صفحات 233-267
في أماكن الفترات التي تضعف فيها آثار النبوة إذا لم يكن هناك من يقوم بحقائقها وهؤلاء يكونون في الدول الجاهلية كدولة بني عبيد ودولة التتار ونحوهم ومن هؤلاء من يغفر الله له فإنه إذا اجتهد وسعه في الإيمان بالرسول ولم يبق له قدرة على أكثر مما حصل له من الإيمان به لم يكلف الله نفسا إلا وسعها وإن كان قوله بعد قيام الحجة عليه كفرا كالذي قال لأهله إذا انا مت فاسحقوني ثم اذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين والحديث في الصحيحين من غير وجه فإن هذا جهل قدرة الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة ومع هذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده خائفا من عذابه وكان جهله بذلك جهلا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله غفر الله له ومثل هذا كثير في المسلمين والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخبر بأخبار الأولين ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة والمقصود هنا أن نبين أن ما أثبته هؤلاء في فضائل الأنبياء الثابتة فهو حق ولكن جهلهم وكفرهم فيما أنكروه وكذبوا به وما قالوه من الباطل من هذه الوجوه الثلاثة وغيرها فالوجهان الأولان الباطلان أبطلوا بهما كون الله هو الخالق بقدرته ومشيئته لمخلوقاته وأبطلوا ما خلقه من الملائكة والجن وغير ذلك مما لا يعرفونه وأبطلوا ما امتازت به الأنبياء على غيرهم وجعلوا الأنبياء من جنس العارفين المعرفة المشتركة بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين
فلهذا صارت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيا من متقدميهم ومتأخريهم وصار منهم من يظن أنه نبي وأنه يضع ناموسا ينسخ به شرائع الأنبياء كما جرى لأئمة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم والذي يقرون به من النبوة يحصل وما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكما في السنن عنه أنه قال: "الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"
فلا ريب أن الشيء يكون جزءا من النبوة أو الإيمان ويكون من أصغر الشعب والأجزاء كإماطة الأذى في الإيمان أو كالرؤيا في النبوة ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ولهذا كان هذا الجزء أول بدىء به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدريجا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: " أول ما بدىء به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد " الحديث
وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم وقد تبين أن معجزات الأنبياء خارجة عن القوى النفسانية والطبيعية في العالم العلوي والسفلي وتبين أن الله سبحانه خالق كل شيء بمشيئته وقدرته وأنه يخلق ما يشاء بالأسباب التي يحدثها وللحكمة التي يريدها
وهذا قدر ما احتملته هذه الأوراق في جواب هذه المسألة فإنها مسألة عظيمة تبنى عليها أصول العلم والإيمان أجبنا فيها بحسب ما احتمله الحال وفيها من البسط والقواعد الشريفة ما يعرفه من عرف كلام الناس في هذا الباب وإن كان ما يجب لله ورسوله من الحق أعظم من هذا الخطاب فإن تمام البسط في الرد على هؤلاء لا يناسب هذا الموضع ولكل مقام مقال ولكن نبهنا على المآخذ التي تعرف منها حقيقة قولهم وفساده فإن هؤلاء أفسدوا على الناس عقولهم وأديانهم وهم يكثرون ويظهرون في ما يناسبهم من الدول الجاهلية كدولة القرامطة الباطنية العبيدية ودولة التتر ونحوهم من أهل الجهل والضلال وفي دول أهل الردة والنفاق وذلك أن هؤلاء أعظم جهلا وضلالا من اليهود والنصارى والمجوس ومشركي العرب والهند والترك وكثير من الصابئين فإن أكثر المشركين يقرون بأن العالم محدث وأن الله يفعل بمشيئته وقدرته وكذلك الصابئة الحنفاء على هذا القول وهو قول أساطين الفلاسفة القدماء الذين كانوا قبل أرسطو طاليس وإنما ظهر القول بقدم العالم من الفلاسفة المشهورين من جهة أرسطو وأتباعه وهو المعلم الأول الذي
وضع التعاليم التي يقرونها من المنطق والطبيعي والإلهي وظهر القول بقدم العالم من الفلاسفة من هذه الجهة
