كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- الروض المربع شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعديخرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير
- الناشر
- دار المؤيد - مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكذا لو غصب شبكة أو شركا [أو فخا] وصاد به ولا أجرة لذلك، وكذا لو كسب العبد، بخلاف ما لو غصب منجلا وقطع به شجرا أو حشيشا فهو للغاصب؛ لأنه آلة فهو كالحبل يربط به.
(وإن ضرب المصنوع) المغصوب (ونسج الغزل وقصر الثوب أو صبغه ونجر الخشبة) بابا (ونحوه، أو صار الحب زرعا و) صارت (البيضة فرخا و) صار (النوى غرسا، رده وأرش نقصه) إن نقص، (ولا شيء للغاصب) نظير عمله، ولو زاد به المغصوب؛ لأنه تبرع في ملك غيره، وللمالك إجباره على إعادة ما أمكن رده إلى الحالة الأولى، كحلي ودراهم ونحوها.
(ويلزمه) أي: الغاصب (ضمان نقصه) أي: المغصوب ولو بنبات لحية أمرد، فيغرم ما نقص من قيمته، وإن جنى عليه ضمنه بأكثر الأمرين ما نقص من قيمته وأرش الجناية؛ لأن سبب كل واحد منهما قد وجد، فوجب أن يضمنه بأكثرهما.
(وإن خصى الرقيق رده مع قيمته) ؛ لأن الخصيتين يجب فيهما كمال القيمة كما يجب فيهما كمال الدية من الحر، وكذا لو قطع منه ما فيه دية كيديه أو ذكره أو أنفه، (وما نقص بسعر لم يضمن) ؛ لأنه رد العين بحالها لم ينقص منها عين ولا صفة، فلم يلزمه شيء.
(ولا) يضمن نقصا حصل (بمرض) إذا (عاد) إلى حاله (ببرئه) من المرض لزوال موجب الضمان، وكذا لو انقلع سنه ثم عاد، فإن رد المغصوب معيبا وزال عيبه في يد
مالكه وكان أخذ الأرش، لم يلزمه رده؛ لأنه استقر ضمانه برد المغصوب، وإن لم يأخذه لم يسقط ضمانه لذلك.
(وإن عاد) النقص (بتعليم صنعة) ، كما لو غصب عبدا سمينا قيمته مائة، فهزل فصار يساوي تسعين وتعلم صنعة، فزادت قيمته بها عشرة (ضمن النقص) ؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى، (وإن تعلم) صنعة زادت بها قيمته عند الغاصب (أو سمن) عنده (فزادت قيمته ثم نسي) الصنعة (أو هزل فنقصت) قيمته (ضمن الزيادة) ؛ لأنها زيادة في نفس المغصوب، فلزم الغاصب ضمانها، كما لو طالبه بردها فلم يفعل، و (كما لو عادت من غير جنس الأول) بأن غصب عبدا، فسمن وصار يساوي مائة، ثم هزل فصار يساوي تسعين، فتعلم صنعة فصار يساوي مائة ضمن نقص الهزال؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى، (و) إن كانت الزيادة الثانية (من جنسها) أي: من جنس الزيادة الأولى، كما لو نسي صنعة ثم تعلمها ولو صنعة بدل صنعة (لا يضمن) ؛ لأن ما ذهب عاد، فهو كما لو مرض ثم برئ (إلا أكثرها) يعني إذا نسي صنعة وتعلم أخرى، وكانت الأولى أكثر ضمن الفضل بينهما لفواته وعدم عوده، وإن جنى المغصوب فعلى غاصبه أرش جنايته.
فصل خلط المغصوب بغيره
فصل (وإن خلط) المغصوب بما يتميز كحنطة بشعير وتمر بزبيب، لزم الغاصب تخليصه ورده وأجرة ذلك عليه، و (بما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلها) لزمه مثله منه؛ لأنه مثلي فيجب مثل مكيله، وبدونه أو خير منه أو بغير جنسه، كزيت بشيرج، فهما شريكان بقدر ملكيهما، فيباع ويعطى كل واحد قدر حصته، وإن نقص المغصوب عن قيمته منفردا ضمنه الغاصب، (أو صبغ) الغاصب (الثوب أو لت سويقا) مغصوبا (بدهن) من زيت أو نحوه، (أو عكسه) بأن غصب دهنا ولت به سويقا (ولم تنقص القيمة) أي: قيمة المغصوب، (ولم تزد، فهما شريكان بقدر ماليهما فيه) ؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك، فيباع
ويوزع الثمن على القيمتين.
(وإن نقصت القيمة) في المغصوب (ضمنها) الغاصب لتعديه، (وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه) أي: لصاحب الملك الذي زادت قيمته بها؛ لأنها تبع للأصل.
(ولا يجبر من أبى قلع الصبغ) إذا طلبه صاحبه، وإن وهب الصبغ لمالك الثوب لزمه قبوله، (ولو قلع غرس المشتري أو بناءه لاستحقاقه الأرض) أي: لخروج الأرض مستحقة للغير (رجع) الغارس أو الباني إذا لم يعلم بالحال (على بائعها بالغرامة) له؛ لأنه غره وأوهمه أنها ملكه ببيعها له.
(وإن أطعمه) الغاصب (لعالم بغصبه، فالضمان عليه) ؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تغرير، وللمالك تضمين الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله، وقرار الضمان على الآكل، (وعكسه بعكسه) فإن أطعمه لغير عالم فقرار الضمان على الغاصب؛ لأنه غر الآكل، (وإن أطعمه) الغاصب (لمالكه أو وهبه) لمالكه (أو أودعه) لمالكه، (أو آجره إياه لم يبرأ) الغاصب (إلا أن يعلم) المالك أنه ملكه فيبرأ الغاصب؛ لأنه حينئذ يملك التصرف فيه على حسب اختياره، وكذا لو استأجره الغاصب على قصارته أو خياطته.
(ويبرأ) الغاصب (بإعارته) المغصوب لمالكه من ضمان عينه علم أنه ملكه أو لم يعلم؛ لأنه دخل على أنه مضمون عليه، والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان، فإن علم الثاني فقرار الضمان عليه وإلا فعلى الأول، إلا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه، فيستقر عليه ضمانه.
