صفحات 301-33
المطلق المجرد عن الإثبات والنفي فهو أبلغ في التعطيل من قول ابن سينا من بعض الوجوه حيث كان ما ذكروه يمتنع أن يكون موجودا أو معدوما لرفعهم النقيضين من جميع الجهات وابن سينا جمع بين النقيضين من بعض الوجوه ورفع النقيضين من كل وجه أبلغ في النفي من رفع النقيضين من بعض الوجوه وقوله أبلغ في التعطيل من جهة أخرى من جهة أن الأمور العدمية التي قيده بها أمور كثيرة جدا ولم يثبت من الناحية الأخرى إلا وجودا مجردا لا حقيقة له هذا قول الباطنية كأبي يعقوب إسحق بن أحمد السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية والافتخار وغيرهما فإنهم ينفون عنه الثبوت والانتفاء وهو معلوم الفساد بالاضطرار كما تبين وقولهم يستثنى الوجود من الأمور المطلقة هو بالعكس أحرى فإن الوجود المطلق يعم كل شيء فهو أعم للأمور الموجودات كسائر الأسماء العامة مثل الشيء والثابت والحق والحقيقة والماهية والذات ونحو ذلك فهذه أعم الكليات وأوسع المطلقات فمتى جوز الإنسان أن يكون هذا المطلق
ثابتا في الخارج بشرط الإطلاق بحيث يكون وجود ذلك الوجود لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره ولا قديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن ولا خالق ولا مخلوق ولا واحد ولا متعدد ولا جوهر ولا عرض ولا صفة ولا موصوف ولا ثابت ولا منتفي كان هذا مع ما فيه من مكابرة العقل وجحد الضروريات مسوغا تجويز مثل ذلك فيما هو أخص من الوجود فإن الخطر فيه أهون فإن ما انتفى عن المطلق العام انتفى عن المعين الخاص فما انتفى عن الموجود انتفى عن الجسم والحيوان والإنسان وليس ما انتفى عن الخاص يجب نفيه عن العام فليس ما انتفى عن الإنسان من كونه ليس حمارا ولا بهيمة يجب نفيه عن الموجود مطلقا فإذا جوز هؤلاء المخذولون في عقلهم ودينهم أن يكون الموجود ثابتا في الخارج مع وصفه بهذه السلوب الجامعة للمتقابلين كان تجويز ذلك فيما هو أخص من الوجود أولى وأحرى وقال لي رجل من أعيانهم بلغنا أنك ترد على الشيخ عبد الحق نحن نقول أن الناس ما يفهمون كلامه فإن كنت تشرحه لنا وتبين فساده قبلنا وإلا فلا فقلت له نعم أنا أبين لك مراده من كتبه كالبد والإحاطة والفقرية وغير ذلك فقال عندنا الكتاب الخاص الذي يسمى لوح الأصالة وهو سر السر وهو الذي نطلب بيانه ولم أكن رأيته فذهب وجاء به ففسرته له حتى تبين مراده وكتب أسئلة
سألني عنها تكلمت فيها على أصل قولهم وقول ابن عربي وابن سينا ومن ضاهى هؤلاء وبينت له أن أصل قولهم يرجع إلى الوجود المطلق ثم بينت له أن المطلق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وكان له فضيلة فلما تبين له ذلك أخذ يصنف في الرد عليهم وذهب إلى شيخ كبير منهم فقال له بلغني أنك جرى بينك وبين فلان كلام قال نعم قال أي شيء قال لك قال فقال لي آخر أمركم ينتهي إلى الوجود المطلق قال جيد قال بأي شيء يرد ذلك قال المطلق إنما هو في الأذهان لا في الأعيان فقال أخرب بيوتنا وقلع أصولنا هذا ونحوه فيقال في هذا أما المطلق لا بشرط فهو الذي يصدق على الأعيان وهو الذي يسمى الكلي الطبيعي فإذا قيل إنسان لا بشرط كونه واحدا ولا كثيرا ولا بشرط كونه موجودا ومعدوما فهذا يوجد في الخارج معينا مقيدا ومن ظن أنه يوجد كليا في الخارج فقد غلط وإنما يوجد في الخارج جزئيا معينا فهو كلي في الذهن وأما في الخارج فلا يوجد إلا جزئيا وسمي كليا كما يسمى الاسم عاما والمعنى الذي في النفس عاما لشموله الأفراد الثابتة في الخارج لا لأنه في حال وجوده في الخارج يكون عاما أو مطلقا فإن هذا ممتنع فليس في الخارج إلا ما له حقيقة تخصه لا عموم فيها ولا إطلاق والمنطقيون يقولون الكلي سواء كان جنسا أو فصلا
أو نوعا أو خاصة أو عرضا عاما له ثلاثة اعتبارات طبيعي ومنطقي وعقلي فالطبيعي هو المطلق لا بشرط الذي لا تقيد فيه الحقيقة بقيد أصلا لا ثبوتي ولا سلبي ثم أصحاب المثل الأفلاطونية يزعمون أن هذه الكليات ثابتة في الخارج دائمة أزلية بدون أعيانها وأرسطو وأتباعه ينكرون ذلك ويقولون لا يوجد إلا مع الأعيان والتحقيق أنه ليس لها وجود في الخارج منفصل عن وجود الأعيان ومن قال المطلق جزء من المعين كما يقولون الإنسان جزء من هذا الإنسان وأرادوا بذلك تركيبا في الخارج من المطلق والمعين فهذا غلط وإن أرادوا أن الإنسان هذا المعين في الخارج هو الذي كان كليا في النفس فهذا صحيح وقولنا هذا الإنسان بمنزلة قولنا الرجل العالم والحيوان الناطق وذلك يفيد اتصاف المعين بصفتين أحدهما أنه حيوان والأخرى أنه ناطق والحياة والنطق صفتان قائمتان به ليسا جزأين تركب منهما في الخارج وكذلك قولنا هذا الإنسان يفيد أن المعين موصوف بالإشارة إليه وبالإنسانية وقد بسط هذا في غير هذا الموضع قالوا فهذا هو الكلي الطبيعي والمنطقي هو كون هذا الكلي يوصف بالعموم والكلية والعقلي هو ما تركب منهما وهو الإنسان المقيد بقيد كونه كليا وهذا ليس له وجود إلا في الذهن باتفاقهم إلا ما يحكى عن الأفلاطونية ثم هذا الإنسان المقيد بكونه كليا لا تدخل فيه المعينات لأنها ليست كليا ولا يصدق على زيد وعمرو أنه إنسان كلي
