أهل الأثرالأرشيف العلمي

صفحات 268-306

قول مبتدع في الإسلام لم يذهب إليه أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين وإن كان كثير من كتب الكلام لا يوجد فيها قول للمسلمين إلا هذا وربما حكاه بعضهم عن أكثر المسلمين وهذا لأن الذين يذكرون هذا كالرازي وأمثاله ليس لهم خبرة بأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة المسلمين في مسائل أصول الدين بل إنما يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المحدث وهؤلاء كلهم مبتدعة عند سلف الأمة وأئمتها وبسبب مناظرة هؤلاء للمتفلسفة حصل شر كثير في الإسلام فإنهم يناظرون بجهل كثير بالعقليات والسمعيات.
والقول الثالث: قول من يقول بمعاد الأرواح التي هي النفس الناطقة فقط كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة.
والرابع: إنكار المعادين مطلقا كما هو قول المكذبين بالجزاء بعد الموت كما كان عليه المكذبون بذلك من مشركي العرب وغيرهم من الأمم ولهذا بين الله المعاد في كتابه بأنواع متعددة من البيان كما قد بسط في موضعه.
الوجه السابع: أن يقال: إن النفس بعد مفارقتها إن لم يكن لها حب وطلب لم يكن لها لذة فإن وجود اللذة بدون المحبة غير معقول ولا موجود بل هو ممتنع فإذا قالوا إن النفس بعد المفارقة لا يبقى لها إلا مجرد

أن تعلم لم يكن لها لذة ولا سرور وإذا قالوا لها لذة وسرور فقد أثبتوا لها محبة فحينئذ تكون لها قوتان قوة العلم والشعور والثاني قوة الإرادة والمحبة ولا تكمل النفس إلا بالكمال في القوتين فدعواهم أن الكمال في مجرد العلم دعوى باطلة بمنزلة من قال كمال النفس في مجرد القدرة أو في مجرد الإرادة.
والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة وحيث كان الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به.
فتارة يكون المعلوم محبوبا يلتذ بعلمه وذكره كما يلتذ المؤمنون بمعرفة الله وذكره بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين ولهذا يقال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير والرغبة فيه والفرح به والسرور واللذة والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات.
وتارة يكون بالعلم يدفع من الشبه ما يعارض محبوبه فقد يكون محبه شيئا وقد عرف منه أمورا عورض فيها فصار عنده ألم ومرض قلب لما عنده من الجهل بزوال تلك الشبه فإذا علم ما يزيلها وجد لذة عظيمة وإما أن يكون محتاجا إلى العلم بذلك لأنه يتوصل به إلى جلب منفعة ودفع مضره وهذا كثير مشهور وأما إن لم يكن هناك محبوب بل المعلوم بغيض فإن تصوره يؤلم النفس لا يسرها فلا يقال إن كل علم يحصل به لذة وهم يسلمون هذا ويقولون إنما اللذة إدراك الملائم لكن يتناقضون مع ذلك فيجعلون اللذة في مجرد علم بالوجود المطلق

من غير بيان فلا يفيد الإنسان فيعود كلامهم إلى أن نفس اللذة هي نفس العلم من غير تقييد بالملائمة للمعلوم ويقولون إن العين تلتذ بالنظر والأذن بالسمع والنفس تلتذ بالعقل ومعلوم أن العين لا تلتذ برؤية كل شيء ولا يلتذ السمع بسمع كل شيء كذلك النفس لا تلتذ بعقل كل شيء بلا لا بد أن يكون ذلك الشيء ملائما أو عونا على الملائم أو مانعا من المنافي ونحو ذلك.
الوجه الثامن: أن يقال إذا كان لها حب وإرادة كان لها عمل في تحصيل المحبوب المراد وهذا نوع من الحركة التي تناسبها فإن الحركة في اصطلاحهم ليست هي النقلة من مكان إلى مكان بل النقلة نوع من الحركة وهم يقولون حركة في الكم وحركة في الكيف وحركة في الأين وحركة في الوضع فالحركة في الكيف هو تحول الموصوف من صفة إلى صفة إما في لونه وإما في طعمه أو ريحه أو غير ذلك وكذلك النفس إذا كانت جاهلة فصارت عالمة أو كانت مبغضة فصارت محبة أو كانت متألمة فصارت ملتذة فهذا حركة في الكيف.
والحركة في الكم مثل النمو الذي يحصل في أبدان الحيوان والنبات.
والحركة في الوضع مثل حركة الفلك فإن حركته لا توجب خروجه من حيزه والحركة في الأين هي النقلة مثل حركة الماء والتراب والهواء والمولدات من حيز إلى حيز وإذا كان كذلك فالنفس بعد الموت لها محبة لشيء وطلب إن حصل التذت به وإلا تألمت فهي متألمة أو ملتذة لما تدركه من مناسب أو مناف وهذه حركة ومن المعلوم بالضرورة أن ما يحدث له آلام ولذات فلا بد له من نوع حركة.

الوجه التاسع: إنهم يقولون اللذة إدراك الملائم والألم إدراك المنافي وسواء كانت اللذة هي نفس الإدراك والشعور والمعرفة أم هي حاصلة بسبب الإدراك والشعور والمعرفة فعلى التقديرين إنما تكون اللذة في إدراك الملائم فلم يبق جنس الإدراك والعلم هو اللذة ولا موجبا للذة بل لا تكون اللذة إلا في إدراك الملائم فلا بد أن يكون المعروف المعلوم المشعور به المدرك ملائما في نفسه للعالم العارف الشاعر المدرك حتى يكون في إدراكه له لذة ومعلوم أن ما لاءم الشيء فهو محب له وما نافره فهو مبغض له فلا بد في اللذة والألم من ثلاثة أمور ملائمة ومنافرة بين المدرك والمدرك ومحبة أو بغضة من المدرك للمدرك ثم علم به وإدراك له ثم تحصل اللذة أو الألم بعد هذا وهذا مما يبين أن أكمل اللذات لذة النظر إلى الله كما دلت عليه نصوص الأنبياء.
ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه قالوا: ما هو ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب من النظر إليه وهي الزيادة".
فدل على أن اللذة الحاصلة بالنظر أعظم من كل لذة كانت قبل ذلك.

