أهل الأثرالأرشيف العلمي

صفحات 189-228

وأما كونه محدثا وكونه ممكنا يقبل الوجود والعدم فهذا دليل على فقره ومستلزم لفقره فإن المحدث كان معدوما وما كان معدوما لم يكن موجودا بنفسه بل بغيره وكذلك ما كان يقبل الوجود والعدم فإنه ليس له من ذاته أن يكون موجودا وهذا مثل قولنا مصنوع مخلوق ونحو ذلك فإن ذلك دليل على افتقاره وإلا ففقر الأشياء واحتياجها إلى الخالق هو لذاتها وقولنا لذاته هو بحسب ما اعتيد من الخطاب وإلا فليس لها ذات دونه توصف بفقر ولا غنى بل هو المبدع لإنياتها ولا إنية لها بدون إبداعه ولا دوام لإنياتها بدون إبداعه ولا علة لذلك أصلا كما أن وجوبه بنفسه لا علة له واستغناؤه عن غيره لا علة له.
وإذا قلنا: هو موجود بنفسه أو واجب بنفسه أو غني بنفسه فليس المراد أن نفسه جعلته موجودا أو جعلته واجبا أو جعلته غنيا بل نفس الوجود الواجب الغني هو نفسه لا أن هنا فاعلا ومفعولا وعلة معلولا وإنما يغلط في هذا من يظن أن وجوده زائد على حقيقته كأبي هاشم وطائفة من أهل الكلام ومن وافقه من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم والرازي في أحد قوليه فإنهم يجعلون الوجود الواجب معلول الذات الموصوفة كما يجعلون هم والمتفلسفة الذات الممكنة قابلة للوجود المتصفة به ويجعلون الوجود صفة للذات الموجودة.
وهذا يقوله تبعا لهم طوائف من نظار أهل السنة كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير منهم كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره والمتكلم بهذا

إما أنه توسع في العبارة أو زل في الفهم وإلا فالذي عليه حذاق النظار من متكلمي أهل السنة وغيرهم أن الموجود في الخارج هو الحقيقة الموجودة في الخارج ليس هناك شيئان: أحدهما: وجود هو جوهر أو عرض والثاني: حقيقة موجودة متصفة بهذا.
ولفظ الوجود قد يعنى به المصدر إما مصدر وجد يجد وجودا أو مصدر أوجده الله او مصدر وجدته أجده وجودا.
لكن ليس المراد في هذا المقام مسمى المصادر فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه لهم وهذا عند الأكثرين هو فعل غير المخلوقين وعند كثير من النظار الخلق هو المخلوق.
وأما مصدر وجدت الشيء أجده كما في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ (سورة النور 39) فهذا فعل قائم بالواجد كالرؤية والمعاينة ونحو ذلك وليس مرادهم بقولهم هذا موجود هذا مرئي معاين وإن كان أصل اللفظ أخذ من هذا فإن ما كان ثابتا في نفسه كان بحيث يجده الواجد أي يراه ويعاينه بخلاف المعدوم المنفي فسمي ما هو بحيث يجده الواجد موجودا لكن إذا قالوا وجد فمرادهم أنه حصل وكان ولا يلحظون أن غيره وجده وإن كان لفظ الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله فإذا كان المراد أنه كان وحصل فمعلوم أن كونه وحصوله مصدر كان يكون وحصل يحصل لكن هو إذا صار كائنا وحاصلا فالكائن الحاصل هي حقيقته الموجودة ليس هناك هذا الكائن الحاصل وجود قائم به بعد كونه غير حقيقته الموجودة.

إذا تبين هذا فقولنا: مفتقر لذاته لا يريد به أن هناك ذاتا غير الموجودة ثابتة في الخارج هي الموصوفة بالفقر وإنما يسوغ هذا عند من يقول المعدوم شيء وحقيقته زائده على الوجود في الخارج وإنما المقصود بذلك أن هذا الموجود المخلوق في الخارج هو فقير محتاج فنفس حقيقته التي هي الموجودة هي الفقيرة وإذا قدر أن هناك وجودا زائدا عليه أو وجوده الذي هو مصدر فكل ذلك فقير محتاج كما أن نفسه الموجودة فقيرة محتاجة كما أن الرب غني بنفسه الموجودة وهذا المخلوق موصوف بالفقر والحاجة قبل أن يوجد وبعد أن وجد.
أما قبل وجوده فالمراد بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بالخالق فلا يصير موجودا بنفسه وأما بعد الوجود فالمراد بذلك أنه ما صار موجودا ولا يدوم وجوده ولا صار له حقيقة ولا تدوم له حقيقة إلا بالخالق.
وإذا قلنا: لا يكون موجودا فقد أخبرنا عن شيء تصورناه قبل وجوده وهذه هي ما يتصور في الذهن منه.
ولا ريب أن الذين قالوا: المعدم شيء والذين قالوا: إن ماهية الشيء زائدة على وجوده وجدوا الفرق بين ما هو ثابت في الذهن وما هو ثابت في الخارج.
وهذا فرق صحيح فإن المعاني الذهنية ليست هي الحقائق

الخارجية لكن توهموا أن هذه المعاني الذهنية ثابتة في الخارج وهذا غلط وهذا مبسوط في موضعه.
وإذا كان كل ما سوى الله مفتقرا إليه لذاته والحدوث والإمكان مستلزمان لفقره دالان عليه فهل يتصور إمكان بلا حدوث هذا محل نزاع فجمهور العقلاء من الأولين والآخرين أهل الملل قاطبة وأئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه يقولون إن الإمكان والحدوث متلازمان وخالف في ذلك ابن سينا وموافقوه فزعموا أن الممكن قد يكون قديما أزليا واجبا بغيره.
والمقصود هنا أن ابن سينا ذكر أنه يجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول فما دام المعلول دامت عليته كذلك ما دامت العلة دام معلولها.
قال: "فإذ قد اتضح هذه المقدمات فلا بد من واجب الوجود وذلك أن الممكنات إذا وجدت وثبت وجودها كان لها علل لثبات الوجود ويجوز أن تكون تلك العلل علل الحدوث بعينها إن بقيت مع الحادث ويجوز أن تكون عللا أخرى ولكن مع الحادثات وتنتهي لا محالة إلى واجب الوجود إذ قد بينا أن العلل لا تذهب إلى غير نهاية ولا تدور".

قال: "وهذا في ممكنات الوجود التي لا تفرض حادثة أولى وأظهر".
قال: "فإن تشكك متشكك وسأل فقال إنه لما كان إنما يثبت الممكن الحادث بعلة وتلك العلة لا تخلو إما أن تكون دائما علة لثباته أو حدث كونها علة لثباته فإن كانت دائما علة لثباته وجب أن لا يكون الممكن حادثا وقد وضعناه حادثا فإن حدث كونها علة لثباته فيحتاج أيضا كونه علة لثباته والنسبة التي له إليه إلى علة أخرى لثباته بعد العلة المحدثة لهذه النسبة فإن النسبة التي بينهما قد كانت بسبب ما فيجب أن يدوم ويبقى بسبب والكلام في الأخرى كالكلام في الأولى فهذا بعينه يوجب وضع العلل الممكنة الحادثة معا بلا نهاية".