فإنه لا يصدق عليها مع كونه كليا وإنما يصدق عليها مع سلب الكلية وإذا كانت عامة مشتركة وقيل أن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام وقيل أن العموم صادق على الأنواع والأشخاص فالعموم ليس هو الكلي الطبيعي فإن العموم لا يكون إلا ما يتصف بالكثرة القابلة للقسمة ولعدتها وهذا ليس هو الطبيعي بل العموم هو الكلي العقلي وذلك متناول للأنواع والأشخاص وهو صادق عليها ولكن حال تناوله للأعيان لا يكون كليا كما يقال أن الكلي الطبيعي موجود في الخارج مع أنه حال وجوده في الخارج لا يكون كليا ولكن ما كان مطلقا وكليا في الذهن لا يكون ما في الخارج مماثلا له من كل وجه بل يكون ما في الخارج معينا وكذلك سائر ما في الذهن إذا قيل أنه موجود في الخارج فهو موجود في الذهن بحسب ما يناسب الخارج كما إذا قيل فعلت ما في نفسي وقلت ما في نفسي فهو في النفس تصور له وارداه
وفي الخارج وجود المتصور والمراد وهذا أمر يعقله الناس ويعرفونه فلا يتصور عاقل أن المتصور في الذهن إذا قيل أنه موجود في الخارج يكون حقيقة هذا مماثلا لحقيقة هذا من كل وجه وأن هذا كما يقال إن هذا المحتوى مطابق لهذا اللفظ وهذا اللفظ مطابق لهذا المعنى والاعتقاد والتصور مطابق للحق فمن فهم هذا انحلت عليه شبهات تعرض في مثل هذا الوضع حتى ظن شخص كالرازي أن العلم ليس هو عمل أو انطباع العلوم في العالم واحتج بأن ذلك يوجب أن يكون في نفس العالم بالنار نار كالنار الموجودة في الخارج ولولا إدراكها وتصور المراد ما كانت ولا يخطر مثل هذا ببال عاقل يتصور ما يقول وكونه كليا قد يراد به وجوب شموله للأفراد فيكون عاما وقد يراد به أنه لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فيكون مطلقا وهو مرادهم بكونه كليا وهو مورد التقسيم بين أنواع الموجودات فإن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام شامل لها متناول لها إما على سبيل الجمع وهو تناول العموم الجمعي وإما على سبيل
البدل وهو الإطلاق والعموم البدلي كقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وطائفة من هؤلاء يقولون أن الوجود الواجب هو هذا المطلق لا بشرط وعلى هذا التقدير فيكون هو عين وجود الموجودات الممكنة الموجودة أو جزء من ذلك فيكون الوجود الواجب الخالق للعالم هو نفس وجود المخلوق أو جزء من وجود المخلوق فقد تبين أنه إذا قيل أنه وجود مطلق فإن عنى به المطلق لا بشرط وهو الطبيعي لزم أن لا يكون للواجب وجود إلا وجود مخلوقاته أو جزء من وجود مخلوقاته وإن عنى به المطلق بشرط الإطلاق أمتنع وجوده إلا في الذهن وهو الكلي العقلي وإن عنى به الوجود المقيد بالقيود السلبية فقط كما قاله ابن سينا وأتباعه فهو وإن كان أخص من المطلق لا بشرط فهو أعم من المطلق بشرط الإطلاق عن السلب والثبوت وهو أعظم امتناعا منه عن الوجود في الخارج فإن المطلق المقيد بالثبوت أولى بالوجود من المطلق المقيد بالسلب والمقيد بسلب الثبوت والعدم ممتنع وهو أحق بالامتناع من وجه لكونه سلب فيه النقيضان والمقيد بالعدم أحق بالعدم من وجه من جهة كونه مشروطا فيه العدم فيمتنع أن يكون موجودا مع كونه معدوما فهذ0627
يستلزم العدم بنفسه وذاك يستلزم العدم بواسطة علمنا بأنه ممتنع وكل ممتنع معدوم فذاك أحق بظهور العدم وعلمنا بأنه معدوم مانعه من أن يكون موجودا وقد امتنع أن يكون معدوما كما يمتنع أن يكون موجودا إذ كان مقيدا بسلب الأمرين والعدم قد يكون له تحقق في الخارج كما يعدم عن الإنسان كونه فرسا وأما بين الوجود والعدم جميعا فلا يتحقق في الخارج لكن إذا قيل كل موجود مقيد بسلب جميع الحقائق كان هذا جمعا بين النقيضين وهذا يناسب قول من قال لا يوصف الرب إلا بصفة سلبية وذاك يناسب قول من قال لا يوصف الرب لا بسلبه ولا ثبوته تم الجزء الأول بحمد الله ويليه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله وهذا الثاني قول غلاة القرامطة
وهذا الثاني قول غلاة القرامطة الباطنية كأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثاله وعمدتهم في ذلك نفي التشبيه وهذا لفظه في كتاب الافتخار له قال: "تعالوا أيها الأمم المختلفة لنريكم ما به افتخارنا ونظهر عوراتكم ونكشف عن عيوبكم ولنبتدىء أولا بالتوحيد فأقول إنكم رميتمونا بالتعطيل وسميتم أنفسكم موحدة وأنتم بما رميتمونا به أشد استحقاقا وله التزاما ونحن بما سميتم به أنفسكم أحق منكم وذلك أنكم تعلمون يقينا أنا نقر بأن لهذا العالم مبدعا أبدعه لا من شيء ولا من مادة ولا بآلة ولا بمعين ولا بمثال صورة معلومة عنده قد نطقت وانتشرت دعوتنا إليه
فلما جردناه عن الصفات والإضافات وقدسناه عن النعوت والسمات قدحتم فينا وسميتمونا معطلة.
أليس التعطيل هو الإنكار الذي يؤدي قولكم في معبودكم إليه لأنكم إذا أضفتم مبدعكم وخالقكم إلى أي شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير ثم يكون الموسوم به من خلقه غير مبدع ولا خالق ولا بارىء جاز أن يكون مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه الذي نفيتموه أن يكون مبدعا وخالقا وبارئا أن يكون غير مبدع ولا خالق ولا بارىء وما قدم الغير عليه كان عما يتلوه معطلا فأي الفريقين أحق بالتعطيل أهل الحقائق الذين أقروا به على الرسم الذي رسموه أم أنتم قد أنكرتم ما أقررتم به فإذا كان إقراركم بتوحيدكم يؤدي إلى التعطيل وإقرارنا إلى الإثبات المحض فأي افتخار أعظم من درك الحقائق والوقوف على الطرائق".
ومضمون كلامه أنكم إذا أضفتم خالقكم ومبدعكم إلى شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير مثل قولكم ذو القوة وذو العلم ونحو ذلك مما تضاف فيه الذات إلى صفاتها فيقال فهي ذات علم وقدرة وحياة ونحو ذلك وكان الموسم بذلك الوسم غير خالق جاز أن يكون غير مبدع ولا خالق لأن هذا تشبيه له
بخلقه من بعض الوجوه وإذا أشبهه من وجه جاز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على المخلوق والمخلوق يمتنع أن يكون خالقا فيمتنع أن يكون الخالق خالقا.