(وما تلف) أو أتلف من مغصوب (أو تغيب) ولم يمكن رده، كعبد أبق وفرس شرد (من مغصوب مثلي) وهو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه (غرم مثله إذا) ؛ لأنه لما تعذر رد العين لزمه رد ما يقوم مقامها والمثل أقرب إليه من القيمة، وينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة، فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في " المبدع "، (وإلا) يمكن رد مثل المثلي لإعوازه (فقيمته يوم تعذر) ؛ لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل فاعتبرت القيمة إذا.
(ويضمن غير المثلي) إذا تلف أو أتلف (بقيمته يوم تلفه) في بلده من نقده أو غالبه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه» ، ولو أخذ حوائج من بقال ونحوه في أيام ثم حاسبه، فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه، وإن تلف بعض المغصوب، فنقصت قيمة باقية كزوجي خف تلف أحدهما، رد الباقي وقيمة التالف وأرش نقصه.
(وإن تخمر عصير) مغصوب (فـ) على الغاصب (المثل) ؛ لأن ماليته زالت تحت يده كما لو أتلفه، (فإن انقلب خلا دفعه) لمالكه؛ لأنه عين ملكه، (و) دفع (معه نقص قيمته) حين كان (عصيرا) إن نقص؛ لأنه نقص حصل تحت يده، ويسترجع الغاصب ما أداه بدلا عنه، وإذا كان المغصوب مما جرت العادة بإجارته لزم الغاصب أجرة مثله مدة بقائه بيده استوفى المنافع أو تركها تذهب.
فصل في تصرفات الغاصب الحكمية
فصل (وتصرفات الغاصب الحكمية) أي: التي لها حكم من صحة وفساد كالحج والطهارة ونحوها، والبيع والإجارة والنكاح ونحوها، (باطلة) لعدم إذن المالك، وإن اتجر بالمغصوب فالربح لمالكه، (والقول في قيمة التالف) قول الغاصب؛ لأنه غارم، (أو قدره) أي: قدر المغصوب، (أو صفته) بأن قال: غصبتني عبدا كاتبا، وقال الغاصب: لم يكن كاتبا، فـ (قوله) أي: قول الغاصب لما تقدم، (و) القول (في رده أو تعيبه) بأن قال الغاصب: كانت فيه أصبع زائدة أو نحوها، وأنكره مالكه فـ (قول ربه) ؛ لأن الأصل عدم الرد والعيب، وإن شهدت البينة [أن] المغصوب [كان] معيبا، وقال الغاصب: كان معيبا وقت غصبه، وقال المالك: تعيب عندك، قدم قول الغاصب؛ لأنه غارم، (وإن جهل) الغاصب (ربه) أي: رب المغصوب، سلمه إلى الحاكم، فبرئ من عهدته، ويلزمه تسلمه أو (تصدق به عنه مضمونا) أي: بنية ضمانه إن جاء ربه، فإذا تصدق به كان ثوابه لربه وسقط عنه إثم الغصب، وكذا حكم رهن ووديعة ونحوها إذا جهل ربها، وليس لمن هي عنده أخذ شيء منها ولو كان فقيرا.
(ومن أتلف) لغيره مالا (محترما) بغير إذن ربه ضمنه؛ لأنه فوته عليه، (أو فتح قفصا) عن طائر فطار، ضمنه، (أو) فتح (بابا) فضاع ما كان مغلقا عليه بسببه، (أو حل وكاء) زق مائع أو جامد، فأذابته الشمس أو ألقته ريح فاندفق، ضمنه، (أو) حل (رباطا) عن فرس (أو) حل (قيدا) عن مقيد (فذهب ما فيه أو أتلف) ما فيه (شيئا ونحوه) أي: نحو ما ذكره (ضمنه) ؛ لأنه تلف بسبب فعله،
(وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان) أو أتلف شيئا (ضمن) ؛ لتعديه بالربط، ومثله لو ترك في الطريق طينا، أو خشبة، أو حجرا، أو كيس دراهم، أو أسند خشبة إلى حائط (كـ) ما يضمن مقتني (الكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله) لأنه متعد باقتنائه، فإن دخل منزله بغير إذنه لم يضمنه؛ لأنه متعد بالدخول، وإن أتلف العقور شيئا بغير العقر كما لو ولغ أو بال في إناء إنسان فلا ضمان؛ لأن هذا لا يختص بالعقور، وحكم أسد ونمر وذئب وهر تأكل الطيور وتقلب القدور في العادة حكم كلب عقور، وله قتل هر بأكل لحم ونحوه والفواسق، وإن حفر في فنائه بئرا لنفسه ضمن ما تلف بها، وإن حفرها لنفع المسلمين بلا ضرر في سابلة لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه محسن، وإن مال حائطه ولم يهدمه حتى أتلف شيئا لم يضمنه؛ لأن الميل حادث والسقوط بغير فعله.
(وما أتلفت البهيمة من الزرع) والشجر وغيرهما (ليلا، ضمنه صاحبها، وعكسه النهار) لما روى مالك عن الزهري عن حزام بن سعد: «أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم» ، (إلا أن ترسل) نهارا (بقرب ما تتلفه عادة) فيضمن مرسلها لتفريطه،
وإذا طرد دابة من زرعه لم يضمن إلا أن يدخلها مزرعة غيره، فإذا اتصلت المزارع صبر ليرجع على ربها، ولو قدر أن يخرجها وله منصرف غير المزارع فتركها فهدر.
(وإن كانت) البهيمة (بيد راكب أو قائد أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها) كيدها وفمها، (لا) ما جنت (بمؤخرها) كرجلها؛ لما روي عن سعيد مرفوعا «الرجل جبار» وفي رواية أبي هريرة «رجل العجماء جبار» ، ولو كان السبب من غيرهم كنخس وتنفير ضمن فاعله، فلو ركبها اثنان فالضمان على المتصرف منهما، (وباقي جنايتها هدر) إذا لم يكن يد أحد عليها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «العجماء جبار» أي هدر، إلا الضارية والجوارح وشبهها (كقتل الصائل عليه) من آدمي أو غيره إن
لم يندفع إلا بالقتل، فإذا قتله لم يضمنه؛ لأن قتله بدفع جائز؛ لما فيه من صيانة النفس.