وفي حديث آخر رواه النسائي وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الغنى والفقر وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين".
وهذا كما أنه ليس في الدنيا من اللذات أعظم من لذة العلم بالله وذكره وعبادته ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" هكذا لفظ الحديث لم يقل حبب إلي ثلاث فإن المحبب إليه من الدنيا اثنان وجعلت قرة عينه في الصلاة فهي أعظم من ذينك ولم يجعلها من الدنيا وفي الحديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر" ولهذا كان أعظم آية في القرآن آية الكرسي كما ثبت في

صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأبي بن كعب: "يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (سورة البقرة 225) فضرب بيده في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر".
وثبت في الصحيح من غير وجه أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن.
فإن القرآن كلام والكلام إما خبر وإما إنشاء فالإنشاء هو الأمر والنهي والإباحة والخبر إما عن المخلوق وهو القصص وإما عن الخالق وقل هو الله أحد اشتملت على هذا الثلث وهو الخبر عن الخالق.
الوجه العاشر: إنه إذا كانت اللذة في إدراك الملائم ولا بد أن يكون المدرك ملائما للمدرك ثم بالإدراك له تحصل اللذة بطل ما يقولونه في

نهاية فلسفتهم وهو أن كمال النفس أن تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود فإن ذلك إنما يكون بإدراك الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم التي يقال لها علم ما بعد الطبيعة باعتبار علم الناس وقد يقال علم بأنها باعتبار وجودها في نفسها ويسمونه العلم الإلهي.
ويقولون: موضوعه هو الوجود وما يلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وإلى قديم ومحدث وإلى علة ومعلول وإلى الجوهر والعرض وانقسام الجواهر إلى خمسة وهي النفس والعقل والمادة والصورة والجسم وانقسام الأعراض إلى تسعة أجناس على رأي المعلم الأول جمعها بيتان: زيد الطويل الأسود بن مالك... في داره بالأمس كان يتكي في يده سيف نضاه فانتضى... فهذه عشر مقولات سوا فذكر الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ومتى وهو المكان والزمان والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل وقد مانع كثير من الناس في حصرها في تسعة حتى قال بعضهم تنحصر في ثلاثة وبعضهم قال في خمسة.
والمقصود أن موضوع هذا العلم هو أمر كلي مطلق مشترك بين أنواعه فإن الوجود المنقسم إلى الواجب والممكن وإلى الجوهر والعرض وإلى القديم والمحدث ليس هو وجودا معينا موجودا في الخارج إذ القسمة قسمتان قسمة الكلي إلى أنواعه وقسمة الكل إلى أجزائه والمراد بلفظ القسمة عند الجمهور هو الثاني وبذلك جاء القرآن في مثل قوله:

﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة القمر 28) وقوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (سورة الحجر 44) وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (سورة الزخرف 32) ومنه باب القسمة التي يذكرها الفقهاء كقسمة المواريث والغنائم والفيء من عقار ومنقول بين المشتركين فيه فيحصل لكل واحد جزء من المقسوم موجود في الخارج غير الجزء الحاصل للشريك الآخر.
وقد قال جابر: "قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
ولهذا كان قدماء النحاة يقولون: الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف كما ذكره غير واحد منهم ابن جني والزجاجي صاحب الجمل وغيرهما فاعترض عليهم بعض المتأخرين كالكزولي صاحب القوانين النحوية وقال: كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص أنواعه فاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست أقساما له.
وكذلك أبو البقاء النحوي ذكر هذا فيما اعترض به على ابن جني وأجاب أن مراده أجزاء الكلام ونحو ذلك.
وليس هذا الاعتراض بشيء فإن ما ذكره هؤلاء إنما هو في القسمة العقلية وهو قسمة الكل الذي يكون كليا في العقل إلى أنواعه وأشخاص أنواعه وأما القسمة الحسية الموجودة في الخارج فهو قسمة

الكل إلى أجزائه والكلام مركب من الاسم والفعل والحرف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والأرض وكتركب بدن الإنسان من رأس وصدر وبطن وأفخاذ وغير ذلك.
فقولهم: الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام أرادوا به هذه القسمة كما يقال الدار ينقسم إلى سفل وعلو وهذه الأرض تنقسم إلى بيضاء وذات شجر ونحو ذلك وهذه القسمة التي يعرفها بنو آدم فإنها قسمة لما هو موجود معلوم بنفسه إما جوهر كالعقار وإما عرض قائم بالجوهر كالكلام والأصوات والألوان وتلك القسمة إنما هي بعد أن ينتزع العقل من الجزئيات أمرا كليا مشتركا عاما ثم يقسمه العقل إلى أنواعه وأشخاصه وهي تلك الجزئيات والكليات الخمسة التي يسمونها الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام تنقسم هذه القسمة فإذا كان موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم هو الوجود الكلي المشترك المطلق الذي يعم كل موجود فلفظه ومعناه يتناول الموجودات كلها وكذلك لفظ الثبوت والشيء ونحوهما مطابق للفظ الوجود عند جمهور النظار.
فغاية ما يسمى الوجود أن يكون بمنزلة مسمى الشيء ومسمى الثبوت والحصول ونحو ذلك وهذا المعلوم ليس هو شيئا موجودا في الخارج حتى يقال إنه ملائم للنفس أو غير ملائم بخلاف ما إذا قيل واجب الوجود ورب العالمين وخالق العالم فإن مسمى هذا الاسم موجود بنفسه سبحانه وتعالى وهو الحي القيوم ورب كل شيء ومليكه فالنفس إذا عرفته عرفت ما يكون كمالها في معرفته وعبادته وهو سبحانه العلي الأعلى فالعلم به أعلى العلوم إذ العلم يطابق المعلوم.
وأما الوجود العام المشترك كاسم الشيء فذاك لا يوجد كليا إلا في

