الروض المربع شرح زاد المستقنعصفحات 100-139
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 100-139
عن هذه الطبعة
عَلَم
البهوتي
الكتاب
الروض المربع شرح زاد المستقنع
المؤلف
منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعديخرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير
الناشر
دار المؤيد - مؤسسة الرسالة
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(وإذا نابه) أي عرض للمصلي (شيء) أي: أمر كاستئذان عليه وسهو إمامه (سبح رجل) ، ولا تبطل إن كثر (وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) وتبطل إن كثر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نابكم شيء في صلاتكم فلتسبح الرجال ولتصفق النساء» متفق عليه من حديث سهل بن سعد، وكره التنبيه بنحنحة وصفير وتصفيقه وتسبيحها لا بقراءة وتهليل وتكبير ونحوه.
(ويبصق) ويقال بالسين والزاي (في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه) ويحك بعضه ببعض إذهابا لصورته، قال أحمد: البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه للخبر.
ويخلق موضعه استحبابا ويلزم حتى غير الباصق إزالته، وكذا المخاط والنخامة، وإن كان في غير مسجد جاز أن يبصق عن يساره، أو تحت قدميه لخبر أبي هريرة: «وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها» ، رواه البخاري وفي ثوبه أولى، ويكره يمنة وأماما، وله رد السلام إشارة والصلاة والسلام عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند قراءته ذكره في نفل.

(وتسن صلاته إلى سترة) حضرا كان أو سفرا ولو لم يخش مارا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» ، رواه أبو داود وابن ماجه من حديث

أبي سعيد (قائمة كمؤخرة الرحل) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من يمر وراء ذلك» ، رواه مسلم، فإن كان في مسجد ونحوه قرب من الجدار وفي فضاء فإلى شيء شاخص من شجر، أو بعير، أو ظهر إنسان، أو عصى؛ «لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى إلى حربة وإلى بعير» ، رواه البخاري ويكفي وضع العصا بين يديه عرضا، ويستحب انحرافه عنها قليلا، (فإن لم يجد شاخصا فإلى خط) كالهلال.
قال في " الشرح ": وكيف ما خط أجزأه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا» ، رواه أحمد، وأبو داود، قال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا.

(وتبطل) الصلاة (بمرور كلب أسود بهيم) أي لا لون فيه سوى السواد إذا مر بين المصلي وسترته، أو بين يديه قريبا في ثلاثة أذرع فأقل من قدميه إن لم تكن سترة وخص الأسود بذلك؛ لأنه شيطان (فقط) أي لا امرأة وحمار وشيطان وغيرها، وسترة الإمام سترة المأموم.

(وله) أي للمصلي (التعوذ عند آية وعيد والسؤال) أي سؤال الرحمة (عند آية رحمة ولو في فرض) لما روى مسلم عن حذيفة، قال: «صليت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة، ثم مضى - إلى أن قال: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ» ، قال أحمد: إذا قرأ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ

عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] في الصلاة وغيرها، قال: سبحانك فبلى في فرض ونفل.

فصل أركان الصلاة وواجباتها

فصل.
[أركان الصلاة] (أركانها) : أي أركان الصلاة أربعة عشر، جمع ركن، وهو جانب الشيء الأقوى، وهو ما كان فيها، ولا يسقط عمدا، ولا سهوا، وسماها بعضهم فروضا والخلف لفظي (القيام) في فرض لقادر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] وحده ما لم يصر راكعا (والتحريمة) أي تكبيرة الإحرام لحديث: «تحريمها التكبير» (و) قراءة (الفاتحة) لحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب» ويتحملها الإمام عن المأموم (والركوع) إجماعا في كل ركعة (والاعتدال عنه) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - داوم على فعله وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولو طوله لم تبطل كالجلوس بين السجدتين ويدخل في الاعتدال الرفع، والمراد إلا ما بعد الركوع الأول والاعتدال عنه في صلاة كسوف (والسجود) إجماعا (على الأعضاء السبعة) لما تقدم (والاعتدال عنه) أي الرفع منه ويغني عنه قوله (والجلوس بين السجدتين) لقول

عائشة: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعدا» ، رواه مسلم (والطمأنينة في) الأفعال (الكل) المذكورة لما سبق، وهي السكون، وإن قل: (والتشهد الأخير وجلسته) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قعد أحدكم في صلاته فليقل: التحيات لله» الخبر متفق عليه.
(والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه) أي في التشهد الأخير لحديث كعب السابق، (والترتيب) بين الأركان؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصليها مرتبة وعلمها المسيء في صلاته مرتبة بثم، (والتسليم) لحديث: «وختامها التسليم» .

[واجبات الصلاة] (وواجباتها) : أي الصلاة ثمانية: (التكبير غير التحريمة) فهي ركن كما تقدم، وغير تكبيرة المسبوق إذا أدرك إمامه راكعا فسنة ويأتي (والتسميع) أي قول الإمام والمنفرد في الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده.
(والتحميد) أي قول: ربنا ولك الحمد، لإمام ومأموم ومنفرد، لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ومحل ما يؤتى به من ذلك للانتقال بين ابتداء وانتهاء، فلو شرع فيه قبل، أو كمله بعد لم يجزئه (وتسبيحات الركوع والسجود) أي قول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود

(وسؤال المغفرة) أي قول رب اغفر لي بين السجدتين (مرة مرة، ويسن) قول ذلك (ثلاثا، و) من الواجبات (التشهد الأول وجلسته) للأمر به في حديث ابن عباس، ويسقط عمن قام إمامه سهوا لوجوب متابعته والمجزئ منه: " التحيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله "، أو عبده ورسوله، وفي التشهد الأخير ذلك مع اللهم صل على محمد بعده.
(وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة) مما تقدم في صفة الصلاة (سنة) . (فمن ترك شرطا لغير عذر) ولو سهوا بطلت صلاته، وإن كان لعذر كمن عدم الماء والتراب، أو السترة، أو حبس بنجسة صحت صلاته كما تقدم (غير النية فإنها لا تسقط بحال) ؛ لأن محلها القلب فلا يعجز عنها، (أو تعمد المصلي ترك ركن، أو واجب بطلت صلاته) ولو تركه لشك في وجوبه، وإن ترك الركن سهوا فيأتي، وإن ترك الواجب سهوا، أو جهلا سجد له وجوبا، وإن اعتقد أن الفرض سنة، أو بالعكس لم يضره، كما لو اعتقد أن بعض أفعالها فرض وبعضها نفل وجهل الفرض من السنة، أو اعتقد الجميع فرضا والخشوع فيها سنة، ومن علم بطلان صلاته ومضى فيها أدب (بخلاف الباقي) بعد الشروط والأركان والواجبات فلا تبطل صلاة من ترك سنة ولو عمدا.
(وما عدا ذلك) أي أركان الصلاة وواجباتها (سنن أقوال) كالاستفتاح والتعوذ

والبسملة وآمين والسورة وملء السماوات إلى آخره بعد التحميد، وما زاد على المرة في تسبيح الركوع والسجود وسؤال المغفرة والتعوذ في التشهد الأخير وقنوت الوتر (و) سنن (أفعال) كرفع اليدين في مواضعه ووضع اليمنى على اليسرى تحت سرته والنظر إلى موضع سجوده ووضع اليدين على الركبتين في الركوع والتجافي فيه وفي السجود، ومد الظهر معتدلا وغير ذلك مما مر لك مفصلا، ومنه الجهر والإخفات والترتيل والإطالة والتقصير في مواضعها، (ولا يشرع) أي لا يجب، ولا يسن (السجود لتركه) لعدم إمكان التحرز من تركه، (وإن سجد) لتركه سهوا (فلا بأس) أي فهو مباح.