(و) كـ (كسر مزمار) أو غيره من آلات اللهو، (وصليب وآنية ذهب وفضة وآنية خمر غير محترمة) ؛ لما روى أحمد عن ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره أن يأخد مدية، ثم خرج إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فشقت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك» ولا يضمن كتابا فيه أحاديث رديئة ولا حليا محرما على رجال إذا لم يصلح للنساء.
باب الشفعة
[الشفعة] بإسكان الفاء، من الشفع، وهو الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردا.
(وهي استحقاق) الشريك (انتزاع حصة شريك ممن انتقلت إليه بعوض مالي) كالبيع والصلح والهبة بمعناه، فيأخذ الشفيع نصيب البائع (بثمنه الذي استقر عليه العقد) ؛ لما روى أحمد والبخاري عن جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم» ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، (فإن انتقل) نصيب الشريك (بغير عوض) كالإرث والهبة بغير ثواب والوصية، (أو كان عوضه) غير مالي بأن جعل (صداقا أو خلعا أو صلحا عن دم عمد فلا شفعة) ؛ لأنه مملوك بغير مال أشبه الإرث؛ ولأن الخبر ورد في البيع، وهذه ليست في معناه.
(ويحرم التحيل لإسقاطها) قال الإمام: لا يجوز شيء من الحيل في إبطالها ولا إبطال حق مسلم، واستدل الأصحاب بما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» . 4 - (وتثبت) الشفعة (لشريك في أرض تجب قسمتها) ، فلا شفعة في منقول كسيف ونحوه؛ لأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص، ولا فيما لا تجب قسمته كحمام ودور صغيرة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة» رواه أبو عبيد
في " الغريب "، والمنقبة: طريق ضيق بين دارين لا يمكن أن يسلكه أحد، (ويتبعها) أي: الأرض (الغراس والبناء) فتثبت الشفعة فيهما تبعا للأرض إذا بيعا معها لا إن بيعا منفردين (لا الثمرة والزرع) إذا بيعا مع الأرض، فلا يؤخذان بالشفعة؛ لأن ذلك لا يدخل في البيع، فلا يدخل في الشفعة كقماش الدار (فلا شفعة لجار) ؛ لحديث جابر السابق.
(وهي) أي: الشفعة (على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذن) أي: وقت علم الشفيع بالبيع (بلا عذر بطلت) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة لمن واثبها» وفي رواية: «الشفعة كحل العقال» رواه ابن ماجه، فإن لم يعلم بالبيع فهو على شفعته ولو مضى سنون، وكذا لو أخر لعذر بأن علم ليلا فأخره إلى الصباح، أو لحاجة أكل أو شرب أو طهارة، أو إغلاق باب، أو خروج من حمام، أو ليأتي بالصلاة وسننها، وإن علم وهو غائب أشهد على الطلب بها إن قدر.
(وإن قال) الشفيع (للمشتري: بعني) ما اشتريت، (أو صالحني) سقطت لفوات الفور، (أو كذب العدل) المخبر له بالبيع، سقطت؛ لتراخيه عن الأخذ بلا عذر، فإن كذب فاسقا لم تسقط؛ لأنه لم يعلم الحال على وجهه، (أو طلب) الشفيع (أخذ البعض) أي: بعض الحصة المبيعة (سقطت) شفعته؛ لأن فيه إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه والضرر لا يزال بمثله، ولا تسقط الشفعة إن عمل الشفيع دلالا بينهما، أو توكل لأحدهما أو أسقطها قبل البيع.
(والشفعة لـ) شريكين (اثنين بقدر حقيهما) ؛ لأنها حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك، فدار بين ثلاثة ونصف وثلث وسدس، فباع رب الثلث، فالمسألة من ستة والثلث يقسم على أربعة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد، (فإن عفا أحدهما) أي: أحد الشفيعين (أخذ الآخر الكل أو ترك) الكل؛ لأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري، ولو وهبها لشريكه أو غيره لم يصح، وإن كان أحدهما غائبا فليس للحاضر أن يأخذ إلا الكل أو يترك، فإن أخذ الكل ثم حضر الغائب قاسمه.
(وإن اشترى اثنان حق واحد) فللشفيع أخذ حق أحدهما؛ لأن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين، (أو عكسه) بأن اشترى واحد حق اثنين صفقة، فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن تعدد البائع كتعدد المشتري، (أو اشترى واحد شقصين) بكسر الشين أي: حصتين (من أرضين صفقة واحدة، فللشفيع أخذ أحدهما) ؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أرض.
(وإن باع شقصا وسيفا) في عقد واحد، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ لأنه تجب فيه الشفعة إذا بيع منفردا، فكذا إذا بيع مع غيره، (أو تلف بعض المبيع، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن) ؛ لأنه تعذر أخذ الكل، فجاز له أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي، فلو اشترى دارا بألف تساوي ألفين فباع بابها أو هدمها فبقيت بألف، أخذها الشفيع بخمسمائة.
(ولا شفعة بشركة وقف) ؛ لأنه لا يؤخذ بالشفعة، فلا تجب به؛ لأن مستحقه غير
تام الملك، (ولا) شفعة أيضا بـ (غير ملك) للرقبة (سابق) بأن كان شريكا في المنفعة كالموصي له بها، أو ملك الشريكان دارا صفقة واحدة، فلا شفعة لأحدهما على الآخر؛ لعدم الضرر، (ولا) شفعة (لكافر على مسلم) ؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
فصل التصرف في الشقص المشفوع بالوقف والهبة ونحوه
فصل (وإن تصرف مشتريه) أي: مشتري شقص ثبتت فيه الشفعة (بوقفه أو هبته أو رهنه) أو صدقة به (لا بوصية، سقطت الشفعة) ؛ لما فيه من الإضرار بالموقوف عليه والموهوب له ونحوه؛ لأنه ملكه بغير عوض.
