كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- الروض المربع شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعديخرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير
- الناشر
- دار المؤيد - مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق) لأنه لم يتعين له مالك، ولا ضرر فيه على المجتازين.
و (لا) يجوز (إخراج روشن) على أطراف خشب أو نحوه مدفونة في الحائط، (و) لا إخراج (ساباط) وهو المستوفي للطريق كله على جدارين، (و) لا إخراج (دكة) بفتح الدال، وهي الدكان والمصطبة - بكسر الميم - (و) لا إخراج (ميزاب) ولو لم يضر بالمارة إلا أن يإذن إمام أو نائبه ولا ضرر؛ لأنه نائب المسلمين فجرى مجرى إذنهم.
(ولا يفعل ذلك) أي: لا يخرج روشنا ولا ساباطا ولا دكة ولا ميزابا (في ملك جار ودرب مشترك) غير نافذ (بلا إذن المستحق) أي: الجار أو أهل الدرب؛ لأن المنع لحق المستحق؛ فإذا رضي بإسقاطه جاز، ويجوز نقل باب في درب غير نافذ إلى أوله بلا ضرر لا إلى داخل إن لم يإذن من فوقه ويكون إعارة، وحرم أن يحدث بملكه ما يضر بجاره كحمام ورحى وتنور، وله منعه، كدق وسقي يتعدى،
وحرم أن يتصرف في جدار جار أو مشترك بفتح طاق أو ضرب وتد ونحوه إلا بإذنه.
(وليس له وضع خشبة على حائط جاره) أو حائط مشترك (إلا عند الضرورة) فيجوز (إذا لم يمكنه التسقيف إلا به) ولا ضرر؛ لحديث أبي هريرة يرفعه «لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره؛ ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» متفق عليه.
(وكذلك) حائط (المسجد وغيره) كحائط نحو يتيم، فيجوز لجاره وضع خشبة عليه إذا لم يمكن تسقيف إلا به بلا ضرر؛ لما تقدم.
(وإذا انهدم جدارهما) المشترك أو سقفها (أو خيف ضرره) بسقوطه (فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه) إن امتنع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» فإن أبى أخذ حاكم من ماله وأنفق عليه، وإن بناه شريك شركة بنية رجوع رجع، (وكذا النهر والدولاب والقناة) المشتركة إذا احتاجت لعمارة، ولا يمنع شريك من عمارة، فإن فعل فالماء على الشركة، وإن أعطى قوم قناتهم أو نحوها لمن يعمرها وله منها جزء معلوم، صح، ومن له علو لم يلزمه
عمارة سفله إذا انهدم، بل يجبر عليه مالكه، ويلزم الأعلى سترة تمنع مشارفة الأسفل، فإن استويا اشتركا.
باب الحجر
وهو في اللغة: التضييق والمنع، ومنه سمي الحرام والعقل حجرا.
وشرعا: منع إنسان من تصرفه في ماله، وهو ضربان: حجر لحق الغير كعلى مفلس، [وحجر] لحق نفسه كعلى نحو صغير.
(ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه، لم يطالب به وحرم حبسه) وملازمته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ، فإن ادعى العسرة ودينه عن عوض كثمن وقرض أو لا، وعرف له مال سابق الغالب بقاؤه، أو كان أقر بالملاءة حبس إن لم يقم بينة تخبر باطن حاله وتسمع قبل حبس وبعده، وإلا حلف وخلي سبيله.
(ومن له ماله قدر دينه لم يحجر عليه) ؛ لعدم الحاجة إلى الحجر عليه، (وأمر) أي: ووجب على الحاكم أمره (بوفائه) بطلب غريمه لحديث: «مطل الغني ظلم» . ولا يترخص من سافر قبله ولغريم من أراد سفرا منعه من غير جهاد متعين حتى يوثق برهن يحرز أو كفيل ملي.
(فإن أبى) القادر وفاء الدين الحال (حبس بطلب ربه) ذلك لحديث: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
قال الإمام: قال وكيع: عرضه: شكواه، وعقوبته: حبسه، فإن أبى عزره مرة بعد أخرى، (فإن أصر) على عدم قضاء الدين (ولم يبع ماله، باعه الحاكم وقضاه) لقيامه مقامه ودفعا لضرر رب الدين بالتأخير.
(ولا يطالب) مدين (بـ) دين (مؤجل) لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله، ولا يحجر عليه من أجله.
(ومن ماله لا يفي بما عليه) من الدين (حالا وجب) على الحاكم (الحجر عليه بسؤال غرمائه) كلهم (أو بعضهم) لحديث كعب بن مالك: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجر على معاذ وباع ماله» رواه الخلال بإسناده.
(ويستحب إظهاره) أي: إظهار حجر المفلس - وكذا السفيه - ليعلم الناس بحاله، فلا يعاملونه إلا على بصيرة، (ولا ينفذ تصرفه) أي: المحجور عليه لفلس (في ماله) الموجود والحادث بإرث أو غيره (بعد الحجر) بغير وصية أو تدبير، (ولا إقراره عليه) أي: على ماله؛ لأنه محجور عليه، وأما تصرفه في ماله قبل الحجر عليه فصحيح؛ لأنه رشيد غير محجور عليه، لكن يحرم عليه الإضرار بغريمه، (ومن باعه أو أقرضه شيئا) قبل الحجر ووجده باقيا بحاله ولم يأخذ شيئا من ثمنه، فهو أحق به؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أدرك متاعه عند إنسان أفلس فهو أحق به» متفق عليه من حديث أبي هريرة، وكذا لو أقرضه أو باعه شيئا (بعده) أي: بعد الحجر عليه (رجع فيه) إذا وجده بعينه
(إن جهل حجره) لأنه معذور بجهل حاله، (وإلا) يجهل الحجر عليه (فلا) رجوع له في عينه؛ لأنه دخل على بصيرة، ويرجع بثمن المبيع وبدل القرض إذا انفك حجره.
(وإن تصرف) المفلس (في ذمته) بشراء أو ضمان أو نحوهما، (أو أقر) المفلس (بدين أو) أقر بـ (جناية توجب قودا أو مالا، صح) تصرفه في ذمته وإقراره بذلك؛ لأنه أهل للتصرف والحجر متعلق بماله لا بذمته، (ويطالب به) أي: بما لزمه من ثمن مبيع ونحوه وما أقر به (بعد فك الحجر عنه) ؛ لأنه حق عليه، وإنما منعنا تعلقه بماله لحق الغرماء، فإذا استوفى فقد زال العارض.
(ويبيع الحاكم ماله) أي: مال المفلس الذي ليس من جنس الدين بثمن مثله أو أكثر، (ويقسم ثمنه) فورا (بقدر ديون غرمائه) الحالة؛ لأن هذا هو جل المقصود من الحجر عليه، وفي تأخيره مطل وهو ظلم لهم.
(ولا يحل) دين (مؤجل بفلس) مدين؛ لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه، (ولا) يحل مؤجل أيضا (بموت) مدين (إن وثق ورثته برهن) يحرز (أو كفيل مليء) بأقل الأمرين من قيمة التركة أو الدين؛ لأن الأجل حق للميت، فورث عنه كسائر حقوقة، فإن لم يوثقوا حل لغلبة الضرر.
(وإن ظهر غريم) للمفلس (بعد القسمة) لماله لم تنقض، و (رجع على الغرماء بقسطه) لأنه لو كان حاضرا شاركهم، فكذا إذا ظهر، وإن بقي على
المفلس بقية، وله صنعة أجبر على التكسب لوفائها كوقف وأم ولد يستغنى عنهما.
(ولا يفك حجره إلا حاكم) لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا به، وإن وفى ما عليه انفك الحجر بلا حاكم لزوال موجبه.
فصل في المحجور عليه لحظه
(ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم) إذ المصلحة تعود عليهم بخلاف المفلس، والحجر عليهم عام في ذممهم ومالهم، ولا يحتاج لحاكم، فلا يصح تصرفهم قبل الإذن.
(ومن أعطاهم ماله بيعا أو قرضا) أو وديعة ونحوها (رجع بعينه) إن بقي؛ لأنه ماله، (وإن) تلف في أيديهم أو (أتلفوه لم يضمنوا) لأنه سلطهم عليه برضاه علم بالحجر أو لا لتفريطه.
