُ الرَّجُلُ، وَلَا تُغَرَّبُ الْمَرْأَةُ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَلَا تَغْرِيبَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْعَبِيدِ.
فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ التَّغْرِيبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمُتَقَدِّمُ، وَفِيهِ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» . وَكَذَلِكَ مَا خَرَّجَ أَهْلُ الصِّحَاحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: «إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْخَصْمُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْ.
قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ.
وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ! أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ.
وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا.
فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهَا فَرُجِمَتْ» .

وَمَنْ خَصَّصَ الْمَرْأَةَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ فَإِنَّمَا خَصَّصَهُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعَرَّضُ بِالْغُرْبَةِ لِأَكْثَرَ مِنَ الزِّنَى، وَهَذَا مِنَ الْقِيَاسِ الْمُرْسَلِ، أَعْنِي الْمَصْلَحِيَّ الَّذِي كَثِيرًا مَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ) . وَأَمَّا عُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ فَظَاهِرُ الْكِتَابِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِمْ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يَنْسَخُ الْكِتَابَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَرَوَوْا عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ حَدَّ وَلَمْ يُغَرِّبْ.
وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمْ غَرَّبُوا.
وَأَمَّا حُكْمُ الْعَبِيدِ فِي هَذِهِ الْفَاحِشَةِ فَإِنَّ الْعَبِيدَ صِنْفَانِ: ذُكُورٌ، وَإِنَاثٌ.
أَمَّا الْإِنَاثُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ، وَزَنَتْ - أَنَّ حَدَّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] . وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: حَدُّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا تَعْزِيرٌ فَقَطْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ أَصْلًا.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الْإِحْصَانِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: 25] فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْإِحْصَانِ التَّزَوُّجَ، وَقَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ - قَالَ: لَا تُجْلَدُ الْغَيْرُ الْمُتَزَوِّجَةِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامَ جَعَلَهُ عَامًّا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ وَغَيْرِهَا.
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ حَدًّا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: " إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنَّ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» . وَأَمَّا الذَّكَرُ مِنَ الْعَبِيدِ فَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ قِيَاسًا عَلَى الْأَمَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: بَلْ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ مَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] ، وَلَمْ يُخَصِّصْ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ دَرَأَ الْحَدَّ قِيَاسًا عَلَى الْأَمَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي أَصْنَافِ الْحُدُودِ، وَأَصْنَافِ الْمَحْدُودِينَ، وَالشَّرَائِطِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي كَيْفِيَّةِ الْحُدُودِ، وَفِي وَقْتِهَا.
فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَمِنْ مَشْهُورِ الْمَسَائِلِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذَا الْجِنْسِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُحْفَرُ لَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ فِي شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ حِينَ أَمَرَ بِرَجْمِهَا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَفِيهِ " فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَخْرَجَهَا، فَحَفَرَ لَهَا حَفِيرَةً، فَأُدْخِلَتْ فِيهَا، وَأَحْدَقَ النَّاسُ بِهَا

يَرْمُونَهَا، فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا الرَّجْمُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَكِنْ صُفُّوًا كَمَا تَصُفُّونَ فِي الصَّلَاةِ.
ثُمَّ قَالَ: الرَّجْمُ رَجْمَانِ: رَجْمُ سِرٍّ، وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ.
فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ.
وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ.
وَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ عَنْهُ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ فَقَطْ.
وَعُمْدَتُهُمْ مَا خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى.
فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَضَخْنَاهُ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ حُفِرَ لَهُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ حُفْرَةٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنْ لَا حَفْرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ فِي الْحُدُودِ الظَّهْرُ وَمَا يُقَارِبُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يُضْرَبُ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ، وَيُتَّقَى الْفَرْجُ وَالْوَجْهُ.
وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ الرَّأْسَ.
وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ضَرْبِ الْحُدُودِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَا عَدَا الْقَذْفَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ.
وَيُضْرَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ قَاعِدًا، وَلَا يُقَامُ قَائِمًا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُقَامُ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يُحْضِرَ الْإِمَامُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحُدُودِ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّائِفَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَقِيلَ: مَا فَوْقَهَا.
أَمَّا الْوَقْتُ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا فِي الْبَرْدِ، وَلَا يُقَامُ عَلَى الْمَرِيضِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَامُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الظَّوَاهِرِ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الْحَدِّ، وَهُوَ أَنْ يُقَامَ حَيْثُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُقِيمِ لَهُ فَوَاتُ نَفْسِ الْمَحْدُودِ.
فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْأَمْرِ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ قَالَ: يُحَدُّ الْمَرِيضُ.
وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْحَدِّ قَالَ: لَا يُحَدُّ الْمَرِيضُ حَتَّى يَبْرَأَ.
وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ مَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْفَاحِشَةُ]

ُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّنَى يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ بِظُهُورِ الْحَمْلِ فِي النِّسَاءِ الْغَيْرِ الْمُزَّوَجَاتِ إِذَا ادَّعَيْنَ الِاسْتِكْرَاهَ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِ الْإِقْرَارِ وَشُرُوطِ الشَّهَادَةِ.

فَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَدَدُ مَرَّاتِ الْإِقْرَارِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الْحَدُّ.
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَنِ الْإِقْرَارِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؟ أَمَّا عَدَدُ الْإِقْرَارِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ يَقُولَانِ: يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ اعْتِرَافُهُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِأَقَارِيرَ أَرْبَعَةٍ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا.
وَعُمْدَةُ الْكُوفِيِّينَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ رَدَّ مَاعِزًا حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» ، وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
قَالُوا: وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَقَرَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا تَقْصِيرٌ، وَمَنْ قَصَّرَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالزِّنَى، ثُمَّ رَجَعَ - فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَعُثْمَانَ الْبَتِّيَّ.
وَفَصَّلَ مَالِكٌ فَقَالَ: إِنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ قَبْلَ رُجُوعِهِ، وَأَمَّا إِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَأْثِيرِ الرُّجُوعِ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَقْرِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعِزًا وَغَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ.
وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ سُقُوطَ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ أَنْ يَكُونَ التَّمَادِي عَلَى الْإِقْرَارِ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْحَدِّ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ «أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا رُجِمَ وَمَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَاتَّبَعُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -! فَقَتَلُوهُ رَجْمًا، وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: " هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؟» ، وَمِنْ هُنَا تَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الْحُدُودَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَدَمُ التَّوْبَةِ شَرْطًا ثَالِثًا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ.