ولا تسقط الشفعة بمجرد الوصية به قبل قبول الموصى له بعد موت الموصي؛ لعدم لزوم الوصية.
(و) إن تصرف المشتري فيه (ببيع فله) أي: الشفيع (أخذه بأحد البيعين) ؛ لأن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد في كل منهما، ولأنه شفيع في العقدين، فإن أخذ بالأول رجع الثاني على بائعه بما دفع له؛ لأن العوض لم يسلم له، وإن أجره فللشفيع أخذه، وتنفسخ به الإجارة، هذا كله إن كان التصرف قبل الطلب؛ لأنه ملك المشتري، وثبوت حق التملك للشفيع لا يمنع من تصرفه، وأما تصرفه بعد الطلب فباطل؛ لأنه ملك الشفيع إذا.
(وللمشتري الغلة) الحاصلة قبل الأخذ، (و) له أيضا (النماء المنفصل) ؛ لأنه من ملكه والخراج بالضمان، (و) له أيضا (الزرع والثمرة الظاهرة) أي: المؤبرة؛ لأنه ملكه، ويبقى إلى الحصاد والجذاذ، لأن ضرره لا يبقى ولا أجرة عليه، وعلم منه أن النماء المتصل كالشجر إذا
كبر، والطلع إذا لم يؤبر يتبع في الأخذ بالشفعة كالرد بالعيب، (فإن بنى) المشتري (أو غرس) في حال يعذر فيه الشريك بالتأخير، بأن قاسم المشتري وكيل الشفيع، أو رفع الأمر للحاكم، فقاسمه أو قاسم الشفيع لإظهاره زيادة في الثمن ونحوه، ثم غرس أو بنى، ( [فللشفيع] تملكه بقيمته) دفعا للضرر، فتقوم الأرض مغروسة أو مبنية ثم تقوم خالية منهما، فما بينهما فهو قيمة الغراس والبناء.
(و) للشفيع (قلعه ويغرم نقصه) أي: ما نقص من قيمته بالقلع لزوال الضرر به، فإن أبى فلا شفعة، (ولربه) أي: رب الغراس أو البناء (أخذه) ولو اختار الشفيع تملكه بقيمته (بلا ضرر) يلحق الأرض بأخذه، وكذا مع ضرر، كما في " المنتهى " وغيره؛ لأنه ملكه، والضرر لا يزال بالضرر.
(وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت) الشفعة؛ لأنه نوع خيار للتمليك أشبه خيار القبول، (و) إن مات (بعده) أي: بعد الطلب ثبتت (لوارثه) لأن الحق قد تقرر بالطلب؛
ولذلك لا تسقط بتأخير الأخذ بعده.
(ويأخذ) الشفيع الشقص (بكل الثمن) الذي استقر عليه العقد؛ لحديث جابر: «فهو أحق به بالثمن» رواه أبو إسحاق الجوزجاني في " المترجم "، (فإن عجز عن) الثمن أو (بعضه سقطت شفعته) ؛ لأن في أخذه بدون دفع كل الثمن إضرارا بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر، وإن حضر رهنا أو كفيلا لم يلزم المشتري قبوله، وكذا لا يلزمه قبول عوض عن الثمن، وللمشتري حبسه على ثمنه، قاله في " الترغيب " وغيره؛ لأن الشفعة قهري والبيع عن رضى، ويمهل إن تعذر في الحال ثلاثة أيام.
(و) الثمن (المؤجل يأخذ) الشفيع (المليء به) ؛ لأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن وصفته والتأجيل من صفته، (وضده) أي: ضد المليء وهو المعسر، يأخذه إذا كان الثمن مؤجلا (بكفيل مليء) دفعا للضرر، وإن لم يعلم الشفيع حتى حل فهو كالحال.
(ويقبل في الحلف) في قدر الثمن (مع عدم البينة) لواحد منهما (قول المشتري) مع يمينه؛ لأنه العاقد،
فهو أعلم بالثمن، والشفيع ليس بغارم؛ لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملك الشقص بثمنه بخلاف الغاصب ونحوه، (فإن قال) المشتري: (اشتريته بألف، أخذ الشفيع به) أي: بالألف، (ولو أثبت البائع) أن البيع (بأكثر) من الألف مؤاخذة للمشتري بإقراره، فإن قال: غلطت أو كذبت أو نسيت، لم يقبل؛ لأنه رجوع عن إقراره، ومن ادعى على إنسان شفعة في شقص فقال: ليس لك ملك في شركتي فعلى الشفيع إقامة البينة بالشركة، ولا يكفي مجرد وضع اليد،
(وإن أقر البائع بالبيع) في الشقص المشفوع (وأنكر المشتري) شراءه (وجبت) الشفعة؛ لأن البائع أقر بحقين؛ حق للشفيع وحق للمشتري، فإن أسقط حقه بإنكاره ثبت حق الآخر، فيقبض الشفيع من البائع ويسلم إليه الثمن، ويكون درك الشفيع على البائع، وليس له ولا للشفيع محاكمة المشتري، (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) في غير الصورة الأخيرة، فإذا ظهر الشقص مستحقا أو معيبا رجع الشفيع على المشتري بالثمن أو بأرش العيب، ثم يرجع المشتري على البائع، فإن أبى المشتري قبض المبيع أجبره الحاكم، ولا شفعة في بيع خيار قبل انقضائه ولا في أرض السواد ومصر والشام؛ لأن عمر وقفها، إلا أن يحكم ببيعها حاكم أو يفعله الإمام أو نائبه؛ لأنه مختلف فيه، وحكم الحاكم ينفذ فيه.
باب الوديعة
من ودع الشيء: إذا تركه؛ لأنها متروكه عند المودع.
والإيداع توكيل في الحفظ تبرعا، والاستيداع توكل فيه كذلك، ويعتبر لها ما يعتبر في وكالة، ويستحب قبولها لمن علم أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره إلا برضى ربها.
و (إذا تلفت) الوديعة (من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن) ؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أودع وديعة فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجه، وسواء ذهب معها شيء من ماله أو لا.