وهذا الرجل وأتباعه إنما عامة كلامهم في الطبيعيات فهي علم القوم الذي شغلوا به زمانهم وأما الإلهيات فكلام الرجل فيها وأتباعه قليل جدا إلى غاية ولكن ابن سينا وأمثاله خلطوا كلامهم في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل الملل فصار للقوم كلام في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل الملل فصار للقوم كلام في الإلهيات وصار ابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما يقربون أصول هؤلاء إلى طريقة الأنبياء ويظهرون أن أصولهم لا تخالف الشرائع النبوية وهم في الباطن يقولون أن ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له في نفس الأمر وإنما هو تخييل وتمثيل وأمثال مضروبة لتفهيم العامة ما ينتفعون به في ذلك بزعمهم وإن كان مخالفا للحق في نفس الأمر وقد يجعلون خاصة النبوه هي التخييل ويزعمون أن العقل دل على صحة أصولهم وأكثر الناس لا يجمعون بين معرفة حقيقة ما جاءت به الرسل وحقيقة قول هؤلاء ولا يعقلون لوازم قولهم التي بها يتبين فساد قولهم بالعقل الصريح ثم إن كثيرا من الناس آخذ مذاهبهم فغير عباراتها وربما عبر عنها بعبارات إسلامية حتى يظن المستمع أن قول هؤلاء هو الحقيقة التي بعثت بها الرسل ودلت عليها العقول كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأصحاب دعوة القرامطة الباطنية حيث عبروا بالسابق والتالي عن العقل والنفس ويحتجون على ذلك بالحديث الذي يروونه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "أول ما خلق الله العقل" ثم إن هذه الأمور راجت على كثير من أهل التصوف والكلام والتأله والنظر كصاحب جواهر القرآن
ومشكاة الأنوار والكتب المضنون بها على غير أهلها ومن سلك هذا المسلك مثل أصحاب البطاقة وابن أجلى والشوذي وصاحب خلع النعلين وابن العربي الطائي وابن سبعين وغيرهم وكثير من الناس تجده تارة مع أهل الكلام وتارة مع أهل الفلسفة كالرازي والآمدي وغيرهما وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث أول ما خلق الله العقل وما يتعلق به وتكلمت على ما ذكره ابن سينا في شفائه في واجب الوجود وما ذكره ابن سبعين وابن العربي وغيرهم في غير هذا الموضع وهذا الحديث موضوع وكذب عند أهل العلم بالحديث كما ذكر أبو حاتم البستي وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهما ومع هذا فلفظه أول ما خلق الله العقل قال
له أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب فهذا الحديث الذي يحتجون به من جهة الشريعة يدل على نقيض مقصودهم من وجوه كثيرة منها أن قوله أول ما خلق الله العقل قال له يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه لا أنه أول المخلوقات كما تقول أول ما لقيت زيدا سلمت عليه وتقدير الكلام أول خلق الله قال له فأول مضاف إلى المصدر والمصدر يجعل ظرف زمان كما تقول كان هذا خفوق النجم وخلافة عبد الملك ومنه قوله تعالى ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ مصدر أدبر يدبر إدبارا ومنها أن هذا يقتضي أنه خلق قبل العقل غيره لقوله:
ما خلقت خلقا أكرم علي منك وعندهم هو أول المبدعات ومنها أن هذا يقتضي أن العقل مخلوق وحقيقة الخلق منتفية عندهم عن العقل الأول بل عن العالم وإنما هو عندهم معلول ومبدع لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون العالم محدث ومخلوق ويعنون بقولهم محدث أنه معلول ممكن بنفسه واجب بغيره وأن وجوده من غيره لا من نفسه وكذلك يعنون بقولهم مخلوق لكن من المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث ومخلوق هذا المعنى المتضمن أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال بل الحدوث عندهم يناقض القدم وكذلك الخلق ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق والمخلوق عندهم أبلغ من المحدث والحادث فكل مخلوق فهو محدث وحادث باتفاق أهل اللغة وأهل الكلام وأما أن كل حادث ومحدث فهو مخلوق فهذا مما تنازع فيه أهل الكلام والنظر واللغة لا يوجب أن كل ما كان حادثا يسمى مخلوقا لأن المخلوق هو الذي خلقه غيره والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير وأما لفظ حادث فلا يقتضي أنه مفعول ولو قيل محدث فمعنى الخلق أخص من معنى الحدوث ومنها أنه قال في هذا الحديث فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب فأخبر أنه يفعل به هذه الأمور الأربعة وهذا ينطبق على عقل الإنسان الذي هو عرض فيه وأما العقل الذي يدعونه فهو عندهم أبدع السماوات والأرض وما بينهما فهو عندهم رب جميع العالم فأين هذا من شيء يفعل الله بن أمورا أربعة والكلام على هؤلاء مبسوط في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن قول هؤلاء هو من أفسد أقوال أهل الأرض وأن قول جمهور الصابئين والمشركين والمجوس خير من قولهم فضلا عن اليهود والنصارى
يبين ذلك أن هؤلاء الأمم عامتهم يعترفون بوجود الأرواح الموجودة المنفصلة عن الآدميين من الملائكة والجن فالمشركون من العرب والهند والترك والنبط وغيرهم من الأمم وأهل السحر منهم والكهانة وغيرهم معترفون بوجود الجن وبأنهم يخاطبونهم ويدعونهم ويقسمون عليهم وعند أهل دعوة الكواكب الذين يدعون الشمس والقمر والنجوم ويعبدونها ويسجدون لها كما كان النمرود بن كنعان وقومه يفعلون ذلك وكا يفعل ذلك المشركون من الهند والترك والعرب والفرس وغيرهم وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن الخطيب الرازي في كتابه الذي صنفه في هذا الفن قطعة كبيرة من أحوال هؤلاء وقد تواترت الأخبار بذلك عن هؤلاء وأنهي يحصل لأحدهم أشخاص منفصلة عنه تقضي كثيرا من حوائجه ويسمونها روحانية الكوكب فهؤلاء المشركون والصابئون من أنواع الأمم الفلاسفة وغيرهم معترفون بوجود الجن المنفصلين وتأثيرهم في العالم وإخبارهم بالأمور وغير ذلك من أحوالهم فتبين أن هؤلاء المتفلسفة الذين يقولون أن أسباب