الذهن ليس في الخارج شيء يعم جميع الأشياء ولا وجود يعم جميع الموجودات.
ومن المعروف عندهم وعند غيرهم أن الكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان وهم قد جعلوا الكليات ثلاثة الطبيعي والعقلي والمنطقي فالطبيعي أن يوجد الكلي مطلقا لا بشرط الإطلاق كما إذا أخذ الإنسان مطلقا والحيوان مطلقا من غير تقييد بوجود ولا عدم ولا وحده ولا كثرة ولا غير ذلك من القيود.
والمنطقي ما يعرض له من العموم والكلية فإن المنطقي ينظر في عموم هذا وخصوصه فكونه عاما وخاصا هو موضوع نظر المنطقي.
والمركب منهما هو العقلي وهو الإنسان بشرط كونه عاما ومطلقا وهو المطلق بشرط الإطلاق وهذا يسلمون كلهم أنه لا يوجد إلا في الذهن إلا من قال بالمثل الأفلاطونية.
وأما الطبيعي فقد يقولون هو موجود في الخارج وقد ينازع منازع في ذلك وفصل الخطاب أنه موجود في الخارج لكن لا يكون كليا في الخارج فليس في الخارج ما هو كلي في الخارج بل ما يوجد كليا في الذهن يوجد في الخارج معينا مشخصا مخصوصا مقيدا وقولهم هذا موجود في الخارج كما يقال لما يتصور في النفس إنه موجود في الخارج وكما يقال فعلت ما في نفسك وقلت ما في نفسك ونحو ذلك فإن الشيء موجود في نفسه ثم الذهن يتصوره ثم يعبر اللسان عن ما تصوره الذهن ثم يكتب بالخط عبارة اللسان ولهذا يقال للشيء أربع وجودات وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي.

ولهذا كان أول ما أنزل الله على رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق 1-5) فذكر في هذه السورة التي ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها أول ما أنزل عليه من القرآن أنه سبحانه موجد الموجودات الأربعة فذكر الوجود العيني وهو الوجود الحقيقي الثابت في نفسه فعم بالخلق وخص الإنسان فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ثم ذكر الموجودات الثلاثة المطابقة لهذا فعم وخص فقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فذكر العلم عموما وخص الإنسان بالتعليم وذكر أنه علم بالقلم وذلك هوالخط والخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى الذي في القلب فإن الخط لا يدل بنفسه على المعنى وإنما يدل على العبارة الدالة على المعنى.
ولهذا من لم يعرف لغة صاحب الخط فإنه إذا قرأ خطا بالعربي واللسان فارسي وهو لا يعرف معنى اللغة الفارسية لم يعرف المعنى فإن الخط إنما يدل بواسطة اللفظ.
فهؤلاء إذا قالوا الكلي الطبيعي موجود في الخارج كما يقال إن

المعلوم في نفسي موجود في الخارج فهو صحيح فإن الكلي الطبيعي مطلق لا بشرط فهو مطابق للأعيان الموجودة في الخارج.
فإذا قيل الإنسان يطلق على هذا وهذا كان صحيحا بخلاف الكلي العقلي فإنه يطلق بشرط الإطلاق وذاك إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان فلا يطابق ما في الخارج بل هو من باب المقدرات الذهنية كما يقدر في الذهن ما يمتنع وجوده في الخارج مثل الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين.
فإذا قدر أن الشيء موجود معدوم أو لا موجود ولا معدوم فهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن ولا يكون في الخارج والذين ظنوا أن هذا الكلي يكون في الخارج مقارنا للموجودات المعينة أو مفارقا لها فقد غلطوا في ذلك كما غلط أمثالهم من المتفلسفة فإن هؤلاء المتفلسفة كثيرا ما يغلطون فيظنون ما هو موجود في الأذهان موجودا في الخارج مثل غلط أولهم فيثاغورس وشيعته في الأعداد المقارنة المطلقة المجردة حيث ظنوا أنها تكون في الخارج مجردة عن المعدودات والمقدورات ومثل غلط أفلاطون وشيعته في الطبائع الكلية كالإنسان الكلي والحيوان الكلي حيث ظنوا أنها تكون في الخارج كليات مجردة عن الأعيان أزلية أبدية لم تزل ولا تزال وقالوا ذلك في الزمان والمكان والمادة فظنوا أن في الخارج جوهرا عقليا أزليا أبديا غير الأجسام وأعراضها وجوهرا مثالا أزليا أبديا غير الأجسام وحركاتها ومقدار حركاتها وظنوا وجود مادة عقلية مجردة عن جميع الصور هي المادة الأولية التي يثبتها هؤلاء.

وقد خالفهم أصحابهم كأرسطو وشيعته والمتأخرون الذين سلكوا خلفه كالفارابي وابن سينا وردوا على متقدميهم وقالوا إن الفلسفة كانت نية فأنضجت فإن مبدأها إنما هو النظر في الطبيعيات ثم انتزعوا من الأمور الطبيعية هذه الكلية العقلية وظنوا وجودها في الخارج.
فرد عليهم هؤلاء وأصابوا في الرد ثم جعل هؤلاء هذه الماهيات العقلية موجودة في الخارج مقارنة للموجودات الحسية الطبيعية فاثبتوا مادة عقلية مع الجواهر الحسية وأثبتوا ماهية مجردة كلية مقارنة للأعيان وقالوا هذه الماهيات غير الوجود وأسباب الماهية شيء وأسباب الوجود شيء فإنا نعقل المثلث قبل أن نعلم وجوده وقالوا هذه الماهية يغشاها غواش غريبة حسية وخيالية.
وقسموا في منطقهم اليوناني المتلقي عن معلمهم الأول أرسطو الذي هو صاحب تعاليم المنطق والطبيعي والإلهي قسموا الصفات اللازمة للموصوف إلى ذاتي داخل في الماهية مقوم لها وإلى عرضي خارج عن الماهية ثم العرضي قسموه إلى لازم للماهية وإلى لازم لوجودها لما فرقوا بين الوجود والماهية وإلى عارض لها إما بطيء الزوال أو سريع الزوال.
وهذا التقسيم وما بنوه عليه من الحدوث مما أنكره عليهم جمهور النظار من المسلمين وغيرهم وبينوا ما بينوه من خطئهم فيه كما قد بسط الكلام عليهم في مواضع.
والمقصود هنا التنبيه على منشأ غلطهم أما تقسيم الصفات إلى لازم للموصوف وإلى غير لازم فهذا حق وهو تقسيم نظار المسلمين يقسمون الصفات إلى لازم وعارض فإن الحيوانية الناطقية والضاحكية لوازم للإنسان بخلاف العربية والعجمية والسواد والبياض والشباب والمشيب والإسلام والكفر.

