الاستدلال بالأصول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جامعة المدينة العالمية
- الكتاب
- أصول النحو 1كود المادة: GARB5353المرحلة: ماجستير
- المؤلف
- مناهج جامعة المدينة العالمية
- الناشر
- جامعة المدينة العالمية
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: النصف الثاني من الباب الخامس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: أدلة متفرقة من أدلة النحو:
إن السيوطي قد عوَّل على كلام أبي البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، وقد ذهب الأنباري إلى أن الاستدلال بالأصول هو أحد أوجه الاستدلال التي تلحق بالقياس، ويعد الاستدلال بالأصول من جملة الأدلة التي يلجأ إليها النحوي عند المحاجاة والجدل؛ إذ إن المراد به: إبطال مذهب أو رأي بالرجوع إلى الأصل الذي أصَّله النحويون، ومن الأصول التي أصَّلها النحويون: أن يكون الرفع مقدمًا على غيره من أنواع الإعراب، وبهذا الأصل رد الأنباري مذهب القائلين بأن عامل الرفع في الفعل المضارع المرفوع هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن القول بالتجرد معناه: أن الفعل كان متلبسًا بهما، أي: بالناصب والجازم، قبل تجرده منهما، وفي القول بذلك مخالفة للأصول؛ إذ الأصل تقدم الرفع على غيره.
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وأما الاستدلال بالأصول فمثل أن يستدل على إبطال مذهب من ذهب إلى أن رفع المضارع إنما كان لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة؛ لأن ما ذهب إليه يؤدي إلى خلاف الأصول؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم؛ وهذا خلاف الأصول؛ لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب؛ لأن الرفع صفة للفاعل والنصب صفة للمفعول، وكما أن الفاعل قبل المفعول فكذلك الرفع قبل النصب، وكذلك تدل أصول على أن الرفع قبل الجزم لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء والجزم من صفات الأفعال، وكما أن رتبة الأسماء قبل رتبة الأفعال؛ فكذلك الرفع قبل الجزم" انتهى.
وفي كلام أبي البركات الأنباري إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه:
إن الأنباري قد رد مذهبًا من المذاهب وأبطل قولًا من الأقوال بالرجوع إلى الأصول التي استقرت عند النحويين؛ فقد استقر عند النحويين أن الرفع مقدم على غيره من أنواع الإعراب؛ فهو مقدم على النصب والجزم؛ فإذا كان الفعل المضارع مرفوعًا فإنه لا يجوز -عند الأنباري- أن يقال: إن رافعه هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن التعبير بالتجرد منهما يؤدي إلى سبقهما للرفع، ويؤدي إلى أن المضارع تجرد منهما بعد أن كان متلبسًا بهما، وهو خلاف الأصول؛ إذ إن الأصول شاهدة بتقدم الرفع عليهما.
ويدل على تقدم الرفع على النصب: أن الرفع حكم ثابت للفاعل -وهو عمدة- كما أن النصب حكم ثابت للمفعول به -وهو فضلة- فكما أن الفاعل قبل المفعول منزلة واعتبارًا؛ فكذلك الرفع يكون قبل النصب منزلة واعتبارًا.
ويدل على تقدم الرفع على الجزم: أن الرفع في الأصل صفة من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، والأسماء متقدمة في الرتبة على الأفعال؛ فكذلك الرفع متقدم في الرتبة على الجزم.
وخلاصة ما سبق: أن الأصل هو تقدم الرفع على النصب والجزم؛ فمن قال: إن المضارع مرفوع بتجرده من الناصب والجازم فقد قدم النصب والجزم على الرفع، وبذلك يكون قد خالف أصلًا من أصول النحاة فلا يُقبل قوله ولا يرتضى مذهبه عند الأنباري.
وهذا القول الذي رده الأنباري واستدل على إبطاله بأصول هو رأي حذاق الكوفيين؛ يقول الفراء في (معاني القرآن) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (البقرة: 83): رُفعت ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن دخول "أنْ" يصلح فيها؛ فلما حذف الناصب رُفعت، انتهى.
وهو القول الذي يجري على ألسنة المعربين، وقد قال ابن مالك في ألفيته:
ارفع مضارعًا إذا يُجرَّد... من ناصب وجازم كتسعدُ
ونلحظ أن الأنباري قد أبطل هذا الرأي اعتمادًا على أن التجرد عن الناصب والجازم معناه: أن الفعل كان متلبسًا بهما قبل الرفع؛ ولكن يمكن أن يجاب عنه: بأن المراد بتجرد المضارع عن الناصب والجازم عدمُهما؛ وعبر عن العدم بالتجرد تنزيلًا للإمكان منزلة الحضور كما قالوا عند حفر بئر: "ضيِّقْ فمَها" أي: أوجدها ضيقة الفم.
ونختم الحديث بقول أحد الباحثين المعاصرين: والحق أن استدلال الأنباري السابق يبدو عليه التكلف؛ إذ يمكن الاعتراض عليه من عدة أوجه؛ فمن الممكن أن نقول: إن التعري أسبق من التقييد؛ فالتعري أولًا؛ ولما كان الرفع هو الأول كان ملازمًا للتعري؛ كما يمكن أن يقال: إن الفعل المضارع رفع لأنه لم يدخل عليه ناصب فينصبه ولا جازم فيجزمه، دون أن نمس أسبقية الرفع للنصب والجزم، يضاف إلى ذلك أن عوامل النصب والجزم في المضارع عارضة، وعندما لا تأتي هذه العوارض فإن المضارع يأخذ الحكم الأول؛ ولما كان الرفع الأول أخذ المضارع الرفع.