النص
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جامعة المدينة العالمية
- الكتاب
- أصول النحو 2كود المادة: GARB5363المرحلة: ماجستير
- المؤلف
- مناهج جامعة المدينة العالمية
- الناشر
- جامعة المدينة العالمية
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إن المراد به هنا أن ينصَّ العربي الفصيح على علة حكم من الأحكام، بحيث يكون كلامه صريحًا لا إشارة فيه، ولا تلميح، وهو مأخوذ من قولك: نصصت الشيء إذا رفعته وأظهرته.
يقول السيوطي: "الثاني -من مسالك العلة: النص بأن ينص العربي على العلة"، ومعنى ما ذكره السيوطي أن العلة التي يصرح بها العربي فيما نطق به يجب قبولها، ولا يجوز ردُّها؛ لأنه أعلم بمراده من كلامه، وهذه ثلاثة أمثلة في كل مثال منها علة نص عليها عربي فصيح.
المثال الأول: قال أبو عمرو بن العلاء: "سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لغوب أي: أحمق جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة"، فقد نطق العربي بعبارة يوهم ظاهرها مخالفة الصواب، والوقوع في الخطأ؛ إذ إنه عامل الكتاب -وهو لفظ مذكر- معاملة المؤنث، فأنث له الفعل جاءته، وأعاد الضمير إليه مؤنثًا احتقرها.
وقد أنكر أبو عمرو بن العلاء صنيع الأعرابي، وسأله: "أتقول: جاءته كتابي؟ " وهو سؤال يُفهم منه الإنكار على الأعرابي تأنيث المذكر، فقال الأعرابي مجيبًا عما ارتكبه من التأنيث بأنه يطلق على الكتاب صحيفة فيؤنث باعتبارها؛ لأنهما بمعنًى واحد.
وقد علق ابن جني على هذه القصة بقوله: "أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته، وقد نظروا، وتدربوا وقاسوا، وتشرفوا أن يسمعوا أعرابيًّا جافيًا غفلًا يُعلِّل هذا الموضع بهذه العلة، ويحتجُّ لتأنيث المذكر بما ذكره، فلا يهتاجوا هم لمثله، ولا يسلكوا فيه طريقته فيقول: فعلوا كذا لكذا، وصنعوا كذا لكذا، وقد شرع لهم العربي ذلك، ووقفهم على سمته وأمِّه" انتهى.
والذي يرمي إليه ابن جني من تعليقه السابق هو أن العلة التي نص عليها ذلك الأعرابي تُعدُّ مسلكًا ثابتًا يجب الاعتماد عليه.
والمثال الثاني عن المبرد أنه قال: "سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ "ولا الليل سابق النهارَ" (يس: 40) فقلت له: ما تريد؟ أي: ما تريد بحذف التنوين ونصب المضاف إليه، فإنه غير معروف في مشهور الكلام، قال: سابقٌ النهار يعني: بالتنوين الموجب للنصب، فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن"، فقد قرأ القارئ بما يخالف المعهود في لسان العرب؛ لأن المعهود في هذه الآية ونحوها أمران:
الأول: أن ينوَّن اسم الفاعل وينصب معموله، كما يقال مثلًا: هذا ضاربٌ زيدًا، والثاني: أن يُحذف التنوين من اسم الفاعل ويجر معموله بالإضافة، فيقال مثلًا: هذا ضارب زيد، ولم يقرأ القارئ بأحد هذين الأمرين، بل حذف التنوين من سابق، ونصب النهار، فقال: "ولا الليل سابق النهار".
ولما كان ما صنعه القارئ مخالفًا لمعهود الكلام العربي الفصيح أنكره عليه المبرد، فسأله مستنكرًا: "ما تريد بحذف التنوين والنصب؟ فقال: أردت سابقٌ النهار"، أي: بتنوين اسم الفاعل الموجب نصب معموله، وقد عدل القارئ عن ذلك؛ فرارًا من الثقل إلى الخفة، لأنه رأى أن التنوين أثقل على اللسان، وأشق على النفس، فعدل عنه مع نيته وتقديره، ولذلك أبقى النهار منصوبًا.
ومثله قول أبي الأسود الدؤلي:
فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكرِ الله إلا قليلًا
بنصب لفظ الجلالة مع إسقاط التنوين من اسم الفاعل ذاكر تخفيفًا، وإن كان سيبويه قد جعل حذف التنوين في البيت المذكور للضرورة، وقيل: إن حذف التنوين في قراءة عمارة وفي البيت لغة قليلة لقوم من العرب، وعليها جاءت قراءة "قل هو الله أحدُ الله الصمد" دون تنوين أحد.
وقد علَّق ابن جني على قصة قراءة عمارة بقوله: "ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض؛ أحدها: تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا، والثاني: قولنا: إنها -أي: العرب- فعلت كذا لكذا، ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله: لكان أوزن أي: أثقل في النفس وأقوى، من قولهم: هذا درهم وازن أي: ثقيل، ذو وزن.
والثالث: أنها قد تنطق بالشيء غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف" انتهى.
فقوله: "تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا" مأخوذ من قول القارئ: "سابق النهار" بإسقاط التنوين أصله سابقٌ النهار بإثباته، وقوله: "إنها قد تنطق بالشيء
غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف" معناه: أن الأصل قد يُخالف في لسان العرب اختيارًا للتخفيف، واختصاصًا به، وإيثارًا له.
والمثال الثالث: قال سيبويه: "سمعنا بعضهم يدعو: اللهم ضبعًا وذئبًا، فقلنا له: ما أردت؟ قال: أردت اللهم اجمع فيها ضبعًا وذئبًا، كلهم يفسر ما نوى".
قال ابن جني: "فهذا تصريح منهم بما ندعيه عليهم، وننسبه لهم" انتهى.
أي: تصريح منهم بالعلة التي ذكرناها منسوبة إليهم، فضبعًا منصوب بفعل مضمر تقديره: اجمع أو اجعل، وقد ذكر سيبويه هذا المثال في باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره.
ومن تمام الفائدة أن نذكر هنا عبارة سيبويه، فقد قال -رحمه الله: "وهذه حجج سُمعت من العرب، وممن يُوثق به، يزعم أنه سمعها من العرب، من ذلك قول العربي في مثل من أمثالهم: اللهم ضبعًا وذئبًا، إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل، وإذا سألتهم ما يعنون، قالوا: اللهم اجمع أو اجعل فيها ضبعًا وذئبًا، وكلهم يفسر ما ينوي" انتهى.
فقوله: "يفسر ما ينوي"، أي: يعلل النصب في قوله: "ضبعًا"؛ إذ ذهب إلى أنه على إضمار فعل، ففسر ما قصد من العامل المحذوف، مع أنه لا دليل عليه في الكلام.