وَأَمَّا ثُبُوتُ الزِّنَى بِالشُّهُودِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الزِّنَى بِالشُّهُودِ، وَأَنَّ الْعَدَدَ الْمُشْتَرَطَ فِي الشُّهُودِ أَرْبَعَةٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] ، وَأَنَّ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا.
وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ بِمُعَايَنَةِ فَرْجِهِ فِي فَرْجِهَا، وَأَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّصْرِيحِ لَا بِالْكِنَايَةِ.
وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَنْ لَا يُخْتَلََفَ لَا فِي زَمَانٍ وَلَا فِي مَكَانٍ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوَايَا الْمَشْهُورَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ رَآهَا فِي رُكْنٍ مِنَ الْبَيْتِ يَطَؤُهَا غَيْرِ الرُّكْنِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ الْآخَرُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ الْمُخْتَلِفَةُ بِالْمَكَانِ؟ أَمْ لَا تُلَفَّقُ بِالْمَكَانِ كَالشَّهَادَةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالزَّمَانِ؟ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُلَفَّقُ، وَالْمَكَانُ أَشْبَهُ بِالزَّمَانِ.
وَالظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ قَصْدُهُ إِلَى التَّوَثُّقِ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِّ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ.

وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ بِظُهُورِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ فَإِنَّ طَائِفَةً أَوْجَبَتْ فِيهِ الْحَدَّ عَلَى مَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَاءَتْ بِأَمَارَةٍ عَلَى اسْتِكْرَاهِهَا، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَتَأْتِيَ وَهِيَ تَدْمَى، أَوْ تَفْضَحَ نَفْسَهَا بِأَثَرِ الِاسْتِكْرَاهِ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ الْأَمْرُ إِذَا ادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، إِلَّا أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، مَا عَدَا الطَّارِئَةَ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: إِذَا ادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، وَكَانَتْ طَارِئَةً - قُبِلَ قَوْلُهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِظُهُورِ الْحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ، وَكَذَلِكَ مَعَ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ.
وَإِنْ لَمْ تَأْتِ فِي دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ بِأَمَارَةٍ، وَلَا فِي دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ، ثُمَّ ادَّعَى الِاسْتِكْرَاهَ.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ شُرَاحَةَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَهَا: " اسْتُكْرِهْتِ؟ قَالَتْ: لَا.
قَالَ: فَلَعَلَّ رَجُلًا أَتَاكِ فِي نَوْمِكِ ". قَالُوا: وَرَوَى الْأَثْبَاتُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَ امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّهَا ثَقِيلَةُ النَّوْمِ، وَأَنَّ رَجُلًا طَرَقَهَا، فَمَضَى عَنْهَا، وَلَمْ تَدْرِ مَنْ هُوَ بَعْدُ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمُسْتَكْرَهَةَ لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ لَهَا.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلِ الصَّدَاقُ عِوَضٌ عَنِ الْبُضْعِ؟ أَوْ هُوَ نِحْلَةٌ؟ فَمَنْ قَالَ: عِوَضٌ عَنِ الْبُضْعِ - أَوْجَبَهُ فِي الْبُضْعِ فِي الْحِلِّيَّةِ وَالْحُرْمِيَّةِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ نِحْلَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْأَزْوَاجَ - لَمْ يُوجِبْهُ.
وَهَذَا الْأَصْلُ كَافٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ لِلصَّوَابِ.

[كِتَابُ الْقَذْفِ]

ِ وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: فِي الْقَذْفِ، وَالْقَاذِفِ، وَالْمَقْذُوفِ، وَفِي الْعُقُوبَةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ.
فَأَمَّا الْقَاذِفُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ وَصْفَيْنِ، وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ وَهِيَ: الْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَفَافُ، وَالْإِسْلَامُ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الزِّنَى.
فَإِنِ انْخَرَمَ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَصْفٌ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ.
وَالْجُمْهُورُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمَقْذُوفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي سِنِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ.
وَأَمَّا الْقَذْفُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَاتَّفَقُوا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْمِيَ الْقَاذِفُ الْمَقْذُوفَ بِالزِّنَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ نَسَبِهِ إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً.
وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَتْ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً، فَقَالَ مَالِكٌ: سَوَاءٌ أَكَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً - يَجِبُ الْحَدُّ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ أُمُّ الْمَقْذُوفِ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْقَذْفَ إِذَا كَانَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ وَجَبَ الْحَدُّ.
وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَ بِتَعْرِيضٍ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ يَرَيَانِ فِيهِ التَّعْزِيرَ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: فِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ.
وَهِيَ مَسْأَلَةٌ وَقَعَتْ فِي زَمَانِ عُمَرَ، فَشَاوَرَ عُمَرُ فِيهَا الصَّحَابَةَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَيْهِ، فَرَأَى عُمَرُ فِيهَا الْحَدَّ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ تَقُومُ بِعُرْفِ الْعَادَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ مَقَامَ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ فِيهَا مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَعْنِي: مَقُولًا بِالِاسْتِعَارَةِ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي فِي الِاسْمِ الْمُسْتَعَارِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ تَقُومُ فِي مَوَاضِعَ مَقَامَ النَّصِّ، وَقَدْ تَضْعُفُ فِي مَوَاضِعَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ

يَكْثُرِ الِاسْتِعْمَالُ لَهَا.
وَالَّذِي يَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ أَنْ يَثْبُتَ زِنَى الْمَقْذُوفِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ بِإِجْمَاعٍ، وَالشُّهُودُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا كَانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ قَذَفَةٌ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَيْسُوا بِقَذَفَةٍ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِ شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَدَدُ شُهُودِ الْأَصْلِ؟ أَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاثْنَانِ عَلَى الْأَصْلِ الْمُعْتَبَرِ فِيمَا سِوَى الْقَذْفِ إِذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِمْ نَقْلُ الشَّهَادَةِ مِنْ قِبَلِ الْعَدَدِ؟ وَأَمَّا الْحَدُّ فَالنَّظَرُ فِيهِ فِي جِنْسِهِ، وَتَوْقِيتِهِ، وَمَسْقَطِهِ.
أَمَّا جِنْسُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لِلْقَاذِفِ الْحُرِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ يَقْذِفُ الْحُرَّ، كَمْ حَدُّهُ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: حَدُّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّهُ حَدُّ الْحُرِّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ قِيَاسُ حَدِّهِ فِي الْقَذْفِ عَلَى حَدِّهِ فِي الزِّنَى.
وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالْعُمُومِ، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّ حَدَّ الْكِتَابِيِّ ثَمَانُونَ، فَكَانَ الْعَبْدُ أَحْرَى بِذَلِكَ.
وَأَمَّا التَّوْقِيتُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا كَثِيرَةً فَعَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا لَمْ يُحَدَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَنَّهُ إِنْ قَذَفَ، فَحُدَّ، ثُمَّ قَذَفَهُ ثَانِيَةً حُدَّ حَدًّا ثَانِيًا.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَذَفَ جَمَاعَةً، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، جَمَعَهُمْ فِي الْقَذْفِ أَوْ فَرَّقَهُمْ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَجَمَاعَةٌ حَتَّى رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حُيَيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ: مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُوَ زَانٍ - جُلِدَ الْحَدَّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنْ جَمَعَهُمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَا زُنَاةُ - فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا زَانِي - فَعَلَيْهِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حَدٌّ.
فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى قَاذِفِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا حَدًّا وَاحِدًا حَدِيثُ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا» وَلَمْ يَحُدَّهُ لِشَرِيكٍ.
وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ.
وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْحَدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَعْفُ الْكُلُّ - لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ.
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَذْفِهِمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ -

فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْحَدُّ بِتَعَدُّدِ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ تَعَدُّدُ الْمَقْذُوفِ وَتَعَدُّدُ الْقَذْفِ كَانَ أَوْجَبَ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْحَدُّ.
وَأَمَّا سُقُوطُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِهِ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ، أَيْ: لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ الْعَفْوُ (أَيْ: يَسْقُطُ الْحَدُّ) بَلَغَ الْإِمَامَ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ بَلَغَ الْإِمَامَ لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ جَازَ الْعَفْوُ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، فَمَرَّةً قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَمَرَّةً قَالَ: يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْإِمَامَ، وَإِنْ بَلَغَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْمَقْذُوفُ السَّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ؟ أَوْ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، أَوْ حَقٌّ لِكِلَيْهِمَا؟ فَمَنْ قَالَ: حَقٌّ لِلَّهِ - لَمْ يُجِزِ الْعَفْوَ كَالزِّنَى.
وَمَنْ قَالَ: حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ - أَجَازَ الْعَفْوَ.
وَمَنْ قَالَ: لِكِلَيْهِمَا، وَغَلَّبَ حَقَّ الْإِمَامِ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ - قَالَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ الْإِمَامَ أَوْ لَا يَصِلَ.
وَقِيَاسًا عَلَى الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي السَّرِقَةِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ - أَنَّ الْمَقْذُوفَ إِذَا صَدَّقَهُ فِيمَا قَذَفَهُ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِمَامَ يُقِيمُهُ فِي الْقَذْفِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاذِفِ مَعَ الْحَدِّ سُقُوطُ شَهَادَتِهِ مَا لَمْ يَتُبْ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَابَ، فَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الِاسْتِثْنَاءُ يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] ؛ فَمَنْ قَالَ: يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ قَالَ: التَّوْبَةُ تَرْفَعُ الْفِسْقَ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَالَ: التَّوْبَةُ تَرْفَعُ الْفِسْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ.
وَكَوْنُ ارْتِفَاعِ الْفِسْقِ مَعَ رَدِّ الشَّهَادَةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ فِي الشَّرْعِ (أَيْ: خَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ) ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ مَتَى ارْتَفَعَ قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَرْفَعُ الْحَدَّ.
وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ ذَكَرَيْنِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: هَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ؟ وَهَلْ تَلْزَمُ فِي الدَّعْوَى فِيهِ يَمِينٌ؟ وَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ بِالنُّكُولِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؟ فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا الْبَابِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ فُرُوعُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ أَنْسَأَ اللَّهُ فِي الْعُمُرِ فَسَنَضَعُ كِتَابًا فِي الْفُرُوعِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُرَتَّبًا تَرْتِيبًا صِنَاعِيًّا؛ إِذْ كَانَ الْمَذْهَبَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، الَّتِي هِيَ جَزِيرَةُ الْأَنْدَلُسِ حَتَّى يَكُونَ بِهِ الْقَارِئُ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ إِحْصَاءَ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدِي شَيْءٌ يَنْقَطِعُ الْعُمُرُ دُونَهُ.

[بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ]

ِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟ فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا وَإِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ، وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ.
وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الْأَنْبِذَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ.
هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِشْرُونَ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ - أَرْبَعُونَ.
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ تَشَاوُرُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَإِشَارَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْفِرْيَةِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قِيلَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ". وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَإِنَّمَا كَانَ يُضْرَبُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالنِّعَالِ ضَرْبًا غَيْرَ مَحْدُودٍ.
«وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَاوَرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَمْ بَلَغَ ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِشُرَّابِ الْخَمْرِ؟ فَقَدَّرُوهُ بِأَرْبَعِينَ» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ» ، فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَ كُلِّ نَعْلٍ سَوْطًا.
وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ» ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ طَرِيقٍ أَثْبَتَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ هَذَا الْحَدَّ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُقِيمُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِقَامَةِ السَّادَاتِ الْحُدُودَ عَلَى عَبِيدِهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقِيمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ حَدَّ الزِّنَى وَحَدَّ الْقَذْفِ إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ.
وَلَا يَقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ إِلَّا الْإِمَامُ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْعَبِيدِ إِلَّا الْإِمَامُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقِيمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ جَمِيعَ الْحُدُودِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
فَعُمْدَةُ مَالِكٍ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا» . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَاعْتَمَدَ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٌ.
وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ هُوَ السُّلْطَانُ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجُمُعَةُ وَالزَّكَاةُ وَالْفَيْءُ وَالْحُكْمُ إِلَى السُّلْطَانِ.

فَصْلٌ: وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدُّ، فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَبِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ بِالرَّائِحَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ: يَجِبُ الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ إِذَا شَهِدَ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ.
وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ فَقَالُوا: لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ.
فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الرَّائِحَةِ تَشْبِيهُهَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الصَّوْتِ وَالْخَطِّ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا اشْتِبَاهُ الرَّوَائِحِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبَهِ.

[كِتَابُ السَّرِقَةِ]

ِ وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَفِي شُرُوطِ الْمَسْرُوقِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَفِي صِفَاتِ السَّارِقِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَفِي الْعُقُوبَةِ، وَفِيمَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْجِنَايَةُ.
فَأَمَّا السَّرِقَةُ فَهِيَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ مُسْتَتِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخِيَانَةِ وَلَا فِي الِاخْتِلَاسِ قَطْعٌ إِلَّا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْخِلْسَةِ الْقَطْعَ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَأَوْجَبَ أَيْضًا قَوْمٌ الْقَطْعَ عَلَى مَنِ اسْتَعَارَ حُلِيًّا أَوْ مَتَاعًا، ثُمَّ جَحَدَهُ؛ لِمَكَانِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الْمَشْهُورِ «أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَهَا لَوْضِعِ جُحُودِهَا» . وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَطْعِ يَدِهَا.
فَأَتَى أُسَامَةَ أَهْلُهَا فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَا أُسَامَةُ، لَا أَرَاكَ تَتَكَلَّمُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ! ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَطِيبًا، فَقَالَ: " إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ.
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُهَا» . وَرَدَّ الْجُمْهُورُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعَارَ مَأْمُونٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَضْلًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حِرْزٍ، قَالُوا: وَفِي الْحَدِيثِ حَذْفٌ، وَهُوَ أَنَّهَا سَرَقَتْ مَعَ أَنَّهَا جَحَدَتْ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ» . قَالُوا: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ، فَقَالَ فِيهِ: " إِنَّ الْمَخْزُومِيَّةَ سَرَقَتْ ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَعَلَتِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا الْجَحْدَ وَالسَّرِقَةَ.
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا عَلَى الْمُكَابِرِ الْمُغَالِبِ قَطْعٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ

قَاطِعَ طَرِيقٍ شَاهِرًا لِلسِّلَاحِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُخِيفًا لِلسَّبِيلِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ.