قال: "نقول في جواب هذا إنه لولا تسبب شيء من شأن ذلك الشيء أن يكون حدوثه بلا ثبات أو ثباته على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فيلزم منه انتهاء علل محدثة ومثبتة إلى علل أخرى في زمان آخر يناقض تلك أو يزيد عليها تأثيرا حادثا من غير تشايع آنات بل مع بقاء كل علة ومعلول ريثما يتألف إلى الآخر لكان هذا الاعتراض لازما".
قال: "فأما هذا الشيء فهو الحركة وخصوصا المكانية وخصوصا المستديرة".
قلت: من هنا يتبين المقصود فإن هذا الاعتراض لازم لا محيد عنه وما ذكره من الجواب في غاية الفساد وذلك أن صاحب الاعتراض قال ثبات الحادث لا بد له من علة دائمة كما تقدم فإن كانت تلك العلة القديمة دائمة وجب كون المحدث بها قديما معها لا حادثا فإن حدث كونها علة فذاك أيضا حادث فيلزم أن تكون علية ذلك الحادث حادثة ثانية ثم علية ثبات تلك العلة الحادثة يقتضي علة حادثة ثالثة وهلم جرا.

والعلة يجب أن تكون مع المعلول فهذا يقتضي تقدير علل ممكنة حادثة معا بلا نهاية وهو ممتنع.
وهذا الاعتراض مستقيم سواء قيل إن علة الحدوث هي علة الثبات أو قيل للثبات علة غير علة الحدوث وذلك أن علة الحدوث لا بد أن تكون حادثة أيضا فإنها لو كانت قديمة لزم صدور الحادث عن العلة القديمة وهذا ممتنع فإن تلك العلة إما أن تكون دائما علة لحدوثه فيلزم أن يكون المحدث غير محدث بل دائما وإما أن تكون حال كونه علة لحدوثه ثم حدوث كونها علة لحدوثه هو أمر حادث والقول فيه كالقول الأول فلا بد أن تكون له علة حادثة فهذه حوادث في آن واحد لأن علية العلة يجب أن تكون مع المعلول.
وأما الجواب الذي ذكره فمقصوده به أنه لولا الحركة لكان هذا الاعتراض لازما فإن الحركة تحدث بلا ثبات أو تثبت على سبيل الحدوث والتجدد على الاتصال فلزم بها انتهاء العلل المحدثة والمثبتة إلى علل أخر في زمان آخر.
ومضمون هذا أن كون الشيء علة لحدوث شيء أو لثباته وإن كان حادثا فيسبب حدوثه الحركة المتصلة والحركة المتصلة تحدث عللا أخر في زمان آخر لتلك الكليات فلا تزال العلة باقية بهذا السبب.

فيقال: هذا الجواب باطل من وجهين: أحدهما: أن الكلام في حدوث هذه الحركة الحادثة كالكلام في حدوث غيرها سواء كانت طبيعية أو قسرية أو إرادية لا سيما وهم يقولون هي إرادية.
وقد قال بعد هذا: "وأما الحركة الإرادية فإن عللها أمور إرادية ثابتة واحدة كأنها كلية تنحو نحو الغرض الذي يحصل من التصور أولا فهو محفوظ بعينه ثابت وإرادة بعد إرادة بحيث يتصور بعد بعد بعد وأين بعد أين معين كحركة بعد حركة ويكون كل ذلك على سبيل التجدد لا على سبيل الثبات ويكون هناك شيء واحد ثابت دائما وهو الإرادة الثابتة ها هنا الكلية كما كانت الطبيعة في الطبيعة وأشياء تتجدد وهي تصورات جزئية وإرادات مختلفة كما يكون في الطبيعة اختلافات مقادير القرب والبعد ويكون جميعها على سبيل الحدوث".

قال: "ولولا حدوث أحوال على علة باقية بعضها علة لبعض على الاتصال لما أمكن أن كون حركة فإنه لا يجوز أن يلزم عن علة ثابتة أمر غير ثابت".
قال: "وأنت تعلم من هذا أن العقل المجرد لا يكون مبدأ جزء الحركة بل يحتاج إلى قوة أخرى من شأنها أن تتجدد فيها الإرادة وتحيل الأينات الجزئية وهذا يسمى النفس وأن العقل المجرد إذا كان مبدأ الحركة فيجب أن يكون مبدءا آمرا متمثلا أو متشوقا أو شيئا مما أشبه هذا فأما مباشر للتحريك فكلا بل يجب أن يباشر التحريك بالإرادة ما من شأنه أن يتغير بوجه ما فيحدث منه إرادة بعد إرادة على الاتصال وقد أشار المعلم الأول في كلامه في النفس إلى أصل ينتفع به في هذا المعنى إذ قال إن لذلك أي العقل النظري الحكم العقلي وأما لهذا فالأفعال الجزئية

والتعقلات الجزئية أي العقل العملي وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء".
قلت: فقد بين أن العلة الثابتة لا يلزمها أمر غير ثابت وأن الحركة لا تحدث إلا بحدوث تصورات وإرادات جزئية وحينئذ فيقال الكلام في حدوث تلك التصورات الجزئية والإرادات الجزئية التي تحدث عنها الحركة كالقول في حدوث الحركة وليس فوقها عندكم إلا أمر ثابت لا يحدث والأمر الثابت لا يلزم أن يحدث عنه أمر غير ثابت ولا يلزم الثابت أمر غير ثابت وهذا يلزم منه أن لا يكون للحوادث محدث أصلا أو لا يكون تمام علة حدوثها حاصلة بل تحدث حوادث متصلة من إرادات وتصورات وليس هناك إلا أمر ثابت والثابت لا يلزم عنه أمر غير ثابت.
فهذا مما يبين بطلان قولهم ومن وجه آخر هو أنه إذا كانت العلة الثابتة لا يلزم عنها أمر غير ثابت فواجب الوجود عندكم علة ثابتة فلا يلزم عنها أمر غير ثابت بل أمر ثابت وإذا كان هذا الذي يلزم عنها فلا يلزم عنه إلا ثابت فالمعقول ثابت والنفس في ذاتها ثابتة فلا يلزم عن ذلك إلا أمر ثابت والتصورات والإرادات المتعاقبة والحركة الحادثة عنها أمر غير ثابت وليس هناك علة لا علة ثابتة ولا علة غير ثابتة.

وهذا تصريح بأن الحوادث تحدث بلا علة وأين تقريره من أن الحوادث بعد الحدوث لا بد لها من علة لثباتها وقد أنكر على من قال يكفيها علة الحدوث وقوله يستلزم أن لا تكون للحوادث علة لحدوثها ولا لثباتها.
ومما يبين هذا انه قد ذكر عن المعلم الأول كلاما ارتضاه وهو قوله إن للعقل النظري الحكم العقلي وأما العقل العملي فله الأفعال الجزئية والتعقلات الجزئية.
قال: "وليس هذا في إرادتنا فقط بل وفي الإرادة التي تحدث عنها حركة السماء" وإذا كان كذلك فمعلوم أن أعمالنا الحادثة بإراداتنا الجزئية وتعقلاتنا الجزئية لا تحصل إلا بسبب يقتضي ذلك وإلا فمجرد العقل الكلي لا يوجب ذلك لكن هم يقولون إن سبب تغيرات تصوراتنا وإراداتنا هي سبب لحدوث الحوادث مطلقا وهو الحركة الفلكية ولم يتكلم هنا في سبب حدوث الحركة الفلكية المقتضية لتغيرنا إذ لم يكن هناك إلا شيء ثابت دائم إلا عقل كلي وإرادة ثابتة واحدة كلية فأين سبب حدوث هذه الإرادات والتعقلات المتعاقبة التي هي سبب حدوث الحوادث كلها في السموات والأرض؟ وأيضا فقد قال بعد ذلك: "فقد بان إذاً أن شيئا ثباته على

سبيل الحدوث وهو الحركة وأن له علة إنما تكون علة بالفعل لتجدد بعد تجدد يعرض من حالها على الاتصال أو يكون لها ذات باقية متغيرة الأحوال ولولا أنها متغيرة الأحوال لم يحدث عنها تغير ولولا أنها دائمة باقية لم يحدث عنها اتصال التغير وعلى أنه لا بد للتغير من حامل باق سواء كان تغير المؤثر حين يؤثر أو تغير المتأثر فقد انكشفت الشبهة المسئول عنها إذ ظهر أن علل إثبات الحادثات تنتهي إلى علل أولى لها ثابتة الذوات متبدلة الأحوال تبدلا يكون سبب كل ما تجدد وتلك الذات الثابتة مع الحال المعلولة لتلك الذات بسبب أمر آخر مؤد إلى الحال الثابتة التي تصير الذات بها علة لما تجدد ثانيا".