باب سجود السهو

قال: صاحب " المشارق ": السهو في الصلاة: النسيان فيها، (يشرع) أي يجب تارة ويسن أخرى على ما يأتي تفصيله (لزيادة) سهوا (ونقص) سهوا، (وشك) في الجملة (لا في عمد) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا سها أحدكم فليسجد» فعلق السجود على السهو (في) صلاة (الفرض والنافلة) متعلق بـ " يشرع " سوى صلاة جنازة وسجود تلاوة وشكر وسهو (فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة قياما) في محل قعود، (أو قعودا) في محل قيام ولو قل كجلسة الاستراحة، (أو ركوعا، أو سجودا عمدا بطلت) صلاته إجماعا، قاله في " الشرح " (و) إن فعله (سهوا يسجد له) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين» ، رواه مسلم، ولو نوى القصر فأتم سهوا ففرضه الركعتان ويسجد للسهو استحبابا، وإن قام فيها، أو سجد إكراما لإنسان بطلت،

(وإن زاد ركعة) كخامسة في رباعية، أو رابعة في مغرب، أو ثالثة في فجر (فلم يعلم حتى فرغ منها سجد) لما روى ابن مسعود: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى خمسا فلما انفتل، قالوا إنك صليت خمسا فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» متفق عليه.
(وإن علم) بالزيادة (فيها) أي في الركعة (جلس في الحال) بغير تكبير؛ لأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمدا وذلك يبطلها (فيتشهد إن لم يكن تشهد) ؛ لأنه ركن لم يأت به (وسجد) للسهو (وسلم) لتكمل صلاته، وإن كان قد تشهد سجد للسهو وسلم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى، ثم سجد للسهو، ثم سلم، وإن قام إلى ثالثة نهارا، وقد نوى ركعتين نفلا رجع إن شاء وسجد للسهو وله أن يتمها أربعا، ولا يسجد، وهو أفضل، وإن كان ليلا فكما لو قام إلى ثالثة في الفجر نص عليه لأنها صلاة شرعت ركعتين أشبهت الفجر، (وإن سبح به ثقتان) أي نبهاه بتسبيح، أو غيره ويلزمهم تنبيه لزمه الرجوع إليها سواء سبحا به إلى زيادة، أو نقصان وسواء غلب على ظنه صوابهما، أو خطؤهما والمرأة كالرجل (فـ) إن (أصر) على عدم الرجوع (ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته) ؛ لأنه ترك الواجب عمدا، وإن جزم بصواب نفسه لم يلزمه الرجوع إليهما؛ لأن قولهما إنما يفيد الظن واليقين مقدم عليه، وإن اختلف عليه من ينبهه سقط قولهم ويرجع منفرد إلى ثقتين (و) بطلت (صلاة من اتبعه) أي تبع إماما أبى أن يرجع حيث يلزمه الرجوع (عالما لا) من تبعه (جاهلا، أو ناسيا) للعذر، (ولا من فارقه) لجواز المفارقة للعذر ويسلم لنفسه، ولا يعتد مسبوق بالركعة الزائدة إذا تابعه فيها جاهلا (وعمل) في الصلاة متواليا (مستكثر عادة من غير جنس الصلاة) كالمشي واللبس ولف العمامة (يبطلها عمده وسهوه) وجهله إن لم يكن ضرورة وتقدم،

(ولا يشرع ليسيره) أي يسير عمل من غير جنسها (سجود) ، ولو سهوا، ويكره العمل اليسير من غير جنسها فيها، ولا تبطل بعمل قلب وإطالة نظر إلى شيء.

(ولا تبطل) الصلاة (بيسير أكل، أو شرب سهوا أو جهلا) لعموم «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» وعلم منه أن الصلاة تبطل بالكثير عرفا منهما كغيرهما، (ولا) يبطل (نفل بيسير شرب عمدا) لما روي أن ابن الزبير شرب في التطوع ولأن مد النفل وإطالته مستحبة فيحتاج معه إلى جرعة ماء لدفع العطش فسومح فيه كالجلوس.
وظاهره أن يبطل بيسير الأكل عمدا، وأن الفرض يبطل بيسير الأكل والشرب عمدا وبلع ذوب سكر ونحوه بفم كأكل، ولا تبطل ببلع ما بين أسنانه بلا مضغ، قال في " الإقناع ": إن جرى به ريق.
وفي " التنقيح " و " المنتهى ":، ولو لم يجر به ريق.

(وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود) وركوع (وقعود وتشهد في قيام وقراءة سورة في) الركعتين (الأخيرتين) من رباعية، أو في الثالثة من مغرب (لم تبطل) بتعمده؛ لأنه مشروع في الصلاة في الجملة (ولم يجب له) أي للسهو (سجود بل يشرع) أي يسن كسائر ما لا يبطل عمده الصلاة، (وإن سلم قبل إتمامها) أي إتمام صلاته (عمدا بطلت) ؛ لأنه تكلم فيها قبل إتمامها، (وإن كان) السلام (سهوا، ثم ذكر قريبا أتمها) ، وإن انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد (وسجد) للسهو لقصة ذي اليدين لكن إن لم يذكر حتى قام فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عليه من جلوس؛ لأن هذا القيام واجب للصلاة فلزمه الإتيان به مع النية، وإن كان أحدث استأنفها، (فإن طال الفصل عرفا) بطلت لتعذر البناء إذًا (أو تكلم) في هذه الحالة (لغير مصلحتها) كقوله يا غلام اسقني (بطلت) صلاته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» ، رواه مسلم وقال أبو داود: مكان " لا يصلح" " لا يحل " (ككلامه في صلبها) أي في صلب الصلاة فتبطل به للحديث المذكور سواء كان إماما، أو غيره سواء كان الكلام عمدا، أو سهوا، أو جهلا طائعا، أو مكرها، أو وجب لتحذير ضرير ونحوه.
وسواء كان لمصلحتها، أو لا والصلاة فرضا، أو نفلا (و) إن تكلم من سلم ناسيا (لمصلحتها) ، فإن كثر بطلت و (إن كان يسيرا لم تبطل) ، قال: الموفق هذا أولى، وصححه في " الشرح "؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا وبنوا على صلاتهم، وقدم في " التنقيح " وتبعه في " المنتهى " تبطل مطلقا، ولا بأس بالسلام على المصلي، ويرده بالإشارة، فإن رده بالكلام بطلت ويرده بعدها استحبابا، لرده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ابن مسعود بعد السلام ولو صافح إنسانا يريد السلام عليه لم تبطل.

(وقهقهة) ، وهي ضحكة معروفة (ككلام) ، فإن، قال: قه قه فالأظهر أنها تبطل به، وإن لم يبن حرفان ذكره في " المغني "، وقدمه الأكثر، قاله في " المبدع "، ولا تفسد بالتبسم، (وإن نفخ) فبان حرفان بطلت، (أو انتحب) بأن رفع صوته بالبكاء (من غير خشية الله تعالى) فبان حرفان بطلت؛ لأنه من جنس كلام الآدميين لكن إذا غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه، وكذا إن كان من خشية الله تعالى، (أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت) ، فإن كانت لحاجه لم تبطل لما روى أحمد وابن ماجه عن علي قال: «كان لي مدخلان من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل والنهار فإذا دخلت عليه، وهو يصلي تنحنح لي» وللنسائي معناه، وإن غلبه سعال، أو عطاس، أو تثاؤب ونحوه لم يضره ولو بان حرفان.