(ويلزمهم أرش الجناية) إن جنوا؛ لأنه لا تفريط من المجني عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره.
(و) يلزمهم أيضا (ضمان مال من لم يدفعه إليهم) لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره.
(وإن تم لصغير خمس عشرة سنة) حكم ببلوغه؛ لما روى ابن عمر قال: «عرضت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» متفق عليه، (أو نبت حول قبله شعر خشن) حكم ببلوغه؛ لأن «سعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة بقتلهم وسبي ذراريهم أمر أن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذرية، وبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» متفق عليه.
(أو أنزل) حكم ببلوغه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] (أو عقل مجنون ورشد) أي: من بلغ وعقل، (أو رشد سفيه زال حجرهم) ؛ لزوال
علته، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] (بلا قضاء) حاكم؛ لأنه ثبت بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه.
(وتزيد الجارية) على الذكر (في البلوغ بالحيض) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لايقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه الترمذي وحسنه.
(وإن حملت) الجارية (حكم ببلوغها) عند الحمل؛ لأنه دليل إنزالها؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من مائها، فإذا ولدت حكم ببلوغها من ستة أشهر؛ لأنه اليقين.
(ولا ينفك الحجر) عنهم (قبل شروطه) السابقة بحال ولو صار شيخا.
(والرشد: الصلاح في المال) ؛ لقول ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] أي: صلاحا في أموالهم، فعلى هذا يدفع إليه ماله، وإن كان مفسدا لدينه، ويؤنس رشده (بأن يتصرف مرارا فلا يغبن) غبنا فاحشا (غالبا، ولا يبذل ماله في حرام) كخمر وآلات لهو، (أو في غير فائدة) كغناء ونفط؛ لأن من صرف ماله في ذلك عد سفيها، (ولا يدفع إليه) أي: الصغير (حتى يختبر) ليعلم رشده (قبل بلوغه بما يليق به) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] الآية، والاختبار يختص بالمراهق الذي يعرف المعاملة والمصلحة، (ووليهم) أي: ولي السفيه الذي بلغ سفيها واستمر والصغير والمجنون (حال الحجر: الأب) الرشيد العدل، ولو ظاهرا لكمال شفقته، (ثم وصيه) لأنه نائبه ولو بجعل، وثم متبرع، (ثم الحاكم) لأن الولاية انقطعت من جهة الأب فتعينت للحاكم،
ومن فك عنه الحجر فسفه، أعيد عليه، ولا ينظر في ماله إلا الحاكم، كمن جن بعد بلوغ ورشد، (ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] والسفيه والمجنون في معناه.
(ويتجر) ولي المحجور عليه (له مجانا) أي: إذا اتجر ولي اليتيم في ماله كان الربح كله لليتيم؛ لأنه نماء ماله، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقد الولي لنفسه.
(وله دفع ماله) لمن يتجر فيه (مضاربة بجزء) معلوم (من الربح) للعامل؛ لأن عائشة أبضعت مال محمد بن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأن الولي نائب عنه فيما فيه مصلحته، وله البيع نساء، والقرض برهن، وإيداعه، وشراء العقار وبناؤه لمصلحة، وشراء الأضحية لموسر، وتركه في المكتب بأجرة، ولا يبيع عقاره إلا لضرورة أو غبطة.
(ويأكل الولي الفقير من مال موليه) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] (الأقل من كفايته أو أجرته) أي: أجرة عمله؛ لأنه يستحق بالعمل والحاجة جميعا، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه (مجانا) ، فلا يلزمه عوضه إذا أيسر؛ لأنه عوض عن عمله، فهو فيه كالأجير والمضارب.
(ويقبل قول الولي) بيمينه (والحاكم) بغير يمين (بعد فك الحجر في النفقة) وقدرها ما لم يخالف عادة وعرفا، ولو قال أنفقت عليك منذ سنتين، فقال: منذ سنة، قدم قول
الصبي؛ لأن الأصل موافقته، قاله في " المبدع ". (و) يقبل قول الولي أيضا (في وجود الضرورة والغبطة) إذا باع عقاره وادعاهما ثم أنكره.
(و) يقبل قول الولي أيضا في (التلف) وعدم التفريط؛ لأنه أمين، والأصل براءته.
(و) يقبل قوله أيضا في (دفع المال) إليه بعد رشده؛ لأنه أمين، وإن كان بجعل لم يقبل قوله في دفع المال؛ لأنه قبضه لنفعه كالمرتهن، ولولي مميز وسيده أن يأذن له في التجارة، فينفك عنه الحجر في قدر ما أذن له فيه.
(وما استدان العبد لزم سيده) أداؤه (إن أذن له) في استدانته ببيع أو قرض؛ لأنه غر الناس بمعاملته، (وإلا) يكن استدان بإذن سيده، (فـ) ما استدانه (في رقبته) يخير سيده بين بيعه وفدائه بالأقل من قيمته أو دينه ولو أعتقه، وإن كانت العين باقية ردت لربها (كاستيداعه) أي: أخذه وديعة فيتلفها.
(وأرش جنايته وقيمة متلفه) فيتعلق ذلك كله برقبته ويخير سيده كما تقدم، ولا يتبرع المأذون له بدراهم ولا كسوة، بل بإهداء مأكول وإعارة دابة وعمل دعوة بلا إسراف، ولغير المأذون له الصدقة من قوته بنحو رغيف إذا لم يضره، وللمرأة الصدقة من بيت زوجها بذلك ما لم تضطرب العادة أو لم يكن بخيلا وتشك في رضاه.
باب الوكالة
[الوكالة] بفتح الواو وكسرها: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى الله، أي: فوضته إليه، واصطلاحا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
(تصح) الوكالة (بكل قول يدل على الإذن) كـ: افعل كذا، أو أذنت لك في فعله
ونحوه، وتصح مؤقتة ومعلقة بشرط كوصية وإباحة أكل وولاية قضاء وإمارة.
(ويصح القبول على الفور والتراخي) بأن يوكله في بيع شيء، فيبيعه بعد سنة أو يبلغه أنه وكله بعد شهر، فيقول: قبلت (بكل قول أو فعل دال عليه) أي: دال على القبول؛ لأن قبول وكلائه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان
بفعلهم، وكان متراخيا عن توكيله إياهم، قاله في " المبدع ". ويعتبر تعيين الوكيل (ومن له التصرف في شيء) لنفسه (فله التوكيل) فيه، (والتوكل فيه) أي: جاز أن يستنيب غيره وأن ينوب عن غيره لانتفاء المفسدة، والمراد فيما تدخله النيابة ويأتي.
ومن لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أولى، فلو وكله في بيع ما سيملكه أو طلاق من يتزوجها لم يصح، ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها وغيرها، وأن يتوكل واجد الطول في قبول نكاح أمة لمن تباح له وغني لفقير في قبول زكاة، وفي قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي.
(ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود) لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكل عروة بن الجعد في الشراء، وسائر العقود كالإجارة والقرض والمضاربة والإبراء ونحوها في معناه، (والفسوخ) كالخلع والإقالة (والعتق والطلاق) لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء، فجاز في الإزالة بطريق الأولى، (والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه) كإحياء الموات؛ لأنها تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز كالابتياع،
(لا الظهار) لأنه قول منكر وزور، (واللعان والأيمان) والنذور والقسامة والقسم بين الزوجات والشهادة والرضاع والالتقاط والاغتنام والغصب والجنايه، فلا تدخلها النيابة.
(و) تصح الوكالة أيضا (في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات) كتفرقة صدقة وزكاة ونذر وكفارة؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وكذا حج وعمرة على ما سبق، وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث، فلا يجوز التوكيل فيها؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، لكن ركعتا الطواف تتبع الحج.
(و) تصح في (الحدود في إثباتها واستيفائها) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فأمر بها فرجمت» متفق عليه، ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته، (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه) إذا كان يتولاه مثله ولم يعجزه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه لكونه يتولى مثله، (إلا أن يجعل إليه) بأن يأذن له في التوكيل أو يقول اصنع ما شئت.