فيقال لهذا: فهذا يقتضي أن العلل الأولى متبدلة الأحوال وتبدل أحوالها هو من الأمور الحادثة فلا بد من بيان سبب حدوثه وإلا فالعلل الثابتة لا يصدر عنها أمور غير ثابتة فهذا أحد الوجهين: الوجه الثاني: أن يقال هب أن الحركة سببها أحوال حادثة لهذه الذات لكن العلة يجب أن تكون مع المعلول فإذا كان المعلول ثابتا وجب أن تكون علته ثابتة والحركة منقضية والأحوال التي عنها الحركة وهي التصورات الجزئية والإرادات الجزئية منقضية لا يثبت منها شيء فيجب كما كان معلولها حادثا لا قديما أن يكون أيضا زائلا بزوالها لا ثابتا.
وإن قلت بإثبات علية بأمر حادث غير ذلك الأمر الأول.
قيل: الحادث الحركة المتوالية كما لا تكون ثابتة لا يكون علتها ولا معلولها ثابتا فكما أن الثابت لا يلزم عنه غير ثابت فغير الثابت لا يلزم عنه ثابت بل المعلول مساو للعلة في الثبات وعدم الثبات.
فالقوم كما أنهم أثبتوا حوادث لا تحدث أصلا فأثبتوا ثبوت ثابتات بلا مثبت أصلا فحقيقة قولهم إنه ليس للحوادث محدث ولا للباقيات مبق وهو إنكار المبدع للممكنات وللحوادث فهذا اللازم مذهب القوم لا محيد عنه.

فإن قيل: هم يقولون إن تلك الأحوال لها محرك أول فهذا هم متفقون عليه كما ذكره أرسطو وأتباعه.
وقد ذكره ابن سينا فقال: "فصل في أن المحرك الأول كيف يحرك وأنه محرك على سبيل الشوق" قال: "والذي يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد واشتياق فهو الغاية والغرض الذي إليه ينحو المتحرك هو المعشوق والمعشوق بما هو معشوق هو الخير عند العاشق".
قال: "ولا بد أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته ليس من شأنه أن ينال وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار الإمكان".
قال: "والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل حال تكون للشيء دائما ولم يكن هذا ممكنا للجرم السماوي

بالعدد فحفظ بالنوع والتعاقب فصارت الحركة حافظة لما يمكن من هذا الكمال ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن ومبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه ويتبع ذلك من الأحوال والمستفاد من المقادير الفائقة ما يتشبه فيه بالأول من حيث هو مفيض الخيرات لا أن يكون المقصود تلك الأشياء فتكون الحركة لأجل تلك الأشياء بل أن يكون المقصود هو التشبه بالأول بقدر الإمكان في أن يكون على أكمل الأمور في نفسه وفيما يتبعه من حيث هو تشبه بالأول لا من حيث هو يصدر عنه أمور

بعده فتكون الحركة لأجل ذلك المقصود الأول والتشبه به وتعقل ذاته في كمالها الأبدي وذلك يوجب البقاء الأبدي على أكمل ما يكون لجوهر الشيء في أحواله ولوازمه".
إلى أن قال: "فعلى هذا النحو يحرك المبدأ الأول جرم السماء".
قال: "وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا أن المعلم الأول إذا قال إن الفلك متحرك بطبعه فماذا يعني أو قال إنه متحرك بالنفس فماذا يعني أو قال إنه متحرك بقوة غير متناهية يحرك كما يحرك المعشوق فماذا يعني وأنه ليس في أقواله تناقض ولا اختلاف".
قلت: فهذا الذي قالوه يقتضي أن الأول إنما يحرك الأفلاك الحركة الإرادية الشوقية كما يحرك المعشوق لعاشقه تحريك المتشبه به لا لأنه محبوب معبود لذاته ومعلوم أن هذا غايته أنه تحريك من جهة كونه محبوبا مرادا لا من جهة كونه فاعلا ومبدعا وهذا كتحريك الطعام للآكل

والشراب للشارب وكتحريك حسن المرأة لزوجها حتى يجامعها وتحريك الروائح الطيبة للشام حتى يشمها وتحريك كل شائق مطلوب مراد لمن طلبه وأراده واشتاق إليه وكل محبوب لمن أحبه.
ومعلوم أن المطلوب المحبوب المراد ليس هو الفاعل المحدث لنفس القوة التي بها يشتهي ولا لنفس الشهوة ولكن وجوده سبب في أن هذا المريد أراد ذلك وفعله وهو سبب غائي لا سبب فاعلي والسبب الغائي هو سابق في التصور والقصد من غير أن يكون له وجود في الخارج وفي الحقيقة فإنما يحرك المحب العاشق الطالب ما في نفسه من تصور المطلوب وقصده ولهذا يكون قبل وجود المطلوب في الخارج بل إذا كانت ذات المحبوب تراد لفعل يتعلق بها كأكل الطعام وشرب الشراب والمتعة بالمرأة نظرا ومباشرة وجماعا ونحو ذلك فالمطلوب بهذه الأفعال هي العلة الغائية فكيف إذا كان المطلوب هو التشبه بالمحبوب لا فعل يتعلق به فليس هو هنا فاعلا شيئا من التصورات والإرادات الحادثة في نفس المحب ولا لشي من أفعاله التي يتشبه فيها بالمحب فقد تبين أن الذي قالوه لو كان صحيحا لم يكن فيه إثبات فاعل لشيء من الحوادث لا العلوية ولا السفلية بل ولا إثبات مبدع لشيء من الممكنات.
وأيضا فالمعلم الأول وأتباعه لم يثبتوا أن الفلك ممكن بذاته واجب بغيره ولا أنه معلول علة مبدعه وإنما جعلوا علة حركته وجود الأول

الذي يتشبه به وإنما تكلم في الوجود والواجب والممكن وما يتبع ذلك ابن سينا الذي اشتق ذلك من كلام المتكلمين من المسلمين.
وحينئذ فيقال لهؤلاء: هذا الفلك الذي يتحرك هذه الحركة الشوقية إما أن يكون ممكنا بذاته مفتقرا إلى مبدع يبدعه وإما أن يكون واجبا بذاته فإن كان الأول لزم أن يكون مبدعه يحركه وإن من أبدع ذاته فهو على إبداع حركاته أقدر وحينئذ فليس لكم أن تتكلفوا طريقا في إبداع حركاته فإن حركاته إذا كانت إرادية جاز أن يكون المحرك له ملائكة يحركونه بإرادات فيهم وجاز أن تكون تلك الإرادات عبادات لله لا لأجل التشبه بالله ولا طلب ما لا يدرك فإن كلامهم في مقصود الفلك بحركته يشبه كلام الصبيان إذ كان مقصود الفلك أن يتحرك دائما حركة ليس فيها مقصود إلا إخراج أيون وأوضاع يعلم أنه لا يمكنه إخراجها بمنزلة من تدور طول الزمان حول مكان لأن الكمال أن أتحرك من الأزل إلى الأبد وأنا لا يمكنني ذلك فأدور ما يمكنني من الدوران في هذا المكان فهذا بفعل المجانين أشبه منه بفعل العقلاء.

