أصول النحو 1 - جامعة المدينةتعارض قبيحين، وتعارض الْمُجْمَعِ عليه والْمُختلَف فيه

تعارض قبيحين، وتعارض الْمُجْمَعِ عليه والْمُختلَف فيه

عن هذه الطبعة
عَلَم
جامعة المدينة العالمية
الكتاب
أصول النحو 1كود المادة: GARB5353المرحلة: ماجستير
المؤلف
مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر
جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تعارض قبيحين: لقد عوَّل السيوطي في هذه المسألة على ما ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ إذ إنه قد أفرد بابًا عنوانه: باب في الحمل على أحسن القبيحين، ومراده بذلك: أنه إذا حضرت عندك ضرورتان -أي: أمران قبيحان- وكان أحدهما أشد قبحًا من الآخر ولا بد للمتكلم من ارتكاب أحد القبيحين؛ فينبغي حينئذ ارتكاب أقربهما وأقلهما فحشًا.
وقد ذكر السيوطي نقلًا عن ابن جني مثالين فيهما ارتكاب أقل القبيحين فحشًا، وهما:

المثال الأول: حكم الواو في "ورَنْتَل"، والورنتل: هو الشر والأمر العظيم؛ فإن الأمر في هذه الواو بين ضرورتين أن يدعي أنها أصلية وأن يدعي أنها زائدة، وهما أمران قبيحان؛ لأن الواو لا تكون أصلية في ذوات الأربعة إلا مكررة، نحو قولهم: الوصوصة والوحوحة؛ كما أنها لا تكون زائدة في أول الكلام، ولا بد من ارتكاب أحد القبيحين؛ فلما كان الأمر كذلك كان القول بجعلها أصلًا أولى من القول بجعلها زائدة؛ لأن الواو قد تكون أصلًا في ذوات الأربعة على وجه من الوجوه، أي: في حال التضعيف؛ أما أن تزاد أولًا فإن هذا أمر لم يوجد -على أي حال- فكان ارتكاب ما هو موجود خيرًا من ارتكاب ما ليس بموجود.
والمثال الثاني نحو: فيها قائمًا رجلٌ، وفيها قائم رجل؛ فللمتكلم أن يرتكب أحد القبيحين؛ وهما: أن ينصب الوصف المشتق؛ فيجعل "قائمًا" حالًا من النكرة، وأن يرفعه؛ فيجعل اسم الفاعل نعتًا متقدمًا على منعوته؛ فلما كان مخيرًا بين هذين الأمرين كان القول بجعله حالًا من النكرة أولى؛ لأنه وارد على ضعف وأكثره في الشعر؛ كقول كثير: لمية موحشة طلل... يلوح كأنه خلل وأما تقديم النعت على المنعوت فلم يرد.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: تعارض المجمع عليه والمختلف فيه: إذا تعارض أمر أجمع عليه النحويون من البصريين والكوفيين وأمر آخر اختلفوا فيه؛ فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ لأن للإجماع مكانته عند علماء العربية، وقد عده ابن جني من أصول النحو الغالبة؛ كما ذكر الشاطبي -رحمه الله- أن إجماع النحويين كإجماع الفقهاء وإجماع المحدثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه؛ فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ ولذلك

قال السيوطي: إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه؛ فالأول أولى، وذكر مثالًا لذلك: وهو أنه إذا كان الشاعر مضطرًّا إلى قصر الممدود أو مد المقصور؛ فارتكاب الأول أولى؛ لأن البصريين والكوفيين جميعًا قد أجمعوا على جواز قصر الممدود في الشعر، ومنه قول الشاعر: لا بد من صنعا وإن طال السفر................................ والأصل: صنعاء.
أما مد المقصور للضرورة؛ فموضع خلاف بين النحويين؛ إذ أجازه الكوفيين متمسكين بقول الشاعر: سيغنيني الذي أغناك عني... فلا فقر يدوم ولا غناء بمد غناء، والأصل عند الكوفيين: غنًى، بالقصر؛ فلما اضطر الشاعر مد، وذهب البصريون إلى أن "غناء" في البيت مصدر لغانيت؛ لأنهم يمنعون مد المقصور ولو في ضرورة الشعر؛ فتعارض قولان: أحدهما مجمع عليه، والآخر مختلف فيه؛ فكان المجمع عليه أولى من المختلف فيه.

جارٍ التحميل