ويصح توكيل عبد بإذن سيده.
(والوكالة عقد جائز) لأنها من جهة الموكل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم، فلكل واحد منهما فسخها.
(وتبطل بفسخ أحدهما وموته) وجنونه المطبق؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل، فإذا انتفيا انتفت صحتها، وإذا وكل في طلاق الزوجة ثم وطئها أو في عتق العبد ثم كاتبه أو دبره، بطلت.
(و) تبطل أيضا بـ (عزل الوكيل) ولو قبل علمه؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه، فصح بغير علمه كالطلاق، ولو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل إلا ببينة.
(و) تبطل أيضا بـ (حجر السفيه) لزوال أهلية التصرف، لا بالحجر لفلس؛ لأنه لم يخرج عن أهلية التصرف، لكن إن حجر على الموكل وكانت في أعيان ماله بطلت؛ لانقطاع تصرفه فيها.
(ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه) لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره، فحملت الوكالة عليه، ولأنه تلحقه تهمة.
(و) لا من (ولده) ووالده وزوجته ومكاتبه وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن لتهمته في حق نفسه، وكذا حاكم وأمينه وناظر وقف ووصي ومضارب وشريك عنان ووجوه.
(ولا يبيع) الوكيل (بعرض ولا نساء ولا بغير نقد البلد) لأن عقد الوكالة لم يقتضه، فإن كان في البلد نقدان باع بأغلبهما رواجا، فإن تساويا خير، (وإن باع بدون ثمن المثل) إن لم يقدر له ثمن، (أو) باع بـ (دون ماقدره له) الموكل صح، (أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل) وكان لم يقدر له ثمنا، (أو مما قدره له صح) الشراء؛ لأن من صح منه ذلك بثمن مثله صح بغيره، (وضمن النقص) في مسألة البيع، (و) ضمن (الزيادة) في مسألة الشراء؛ لأنه مفرط، والوصي وناظر الوقف كالوكيل في ذلك، ذكره الشيخ تقي الدين.
وإن قال: بعه بدرهم، فباعه بدينار صح؛ لأنه زاده خيرا.
(وإن باع) الوكيل (بأزيد) مما قدره له الموكل صح.
(أو قال) الموكل: (بع بكذا مؤجلا، فباع) الوكيل (به حالا) صح، (أو) قال الموكل: (اشتر بكذا حالا، فاشترى به مؤجلا ولا ضرر فيهما) أي: فيما إذا باع بالمؤجل حالا أو اشترى بالحال مؤجلا، (صح) لأنه زاده خيرا، فهو كما لو وكله في بيعه بعشرة فباعه بأكثر منها، (وإلا فلا) أي: وإن لم يبع أو يشتر بمثل ما قدره له بلا ضرر، بأن قال: بعه بعشرة مؤجلة، فباعه بتسعة حالة، أو باعه بعشرة حالة، وعلى الموكل ضرر بحفظ الثمن في الحال، أو قال: اشتره بعشرة حالة، فاشتراه بأحد
عشر أو بعشرة مؤجلة مع ضرر لم ينفذ تصرفه؛ لمخالفته موكله، وقدم في " الفروع " أن الضرر لا يمنع الصحة، وتبعه في " المنتهى " و " التنقيح " في مسألة البيع، وهو ظاهر " المنتهى " أيضا في مسألة الشراء، وقد سبق لك أن بيع الوكيل بأنقص مما قدر له وشراءه بأكثر منه صحيح، ويضمن.
فصل إن اشترى الوكيل ما يعلم عيبه
فصل (وإن اشترى) الوكيل (ما يعلم عيبه لزمه) أي: لزم الشراء الوكيل، فليس له رده؛ لدخوله على بصيرة، (وإن لم يرض) به (موكله) فإن رضيه كان له؛ لنيته بالشراء، وإن اشتراه بعين المال لم يصح، (فإن جهل) عيبه (رده) لأنه قائم مقام الموكل، وله أيضا رده لأنه ملكه، فإن حضر الموكل قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده؛ لأن الحق له، بخلاف المضارب؛ لأن له حقا، فلا يسقط برضى غيره، فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل، لم يلزم الوكيل ذلك، وحقوق العقد كتسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك تتعلق بالموكل.
(ووكيل البيع يسلمه) أي: يسلم المبيع؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه؛ لأنه من تمامه.
(ولا يقبض) الوكيل في البيع (الثمن) بغير إذن الموكل؛ لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن (بغير قرينة) ، فإن دلت القرينة على قبضه مثل توكيله في بيع شيء في سوق غائبا عن الموكل أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له، كان إذنا في قبضه، فإن تركه ضمنه؛ لأنه يعد مفرطا، هذا المذهب عند الشيخين، وقدم في " التنقيح " وتبعه في " المنتهى ": لا يقبضه إلا بإذنه، فإن تعذر لم يلزم الوكيل شيء؛ لأنه ليس بمفرط؛ لكونه لا يملك قبضه.
(ويسلم وكيل المشتري الثمن) لأنه من تتمته وحقوقه كتسليم المبيع، (فلو أخره) أي: أخر تسليم الثمن (بلا عذر وتلف) الثمن (ضمنه) لتعديه بالتأخير، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر إلا بحضرته وإلا ضمن.
(وإن وكله في بيع فاسد) لم يصح ولم يملكه؛ لأن الله تعالى لم يأذن فيه؛ ولأن الموكل لا يملكه.
(ف) لو (باع) الوكيل إذا بيعا (صحيحا) لم يصح؛ لأنه لم يوكل فيه،
(أو وكله في كل قليل وكثير) لم يصح؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله وطلاق نسائه وإعتاق رقيقه، فيعظم الغرر والضرر، (أو) وكله في (شراء ما شاء أو
عينا بما شاء ولم يعين) نوعا وثمنا (لم يصح) ؛ لأنه يكثر فيه الغرر، وإن وكله في بيع ماله كله أو ما شاء منه صح.
قال في " المبدع ": وظاهر كلامهم في: بع من مالي ما شئت، له بيع ماله كله.
(والوكيل في الخصومة لا يقبض) ؛ لأن الإذن لم يتناوله نطقا ولا عرفا؛ لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، (والعكس بالعكس) فالوكيل في القبض له الخصومة؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها، فهو إذن فيها عرفا.
(و) إن قال الموكل: (اقبض حقي من زيد) ملكه من وكيله؛ لأنه قائم مقامه، و (لا يقبض من ورثته) لأنه لم يؤمر بذلك ولا يقتضيه العرف، (إلا أن يقول) الموكل للوكيل: اقبض حقي (الذي قبله) أو عليه، فله القبض من وارثه؛ لأن الوكالة اقتضت قبض حقه مطلقا، وإن قال: اقبضه اليوم لم يملكه غدا، (ولا يضمن وكيل) في (الإيداع إذا) أودع و (لم يشهد) وأنكر المودع لعدم الفائدة في الإشهاد؛ لأن المودع يقبل قوله في الرد والتلف.
وأما الوكيل في قضاء الدين إذا كان بغير حضور الموكل ولم يشهد، ضمن إذا أنكر رب الدين، وتقدم في الضمان.
فصل الوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط
فصل (والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط) لأنه نائب المالك في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك ولو بجعل، فإن فرط أو تعدى أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر، ضمن.
(ويقبل قوله) أي: الوكيل (في نفيه) أي: نفي التفريط ونحوه، (و) في (الهلاك مع يمينه) لأن الأصل براءة ذمته، لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر كحريق عام ونهب جيش، كلف إقامة البينة عليه، ثم يقبل قوله فيه.
وإن وكله في شراء شيء فاشتراه واختلفا في قدر ثمنه قبل قول الوكيل، وإن اختلفا في رد العين أو ثمنها إلى الموكل، فقول وكيل متطوع، وإن كان بجعل فقول موكل.
وإذا قبض الوكيل الثمن حيث جاز فهو أمانة في يده، لا يلزمه تسليمه قبل طلبه، ولا يضمنه بتأخيره، ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه.
(ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو) بلا بينة (لم يلزمه) أي: عمرا (دفعه إن صدقه) لجواز أن ينكر زيد الوكالة، فيستحق الرجوع عليه.
(ولا) يلزمه (اليمين إن كذبه) لأنه لا يقضي عليه بالنكول، فلا فائدة في لزوم تحليفه، (فإن دفعه) عمرو (فأنكر زيد الوكالة
حلف) ؛ لاحتمال صدق الوكيل فيها (وضمنه عمرو) فيرجع عليه زيد لبقاء حقه في ذمته، ويرجع عمرو على الوكيل مع بقاء ما قبضه أو تعديه، لا إن صدقه وتلف بيده بلا تفريط، (وإن كان المدفوع) لمدعي الوكالة بغير بينة (وديعة أخذها) حيث وجدها؛ لأنها عين حقه، (فإن تلفت ضمن أيهما شاء) لأن الدافع ضمنها بالدفع، والقابض قبض ما لا يستحقه، فإن ضمن الدافع لم يرجع على القابض إن صدقه، وإن
ضمن القابض لم يرجع على الدافع، وكدعوى الوكالة دعوى الحوالة والوصية، وإن ادعى أنه مات وأنا وارثه لزمه الدفع إليه مع التصديق واليمين مع الإنكار على نفي العلم.
باب الشركة وأنواع شركة العقود
باب الشركة الشركة بوزن سرقة ونعمة وثمرة.
(وهي) نوعان: شركة أملاك وهي: (اجتماع في استحقاق) كثبوت الملك في عقار أو منفعة لاثنين فأكثر، (أو) شركة عقود وهي اجتماع في (تصرف) من بيع ونحوه.
(وهي) أي: شركة العقود وهي - المقصودة هنا - (أنواع) خمسة:
فأحدها: (شركة عنان) سميت بذلك لتساوي الشريكين في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير، وهي (أن يشترك اثنان) أي: شخصان فأكثر، مسلمين أو أحدهما، ولا تكره مشاركة كتابي لا يلي التصرف (بماليهما المعلوم) كل منهما الحاضرين، (ولو) كان مال كل (متفاوتا) بأن لم يتساو المالان قدرا أو جنسا أو صفة، (ليعملا فيه ببدنيهما) أو يعمل فيه أحدهما، ويكون له من الربح أكثر من ربح ماله، فإن كان بدونه لم يصح وبقدره إبضاع، وإن اشتركا في مختلط بينهما شائعا صح إن علما قدر ما لكل منهما، (فينفذ تصرف كل منهما فيهما) أي: في المالين (بحكم الملك في نصيبه و) بحكم (الوكالة في نصيب شريكه) . ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح في التصرف.
(ويشترط) لشركة العنان والمضاربة (أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين) لأنهما قيم الأموال وأثمان البياعات، فلا تصح بعروض ولا فلوس ولو نافقة، وتصح بالنقدين.
(ولو مغشوشين يسيرا) كحبة فضة في دينار، ذكره في " المغني " و " الشرح "؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، فإن كان الغش كثيرا لم يصح؛ لعدم انضباطه.
(و) يشترط أيضا (أن يشترطا لكل منهما جزءا من الربح مشاعا معلوما) كالثلث والربع؛ لأن الربح مستحق لهما
بحسب الاشتراط، فلم يكن بد من اشتراطه كالمضاربة،
فإن قالا: والربح بيننا، فهو بينهما نصفين، (فإن لم يذكرا الربح) لم تصح؛ لأنه المقصود من الشركة، فلا يجوز الإخلال به (أو شرطا لأحدهما جزءا مجهولا) لم تصح؛ لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب (أو) شرطا (دراهم معلومة) لم تصح؛ لاحتمال أن لا يربحها أو لا يربح غيرها، (أو) شرطا (ربح أحد الثوبين) أو إحد [ى] السفرتين، أو ربح تجارة في شهر أو عام بعينه (لم تصح) لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره، أو بالعكس فيختص أحدهما بالربح وهو مخالف لموضوع الشركة.
(وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة) فيعتبر فيها تعيين جزء مشاع معلوم للعامل لما تقدم.
(والوضيعة) أي: الخسران (على قدر المال) بالحساب، سواء كانت لتلف أو نقصان في الثمن أو غير ذلك.
(ولا يشترط خلط المالين) لأن القصد الربح، وهو لا يتوقف على الخلط، (ولا) يشترط أيضا (كونهما من جنس واحد) فيجوز إن أخرج أحدهما \ دنانير والآخر دراهم، فإذا اقتسما رجع كل بماله، ثم اقتسما الفضل، وما يشتريه كل منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما، وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما، ولكل منهما أن يبيع ويشتري ويقبض، ويطالب بالدين ويخاصم فيه، ويحيل ويحتال، ويرد بالعيب، ويفعل
كل ما هو من مصلحة تجارتهما، لا أن يكاتب رقيقا أو يزوجه أو يعتقه أو يحابي أو يقترض على الشركة إلا بإذن شريكه، وعلى كل منهما أن يتولى ما جرت العادة بتوليه من نشر ثوب وطيه [أ] وإحرازه وقبض النقد ونحوه، فإن استأجر له فالأجرة عليه.
فصل في المضاربة
فصل في النوع (الثاني: المضاربة) من الضرب في الأرض وهو السفر للتجارة، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] وتسمى قراضا ومعاملة، وهي دفع مال معلوم (لمتجر) أي: لمن يتجر (به ببعض ربحه) أي: بجزء مشاع معلوم منه كما تقدم، فلو قال: خذ هذا المال مضاربة ولم يذكر سهم العامل، فالربح كله لرب المال والوضيعة عليه، وللعامل أجرة مثله، وإن شرط جزءا من الربح لعبد أحدهما أو لعبديهما، صح وكان لسيده، وإن شرطاه للعامل ولأجنبي معا - ولو ولد أحدهما أو امرأته - وشرطا عليه عملا مع العامل، صح وكانا عاملين، وإلا لم تصح المضاربة.
(فإن قال) رب المال للعامل: اتجر به (والربح بيننا، فنصفان) لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة، ولا مرجح فاقتضى التسوية.
(وإن
قال) : اتجر به (ولي) ثلاثة أرباعه أو ثلثه، (أو) قال: اتجر به و (لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه، صح) لأنه متى علم نصيب أحدهما أخذه، (والباقي للآخر) ؛ لأن
الربح مستحق لهما، فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ.
(وإن اختلفا لمن) الجزء (المشروط فـ) هو (لعامل) قليلا كان أو كثيرا؛ لأنه يستحقه بالعمل وهو يقل ويكثر، وإنما يتقدر حصته بالشرط، بخلاف رب المال فإنه يستحقه بماله ويحلف مدعيه، وإن اختلفا في قدر الجزء بعد الربح فقول مالك بيمينه، (وكذا مساقاة ومزارعة) إذا اختلفا في الجزء المشروط أو قدره لما تقدم.
ومضاربة كشركة عنان فيما تقدم، وإن فسدت فالربح لرب المال وللعامل أجرة مثله، وتصح مؤقتة ومعلقة.
(ولا يضارب) العامل (بمال الآخر إن أضر الأول ولم يرض) لأنها تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه، وإن لم يكن فيها ضرر على الأول أو إذن جاز، (فإن فعل) بأن ضارب الآخر مع ضرر الأول بغير إذنه (رد حصته) من ربح الثانية (في الشركة) الأولى؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول، ولا نفقة لعامل إلا بشرط.
(ولا يقسم) الربح (مع بقاء العقد) أي: المضاربة (إلا باتفاقهما) لأن الحق لا يخرج عنهما، والربح وقاية لرأس المال.
(وإن تلف رأس المال أو) تلف (بعضه) قبل التصرف انفسخت فيه المضاربة كالتالف قبل القبض، وإن تلف (بعد التصرف) جبر من الربح؛ لأنه دار في التجارة، وشرع فيما قصد بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح، (أو خسر) في إحدى سلعتين أو سفرتين (جبر) ذلك (من الربح) أي: وجب جبر الخسران من الربح، ولم يستحق العامل شيئا إلا بعد كمال رأس المال؛ لأنها مضاربة واحدة (قبل قسمته) ناضا (أو تنضيضه) مع محاسبته، فإذا احتسبا وعلما
مالهما، لم يجبر الخسران بعد ذلك مما قبله، تنزيلا للتنضيض مع المحاسبة منزلة المقاسمة، وإن انفسخ العقد والمال عرض أو دين فطلب رب المال تنضيضه، لزم العامل.