(ويلزمه) أي: لمودع (حفظها في حرز مثلها) عرفا كما يحفظ ماله؛ لأنه تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ، قال في " الرعاية ": من استودع شيئا حفظه في حرز مثله عاجلا مع القدرة، وإلا ضمن، (فإن عينه) أي: الحرز (صاحبها فأحرزها بدونه، ضمن) سواء
ردها إليه أو لا؛ لمخالفته له في حفظ ماله، (و) إن أحرزها (بمثله أو أحرز) منه (فلا) ضمان عليه؛ لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله فما فوقه من باب أولى.
(وإن قطع العلف عن الدابة) المودعة (بغير قول صاحبها ضمن) ؛ لأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفا، وإن نهاه المالك عن علفها لم يضمن؛ لإذنه في إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها، لكن يأثم بترك علفها إذا لحرمة الحيوان.
(وإن عين جيبه) بأن قال: احفظها في جيبك (فتركها في كمه أو يده ضمن) ؛ لأن الجيب أحرز، وربما نسي فسقط ما في كمه أو يده، (وعكسه بعكسه) ، فإذا قال: اتركها في كمك أو يدك فتركها في جيبه، لم يضمن؛ لأنه أحرز، وإن قال: اتركها في يدك، فتركها في كمه أو بالعكس، أو قال: اتركها في بيتك فشدها في ثيابه وأخرجها، ضمن؛ لأن البيت أحرز.
(وإن دفعها إلى من يحفظ ماله) عادة كزوجته وعبده، (أو) ردها لمن يحفظ (مال ربها لم يضمن) لجريان العادة به، ويصدق في دعوى التلف والرد كالمودع، (وعكسه الأجنبي والحاكم) بلا عذر فيضمن المودع بدفعها إليهما؛ لأنه ليس له أن يودع من غير عذر.
(ولا يطالبان) أي: الحاكم والأجنبي بالوديعة إذا تلفت عندهما بلا تفريط (إن جهلا) جزم به في " الوجيز "؛ لأن المودع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ، فلا يجب على الثاني ضمان؛ لأن دفعا واحدا لا يوجب ضمانين، وقال القاضي: له ذلك، فللمالك مطالبة من شاء منهما، ويستقر الضمان على الثاني إن علم، وإلا فعلى الأول، وجزم بمعناه في " المنتهى ".
(وإن حدث خوف أو) حدث للمودع (سفر ردها على ربها) أو وكيله فيها؛ لأن في ذلك تخليصا له من دركها، فإن دفعها للحاكم إذن ضمن؛ لأنه لا ولاية له على الحاضر، (فإن غاب) ربها (حملها) المودع (معه) في السفر سواء كان لضرورة أو لا، (إن كان أحرز) ولم ينهه عنه؛ لأن القصد الحفظ وهو موجود هنا، وله ما أنفق بنية الرجوع، قاله
القاضي، (وإلا) يكن السفر أحفظ لها، أو كان نهي عنه، دفعها إلى الحاكم؛ لأن في السفر بها غررا؛ لأنه عرضة للنهب وغيره، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته.
فإن أودعها مع قدرته على الحاكم ضمنها؛ لأنه لا ولاية له، فإن تعذر حاكم (أودعها أهل ثقة) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أراد أن يهاجر، أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ولأنه موضع حاجة، وكذا حكم من حضره الموت.
(ومن) تعدى في الوديعة بأن (أودع دابة فركبها لغير نفعها) أي: علفها وسقيها، (أو) أودع (ثوبا فلبسه) لغير خوف من عث أو نحوه، (أو) أودع (دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها) إلى حرزها، (أو رفع الختم) عن كيسها أو كانت مشدودة فأزال الشد، ضمن، خرج منها شيئا أو لا؛ لهتك الحرز، (أو خلطها بغير متميز) كدراهم بدراهم وزيت بزيت من ماله أو غيره، (فضاع الكل ضمن) الوديعة؛ لتعديه، وإن ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع ضمن أيضا،
وإن خلطها بتميز كدراهم بدنانير لم يضمن، وإن أخذ درهما من غير محرزه ثم رده فضاع الكل، ضمنه وحده، وإن رد بدله غير متميز ضمن الجميع، ومن أودعه صبي وديعة لم يبرأ إلا بردها لوليه، ومن دفع لصبي ونحوه وديعة يضمنها مطلقا ولعبده، ضمنها بإتلافها في رقبته.
فصل قبول قول المودع في رد الوديعة لربها
فصل (ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها) ، أو من يحفظ ماله (أو غيره بإذنه) بأن قال: دفعتها لفلان بإذنك، فأنكر مالكها الإذن أو الدفع قبل قول المودع كما لو ادعى ردها على مالكها.
(و) يقبل قوله أيضا (في تلفها وعدم التفريط) بيمينه؛ لأنه أمين، لكن إن ادعى التلف بظاهر، كلف به ببينة ثم قبل قوله في التلف، وإن أخر ردها بعد طلبها بلا عذر ضمن، ويمهل لأكل ونوم وهضم طعام بقدره، وإن أمره بالدفع إلى وكيله، فتمكن وأبى، ضمن، ولو لم يطلبها وكيله، (فإن قال: لم تودعني، ثم ثبتت) الوديعة (ببينة أو إقرار، ثم ادعى ردا أو تلفا سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة) ؛ لأنه مكذب للبينة، وإن شهدت بأحدهما ولم تعين وقتا لم تسمع، (بل) يقبل قوله بيمينه في الرد والتلف (في) ما إذا أجاب بـ (قوله: مالك عندي شيء ونحوه) ، كما لو أجاب بقوله: لا حق لك قبلي أو لا تستحق علي شيئا،
(أو) ادعى الرد أو التلف (بعده) أي: بعد جحوده (بها) أي: بالبينة؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة ولا يكذبها، (وإن) مات المودع و (ادعى وارثه الرد منه) أي: من وارث المودع لربها (أو من مورثه) وهو المودع (لم يقبل إلا ببينة) ؛ لأن صاحبها لم يأتمنه عليها بخلاف المودع، (وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم) بلا ضرر (أخذه) أي: أخذ نصيبه فيسلم إليه؛ لأن قسمته ممكنة بغير ضرر ولا غبن، (وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر) إذا غصبت العين منهم (مطالبة غاصب العين) ؛ لأنهم مأمورون بحفظها، وذلك منه، وإن صادره سلطان أو أخذها منه قهرا لم يضمن، قاله أبو الخطاب.