وأما تقسيم الصفات اللازمة إلى ثلاثة أنواع: نوع داخل في الماهية ونوع خارج عنها والخارج على قسمين: لازم لها ولوجودها ودعوى أن الماهية مركبة من الصفات الداخلة فيها وهي الذاتية وهو الجنس والفصل كالحيوان والناطق وأن الإنسان مركب منهما وأن الحدود الحقيقية لا تصح إلا بذكر الصفات الذاتية المشتركة وهي الجنس والمميزة وهي الفصل وبهما يتم النوع المركب كما يتم الإنسان بالحيوان والناطق فهذا من الخطأ الذي أنكره عليهم نظار المسلمين كما قد كتبنا بعض كلام النظار في ذلك في غير هذا الموضع في الكلام على المحصل وعلى منطق الإشارات وعلى المنطق اليوناني مصنف كبير ومصنف مختصر وغير ذلك.
وذلك أن لفظ الماهية والوجود قد يعني بالماهية ما يتصور في الذهن وبالوجود ما يكون في الخارج وهذا حق لم ينازع فيه نظار المسلمين ولا ريب أن الماهية المتصورة في الذهن ليست عين الموجود في الخارج ولكن ما يتصور في الذهن إذا كان مطابقا لما في الخارج كان علما كما أن القول الذي يكون معناه في الذهن ولفظه في اللسان إذا طابق ما في الخارج كان صدقا وليس نفس القول هو المقول الذي في الخارج فكذلك إذا تصورنا ماهية شيء من الأشياء في أنفسنا فما في النفس من التصور يطابق ما في الخارج لا أن هذا عين ذلك فمن قال إن الماهية غير الوجود وأراد بالماهية الصورة العلمية الذهنية وبالوجود ما يوجد في الخارج فقد أصاب وأما إذا عنى بالماهية والوجود جميعا

ما هو ثابت في الخارج أو عنى بهما جميعا ما هو متصور في الذهن وقيل إن في الذهن شيئين ماهية ووجودها أو في الخارج شيئان ماهية ووجودها فهذا خطأ.
وبهذا التفصيل يزول الاشتباه والنزاع الموجود في أن الماهية هل هي غير وجودها أم لا فمن لم يفصل هذا التفصيل فإما أن يحار ويقف كالآمدي ونحوه وإما أن يختلف كلامه ويتناقض كالرازي ونحوه أو يصر على الباطل إذا نصر أحد القولين كبعض المتكلمين والمتفلسفة.
والمقصود هنا التنبيه على مثار غلطهم وهو أنهم يتوهمون ما في الذهن موجودا بعينه في الخارج كما توهموا ذلك في هذه الكليات إما مجردة على رأي قدمائهم أصحاب المثل الأفلاطونية وأصحاب فيثاغورس وإما مقرونة بالموجودات على رأي متأخريهم كشيعة أرسطو ولهذا كان ما يثبتونه من المجردات المفارقة للمادة ليس يسلم لهم منها شيء إلا نفس الإنسان إذا فارقت بدنه فإنها تكون مفارقة لبدنه بالموت وإنما سموا ما سواها مجردا مفارقا للمادة من هذا الباب.
فما أثبتوه من العقول العشرة المحركات المفارقات التي ليست جسما ولا متعلقة بجسم ويعبرون عن الجسم بالمادة فيقولون لا في مادة ولا متعلقة ومن النفوس الفلكية التسعة التي ليست في جسم ومادة لكنها متعلقة بالمادة التي هي الجسم تعلق التدبير والتصريف.

وهذا التفريق عندهم بين قسمي النفس والعقل أصله من نفس الإنسان فإنها تارة تكون في بدنه مدبرة له فتسمى نفسا وتارة تفارقه فتسمى عقلا عندهم لأنهم عقلت العقليات التي صارت بها عالما معقولا مطابقا للموجود ولهذا سموا العقول العشرة عقولا والنفوس الفلكية نفوسا وهم مختلفون هل هي أعراض في جسم أم هي مجردات؟ على قولين.
وإذا أعطى النظر والبحث حقه وكشف حقيقة ما يقولونه في هذا الباب وأزيلت الشبه عن الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة لم يكن عند القوم من المعقولات المجردة إلا ما هو معقول للإنسان في نفسه مثل الكليات كالإنسانية والحيوانية والوجود العام المشترك ونحو ذلك وإما شيء موجود في نفسه خارج يكون من المعقولات التي أثبتوها فهذا لا حقيقة له.
ولهذا غلط من ظن أن عالم المعقولات التي يثبتونها هو الغيب الذي أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم أجمعين كما يذكر مثل ذلك جماعة ممن رام أن يجمع بين ما قالوه وبين ما أخبرت به الرسل كما يوجد مثل ذلك في كلام الشهرستاني وأبي حامد والرازي وغيرهم فإن ما أثبتوه من العقليات يجعلون فيه الفرق بين العالم العقلي والحسي هو الفرق بين الغيب والشهادة وليس الأمر كذلك فإن المعقولات التي يثبتها هؤلاء إنما هي معقولات في نفس الناس وهو عرض قائم بنفسه.
فأما ما يدعونه من عالم معقول يمتنع أن يكون محسوسا بحال فهذا ليس لهم عليه دليل ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات ذلك أثبتوه