فصل في الكلام على السجود لنقص

(ومن ترك ركنا) ، فإن كان التحريمة لم تنعقد صلاته، وإن كان غيرها (فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت) الركعة (التي ترك منها) وقامت الركعة التي تليها مقامها ويجزيه الاستفتاح الأول، فإن رجع إلى الأولى عالما عمدا بطلت صلاته (و) إن ذكر ما تركه (قبله) أي قبل الشروع في قراءة الأخرى (يعود وجوبا فيأتي به) أي بالمتروك (وبما بعده) ؛ لأن الركن لا يسقط بالسهو وما بعده قد أتى به في غير محله، فإن لم يعد عمدا بطلت صلاته، وسهوا بطلت الركعة والتي تليها عوضها، (وإن علم) المتروك (بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة) فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل ما لم يكن المتروك تشهدا أخيرا، أو سلاما فيأتي به ويسجد ويسلم، ومن ذكر ترك ركن وجهله، أو محله عمل بالأحوط، (وإن نسي التشهد الأول) وحده، أو مع الجلوس له (ونهض) للقيام (لزمه الرجوع) إليه (ما لم ينتصب قائما، فإن استتم قائما كره رجوعه) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإن استتم قائما فلا يجلس وليسجد سجدتين» ، رواه أبو داود وابن ماجه من حديث المغيرة بن شعبة،

(وإن لم ينتصب قائما لزمه الرجوع) مكرر مع قوله: لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائما، (وإن شرع في القراءة حرم) عليه (الرجوع) ؛ لأن القراءة ركن مقصود في نفسه بخلاف القيام، فإن رجع عالما عمدا بطلت صلاته لا ناسيا، أو جاهلا ويلزم المأموم متابعته، وكذا كل واجب فيرجع إلى تسبيح ركوع وسجود قبل اعتدال لا بعده (وعليه السجود) أي سجود السهو (للكل) أي كل ما تقدم.

(ومن شك في عدد الركعات) بأن تردد أصلى اثنتين أم ثلاثا مثلا (أخذ بالأقل) ؛ لأنه المتيقن، ولا فرق بين الإمام والمنفرد، ولا يرجع مأموم واحد إلى فعل إمامه، فإذا سلم أتى بما شك فيه وسجد وسلم، وإن شك هل دخل معه في الأولى، أو الثانية جعله في الثانية؛ لأنه المتيقن، وإن شك من أدرك الإمام راكعا أرفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعا أم لا لم يعتد بتلك الركعة؛ لأنه شاك في إدراكها ويسجد للسهو.

(وإن شك) المصلي (في ترك ركن فهو كتركه) أي فكما لو تركه يأتي به وبما بعده إن لم يكن شرع في قراءة التي بعدها، فإن شرع في قراءتها صارت بدلا عنها، (ولا يسجد) للسهو (لشكه في ترك واجب) كتسبيح ركوع ونحوه (أو) لشكه في (زيادة) إلا إذا شك في الزيادة وقت فعلها؛ لأنه شك في سبب وجوب السجود والأصل عدمه، فإن شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة سجد؛ لأنه أدى جزءا من صلاته مترددا في كونه منها وذلك يضعف النية، ومن شك في عدد الركعات وبنى على اليقين، ثم زال شكه وعلم أنه مصيب فيما فعله لم يسجد.

(ولا سجود على مأموم) دخل مع الإمام من أول الصلاة (إلا تبعا لإمامه) إن سها على الإمام فيتابعه، وإن لم يتم ما عليه من تشهد، ثم يتمه، فإن قام بعد سلام إمامه رجع فسجد معه ما لم يستتم قائما فيكره له الرجوع، أو يشرع في القراءة فيحرم، ويسجد مسبوق سلم معه سهوا ولسهوه مع إمامه، أو فيما انفرد به لم يسجد

الإمام للسهو سجد مسبوق إذا فرغ وغيره بعد إياسه من سجوده (وسجود السهو لما) أي لفعل شيء، أو تركه (يبطل) الصلاة (عمده) أي تعمده، ومنه اللحن المحيل للمعنى سهوا، أو جهلا (واجب) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمره به في غير حديث، والأمر للوجوب.
وما لا يبطل عمده كترك السنن وزيادة قول مشروع غير السلام في غير موضعه لا يجب له السجود بل يسن في الثاني.

(وتبطل) الصلاة (بـ) تعمد (ترك سجود سهو) واجب (أفضليته قبل السلام فقط) فلا تبطل بتعمد ترك سجود مسنون، ولا واجب بل أفضليته بعد السلام، وهو إذا سلم قبل إتمامها؛ لأنه خارج عنها فلم يؤثر في إبطالها وعلم من قوله أفضليته أن كونه قبل السلام، أو بعده ندب لورود الأحاديث بكل من الأمرين، (وإن نسيه) أي نسي سجود السهو الذي محله قبل السلام (وسلم) ثم ذكر (سجد) وجوبا (إن قرب زمنه) وإن شرع في صلاة أخرى فإذا سلم، وإن طال الفصل عرفا، أو أحدث، أو خرج من المسجد لم يسجد وصحت صلاته.

(ومن سها) في صلاة (مرارا كفاه) لجميع سهوه (سجدتان) ولو اختلف محل السجود ويغلب ما قبل السلام لسبقه وسجود السهو وما يقال فيه وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة، فإن سجد قبل السلام أتى به بعد فراغه من التشهد وسلم عقبه، وإن أتى به بعد السلام جلس بعده مفترشا في ثنائية ومتوركا في غيرها وتشهد وجوبا التشهد الأخير، ثم سلم؛ لأنه في حكم المستقل في نفسه.

باب صلاة التطوع وأوقات النهي

والتطوع لغة: فعل الطاعة، وشرعا: طاعة غير واجبة.
وأفضل ما يتطوع به الجهاد، ثم النفقة فيه، ثم العلم تعلمه وتعليمه من حديث وفقه وتفسير ثم الصلاة.
(وآكدها كسوف، ثم استسقاء) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينقل عنه أنه ترك صلاة الكسوف عند وجود سببها بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى، (ثم تراويح) لأنها تسن لها الجماعة، (ثم وتر) ؛ لأنه تسن له الجماعة بعد التراويح، وهو سنة مؤكدة روي عن الإمام: من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة، وليس بواجب (يفعل بين) صلاة (العشاء و) طلوع (الفجر) فوقته من صلاة العشاء ولو مجموعة مع المغرب تقديما إلى طلوع الفجر وآخر الليل لمن يثق بنفسه أفضل.
(وأقله ركعة) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الوتر ركعة من آخر الليل» ، رواه مسلم، ولا يكره الوتر بها لثبوته عن عشرة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (وأكثره) أي أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعة يصليها (مثنى مثنى) أي يسلم من كل ثنتين (ويوتر بواحدة) لقول عائشة: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة» وفي لفظ: «يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة» هذا هو الأفضل، وله أن يسرد عشرا، ثم يجلس فيتشهد، ولا يسلم، ثم يأتي بالركعة الأخيرة ويتشهد ويسلم،