وتبطل بموت أحدهما، فإن مات عامل أو مودع أو وصي ونحوه وجهل بقاء ما بيدهم فهو دين في التركة؛ لأن الإخفاء وعدم التعيين كالغصب، ويقبل قول العامل فيما يدعيه من هلاك وخسران وما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة؛ لأنه أمين، والقول قول رب المال في عدم رده إليه.
فصل في شركة الوجوه
فصل (الثالث: شركة الوجوه) سميت بذلك؛ لأنهما يعاملان فيها بوجههما أي: جاههما، والجاه والوجه واحد، وهي أن يشتركا على (أن يشتريا في ذمتيهما) من غير أن يكون لهما مال (بجاهيهما، فما ربحاه فـ) هو (بينهما) على ما شرطاه، سواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه أو جنسه أو وقته أو لا، فلو قال: ما اشتريت من شيء فبيننا صح.
(وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن) لأن مبناها على الوكالة والكفالة، (والملك بينهما على ما شرطاه) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون عند شروطهم» ، (والوضعية على قدر ملكيهما) كشركة العنان؛ لأنها في معناها (والربح على ما شرطاه) كالعنان، وهما في تصرف كشريكي عنان.
(الرابع: شركة الأبدان) وهي (أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما) أي: يشتركان في كسبهما من صنائعهما، فما رزق الله تعالى فهو بينهما، (فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله) ويطالبان به؛ لأن شركة الأبدان لا تنعقد إلا على ذلك، وتصح مع اختلاف الصنائع كقصار مع خياط، ولكل واحد منهما طلب الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أحدهما، ومن تلفت بيده بغير تفريط لم يضمن.
(وتصح) شركة الأبدان (في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات) كالثمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتلصص على دار الحرب، لما روى أبو داود بإسناده «عن عبد الله قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين، قال أحمد: أشرك بينهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . (وإن مرض أحدهما فالكسب) الذي عمله أحدهما (بينهما) احتج الإمام بحديث سعد، وكذا لو ترك العمل لغير عذر، (وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه) لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذر عليه العمل بنفسه لزمه أن يقيم مقامه توفية للعقد بما يقتضيه وللآخر الفسخ، وإن اشتركا على أن يحملا على دابتيهما والأجرة بينهما صح، وأن أجرهما بأعينهما فلكل أجرة دابته، ويصح دفع دابة ونحوها لمن يعمل عليها وما رزقه الله تعالى بينهما على ما شرطاه.
(الخامس: شركة المفاوضة) وهي (أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة) بيعا وشراء ومضاربة وتوكيلا وابتياعا في الذمة ومسافرة
بالمال وارتهانا وضمان ما يرى من الأعمال، أو يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما، فتصح.
(والربح على ما شرطاه والوضيعة بقدر المال) لما سبق في العنان، (فإن أدخلا فيها كسبا أو غرامة نادرين) كوجدان لقطة أو ركاز أو ميراث أو أرش جناية، (أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه، فسدت) ؛ لكثرة الغرر فيها؛ لأنها تضمنت كفالة وغيرها مما لا يقتضيه العقد.
باب المساقاة
من السقي؛ لأنه أهم أمرها بالحجاز، وهي دفع شجر له ثمر مأكول ولو غير مغروس إلى آخر؛ ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره.
(تصح) المساقاة (على شجر له ثمر يؤكل) من نخل وغيره؛ لحديث ابن عمر: «عامل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه، وقال أبو جعفر: «عامل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع.» ولا تصح على ما لا ثمر له كالحور أو له ثمر غير مأكول كالصنوبر والقرظ.
(و) تصح المساقاة أيضا (على) شجر ذي (ثمرة موجودة) لم تكمل تنمى بالعمل، كالمزارعة على زرع نابت؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر ففي الموجود وقلة الغرر أولى.
(و) تصح أيضا (على شجر يغرسه) في أرض رب الشجر (ويعمل عليه حتى يثمر) ، احتج الإمام بحديث خيبر؛ ولأن العوض والعمل معلومان فصحت كالمساقاة على شجر مغروس (بجزء من الثمرة) مشاع معلوم، وهو متعلق بقوله: " تصح " فلو شرطا في المساقاة الكل لأحدهما أو آصعا معلومة أو ثمرة شجرة معينة، لم تصح، وتصح المناصبة والمغارسة، وهي دفع أرض وشجر لمن يغرسه كما تقدم بجزء مشاع ومعلوم من الشجر.
(وهي) أي: عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة (عقد جائز) من الطرفين قياسا على المضاربة؛ لأنها عقد على جزء من النماء في المال، فلا يفتقر إلى ذكر مدة، ولكل منهما فسخها متى شاء، (فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة) أي: أجرة مثله؛ لأنه منعه من إتمام عمله الذي يستحق به العوض، (وإن فسخها هو) أي: فسخ العامل المساقاة قبل ظهور الثمرة (فلا شيء له) ؛ لأنه رضي بإسقاط حقه، وإن انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطا، ويلزم العامل تمام العمل كالمضارب.
(ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة من حرث وسقي وزبار) بكسر الزاي وهو قطع الأغصان الرديئة من الكرم، (وتلقيح وتشميس وإصلاح موضعه و) إصلاح (طرق الماء وحصاد ونحوه) كآلة حرث وبقرة، وتفريق زبل، وقطع حشيش مضر وشجر يابس، وحفظ ثمر على شجر إلى أن يقسم، (وعلى رب المال ما يصلحه) أي: ما يحفظ الأصل، (كسد حائط وإجراء الأنهار) وحفر البئر (والدولاب ونحوه) كآلته التي تديره ودوابه، وشراء ما يلقح به، وتحصيل ماء وزبل والجذاذ عليهما بقدر حصتيهما، إلا أن يشترطه على العامل، والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل ويرد وغير ذلك.
فصل في المزارعة
فصل (وتصح المزارعة) لحديث خيبر السابق، وهي دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو حب مزروع ينمى بالعمل لمن يقوم عليه (بجزء) مشاع (معلوم النسبة) كالثلث أو الربع ونحوه (مما يخرج من الأرض لربها) أي: لرب الأرض، (أو للعامل والباقي للآخر) أي: أن شرط الجزء المسمى لرب الأرض فالباقي للعامل، وإن شرط للعامل فالباقي لرب الأرض؛ لأنهما يستحقان ذلك، فإذا عين نصيب أحدهما منه، لزم أن يكون الباقي للآخر.
(ولا يشترط) في المزارعة والمغارسة (كون البذر والغراس من رب الأرض) ، فيجوز أن يخرجه العامل في قول عمر وابن مسعود وغيرهما، ونص عليه في رواية مهنا، وصححه في " المغني " و " الشرح "، واختاره أبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين (وعليه عمل الناس) ؛ لأن الأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن البذر على المسلمين، وظاهر المذهب اشتراطه، نص عليه في رواية جماعة، واختاره عامة الأصحاب، وقدمه في " التنقيح "، وتبعه المصنف في " الإقناع "، وقطع به في " المنتهى ". وإن شرط رب الأرض أن يأخذ مثل بذره ويقتسما الباقي لم يصح، وإن كان في الأرض شجر فزارعه على
الأرض وساقاه على الشجر صح، وكذا لو أجره الأرض وساقاه على شجرها، فيصح ما لم يتخذ حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
وتصح مساقاة ومزارعة بلفظهما ولفظ العاملة وما في معنى ذلك ولفظ إجارة؛ لأنه مؤد للمعنى.
وتصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها، فإن لم تزرع نظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى.
باب الإجارة
مشتقة من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرا، وهي عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم، وتنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما، وبلفظ بيع إن لم يضف للعين.