باب إحياء الموات
بفتح الميم والواو (وهي) مشتقة من الموت، وهو عدم الحياة، واصطلاحا: (الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم) ، بخلاف الطرق والأقنية ومسيل المياه والمحتطبات ونحوها، وما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية أو غيرهما، فلا يملك شيئا من ذلك بالإحياء، (فمن أحياها) أي: الأرض الموات (ملكها) لحديث جابر يرفعه: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» رواه أحمد والترمذي وصححه، وعن عائشة مثله، رواه مالك وأبو داود،
وقال ابن عبد البر: هو سند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم (من مسلم وكافر) ذمي مكلف وغيره؛ لعموم ما تقدم، لكن على الذمي خراج ما أحيى من موات عنوة (بإذن الإمام) في الإحياء (وعدمه) ؛ لعموم الحديث؛ ولأنها عين مباحة فلا يفتقر ملكها إلى إذن (في دار الإسلام وغيرها) ، فجميع البلاد سواء في ذلك، (والعنوة) كأرض مصر والشام والعراق (كغيرها) مما أسلم أهله عليه أو صولحوا عليه، إلا ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج.
(ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته) ؛ لعموم ما تقدم وانتفاء المانع، فإن تعلق بمصالحه كمقبرة وملقى كناسته ونحوهما لم يملك، وكذا موات الحرم وعرفات لا يملك بإحياء، وإذا وقع في الطريق وقت الإحياء نزاع فلها سبعة أذرع، ولا تغير بعد وضعها، ولا يملك معدن ظاهر كملح وكحل وجص بإحياء، وليس للإمام إقطاعه وما نصب عنه الماء من الجزائر لم يحي بالبناء؛ لأنه يرد الماء إلى الجانب الأخر فيضر بأهله وينتفع به بنحو زرع،
(ومن أحاط مواتا) بأن أدار حوله حائطا منيعا بما جرت العادة به فقد أحياه، سواء أرادها للبناء أو غيره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحاط حائطا على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود عن جابر، (أو حفر بئرا فوصل إلى الماء) فقد أحياه، (أو أجراه) أي: الماء (إليه) أي: إلى الموات (من عين ونحوها أو حبسه) أي: الماء (عنه) أي: عن الموات إذا كان لا يزرع معه (لزرع فقط أحياه) ؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من الحائط، ولا إحياء بحرث وزرع.
(ويملك) المحيي (حريم البئر العادية) بتشديد الياء أي: القديمة، منسوبة إلى عاد ولم يرده عادا بعينها (خمسين ذراعا من كل جانب) إذا كانت انطمت وذهب ماؤها، فجدد حفرها وعمارتها أو انقطع ماؤها فاستخرجه، (وحريم البدية) المحدثة (نصفها) خمسة وعشرون ذراعا؛ لما روى أبو عبيد في " الإموال " عن سعيد بن المسيب قال: " السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعا، والبدي خمسة وعشرون ذراعا " وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعا.
وحريم شجرة: قدر مد أغصانها وحريم دار من موات حولها مطرح تراب وكناسة وثلج وماء ميزاب، ولا حريم لدار محفوفة بملك، ويتصرف في كل منهم بحسب العادة، ومن تحجر مواتا بأن أدار حوله أحجارا ونحوها، لم يملكه وهو أحق به ووارثه من بعده، وليس له بيعه، (وللإمام إقطاع موات لمن يحييه) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع بلال بن الحارث العقيق، (ولا يملكه) بالإقطاع، بل هو أحق من غيره، فإذا أحياه ملكه.
وللإمام أيضا إقطاع غير موات تمليكا وانتفاعا للمصلحة،
(وله إقطاع الجلوس) للبيع والشراء (في الطريق الواسعة) ورحبة مسجد غير محوطة (ما لم يضر بالناس) ؛ لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه فضلا عما فيه مضرة.
(ويكون) المقطع له (أحق بجلوسها) ولا يزول حقه بنقل متاعه منها؛ لأنه قد استحق بإقطاع الإمام، وله التظليل على نفسه بما ليس ببناء بلا ضرر، ويسمى هذا إقطاع إرفاق، (ومن غير إقطاع) للطرق الواسعة والرحبة غير المحوطة الحق (لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال) جزم به في " الوجيز "؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فلم يمنع، فإذا نقل متاعه كان لغيره الجلوس، وفي " المنتهى " وغيره: فإن أطاله أزيل؛ لأنه يصير كالمالك، (وإن سبق اثنان) فأكثر إليها وضاقت (اقتراعا) ؛ لأنهما استويا في السبق والقرعة، مميزة ومن سبق إلى مباح من صيد أو حطب أو معدن ونحوه فهو أحق به، وإن سبق إليه اثنان قسم بينهما.
(ولمن في أعلى الماء المباح) كماء مطر (السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه) فيفعل كذلك وهلم جرا، فإن لم يفضل عن الأول أو من بعده شيء فلا شيء للآخر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن
معمر عن الزهري قال: نظرنا إلى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» فكان ذلك إلى الكعبين، فإن كان الماء مملوكا قسم بين الملاك بقدر النفقة والعمل، وتصرف كل واحد في حصته بما شاء.
(وللإمام دون غيره حمى مرعى) أي: أن يمنع الناس من مرعى (لدواب المسلمين) التي يقوم بحفظها كخيل الجهاد والصدقة (ما لم يضرهم) بالتضييق عليهم؛ لما روى عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمى النقيع لخيل المسلمين» ، رواه أبو عبيد، وما حماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليس
لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضا عن مرعى موات أو حمى؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرك الناس فيه، ومن جلس في نحو جامع لفتوى أو إقراء فهو أحق بمكانه ما دام فيه أو غاب لعذر وعاد قريبا، ومن سبق إلى رباط أو نزل فقيه بمدرسة أو صوفي بخانقاه لم يبطل حقه بخروجه منه لحاجة.