وإن كان الفلك واجبا بنفسه ليس له مبدع لزم أن يكون واجب الوجود بنفسه مفتقرا إلى علة تحركه لا سيما وقد قالوا إنه لا قوام له إلا بالمحرك الأول وما كان كذلك كان مفتقرا إلى غيره لا واجبا بنفسه فإن الواجب بنفسه لا بد أن يكون غنيا عن غيره فإذا جعلوه واجبا بنفسه مفتقرا إلى غيره فقد جمعوا بين النقيضين وإذا كان مفتقرا إلى غيره لزم أن يكون مربوبا مدبرا فيلزم النوع الأول.
وأيضا فإن كان واجب الوجود لزم أن يجوز على واجب الوجود الحركة باختياره وإذا كان كذلك فقولوا هذا في الأول ولا حاجة إلى هذا.
وأيضا فيلزم أن يكون الواجب الوجود جسما متحيزا تقوم به الحوادث وحينئذ فلا يمتنع أن يكون الأول كذلك.
وأيضا فقد قلتم: إن الثابت لا يلزم عنه أمر غير ثابت والأول ثابت وحركة الفلك غير ثابتة وإرادته وتصوراته غير ثابتة فيجب أن لا تكون لازمة عن الأول فلا يكون الأول علة بحال.
ومما يبين هذا أن يقال: حركة الفلك سواء كانت إرادية أو غير إرادية لا بد لها من علتين علة فاعلة وعلة غائية كسائر الحركات وأنتم لم تثبتوا لها لا علة فاعلة ولا علة غائية فإن ما ذكرتموه من الغاية يمتنع أن يكون مقصود العاقل الذي لا يزال يدور من الأزل إلى الأبد.
وأيضا فيقال: إذا كان الحادث لا بد له من علة حادثة فأن تكون العلة مع المعلول لا يجوز أن تتقدم عليه بدون المعلول ولا أن تتأخر عنه

بدون المعلول فلا توجد إلا معه وحركات الفلك حادثة لزم أن يكون لها علل حادثة تكون معها حادثة والفلك وما فيه معلول لغيره فلا بد لما يحدث فيه من مؤثر منفصل عنه والكلام في ذلك المؤثر كالكلام في غيره فلا بد من إثبات المؤثر الواجب الوجود بنفسه ويمتنع أن يكون تأثيره موقوفا على غيره لئلا يلزم الدور أو التسلسل فيجب أن يكون هو المحدث لهذا كله ويمتنع أن يكون محدثا للحركة اليومية في الأزل لامتناع وجودها في الأزل فكل حركة يومية فإنها لا توجد إلا مقارنة لمؤثرها التام فإذا ليس في الأزل مؤثر تام لشيء من الحركات ويمتنع وجوده في الأزل معها وبدونها فيمتنع كونه أزليا على التقديرين.
أما قدمه معها فلا يكون قديما مع مجموعها ولا مع حركة يومية بعينها لامتناع كون هذا أزليا ولا مع حركة بعد حركة.
أما أولا فلأن المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان ولا يعقل ذلك في شاهد ولا غائب سواء قيل إنه فاعل بمشيئته أو فاعل بغير مشيئته فكيف إذا كان فاعلا بمشيئته؟! فقوله: الفاعل إن كان موجبا بذاته جاز أن يقارنه مفعوله خطأ مخالف لما عليه جماهير عقلاء بني آدم من الأولين والآخرين من أهل الملل والفلاسفة وإنما قال هذا شرذمة من الفلاسفة وإنما يعقل هذا في مستلزم ليس بفاعل كالذات المستلزمة للصفات وأما المفعول فلا يكون مقارنا للفاعل ألبتة كما قد بسط في موضع آخر.

وأما ثانيا: فلأنه إذا قدر قديما مفعولا فإن المقتضي له في الأزل لا بد أن يكون مؤثرا تاما له في الأزل مستلزما له بذاته في الأزل إذ لولا ذلك لم يكن أزليا لامتناع وجود قديم إلا بنفسه أو بموجب لقدمه والمقتضي لقدمه الذي هو مؤثر تام فيه لا يجوز أن يفعل ما هو متحرك دائما لأن المعلول يجب أن يناسب العلة فيمتنع وجود ما لم يزل متحركا عما لا حركة فيه بحال لأن نسبته إلى كل جزء من الحركات واحد في جميع الأوقات فتخصيص بعض الأوقات ببعضها دون بعض مع كون الموجب على حال واحدة في جميع الأوقات ممتنع وإن جوز هذا جاز أن يصدر عنه الفعل بعد أن لم يكن صادرا عنه ولأن العالم يشتمل على أنواع مختلفة فصدورها عن واجب بسيط ممتنع سواء قيل هي حادثة بواسطة أو بغير واسطة إذ الواسطة إن كان واحدا لزم أن يصدر عنه مختلف وإن لم يكن واحدا فقد صدر عن البسيط ما هو مختلف.
وقول القائل: إنه أبدع الثاني بتوسط الأول لا يدفع هذا فإنه إذا قيل صدرا عنه معا لزم صدور المختلف المتعدد وإن كان أحدهما شرطا في الآخر وإن قيل بل أحدهما صدر عن الآخر لزم صدور المختلف عن البسيط ضرورة.
وأيضا فالفلك الثاني مكوكب كثير الكواكب ففيه أمور كثيرة مختلفة وليس فوقه إلا ما هو بسيط عندهم يمتنع أن تصدر عنه المختلفات فكيفما قدروا ظهر ضلالهم.
وإن قالوا: فالرب تقوم به الحوادث كما يقوله كثير من أساطينهم

قيل: فعلى هذا يكون القول بقدم العالم أبعد فإنه يمكن حدوثه على هذا التقدير.
وأيضا فالذات هنا إنما تفعل بواسطة لا بقدرتها والفعل لا يكون إلا حادثا فيمتنع أن يكون مفعوله قديما فإن المفعول لا يتعدد فعله فلو كان المفعول قديما لزم أن يكون قبل فعله وهو ممتنع.
فإن قيل: فعلى هذا القول تكون الذات مستلزمة لما يقوم بها شيئا بعد شيء فكذلك القول في حوادث الفلك.
قيل: الفرق بينهما أن الذات واجبة الوجود بنفسها ما هي عليه من الصفات والأحوال لا يقف شيء من ذلك عليه فإذا قيل إنها مقتضية للثاني بشرط انقضاء الأول لم يمتنع بخلاف المعلول الممكن الذي ليس له من نفسه شيء فإنه مفتقر في نفسه وصفاته وأحواله إلى غيره وغيره هو الخالق لذلك كله فإذا قدر الخالق واحدا بسيطا لا تقوم به صفة ولا فعل امتنع أن تكون ذاته علة للأمور المتغيرة المتكثرة أعظم مما يمتنع أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا إذ العلة إن لم يكن فيها تغير ولا تكثر امتنع وجود ذلك في المعلول كما أنها إذا كان فيها تغير وتكثر امتنع أن يكون المعلول واحدا بسيطا لما بين المعلول والعلة من المناسبة.
ولهذا قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهو صحيح ولكن تقديرهم الأول بسيط لا يصدر عنه فعل تقدير باطل وكذلك