و (تصح) الإجارة (بثلاثة شروط) :
أحدها: (معرفة المنفعة) لأنها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالمبيع، وتحصل المعرفة إما بالعرف (كسكنى دار) لأنها لا تكرى إلا لذلك، فلا يعمل فيها حدادة ولا قصارة، ولا يسكنها دابة ولا يجعلها مخزنا لطعام، ويدخل ماء بئر تبعا، وله إسكان ضيف وزائر، (و) كـ (خدمة آدمي) فيخدم ما جرت به العادة من ليل ونهار، وإن استأجر حرة أو أمة صرف وجهه عن النظر.
(و) يصح استئجار آدمي لعمل معلوم كـ (تعليم علم) وخياطة ثوب أو قصارته، أو ليدل على طريق ونحوه؛ لما في البخاري عن عائشة في حديث الهجرة: «واستأجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر رجلا [هو عبد الله بن أرقط، وقيل: ابن أريقط، كان كافرا] من بني الديل هاديا خريتا» والخريت: الماهر بالهداية، وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين، وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته.
الشرط (الثاني: معرفة الأجرة) بما تحصل به معرفة الثمن لحديث أحمد عن أبي سعيد: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره» ،
فإن أجره الدار
بعمارتها أو عوض معلوم، وشرط عليه عمارتها خارجا عن الأجرة لم تصح، ولو أجرها بمعين على أن ينفق المستأجر ما يحتاج إليه محتسبا به من الأجرة صح.
(وتصح) الإجارة (في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما) روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى في الأجير، وأما الظئر فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] . ويشترط لصحة العقد العلم بمدة الرضاع ومعرفة الطفل بالمشاهدة وموضع الرضاع ومعرفة العوض.
(وإن دخل حماما أو سفينة) بلا عقد (أو أعطى ثوبه قصارا أو خياطا) ليعملاه (بلا عقد صح بأجرة العادة) لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، وكذا لو دفع متاعه لمن يبيعه أو استعمل حمالا ونحوه فله أجرة مثله، ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة.
الشرط (الثالث: الإباحة في) نفع (العين) المقدور عليه المقصود، كإجازة دار يجعلها مسجدا، وشجر لنشر ثياب أو قعوده بظله، (فلا تصح) الإجارة (على نفع محرم كالزنا والزمر والغناء وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر) ؛ لأن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها والإجارة تنافيها، وسواء شرط ذلك في العقد أو لا إذا ظن الفعل، ولا تصح إجارة طير ليوقظه للصلاة؛ لأنه غير مقدور عليه، ولا شمع وطعام ليتجمل به ويرده، ولا ثوب يوضع على نعش ميت، ذكره في " المغني " و " الشرح ". ولا نحو تفاحة لشم.
(وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه) المعلوم (عليه) لإباحة ذلك.
(ولا تؤجر المرأة نفسها) بعد عقد النكاح عليها (بغير إذن زوجها) لتفويت حق الزوج.
فصل ما يشترط في العين المؤجرة
فصل (ويشترط في العين المؤجرة) خمسة شروط: أحدها: (معرفتها برؤية أو صفة) إن انضبطت بالوصف؛ ولهذا قال: (في غير الدار ونحوها) مما لا يصح فيه السلم، فلو استأجر حماما فلا بد من رؤيته؛ لأن الغرض يختلف بالصغر والكبر، ومعرفة مائه ومشاهدة الإيوان ومطرح الرماد ومصرف الماء، وكره أحمد كراء الحمام؛ لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه.
(و) الشرط الثاني: (أن يعقد على نفعها) المستوفي (دون أجزائها) لأن الإجارة هي بيع المنافع فلا تدخل الأجزاء فيها، (فلا تصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله) ولو أكرى شمعة ليشعل منها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي فهو فاسد، (ولا حيوان ليأخذ لبنه) أو صوفه أو شعره أو وبره (إلا في الظئر) فيجوز وتقدم، (ونقع البئر) أي: ماؤها المستنقع فيها (وماء الأرض يدخلان تبعا) كحجر ناسخ، وخيوط خياط، وكحل كحال، ومرهم طبيب ونحوه.
(و) الشرط الثالث: (القدرة على التسليم) كالبيع، (فلا تصح إجارة) العبد (الآبق و) الجمل (الشارد) والطير في الهواء، ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه، ولا إجارة المشاع مفردا لغير الشريك، ولا يؤجر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها.
(و) الشرط الرابع: (اشتمال العين على المنفعة، فلا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع) لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين.
(و) الشرط الخامس: (أن تكون المنفعة) مملوكة (للمؤجر أو مأذونا له فيها) فلو تصرف فيما لا يملكه بغير إذن مالكه لم يصح كبيعه.
(وتجوز إجارة العين) المؤجرة بعد قبضها إذا أجرها المستأجر (لمن يقوم مقامه) في الانتفاع أو دونه؛ لأن المنفعة لما كانت مملوكة له جاز له أن يستوفيها بنفسه ونائبه، (لا بأكثر منه ضررا) لأنه لا يملك أن يستوفيه فبنائبه أولى، وليس للمستعير أن يؤجر إلا بإذن مالك والأجرة له.
(وتصح إجارة الوقف) لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه، فجاز له إجارتها كالمستأجر، (فإن مات المؤجر فانتقل) الوقف (إلى من بعده لم تنفسخ) لأنه أجر ملكه في زمن ولايته، فلا تبطل بموته، كمالك المطلق (وللثاني حصته من الأجرة) من حين موت الأول، فإن كان قبضها رجع في تركته بحصته؛ لأنه تبين عدم استحقاقه لها، فإن تعذر أخذها فظاهر كلامهم أنها تسقط، قاله في " المبدع ". وإن لم تقبض فمن مستأجر، وقدم في " التنقيح " أنها تنفسخ إن كان المؤجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، وكذا حكم مقطع أجر إقطاعه ثم أقطع لغيره، وإن أجر الناظر العام أو من شرط له وكان أجنبيا لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله، وإن أجر الولي اليتيم أو ماله أو السيد العبد، ثم بلغ الصبي ورشد وعتق العبد أو مات الولي أو عزل لم تنفسخ الإجارة، إلا أن يؤجره مدة يعلم بلوغه أو عتقه فيها فتنفسخ من حينهما.
(وإن أجر الدار ونحوها) كالأرض (مدة معلومة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء
العين فيها صح) ولو ظن عدم العاقد فيها، ولا فرق بين الوقف والملك؛ لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبا، وليس لوكيل مطلق إجارة مدة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما، قاله الشيخ تقي الدين.
ولا يشترط أن تلي المدة العقد، فلو آجره سنة خمس في سنة أربع صح، ولو كانت العين مؤجرة أو مرهونة حال العقد إن قدر على تسليمها عند وجوبه، (وإن استأجرها) أي: العين (لعمل، كدابة لركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث) أرض معلومة بالمشاهدة لاختلافها بالصلابة والرخاوة، (أو دياس زرع) معين أو موصوف؛ لأنها منفعة مباحة مقصودة، (أو) استأجر (من يدله على طريق، اشترط معرفة ذلك) العمل (وضبطه بما لا يختلف) لأن العمل هو المعقود عليه، فاشترط فيه العلم كالمبيع.
(ولا تصح) الإجارة (على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة) أي: مسلما، كالحج والأذان وتعليم القرآن؛ لأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قوما يصلون خلفه.
ويجوز أخذ رزق على ذلك من بيت المال وجعالة وأخذ بلا شرط، ويكره للحر أكل أجرة على حجامة، ويطعمه الرقيق والبهائم.
(و) يجب (على المؤجر كل ما يتمكن به) المستأجر (من النفع كزمام الجمل) وهو الذي يقوده به، (ورحله وحزامه) بكسر الحاء المهملة (والشد عليه) أي: على الرحل، (وشد الأحمال والمحامل والرفع والحط ولزوم البعير) لينزل المستأجر لصلاة فرض وقضاء حاجة إنسان وطهارة، ويدع البعير واقفا حتى يقضي ذلك، (ومفاتيح الدار) على المؤجر؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع وبه يحصل، وهي أمانة في يد المستأجر.