(وإن أوتر بخمس، أو سبع) سردها و (لم يجلس إلا في آخرها) لقول أم سلمة: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام، ولا كلام» ، رواه أحمد ومسلم (و) إن أوتر (بتسع) يسرد ثمانية، ثم (يجلس عقب) الركعة (الثامنة ويتشهد) التشهد الأول، (ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم) لقول عائشة: «ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه وينهض، ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعناه» . (وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث ركعات بسلامين) فيصلي ركعتين ويسلم، ثم الثالثة ويسلم؛ لأنه أكثر عملا، ويجوز أن يسردها بسلام واحد (يقرأ) من أوتر بثلاث (في) الركعة (الأولى بـ) سورة (سبح وفي) الركعة (الثانية بـ) سورة (قل يا أيها الكافرون وفي) الركعة (الثالثة بـ) سورة (الإخلاص) بعد الفاتحة (ويقنت فيها) أي الثالثة (بعد الركوع) ندبا؛ لأنه صح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس، وإن قنت قبل الركوع بعد القراءة جاز لما روى أبو داود عن أبي بن كعب «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقنت في الوتر قبل الركوع فيرفع يديه إلى صدره ويبسطهما وبطونهما نحو السماء» ولو كان مأموما، (ويقول) جهرا: «اللهم اهدني فيمن هديت» أصل الهداية: الدلالة، وهي من الله التوفيق والإرشاد «وعافني فيمن عافيت» أي من الأسقام والبلايا، والمعافاة أن يعافيك الله

من الناس ويعافيهم منك، «وتولني فيمن توليت» الولي ضد العدو من توليت الشيء: إذا اعتنيت به، أو من وليته: إذا لم يكن بينك وبينه واسطة «وبارك لنا فيما أعطيت» أي أنعمت «وقني شر ما قضيت إنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» ، رواه أحمد والترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي، قال: «علمني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلامات أقولهن في قنوت الوتر» وليس فيه، «ولا يعز من عاديت» ورواه البيهقي وأثبتها فيها ورواه النسائي مختصرا وفي آخره: «وصلى الله على محمد» «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك» إظهارا للعجز والانقطاع «لا نحصي) أي لا نطيق، ولا نبلغ وننهي (ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» اعترافا بالعجز عن الثناء وردا إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلا، روى الخمسة عن علي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول ذلك في آخر وتره، ورواته ثقات «اللهم صل على محمد» لحديث الحسن السابق، ولما روى الترمذي عن عمر " الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك " وزاد في " التبصرة " (وعلى آل محمد) واقتصر الأكثرون على الصلاة عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (ويمسح وجهه بيديه) إذا فرغ من دعائه هنا وخارج الصلاة لقول عمر: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه» ، رواه الترمذي، ويقول الإمام: اللهم اهدنا ... إلخ ويؤمن مأموم إن سمعه.

(ويكره قنوته في غير الوتر) روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة (إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة) من شدائد الدهر (غير الطاعون فيقنت الإمام) الأعظم استحبابا (في الفرائض) غير الجمعة، ويجهر به في

الجهرية، ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمن، ويقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس ثلاثا، ويمد بها صوته في الثالثة.

(والتراويح) سنة مؤكدة سميت بذلك لأنهم يصلون أربع ركعات ويتروحون ساعة أي: يستريحون (عشرون ركعة) لما روى أبو بكر عبد العزيز في الشافي عن ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة» (تفعل) ركعتين ركعتين (في جماعة مع الوتر) بالمسجد أول الليل (بعد العشاء) والأفضل، وسنتها (في رمضان) لما روي في الصحيحين من حديث عائشة «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» وفي البخاري أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح وروى أحمد، وصححه الترمذي «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (ويوتر المتهجد) أي الذي له صلاة بعد أن ينام (بعده) أي بعد تهجده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» متفق عليه.
(فإن تبع إمامه) فأوتر معه، أو أوتر منفردا، ثم أراد التهجد لم ينقض وتره وصلى ولم يوتر، وإن (شفعه بركعة) أي ضم لوتره الذي تبع إمامه فيه ركعة جاز وتحصل له فضيلة متابعة إمامه وجعل وتره آخر صلاته،

(ويكره التنفل بينها) أي بين التراويح روى الأثرم عن أبي الدرداء أنه أبصر قوما يصلون بين التراويح، قال: ما هذه الصلاة؟ أتصلي وإمامك بين يديك؟ ليس منا من رغب عنا و (لا) يكره (التعقيب) ، وهو الصلاة (بعدها) أي بعد التراويح والوتر (في جماعة) لقول أنس: لا ترجعون إلا لخير ترجونه، وكذا لا يكره الطواف بين التراويح، ولا يستحب للإمام الزيادة على ختمة في التراويح إلا أن يؤثروا زيادة على ذلك، ولا يستحب لهم أن ينقصوا عن ختمة ليحوزوا فضلها.

(ثم) يلي الوتر في الفضيلة (السنن الراتبة) التي تفعل مع الفرائض، وهي عشر ركعات (ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر) لقول ابن عمر: «حفظت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها أحد» حدثتني حفصة أنه «كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين» متفق عليه.
(وهما) أي ركعتا الفجر (آكدها) أي أفضل الرواتب لقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «لم يكن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر» متفق عليه.

فيخير فيما عداهما وعدا الوتر سفرا ويسن تخفيفهما واضطجاع بعدهما على الأيمن، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ، أو يقرأ في الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] الآية وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: 64] الآية ويلي الفجر ركعتا المغرب ويسن أن يقرأ فيهما بـ " الكافرون " و " الإخلاص "، (ومن فاته شيء منها) أي من الرواتب (سن له قضاؤه) كالوتر؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنها وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر وقس الباقي، وقال: «من نام عن الوتر، أو نسيه فليصله إذا أصبح، أو ذكره» ، رواه الترمذي لكن ما فات مع فرضه وكثر فالأولى تركه إلا سنة فجر ووقت كل سنة قبل الصلاة من دخول وقتها إلى فعلها وكل سنة بعد الصلاة من فعلها إلى خروج وقتها فسنة فجر وظهر الأولة بعدهما قضاء والسنن غير الرواتب عشرون أربع قبل الظهر وأربع بعدها وأربع قبل العصر وأربع بعد المغرب وأربع بعد العشاء غير السنن الرواتب، قال جمع: يحافظ عليها وتباح ركعتان بعد أذان المغرب.

فصل في صلاة الليل

فصل (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل» ، رواه مسلم عن أبي هريرة فالتطوع المطلق أفضله صلاة الليل؛ لأنه أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص (وأفضلها) أي الصلاة (ثلث الليل بعد نصفه) مطلقا لما في الصحيح مرفوعا «أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه»

ويسن قيام الليل وافتتاحه بركعتين خفيفتين ووقته من الغروب إلى طلوع الفجر، ولا يقومه كله إلا ليلة عيد ويتوجه ليلة النصف من شعبان (وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة الليل مثنى مثنى» ، رواه الخمسة، وصححه البخاري ومثنى معدول عن اثنين اثنين ومعناه معنى المكرر وتكريره لتوكيد اللفظ لا للمعنى، وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام فيما لم يرد تطويله، (وإن تطوع في النهار بأربع) بتشهدين (كالظهر فلا بأس) لما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي أيوب «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي قبل الظهر أربعا لا يفصل بينهن بتسليم» ، وإن لم يجلس إلا في آخرهن فقد ترك الأولى، ويقرأ في كل ركعة مع الفاتحة بسورة، وإن زاد على اثنتين ليلا، أو أربع نهارا ولو جاوز ثمانيا نهارا بسلام واحد صح، وكره في غير الوتر ويصح التطوع بركعة ونحوها (وأجر صلاة قاعد) بلا عذر (على نصف أجر صلاة قائم) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم» متفق عليه.
ويسن تربعه بمحل قيام وثني رجليه بركوع وسجود.

(وتسن صلاة الضحى) لقول أبي هريرة «أوصاني خليلي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» ، رواه أحمد ومسلم وتصلى في بعض الأيام دون بعض؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يلازم عليها

(وأقلها ركعتان) لحديث أبي هريرة (وأكثرها ثمان) لما روت أم هانئ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الفتح صلى ثماني ركعات سبحة الضحى» ، رواه الجماعة (ووقتها من خروج وقت النهي) أي من ارتفاع الشمس قدر رمح (إلى قبيل الزوال) أي إلى دخول وقت النهي بقيام الشمس وأفضله إذا اشتد الحر.