تقديرهم أنه صدر عنه واحد بسيط تقدير باطل فلهذا كثر التناقض والخطأ في أقوالهم وكثر رد الناس عليهم وتجهيلهم لهم في الإلهيات ومتى سلموا ما سلمه الأساطين الأول بحدوث الصفات والأفعال فإن امتناع مقارنة شيء من المفعولات له أزلا وأبدا أظهر منه على التقدير الأول فيمتنع على التقديرين أن يكون حين اقتضائه إياه مؤثرا في حركة بعد حركة بل لما تقدم من أن المؤثر في الحركة يجب أن يقارنها لا يتقدم عليها فالمؤثر التام فيه يجب أن يقارنه فيكون قديما والمؤثر التام في حركة بعد حركة حين تأثيره فيه وقبل تأثيره فيه وبعد تأثيره أما قبله فممتنع فإن القديم ليس قبله شيء وأما بعده فممتنع لأنه حينئذ يلزم أنه حين قدمه لم تكن فيه حركة.
والتقدير أنه مستلزم للحركة ولأنه يستلزم أن يكون المؤثر الأول صار مؤثرا بعد أن لم يكن بدون سبب أوجب ذلك وهذا ممتنع لأن غيره لا يؤثر فيه وأما مع تأثيره فيه فممتنع أيضا لأنه حينئذ على هذا التقدير لا يكون مؤثرا إلا في حادث بعد حادث بل يكون تأثيره في كل حادث بعد تأثيره في الحادث الآخر مع أنه على حال واحدة مع جميع الحوادث.
ووجود الفلك مع جميع حوادثه فممتنع لأنه قد صارت فيه الحوادث فلو حدثت بعد أن لم تكن لافتقرت إلى محدث يحدثها وذلك يقتضي أن المحدث لها حدث أو حدث إحداثه لها في حين إحداثها

لأن المعلول لا تتقدم عليه علته والقول في حدوث إحداث الإحداث كالقول في حدوث الإحداث وهلم جرا وذلك يستلزم تسلسل علل حادثة في آن واحد ليس فيها علة واجبة وذلك ممتنع فامتنع أن تكون فيه الحوادث بعد أن لم تكن وهم يسلمون ذلك وامتنع أن لا تزال فيه لامتناع موجب لها فامتنع أن تكون علة موجبة لفلك مع حوادثه بدون حوادثه وهو المطلوب.
وأيضا فيقال لابن سينا وأتباعه إنكم عدلتم عن طريقة سلفكم في إثبات العلة الأولى عن طريقة الحركة إلى طريق الوجود وقلتم نحن نبين أن وجود الواجب بنفس الوجود لا يفتقر إلى إثباته بالحركة ثم في آخر الأمر أثبتم العلة الأولى بالحركة حركة الفلك كما أثبتها قدماؤكم فإن كانت هذه الطريق صحيحة فلا تعاب ولا يعدل عنها وإن كانت باطلة فلا تسلك.
وإن قيل: هي صحيحة وتلك صحيحة.
قيل: لا يحصل المراد لا بهذه ولا هذه فإن هذه إنما تثبت علة غائية وليس فيها إثبات مبدع للعالم وطريقة الوجود إنما فيها إثبات موجود واجب لا يتعين أن يكون هو الأول الذي يحرك الفلك بل ولا فيها إثبات مغايرته للفلك بل ولا إثبات لوجوده مباينا للعالم إن لم يضموا إلى ذلك طريقة نفي الصفات بنفي ما سموه تركيبا وذلك باطل على ما قد بسط في موضعه وهو باطل أيضا وإن قدر نفي الصفات لأن ذلك

يستلزم بسيطا لا صفة له ولا فعل وذلك يمتنع أن تصدر عنه الأمور البسيطة ا 4 لمتغيرة وأيضا تمتنع مقارنة المفعول للفاعل.
وإن قلتم بمجموع الأمرين يحصل المقصود.
قيل: ولا يحصل بمجموع الطريقين أيضا لأن الوجود الواجب الذي أثبتموه لا حقيقة له في الخارج فضلا عن أن يكون هو الأول ولا في أدلتكم الصحيحة ما يمنع أن يكون هو الأول والذي أثبته أولئك لا يقتضي أن الفلك ليس بواجب الوجود بنفسه وهذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا أنه من نفس كلامهم يتبين نقيض مطلوبهم والله أعلم.
واعلم أن حقيقة قول هؤلاء القوم في أفعال السموات شر من قول القدرية في أفعال الحيوانات ومن أقوال الطبائعية في الطبيعيات مع فساد قول الطائفتين وذلك أن القدرية يقولون إن الله خالق الحيوان وخالق قدرته التي يقدر بها على الخير والشر لكنه يرجح أحدهما باختياره الذي أنشأه من غير أن يحدث ذلك أحد وهو إنما يختار هذا على هذا لحبه إياه فالأمور التي يحبها هي محركة له كما جعل هؤلاء الأول محركا للفلك وهؤلاء جعلوا حركة الفلك اختيارية وتصوراته التي أحدثها هو من غير أن يحدث ذلك أحد لكن لم يثبتوا أن الفلك وقوته من خلق

الخالق كما نفى ذلك القدرية في الحيوان وأما الطبائعية فإنهم يثبتون في الأجسام الطبيعية قوة هي مبدأ الحركة ولكن يجعلون فوقها أمرا آخر أحدثها ويثبتون حدوث الأسباب مع حدوث المسببات وهؤلاء يجعلون الحركة الفلكية متجددة دائما من غير حدوث أمر يقتضي حدوثها وقولهم شر من قول المجوس الذين قالوا بالأصلين اللذين أحدهما يحدث الخير والآخر يحدث الشر سواء قالوا إن فاعل الشر قديم أو محدث وذلك لأن المجوس جعلوا الخير الحادث من الإله القديم الفاعل للخير وهؤلاء لم يثبتوا أن الله أحدث شيئا لا خيرا ولا شرا فإنه لا موجب للحوادث عندهم إلا حركة الأفلاك والأفلاك تتحرك بما يحدثه من التصورات والإرادات من غير أن يكون الله فاعل شيء من ذلك على قولهم.
وأيضا فالمجوس إما أن يجعلوا فاعل الشر قديما آخر فيكونوا قد أخرجوا بعض الحوادث عن خلق الرب وإما أن يكونوا قد جعلوه حادثا فيكونون فيه كالقدرية وقول القدرية خير من قول هؤلاء وقد علم أن كل حادث فلا بد له من محدث وأن كون الحيوان صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا لا بد له من مرجح ومحدث وإلا لو كان حاله وهو فاعل كحاله حين ليس بفاعل لزم الترجيح بلا مرجح فلا بد أن يحدث له عند الفعل ما به يصير فاعلا وذلك الحادث إن كان منه فالقول فيه كالقول في الأول وكالقول في سائر الحوادث وذلك يستلزم حدوث الحادث بلا

