أصول النحو 2 - جامعة المدينةرأي سيبويه في وثاقة العلة النحوية

رأي سيبويه في وثاقة العلة النحوية

عن هذه الطبعة
عَلَم
جامعة المدينة العالمية
الكتاب
أصول النحو 2كود المادة: GARB5363المرحلة: ماجستير
المؤلف
مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر
جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تحدثنا في عجالة عن وثاقة العلة النحوية، وآن لنا أن نبسط القول في هذا الموضوع، حتى يطمئن دارس العربية إلى أن ما بذله علماء السلف -طيب الله ثراهم- في استنباط علل الأحكام النحوية كان جهدًا خارقًا، وعزمًا صادقًا قرب البعيد، وذلل الصعب، وأزال اللبس، وكشف النقاب عن سلاسة العربية ومرونتها، وسلامة قواعدها وصحتها، وجمال لغتها وتميزها، وروعة بلاغتها وفصاحتها.

ونتحدث عن رأي إمام النحاة سيبويه في وثاقة العلة، مذكرين بأننا حين نتحدث عن العلة النحوية، فإنما نريد بها ما يشمل علل الأحكام المستنبطة من الواقع اللغوي العربي النثري، والشعري، المحتج به؛ سواء ما يتعلق بالمفردات وما يتعلق بالتراكيب، فمرادنا بالنحو في مادتنا هذه النحو بمفهومه القديم الشامل للقواعد النحوية والصرفية، وقد أبان سيبويه -رحمه الله- رأيه في وثاقة العلة النحوية في عبارة واحدة نقلها عنه ابن جني في (الخصائص)، ونقلها السيوطي عن ابن جني في (الاقتراح)، وهذه العبارة في كتاب سيبويه في آخر باب ما يحتمله الشعر قال فيها: "وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا" انتهى.
وقد عقب عليها ابن جني بقوله: "وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استكرهوا عليه، نعم، ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك فتستضيء به، وتستمد التنبه على الأسباب المطلوبات منه" انتهى.
ومعنى عبارة سيبويه: أن الضرورة الشعرية مع كونها رخصة للشاعر ينبغي أن يكون لها وجه تُخرج عليه؛ إذ ليس كونها رخصة أن يستعملها الشاعر من غير قيود ولا حدود، فإنه إن تجاوز القيود والحدود عُدَّ خارجًا عن سنن العربية، بعيدًا عن طرقها، ولذلك نرى سيبويه يذكر مثلًا في باب ما لا يجوز فيه الإضمار من حروف الجر: أن الكاف من حروف الجر المختصة بجر الظاهر، ولا يُجر بها الضمير، ثم ذكر آخر الباب أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف يعني: أدخلوا الكاف على الضمير تشبيهًا لها بلفظ مثل؛ لأنها في معناها، فيجرونها على القياس، واستشهد على هذا بقول العجاج: وأم أوعال كها أو أقربا

ثم قال: "ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف إلى نفسه قال: ما أنتَ كِي، وكَي خطأ من قِبَل أنه ليس في العربية حرف يفتح قبل ياء الإضافة" انتهى.
ومعنى هذا أن الشاعر إذا اضطر، فأدخل الكاف على ياء المتكلم أجراها على ما يقتضيه القياس، فكسر الكاف لمناسبة الياء، وليس له أن يتحرر من قيود العربية فيفتح الكاف قبل ياء المتكلم مثلًا بحجة الاضطرار، إذ لو فعل ذلك ما وجد وجهًا صحيحًا يحمل عليه هذه الضرورة.
ويقول أبو سعيد السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه موضحًا أن الضرورة الشعرية ليس معناها الخروج عن قواعد اللغة ومقاييسها، يقول: "اعلم أن الشعر لما كان كلامًا موزونًا تكون الزيادة فيه، والنقص منه يُخرجه عن صحة الوزن، حتى يحيله عن طريق الشعر المقصود مع صحة معناه، استجيز فيه لتقويم وزنه من زيادة ونقصان، وغير ذلك ما لا يُستجاز في الكلام مثله، وليس في شيء من ذلك رفع منصوب، ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحنًا، ومتى وُجد هذا في شعر؛ كان ساقطًا مطرحًا، ولم يدخل في ضرورة الشعر"، انتهى.
وهكذا للضرورة الشعرية عند سيبويه وغيره من النحويين حدود تنتهي إليها، وغاية تقف عندها، ومقاييس يلتزم الشعراء بها، ولا يتجاوزونها، وذلك لأن الضرورة الشعرية مخالفة لسنن الكلام المنثور، خارجة عن قوانينه بما للشعر من سمات متميزة وطبيعة متفردة تجعله خليقًا بأن يتخفف من كثير من قيود الكلام المنثور، لكنه مع ذلك أحد نوعي التعبير اللغوي، فينبغي أن تتصل بين النوعين الأسباب، وأن تمتد بينهما الوشائج.
ولذلك فالمتتبع لضرائر الكتاب يجد أن لكل ضرورة وجهًا تُحمل به على صحيح الكلام، وقد ذكر سيبويه أن وجه الضرورة عنده لا يخرج غالبًا عن أحد أمرين، أشار إلى أولهما بقوله: "اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام، من صرف ما لا ينصرف يشبهونه بما ينصرف من

الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء"، يريد بهذا الوجه تشبيه ما وقع في الشعر بما وقع في الكلام.
ثم أشار إلى الوجه الثاني بقوله: "وقد يبلغون بالمعتل الأصل، فيقولون: رادد في رادٍّ، وضننوا في ضنُّوا، يريد الرد إلى الأصل".
والخلاصة المستنبطة من موقف سيبويه من الضرورة الشعرية: أنه يرى أن العلل النحوية من الوثاقة والقوة بمكان عظيم، وأنها أبعد ما تكون عن الضعف والتمحل، وذلك أنه إذا كان لا مفرَّ من أن يكون لكل ضرورة شعرية يرتكبها الشاعر وجه صحيح في القياس المعتمد تُحمل عليه حتى تكون مقبولة جائزة، وإلا عُدَّت خطأ لخروجها عن قياس العربية، مع أن الشعر لغة العاطفة والوجدان، فإن الأمر بالنسبة إلى ما وراء لغة الشعر، وهو الكلام المنثور أشد وأقوى.
ووجه الضرورة هو ما نسميه بالعلة النحوية، وسواء كانت هذه العلة علة تشبيه، أو علة أصل أو غيرهما، إن سيبويه قد رسخ أصلًا واجب الاتباع، ووضع قانونًا لازم العمل به، وأطلق دعوة تحث على البحث والتقصي عن علل الضرائر الشعرية؛ بل والبحث والتقصي في ضوئه وعلى هديه عن علل ما وراء ذلك من الكلام، وعدم التسمح في ذلك، فهل يقال بعد هذا: إن العلة النحوية ضعيفة واهية.

جارٍ التحميل