بالكليات كما فعله ابن سينا في إشاراته أو بموجودات لا يحسها الإنسان لا لامتناع الإحساس بها مطلقا بل لأسباب أخر.
وأما ما أخبرت به الرسل من الغيب فليس هو معقولا مجردا في النفس ولا هو موجود في الخارج لا يحس به بحال بل هو مما يحس به كما أخبرت بالملائكة والجن وغير ذلك وكل ذلك مما يجوز رؤيته والإحساس به.
وكذلك ما أخبرت به من الجنة والنار هو مما يحس به وكذلك الرب تبارك وتعالى وتقدس وتعظم تجوز رؤيته بل يرى بالأبصار في الآخرة في عرصات القيامة وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين.
ولهذا فرقت الرسل بين هذا وذاك فإن هذا شهادة أي مشهود لنا محسوس الآن وذاك غيب أي غائب عنا الآن لا نشهده وهذا فرق إضافي باعتبار حالنا في شهوده الآن وعدم شهوده فإذا متنا صار الغيب شهادة وشهدنا ما كانت الرسل أخبرت به وكان غيبا عنا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (سورة ق 22). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (سورة الأنعام 30).

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (سورة الأحقاف 34).
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (سورة الملك 25 27). وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ (سورة الفرقان 21 22). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (سورة النساء 97 99). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (سورة الأنفال 50 51). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ

أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (سورة الأنعام 93) وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وبالجملة الملائكة الذين أخبر رسل الله عنهم كما ذكرهم الله في القرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من أخبار الأنبياء من تدبر بعض ما ذكر عنهم وما تقوله المتفلسفة في المجردات العقول العشرة والنفوس التسعة علم بالاضطرار أن هذا مباين لهم من وجوه كثيرة وأن كل من رام من القرامطة الباطنية أو باطنية أهل الكلام والتصوف أن يجعل هذا مكان هذا ويجمع بين ما أخبرت به الرسل وما ذكرته الفلاسفة كان من أجهل الناس إن لم يعرف وأعظمهم تعمدا للكذب إن عرف.
والجمع بين هذا وهذا أبعد من الجمع بين شريعة التوراة بعد النسخ والتبديل وبين شريعة القرآن فإن هؤلاء يزعمون أن العقل الأول أبدع كل ما سوى الرب وكل ما سواه معلول مربوب له والعقل الفعال أبدع كل ما تحت السماء وهو معلول ومربوب له وهذا مما يعلم صبيان المسلمين أنه تكذيب صريح لما جاءت به الرسل ليس في كلام الرسل أن ملكا

من الملائكة خلق كل ما سوى الله ولا خلق جنسا من المخلوقات ولا كان قديما.
بل قد ثبت في الصحيح عن عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم".
وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (سورة الأنبياء 26 27 28). وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران 80).
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ (سورة الإسراء 56 57) قال طائفة من السلف: "كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فأخبرهم الله تعالى أن هؤلاء الذين يدعونهم من الملائكة والأنبياء هم عباد الله كما أنتم عباده يرجون رحمته كما ترجون رحمته ويخافون عذابه كما تخافون عذابه ويتقربون إليه كما تتقربون إليه.
وهؤلاء زعموا أن الشفاعة إنما هي بأن يتوجه الإنسان إلى روح

مفارق فيفيض عليه من ذلك الروح وذلك الروح قد فاض عليه الأمر من الرب وشبهوا ذلك بشعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم وقع شعاع المرآة على غيره وقد ذكر هذا المعنى ابن سينا والغزالي في المضنون به على غير أهله وغيرهما ممن بني على أصلهم الفاسد إذ كانوا لا يرون أن الله يسمع كلام عباده ولا يعلم ما في نفوسهم ولا يقدر أن يغير شيئا من العالم ولا له مشيئة يفعل بها من يشاء فأثبتوا الشفاعة على هذا الوجه.
وهذه شر من الشفاعة التي يثبتها مشركو العرب والنصارى والمبتدعون من المسلمين ونحوهم ممن يقول إن الله فاعل مختار فإن هؤلاء يثبتون شفيعا يشفع إلى الله فيقضي حاجته وجعلوا شفيعهم من جنس الذي شفع عند الملوك.
فأبطل الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك وكفر من أثبت هذه الشفاعة فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ (سورة يونس 18).
وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام 51).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (سورة السجدة 4).

وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (سورة البقرة 255). وقال عن الملائكة: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ سورة الأنبياء 28).
وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (سورة النجم 26).
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (سورة سبأ 22).
وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سورة سبأ 23).
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية بأن الملائكة إذا سمعوا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا أزيل الفزع عنهم: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سورة سبأ 23).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ (سورة البقرة 254).

وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (سورة البقرة 48).
والناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا.
والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل الكبائر.
وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى وعيسى فيقول لهم عيسى اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: "فيأتوني فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أنطلق فأسجد فيحد لي حدا" ذكر هذا ثلاث مرات.

وفي الصحيح أن أبا هريرة قال لرسول الله: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه " فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أسعد الناس بشفاعته في الآخرة أعظمهم إخلاصا لله وتوحيدا له في الدين.
وذلك أنه من يشفع عنده بغير إذنه كان الشافع شريكا له في العقل ولهذا سمي الشفيع شفيعا لأنه يشفع للطالب كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (سورة النساء 85) فكل من أعان غيره على أمر فهو شافع له والشافع عند غيره تؤثر فيه حركة تغير اختياره ويكون شريكا له في المطلوب والله منزه عن ذلك كله.

وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأسعد الناس بالمغفرة التي تنال بالشفاعة وغير الشفاعة أعظمهم إخلاصا له لا من كان فيه شرك يرجو غير الله ويسأل غير الله ويعبد غير الله كما يفعل المشركون الذين اتخذوا من دون الله شفعاء سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو صالحين أو من يظن فيهم الصلاح فيسألونهم ويستغيثون بهم إما في مغيبهم وإما عند قبورهم.
وكثيرا ما يتمثل لهؤلاء المشركين صورة ذلك الشخص المستغاث به ويكون ذلك شيطانا تمثل على صورته ليضل ذلك المستغيث به المشرك كما كانت الشياطين تكلم الناس من الأصنام وكما يقع كثير من ذلك في أرض الشرك أرض الصين والترك والهند والغرب والجنوب والشمال يرون أحيانا أن ميتهم قد جاء وحدثهم بأمور وقضى لهم حوائج فيظنونه قد عاش بعد موته وإنما هو شيطان قد تمثل على صورته ومنهم من يصنع قربانا للشيطان ويقرب له ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه ويغنون غناء يناسبه ويأتون بشيخ لهم يناسب ذلك الشيطان فيسقونه الدم أو يفعل به الفاحشة أو ينطق بالكفر الذي يختاره الشيطان ثم يتكلم الشيطان إما منفردا وإما على لسان ذلك الشيخ ببعض ما يريدونه وربما صعد الشيخ في الهواء وهم يرونه وقد يحمل للشيطان بعض هؤلاء الشيوخ الذين لهم حال شيطاني فيطير به في الهواء فيذهب به إلى مكان آخر وربما مشى به على الماء لكن لا بد أن يكون الشيخ عاصيا لله ورسوله وكلما كان أفجر وأكفر كان أقرب له إلى الشياطين.

كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (سورة الشعراء 221-222). وإذا كان من أولياء الله المتقين المطيعين لله ورسوله هربت منه هذه الشياطين وكان أعوانه جند الله من الملائكة والجن المؤمنين وغيرهم وقد يطيع الشياطين لولى الله في بعض ما يأمر به من طاعة الله ورسوله تعظيما له وإكراما له لا طاعة لله ولرسوله فهذا يقع كثير ولكن لم تسخر الجن والشياطين تسخيرا مطلقا لغير سليمان عليه السلام وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن هؤلاء الفلاسفة كثيرا ما يظنون الأمور الذهنية المتصورة في الذهن حقائق ثابتة في الخارج وهذا الأمر غالب عليهم كثير في كلامهم ومن تفطن له تبين له وجه غلطهم في كثير من مطالبهم مع أنهم لهم عقول ونظر وفضيلة بالنسبة إلى أتباعهم لا إلى أتباع الرسل.
وعلم القوم الذي كانوا يعرفونه هو الطب والحساب فلهم في الطبيعيات كلام كثير جيد والغالب عليه الجودة وكذلك في الحساب في الكم المنفصل والكم المتصل وفيهم خلاف كثير في علم الهيئة وحركات الكواكب ومقاديرها وكذلك في سائر علومهم هم أكثر الطوائف اختلافا.
وإذا قال أبو عبد الله الرازي: "اتفقت الفلاسفة" فإنما عنده ما ذكره ابن سينا في كتبه وكذلك كلام المشائين أتباع أرسطو وإلا فالفلاسفة أصناف مختلفة وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه

الكبير في المقالات لما ذكر مقالات غير الإسلاميين وكذلك أبو عيسى الوراق والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم ممن يحكي مقالات الناس ويناظرهم ذكروا من أقوال الفلاسفة اختلافهم ما يكون كلام المشائين فيه قليل من كثير.
وإذا كان غاية فلسفتهم إنما هو العلم بكليات لا وجود لها في الخارج إنما يوجد في الخارج أشخاص معينة وتلك الكليات لا وجود لها في الخارج فليس هناك شيء يلائم النفس حتى تكون النفس كاملة سعيدة بمعرفته فتبين أن ما ذكروه من كمال النفس وسعادتها بعد الموت خطأ وضلال.
الوجه الحادي عشر: أن الكليات هي مطابقة لجزئياتها فإذا كانت الجزئيات تقبل التغير من حال إلى حال لم تكن الكليات ثابتة على حال فلا يكون العلم بها علما بشيء باق وكل مخلوق فإنه يقبل التغير من حال إلى حال على ما أخبرت به الرسل ودلت عليه العقول وإذا لم يكن في الموجودات كليات عقلية أزلية أبدية لا تقبل التغير فيبقى ما في النفس من هذه الكليات المتعلقة بالمخلوقات جهلا لا علما وذلك مثل الكليات الطبيعية وهو أن النار تحرق فإن هذا له شروط وموانع فقد لا تحرق لفوات الشروط أو وجود المانع وليست الموانع أمرا محدودا فلا يمكن العلم القاطع أن كل نار تحرق بالفعل لما من عادته أن تحرقه ثم هم يدعون قدم الأفلاك وبقائها وكذلك العقول والنفوس.

فيقال: هذه أمور معينة لا كلية فإذا كانت النفس تبقى ببقاء معلومها فالمعلوم الباقي الأزلي الأبدي الذي لا ريب في بقائه وقدمه وهو رب العالمين فالسعادة والكمال في معرفته وعبادته وهذا هو العلم الأعلى الذي هو علم بالرب الأعلى ليس العلم هو العلم بوجود مطلق وأقسامه كما قوله هؤلاء ومن تبعهم حتى أدخل ذلك في أصول الفقه الرازي ونحوه ويحيلون بالبرهان على العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه.
وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع على كلامهم في الحد والبرهان وبينا ما عليه نظار المسلمين في الحد وأن المقصود به التمييز للمحدود من غيره فمقصوده تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال سواء كان حد الشيء اسم وهو الحد بحسب الاسم أو لشيء موجود وهو الحد بحسب الحقيقة وهذا الحد يحصل بالعرف المطابق للمحدود في العموم والخصوص بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه فيكون الحد مطردا منعكسا كالاسم مع المسمى.
وأما ما يدعونه هم من أن الحد يحصل به معرفة حقيقة المحدود في الخارج وأنه يكون بالصفات الذاتية الداخلة في الحدود المركبة من الجنس والفصل فهذا مما تكلم نظار المسلمين على خطئهم فيه من وجوه كما بيناه في موضعه وبينا أن قولهم إن الإنسان مركب من الجنس والفصل إن أريد به تركيب ما في الذهن فهذا صحيح فإن الإنسان إذا تصور في نفسه حيوانا ناطقا كان ما تصوره مركبا من هذا وهذا وإن