باب الجعالة
[الجعالة] بتثليث الجيم قاله ابن مالك، قال ابن فارس: الجعل والجعالة والجعيلة: ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله، (وهي) اصطلاحا: (أن يجعل) جائز التصرف (شيئا) متمولا (معلوما لمن يعمل له عملا معلوما) ، كرد عبده من محل كذا أو بناء حائط كذا، (أو) عملا (مجهولا من مدة معلومة) كشهر كذا، (أو) مدة (مجهولة) ، فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة، ويجوز الجمع بينهما هنا بخلاف الإجارة، وله تعيين العامل للحاجة، ويقوم العمل مقام القبول؛ لأنه يدل عليه كالوكالة، ودليلها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] ، وحديث اللديغ والعمل الذي يؤخذ الجعل عليه (كرد عبد ولقطة) ، فإن كانت في يده فجعل له
مالكها جعلا ليردها لم يبح له أخذه، (و) كـ (خياطة وبناء حائط) وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال، (فمن فعله بعد علمه بقوله) أي: بقول صاحب العمل: من فعل كذا فله كذا، (استحقه) ؛ لأن العقد استقر بتمام العمل.
(والجماعة) إذا عملوه (يقتسمونه) بالسوية؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض، فاشتركوا فيه.
(و) إن بلغه الجعل (في
أثنائه) أي: أثناء العمل (يأخذ قسط تمامه) ؛ لأن ما فعله قبل بلوغ الخبر غير مأذون فيه، فلم يستحق به عوضا، وإن لم يبلغه إلا بعد العمل لم يستحق شيئا لذلك.
(و) الجعالة عقد جائز (لكل) منهما (فسخها) كالمضاربة.
(فـ) متى كان الفسخ (من العامل) قبل تمام العمل فإنه (لا يستحق شيئا) ؛ لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شرط عليه.
(و) إن كان الفسخ (من الجاعل بعد الشروع) في العمل فـ (للعامل أجرة مثل عمله) ؛ لأنه عمله بعوض لم يسلم له، وقبل الشروع في العمل لا شيء للعامل،
وإن زاد أو نقص قبل الشروع في الجعل جاز؛ لأنها عقد جائز، (ومع الاختلاف في أصله) أي: أصل الجعل (أو قدره يقبل قول الجاعل) ؛ لأنه منكر، والأصل براءة ذمته.
(ومن رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملا بغير جعل) ولا إذن (لم يستحق عوضا) ؛ لأنه بذل منفعة من غير عوض فلم يستحقه؛ ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه، (إلا) في تخليص متاع غيره من هلكه فله أجرة المثل ترغيبا، وإلا (دينارا أو اثني عشر درهما عن رد الآبق) من المصر أو خارجه، روي عن عمر وعلي وابن مسعود؛ لقول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل في رد الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا» .
(ويرجع) راد الآبق (بنفقته أيضا) ؛ لأنه مأذون في الإنفاق شرعا لحرمة النفس، ومحله إن لم ينو التبرع ولو هرب منه في الطريق، وإن مات السيد رجع في تركته وعلم منه جواز أخذ الآبق لمن وجده وهو أمانة بيده، ومن ادعاه فصدقه العبد أخذه، فإن لم يجد سيده دفعه إلى الإمام أو نائبه ليحفظه لصاحبه، وله بيعه لمصلحة، ولا يملكه ملتقطه بالتعريف كضوال الإبل، وإن باعه ففاسد.
باب اللقطة
[اللقطة] : بضم اللام وفتح القاف، ويقال: لقاطة - بضم اللام، ولقطة - بفتح اللام والقاف.
(وهي مال أو مختص ضل عن ربه) ، قال بعضهم: وهي مختصة بغير الحيوان ويسمى ضالة.
(و) يعتبر فيما يجب تعريفه أن (تتبعه همة أوساط الناس) بأن يهتموا في
طلبه، (فأما الرغيف والسوط) وهو الذي يضرب به، وفي " شرح المهذب ": هو فوق القضيب ودون العصا (ونحوهما) كشسع نعل، (فيملك) بالالتقاط (بلا تعريف) ، ويباح الانتفاع به؛ لما روى جابر قال: «رخص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العصا والسوط والحبل يلتقطه الرجل ينتفع به» رواه أبو داود، وكذا التمرة والخرقة وما لا خطر له ولا يلزمه دفع بدله.
(وما امتنع من سبع صغير) كذئب، ويرد الماء (كثور وجمل ونحوهما) كالبغال والحمير والظباء والطيور والفهود، ويقال لها: الضوال والهوامي والهوامل، (حرم أخذه) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سئل عن ضالة الإبل: «ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها» متفق عليه.
وقال عمر: من أخذ الضالة فهو ضال، أي: مخطئ، فإن أخذها ضمنها، وكذا نحو حجر طاحون وخشب كبير، (وله التقاط غير ذلك) أي: غير ما تقدم من الضوال ونحوها (من حيوان) كغنم وفصلان وعجاجيل وأفلاء، (وغيره) كأثمان ومتاع (إن أمن نفسه على ذلك) وقوي على تعريفها؛ لحديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لقطة الذهب والورق فقال: «اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه» ، وسأله عن الشاة فقال: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» متفق عليه مختصرا، والأفضل تركها، روي عن ابن عباس وابن عمر.
(وإلا) يأمن نفسه عليها (فهو كغاصب) فليس له أخذها لما فيه من تضييع مال غيره، ويضمنها إن تلفت فرط أو لم يفرط ولا يملكها، وإن عرفها ومن أخذها ثم ردها إلى موضعها أو فرط فيها، ضمنها، ويخير في الشاة ونحوها بين ذبحها وعليه القيمة، أو بيعها ويحفظ ثمنها، أو ينفق عليها من ماله بنية الرجوع، وما يخشى فساده له بيعه وحفظ ثمنه أو أكله بقيمته أو تجفيف ما يمكن تجفيفه.