وهذه الشبهة تدور في كلام كثير من الناس والجواب عنها من وجوه: أحدها: أنه لا يوصف بمثل ما يوصف به شيء من المخلوقات ولا تضاف ذاته إلى صفة تماثل صفة المخلوقين بل لا توصف بنفس ما يوصف به غيره ولا تضاف ذاته إلى الصفة التي تضاف إليها ذات غيره بل ليس في المخلوقات شيء يوصف بنفس ما يوصف به غيره ولا تضاف ذاته إلى الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره ولا يوسم بنفس سمة غيره فالخالق أولى أن لا يكون كذلك.
نعم في المخلوقات ما يكون له مثل فيوصف بمثل ما يوصف به غيره ويوسم بمثل ما يوسم به غيره وتضاف ذاته إلى صفة مثل الصفة التي أضيفت إليها ذات غيره.
والخالق سبحانه لا مثل له فيمتنع أن تكون نفس صفته صفة غيره أو مثل صفة غيره وكذلك يقال يمتنع أن تكون ذاته مضافة إلى الصفة التي تضاف ذات غيره إليها أو إلى مثلها أو أن يكون موسوما بذلك.
فإذا قيل في حقه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (سورة الذاريات 58) وقيل في حقه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾
(سورة البقرة 255) وقيل في حق المخلوق إن له قوة وعلما لم يكن هذا العلم والقوة هو هذا العلم والقوة ولا هو مثله بل هذا علم وقوة يختص به الرب وهذا علم وقوة يختص به العبد وإذا اتفقا في مسمى القوة والعلم عند الإطلاق لم يستلزم ذلك أن يكون أحدهما هو عين الآخر ولا أن يكون مثله.
بل إذا قيل في الفلك إنه شيء قائم بنفسه وقيل في الخشبة إنها شيء قائم بنفسه موجود لم يلزم أن يكون هذا هو هذا ولا مثله وإذا قيل في لون السماء إنه عرض قائم بغيره وقيل في طعم التفاحة إنه عرض قائم بغيره لم يجب أن يكون هذا هو ذاك ولا مثله.
فاجتماع الشيئين في اسم عام لا يوجب أن يكون ما يتصف به أحدهما من ذلك المسمى هو نفس ما يتصف به الآخر ولا مثله وهذه الأسماء التي يسميها بعض الناس مشككة وهو نوع من الأسماء المتواطئة التواطؤ العام وهي من الأسماء العامة التي تسميها النحاة اسم جنس ويسمى معانيها المنطقيون الكليات.
والجواب الثاني أن يقال لهذا المستدل أنت قد قلت في أول خطبة كتابك: "الحمد لله المعبود بلا ولا ولا الذي سنا مجده في صدور أوليائه يتلألأ بأنه بعد لا إله إلا المبدع ذي الجود الغفور الرحيم" وقلت: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي عنه كل إثبات
مؤيسة لديه ساه وشبه بأنه مبدع الكل أحرى لا يستنكف أحد من عبادته والخضوع له بربوبيته والتذلل لعزته وجلاله المتعزز بالكبرياء والجبروت والمنفرد بالعظمة والملكوت والمتوحد بكلمة اللاهوت العزيز في سلطانه فلا يغالب والمتكبر بقدسه عن رويات الخواطر فلا يطالب الظاهر بقدرته في جميع بريته فلا ينكر والشاهد بنافذ أمره فلا يستر المحتجب بتعمده عن أن يكون كمثله شيء إذ هو بلفظ واسع أي أنه بادىء لا مسبوق له من التنزيه أسناها ومن التسبيح أعلاها ومن التقديس أهناها وكلها وراء ما تحصره هوية العقل ويستخرجه قواه والغنى بتمام قدرته عن أمثال الصور والأشباح ومبدع القلم لتخطيط الألواح".
فأنت في هذا الكلام تذكر أنه ذو الجود الغفور الرحيم وذكرت أنه له عزة وكبرياء وعظمة وجبروتا وملكوتا وذكرت أنه العزيز الظاهر بقدرته وغير ذلك مما فيه إثبات أسماء لله وصفات وخلقه يسمون بما يشبه هذه الأسماء والصفات فيقال لأحدهم رحيم عزيز.
كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة التوبة 128). وقال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (سورة يوسف 51).
وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة المنافقون 8).
وقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النمل 23).
وقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (سورة غافر 35).
وقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (سورة الكهف 79) ونظائر هذا متعددة.
فإذا كان المخلوق يوصف بأنه رحيم وعزيز وأن له رحمة وعزة وأنه عظيم جبار متكبر ونحو ذلك فقد وصفته بالصفات والإضافات وأضفته إلى شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير.
وإذا كان كذلك فإما أن يكون قولك متناقضا فيبطل وهكذا هو في نفس الأمر فإن قولهم متناقض في نفسه فإنهم لا بد أن يعبروا عن الله بنوع ما من العبارات المتضمنة للمعاني فيكون ذلك مناقضا لما ادعوه من التجريد والسلب العام وإما أن تقول هذه الأمور التي أثبتها له ليست مثل ما يثبت للمخلوقين فهذا جواب لك عما يثبته أهل الإثبات.
وإن ادعيت أن اللفظ مشترك اشتراكا لفظيا من غير أن يكون بين المعنيين تشابه أصلا فهذا الجواب إن كان صحيحا أجابوا بمثله وإن كان باطلا لم ينفعك.
الجواب الثالث: أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا فيه وهو المعنى العام الكلي لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به وهذا لا محذور فيه بل هو حق فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق موجودا أو هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه أو قيل هذا حي عليم رحيم وقيل هذا حي عليم رحيم كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم.
وهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيد بالعبد فقيل وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد والله منزه عما يختص به العبد وأما إذا اتصف الرب به أو أخذ مطلقا غير مختص بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا.
الوجه الرابع: أن يقال: إذا قيل هذا يشبه هذا من وجه كذا فيجب أن يكون حكمه حكمه من ذلك الوجه لم يجب أن يكون حكمه حكمه من غير ذلك الوجه فالسواد إذا شارك البياض في كون كل منهما عرضا قائما بغيره لم يجب أن يشاركه من جهة كونه سوادا والجسم القائم بنفسه إذا شارك العرض في كون كل منهما موجودا لم يجب أن يشاركه في خصائص الأعراض وكذلك إذا قلنا إن الأجسام ليست متماثلة وهو أصح القولين فالجسم إذا شارك الجسم في لوازم الجسمية لم يجب أن يشاركه فيما يختص به أحدهما عن الآخر فإذا شاركه في كونه يشار إليه أو في كونه قائما بنفسه أو في قبول الأبعاد الثلاثة أو غير ذلك لم يجب أن يكون التراب مماثلا للنار فيما يختص به ولا التفاح مماثلا للخبر فيما يختص به.
