جواز العفو عن المذنبين
: (وأما قولكم ويجوز العفو عن المذنبين).
فنقول أجمع أهل السنة على أن المسلم لا يكفر بذنب فكل من لم يأت بما يقتضي الخروج عن الملة يجوز العفو عنه ويدخل تحت مشيئته تعالى إن شاء غفر له بفضله وإن شاء عاقبه بعدله مع عدم تخليده في النار، كما نطق به القرآن والسنة قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغى بعضهم على بعض.
وفي البخاري عن عمر ابن الحطاب رضي الله عنه: "أن رجلاً يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شارباً فلعنه رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" وفي المسند للإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدواوين عند الله عز رجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبؤ به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه وصلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء.
وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً القصاص لا محالة.
وأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك".
قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّار﴾ ثم ان كانت
الذنوب صغيرة وضابطها ما أوجب تعزيراً فأقل فهذا يغفر بالوضوء والصلاة والجمعة والصيام ما اجتنبت الكبائر.
وإن كانت كبيرة فإن استحلت فهي كفر، وضابطها ما أوجب حداً في الدنيا ووعيداً في الآخرة، وإن لم تستحل فإن تاب قبل الغرغرة أو رؤية الملك قبلت التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها وإن لم يتب بأن مات مصراً فأمره مفوّض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له.
وفي صحيح مسلم من حديث المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة بر ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بقرابها مغفرة" وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم غفرت لكم".