وَأَمَّا السَّارِقُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، إِلَّا مَا رُوِيَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْخِلَافِ فِي قَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ الْآبِقِ إِذَا سَرَقَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُثْمَانَ، وَمَرْوَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ بَعْدَ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ بَعْدَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ قَطْعِيَّةً، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ، وَلَا عِبْرَةَ لِمَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ إِلَّا تَشْبِيهَهُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ بِسُقُوطِ شَطْرِهِ، أَعْنِي: الْحُدُودُ تَنْشَطِرُ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ.

وَأَمَّا الْمَسْرُوقُ فَإِنَّ لَهُ شَرَائِطَ مُخْتَلَفًا فِيهَا.
فَمِنْ أَشْهَرِهَا اشْتِرَاطُ النِّصَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْقَطْعُ فِي قَلِيلِ الْمَسْرُوقِ وَكَثِيرِهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] الْآيَةَ.
وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» . وَبِهِ قَالَ الْخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَالَّذِينَ قَالُوا بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ - اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَشْهُورَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى أَدِلَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَهُوَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ.
أَمَّا فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فَأَوْجَبُوا الْقَطْعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَرُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تُقَوَّمُ بِهِ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمَسْرُوقَةِ مِمَّا عَدَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ: تُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِالرُّبُعِ دِينَارٍ، أَعْنِي: إِذَا اخْتَلَفَتِ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَعَ الرُّبُعِ دِينَارٍ؛ لِاخْتِلَافِ الصَّرْفِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرُّبُعُ دِينَارٍ فِي وَقْتٍ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الرُّبُعُ دِينَارٍ، وَهُوَ الْأَصْلُ أَيْضًا لِلدَّرَاهِمِ، فَلَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ فِي الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ إِلَّا أَنْ تُسَاوِيَ رُبُعَ دِينَارٍ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عِنْدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ.
وَقَدْ رَوَى بَعْضُ

الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي تَقْوِيمِ الْعُرُوضِ إِلَى الْغَالِبِ فِي نُقُودِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الدَّرَاهِمَ قُوِّمَتْ بِالدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الدَّنَانِيرَ قُوِّمَتْ بِالرُّبُعِ دِينَارٍ.
وَأَظُنُّ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الرُّبُعَ دِينَارٍ يُقَوَّمُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْوِيمِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ.
وَبِقَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْهُورِ قَالَ أَحْمَدُ، أَعْنِي: بِالتَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ) . وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ فَالنِّصَابُ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ هُوَ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لَا يَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدْ قِيلَ: فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: فِي دِرْهَمَيْنِ.
فَعُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَوْقَفَهُ مَالِكٌ وَأَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . وَأَمَّا عُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ، قَالُوا: وَلَكِنَّ قِيمَةَ الْمِجَنِّ هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ.
وَقَدْ خَالَفَ ابْنَ عُمَرَ فِي قِيمَةِ الْمِجَنِّ مِنَ الصَّحَابَةِ كَثِيرٌ مِمَّنْ رَأَى الْقَطْعَ فِي الْمِجَنِّ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ". قَالُوا: وَإِذَا وُجِدَ الْخِلَافُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَجَبَ أَنْ لَا تُقْطَعَ الْيَدُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ لَوْلَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلَ الْأَصْلَ هُوَ الرُّبُعُ دِينَارٍ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَضَدَ عِنْدَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي رَوَاهُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قَوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَذِرُ عَنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّرْفَ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
وَالْقَطْعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَحْفَظُ لِلْأَمْوَالِ، وَالْقَطْعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَدْخَلُ فِي بَابِ التَّجَاوُزِ، وَالصَّفْحِ عَنْ يَسِيرِ الْمَالِ وَشَرَفِ الْعُضْوِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِعْلِ عُثْمَانَ مُمْكِنٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ، فَهَذَا هُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْقَطْعِ.

وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ إِذَا سَرَقَتِ الْجَمَاعَةُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ - أَعْنِي: نِصَابًا - دُونَ أَنْ يَكُونَ حَظُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُخْرِجُوا النِّصَابَ مِنَ الْحِرْزِ مَعًا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِدْلًا أَوْ صُنْدُوقًا يُسَاوِي النِّصَابَ.
فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُونَ جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ مَا أَخَذَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا.
فَمَنَ قَطَعَ الْجَمِيعَ رَأَى الْعُقُوبَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَالِ الْمَسْرُوقِ، أَيْ: أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَطْعَ لِحِفْظِ الْمَالِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْقَطْعَ إِنَّمَا عُلِّقَ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا بِمَا دُونَهُ لِمَكَانِ حُرْمَةِ الْيَدِ - قَالَ: لَا تُقْطَعُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ فِيمَا أَوْجَبَ فِيهِ الشَّرْعُ قَطْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا مَتَى يُقَدَّرُ الْمَسْرُوقُ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَوْمَ السَّرِقَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي فِي وُجُوبِ هَذَا الْحَدِّ فَهُوَ الْحِرْزُ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفَتْوَى وَأَصْحَابُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ حِرْزٌ مِمَّا لَيْسَ بِحِرْزٍ.
وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الْحِرْزِ: إِنَّهُ مَا شَأْنُهُ أَنْ تُحْفَظَ بِهِ الْأَمْوَالُ كَيْ يَعْسُرَ أَخْذُهَا مِثْلَ الْأَغْلَاقِ وَالْحَظَائِرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَفِي الْفِعْلِ الَّذِي إِذَا فَعَلَهُ السَّارِقُ اتَّصَفَ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ النِّصَابَ، وَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ.
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ.
فَإِذَا أَوَاهُ الْمُرَاحُ أَوِ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . وَمُرْسَلُ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] الْآيَةَ.
قَالُوا: فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا، إِلَّا مَا خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ خَصَّصَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ الْمِقْدَارَ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ مِنَ الَّذِي لَا يُقْطَعُ فِيهِ.
وَرَدُّوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِمَوْضِعِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِي أَحَادِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَادِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ إِذَا رَوَاهَا الثِّقَاتُ.
وَأَمَّا الْحِرْزُ عِنْدَ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَى أَشْيَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ، مِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ بَابَ الْبَيْتِ وَغَلْقَهُ حِرْزٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَوْعِيَةِ.
وَمِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ دَارٍ غَيْرِ مُشْتَرَكَةِ السُّكْنَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ.
وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ،