وبهذا تظهر المغلطة في الحجة فإنه لما قال إذا أضفتم مبدعكم إلى شيء مما يوسم به خلقه من لفظ قول أو عقد ضمير وكان الموسوم به غير مبدع ولا خالق ولا بارىء جاز أن يكون مبدعكم وبارئكم من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه الذي نفيتم أن يكون مبدعا خالقا أن يكون غير مبدع ولا خالق.
فإنه يقال له قولك من الوجه الذي عرفتموه مماثلا لخلقه أتعني بذلك أنه يثبت للمخلوق مثل ما يثبت له بحيث يجوز على هذا ما يجوز
على هذا ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه أتعني أنه يثبت له ما فيه نوع من التشابه.
فإن ادعيت الأول كان ممنوعا وممتنعا فإنهم إذا قالوا لله علم وقدرة وللمخلوق علم وقدرة لم يقولوا إن العلمين والقدرتين متماثلان بحيث يجب لأحدهما ما وجب للآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجوز عليه ما يجوز عليه بل هذا معلوم الفساد بالضرورة وإن كان بعض من يثبت له بعض الصفات وينفي بعضها مثل من يثبت لله العلم والقدرة وينفي الرضا والغضب والوجه واليد قد يقول ليس بين علمنا وعلم الله فرق ولا بين سمعنا وسمع الله فرق ولا بين بصرنا وبصر الله فرق إلا في الحدوث والقدم.
ومقصوده بذلك أن ينفصل عن إلزام المثبتة فإنهم يقولون له كما أثبت لله علما وقدرة وسمعا وبصرا وليس مثل سمعنا وبصرنا ولا علمنا وقدرتنا فكذلك أثبت له رضا وغضبا ووجها ويدا وليس مثل رضانا ولا غضبنا ولا وجوهنا ولا أيدينا فيريد بزعمه أن يذكر الفرق بأن التماثل موجود في الوصفين فليس بين العلمين والقدرتين فرق إلا في الحدوث والقدم فكذلك يجب أن لا يكون بين الوجهين واليدين إلا في الحدوث والقدم فيجب أن يكون وجهه ويده جارحة وكذلك في سائر الصفات
وهذا القول باطل قطعا فإنه لو تماثل العلمان والقدرتان لجاز على أحدهما ما يجوز على الآخر وامتنع عليه ما يمتنع عليه ووجب له ما وجب له ولو جاز أن يقال ذلك في العلم والقدرة لجاز أن يقال ذلك في الحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة وغير ذلك من الصفات.
وإن جاز أن يقال ذلك في الصفات جاز مثله في الذات لأن نسبة علم الرب إلى ذاته كنسبة علم العبد إلى ذاته فهما علمان وعالمان وإن جاز أن يقال العلم مثل العلم إلا في الحدوث والقدم جاز أن يقال العالم كالعالم إلا في الحدوث والقدم.
وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو يتبين من وجوه: منها أنه لو تماثلت الذاتان لامتنع اختصاص أحدهما بالحدوث والأخرى بالقدم فإن المقتضى لقدم الرب هو نفس ذاته لا يحتاج في ثبوت قدمه إلى غيره والمقتضى لكون العبد مفتقرا إلى من يخلقه نفس ذاته ليس افتقاره مستفادا من أمر خارج عن ذاته فإذا كان المثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر وهذه الذات لا يجوز عليها القدم بل يمتنع عليها وتلك يجب لها القدم ويمتنع عليها العدم وإذا امتنع تماثلهما فامتنع تماثل صفاتهما فإن صفة كل موصوف بحسبه.
فإن قيل الأمور المختلفة قد تشترك في لوازم متماثلة كالإنسان والفرس يشتركان في الحيوانية.
قيل ليست الحيوانية العامة المختصة للإنسان مماثلة من كل وجه للحيوانية المختصة بالفرس بل هما مختلفان حسب اختلاف الحقيقتين
وإن اشتركا في الحيوانية العامة فذلك العام لا يوجد عاما إلا في الذهن لا في الخارج.
تبيين ذلك أن خاصة الحيوانية الحس والحركة الإرادية وإحساس الفرس ليس مثل إحساس الإنسان بل ولا مثل إحساس الهر والفأر وإن اشتركا في الحيوانية ولا حركته الإرادية مثل حركة هذه الحيوانات الإرادية ولو ماثل الإنسان سائر الحيوان في الحس والحركة الإرادية للزم أن تثبت لكل منهما لوازم حس الآخر وحركته الإرادية فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع وحس الإنسان وحركته الإرادية يلزمهما لوازم يمتنع اتصاف الهر والفأر بها وكذلك بالعكس فعلمنا أن الحس والحركة مختلفان فيهما بالنوع كما أن حقيقتهما مختلفة بالنوع فحيوانيتهما مختلفة بالنوع والمختلف بالنوع والحقيقة ليس متماثلا واشتراكهما في جنس الحيوانية كاشتراك السواد والبياض في جنس اللونية مع أنهما مختلفان بالنوع والحقيقة.
وأيضا فكل ما للرب تعالى من صفات الكمال فهو من لوازم ذاته فلو ماثلته ذات أخرى لاتصفت بمثل ما اتصف به الرب بحيث يكون بكل شيء عليما وعلى كل شيء قديرا ويكون قادرا على خلق مثل هذا العالم وأمثال ذلك مما يعلم امتناعه.
وأيضا فالرب تعالى لو كان له مثل للزم أن يقدر على ما يقدر عليه وأن يريد كما يريد وحينئذ فيمتنع وجود العالم لأنه إن أمكن أن يستقل به كل منهما لزم أن يكون كل منهما فاعلا له كله غير فاعل لشيء
منه وهذا جمع بين النقيضين وإن لم يمكن أن يستقل به أحدهما إلا إذا تركه الآخر كانت قدرته مشروطة بتمكين الآخر له وكذلك إن لم يمكن أحدهما فعله إلا بمعاونة الآخر لزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا جعله الآخر قادرا وحينئذ فلا يكون أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء وإذا لم يكن أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء امتنع حال الاجتماع قدرتهما لأنه ليس هناك شيء غيرهما يجعلهما قادرين وليس لواحد منهما قدرة يعين بها الآخر فلو كان كل منهما صار قادرا بجعل الآخر له لزم الدور في التأثير وهو الدور القبلي الباطل باتفاق العقلاء وهو معلوم الفساد ضرورة بعد التصور وهذا بخلاف إذا كان هناك ثالث يجعلهما قادرين بالاجتماع فإن هذا هو الدور المعي وهو جائز ولهذا لا يوجد شيئان من الموجودات يصير لهما قدرة حال الاجتماع إلا بإحداث ثالث ذلك لهما أو بانضمام قوة أحدهما إلى قوة الآخر كالمشتركين من الآدميين لا بد أن يكون لأحدهما عند الإنفراد قدرة على شيء أو عند الإجتماع تقوى قدرتهما والتقدير هنا أنه لا شيء من القدرة ثابت حال الإنفراد وإذا كان تقدير مثل له يستلزم أن يكون قادرا مثله وتقدير ربين قادرين ممتنع علم انتفاء مثله وإذا كان تقديرهما غير قادرين ممتنعا أيضا علم انتفاء شريك على كل وجه وأن تقدير مثل له أو شريك له ممتنع لذاته سواء
قدر المثل مشاركا أو غير مشارك وسواء قدر الشريك مماثلا أو غير مماثل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
ومما يبين امتناع تماثل العلمين أن الرب بكل شيء عليم سواء قيل إنه عالم بعلم واحد أو بعلوم غير متناهية وليس علم العبد لا هكذا ولا هكذا بل هذا ممتنع فيه ولو قال القائل علم الرب بالشيء المعين كعلم العبد به كان ممتنعا فإن الرب يعلمه علم إحاطة به والعبد لا يحيط به.
وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الله أعلم وأقدر من خلقه كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (سورة فصلت 15).
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (سورة النجم 32).
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النور 19).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (سورة الإسراء 85).
وهذا أوضح في المنقول والمعقول وأعظم من أن يحتاج إلى شواهد فكيف يجوز أن يظن التماثل مع ثبوت التفاضل.
وهذا إنما ذكرته لأن بعض معتزلة الصفاتية الذين يثبتون الصفات السبعة وينفون الصفات الخبرية ويزعمون أن هذا تشبيه ممتنع أورد عليهم هذا بسبب محنة وقعت بين المثبتة والنفاة وكان قاضي القضاة وقيل بل نثبت هذه الصفات مع انتفاء المماثلة كما أثبتم تلك الصفات
مع انتفاء المماثلة فكما أن له علما ولنا علم وليس علمه مثل علمنا ولنا قدرة وله قدرة وليست قدرته مثل قدرتنا فكذلك يقال في الصفات الخبرية.
فقال ليس بين علمنا وعلمه فرق إلا في الحدوث والقدم فإذا أثبتنا له الوجه ونحوه لزم أن يكون مثل وجوهنا إلا في الحدوث والقدم فعلم المعارضون له فساد هذا القول وقبحه شرعا وعقلا وأن قولا يستلزم مثل هذا من أفسد الأقوال.
وهذا القول شعبة من قول الباطنية المذكورين نفاة الصفات الثبوتية والسلبية والأسماء فإنهم جردوه عن جميع ذلك حذرا من التشبيه المذكور.
والمقصود هنا بيان جواب الباطنية القرامطة وهذا الجواب الذي ذكرناه على أحد القولين وهو جواز كون النفي مشابها لغيره من وجه دون وجه وهذا هو الصحيح الذي عليه أكثر الناس وهو المنصوص عن أحمد وغيره.
وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه
وهؤلاء يقولون إذا كان هذا حيا عالما وهذا حيا عالما لم يجب أن يكون بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أ 4 ن تتبدل على كل من الأجسام مع بقاء حقيقته.
وهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد بالضرورة بعد التصور الصحيح.
وهؤلاء يجيبون هؤلاء الباطنية بجواب خامس وهو أن الخالق والمخلوق إذا سمي كل واحد منهما فاعلا أو قادرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما وإنما يكون التماثل في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك وهؤلاء يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ينفصلون بهذا الجواب فإن منازعهم يقول فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه وجعلتموه
مجسما ولا يمكنهم أن يذكروا فرقا صحيحا وكل ما يقولونه يمكن المثبت أن يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه تجسيما وما لم يسموه تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع.
ونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين لا يلتزمون قولهم وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين بطلانها وانتفائها.
فقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب.
فابن سينا وأمثاله من أئمة هؤلاء وكان أهل بيته من أهل دعوة الحاكم وأمثاله من أئمة القرامطة الباطنية الإسماعيلية.
وقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو وجود المخلوق أو جزء منه
وعلى كل تقدير فحقيقة قول هؤلاء نفي الوجود الواجب المباين للوجود الممكن ونفي وجود الخالق المباين للمخلوقات ونفي وجود القديم المباين للمحدثات وهذا قول المعطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان أن طريقة ابن سينا وأتباعه في الوجود الواجب لا يفيد إلا إثبات وجود واجب فقط وأنها لا تفيد أنه مباين للعالم إلا بطريقة نفي الصفات وهي باطلة ولو صحت لم تفد إلا إثبات هذا الوجود المطلق لا تفيد وجودا مباينا للمخلوقات منفصلا عنها فتفيد إثبات وجود في الذهن أو إثبات وجود مشترك بين الموجودات لا تفيد إثبات وجود مباين لوجود الممكنات.
وهو إنما أخذه من كلام المعتزلة لما قسموا الموجود إلى محدث وقديم وبينوا ثبوت القديم أخذ هو يقسمه إلى واجب وممكن وغرضه إثبات وجود الواجب بدون إثبات حدوث العالم وجعل وجود العالم ممكنا وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة كأرسطو وأتباعه فإن الممكن عندهم لا يكون موجودا وهم لم يقسموا الوجود إلى واجب وممكن كما فعله ابن سينا بل أثبتوا العلة الأولى بالحركة فقالوا الفلك يتحرك حركة شوقية للتشبه بالعلة الأولى وهو عندهم محرك للفلك كتحريك المحبوب لمحبه وقولهم أعظم فسادا من قول ابن سينا.
وهذه الطريقة التي سلكها ابن سينا وأتباعه والمعتزلة يمكن سلوكها بأنواع أخر مثل أن يقال الوجود ينقسم إلى غنى عن غيره وفقير إلى
غيره والفقير لا يوجد بدون الغنى فيلزم وجود الغني على التقديرين والوجود ينقسم إلى قيوم يقوم بنفسه ويقيم غيره وإلى ما ليس بقيوم وما ليس بقيوم لا يوجد إلا بالقيوم فيلزم وجود القيوم على التقديرين.
وكذلك يقال الوجود ينقسم إلى مخلوق وإلى غير مخلوق والمخلوق لا بد له من وجود خالق غير مخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين ثم يقال وهذا الموجود الذي ليس بمخلوق هو الخالق للمخلوقات فإن وجوده إنما علم بضرورة وجود المخلوقات فثبت وجود الخالق على كل تقدير.
ثم يقال والقديم إما قديم بنفسه وإما قديم بغيره والقديم بغيره ممتنع لأنه لا يكون قديما بنفسه إلا إذا كان لازما للقديم بنفسه وإلا فلو جاز أن يوجد معه وجاز أن لا يوجد معه لم يترجح أحدهما إلا بمرجح لكن القديم المحدث للمخلوقات لا يجوز أن يلزمه شيء من آثاره لأن آثاره لا تلزمه إلا إذا كان موجبا بنفسه بحيث لا يتخلف عنه موجبه ولو كان كذلك لم تصدر عنه الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط فإذا صدرت عنه الحوادث علم أنه ليس مستلزما لمفعوله.