الغرائب منحصرة في القوى الفلكية والطبيعية والنفسانية الآدمية أجهل وأضل من المشركين والصابئين ومما يوضح الأمر في ذلك أن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع فإن هؤلاء نوعان طبائعيون والهيون فأما الطبيعيون فلا يقرون بوجود موجود وراء الفلك وما يحويه وحقيقة قولهم أن العالم واجب الوجود بنفسه ليس له مبدع ولا فاعل وهذا هو التعطيل الذي كان يعتقده فرعون حيث أنكر رب العالمين وقال لموسى على سبيل الإنكار وما رب العالمين فاستفهمه استفهام إنكار لا استفهام استعلام كما يظنه من يزعم أنه سأل موسى عن الماهية والمسئول عنه ليس له ماهية فعدل موسى عن ذكر الماهية فإن هذا قول باطل وإنما كان استفهام فرعون استفهام إنكار وجحود ولهذا أجابه موسى بما يقيم الحجة عليه ويبين أن الرب معروف معلوم لا سبيل إلى إنكاره وجحده وكان فرعون مقرا به في الباطن وإن جحده في الظاهر كما قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ وقال تعالى عن موسى في خطابه لفرعون ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ وهذا القول الذي أظهره فرعون هو قول المعطلة من الطبيعين وأما الإلهية الدهريون الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن علة قديمة كابن سينا وأمثاله فهؤلاء وإن
كانوا مقرين بمبدع هذا العالم فقولهم مستلزم لقول أولئك المعطلة وإن كانوا لا يلتزمون قولهم وذلك أن الموجودات العقلية التي يثبتها هؤلاء من واجب الوجود كالعقول العشرة هي عند التحقيق لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان والواحد المجرد الذي يقولون أنه صدر عنه العالم لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان والوجود المطلق الذي يقولون أنه الوجود الواجب إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان وأيضا فهم يثبتون أنه لا بد في الوجود من موجود واجب وهذا متفق عليه من العقلاء سواء قالوا بقدم العالم أو بحدوثه وسواء جحدوا الخالق أو أقروا فإثبات موجود واجب بنفسه لا يتضمن الإقرار بالصانع إن لم يثبت أنه مغاير للعالم وقد بسطنا القول في غير هذا الموضع وبينا أن الطريقة التي سلكها ابن سينا وأتباعه في إثبات الصانع وفي إثبات واجب الوجود هي أضعف الطرق وأقلها فائدة وإن كان أتباعه كالسهروردي المقتول وكالرازى والآمدي وغيرهم يعظمونها فإن غايتها إثبات موجود واجب وهذا لا نزاع فيه وإنما الشأن في كون الواجب مغاير لهذا العالم وهم بنوا ذلك على طريقة نفي الصفات وهي توحيدهم الذي بسطنا الكلام عليه في غير هذا الموضع فانهم ادعوا أن الوجود الواجب لا يكون إلا بسلوب الصفات لأن إثباتها يقتضي التركيب والواجب لا يكون مركبا وقد تقدم التنبيه على ما في هذا الكلام من التلبيس والفساد قالوا والعالم حامل الصفات مركب فلا يكون واجبا
وإذا كان إثباتهم لصانع العالم على طريقتهم لا نتم إلا بنفي الصفات ونفي الصفات باطل كان طريقهم في إثبات الصانع باطلا ولهذا كان الصانع الذي يثبتونه لا حقيقة له إلا في الأذهان لا في الأعيان فقولهم يستلزم التعطيل
وهكذا أقوال من نسج على منوالهم وأخذ معانيهم فاخرجها في قالب المكاشفة والمشاهدة والتحقيق والعرفان كابن عربي وأمثاله ومن سلك هذا المسلك كابن سبعين وغيره فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع وأنه ليس وراء الأفلاك شيء فلو عدمت السموات والأرض لم يكن ثم شيء موجود ولهذا كان يصرح بذلك التلمساني وهو كان أعرفهم بقولهم وأكملهم تحقيقا له ولهذا خرج إلى الإباحة والفجور وكان لا يحرم الفواحش ولا المنكرات ولا الكفر والفسوق والعصيان وكان يقول عن شيخه ابن عربي وصاحبه القونوي أحدهما روحاني متفلسف يعني ابن عربي والآخر فيلسوف متروحن يعني القونوي وإنما حرر مذهب التحقيق أنا يعني نفسه وهو كما قال فإن تحقيقهم الذي حقيقته التعطيل للصانع وجحده وأنه ليس وراء العالم شيء لم يحققه أحدهما كما حققه التلمساني وحدثني الثقة الذي رجع عنهم لما انكشف له أسرارهم أنه قرأ عليه فصوص الحكم لابن عربي قال فقلت له هذا الكلام يخالف القرآن فقال القرآن كله شرك وإنما التوحيد