(وسجود التلاوة) والشكر (صلاة) ؛ لأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله تعالى له تحريم وتحليل فكان صلاة كسجود الصلاة فيشترط له ما يشترط لصلاة النافلة من ستر العورة واستقبال القبلة والنية وغير ذلك (ويسن) سجود التلاوة (للقارئ والمستمع) لقول ابن عمر: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته» متفق عليه.
وقال عمر: «إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء» ، رواه البخاري، ويسجد في طواف مع قصر فصل ويتيمم محدث بشرطه ويسجد مع قصره، وإذا نسي سجدة لم يعد الآية لأجله ولا يسجد لهذا السهو ويكرر السجود بتكرار التلاوة كركعتي الطواف، قال في " الفروع ": وكذا يتوجه في تحية المسجد إن تكرر دخوله اهـ. ومراده غير قيم المسجد (دون السامع) الذي لم يقصد الاستماع لما روي أن عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مر بقارئ يقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فلم يسجد، وقال: إنما السجدة على من استمع ولأنه لا يشارك القارئ في الأجر فلم يشاركه في السجود، (وإن لم يسجد القارئ) ، أو كان لا يصلح إماما للمستمع (لم يسجد) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إنك كنت إمامنا ولو سجدت سجدنا» ، رواه الشافعي في " مسنده " مرسلا، ولا يسجد المستمع قدام القارئ، ولا عن يساره مع خلو يمينه، ولا رجل لتلاوة امرأة ويسجد لتلاوة أمي وصبي، (وهو) أي سجود التلاوة (أربع عشرة سجدة) في الأعراف والرعد والنحل والإسراء ومريم و (في الحج منها ثنتان) والفرقان والنمل والم تنزيل وحم السجدة والنجم والانشقاق واقرأ باسم ربك وسجدة ص سجدة شكر، ولا يجزئ ركوع ولا سجود الصلاة عن سجدة التلاوة.
(و) إذا أراد السجود فإنه (يكبر) تكبرتين تكبيرة (إذا سجد) تكبيرة (إذا رفع) سواء كان في الصلاة، أو خارجها (ويجلس) إن لم يكن في الصلاة (ويسلم) وجوبا وتجزئ واحدة، (ولا يتشهد) كصلاة الجنازة ويرفع يديه إذا سجد ندبا ولو في صلاة وسجود عن قيام أفضل.

(ويكره للإمام قراءة) آية (سجدة في صلاة سر و) كره (سجوده) أي سجود الإمام للتلاوة (فيها) أي في صلاة سرية كالظهر؛ لأنه إذا قرأها إما أن يسجد لها، أو لا، فإن لم يسجد لها كان تاركا للسنة، وإن سجد لها أوجب الإبهام والتخليط على المأموم.
(ويلزم المأموم متابعته في غيرها) أي غير الصلاة السرية، ولو مع ما يمنع السماع كبعد وطرش ويخير في السرية.

(ويستحب) في غير الصلاة (سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم) مطلقا لما روى أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدا» رواه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم

(وتبطل به) أي سجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) ؛ لأنه لا تعلق له بالصلاة بخلاف سجود التلاوة وصفة سجود الشكر وأحكامه كسجود التلاوة.

(وأوقات النهي خمسه) : الأول (من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلى ركعتي الفجر» احتج به أحمد.
(و) الثاني (من طلوعها حتى ترتفع قيد) بكسر القاف أي قدر (رمح) في رأي العين.
(و) الثالث (عند قيامها حتى تزول) لقول عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» ، رواه مسلم وتضيف بفتح المثناة فوق أي تميل.
(و) الرابع (من صلاة العصر إلى غروبها) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس» متفق عليه.
عن أبي سعيد والاعتبار بالفراغ منها لا بالشروع فيها ولو فعلت في وقت الظهر جمعا لكن تفعل سنة الظهر بعدها.

(و) الخامس (إذا شرعت) الشمس (فيه) أي في الغروب (حتى يتم) لما تقدم.

(ويجوز قضاء الفرائض فيها) أي في أوقات النهي كلها لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه.
ويجوز أيضا فعل المنذورة فيها لأنها صلاة واجبة (و) يجوز حتى (في الأوقات الثلاثة) القصيرة (فعل ركعتي الطواف) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه في أي ساعة شاء من ليل، أو نهار» رواه الترمذي، وصححه، (وتجوز) فيها (إعادة جماعة) أقيمت، وهو بالمسجد لما روى يزيد بن الأسود، قال: «صليت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة الفجر فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يصليا معه فقال ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا، قال: لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» رواه الترمذي، وصححه، فإذا وجدهم يصلون لم يستحب الدخول،

وتجوز الصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر دون بقية الأوقات ما لم يخف عليها.
(ويحرم تطوع بغيرها) أي غير المتقدمات من نحو إعادة جماعة وركعتي طواف وركعتي فجر قبلها (في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب) كتحية مسجد وسنة وضوء وسجدة تلاوة وصلاة على قبر، أو غائب وصلاة كسوف وقضاء راتبة سوى سنة ظهر بعد العصر المجموعة إليها، ولا ينعقد النفل إن ابتدأه في هذه الأوقات ولو جاهلا إلا تحية مسجد إذا دخل حال خطبة الجمعة فتجوز مطلقا، ومكة وغيرها في ذلك سواء.

باب صلاة الجماعة

شرعت لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع.
(وتلزم الرجال) الأحرار القادرين ولو سفرا في شدة خوف (للصلوات الخمس) المؤداة وجوب عين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102] الآية فأمر بالجماعة حال الخوف ففي غيره أولى ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: «أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (لا شرطا) أي ليست الجماعة شرطا لصحة الصلاة فتصح صلاة المنفرد بلا عذر

وفي صلاته فضل، وصلاة الجماعة أفضل بسبع وعشرين درجة لحديث ابن عمر المتفق عليه، وتنعقد باثنين ولو بأنثى وعبد في غير جمعة وعيد لا بصبي في فرض (وله فعلها) أي الجماعة (في بيته) لعموم حديث «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وفعلها في المسجد هو السنة وتسن لنساء منفردات عن رجال] ، ويكره لحسناء حضورها مع رجال ويباح لغيرها ومجالس الوعظ كذلك وأولى (وتستحب صلاة أهل الثغر) أي في موضع المخافة (في مسجد واحد) ؛ لأنه أعلى للكلمة وأوقع للهيبة (والأفضل لغيرهم) أي غير أهل الثغر الصلاة في (المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) ؛ لأنه يحصل بذلك ثواب عمارة المسجد وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه، (ثم ما كان أكثر جماعة) ذكره في " الكافي " و " المقنع " وغيرهما وفي " الشرح " أنه الأولى لحديث أبي بن كعب «وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى» ، رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبان، (ثم المسجد العتيق) ؛ لأن الطاعة فيه أسبق، قال في " المبدع ": والمذهب أنه مقدم على الأكثر جماعة وقال في " الإنصاف ": الصحيح من المذهب أن المسجد العتيق أفضل من الأكثر جماعة وجزم به في الإقناع و " المنتهى " (وأبعد) المسجدين (أولى من أقربهما) إذا كانا جديدين، أو قديمين اختلفا في كثرة الجمع، أو قلته، أو استويا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى» ، رواه الشيخان، وتقدم الجماعة مطلقا على أول الوقت.

(ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، أو عذره) ؛ لأن الراتب كصاحب

البيت، وهو أحق بها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤمن الرجل الرجل في بيته إلا بإذنه» ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه ومع الإذن هو نائب عنه، قال في " التنقيح ": وظاهر كلامهم لا تصح وجزم به في " المنتهى "، وقدم في " الرعاية " تصح وجزم به ابن عبد القوي في الجنائز، وأما مع عذره، فإن تأخر وضاق الوقت صلوا، لفعل الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعبد الرحمن بن عوف حين غاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " أحسنتم " ويراسل إن غاب عن وقته المعتاد مع قرب محله وعدم مشقة، وإن بعد محله، أو لم يظن حضوره، أو ظن، ولا يكره ذلك صلوا.

(ومن صلى) ولو في جماعة، (ثم أقيم) أي أقام المؤذن لـ (فرض سن له أن يعيدها) إذا كان في المسجد، أو جاء غير وقت نهي ولم يقصد الإعادة، ولا فرق بين إعادتها مع إمام الحي، أو غيره لحديث أبي ذر: «صل الصلاة لوقتها، فإن أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي» ، رواه أحمد ومسلم (إلا المغرب) فلا تسن إعادتها ولو كان صلاها وحده؛ لأن المعادة تطوع والتطوع لا يكون بوتر، ولا تكره إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب كغيره، وكره قصد مسجد للإعادة، (ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة) ، ولا فيهما لعذر وتكره فيهما لغير عذر لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الراتب.

«وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا، وكان عمر يضرب على الصلاة بعد الإقامة فلا تنعقد النافلة بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له ويصح قضاء الفائتة بل تجب مع سعة الوقت، ولا يسقط الترتيب بخشية فوت الجماعة، (فإن) أقيمت و (كان) يصلي في (نافلة أتمها) خفيفة (إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها) ؛ لأن الفرض أهم.

(ومن كبر) مأموما (قبل سلام إمامه) الأولى (لحق الجماعة) ؛ لأنه أدرك جزءا من صلاة الإمام فأشبه ما لو أدرك ركعة، (وإن لحقه) المسبوق (راكعا دخل معه في الركعة) لقولة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» رواه أبو داود فيدرك الركعة إذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الأجزاء قبل أن يزول الإمام عنه، ويأتي بالتكبيرة كلها قائما كما تقدم ولو لم يطمئن، ثم يطمئن ويتابع (وأجزأته التحريمة) عن تكبيرة الركوع، والأفضل أن يأتي بتكبيرتين، فإن نواهما بتكبيرة، أو نوى به الركوع لم يجزئه؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن ولم يأت بها، ويستحب دخوله معه حيث أدركه وينحط معه غير ركوع بلا تكبير ويقوم مسبوق به، وإن قام قبل سلام إمامه الثانية ولم يرجع انقلبت نفلا (ولا قراءة على مأموم) أي يتحمل الإمام عنه قراءة الفاتحة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» ، رواه أحمد.

(ويستحب) للمأموم أن يقرأ (في إسرار إمامه) أي فيما لا يجهر فيه الإمام (و) في (سكوته) أي سكتات الإمام، وهي قبل الفاتحة وبعدها بقدرها، وبعد فراغ القراءة، وكذا لو سكت لتنفس (و) فيما (إذا لم يسمعه لبعد) عنه (لا) إذا لم يسمعه (لطرش) فلا يقرأ إن أشغل غيره عن الاستماع، وإن لم يشغل أحدا قرأ (ويستفتح) المأموم (ويتعوذ فيما يجهر فيه إمامه) كالسرية، قال في " الشرح " وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته وما يقضيه أولها يستفتح لها ويتعوذ، ويقرأ سورة لكن لو أدرك ركعة من رباعية، أو مغرب يتشهد عقب أخرى ويتورك معه.

(ومن ركع، أو سجد) ، أو رفع منهما (قبل إمامه فعليه أن يرجع) أي يرجع (ليأتي به) أي بما سبق به الإمام (بعده) لتحصيل المتابعة الواجبة، ويحرم سبق الإمام عمدا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار» متفق عليه.
والأولى أن يشرع في أفعال الصلاة بعد الإمام، وإن كبر معه لإحرام لم تنعقد، وإن سلم معه كره وصح وقبله عمدا بلا عذر بطلت وسهوا يعيده بعده وإلا بطلت، (فإن لم يفعل) أي لم يعد (عمدا) حتى لحقه الإمام فيه (بطلت) صلاته؛ لأنه ترك الواجب عمدا، وإن كان سهوا، أو جهلا فصلاته صحيحة ويعتد به (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالما عمدا بطلت) صلاته؛ لأنه سبقه بمعظم الركعة، (وإن كان جاهلا، أو ناسيا) وجوب المتابعة (بطلت الركعة) التي وقع السبق فيها (فقط) فيعيدها، وتصح صلاته للعذر، (وإن) سبقه مأموم بركنين بأن (ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه) أي رفع إمامه من الركوع (بطلت) صلاته؛ لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة، (إلا الجاهل والناسي) فتصح صلاتهما للعذر (ويصلي) الجاهل، أو الناسي (تلك الركعة قضاء) لبطلانها؛ لأنه لم يقتد بإمامه فيها ومحله إذا لم يأت بذلك مع إمامه، ولا تبطل بسبق بركن واحد غير ركوع والتخلف عنه كسبقه على ما تقدم.

(ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف» ، قال في " المبدع ": ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة إلا أن يؤثر المأموم التطويل وعددهم ينحصر، وهو عام في الصلوات مع أنه سبق أنه يستحب أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل وتكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يسن (و) يسن (تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية) لقول أبي قتادة «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطول في الركعة الأولى» متفق عليه.
إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني وبيسير كسبح والغاشية، (ويستحب) للإمام (انتظار داخل إن لم يشق على مأموم) ؛ لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه.

(وإذا استأذنت المرأة) الحرة، أو الأمة (إلى المسجد كره منعها) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن وليخرجن تفلات» ، رواه أحمد، وأبو داود وتخرج غير مطيبة، ولا لابسة ثياب زينة (وبيتها خير لها) لما تقدم ولأب، ثم أخ ونحوه منع موليته من الخروج إن خشي فتنة، أو ضررا من الانفراد.

فصل في أحكام الإمامة

(الأولى بالإمامة الأقرأ) جودة (العالم فقه صلاته) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا» ، رواه مسلم، (ثم) إن استووا في القراءة (الأفقه) لما تقدم، فإن اجتمع فقيهان قارئان وأحدهما أفقه، أو أقرأ قدم، فإن كانا قارئين قدم أجودهما قراءة، ثم أكثرهما قرآنا ويقدم قارئ لا يعرف أحكام صلاته على فقيه أمي، وإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة قدم؛ لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة، (ثم) إن استووا في القراءة والفقه (الأسن) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وليؤمكم أكبركم» متفق عليه.
(ثم) مع الاستواء في السن (الأشرف) ، وهو القرشي وتقدم بنو هاشم على سائر قريش إلحاقا للإمامة الصغرى بالكبرى ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قدموا قريشا، ولا تقدموها» ، (ثم الأقدم هجرة) ، أو إسلاما، (ثم) مع الاستواء فيما تقدم (الأتقى) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] ، (ثم) إن استووا في الكل يقدم (من قرع) إن تشاحوا لأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق (وساكن البيت وإمام المسجد أحق) إذا كانا أهلا للإمامة بمن حضرهم ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ، أو أفقه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤمن الرجل الرجل في بيته، ولا في سلطانه» ، رواه أبو داود عن ابن مسعود (إلا من ذي سلطان) فيقدم عليهما لعموم ولايته ولما تقدم من الحديث والسيد أولى بالإمامة في بيت عبده؛ لأنه صاحب البيت (وحر) بالرفع على الابتداء (وحاضر) أي حضري، وهو الناشئ في المدن والقرى (ومقيم وبصير ومختون) أي مقطوع القلفة، (ومن له ثياب) أي ثوبان وما يستر به رأسه (أولى من ضدهم) خبر عن حر وما عطف عليه فالحر أولى من العبد والمبعض والحضري أولى من البدوي الناشئ بالبادية والمقيم أولى من المسافر؛ لأنه ربما يقصر فيفوت المأمومين بعض الصلاة في جماعة وبصير أولى من أعمى ومختون أولى من أقلف، ومن له من الثياب ما ذكر أولى من مستور العورة مع أحد العاتقين فقط، وكذا المبعض أولى من العبد والمتوضئ أولى من المتيمم والمستأجر في البيت المؤجر أولى من المؤجر والمعير أولى من المستعير وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه لحديث: «إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال» ذكره أحمد في " رسالته " إلا إمام المسجد وصاحب البيت فتحرم.