وإذا قيل إن العقول لازمة له وهي موجبة للأفلاك ولأنفس الأفلاك
قيل فالأفلاك مستلزمة للحوادث والحوادث مقارنة للعقول اللازمة له فلم يزل فاعلا للحوادث وعلى عبارتهم لم يزل علة لها أو موجبا والعلة القديمة المستلزمة لمعلولها لا يكون معلولها حادثا ولا مستلزما للحوادث ولا مقارنا لحادث ولا شيء من معلولها لأنه يقتضي أن ذلك الحادث قديم معها معلول لها والحادث لا يكون مقارنا للقديم ولا معلولا له ولا يمكن أن يقال بتسلسل الحوادث وحدوثها شيئا بعد شيء على هذا التقدير لأنها على هذا التقدير لا تكون في الأزل علة لشيء من الحوادث ولكن تكون علة لكل واحد عند حدوثه إذ العلة التامة هي المستلزمة للمعلول وتكون عليتها وتأثيرها حادثة شيئا فشيئا كحدوث المعلولات التي هي الآثار وإذا كان المعلول لا يخلو عن حادث فيكون مستلزما للحوادث ومقارنا لها لم يمكن وجوده إلا مع لازمه المقارن له ووجود لازمه عنها في الأزل محال فوجود الملزوم عنها في الأزل محال سواء جعل اللازم مجموع الحوادث أو واحد من الحوادث أو نوع الحوادث شيئا بعد شيء فعلى التقديرات الثلاثة لا يمكن وجود ذلك عن علة أزلية وهي الموجب بذاته وهذا لأن الجميع معلول لها
أما إذا قدر أنها هي تحدث الحوادث شيئا بعد شيء فلا تكون علة تامة للحوادث وقدر هناك موجب بذاته لشيء آخر وهو مقارن للحوادث أمكن أن يقال إن نوع الحوادث دائم مع وجود شيء آخر باق أزلي فإنما الكلام هنا إذا كان العالم جميعه معلولا للعلة التامة الأزلية فإن هذا ممتنع على كل تقدير سواء قدر العالم لا يخلو من الحوادث أو قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن.
أما على الأول فلأنه لم يوجد بدون الحوادث ولا يمكن وجوده مع الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها وأما إذا قدر أن الحوادث حصلت فيه بعد أن لم تكن فلأنه يقتضي حدوث الحوادث بلا سبب وترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ولأنه على هذا التقدير لا يكون يحدث الحوادث بعد أن لم يكن موجبا بذاته في الأزل لأنه جمع بين النقيضين بل لا بد أن يقال هو فاعل باختياره يمكنه أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا بحال.
وعلى هذا التقدير إن لم يكن فعله في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن أمكن فعله في الأزل لزم ثبوت فعله في الأزل وأن يكون فاعلا دائما لأن المقتضى موجود والمانع مفقود فإن المقتضى لكونه فاعلا ليس شيئا خارجا عن نفسه لامتناع كونه مفتقرا إلى غيره وكون غيره مؤثرا فيه والتقدير أن الفعل ممكن في الأزل وإذا كان المقتضي قائما والمانع زائلا لزم ثبوت الفعل
ولهذا كان المانعون من هذا إنما منعوا منه لاعتقادهم امتناع الفعل في الأزل إما لامتناع حوادث لا أول لها عندهم أو لأن الفعل ينافي الأزلية أو لغير ذلك وعلى كل تقدير فإنه يمتنع قدم شيء بعينه من العالم وكذلك إذا قدر أن الفعل دائم فإنه دائم باختياره وقدرته فلا يكون الفعل الثاني إلا بعد الأول وليس هو موجبا بذاته في الأزل لشيء من الأفعال ولا من الأفعال ما هو قديم أزلي.
والأفعال نوعان لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولا والفعل المتعدي يقتضي مفعولا فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة وأما المتعدية فكانت بعد أن لم تكن لم يلزم وجود ثبوت شيء من المفعولات في الأزل وإن قدر أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضا والمستلزم لمفعول فإذا كان الفعل يحدث شيئا بعد شيء فالمفعول المشروط به أولا بالحدوث شيئا بعد شيء لأن وجود المشروط بدون الشرط محال فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في العالم شيء يقارنه في الأزل وإن قدر أنه لم يزل فاعلا سبحانه وتعالى فهذه الطريقة قرر فيها ثبوت القديم المحدث للحوادث وحدوث كل ما سواه من غير احتياج إلى طريقة الوجوب والإمكان ولا إلى طريقة الجواهر والأعراض.
ويمكن تقدير هذا على طريقة الوجوب بأن يقال قد ثبت أن الوجود ينقسم إلى واجب بنفسه وممكن والذي لا ريب في إمكانه هو الحوادث فإنا نعلم وجودها بعد العدم فلزم إمكان وجودها وعدمها بخلاف ما لم يعلم إلا وجوده فإنا نحتاج أن يعلم إمكانه بطريق آخر.
وإذا كانت الحوادث ممكنة والممكن لا بد له من الواجب بنفسه ثبت أن المحدث للحوادث هو الواجب بنفسه وإذا كان المحدث لها هو الواجب بنفسه امتنع أن يكون علة تامة لها في الأزل لكون العلة التامة تستلزم معلولها فيجب أن تكون جميع الحوادث صادرة عن علة تامة أزلية وهذا باطل سواء قدر صدور مجموعها عنه في الأزل أو صدور واحد بعينه أو صدورها واحدا بعد واحد كما تقدم فإن كون مجموعها أو واحد من الحوادث بعينه أزليا ممتنع لذاته وكون النوع حادثا شيئا بعد شيء يمنع أن يكون المحدث له علة أزلية فإن العلة الأزلية يقارنها المعلول والمتجدد لا يكون مقارنا للأزلي في الأزل ولأن كلا من الحوادث لا تكون علته التامة إلا عند وجوده وإلا لزم حدوث الحادث عن العلة التامة من غير أن يتجدد تمامها له عند حدوثه فتمام العلة للحوادث وأزليتها جمع بين النقيضين.
وقد تقدم بيان هذا وتمام الدليل وهكذا يمكن إذا قسم الموجود إلى غني وفقير وقيل إن الفقير لا بد له من غنى ثم قيل والحوادث فقيرة فيلزم صدروها عن الغنى.
أو قيل إنه ينقسم إلى قيوم وغير قيوم وغير القيوم مفتقر إليه والحوادث مفتقرة إلى القيوم ويساق الدليل إلى آخره.
وكذلك إذا قيل الوجود ينقسم إلى كامل وناقص والناقص لا بد له من الكامل لأن الناقص مفتقر إلى الكامل إذ لو كان مستغنيا بنفسه لكان كاملا فإن الغنى من أعظم صفات الكمال ولو كان الكامل مفتقرا إليه لكان هو الناقص ولو كان كل منهما مفتقرا إلى الآخر للزم الدور القبلي السبقي وهو باطل وإذا ثبت وجود الكامل فلا بد أن يكون قديما إذ لو كان حادثا لكان الوجود كله حادثا والحادث مفتقر إلى القديم فلا بد من القديم.