(و) على المؤجر أيضا (عمارتها) فلو سقط حائط أو خشبة فعليه إعادته، (فأما تفريغ البالوعة والكنيف) وما في الدار من زبل أو قمامة ومصاريف حمام (فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة) من ذلك؛ لأنه حصل بفعله فكان عليه تنظيفه، ويصح كراء العقبة بأن يركب في بعض الطريق ويمشي في بعض مع العلم به، إما بالفراسخ أو الزمان، وإن استأجر اثنان جملا يتعاقبان عليه صح، وإن اختلفا في البادئ منهما أقرع بينهما في الأصح، قاله في " المبدع ".
فصل الإجارة عقد لازم من الطرفين
فصل (وهي) أي: الإجارة (عقد لازم) من الطرفين؛ لأنها نوع من البيع، فليس لأحدهما فسخها لغير عيب أو نحوه، (فإن أجره شيئا ومنعه) أي: منع المؤجر المستأجر الشيء المؤجر (كل المدة أو بعضها) بأن سلمه العين ثم حوله قبل أن تقضى المدة (فلا شيء له) من الأجرة؛ لأنه لم يسلم له ما تناوله عقد الإجارة، فلم يستحق شيئا، (وإن بدأ الآخر) أي: المستأجر فتحول (قبل انقضائها) أي: انقضاء مدة الإجارة، (فعليه) جميع (الأجرة) ؛ لأنها عقد لازم، فترتب مقتضاها وهو ملك المؤجر الآجر والمستأجر المنافع.
(وتنفسخ) الإجارة (بتلف العين المؤجرة) كدابة وعبد ماتا؛ لأن المنفعة زالت بالكلية، وإن كان التلف بعد مضي مدة لها أجرة انفسخت فيما بقي ووجب للماضي القسط.
(و) تنفسخ الإجارة أيضا (بموت المرتضع) لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه لاختلافهم في الرضاع.
(و) تنفسخ الإجارة أيضا بموت (الراكب إن لم يخلف بدلا) أي: من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة بأن لم يكن له وارث، أو كان غائبا - كمن يموت بطريق مكة ويترك جمله - فظاهر كلام أحمد أنها تنفسخ في الباقي؛ لأنه قد جاء أمر غالب منع المستأجر منفعة العين أشبه ما لو غصبت، هذا كلامه في " المقنع "، والذي في " الإقناع " و " المنتهى " وغيرهما أنها لا تبطل بموت راكب.
(و) تنفسخ أيضا (بانقلاع ضرس) اكترى لقلعه (أو برئه) لتعذر استيفاء المعقود عليه، فإن لم يبرأ وامتنع المستأجر من قلعه لم يجبر (ونحوه) أي: تنفسخ الإجارة بنحو ذلك كاستئجار طبيب ليداويه فبرئ.
و (لا) تنفسخ (بموت المتعاقدين أو أحدهما) مع سلامة المعقود عليه للزومها.
(ولا) تنفسخ بعذر لأحدهما مثل (ضياع نفقة المستأجر) للحج (ونحوه) ، كاحتراق متاع من اكترى دكانا لبيعه.
(وإن اكترى دارا فانهدمت أو) اكترى (أرضا لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت، انفسخت الإجارة في الباقي) من المدة؛ لأن المقصود بالعقد قد فات، أشبه ما لو تلف، وإن أجره أرضا بلا ماء صح، وكذا إن أطلق مع علمه بحالها، وإن ظن وجوده بالأمطار وزيادة الأنهار صح كالعلم، وإن غصبت المؤجرة خير المستأجر بين الفسخ، وعليه أجرة ما مضى وبين الإمضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل.
ومن استؤجر لعمل شيء فمرض، أقيم مقامه من ماله من يعمله ما لم تشترط مباشرته، أو يختلف فيه القصد كالنسخ، فيتخير فيه المستأجر بين الصبر والفسخ.
(وإن وجد) المستأجر (العين معيبة أو حدث بها) عنده (عيب) وهو ما
يظهر به تفاوت الأجر، (فله الفسخ) إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، (وعليه أجرة ما مضى) ؛ لاستيفائه المنفعة فيه، وله الإمضاء مجانا والخيار على التراخي.
ويجوز بيع العين المؤجرة، ولا تنفسخ الإجارة به، وللمشتري الفسخ إن لم يعلم.
(ولا يضمن أجير خاص) وهو من استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها سوى فعل الخمس بسننها في أوقاتها وصلاة جمعة وعيد، يسمى خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه [في] تلك المدة، ولا يستنيب (ما جنت يده [من] خطأ) لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن كالوكيل، وإن تعدى أو فرط ضمن.
(ولا) يضمن أيضا (حجام وطبيب وبيطار) وختان (لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم) أي: معرفتهم صنعتهم؛ لأنه فعل فعلا مباحا فلم يضمن سرايته، ولا فرق بين خاصهم ومشتركهم، فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا؛ لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع إذا، وكذا لو كان حاذقا وجنت يده بأن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة أو بآلة كالة، أو تجاوز بقطع السلعة موضعها ضمن؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ.
(ولا) يضمن أيضا (راع لم يتعد) ؛ لأنه مؤتمن على الحفظ كالمودع، فإن تعدى أو فرط ضمن.
(ويضمن) الأجير (المشترك) وهو من قدر نفعه بالعمل، كخياطة ثوب وبناء حائط، سمي مشتركا لأنه يتقبل أعمالا لجماعة في وقت واحد يعمل لهم، فيشتركون في نفعه كالحائك والقصار والصباغ والحمال، فكل منهما ضامن (ما تلف بفعله) كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله، روي عن عمر وعلي وشريح والحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لأن عمله مضمون عليه؛ لكونه لا يستحق العوض إلا بالعمل، وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجرة فيما عمل بخلاف الخاص، والمتولد من المضمون مضمون، وسواء عمل في بيته أو بيت المستأجر أو كان المستأجر على المتاع أو لا.
(ولا يضمن) المشترك (ما تلف من حرزه أو بغير فعله) ؛ لأن العين في يده أمانة كالمودع، (ولا أجرة له) فيما عمل فيه؛ لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه، سواء كان في بيت المستأجر أو غيره، بناء كان أو غيره، وإن حبس الثوب على أجرته فتلف، ضمنه؛ لأنه لم يرهنه عنده ولا أذن له في إمساكه، فلزمه الضمان كالغاصب، وإن ضرب الدابة بقدر العادة لم يضمن.
(وتجب الأجرة بالعقد) كثمن وصداق وتكون حالة (إن لم تؤجل) بأجل معلوم، فلا تجب حتى يحل، (وتستحق) أي: يملك الطلب بها (بتسليم العمل الذي في الذمة) ، ولا
يجب تسليمها قبله، وإن وجبت بالعقد؛ لأنها عوض، فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق، وتستقر كاملة باستيفاء المنفعة وبتسليم العين ومضي المدة، مع عدم المانع أو فراغ عمل ما بيد مستأجر ودفعه إليه، وإن كانت لعمل، فببذل تسليم العين ومضي مدة يمكن الاستيفاء فيها.
(ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة، لزمه أجرة المثل) لمدة بقائها في يده سكن أو لم يسكن؛ لأن المنفعة تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمؤجر، فرجع إلى قيمتها.
باب السبق
وهو بتحريك الباء: العوض الذي يسابق عليه، وبسكونها: المسابقة، أي: المجاراة بين حيوان وغيره.
(يصح) أي: يجوز السباق (على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق) جمع مزراق، وهو: الرمح القصير، وكذا المجانيق ورمي الأجحار بمقاليع ونحو ذلك؛ «لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سابق عائشة» رواه أحمد وأبو داود، " وصارع ركانة فصرعه " رواه أبو
داود، و «سابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رواه مسلم)
(ولا تصح) أي: لا تجوز المسابقة (بعوض إلا في إبل وخيل وسهام؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه الخمسة عن أبي هريرة، ولم يذكر ابن ماجه: " أو نصل "، وإسناده حسن، قاله في " المبدع ".