محدث وهو ممتنع وإن قيل بالتسلسل لزم تسلسل المؤثرات وهو ممتنع فلا بد أن ننتهي إلى الخالق.
وهذا مما يسلمه الفلاسفة ويحتجون به على المعتزلة فهي حجة عليهم هنا وهو أن يقال كون الفلك متحركا لا بد له من محدث لحركته ونفس التشبه به لا يوجب إحداثا للحركة فيجب أن يكون هو المحدث لها ويمتنع أن يكون محدثا للشيء قبل حدوثه فيجب أن يكون محدثا لكل جزء جزء من الحركة عند حدوثه والفلك مستلزم للحوادث فلا بد له في كل آن من يحدث الحادث فيه ويمتنع في القدم إحداث حادث فيه فيمتنع قدمه لأن القدم لا يكون فيه حادث معين ولا جملة الحوادث بل القدم يتضمن أنه دائم بدوام موجبه فيلزم أن يكون موجبه موجبا لحوادثه شيئا بعد شيء والموجب بذاته المستلزم لمعلوله لا يوجب شيئا بعد شيء بل يكون موجبه لازما له دائما ولأن ذلك يستلزم وجود يتغير يقتضي لزوم ما يتغير بما لا يتغير وكونه مفعولا له وهو ممتنع.
وأيضا فإذا كانت حركات الأفلاك اختيارية ولا موجب للحوادث إلا هي لزم أن يكون المدبر للعالم أربابا متعددة كل منها حي قادر مريد وقدماؤهم يسمونها الآلهة والأرباب وهذا ممتنع لأن الاثنين إذا اشترطا فإما أن يجب اتفاقهما أو يجوز اختلافهما فإن وجب اتفاقهما بحيث لا يجوز أن يريد أحدهما إلا ما يريد الآخر ولا يقدر أن يريد ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله فقدرتهما إما أن تكون من غيرهما وإما أن تكون منهما

فإن كانت منهما لزم أن لا يكون كل واحد منهما قادرا إلا بإقدار الآخر له وذلك دور ممتنع فلا يكون واحد منهما قادرا وإن كانت قدرتهما من غيرهما فهما لا يقدران على الإرادة والفعل إلا بإقدار من فوقهما لهما وذلك يستلزم أن يكون فوق الأفلاك من يجعلها قادرة فاعلة وذلك هو ربها فثبت بذلك كون الأفلاك مربوبة وحينئذ يمتنع قدمها كما تقدم.
وإن جاز اختلافهما لزم تمانعهما والتمانع يقتضي عجز كل من المتمانعين وأن فعله مشروط بتمكين الآخر له وحينئذ فالعاجز لا يحدث الحوادث بل فوقه قادر يدبره فيلزم أن لا يحدث في العالم حادث عنهما فثبت على كل تقدير أن الأفلاك ليست هي نفسها محدثة للحوادث فبطل قول من يجعلها هي المحدثة لحوادث العالم ويجعلها أربابا آلهة.
وأيضا فكل من المخلوقات له وحدة تخصه كالإنسان الواحد والفرس الواحد والشجرة الواحدة ولا يجوز أن يكون المحدث له اثنين فصاعدا لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل التعاون.
أما الأول فمتناقض ممتنع من نفسه فإن استقلال أحدهما يناقض مشاركة الآخر فضلا عن استقلاله.
وأما الثاني فلأن المتشاركين في عمل الأبدان يتميز كل واحد منهما عن عمل الآخر فأما الواحد فيمتنع أن يكون بين اثنين ألا ترى أن البنائين والخياطين والحايكين والكاتبين والحارثين وحاملي الخشبة وكل متشاركين لا بد أن يتميز فعل كل واحد منهما عن فعل الآخر كما قال تعالى: ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (سورة المؤمنون 91).

وإذا كان الواحد لا يتميز فيه فعل واحد عن فعل آخر امتنع أن يكون مشتركا بين اثنين بل كان خالقه واحدا فمن لم يجعل حدوثه إلا للأفلاك والكواكب المتحركة ونحو ذلك كان قوله باطلا.
وأيضا فقولهم إن العقل الفعال أفاض صور العالم إذا استعدت.
يقال لهم: هذا الذي فاض عنها جوهر او عرض فإن كان عرضا كفيضان الشعاع عن الشمس والضوء عن السراج ونحو ذلك فالمحدثات الحيوان والنبات والمعدن وروح الإنسان جواهر لا أعراض وإن كان الفائض جوهرا قائما بنفسه فهذا إنما يعرف إذا انفصل من الأول شيء كالماء الفائض ونحو ذلك ولكن قد يكون سببا لحدوث شيء آخر.
ومعلوم أن الأجسام تختلط ويمتزج بعضها ويستحيل من حال إلى حال وتلك الحركة عندهم من تحريك الفلك وحدوث الامتزاج الحاصل بالاستحالة تابع لحركة الأجسام لا يتميز أحدهما عن الآخر فلا يكون فاعل هذا غير فاعل هذا حتى يقال التحريك بالأفلاك والامتزاج من العقل الفعال بل فاعل التحريك والخلط هو فاعل المزج والاختلاط وهذا مستلزم لهذا وفعل الملزوم بدون اللازم محال.
وهؤلاء يقولون: الأفلاك إذا تحركت تحركت العناصر فامتزجت فتستعد لقبول الصور التي تفيض عليها من العقل الفعال وهذا كلام لا حقيقة له وذلك أنه إذا نزل الماء على التراب فصار طينا فالذي خلط هذا بهذا هو الذي جعل ذلك طينا ولا يجوز أن يكون هذا غير هذا لأنهما لا يختلطان إلا ويصيرا طينا وفعل الملزوم بدون اللازم ممتنع

فلو قيل إن فاعل الاختلاط غير جاعلهما طينا لقيل إن فاعلا فعل الملزوم بدون لازمه الذي لا يمكن وجوده بدونه وذلك ممتنع.
ويوضح ذلك أنا إذا قدرنا فاعلين ليس أحدهما ملازما للآخر أمكن وجود هذا أو فعله بدون هذا وفعله فيلزم وجود الاختلاط بدون الطين أو الطين بدون الاختلاط وذلك ممتنع وإن جعلا متلازمين امتنع كون كل منهما واجب الوجود بنفسه واستغناؤه عن غيره ولزم افتقار كل منهما إلى غيره وأن لا يوجد إلا بوجود ذلك الغير وحينئذ فيجب أن يكون لهما فاعل مباين لهما وإلا لزم الدور الممتنع وهو الدور في المؤثرات وهو الدور القبلي لأنه يلزم كون هذا مؤثرا في وجود هذا فلا يوجد إلا به وهذا مؤثر في وجود هذا فلا يوجد إلا به.
وأما الدور المعي الاقتراني فذاك إنما يكون في الآثار كالأبوة مع البنوة وكلاهما أمر الإيلاد وأما المؤثرات وشروط التأثير فيمتنع أن يكون الشيئان كل منهما مؤثرا في الآخر أو شرطا في تأثير الآخر فإذا كان شيئان واجبان بأنفسهما كل منهما له تأثير في وجود الآخر بحيث يكون شرطا في وجوده لزم أن لا يوجد واحد منهما حتى يوجد شرط وجوده والتقدير أنه ليس هناك غيرهما ليكون هو الموجد لشرط الوجود بل هذا هو شرط وجود هذا وهذا شرط وجود هذا فلا يوجد واحد منهما وهذا مما يبين أن ليس في العالم ما هو واجب الوجود بنفسه بل الواجب هو واحد مباين للعالم.
يوضح هذا أن وجود كل منهما مفتقر إلى إيجاد الآخر فإن هذا من باب الدور القبلي لأن الموجد قبل الإيجاد لم يكن من باب الدور المعي والدور المعي لا يكون إلا في مفعولين أو في الأمور المتلازمة التي لا تفتقر إلى فاعل لصفات الباري تعالى.