في كلامنا قال فقلت له فإذا كان الكل واحد فلماذا تحرم على ابنتي وتحل لي زوجتي فقال لا فرق عندنا بين الزوجة والبنت الجميع حلال لكن المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرم عليكم وقال أيضا لما قرأ عليه مواقف النفري جعلت أتأول موضعا بعد موضع إلى أن تبين مراده الذي لا يمكن تغطيته وأنه يقول بالوحدة فقلت هذا يخالف الكتاب والسنة والإجماع فقال إن أردت هذا التحقيق فدع الكتاب والسنة والإجماع فقلت هذا لا سبيل إليه ونحو هذا الكلام ومعلوم أن أصول الإيمان ثلاثة الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر وهم ألحدوا في الأصول الثلاثة أما الإيمان بالله فجعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق وهذا غاية التعطيل وأما الإيمان باليوم الآخر فادعى ابن عربي أن أصحاب النار يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة وأنه يسمى عذابا من عذوبة طعمه وأنشد في
كتاب الفصوص: فلم يبق إلا صادق الوعد وحده... وما لوجود الحق عين تعاين فإن دخلوا دار الشقاء فإنهم... على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد فالأمر واحد... وبينهما عند التجلي تباين يسمى عذابا من عذوبة طعمه... وذاك له كالقشر والقشر صاين ولهذا قال بعض أصحابنا لبعض أتباع هؤلاء لما أثاروا محنة أهل السنة التي انتصروا فيها لهؤلاء الملاحدة قال له الله يذيقكم هذه العذوبة وهذا المذهب قد حكاه أصحاب المقالات كالأشعري في مقالاته عن طائفة من سواد أهل الإلحاد سموهم
البطيخية وهو مما يعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام وأما الإيمان بالرسل فقد ادعوا أن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء وهذا مناقض للعقل والدين كما يقال في قول القائل فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فإنه من المعلوم بالعقل أن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس ومن المعلوم في الدين أن أفضل الأولياء يستفيدون من الأنبياء وأفضل الأولياء من هذه الأمة هم صالحو المؤمنين الذين صحبوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال تعالى ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأفضل هؤلاء أبو بكر وعمر باتفاق أئمة السلف والخلف والشيعة يفضلون عليا واتفق المسلمون على أن أفضل الأولياء بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما أبو بكر وأما علي وإن كان بعض الناس يحكي خلافا في غيرهما من الصحابة ومن قال من مخطئي الصوفية أنه قد يمكن أن يكون في المتأخرين من هو أفضل من أبي بكر وعمر كما ذكره الترمذي الحكيم في كتاب خاتم الأولياء واتبعه على ذلك
ابن حمويه وأمثاله فهؤلاء مخطئون في ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والترمذي مع فضله وعلمه لما صنف كتاب خاتم الأولياء أنكر المسلمون عليه ذلك وأخرجوه كما ذكر ذلك أبو عبد الرحمن السلمي في محنة الصوفية وقال إنهم نفوه وأخرجوه من بلدته وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيف كتاب خاتم الولاية ونسبوه إلى القبائح في الدين وجاء إلى بلخ فقبله أهل بلخ بسبب موافقته إياهم على المذهب وفي هذا الكتاب من الكلام الباطل ما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام وهو الذي فتح الكلام في ختم الأولياء حتى جاءه هؤلاء المتأخرون الذين يدعي كل منهم أنه خاتم الأولياء كابن عربي وابن حمويه وغيرهما وأتى بالعظائم التي لم يسبق إليها الترمذي ولا غيره وفي كلام هؤلاء ونحوهم تفضيل بعض الأولياء على الأنبياء أو بعضهم وشيوخ الصوفية متفقون على تفضيل الأنبياء على الأولياء كما اتفق على ذلك سائر علماء المسلمين وقد ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتابه اعتقاد الصوفية إجماع الصوفية على ذلك
وهؤلاء الملاحدة من المتصوفة سلكوا مسلك ملاحدة الفلاسفة في تفضيل الفيلسوف الكبير على النبي ولهذا قال ابن عربي إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى النبي وهذا قول من يقول من الكلابية أن جبريل أخذ القرآن عن الله إلهاما وعبر عنه بعبارته وهذا قول يخالف الكتاب والسنة والإجماع كما بسط الكلام عليه في مواضع أخر وقد يقال أن هذا مبني على أصل ملاحدة الفلاسفة وذلك أن المعدن الذي يأخذ منه النبي عندهم هو العقل الفعال والقوة العقلية التي يسمونها القوة القدسية ثم إن النفس تخيل ما يعقله الإنسان كما يتخيله النائم في منامه فيرى في نفسه صورا نورانية ويسمع أصواتا وهي في نفسه فيما يراه النبي ويسمعه عندهم هو في نفسه لا في الخارج وهذا يقع الصحيح منه لعامة المؤمنين ويقع فاسده لأهل الماخوليا ونحوهم من الممرورين والصور الخيالية التي في نفس النبي وغيره هي الملائكة عندهم فلهذا قال ابن عربي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فإنه على لأصله في الإلحاد يقول يأخذ من العقل الذي هو القوة القدسية والنبي يأخذ من الصور الخيالية التي تأخذ من العقل ومن أخذ من العقل كان أكمل ممن يأخذ من الخيال الذي يأخذ من العقل ولهذا يدعي بعضهم أنه أفضل من موسى ابن عمران وأن التكليم الذي حصل لهم أعظم من التكليم الذي حصل لموسى لأن الكلام عندهم ليس خارجا عن نفس موسى بل هو فيض فاض عليه كما يفيض على غيره ولهذا يقول بعضهم كلم موسى من سماء عقله وصاحب