وأيضا فالحوادث هي الناقصة لأن نفس الحدوث يوجب الافتقار إلى الغنى والفقر أعظم صفات النقص فيلزم افتقار الحوادث إلى الكامل ويساق الكلام إلى آخره.
وأيضا فيقال: الوجود ينقسم إلى خالق ومخلوق كما تقدم والخالق يستحيل أن يكون شيء ممن مخلوقاته أزليا معه لأنه لو كان كذلك لكان علة موجبة له وذلك ممتنع كما تقدم.
ويمكن تقدير صفات الكمال لله سبحانه بهذه الطرق كلها فإنه إذا ثبت وجود الواجب بنفسه أو وجود القديم أو الغنى أو وجود القيوم أو الكامل أو الخالق أو نحو ذلك من خصائص الرب تبارك وتعالى فإنه يقال الكمال الذي لا نقص فيه الممكن للموجود من حيث هو موجود إما أن يكون ممكنا له وإما أن يكون ممتنعا عليه والثاني باطل لأن هذا الكمال ممكن للمحدثات الممكنات الفقيرة إليه المخلوقات فإن الواحد منها يمكن أن يكون حيا عالما قادرا سميعا
بصيرا متكلما فإن لم يمكن ذلك فيه لزم إمكان اتصاف المفضول بالكمال الذي لا نقص فيه دون اتصاف الأفضل به وهذا ممتنع.
وأيضا فكل كمال في المحدثات الممكنات المخلوقات فمنه فمن جعل غيره كاملا فهو أحق بالكمال فالخالق أولى بالكمال والمدح والثناء من المخلوقات.
وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة فثبت إمكان اتصافه بالكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه وإذا ثبت إمكان ذلك فإما أن يفتقر في ثبوت هذا الكمال له إلى غيره وإما أن لا يفتقر والأول باطل لأنه قد ثبت أنه غني ولأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره ولأن الخالق الذي ليس بمخلوق لا يكون فقيرا إلى غيره ولأن القديم الذي أحدث كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ولأن القيوم القائم بنفسه المقيم كل ما سواه لا يكون فقيرا إلى غيره ولأنه لو افتقر إلى غيره فذلك الغير إما أن يكون من مفعولاته وإما أن يكون واجبا بنفسه.
فإن كان الأول لزم الدور القبلي وهو ممتنع ولأن كل ما لمفعولاته من الكمال فهو منه فلو لم يستفد كماله إلا من مفعوله لزم أن لا يحصل الكمال له حتى يحصل الكمال لمفعوله ولا يحصل الكمال لمفعوله حتى يحصل له لأن جاعل الكامل كاملا أولى بالكمال وإن افتقر إلى واجب غيره يجعله كاملا كان ذلك الغير هو الرب الكامل وكان الأول
مفعولا له مخلوقا ونحن تكلمنا في الأزلي القديم الواجب بنفسه القيوم الفاعل لكل ما سواه.
فثبت بهاتين المقدمتين أن كل كمال لا نقص فيه ممكن للوجود فهو ممكن له وثبت أنه لا يتوقف ثبوت ذلك له على غيره فحينئذ يلزم ثبوت ذلك الكمال له ولزومه إياه لأنه إذا حصل المقتضى التام الذي لا يتوقف اقتضاؤه على شيء لزم ثبوت مقتضاه والعلة التامة يلزمها معلولها فإذا كان الواجب التام يلزمه موجبه فهو سبحانه وحده الموجب لكمال نفسه المقتضي لذلك فيلزم أن يكون الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه ثابتا له لازما دائما وهو المقصود.
وإثبات صفاته اللازمة له بطريق الإيجاب الذاتي هو الحق دون إثبات مخلوقاته وحينئذ فيكون طريقة الوجوب وغيرها من الطرق العقلية دلت على إثبات صفات الكمال له ونفى النقائص عنه وهذا وغيره مما بين دل على أن الطرق العقلية كلها مثبتة لصفات الكمال لله وأن من استدل بوجوبه أو قدمه أو غير ذلك على نفي صفاته كان مخطئا ضالا وتبين أن هذه الطرق العقلية كلها يمكن إثبات الصفات والأفعال بها وإثبات حدوث كل ما سواه.
ونحن نبهنا على هذه الفوائد الجليلة منها أن طائفة من أهل الكلام كصاحب الإرشاد ومن اتبعه يزعمون أن تنزيهه عن
النقائص لم يعلموه بالعقل بل بالسمع وهو الإجماع على ذلك وجعلوا عمدتهم فيما ينفونه عنه هو نفي الجسم كما فعلت ذلك المعتزلة واعتمدوا في نفي الجسم على إثبات حدوث الأجسام واعتمدوا في ذلك على امتناع حوادث لا أول لها وكذلك نفاة الفلاسفة جعلوا عمدتهم فيما ينفونه هو نفي التركيب واعتمدوا في نفي التركيب على إمكان التركيب واعتمدوا في إمكان ذلك على أن المجموع لا يكون واجبا لافتقاره إلى بعض أفراده.
وهذا الكلام قد تقدم التنبيه على فساده وبينا ما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة وأن كون الموصوف بصفات لازمة واجبا بنفسه إذا قيل إنه يتضمن افتقاره إلى بعض لوازم ذاته أو ما يدخل في مسمى ذاته كان مضمونه أنه لا يوجد إلا به وليس في ذلك ما يقتضي كون ذلك الفرد فاعلا له ولا علة فاعلة له والواجب بنفسه هو الذي لا يكون له فاعل ولا علة فاعلة له.
وأما إذا قدر موجود بنفسه ذو صفات لازمة فذلك لا ينافي أن لا يكون له فاعل ولو قدر مجموع واجب بنفسه لا يوجد إلا بوجود كل من أجزائه لم يكن في العقل ما يمنع أن يكون هذا غير مفتقر إلى فاعل.
ولفظ الوجوب بالنفس قد صار فيه بحسب كثرة الخوض فيه اشتراك لفظي فإن عني به أنه لا يكون له صفة ولا لازم فهذا لا دليل على ثبوته.
ثم من العجب أن هؤلاء يجعلونه معلولاته لازمة له مع زعمهم أنه
واجب بنفسه فكيف يمتنع أن تكون صفاته لازمة له مع كونه واجبا بنفسه فإن كان الواجب بنفسه هو الذي لا يكون له لازم أصلا فليس في الوجود واجب بنفسه على قولهم وإن كان استلزامه لشيء لا يمنع وجوبه بنفسه فأحق الأشياء بذلك صفاته فاستلزامه إياها لا يمنع وجوبه بنفسه وإن عنى به أنه لا يكون له محل يقوم به ولا علة قابلة فالصفات على هذا الوجه لا تكون واجبة بنفسها بل تكون واجبا بالذات التي لا تفتقر إلى محل مع أن الدليل الذي دل على أن الممكنات لا بد لها من واجب بذاته دل على أنه لا بد لها من موجود بنفسه لا يكون له فاعل ولا علة فاعلة.