وأيضا فإن قوله بنفي الصفات في غاية الفساد واعتبر ذلك بقول فاضلهم ابن سينا فإن ما في كلامه من المستقيم أخذه من المسلمين وما فيه من ضلال فمن أصحابه أو منه وربما قرنه بما يأخذه من كلام المعتزلة وقولهم أيضا بنفي الصفات باطل فإنه أثبت علمه للأشياء بأنه مبدأ فيعقل نفسه ولوازم نفسه إذ العلم بالملزوم يستلزم العلم باللازم.
وهذه الطريقة إذا بينت على وجهها فهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (سورة الملك 14) ليس من كلام أئمته ولا عند أرسطو من ذلك خبر بل أرسطو نفي علمه بالأشياء مطلقا وأما كلامه في نفي الصفات فإنه قال في النجاة: "فصل في تحقيق وحدانية الأول بأن علمه لا يخالف قدرته وإرادته وحياته في المفهوم بل ذلك كله واحد لا يتجزأ لأجل هذه الصفات ذات الواحد المحقق فالأول يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل أنه كيف يكون بذلك النظام لا يعقله وهو مستفيض كائن موجود وكل معلوم الكون وجهة الكون عن مبدئه عنده مبدؤه وهو خير غير مناف وهو تابع الخيرية ذات المبدأ وكمالها المعشوقين لذاتهما فذلك الشيء مراد لكن ليس مراد الأول على نحو مرادنا حتى يكون له فيما يكون

عنه غرض بل هو لذاته مريد هذا النحو من الإرادة العقلية المختصة وحياته هذا بعينه فإن الحياة التي عندنا تكمل بإدراك فعل هذا التحريك ينبعثان عن قوتين مختلفتين وقد قدم أن نفس مدركه وهو ما يعقله عن الكل هو سبب الكل وهو بعينه مبدأ فعله وذلك إيجاد الكل فمعنى الحياة منه وأخذه منه هو إدراك وسبيل إلى الإيجاد فالحياة منه ليس مما يفتقر إلى قوتين مختلفتين ولا الحياة منه غير العلم".
قال: "وكذلك القدرة التي له هي كون ذاته عاقلة للكل عقلا هو مبدأ للكل لا مأخوذا عن الكل".
فيقال: هذا الكلام من أفسد ما يعقل العقلاء بطلانه وإن كان هذا التلخيص الذي لخصه ابن سينا لم يصل إليه أحد من سلفه الفلاسفة بل هم أجهل من أن يصلوا إلى هذا.
وذلك أن يقال: أولا ذاته هي نفس أن يعقل النظام أم لا؟ فإن قيل: هو هي لزم أن تكون ذاته هي نفس العلم الذي هو مصدر وصفة ومعنى قائم بغيره والعلم مع العالم هو صفة مع الموصوف كالعرض مع الجوهر ومن

المعلوم أن ذاته قائمة بنفسها وإثبات عقل لها ليس هو إياها.
وأيضا فذاته هي نظام الخير أم لا والأول ممتنع لأن ذاته ليست هي النظام الموجود في الممكنات ولأنه قد فرق بين ذاته وبين النظام فهذا معلوم وذاته عالمة فقد ثبت بهذا أن العالم ليس هو العلم ولا المعلوم وهذا يبطل قولهم.
وأيضا فهذا النظام الموجود في الكل هو واجب بنفسه أو ممكن؟ فالأول يوجب أن يكون الممكن هو الواجب والمبدع هو المبدع وأما الثاني فإذا كان النظام ممكنا فالموجب له ذاته أم علمه به أم مجموعهما؟ فإن كان الأول فلا حاجة إلى علمه بالنظام فتبقى ذات مجردة عن العلم وإن كان الثاني فذاته موجبة للعلم والعلم موجب للنظام فهذا ذات وعلم وهذا ينقض قوله وكذلك إذا قال المجموع.
وأيضا فنفس العلم بنفس النظام من أين صار وحده مقتضيا للنظام ومجرد العلم لا يوجب المعلوم في صورة من الصور لا في العلم النظري ولا العملي أما النظري فظاهر وأما العملي فالعلم شرط في العمل لا أنه موجب للعمل بنفسه وإلا لكان كل من تصور شيئا مما يراد يصير موجودا بنفس تصوره.
وإذا قيل: إن العلم ينقسم إلى فعل وانفعال فالعلم الفعلي غايته أن يكون شرطا في الفعل لا أنه موجب للفعل فكون العلم وحده هو الموجب للنظام قضية لم يذكر عليها دليلا بل ادعاها دعوى مجردة وإذا تصورت علم أنها فاسدة بالضرورة.

وأيضا فعلمه بالنظام الذي أبدعه تابع للنظام إذ لو فرض أن المبدع غير ذلك النظام كان العلم أيضا متعلقا به فيجب أن يكون سبب إبداع النظام غير العلم.
وأيضا فالعلم من شأنه أن يطابق المعلوم أي معلوم كان فلا فرق بالنسبة إلى العلم بين نظام ونظام إن لم يكن هناك سبب يقتضي تخصيص ذلك النظام دون غيره.
وأيضا فيقال: كون ذلك النظام هو النظام الأصلح أمر وجب له بنفسه أم استفاده من مبدعه؟ والأول ممتنع فتعين الثاني وإذا كان إنما استفاده من مبدعه فالموجب له ذات المبدع لا علمه بما في النظام من المصلحة إذ علمه بأن هذا نظام الخير لا يكون علما حتى يكون المعلوم نظام الخير فلا يكون العلم هو الذي جعله نظام الخير وهو في نفسه لم يكن نظام الخير بذاته لأنه يلزم أن يكون واجب الوجود فيلزم أن يكون إنما صار نظام الخير بمبدعه لا بذاته ولا بمجرد العلم وحينئذ فإذا لم يمكن صار نظام الخير بالعلم امتنع أن يصير موجودا بالعلم بطريق الأولى.
وأيضا فإذا قدر الذات عالمة بنظام الخير وهي لا تريده امتنع أن تفعله وإذا قدر أنها إرادته ولم تقدر عليه امتنع أن تفعله ومجرد العلم لا يجعل العالم قادرا ولا مريدا فتعين أنه لا بد من القدرة ومن الإرادة وليس واحدة منهما هي العلم.
وأيضا فافتقار الفعل إلى كون الفاعل قادرا أعظم من افتقاره إلى

كونه عالما ولهذا يثبتون الأفعال الطبيعية بقوى في الأجسام من غير علم فلو قالوا إنه يفعل بقدرة تغني عن العلم لكان خيرا من قولهم يفعل بعلم يغني عن القدرة مع أن كلاهما باطل وهذا المكان يضيق عن استيفاء بيان فساد كلامهم فإنه كلما ازداد اللبيب له تصورا وتفهما ازداد علما بفساده وتناقضه وبأن القوم من أجهل الناس بالله تعالى.
ولهذا أطبق العقلاء على اضطرابهم في العلم الإلهي حتى ابن سبعين وأمثاله يصرحون بذلك فهذا حال هؤلاء الفلاسفة وصار الذين عارضوهم بالكلام المبتدع المخالف للكتاب والسنة الذين يقولون بأن الرب كان معطلا عن الفعل والكلام أو عن الكلام ثم أحدث الكلام عمدتهم في السمع قوله كان الله ولا شيء 4 معه ليس معهم آية ولا حديث.
ثم إن هذا الحديث يحتج به نفاة الصفات على أن القرآن مخلوق وأن الله لا علم له ولا قدرة لقوله كان الله ولا شيء معه ثم زاد فيه كثير من المتأخرين وهو الآن على ما عليه كان ومنهم من يظن أن هذا من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أن هذا لم يروه أحد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ويحتج طائفة بهذا على أن الله تعالى لم يستو على العرش وأنه ليس فوق العالم بقولهم وهو الآن على ما عليه كان مع أن الناس متفقون على تجرد النسب والإضافات وأنه تعالى بعد أن خلق السموات والأرض تجدد له نسب وإضافات كالمعية والعلو وغير ذلك.