مشكاة الأنوار أشار إلى هذا الأصل الفاسد ولهذا بنى ابن قسي على ذلك في كتابه في خلع النعلين وادعى في خلع النعلين أن وارداته عبرانية الأصل أي أشبه فيها موسى بن عمران حيث خلع الدنيا والآخرة فوردت عليه المخاطبات الإلهية ولهذا تكلم الناس في صاحب مشكاة الأنوار بالعظائم والمتفلسفة ينتحلونه لهذا الكتاب وأمثاله وأهل الانتصار له يقولون رجع عن هذا كله كما ذكر ذلك في غير كتاب ومنهم من يقول هذه الكتب مكذوبة عليه ليست من كلامه وأنكروا عليه في الأحياء وغيره أيضا مواضع مثل هذا وأمثاله كما فعل أتباع أبي القاسم القشيري وأتباع أبي المعالي الجويني كأبي الحسن المرغيناني وغيره وكما فعل صاحبه أبو بكر بن عربي وقال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وكذلك أبو بكر الفهري الطرطوشي وأبو عبد الله المازري وأبو الوفاء بن عقيل وأبو البيان الدمشقي وأبو الفرج بن الجوزي وأبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي وأبو محمد المقدسي وأبو عمرو بن الصلاح وغير هؤلاء والمقصود هنا أن الذين يزعمون أن تكليم الله لموسى فيض فاض عليه منهم من يقول أنه كلم أفضل مما كلم موسى وكان في زماننا من يقول هذا ويقول أن موسى كلم من وراء حجاب الحرف والصوت وهو يكلم دون ذلك الحجاب ومقصوده أنه سمع في نفسه حروفا وأصواتا وهي التي سمعها
فإنه ليس عند هؤلاء أنه سمع شيئا خارجا عن ما في نفسه وتلك الحروف والأصوات الخيالية هي التي تبين له المعاني العقلية قالوا ونحن خوطبنا بتلك الحقائق العقلية من غير احتياج إلى هذه الواسطة وهذا من جنس قول شيخهم الطائي أن خاتم الأولياء يأخذ من المشكاة التي يأخذ منها الملك الذي يوحى به إلى الرسول ويقول أيضا أن الولاية أفضل من النبوة وولاية النبي عنده أفضل من نبوته ورسالته لأنه بزعمه من حيث الولاية يأخذ من الله بلا واسطة ومن حيث النبوة يأخذ بواسطة
وهذا الكلام قد يقولونه مطلقا وتوجيهه على أصولهم أن النبوة هي مقام تخييل المعقولات والولاية هي المعقول الصرف فالولي ترد عليه المعقولات صرفا والنبي من جهة ولايته له هذه المعقولات لكن جهة نبوته هي تخييل هذه المعقولات فيأخذ بواسطة الخيال وجهة رسالته عندهم أنزل الدرجات وهي جهة تبليغه للناس ولهذا قالوا: مقام النبوة في برزخ... فويق الرسول ودون الولي وهذا قلب للحقيقة التي اتفق عليها المسلمون وهو أن الرسول أفضل من النبي الذي ليس برسول والنبي أفضل من الولي الذي ليس بنبي والرسالة تنتظم النبوة والولاية كما ان النبوة تنتظم الولاية وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقيا عن الأنبياء وهو أبو بكر الصديق فإنه أفضل من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وعمر كان كما ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "أنه قد كان في الأمم
قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر" فعمر كان محدثا ملهما وهو أفضل المحدثين من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس وليس في أولياء هذه الأمة من يأخذ عن الله سبحانه شيئا بلا واسطة نبي أفضل من عمر ومع هذا فكل ما يرد عليه بدون واسطة النبي عليه أن يعتبره بما جاء به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن وافقه قبله وإن خالفه رده كما كان عمر بن الخطاب يفعل فإنه كان إذا وقع له شيء وجاءت السنة بخلافه ترك ما عنده لما جاءت به السنة حتى كانت المرأة إذا نازعته فيما قاله بآية من كتاب الله ترك ما رآه لما دل عليه النص وهذا هو الواجب عليه وعلى كل من آمن بالله ورسوله فإن ما جاء به الرسول معصوم أن يستقر فيه خطأ قد فرض الله على خلقه تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر وأما ما يرد على قلوب الأولياء فليس معصوما وليس عليهم تصديقه بل وليس لهم العمل بشيء منه إذا خالف الكتاب والسنة قال الشيخ أبو سليمان الداراني أنه ليقع بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين من الكتاب والسنة وقال أيضا: ليس لمن ألهم شيئا من الخير
أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا والمقصود أن عمر بن الخطاب إذا كان هو أفضل الأولياء الذين لهم من الله تحديث إلهي بغير واسطة نبي وقد روى الترمذي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر" وهذا حاله فكيف يكون غيره من الأولياء وكيف يكون ما يأخذه الولي بدون واسطة نبي أفضل مما يأخذه بواسطة النبي وذاك شيء لا يوثق به بمجرده ولا يعمل به إلاأن يعتبر بالكتاب والسنة وما جاء به الكتاب والسنة معصوم يجب تصديقه والعمل به ومع هذا فأبو بكر الصديق أفضل من عمر وأبو بكر لم يكن محدثا مثل عمر بل كان ياخذ من مشكاة النبوة ما يأخذه غيره عن التحديث
وهذا أفضل وأكمل فإن من كان الرسول واسطة بينه وبين الله في كل شيء فهو أكمل وأفضل ممن الواسطة بينه وبين الله قلبه وإن كان ما يحدثه به قلبه عن ربه موافقا للكتاب والسنة كفضيلة أبي بكر على عمر ولهذا كان أفضل أولياء الله هم الصديقون الآخذون عن الأنبياء عليهم السلام فالأولياء تبع للأنبياء وإنما يقرنهم بهم فيجعل لهم طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء ملاحدة الصوفية ونحوهم كما أن ملاحدة الفلاسفة يقرنون الفلاسفة بالأنبياء ويقولون اتفقت الأنبياء والحكماء وقالت الأنبياء والحكماء كما يفعل ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفاء وأمثالهم وهذا كله من فعل من لم يؤمن بالرسل والنبيين الإيمان الذي يستحقونه وجعلهم من جنس غيرهم فيما يخبرون به ويأمرون به وجعل ما يأتون به من جنس ما يأتي به الذين سماهم هو أولياء وحكماء وهذا بناء على الأصل الفاسد وهو أن النبوة هي هذه الخصائص الثلاثة وهذه الخصائض مشتركة توجد لكثير من آحاد الناس ومما يبين الفرق بين النبيين وغيرهم أن الله سبحانه أوجب الإيمان بما أوتيه كل نبي من غير استثناء كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية وقال ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ وأيضا فإنه أخبر بعضمة ما جاءت به الأنبياء ونسخ ما يلقيه الشيطان من الباطل في أمنياتهم قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ فإن قيل ففي قراءة ابن عباس أو محدث وبهذا احتج الحكيم الترمذي وغيره قيل أولا هذه القراءة إذا ثبت أنها قراءة فلا يعرف
لفظ بقية سائر الكلام معها كيف كان فإنها بتقدير صحتها إما من الحروف السبعة وإما مما نسخت تلاوته وعلى التقديرين فيجوز أن يكون نظم سائر الآية كان على وجه لا يدل على عصمة المحدث بل فيها نسخ ما يلقيه في أمينته النبي والرسول دون المحدث وإن ثبت أن الله تعالى كان ينسخ ما يلقى الشيطان في قلوب المحدثين قبلنا فلا يقتضي أن ذلك بوحي يأتيه بل يكون ذلك بعرضه ذلك على نبوات الأنبياء فإن خالف ذلك كان مردودا وحينئذ فيكون حفظ الولي بمتابعة الكتاب والسنة ولا ريب أن السنة كما كان الزهري يذكر عمن مضى من سلف المؤمنين قال كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة وقال مالك السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإن قدر أن المحدث ممن قبلنا كان ينسح ما يلقيه الشيطان فيما يلقي إليه من غير استدلال بالنبوة فيكون من كان قبلنا كانوا مأمورين باتباع المحدث مطلقا لعصمة الله إياه ونحن لم نؤمر بذلك وسبب ذلك أن من كان قبلنا لم يكن يكفيهم نبوة واحدة بل كانوا يأخذون بعض الدين عن هذا النبي وبعضه عن هذا النبي بتصديق الآخر له كما كان أنبياء بني إسرائيل مأمورين باتباع التوراة وكما ان المسيح أحل لهم بعض ما حرم عليهم وأحالهم في أكثر الأحكام على التوارة وأما نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي كافية لأمته كما قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
وفي النسائي وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم" وفي مراسيل أبي داود كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم ونحن نعلم يقينا بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجب الله تعالى علينا طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر ولم يأمر بطاعة غيره إلا إذا وافق طاعته لا نبيا ولا غير نبي ونحن إذا قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه فإنما ذاك لكونه مشروعا على لسان محمد بالأدلة الدالة على ذلك وقد علمنا بالاضطرار من دينه أن من أطاعه دخل الجنة فلا يحتاج مع ذلك إلى طاعة غيره لا نبي ولا محدث فلم يكن المتبعون لنبوته محتاجين إلى اتباع نبي غيره فضلا عن محدث قال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ فقد أكمل الله الدين لأمته على لسانه فلا يحتاجون إلا إلى من يبلغ الدين الكامل لا يحتاجون إلى محدث ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر" فلم يجزم بأن في أمته محدثا كما جزم أنه قد كان في الأمم قبلنا مع أن أمتنا أفضل الأمم وأكمل ممن كان قبلهم وذلك لأن أمتنا مستغنية عن المحدثين كما استغنوا عن نبي يأخذون عنه سوى محمد وما علموه من أمور الأنبياء فبواسطة محمد هو الذي بلغهم ما بلغهم من أمور الأنبياء وما لم يبلغهم إياه من أمور الأنبياء فلا حاجة لأمته به ولهذا لم يحجب عليهم معرفة ذلك حتى يميزوا بين صدقه وكذبه كما ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب بشيء فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" فأمر بالإيمان العام المتناول لجميع