(ولا تصح) الصلاة (خلف فاسق مطلقا) سواء كان فسقه من جهة الأفعال، أو الاعتقاد إلا في جمعة وعيد تعذرا خلف غيره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سوطه وسيفه» ، رواه ابن ماجه عن جابر (ككافر) أي كما لا تصح خلف كافر سواء علم بكفره في الصلاة، أو بعد الفراغ منها، وتصح خلف المخالف في الفروع، وإذا ترك الإمام ما يعتقده واجبا وحده عمدا

بطلت صلاتهما.
وإن كان عند مأموم وحده لم يعد، ومن ترك ركنا، أو شرطا، أو واجبا مختلفا فيه بلا تأويل، ولا تقليد أعاد، (ولا) تصح صلاة رجل وخنثى خلف (امرأة) لحديث جابر السابق، (ولا) خلف (خنثى للرجال) والخناثى لاحتمال أن يكون امرأة، (ولا) إمامة (صبي لبالغ) في فرض؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقدموا صبيانكم» ، قاله في " المبدع "، وتصح في نفل وإمامة صبي بمثله، (ولا) إمامه (أخرس) ولو بمثله؛ لأنه أخل بفرض الصلاة لغير بدل، (ولا) إمامة (عاجز عن ركوع، أو سجود، أو قعود) إلا لمثله، (أو قيام) أي لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه (إلا إمام الحي) أي الراتب بمسجد (المرجو زوال علته) لئلا يفضي إلى ترك القيام على الدوام.

(ويصلون وراءه جلوسا ندبا) ولو كانوا قادرين على القيام لقول عائشة: «صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيته، وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف، قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به " إلى قوله: " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» ، قال ابن عبد البر روي هذا مرفوعا من طرق متواترة، (فإن ابتدأ بهم) الإمام الصلاة

(قائما ثم اعتل) أي حصلت له علة عجز معها عن القيام (فجلس أتموا خلفه قياما وجوبا) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صلى في مرض موته قاعدا وصلى أبو بكر والناس خلفه قياما» متفق عليه.
عن عائشة، وكان أبو بكر قد ابتدأ بهم قائما كما أجاب به الإمام، (وتصح خلف من به سلس ب بمثله) كالأمي بمثله.

(ولا تصح خلف محدث) حدثا أصغر، أو أكبر، (ولا) خلف (متنجس) نجاسة غير معفو عنها إذا كان (يعلم ذلك) ؛ لأنه لا صلاة له في نفسه، (فإن جهل هو) أي الإمام (و) جهل (المأموم حتى انقضت صحت) الصلاة (لمأموم وحده) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم» ، رواه محمد بن الحسين الحراني عن البراء بن عازب، وإن علم هو، أو المأموم فيها استأنفوا، وإن علم معه واحد أعاد الكل، وإن علم أنه ترك واجبا عليه فيها سهوا، أو شك في إخلال إمامه بركن، أو شرط صحت صلاته معه بخلاف ما لو ترك السترة، أو الاستقبال؛ لأنه لا يخفى غالبا، وإن كان أربعون فقط في جمعة ومنهم واحد محدث، أو نجس أعاد الكل سواء كان إماما، أو مأموما.

(ولا تصح إمامة الأمي) منسوب إلى الأم كأنه على الحالة التي ولدته عليها، (وهو) أي الأمي (من لا يحسن) أي (يحفظ الفاتحة أن يدغم فيها ما لا يدغم) بأن يدغم حرفا فيما لا يماثله، أو يقاربه، وهو الأرت، (أو يبدل حرفا) بغيره، وهو الألثغ كمن يبدل الراء غينا إلا ضاد المغضوب والضالين بظاء،

(أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى) ككسر كاف " إياك " وضم تاء " أنعمت " وفتح همزة " اهدنا "، فإن لم يحل المعنى كفتح دال " نعبد " ونون " نستعين " لم يكن أميا (إلا بمثله) فتصح لمساواته له، ولا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول بالعاجز عن نصفها الأخير، ولا عكسه، ولا اقتداء قادر على الأقوال الواجبة بعاجز عنها، (وإن قدر) الأمي (على إصلاحه لم تصح صلاته) ، ولا صلاة من ائتم به؛ لأنه ترك ركنا مع القدرة عليه.

(وتكره إمامة اللحان) أي كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى، فإن أحاله في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته إلا أن يتعمده ذكره في " الشرح " وإن أحاله في غيرها سهوا، أو جهلا، أو لآفة صحت صلاته (و) تكره إمامة (الفأفاء والتمتام) ونحوهما والفأفاء: الذي يكرر الفاء، والتمتام: من يكرر التاء (و) تكره إمامة (من لا يفصح ببعض الحروف) كالقاف والضاد، وتصح إمامته أعجميا كان، أو عربيا، وكذا أعمى وأصم وأقلف وأقطع يدين، أو رجلين، أو إحداهما إذا قدر على القيام، ومن يصرع فتصح إمامتهم مع الكراهة لما فيهم من النقص.

(و) يكره (أن يؤم) امرأة (أجنبية فأكثر لا رجل معهن) لنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يخلو الرجل بالأجنبية، فإن أم محارمه، أو أجنبيات معهن رجل فلا كراهة؛ لأن النساء كن يشهدن مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلاة، (أو) أن يؤم (قوما أكثرهم يكرهه بحق) كخلل في دينه، أو فضله؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» ، رواه الترمذي وقال في " المبدع ": حسن غريب وفيه لين، فإن كان ذا دين وسنة وكرهوه لذلك فلا كراهة في حقه.

(وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) ، وكذا اللقيط والأعرابي حيث صلحوا لها لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يؤم القوم أقرؤهم» (و) تصح إمامة (من يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه) من يقضي الصلاة بمن يؤديها؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت، وكذا لو قضى ظهر يوم خلف ظهر يوم آخر (لا) ائتمام (مفترض بمتنقل) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» ويصح النفل خلف الفرض، ولا عكس.

(ولا) يصح ائتمام (من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما) ولو جمعة في غير المسبوق إذا أدرك دون ركعة، قال في " المبدع ": فإن كانت إحداهما تخالف الأخرى كصلاة كسوف واستسقاء وجنازة وعيد منع فرضا وقيل ونفلا؛ لأنه يؤدي إلى المخالفة في الأفعال اهـ. فيؤخذ منه صحة نفل خلف نفل آخر لا يخالفه في أفعاله كشفع ووتر خلف تراويح حتى على القول الثاني.