وجاءت الاتحادية القائلون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق يقولون وهو الآن على ما عليه كان ليس معه غيره، فهذه الموجودات ليست أغيارا له ولا تعدد في الوجود ولا ثنوية ويلقنون شيوخهم العباد المشهورين أن يقولوا الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله ويقولون نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه ونحو ذلك من المقالات التي هي أعظم الكفر والإلحاد وهي عند ذاك الشيخ المعظم تحقيق التوحيد ويكتب مضمونه في ورقة ويبعثها إلى المشهورين بالعلم والذين يرقون بها المرضى.
وقد تقدم أن هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في غير موضع فرواه في أول الكتاب في كتاب العلم ولفظه: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" ولفظه في موضع آخر "ولم يكن شيء غيره" وفي موضع ثالث "ولم يكن شيء معه" والحديث واحد وذكر في مجلس واحد فالظاهر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل إلا أحد الألفاظ الثلاثة والآخران رويا بالمعنى واللفظ الثابت عنه بلا ريب هو الذي جاء في حديث آخر "ولا شيء قبله" وإذا قيل ولا شيء معه ولا غيره مع كونه أخبر عن حال كون عرشه على الماء فمراده أنه لا شيء معه من هذا الأمر المسئول عنه وهم سألوه عن أول الأمر وسياق الحديث يدل على أنه

أخبرهم بأول هذا العالم الذي خلق في ستة أيام لم يخبرهم بما قبل ذلك كما أن الله في القرآن إنما أخبر بذلك فالذي جاءت به السنة مطابق لما في القرآن في المستقبل أخبر تعالى بالقيامة والحسنات والجنة والنار ولم يخبر بأن العالم يعدم ويفنى بحيث لا يبقى شيء بل أخبر باستحالة العالم.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (سورة إبراهيم 48) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (سورة الرحمن 37) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ (سورة المعارج 8: 9) وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً﴾ (سورة الواقعة 4-7) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (سورة القارعة 4 5) وقال تعالى: ﴿ذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (سورة التكوير 1 6) وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (سورة الانفطار 1 4) وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ (سورة الانشقاق 1 4) وأمثال هذه النصوص التي تبين الاستحالة والتغير على السموات والأرض والجبال وأنها تستحيل أنواعا من الاستحالة لتعدد الأوقات.

وكذلك أخبر بإحياء الموتى وقيامهم من قبورهم في غير موضع وقرر سبحانه معاد الأبدان بأنواع من التقرير فتارة يخبر بوقوع إحياء الموتى كما أخبر بذلك في سورة البقرة في عدة مواضع في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (سورة البقرة 55) إلى قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة 55-56) وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة 73) وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (سورة البقرة 243) وقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (سورة البقرة 259) وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ الآية (سورة البقرة 260) وذكر إحياء المسيح الموتى وذكر قصة أصحاب الكهف ونومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين والنوم أخو الموت فهذه سبع مواضع.
ومنها إحياء الحيوان البهيم وإبقاء الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير وذكر سبحانه إمكان ذلك بخلق الحيوان وهو الخلق الأول وبخلق النبات وهو نظيره وبخلق السموات والأرض وأن القادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم فالأول بيان للوقوع وهذا بيان للإمكان.

وهؤلاء المتفلسفة المنكرون لمعاد الأبدان ولحدوث الأفلاك عامتهم يقولون إن المعجزات والكرامات قوى نفسانية إما قوة الإدراك والعلم وإما قوة الحركة والعمل فالإدراك هو قوة النفس التي ينال بها العلم فيجعلون ما أخبرت به الرسل وأمرت به كله استفادوه بهذه القوة من غير أن يكون هناك ملائكة هم أحياء ناطقون نزلوا عليهم بوحي ومن غير أن يكون لله كلام تكلم به خارجا عن أنفسهم ومن غير أن يكون هناك رب خلق العالم بقدرته ومشيئته يقدر على تغيير العلويات وتبديل الأرض والسموات.
وكل من فهم حقيقة قولهم وحقيقة ما جاءت به الرسل علم مناقضتهم لهم كما قيل لبعض شيوخنا الفضلاء الذين كانوا يعرفون ذلك ما بين الفلاسفة والأنبياء فقال السيف الأحمر.
بل حقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون لا بالله ولا كتبه ولا ملائكته ولا رسله ولا بالبعث بعد الموت فهم أسوأ حالا من اليهود والنصارى.
والمقصود هنا أن ابن سينا وهؤلاء بنوا أصل دينهم على أن الوجود لا بد له من واجب وأن الواجب يشترط أن يكون واحدا ويعنون بالواحد ما لا صفة له ولا قدر ولا يقوم به فعل لئلا يثبتوا له صفة كالعلم والقدرة فيكون في الوجود واجبان وهذا ضاهوا به المعتزلة حيث قالوا أخص صفات الرب أن يكون قديما فلا تكون له صفة قديمة لئلا يكون في الوجود قديمان وهي عبارة موهمة فيظن الظان أن أهل الإثبات للأسماء والصفات أثبتوا إلهين قديمين وهم إنما أثبتوا إلها واحدا لا إله إلا هو وهو

موصوف بصفاته التي يستحقها وهو سبحانه قديم بصفاته القديمة والصفة القديمة لا يجب أن تكون مثل الموصوف القديم ولا تكون إلها كما أن صفة الإنسان المحدث لا يجب أن تكون مثل الموصوف المحدث ولا تكون إنسانا وكذلك صفة النبي لا يجب أن تكون نبيا.
وكذلك إذا قيل من أثبت الصفات فقد أثبت واجبين وتعدد الواجب ممتنع كان موهما أن المثبتن أثبتوا إلهين واجبين بذاتهما وإنما أثبتوا إلها واحدا واجبا بنفسه له صفات لازمة له واجبة بوجوبه لا يقبل العدم والتعدد الممتنع في الواجب إنما هو تعدد الإله كما أن التعدد الممتنع في القديم إنما هو تعدد الإله القائم بنفسه لأن ذلك هو تعدده.
والمسلمون يقولون كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة البقرة 163) والتوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له وهو متضمن لشيئين: أحدهما القول العلمي: وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص وتنزيهه عن أن يماثله احد في شيء من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله أحد في شيء من الكمال كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (سورة الإخلاص) فالصمدية تثبت له الكمال والأحدية تنفي مماثلة شيء له في ذلك كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع.
والتوحيد العملي الإرادي: أن لا يعبد إلا إياه فلا يدعو إلا إياه

فصول الكتاب · 17 فصل · 340 صفحة
جارٍ التحميل