ما جاءت به الأنبياء وما لم يعلم أن ناقلها عنهم صدق أو كذب لا تصدق ولا تكذب وإذا كانت أمتنا مستغنية عن أن تأخذ من نبوة غير نبوة محمد فاستغناؤها عن المحدثين أولى ومن كانوا قبلنا كانوا محتاجين إلى الأنبياء فكذلك ربما احتاجوا إلى المحدثين وما احتاجت الأمم إليه من الأخبار الإلهية فلا بد أن يكون محفوظا معصوما لتقوم به الحجة ويحصل به مقصود الدعوة وهذا مما دل على وجوب عصمة ما جاءت به الأنبياء وعصمة ما جاء به نبينا بعد موته فحفظ الله الذكر الذي أنزله وقد أنزل عليه الكتاب والحكمة والحكمة هي السنة فحفظ الله هذا وهذا ولله الحمد والمنة ومن وجد من هذه الأمة محتاجا إلى شيء غير ما جاء به الرسول فلضعف معرفته واتباعه لما جاء به الرسول مثل كثير منهم من يقول أنه يحتاج إلى الإسرائيليات وغيرها من أحوال أهل الكتاب وآخرون منهم من يقول أنهم محتاجون إلى حكمة فارس والروم والهند واليونان وغيرهم من الأمم وآخرون يقولون أنهم محتاجون إلى ذوقهم أو عقلهم أو رأيهم بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا تجد من يقول أنه محتاج إلى غير آثار الرسول إلا من هو ضعيف المعرفة والاتباع لآثاره وإلا فمن قام بما جاء به الكتاب والسنة أشرف على علم الأولين والآخرين وأغناه الله بالنور الذي بعث به محمدا عما سواه
قال الله تعالى ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وأيضا فإنه أخبر أن وحي محمد كوحي النبيين كما في قوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وأيضا فمن خصائص الأنبياء أن من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة وكان مرتدا كما أن من كفر به وبما جاء
به كان مرتدا فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وأما الولي الذي ليس بنبي فلا يجب القتل بمجرد سبه ولا يكون مرتدا عن الإسلام من لم يؤمن به فمن غلا في الأولياء أو من يسميهم أولياء الله أو يسميهم أهل الله أو يسميهم الحكماء أو الفلاسفة أو غير ذلك من الأسماء التي يقرنها بأسماء الأنبياء وجعلهم مثل الأنبياء أو أفضل من الأنبياء فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل فكيف بمن جعل الأنبياء يستفيدون من المسمى بخاتم الأولياء وجعل هذا المسمى بخاتم الأولياء هو بمنزلة منتظر الرافضة وبمنزلة غوث الغلاة من الصوفية وأمثالهم ممن يعتقد ما لا حقيقة له في الخارج جعله يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فكيف بمن جعل النبي يأخذ من الصور الخيالية التي في نفسه المطابقة للعقل فيجعله يأخذ من العقل كما يأخذ ذوو العقول من الناس ويجعل النبوة حاصلها خلاصة العقل كما يقوله الطوسي شارح الإشارات وأمثاله من المتفلسفة الباطنية والمقصود هنا بيان أن هؤلاء الذين يدعون التحقيق والمعرفة والولاية القائلين بوحدة الوجود أصل قولهم قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة وأمثالهم وأن هؤلاء من جنس فرعون لكن هؤلاء أجهل من فرعون وفرعون أعظم عنادا منهم فإن فرعون كان في الباطن مقرا بالصانع المباين للأفلاك ولكن أظهر الإنكار طلبا للعلو والفساد وأظهر أن ما قاله موسى لا حقيقة له قال تعالى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ وأما هؤلاء فإنهم عند أنفسهم مقرون بالصانع مثبتون له لكن لم يثبتوه مباينا للعالم بل جعلوا وجوده وجود العالم أو جعلوه حالا في العالم وقولهم مضطرب متناقض فإنهم مترددون بين الإتحاد والحلول وأصل ضلالهم إنكارهم مباينة الصانع للعالم وصارت قلوبهم تطلب موجودا وهي تأبى أن يكون مباينا للعالم فصاروا يطلبونه في العالم أو يجعلون وجوده هو وجود العالم فيجعلونه إما العالم وإما جزءا منه وإما صفة له وإما أن يقولوا هو العالم وليس هو العالم فيجمعوا بين المتناقضين وهو حقيقة قول ابن عربي فإنه يجعل وجوده وجود العالم ويقول إن ذات الشيء غير وجوده كما يقول من يقول أن المعدوم شيء فيفرق ين الوجود والثبوت وهذا فرق باطل فلهذا كان قوله متناقضا وهكذا كثير من الناس يقولون بشيء من الحلول والاتحاد مع تناقضهم في ذلك كما يوجد شيء من ذلك في كلام كثير من الصوفية والناس في هذا الباب على أربعة أقوال فالقول الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وكان عليه سلف الأمة وأئمتها هو القول بإثبات الصانع وأنه مباين للعالم عال عليه وأما الجهمية ونحوهم فصاروا على ثلاثة أقوال أحدها قول النفاة وهم أكثر متكلمي الجهمية ونظارهم الذين ينفون