فَقَالَ مَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الْحِرْزَ: تُقْطَعُ يَدُهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الدَّارِ.
وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَبْرِ هَلْ هُوَ حِرْزٌ حَتَّى يَجِبَ الْقَطْعُ عَلَى النَّبَّاشِ؟ أَوْ لَيْسَ بِحِرْزٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجَمَاعَةٌ: هُوَ حِرْزٌ، وَعَلَى النَّبَّاشِ الْقَطْعُ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَالْحِرْزُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْجُمْلَةِ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ فِيهِ، فَمَرَابِطُ الدَّوَابِّ عِنْدَهُ أَحْرَازٌ، وَكَذَلِكَ الْأَوْعِيَةُ، وَمَا عَلَى الْإِنْسَانِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَالْإِنْسَانُ حِرْزٌ لِكُلِّ مَا عَلَيْهِ أَوْ هُوَ عِنْدَهُ.
وَإِذَا تَوَسَّدَ النَّائِمُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حِرْزٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ.
وَمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمُنْتَبِهِ فَهُوَ اخْتِلَاسٌ.
وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ سَارِقُ مَا كَانَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنَ الْحُلِيِّ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ حَافِظٌ يَحْفَظُهُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْكَعْبَةِ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهُ إِنْ سَرَقَ مِنْهَا لَيْلًا قُطِعَ.
وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ فِيمَا هُوَ حِرْزٌ وَمَا لَيْسَ بِحِرْزٍ.
وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْحِرْزِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ سُمِّيَ مُخْرِجًا لِلشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَاخِلَ الْحِرْزِ أَوْ خَارِجَهُ.
وَإِذَا تَرَدَّدَتِ التَّسْمِيَةُ وَقَعَ الْخِلَافُ مِثْلَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَا سَارِقَيْنِ: أَحَدُهُمَا دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَالْآخَرُ خَارِجَهُ.
فَقَرَّبَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ الْمَسْرُوقَ إِلَى ثُقْبٍ فِي الْبَيْتِ فَتَنَاوَلَهُ الْآخَرُ، فَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارِجِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُقَرِّبِ لِلْمَتَاعِ مِنَ الثُّقْبِ.
وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ آيِلٌ إِلَى انْطِلَاقِ اسْمِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَيْهِ أَوْ لَا انْطِلَاقِهِ.
فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْحِرْزِ وَاشْتِرَاطِهِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ.
وَمَنْ رَمَى بِالْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخَذَهُ خَارِجَ الْحِرْزِ -قُطِعَ.
وَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِيهِ إِذَا أُخِذَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْطَعُ.

فَصْلٌ: وَأَمَّا جِنْسُ الْمَسْرُوقِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُتَمَلَّكٍ غَيْرَ نَاطِقٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي سَرِقَتِهِ الْقَطْعُ مَا عَدَا الْأَشْيَاءَ الرَّطْبَةَ الْمَأْكُولَةَ، وَالْأَشْيَاءَ الَّتِي أَصْلُهَا مُبَاحَةٌ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ فِي كُلِّ مُتَمَوَّلٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ، وَلَا فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ.
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ الْآيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ وَعُمُومُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ.
وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ الْقَطْعَ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ هَكَذَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَعُمْدَتُهُ أَيْضًا فِي مَنْعِ الْقَطْعِ فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ الشُّبْهَةُ الَّتِي فِيهِ لِكُلِّ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَسْرُوقِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ مِمَّا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا هُوَ أَيْضًا أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْمَسْرُوقِ هُوَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي جِنْسِهِ، وَقَدْرِهِ، وَشُرُوطِهِ.
وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا بَعْدُ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي: مِنَ النَّظَرِ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ - فِي الْمُصْحَفِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ.
وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
أَوْ أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ فِيهِ حَقًّا؛ إِذْ لَيْسَ بِمَالٍ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ سَرَقَ صَغِيرًا مَمْلُوكًا أَعْجَمِيًّا مِمَّنْ لَا يَفْقَهُ وَلَا يَعْقِلُ الْكَلَامَ؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُقْطَعُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ كَبِيرًا يَفْقَهُ فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُرِّ الصَّغِيرِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ سَارِقَهُ يُقْطَعُ، وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَاتَّفَقُوا كَمَا قُلْنَا أَنَّ شُبْهَةَ الْمِلْكِ الْقَوِيَّةَ تَدْرَأُ هَذَا الْحَدَّ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ يَدْرَأُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْرَأُ مِنْهَا.
فَمِنْهَا الْعَبْدُ يَسْرِقُ مَالَ سَيِّدِهِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَرْطًا.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَأْتَمِنَهُ سَيِّدُهُ.
وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ فِي الْخَادِمِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ أَنْ يَكُونَ يَلِي الْخِدْمَةَ لِسَيِّدِهِ بِنَفْسِهِ.
وَالشَّافِعِيُّ مَرَّةً اشْتَرَطَ هَذَا، وَمَرَّةً لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَبِدَرْءِ الْحَدِّ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ الْآخَرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَنْفَرِدُ بِبَيْتٍ فِيهِ مَتَاعُهُ فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَاطِ، وَشُبْهَةِ الْمَالِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ.
وَمِنْهَا الْقَرَابَاتُ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيهَا أَنْ لَا يُقْطَعَ الْأَبُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الِابْنِ فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَيُقْطَعُ مَا سِوَاهُمْ مِنَ الْقَرَابَاتِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْطَعُ عَمُودُ النَّسَبِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ، يَعْنِي: الْأَبَ وَالْأَجْدَادَ وَالْأَبْنَاءَ وَأَبْنَاءَ

الْأَبْنَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ ذُو الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: تُقْطَعُ يَدُ كُلِّ مَنْ سَرَقَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ.
وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنَمِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَا يُقْطَعُ.
فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا مَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ.

الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِذَا وُجِدَتْ بِالصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا، أَعْنِي الْمَوْجُودَةَ فِي السَّارِقِ وَفِي الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَفِي صِفَةِ السَّرِقَةِ -فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ حَيْثُ هِيَ جِنَايَةٌ، وَالْغُرْمُ إِذَا لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُجْمَعُ الْغُرْمُ مَعَ الْقَطْعِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الْغُرْمُ مَعَ الْقَطْعِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ.
وَفَرَّقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا أُتْبِعَ السَّارِقُ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُتْبَعْ بِهِ إِذَا أَثْرَى.
وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ دَوَامَ الْيُسْرِ إِلَى يَوْمِ الْقَطْعِ فِيمَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
فَعُمْدَةُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي السَّرِقَةِ حَقَّانِ: حَقٌّ لِلَّهِ، وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ - فَاقْتَضَى كُلٌّ حَقٍّ مُوجَبَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ إِذَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ لَزِمَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ.
وَعُمْدَةُ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُضَعَّفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَقْطُوعٌ.
قَالَ: وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ.
وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: إِنَّ اجْتِمَاعَ حَقَّيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْقَطْعَ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْغُرْمِ.
وَمِنْ هُنَا يَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ شَيْئًا مَا، فَقُطِعَ فِيهِ، ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيًا - أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيهِ.
وَأَمَّا تَفْرِقَةُ مَالِكٍ فَاسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
وَأَمَّا الْقَطْعُ فَالنَّظَرُ فِي مَحَلِّهِ وَفِيمَنْ سَرَقَ وَقَدْ عُدِمَ الْمَحَلُّ.
أَمَّا مَحَلُّ الْقَطْعِ فَهُوَ الْيَدُ الْيُمْنَى بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْكُوعِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَصَابِعُ فَقَطْ.
فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مَنْ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ: تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيُمْنَى، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ.

وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى، هَلْ يَقِفُ الْقَطْعُ إِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَقِفُ الْقَطْعُ فِي الرِّجْلِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ الْغُرْمُ فَقَطْ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ رَابِعَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي بَكْرٍ، أَعْنِي: قَوْلَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ إِلَّا قَطْعَ الْيَدِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَرْجُلَ إِلَّا فِي الْمُحَارِبِينَ فَقَطْ.
وَعُمْدَةُ مَنْ قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ". وَرُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِيهِ " ثُمَّ أَخَذَهُ الْخَامِسَةَ فَقَتَلَهُ» . إِلَّا أَنَّهُ مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ» ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَتْلًا.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ» ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ فِي الْخَامِسَةِ.
فَإِذَا ذَهَبَ مَحَلُّ الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ سَرِقَةٍ بِأَنْ كَانَتِ الْيَدُ شَلَّاءَ، فَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: يَنْتَقِلُ الْقَطْعُ إِلَى الْيَدِ الْيُسْرَى، وَقِيلَ: إِلَى الرِّجْلِ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الْقَدَمِ، فَقِيلَ: يُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ الَّذِي فِي أَصْلِ السَّاقِ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ الْكَعْبَانِ فِي الْقَطْعِ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السَّرِقَةِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّارِقِ مَا لَمْ يُرْفَعْ ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» .

وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَأَقَمْتُ عَلَيْهَا الْحَدَّ» ، وَقَوْلُهُ لِصَفْوَانَ: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» . وَاخْتَلَفُوا فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَيُرْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ وَهَبَهُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ مَا سَرَقَهُ، أَوْ يَهَبُهُ لَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ وَقَبْلَ الْقَطْعِ - فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُفِعَ إِلَى الْإِمَامِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «إِنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ.
فَجَاءَ سَارِقٌ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ.
فَقَالَ صَفْوَانُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» .

الْقَوْلُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْحُرِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مُوجِبٌ لِحَدِّهِ، وَلَيْسَ يُوجِبُ عَلَيْهِ غُرْمًا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجِبُ بِإِقْرَارُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَلَا قَطْعَ يَدِهِ؛ لِكَوْنِهِ مَالًا لِمَوْلَاهُ.
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَجَمَاعَةٌ.
وَإِنْ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ إِلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ.
وَإِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، هَكَذَا حَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنِ الْمَذْهَبِ.
وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الْغَرَضِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَائِقٌ بِتَفْرِيعِ الْمَذْهَبِ.

[كِتَابُ الْحِرَابَةِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي النَّظَرِ فِي الْحِرَابَةِ] ِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ.
وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ فِي الْمُحَارِبِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي الْمُحَارِبِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَلَيْسَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مُشْتَرَطَةً فِي تَوْبَةِ الْكُفَّارِ، فَبَقِيَ أَنَّهَا فِي الْمُحَارِبِينَ.
وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: النَّظَرُ فِي الْحِرَابَةِ.
وَالثَّانِي: النَّظَرُ فِي الْمُحَارِبِ.
وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحَارِبِ.
وَالرَّابِعُ: فِي مُسْقِطِ الْوَاجِبِ عَنْهُ، وَهِيَ التَّوْبَةُ.
وَالْخَامِسُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي النَّظَرِ فِي الْحِرَابَةِ

فَأَمَّا الْحِرَابَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِشْهَارُ السِّلَاحِ، وَقَطْعُ السَّبِيلِ خَارِجَ الْمِصْرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَارَبَ دَاخِلَ الْمِصْرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: دَاخِلَ الْمِصْرِ وَخَارِجَهُ سَوَاءٌ.
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ الشَّوْكَةَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطِ الْعَدَدَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الشَّوْكَةِ عِنْدَهُ قُوَّةُ الْمُغَالَبَةِ.
وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ؛ لِأَنَّ الْمُغَالَبَةَ إِنَّمَا تَتَأَتَّى بِالْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ إِذَا ضَعُفَ السُّلْطَانُ، وَوُجِدَتِ الْمُغَالَبَةُ فِي الْمِصْرِ - كَانَتْ مُحَارَبَةً.
وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَهُ اخْتِلَاسٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَكُونُ الْمُحَارَبَةُ فِي الْمِصْرِ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي النَّظَرِ فِي الْمُحَارِبِ]

فَأَمَّا الْمُحَارِبُ فَهُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ دَمُهُ مَحْقُونًا قَبْلَ الْحِرَابَةِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحَارِبِ]

وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحَارِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حَقَّ اللَّهِ هُوَ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ وَقَطْعُ الْأَيْدِي وَقَطْعُ الْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، وَالنَّفْيُ عَلَى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الْحِرَابَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ هَلْ هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوْ مُرَتَّبَةٌ عَلَى قَدْرِ جِنَايَةِ الْمُحَارِبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَخْيِيرٌ فِي قَطْعِهِ وَلَا فِي نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ.
وَأَمَّا إِنْ أَخَذَ الْمَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ - فَلَا تَخْيِيرَ فِي نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ.
وَأَمَّا إِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ فَقَطْ فَالْإِمَامُ عِنْدَهُ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ، أَوْ نَفْيِهِ.
وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَمْرَ رَاجِعٌ فِي ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُحَارِبُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ فَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ قَتْلُهُ أَوْ صَلْبُهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَرْفَعُ ضَرَرَهُ.
وَإِنْ كَانَ لَا رَأْيَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ ذُو قُوَّةٍ وَبَأْسٍ - قَطَعَهُ مِنْ خِلَافٍ.
وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ أَخَذَ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ فِيهِ، وَهُوَ الضَّرْبُ وَالنَّفْيُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ هِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْجِنَايَاتِ الْمَعْلُومِ مِنَ الشَّرْعِ تَرْتِيبُهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُقْتَلُ مِنَ الْمُحَارِبِينَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ، وَلَا يُقْطَعُ إِلَّا مَنْ أَخَذَ الْمَالَ، وَلَا يُنْفَى إِلَّا مَنْ لَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ وَلَا قَتَلَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَسَوَاءٌ قَتَلَ أَمْ لَمْ يَقْتُلْ، أَخَذَ الْمَالَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ حَرْفُ " أَوْ " فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ؟ أَوْ لِلتَّفْصِيلِ عَلَى حَسَبِ جِنَايَاتِهِمْ؟ وَمَالِكٌ حَمَلَ الْبَعْضَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَالْبَعْضَ عَلَى التَّخْيِيرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: 33] ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ مَعًا.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَلُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَلُ فِي الْخَشَبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ - صُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ قَبْلَ الصَّلْبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْخَشَبَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ تَنْكِيلًا لَهُ، وَقِيلَ: يَقِفُ خَلْفَ الْخَشَبَةِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إِذَا قُتِلَ فِي الْخَشَبَةِ أُنْزِلَ مِنْهَا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَهَلْ يُعَادُ إِلَى الْخَشَبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْهُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى الْخَشَبَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] فَمَعْنَاهُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ عَادَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى.
وَاخْتُلِفَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ الْيُمْنَى، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَقَالَ أَشْهَبُ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] ، فَقِيلَ: إِنَّ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ، وَقِيلَ: إِنَّ النَّفْيَ هُوَ أَنْ يُنْفَى مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، فَيُسْجَنَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ.
وَيَكُونُ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
وَالْقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَعْنَى النَّفْيِ هُوَ فِرَارُهُمْ مِنَ الْإِمَامِ؛ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا أَنْ يُنْفَى بَعْدَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَلَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمَّا النَّفْيُ فَغَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَكِنْ إِنْ هَرَبُوا شَرَّدْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ بِالِاتِّبَاعِ.
وَقِيلَ: هِيَ عُقُوبَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَقِيلَ عَلَى هَذَا: يُنْفَى وَيُسْجَنُ دَائِمًا.
وَكُلُّهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: مَعْنَى ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾ [المائدة: 33] أَيْ: مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الْحَرْبِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ هُوَ أَنَّ النَّفْيَ تَغْرِيبُهُمْ عَنْ وَطَنِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: 66] الْآيَةَ.
فَسَوَّى بَيْنَ النَّفْيِ وَالْقَتْلِ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْعَادَةِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَكُلُّ مَا يُقَالُ فِيهِ سِوَى هَذَا فَلَيْسَ مَعْرُوفًا لَا بِالْعَادَةِ وَلَا بِالْعُرْفِ.

[الْبَابُ الرَّابِعُ ما تسقطه التوبة عَنْ المحارب]

الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي مُسْقِطِ الْوَاجِبِ عَنْهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَأَمَّا مَا يُسْقِطُ الْحَقَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] . وَاخْتُلِفَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ وَالثَّانِي: إِنْ قُبِلَتْ فَمَا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ فَإِنَّ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: قَوْلٌ: إِنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] . وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِي الْمُحَارِبِينَ.
وَأَمَّا صِفَةُ التَّوْبَةِ الَّتِي تُسْقِطُ الْحُكْمَ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تَوْبَتَهُ تَكُونُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْإِمَامَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُلْقِيَ سِلَاحَهُ، وَيَأْتِيَ الْإِمَامَ طَائِعًا.
وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ.
وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ.
وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.
وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ.
وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.
وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ وَجَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ مِنَ الزِّنَى وَالشَّرَابِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَيُتَّبَعُ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ، وَيُؤْخَذُ بِالدِّمَاءِ، وَفِي الْأَمْوَالِ بِمَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَا تُتَّبَعُ ذِمَمُهُمْ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مِنْ مَالٍ وَدَمٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ قَائِمَ الْعَيْنِ بِيَدِهِ.

[الْبَابُ الْخَامِسُ بِمَاذَا تَثْبُتُ الحرابة]

الْبَابُ الْخَامِسُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدُّ فَبِالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، وَمَالِكٌ يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى الَّذِينَ سَلَبُوهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَدَّعُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِرُفَقَائِهِمْ مَالًا أَخَذُوهُ، وَتَثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ الْحِرَابَةُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ.

فَصْلٌ: فِي حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَأَمَّا حُكْمُ الْمُحَارِبِينَ عَلَى التَّأْوِيلِ فَإِنَّ مُحَارِبَهُمُ الْإِمَامُ، فَإِذَا قُدِرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ؛ لِمَا يُخَافُ مِنْ عَوْنِهِ لِأَصْحَابِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ فَهُوَ

يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ.
وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُؤَدَّبُ وَلَا يُقْتَلُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبِدَعِ إِنَّمَا يَكْفُرُونَ بِالْمَآلِ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ، وَمَعْنَى التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ أَنَّهُمْ لَا يُصَرِّحُونَ بِقَوْلٍ هُوَ كُفْرٌ، وَلَكِنْ يُصَرِّحُونَ بِأَقْوَالٍ يَلْزَمُ عَنْهَا الْكُفْرُ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ اللُّزُومَ.
وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْحُقُوقِ إِذَا ظُفِرَ بِهِمْ فَحُكْمُهُمْ إِذَا تَابُوا أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْحِرَابَةِ، وَلَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا مِنَ الْمَالِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ بِيَدِهِ فَيُرَدَّ إِلَى رَبِّهِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُقْتَلُ قِصَاصًا بِمَنْ قَتَلَ؟ فَقِيلَ: يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَصْبَغَ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُقْتَلُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى التَّأْوِيلِ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ بَتَّةً.
أَصْلُهُ قِتَالُ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُكَذِّبُ لَا الْمُتَأَوِّلُ.

بَابٌ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدُّ إِذَا ظُفِرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ، وَهَلْ تُسْتَتَابُ قَبْلَ أَنْ تُقْتَلَ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْتَلُ، وَشَبَّهَهَا بِالْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَالْجُمْهُورُ اعْتَمَدُوا الْعُمُومَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ، وَشَذَّ قَوْمٌ، فَقَالُوا: تُقْتَلُ وَإِنْ رَاجَعَتِ الْإِسْلَامَ.
وَأَمَّا الِاسْتِتَابَةُ فَإِنَّ مَالِكًا شَرَطَ فِي قَتْلِهِ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
وَأَمَّا إِذَا حَارَبَ الْمُرْتَدُّ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِ - فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالْحِرَابَةِ، وَلَا يُسْتَتَابُ، كَانَتْ حِرَابَتُهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ الْمُحَارِبُ بَعْدَ أَنْ أُخِذَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ - فَإِنَّهُ يُخْتَلَفُ فِي حُكْمِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا فَعَلَ فِي حَالِ ارْتِدَادِهِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ عَنْهُ حُكْمَ الْحِرَابَةِ خَاصَّةً، وَحُكْمُهُ فِيمَا جَنَى حُكْمُ الْمُرْتَدِّ إِذَا جَنَى فِي رِدَّتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيهِ، فَقَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ مَنِ اعْتَبَرَ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَقَالَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ مَنِ اعْتَبَرَ يَوْمَ الْحُكْمِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ كُفْرًا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْتَلُ.
وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُقْتَلَ إِلَّا مَعَ الْكُفْرِ.

