تعارض أصلين، وتفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جامعة المدينة العالمية
- الكتاب
- أصول النحو 1كود المادة: GARB5353المرحلة: ماجستير
- المؤلف
- مناهج جامعة المدينة العالمية
- الناشر
- جامعة المدينة العالمية
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تعارض أصلين:
لقد عقد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، وقد وصف هذا الموضع بأنه موضع يجب أن ينبه عليه ويحرر القول فيه، والمراد بمراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد: هو أنه إذا تعارض في الكلام أصلان أحدهما قريب والآخر بعيد وجب الرجوع إلى الأصل القريب دون البعيد.
ومما تعارض فيه أصلان: ضم الذال من كلمة "مُذْ" في نحو: "ما رأيته مُذُ اليوم"؛ فإن الأصل في الكلمة أن تكون ساكنة ويليها ساكن؛ فكان القياس أن يتخلص من التقاء الساكنين بالكسر كما هو الشأن دائمًا في كل ساكنين التقيا؛ فالتخلص منهما يكون بكسر أولهما؛ فيقال: ما رأيته مُذُ اليوم؛ ولكن هذا الأصل قد
عارضه أصل آخر؛ لأن أصلها الضم في "منذ"، وضمت فيه لالتقاء الساكنين إتباعًا لضمة الميم؛ فهنا إذًا أصلان تعارضا:
الأول: الأصل الأبعد، وهو السكون.
والثاني: الأصل الأقرب، وهو الضم.
فكان الرجوع إلى الأصل الأقرب أولى؛ فضمت الذال من "مُذ" عند التقاء الساكنين ردًّا إلى الأصل الأقرب، وهو "منذ"، ولم ترد إلى الأبعد الذي هو سكونها؛ لأن مراجعة الأصل الأقرب أولى من مراجعة الأبعد.
ومما تعارض فيه أصلان: أحدهما قريب والآخر بعيد: قولهم: بعت -بكسر الباء- وقلت -بضم القاف- فأصل الفعلين -باع وقال-: أن يكونا على وزن فعَل؛ فلما أسندا إلى تاء الفاعل نقل "باع" -وهو الأجوف اليائي- إلى وزن فعِل بكسر العين، ونقل الفعل قال -وهو الأجوف الواوي- إلى وزن فعُل بضم العين، ثم قلبت كل من الواو والياء ألفًا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما؛ فالتقى ساكنان، وهما: العين المقلوبة ألفًا، ولام الفعل التي سكنت لاتصال الفعل بتاء الفاعل، ثم نقلت الكسرة التي في عين الفعل الأول، وهو بِعْت، إلى فاء الكلمة، ونقلت الضمة التي في عين الفعل الثاني، وهو قلت، إلى الفاء أيضًا؛ فقيل: بعت، وقلت، وفي هذا النقل مراجعة للأصل الأقرب، وهو اعتبار الفعلين بعد نقلهما من فعَل المفتوح العين إلى فعِل وفعُل المكسور العين والمضمومها.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: تفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال:
إن استصحاب الحال من أصول النحو الغالبة عند الأنباري؛ فقد قال في (لمع الأدلة): "وهو -أي الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة" انتهى.
ومع عده إياه من أصول النحو الغالبة ذكر أنه أضعف الأدلة؛ فقال: "واستصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل" انتهى.
ويدل على ضعفه ما نقله السيوطي من أنه: إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس؛ فلا عبرة به -أي: لا اعتداد بالاستصحاب- ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه؛ فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب، وعلة ذلك: هي أن الأصل المستصحب إنما جرده النحاة فأصبح من عملهم ولم يكن من عمل العربي صاحب السليقة؛ فإذا عارضه السماع؛ فالسماع أرجح؛ لأن ما يقوله العربي أولى مما يجرده النحوي؛ وإذا عارضه القياس فالقياس أرجح؛ لأن القياس إن كان تجريدًا فهو حمل على ما قاله العربي.