ولا ريب أنه لا بد أن يكون غنيا عن الممكنات لأن افتقاره إليها يمنع كونه موجودا بنفسه فلا يجوز له أن يفتقر إلى الممكنات لا إلى محل ولا إلى غير محل لكن هذا لا يمنع أن تكون صفاته واجبة أيضا وداخلة في مسمى الواجب بنفسه وكونها لا تقوم إلا به لا يوجب احتياجها إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة مباينة للمعلول.
وإذا سميت الذات علة كما تقدم بمعنى أنها موجبة للصفات مستلزمة لها فهذا معنى صحيح لكن العلة الفاعلة التي يدعونها في علة العالم ليست من هذا الباب فينبغي أن يبين المراد في العبارات
المجملة فإنه قد قيل إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
وأما طريقة الذين اعتمدوا في النفي على حدوث الجسم فإن أئمة أهل الملل وأئمة الفلاسفة نازعوهم في امتناع دوام الحوادث وقالوا إن هذا يخالف العقل والنقل وقالوا أنتم زعمتم أنكم بهذه الطريق تثبتون حدوث العالم وإثبات الصانع وهذه الطريق تناقض ذلك فإن هذه لا تتم إلا بإثبات ذات معطلة عن الفعل فعلت بلا سبب أصلا وهذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وهو يسد إثبات الصانع.
قالوا: وما ذكرتموه من الأدلة على امتناع دوام الأفعال والحوادث في الماضي يرد عليكم في المستقبل وليس بين هذين فرق معقول فإنه ما من ماض إلا وقد كان مستقبلا ولا مستقبل إلا ولا بد أن يصير ماضيا فالفرق بين الماضي والمستقبل فرق إضافي بحسب حال الوقت الذي جعل حاضرا وبحسب من يكون في ذلك الوقت فإن ما مضى هو ماض بالنسبة إليه وما سيكون مستقبل بالنسبة إليه ولا ريب أن الماضي عدم والمستقبل لم يوجد بعد فهذا وجد ثم عدم وهذا سيوجد ثم يعدم فكلاهما داخل في الموجود وكلاهما غير دائم الوجود.
قالوا ولهذا لما عرف أئمة طريقكم بطلان الفرق سووا بين الماضي والمستقبل وهما الجهم بن صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف إمام
المعتزلة والجهم كان قبل أبي الهذيل وهو أسبق منه إلى هذه الحجة ونفى الصفات ولهذا زعم أن العالم كله يفنى ويفنى نعيم الجنة وأهل الجنة حتى لا يبقى موجود إلا الله كما كان الأمر في الابتداء كذلك.
والذين سلكوا سبيله أعجزتهم حجته فمنهم من يقول كان القياس ما قاله لكن النصوص جاءت بدوام الدارين كما يذكر ذلك طائفة من المصنفين كصاحب الإيضاح وغيره وهذا كلام فاسد فإن الدليل العقلي متى انتقض بطل والنصوص لا تأتي بخلاف المعقول الصريح أبدا.
ومنهم من يقول نحن نقول بفناء الحركات دون فناء الأجسام كما قاله أبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة وهذا يستلزم وجود الأجسام خالية عن الحركة وإذا جوز ذلك في المستقبل فليجوزه في الماضي فيلتزم ما فر منه من قدم الأجسام وكثير منهم فرق بين الماضي والمستقبل بأن هذا دخل في الوجود وهذا لم يدخل فهذا يمكن فيه التطبيق بخلاف هذا.
وهذا فرق ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الماضي عدم فلا يمكن فيه التطبيق كما ذكروه
والثاني: أن دليلكم دليل التطبيق والموازاة مبناه على أن ما لا يتناها لا يكون بعضه أكثر من بعض.
قالوا: فإذا فرضنا الحوادث من الطوفان والحوادث من الهجرة وطبقنا بينهما فإن تساويا لزم أن يكون الزائد كالناقص وهو محال وإن تفاضلا لزم فيما لا يتناهى أن يكون بعضه أزيد من بعضه قالوا وهذا محال.
فقيل لهم: هذا ينقض عليكم بالحوادث في المستقبل فإن الحوادث المستقبلة من الطوفان أزيد منها في الهجرة ففرق بعضهم بأن ذاك وجد وهذا لم يوجد وهو فرق ضعيف كما ترى.
وأما قولهم: ما لا يتناهى لا يتفاضل فإنهم منعوهم ذلك وقالوا بل كلما دام الشيء كان بقاؤه أطول وإن كان لا أول له وكلما حدثت الحوادث كانت أكثر مما وجد وإن كان لا نهاية له كما أن العدد كلما ضعفته كان أزيد وإن كان لا نهاية له وإذا ضعفت الواحد والعشرة والألف تضعيفا دائما فآحاد الألف أكثر من آحاد العشرة وآحاد العشرة أكثر من آحاد الواحد فتضعيف الجميع لا يتناهى.
ومنهم من فرق بين الماضي والمستقبل.
فإنك إذا قلت لا أعطيتك درهما إلا أعطيتك آخر كان ممكنا وإذا قلت لا أعطيك درهما حتى أعطيك درهما كان غير ممكن.
وهذا ذكره صاحب الإرشاد وغيره وليس هو بتمثيل مطابق إنما المطابق أن يقال ما أعطيتك درهما إلا وقد أعطيتك قبله درهما فأما إذا قال لا أعطيك حتى أعطيك فهنا نفى المستقبل حتى يحصل المستقبل.
والمقصود أن ما هو إثبات ماض قبله ماض لا إثبات مستقبل قبله مستقبل فالتقديرات أربعة مستقبل بعده مستقبل وماض قبله ماض ومستقبل قبله مستقبل وماض بعده ماض فهذان متماثلان وذانك متماثلان والممتنع هنا ذانك لا هذان.
وأيضا فالاعتماد في تنزيه الباري على نفي الجسم طريقة مبتدعة في الشرع متناقضة في العقل فلا تصح لا شرعا ولا عقلا.
أما الشرع فإنه لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف والأئمة بل الكلام في صفات الله بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة ولو كان ذلك مما يعتمد في الشرع لدل الشرع عليه وقد عاب الله على اليهود ما وصفوه به من النقائص كقولهم إن الله فقير وقولهم يد الله مغلولة وقولهم استراح والتوراة مملوءة من الصفات فلم يعب عليهم ما فيها ولا ذكر أنهم حرفوا ذلك.
وكثير من أهل الكلام يرد على اليهود بالطريقة المبتدعة ويدع طريقة القرآن.