فصل موقف الإمام والمأمومين

فصل في موقف الإمام والمأمومين السنة أن (يقف المأمومون) رجالا كانوا، أو نساء إن كانوا اثنين فأكثر (خلف الإمام) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه ويستثنى منه إمام العراة يقف

وسطهم وجوبا والمرأة إذا أمت النساء تقف وسطهن استحبابا ويأتي (ويصح) وقوفهم (معه) أي مع الإمام (عن يمينه، أو عن جانبيه) ؛ لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود وقال: هكذا رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل، رواه أحمد وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه، والصحيح أنه من قول ابن مسعود (لا قدامه) أي لا قدام الإمام فلا تصح للمأموم ولو بإحرام؛ لأنه ليس موقفا بحال والاعتبار بمؤخر القدم وإلا لم يضر، وإن صلى قاعدا فالاعتبار بالألية حتى لو مد رجليه، وقدمهما على الإمام لم يضر، وإن كان مضطجعا فبالجنب، وتصح داخل الكعبة إذا جعل وجهه إلى وجه إمامه، أو ظهره إلى ظهره لا إن جعل ظهره إلى وجه إمامه؛ لأنه متقدم عليه، وإن وقفوا حول الكعبة مستديرين صحت، فإن كان المأموم في جهته أقرب من الإمام في جهته جاز إن لم يكونا في جهة واحدة فتبطل صلاة المأموم ويغتفر التقدم في شدة خوف إذا أمكن المتابعة.

(ولا) يصح للمأموم إن وقف (عن يساره فقط) أي مع خلو يمينه إذا صلى ركعة فأكثر؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدار ابن عباس وجابرا عن يساره إلى يمينه، وإذا كبر عن يساره أداره من ورائه إلى يمينه، فإن كبر معه آخر وقفا خلفه، فإن كبر الآخر عن يساره أدارهما بيده وراءه، فإن شق ذلك، أو تعذر تقدم الإمام فصلى بينهما، أو عن يسارهما ولو تأخر الأيمن قبل إحرام الداخل ليصليا خلفه جاز ولو أدركهما الداخل جالسين كبر وجلس عن يمين صاحبه، أو يسار الإمام، ولا تأخر إذا للمشقة كالزمنى لا يتقدمون، ولا يتأخرون.

(ولا) تصح صلاة (الفذ) أي الفرد (خلفه) أي خلف الإمام، (أو خلف الصف) إن صلى ركعة فأكثر عامدا أو ناسيا، عالما أو جاهلا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة لفرد خلف الصف» ، رواه أحمد وابن ماجه «ورأى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة» رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وإسناده ثقات (إلا أن يكون) الفذ خلف الإمام، أو الصف (امرأة) خلف رجل فتصح صلاتها لحديث أنس، وإن وقفت بجانب الإمام فكرجل وبصف رجال لم تبطل صلاة من يليها، أو خلفها فصف تام من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من رجال (وإمامة النساء تقف في صفهن) ندبا روي عن عائشة وأم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فإن أمت واحدة وقفت عن يمينها، ولا يصح خلفها (ويليه) أي الإمام من المأمومين (الرجال) الأحرار، ثم العبيد الأفضل فالأفضل؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» ، رواه مسلم، (ثم الصبيان) الأحرار، ثم العبيد، (ثم النساء) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أخروهن من حيث أخرهن الله» ويقدم منهن البالغات

الأحرار، ثم الأرقاء، ثم من لم تبلغ من الأحرار فالأرقاء الفضلى فالفضلى، وإن وقف الخناثى صفا لم تصح صلاتهم كالترتيب (في جنائزهم) إذا اجتمعت فيقدمون إلى الإمام وإلى القبلة في القبر على ما تقدم في صفوفهم.
(ومن لم يقف معه) في الصف (إلا كافر أو امرأة) ، أو خنثى، وهو رجل، (أو من علم حدثه) ، أو نجاسة (أحدهما) أي المصلي، أو المصافف له، (أو) لم يقف معه إلا (صبي في فرض ففذ) أي فرد فلا تصح صلاته ركعة فأكثر وعلم منه صحة مصافة الصبي في النفل، أو من جهل حدثه، أو نجسه حتى فرغ.

(ومن وجد فرجة) بضم الفاء، وهي الخلل في الصف ولو بعيدة (دخلها) ، وكذا إن وجد الصف غير مرصوص وقف فيه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف» (وإلا) يجد فرجة وقف (عن يمين الإمام) ؛ لأنه موقف الواحد، (فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه) بنحنحة، أو كلام، أو إشارة، وكره بجذبه ويتبعه من ينبهه وجوبا.
(فإن صلى ركعة فذا لم تصح) صلاته لما تقدم وكرره لأجل ما أعقبه به، (وإن ركع فذا) أي فردا لعذر بأن خشي فوات الركعة، (ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام صحت، (أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت) صلاته؛ لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل الصف فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زادك الله حرصا، ولا تعد» رواه البخاري، وإن فعله ولم يخش فوات الركعة لم تصح، إن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل الصف، أو يقف معه آخر.

فصل في أحكام الاقتداء

(يصح اقتداء المأموم بالإمام) إذا كانا (في المسجد، وإن لم يره، ولا من ورائه إذا سمع التكبير) لأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير أشبه المشاهدة، (وكذا) يصح الاقتداء إذا كان أحدهما (خارجه) أي خارج المسجد (إن رأى) المأموم (الإمام أو) بعض (المأمومين) الذين وراء الإمام ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة، أو من شباك ونحوه، وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف حيث صحت فيه، أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى في غير شدة خوف لم يصح الاقتداء.
(وتصح) صلاة المأمومين (خلف إمام عال عنهم) لفعل حذيفة وعمار، رواه أبو داود، (ويكره) علو الإمام عن المأموم (إذا كان العلو ذراعا فأكثر) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم» ، فإن كان العلو يسيرا دون ذراع لم يكره لصلاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر في أول يوم وضع فالظاهر أنه كان على الدرجة السفلى جمعا بين الأخبار ولا بأس بعلو المأموم (كـ) ما تكره (إمامته في الطاق) أي طاق القبلة، وهي المحراب روي عن ابن مسعود وغيره؛ لأنه يستتر عن بعض المأمومين، فإن لم يمنع رؤيته لم يكره (و) يكره (تطوعه موضع المكتوبة) بعدها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه» ، رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة (إلا من حاجة) فيهما بأن لا يجد موضعا خاليا غير ذلك.

(و) يكره للإمام (إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة) لقول عائشة: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» ، رواه مسلم فيستحب له أن يقوم، أو ينحرف عن قبلته إلى مأموم جهة قصده وإلا فعن يمينه (فإذا كان ثم) أي هناك (نساء لبث) في مكانه (قليلا لينصرفن) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه كانوا يفعلون ذلك، ويستحب أن لا ينصرف المأموم قبل إمامه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تسبقوني بالانصراف» ، رواه مسلم، قال في " المغني " و " الشرح ": إلا أن يخالف الإمام السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة، أو لم ينحرف فلا بأس بذلك.

(ويكره وقوفهم) أي المأمومين (بين السواري إذا قطعن) الصفوف عرفا بلا حاجه لقول أنس: «كنا نتقي هذا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، رواه أحمد، وأبو داود وإسناده ثقات، فإن كان الصف صغيرا قدر ما بين الساريتين فلا بأس.
وحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد بقربه فيهدم مسجد الضرار ويباح اتخاذ المحراب، وكره حضور مسجد وجماعة لمن أكل بصلا ونحوه.
حتى يذهب ريحه.

فصل الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة

فصل في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (ويعذر بترك جمعة وجماعة مريض) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مرض تخلف عن المسجد وقال:

فصول الكتاب · 29 فصل · 735 صفحة
جارٍ التحميل