المتقابلين ويجمعون في قولهم بين سلب النقيضين فغلاتهم يقولون ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ونحو ذلك ومقتصدوهم يقولون لا مباين للعالم ولا داخل فيه ولا يقرب من شيء ولا بقرب إليه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يشار إليه ونحو ذلك وهؤلاء النفاة قولهم مستلزم للتعطيل وإنكار الصانع كما صرح به فرعون أما المعطلة فلهذا صار عبادهم وصوفيتهم وعامتهم ومحققوهم إلى القول بالوحدة والحلول والإتحاد لأن القلب العابد يطلب موجودا يقصده ويسأله بخلاف النظر والبحث والكلام فإنه يتعلق بالموجود والمعدوم وأما العبادة والطلب والسؤال فلا يكون إلا لموجود فصار هؤلاء ينظرون فيما ذكره أولئك من سلب المتقابلين فلا تقبله قلوبهم وهم قد شاركوهم في نفي مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم فصاروا يطلبون الإله الموجود في العالم لا مباينا للعالم فيترددون بين الحلول والإتحاد وأشباه ذلك من أنواع الإلحاد وفيهم صنف ثالث أمثل من هذين يجمعون بين الحلول والمباينة وهو قول طائفة من الناس كأبي معاذ التومني وغيره وقد يوجد في كلام أبي طالب المكي
وابن برجان من الكلام الذي أنكره طائفة من الشيوخ كالشيخ أبي البيان الدمشقي وغيره ما يقال أن فيه ما يشبه هذا وعامة هؤلاء يتكلمون بكلام متناقض أو بكلام لا حقيقة له إذ كان الأصل الذي بنوا كلامهم عليه أصلا باطلا والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتا غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاده
وهذا الإلحاد الذي وقع في كلام ابن عربي صاحب الفتوحات وأمثاله في أصول الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لم يكن في كلام العلماء والشيوخ المشهورين عند الأمة الذين لهم لسان صدق ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وأمثاله فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان التصوف والتحقيق كما فعل ابن عربي مع أنه يقدح في توحيد الشيوخ الأكابر كالجنيد وسهل بن عبد الله وأمثالهما ويطعن في قول الجنيد لما سئل عن التوحيد فقال التوحيد أفراد الحدوث عن القدم ويقول لا يميز بين المحدث والقديم إلا من كان ليس واحدا منهما ذكر هذا وأشباهه في كتابه التجليات وله كتاب
الإسراء الذي سماه الإسراء إلى المقام الأسري وجعل له إسراء كإسراء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحاصل إسرائه من جنس الإسراء الذي فسر به ابن سينا ومن اتبعه كالرازي والهمداني ونحوهم إسراء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعلوه من نوع الكشف العلمي كما فعلوا مثل ذلك في تكليم موسى وجعلوا ما خوطب به كله في نفسه فلهذا ادعى ابن عربي إسراء وهو كله في نفسه وخياله منه المتكلم ومنه المجيب وباب الخيال باب لا يحيط به إلا الله وابن عربي يدعي أن الخيال هو عالم الحقيقة ويعظمه تعظيما بليغا فجعل في خياله يتكلم على المشايخ وتوحيدهم بكلام يقدح في توحيدهم ويدعي أنه علمهم التوحيد في ذلك الإسراء وهذا كله من جنس قرآن مسيلمة بل شر منه وهو كلام مخلوق اختلقه في نفسه والجنيد رحمه الله تكلم بكلام الأئمة العارفين فإن كثيرا من الصوفية وقعوا في نوع من الحلول والإتحاد كما ذكر ذلك أبو نعيم في الحلية وكما ذكره القشيري في رسالته فبين الجنيد أن التوحيد لا يكون إلا بأن يميز بين القديم والمحدث
كما قالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وهكذا قال سائر الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهويه وعثمان بن سعيد والبخاري وغيرهم حتى قال محمد بن إسحق ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وصاحبه الملقب بشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وغيرهما والشيوخ الأكابر الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية وأبو القاسم القشيري في الرسالة كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث كالفضيل بن عياض والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي وغيرهم وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب لكن بعض المتأخرين منهم كان على طريقة بعض أهل الكلام في بعض فروع العقائد ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلاسفة وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل الحديث وهم خيارهم وأعلامهم وتارة على اعتقاد صوفية وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلام فهؤلاء دونهم وتارة على اعتقاد صوفية الفلاسفة كهؤلاء الملاحدة ولهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد عقيدة مختصرة من إرشاد أبي المعالي بحججها الكلامية