(ويعرف الجميع) وجوبا؛ لحديث زيد السابق، نهارا (في مجامع الناس) كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها؛ ليظهر عليها صاحبها (غير المساجد) فلا تعرف فيها، (حولا) كاملا، روي عن عمر وعلي وابن عباس، عقب الالتقاط؛ لأن صاحبها يطلبها إذا، كل يوم ثم أسبوعا ثم عرفا، وأجرة المنادي على الملتقط.
(ويملكه بعده) أي: بعد التعريف (حكما) أي: من غير اختيار كالميراث غنيا كان أو فقيرا؛ لعموم ما سبق، ولا يملكها بدون تعريف، (لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها) أي: حتى يعرف وعاءها ووكاءها وقدرها وجنسها وصفتها، ويستحب ذلك عند وجدانها والإشهاد عليها، (فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه) بلا بينة ولا يمين، وإن لم يغلب على ظنه صدقه؛ لحديث زيد وفيه: «فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك» رواه مسلم،
ويضمن تلفها ونقصها بعد الحول مطلقا لا قبله إن لم يفرط.
(والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما) لقيامه مقامهما، ويلزمه أخذها منهما، فإن تركها في يدهما فتلفت، ضمنها، فإن لم تعرف فهي لهما، وإن وجدها عبد عدل فلسيده أخذها منه وتركها معه ليعرفها، فإن لم يأمن سيده عليها سترها عنه وسلمها للحاكم، ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان، والمكاتب كالحر، ومن بعضه حر فهي بينه وبين سيده.
(ومن ترك حيوانا) لا عبدا أو متاعا (بفلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه ملكه آخذه) بخلاف عبد ومتاع، وكذا ما يلقى في البحر خوفا من غرق فيملكه آخذه، وإن انكسرت سفينة فاستخرجه قوم فهو لربه وعليه أجرة المثل.
(ومن أخذ نعله ونحوه) من متاعه (ووجد موضعه غيره فلقطة) ، ويأخذ حقه منه بعد تعريفه، وإذا وجد عنبرة على الساحل فهي له.
باب اللقيط
بمعنى ملقوط (وهو) اصطلاحا: (طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ) أي: طرح في شارع أو غيره، (أو ضل) . (وأخذه فرض كفاية) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] . ويسن الإشهاد عليه، (وهو حر) في جميع الأحكام؛ لأن الحرية هي الأصل، والرق عارض.
(وما وجد معه) من فراش تحته أو ثياب فوقه أو مال في جيبه (أو تحته ظاهرا أو مدفونا، طريا أو متصلا به كحيوان أو غيره) مشدودا بثيابه، (أو) مطروحا (قريبا منه فـ) هو (له) عملا بالظاهر؛ ولأن له يدا صحيحة كالبالغ، (وينفق عليه منه) ملتقطه بالمعروف؛ لولايته عليه،
(وإلا) يكن معه شيء (فمن بيت المال) لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ((اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته)) وفي لفظ ((وعلينا رضاعه)) . ولا يجب على الملتقط، فإن تعذر الإنفاق من بيت المال فعلى من علم حاله من المسلمين، فإن تركوه أثموا.
(وهو مسلم) إذا وجد في دار الإسلام وإن كان فيها أهل ذمة تغليبا للإسلام والدار، وإن وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر تبعا للدار،
(وحضانته لواجده الأمين) لأن عمر أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه: إنه رجل صالح.
(وينفق عليه) مما وجد معه من نقد أو غيره (بغير إذن حاكم) لأنه وليه، وإن كان فاسقا أو رقيقا أو كافرا واللقيط مسلم، أو بدويا ينتقل في المواضع أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية لم يقر بيده،
(وميراثه وديته) كدية حر (لبيت المال) إن لم يخلف وارثا كغير اللقيط، ولا ولاء عليه لحديث «إنما الولاء لمن أعتق» .
(ووليه في) القتل (العمد) العدوان (الإمام يتخير بين القصاص والدية) لبيت المال لأنه ولي من لا ولي له، وإن قطع طرفه عمدا انتظر بلوغه ورشده ليقتص أو يعفو، وإن ادعى إنسان أنه مملوكه ولم يكن بيده لم يقبل إلا ببينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه ونحوه.
(وإن أقر رجل أو امرأة) ولو (ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولده لحق به) لأن الإقرار به محض مصلحة للطفل لاتصال نسبه ولا مضرة على غيره فيه، وشرطه أن ينفرد بدعوته، وأن يمكن كونه منه حرا كان أو عبدا، وإذا ادعته المرأة لم يلحق بزوجها كعكسه،
(ولو بعد موت اللقيط) فيلحقه وإن لم يكن له توأم أو ولد احتياطا للنسب.
(ولا يتبع) اللقيط (الكافر) المدعي أنه ولده (في دينه إلا) أن يقيم بـ (بينة تشهد أنه ولد على فراشه) ، لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة، وكذا لا يتبع رقيقا في رقه.
(وإن اعترف) اللقيط (بالرق مع سبق مناف) للرق من بيع ونحوه أو عدم سبقه لم يقبل، لأنه يبطل حق الله من الحرية المحكوم بها، سواء أقر ابتداء لإنسان أو جوابا بالدعوى عليه، (أو قال) اللقيط بعد بلوغه: (إنه كافر لم يقبل منه) ، لأنه محكوم بإسلامه، ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
(وإن ادعاه جماعة قدم ذو البينة) مسلما أو كافرا حرا أو عبدا لأنها تظهر الحق وتبينه، (وإلا) يكن لهم بينة أو تعارضت عرض معهم على القافة، (فمن ألحقته القافة
به) لحقه لقضاء عمر به بحضرة الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وإن ألحقته باثنين فأكثر لحق بهم، وإن ألحقته بكافر أو أمة لم يحكم بكفره ولا رقه، ولا يلحق بأكثر من أم، والقافة: قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة ويكفي واحد، وشرطه أن يكون ذكرا عدلا مجربا في الإصابة، ويكفي مجرد خبره، وكذا إن وطئ اثنان امرأة بشبهة في طهر واحد وأتت بولد يمكن أن يكون منهما.