تصور حيوانا ضاحكا كان ما تصوره مركبا هذا وهذا وكان لفظه دالا على ما تصوره بالمطابقة وعلى بعضه بالتضمن وعلى الخارج عنه اللازم له بالالتزام فالمجموع هو مجموع الماهية التي تصورها في نفسه وجزؤها هو جزء الماهية وهو المدلول عليه بالتضمن والخارج عنها اللازم لما هو اللازم للماهية المقصودة في الذهن فيعود تمام الماهية وجزؤها الداخل ولازمها الخارج إلى ما دل عليه بالمطابقة والتضمن والالتزام هذا هو الذي يتحصل من هذا كما حرره من حرره كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وأما أن تكون صفات الموصوف اللازمة بعضها داخل في ماهيته الخارجة وبعضها خارج عن ماهيته الخارجة فهذا باطل وما ذكروه من الفروق الثلاثة بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم قد اعترفوا هم ببطلانها وقد بين بطلانها بالدليل.
وما ذكروه من الوسط بين بعض اللوازم وبعضها أراد به أئمتهم كابن سينا ونحوه أنه الدليل كما يقولون الحد الأوسط فجعلوا من الذات ما يعلم بلا دليل ومنها ما لا يعلم إلا بالدليل وهذا فرق يرجع إلى علم العالم بها لا إلى حقيقة هي علمها في نفس الأمر فظن من ظن من متأخريهم أنهم أرادوا بالوسط أن الصفات اللازمة تارة يتصف بها الموصوف بنفسها وتارة يكون بينه وبينها وسط في هذا الاتصاف.

واضطربوا هنا اضطرابا يظهر به أن القوم في ظلمات بعضها فوق بعض فكلام سلفهم فيه خطأ كثير وقد حصل في النقل والترجمة ما حصل من الخطأ ويزيده متأخروهم خطأ فصاروا في شر من دين اليهود والنصارى فإن ذاك أصله حق جاء من عند الله ولكن هم بدلوا وغيروا وهؤلاء كان الأصل فاسد وكثر الفساد في الفروع فإن حاصل ما انتهى إليه أرسطو في الإلهيات فيه من الفساد ما لا يسعه هذا الموضع والقوم من أجهل الناس بذلك وفيه من الغلط أكثر مما في الطبيعيات.
وهذا إذا اقتصر على الفلسفة الموروثة عن أولئك ولكن المنتسبون إلى الإسلام منهم والعربية صار لهم بسبب ما استفادوه من المسلمين من العقليات الصحيحة والمعارف الإلهية ما صاروا به خيرا من أوليهم وأعلم وأعقل ولهذا يوجد في كلام ابن سينا وأمثاله من تحقيق الأمور الإلهية والكليات العقلية ما لا يوجد لأوليهم وإن كان هو وأمثاله عند أهل الإيمان بالله ورسوله من جملة المرتدين والمنافقين.
وإذا قالوا الإنسان مركب من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية فإن أرادوا انه مركب من جوهرين لزم أن يكون كل موصوف بصفات لازمة ذاتية مركبا من جواهر كثيرة فيكون في الإنسان جوهر هو جسم وجوهر هو حساس وجوهر هو نام وجوهر هو متحرك بالإرادة وجوهر هو ناطق وهذا مما يعلم كل عاقل أنه فاسد وإن أرادوا أنه مركب من عرض فالجوهر كيف يتركب من الأعراض وكيف تكون الأعراض قائمة به مقومة له سابقة عليه وتكون هي أجزاءه وهل تكون قط

صفة موصوف متقدمة عليه بوجه من الوجوه لا سيما وهم يثبتون تقدما في الخارج لكنه تقدم كلي مثلما يدعونه من تقدم العلة على المعلول.
وكلامهم في هذا أيضا فاسد فإنه لا يعرف قط أن الفاعل متقدم على مفعوله إلا تقدما حقيقيا بحيث يكون الفعل بعده حقيقة وهو الذي يسمونه تقدم بالزمان وسواء سمي الفاعل علة أم لم يسم.
وأما قول القائل: حركت يدي فتحرك الخاتم فحركة اليد ليست علة فاعلة لحركة الخاتم بل المحرك لليد هو المحرك للخاتم والخاتم في اليد كأصبع في يد وليست حركة الكف علة لحركة الأصبع ولكنهما متلازمان لما بينهما من الاتصال.
وقد بين هذا في موضعه وبين أن ما يدعونه من الفاعل الموجب بالذات الذي يكون مفعوله مساوقا له بالزمان مما اجتمع الأولون والآخرون من جميع طوائف العقلاء على فساده حتى أرسطو وأتباعه من الفلاسفة المتقدمين وإنما قال هذا بعض المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين ادعوا أن الممكن بنفسه الذي يقبل الوجود والعدم يكون بنفسه قديما أزليا واجبا بغيره.
وهذا قول شرذمة منهم وأما جمهور الفلاسفة القائلون بقدم العالم كأرسطو وأتباعه والقائلون بحدوثه فكلهم ينكرون هذا كما ينكره سائر