[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ] ِ وَأُصُولُ هَذَا الْكِتَابِ تَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ.
وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي فِيهِ.
وَالرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ أَوْ لَهُ.
وَالْخَامِسُ: فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ.
وَالسَّادِسُ: فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ

النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ، وَفِيمَا يَكُونُ بِهِ أَفْضَلَ.
فَأَمَّا الصِّفَاتُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الْجَوَازِ فَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا، بَالِغًا، ذَكَرًا، عَاقِلًا، عَدْلًا.
وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّ الْفِسْقَ يُوجِبُ الْعَزْلَ، وَيُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَمِثْلُهُ حَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ حُكْمُ الْعَامِّيِّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ جَدِّي - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ كَوْنَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَاضِيًا فِي الْأَمْوَالِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَاكِمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ.
فَمَنْ رَدَّ قَضَاءَ الْمَرْأَةِ شَبَّهَهُ بِقَضَاءِ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى، وَقَاسَهَا أَيْضًا عَلَى الْعَبْدِ؛ لِنُقْصَانِ حُرْمَتِهَا، وَمَنْ أَجَازَ حُكْمَهَا فِي الْأَمْوَالِ فَتَشْبِيهًا بِجَوَازِ شَهَادَتِهَا فِي الْأَمْوَالِ، وَمَنْ رَأَى حُكْمَهَا نَافِذًا فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالَ: إِنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ فَحُكْمُهُ جَائِزٌ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ مِنَ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ مُشْتَرَطَةٌ فِي اسْتِمْرَارِ وِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا فِي جَوَازِ وِلَايَتِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ

الْقَاضِي فِي الْمَذْهَبِ مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ، فَهَذَا إِذَا وُلِّيَ عُزِلَ وَفُسِخَ جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ.
وَمِنْهَا مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِمْرَارِ وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْجَوَازِ، فَهَذَا إِذَا وَلِيَ الْقَضَاءَ عُزِلَ وَنَفَذَ مَا حَكَمَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الثَّلَاثُ صِفَاتٍ.
وَمِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا.
وَالشَّافِعِيُّ يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمِصْرِ قَاضِيَانِ اثْنَانِ إِذَا رُسِمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَحْكُمُ فِيهِ، وَإِنْ شُرِطَ اتِّفَاقُهُمَا فِي كُلِّ حُكْمٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ شُرِطَ الِاسْتِقْلَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجْهَانِ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ.
قَالَ: وَإِذَا تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا وَجَبَ أَنْ يَقْتَرِعَا عِنْدَهُ.
وَأَمَّا فَضَائِلُ الْقَضَاءِ فَكَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّاسُ فِي كُتُبِهِمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْأُمِّيِّ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا؟ وَالْأَبْيَنُ جَوَازُهُ؛ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُمِّيًّا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ لِمَوْضِعِ الْعَجْزِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَتَوْلِيَتُهُ لِلْقَاضِي شَرْطٌ فِي صِحَّةِ قَضَائِهِ، لَا خِلَافَ أَعْرِفُ فِيهِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي نُفُوذِ حُكْمِ مَنْ رَضِيَهُ الْمُتَدَاعِيَانِ مِمَّنْ لَيْسَ بِوَالٍ عَلَى الْأَحْكَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إِذَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَاضِي الْبَلَدِ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ]

ِ وَأَمَّا فِيمَا يُحْكَمُ فَاتَّفَقُوا أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحُقُوقِ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ أَوْ حَقًّا لِلْآدَمِيِّينَ، وَأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الْأَنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الْأَوْصِيَاءَ.
وَهَلْ يُقَدِّمُ الْأَئِمَّةَ فِي الْمَسَاجِدِ الْجَامِعَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَخْلِفُ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ.
وَلَيْسَ يَنْظُرُ فِي الْحَيَاةِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُلَاةِ، وَيَنْظُرُ فِي التَّحْجِيرِ عَلَى السُّفَهَاءِ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجِيرَ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْبَابِ هَلْ مَا يَحْكُمُ فِيهِ الْحَاكِمُ يُحِلُّهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ حَلَالًا؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا.
وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» .

وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَقْدِهِ بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَظُنُّ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِحَقٍّ؛ إِذْ لَا يَحِلُّ حَرَامٌ، وَلَا يَحْرُمُ حَلَالٌ بِظَاهِرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ كَذَلِكَ هَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْأَمْوَالُ وَالْفُرُوجُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، لَا يُحِلُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ مِنْهَا حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ زُورٍ فِي امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ لَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ أَحَلَّهَا الْحَاكِمُ بِظَاهِرِ الْحُكْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ: تَحِلُّ لَهُ.
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَشُبْهَةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ بِاللِّعَانِ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ كَاذِبٌ، وَاللِّعَانُ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ، وَيُحَرِّمُ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا الْمُلَاعِنِ لَهَا وَيُحِلُّهَا لِغَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ الْكَاذِبَ فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْكَاذِبَةَ؛ لِأَنَّ زِنَاهَا لَا يُوجِبُ فُرْقَتَهَا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْفُرْقَةَ هَاهُنَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عُقُوبَةً لِلْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْقَضَاءُ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الشَّهَادَةِ]

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْقَضَاءُ وَالْقَضَاءُ يَكُونُ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّهَادَةِ، وَبِالْيَمِينِ، وَبِالنُّكُولِ، وَبِالْإِقْرَارِ، أَوْ بِمَا تَرَكَّبَ مِنْ هَذِهِ.
فَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الشَّهَادَةِ وَالنَّظَرُ فِي الشُّهُودِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي الصِّفَةِ، وَالْجِنْسِ، وَالْعَدَدِ.
فَأَمَّا عَدَدُ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي قَبُولِ الشَّاهِدِ بِالْجُمْلَةِ فَهِيَ خَمْسَةٌ: الْعَدَالَةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ.
وَهَذِهِ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
أَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هِيَ الْعَدَالَةُ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحِبَّاتِهِ، مُجْتَنِبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِي فِي الْعَدَالَةِ ظَاهِرُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ لَا تُعْلَمَ مِنْهُ جَرْحَةٌ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ كَمَا قُلْنَا تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ اسْمِ الْعَدَالَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْفِسْقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] الْآيَةَ.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْفَاسِقَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِذَا عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ، إِلَّا

فصول الكتاب · 4 فصل · 258 صفحة
جارٍ التحميل