العقلاء ويقولون الممكن لا يكون إلا محدثا فكل ما كان ممكنا يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما لم يكن إلا حادثا كما قد بسط في موضعه.
وحينئذ فإذا قالوا النفس تبقى ببقاء معلومها فليس من المعلومات المشهودة ما هو باق أبدا لا يستحيل من حال إلى حال ولا في المعلومات الموجودة التي يعلمون وجودها بالبرهان عندهم ما هو باق أزلا وأبدا لا يستحيل من حال إلى حال إلا الله وحده وما يثبتونه من العقول والنفوس ليس له حقيقة إلا في الوجود الذهني لا الخارجي وأما نفوس بني آدم وإن كانت باقية فهي العالمة التي تكمل وتبقى ببقاء معلومها.
والمقصود أي ليس لها موجود معلوم يعلم بالبرهان بقاؤه أزلا وأبدا ليبقى ببقائه إلا الله وحده وإذا قالوا تصير عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود فهذا العالم ليس ثابتا على حال من الأحوال بل هو يستحيل من حال إلى حال.
أما على القول الحق فإن الأفلاك مخلوقة ومستحيلة وأما على زعمهم بأنها أزلية أبدية فليست كلية إنما هي أشياء معينة فهي من قبيل الحسيات لا من قبيل المعقولات الكلية ولهذا لما قال من قال منهم كابن سينا ونحوه إن الرب لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي وقال إنه يعلم نفسه ويعلم ما يصدر عنه صار متناقضا فإنه سبحانه معين وما يصدر عنه معين والعقول معينة لا كلية والأفلاك معينة لا كلية

فكيف يقال: لا يعلم إلا الكليات ويقال مع ذلك إنه يعلم ما يصدر عنه.
ولهذا كان هذا مما احتج به عليه المسلمون المثبتون للصفات واستدركه عليه أتباعه كالطوسي فأما المسلمون فقالوا كلامه صريح بإثبات كثرة المعلوم وهو دائما يفر من الكثرة وأما الطوسي فلما رأى هذا لازما أنكره على ابن سينا وادعى أن علمه بالمعلومات هي نفس المعلومات وزعم أنه حقق هذا وهذا من أفسد ما قيل في العالم وأبعده عن العقل.
ولقد كان الناس يعجبون ويسخرون من قول الفلاسفة إن العلم هو العالم والعلم هو القدرة فيجعلون هذه الصفة هي الأخرى ويجعلون الصفة هي الموصوف فإن فساد هذا من أبين الأمور في العقل والعلم بفساده ضروري فجاء هذا المتأخر منهم ففر إلى ما هو شر من ذلك فقال بل العلم نفس المعلومات وهذا ما عرفت أحدا من العالمين سبقه إليه وهم يدعون معرفة العقليات وهذا كلامهم في رب العالمين لا يقوله إلا من هو من أضل الناس.
وهم إنما قالوا ما قالوه فرارا من كثرة الصفات وفرارا من حلول الحوادث ولهذا كان كثير من أساطينهم أو أكثرهم وكثير من متأخريهم كأبي البركات يخالفونهم في هذين الأصلين ويقولون بإثبات الصفات وبقيام الحوادث به كما قد حكيت مقالاتهم فإن عامة الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو كانوا يقولون بحدوث الأفلاك لكن

كانوا في المادة هل يقال بحوادث لا أول لها ولكل مادة مادة أو يقال بمادة قديمة أو حديثة وأما صورة الفلك فكانوا يقولون بحدوثها كما أخبرت به الرسل وأول من عرف عنه القول بقدمها أرسطو.
هذا ذكره غير واحد من أهل المقالات وبحث أرسطو في كتابه يدل على ذلك وقد بسط الكلام على أرسطو نفسه وأقواله المنقولة عنه في الإلهيات وبين ما فيها من قلة العلم وكثرة الجهل وأنهم من أبعد الناس معرفة برب العالمين.

والذي لا ريب فيه أنهم لا يؤمنون بالله ولا بملائكته ولا رسله ولا اليوم الآخر ولا يدينون دين الإسلام الذي بعث الله به جميع الرسل وهو عبادة الله وحده لا شريك له فإن هذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينا غيره.
قال تعالى عن نوح: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة يونس 71-72). وقد ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وأنه قال: ﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الزمر 12).

وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة 130 132). وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة آل عمران 67).
وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النحل 120). وقال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة الأنعام 161).

وقال عن قوم موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (سورة يونس 84).
وقال عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (سورة الشعراء 47-48) إلى قوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشعراء 51) وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأعراف 126). وقال عن يوسف الصديق: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (سورة يوسف 101). وقال عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة النمل 44).
وقال عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة المائدة 44).
وقال عن الحواريين: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة المائدة 111-112). فهذه الرسل وأممهم من نوح إلى الحواريين كلهم على الإسلام

وكذلك كل من كان قبلنا من أهل السعادة فهو مؤمن قال تعال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة 62) وفي الآية الأخرى: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ (سورة المائدة 69) فإن النصارى أفضل من الصابئين فلما قدموا عليهم نصب لفظ الصابئون ولكن الصابئون أقدم في الزمان فقدموا ها هنا لتقدم زمنهم ورفع اللفظ ليكون ذلك عطفا على المحل فإن المعطوف على المحل مرتبته التأخير ليشعر أنهم مؤخرون في المرتبة وإن قدموا في الزمن واللفظ.
وهو سبحانه ذكر في سورة الحج ملل العالم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سورة الحج 17) فأخبر أنه يفصل بين أهل الملل أجمعين ولم يذكرهم هنا ليتبين المحمود منهم في الآخرة وفي سورة البقرة والمائدة ذكر أربعة أصناف المسلمين والذين هادوا والنصارى والصابئين ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة 62) فدل على أن هذه الأربعة منهم من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وأولئك هم السعداء في الآخرة بخلاف من لم يكن من هؤلاء مؤمنا بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وبخلاف من كان من المجوس والمشركين فهؤلاء كلهم لم يذكر منهم سعيد في الآخرة.

وكذلك الإسلام العام قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة 111 112). وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (سورة النساء 125). وقد ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي" ولهذا ترجم البخاري على ذلك (باب من جاء في أن دين الأنبياء واحد".

وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (سورة الشورى 13) فقد أمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه.
وقال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنون 51 53) فذم الذين تفرقوا على الأنبياء فآمن هؤلاء ببعض وهؤلاء ببعض وهم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا.
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة الروم 30 31). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (سورة الأنعام 159) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (سورة النساء 150 151).

فصول الكتاب · 17 فصل · 340 صفحة
جارٍ التحميل