(ولا بد) لصحة المسابقة (من تعيين المركوبين) لا الراكبين؛ لأن القصد معرفة سرعة عدو الحيوان الذي يسابق عليه (و) لا بد من (اتحادهما) في النوع، فلا تصح بين عربي وهجين.
(و) لا بد في المناضلة من تعيين (الرماة) ؛ لأن القصد معرفة حذقهم، ولا يحصل
إلا بالتعيين بالرؤية، ويعتبر فيها أيضا كون القوسين من نوع واحد، فلا تصح بين قوس عربية وفارسية.
(و) لا بد أيضا من تحديد (المسافة) بأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيه، ويعتبر في المناضلة تحديد مدى رمي (بقدر معتاد) ، فلو جعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها غالبا، وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع لم تصح؛ لأن الغرض يفوت بذلك.
ذكره في " الشرح " وغيره.
(وهي) أي: المسابقة (جعالة، لكل واحد) منهما (فسخها) لأنها عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه إلا أن يظهر الفضل لأحدهما فله الفسخ دون صاحبه.
(وتصح المناضلة) أي: المسابقة بالرمي من النضل، وهو السهم التام، (على معينين) سواء كان اثنين أو جماعتين؛ لأن القصد معرفة الحذق كما تقدم، (يحسنون الرمي) لأن
من لا يحسنه وجوده كعدمه، ويشترط لها أيضا تعيين عدد الرمي والإصابة ومعرفة قدر الغرض، طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الأرض، والسنة أن يكون لهما غرضان، إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني؛ لفعل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
باب العارية
بتخفيف الياء وتشديدها: من العري وهو التجرد، سميت عارية لتجردها عن العوض.
(وهي إباحة نفع عين) يحل الانتفاع بها (تبقى بعد استيفائه) ليردها على مالكها، وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها، ويشترط أهلية المعير للتبرع شرعا، وأهلية المستعير للتبرع له، وهي مستحبة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] .
(وتباح إعارة كل ذي نفع مباح) كالدار والعبد والدابة والثوب ونحوها، (إلا البضع) لأن الوطء لا يجوز إلا في نكاح أو ملك يمين وكلاهما منتف، (و) إلا (عبدا مسلما لكافر) لأنه لا يجوز له استخدامه، (و) إلا (صيدا ونحوه) كمخيط (لمحرم) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] . (و) إلا (أمة شابة لغير امرأة أو محرم) لأنه لا يؤمن عليها، ومحل ذلك إن خشي المحرم، وإلا كره فقط، ولا بأس بشوهاء وكبيرة لا تشتهى، ولا بإعارتها لامرأة أو ذي محرم؛ لأنه مأمون عليها، وللمعير الرجوع متى شاء ما لم يأذن في شغله بشيء يستضر المستعير برجوعه فيه، كسفينة لحمل متاعه، فليس له الرجوع ما دامت في لجة البحر، وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه.
(ولا أجرة لمن أعار حائطا) ثم رجع (حتى يسقط) لأن بقاءه بحكم العارية، فوجب كونه بلا أجرة، بخلاف من أعار أرضا لزرع ثم رجع، فيبقى الزرع بأجرة المثل لحصاده جمعا بين الحقين.
(ولا يرد) الخشب (إن سقط) الحائط لهدم أو غيره؛ لأن الإذن تناول الأول، فلا يتعداه لغيره، (إلا بإذنه) أي: إذن صاحب الحائط، أو عند الضرورة إلى وضعه إذا لم يتضرر الحائط، كما تقدم في الصلح.
(وتضمن العارية) المقبوضة إذا تلفت في غير ما استعيرت له؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه» رواه الخمسة وصححه الحاكم، وروي عن ابن عباس وأبي هريرة، لكن المستعير من المستأجر أو لكتب علم ونحوها موقوفة لا ضمان عليه إن لم يفرط، وحيث ضمنها المستعير فـ (بقيمتها يوم تلفت) إن لم تكن مثلية، وإلا فبمثلها كما تضمن في الإتلاف، (ولو شرط نفي ضمانها) لم يسقط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط وعكسه نحو وديعة، لا تصير مضمونة بالشرط، وإن تلفت هي أو أجزاؤها في انتفاع بمعروف لم تضمن؛ لأن الإذن في الاستعمال تضمن الإذن في الإتلاف، وما أذن في إتلافه غير مضمون، (وعليه) أي: وعلى المستعير (مؤنة ردها) أي: رد العارية، لما تقدم من حديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ، وإذا كانت واجبة الرد وجب أن تكون مؤنة الرد على من وجب عليه الرد، (لا المؤجرة) فلا يجب على المستأجر مؤنة ردها؛ لأنه لا يلزمه الرد، بل يرفع يده إذا انقضت المدة، ومؤنة الدابة المؤجرة والمعارة على المالك، وللمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله؛ لأنه نائبه.
(ولا يعيرها) ولا يؤجرها؛ لأنه إباحة المنفعة، فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام، (فإن) أعارها و (تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها) إن كانت متقومة، سواء كان عالما بالحال أو لا؛ لأن التلف حصل في يده، (و) استقر (على معيرها أجرتها) للمعير الأول إن لم يكن المستعير الثاني عالما بالحال، وإلا استقرت عليه أيضا.
(و) للمالك أن (يضمن أيهما شاء) من المعير؛ لأنه سلط على إتلاف ماله أو المستعير؛ لأن التلف حصل تحت يده، (وإن أركب) دابته (منقطعا) طلبا (للثواب لم يضمن) ؛ لأن يدربها لم تزل عليها، كرديفه ووكيله، ولو سلم شريك شريكه الدابة، فتلفت
بلا تفريط ولا تعد، لم يضمن إن لم يأذن له في الاستعمال، فإن أذن له فيه فكعارية، وإن كان بأجرة فإجارة، فلو سلمها إليه ليعلفها ويقوم بمصالحها لم يضمن.
(وإذا قال) المالك: (أجرتك) و (قال) من هي بيده: (بل أعرتني أو بالعكس) بأن قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، فقول المالك في الثانية، وترد إليه في الأول إن اختلفا (عقب العقد) أي: قبل مضي مدة لها أجرة (قبل قول مدعي الإعارة) مع يمينه؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، وحينئذ ترد العين إلى مالكها إن كانت باقية.
(و) إن كان الاختلاف (بعد مضي مدة) لها أجرة، فالقول (قول المالك) مع يمينه؛ لأن الأصل في مال الغير الضمان، ويرجع المالك حينئذ (بأجرة المثل) لما مضى من المدة؛ لأن الإجارة لم تثبت.
(وإن قال) الذي في يده العين: (أعرتني، أو قال: أجرتني، قال) المالك: (بل غصبتني) ، فقول مالك كما لو اختلفا في ردها، (أو قال) المالك: (أعرتك) و (قال) من هي بيده: (بل أجرتني، والبهيمة تالفة) ، فقول مالك؛ لأنهما اختلفا في صفة القبض، والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان للأثر، ويقبل قول الغارم في القيمة، (أو اختلفا في رد، فقول المالك) ؛ لأن المستعير قبض العين لحظ نفسه، فلم يقبل قوله
في الرد، وإن قال: أودعتني، فقال: غصبتني، أو قال: أودعتك، قال: بل أعرتني، صدق المالك بيمينه وعليه الأجرة بالانتفاع.
باب الغصب
[الغصب] مصدر غصب يغصب، بكسر الصاد، (وهو) لغة: أخذ الشيء ظلما واصطلاحا: (الاستيلاء) عرفا: (على حق غيره) مالا كان أو اختصاصا (قهرا بغير حق) ، فخرج بقيد القهر: المسروق والمنتهب والمختلس، وبغير حق: استيلاء الولي على مال الصغير ونحوه، والحاكم على مال المفلس، وهو محرم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] (من عقار) بفتح العين: الضيعة والنخل والأرض، قاله أبو السعادات، (ومنقول) من أثاث وحيوان ولو أم ولد، لكن لا تثبت اليد على بضع، فيصح تزويجها ولا يضمن نفعه، ولو دخل دارا قهرا وأخرج ربها فغاصب، وإن أخرجه قهرا ولم يدخل، أو دخل مع حضور ربها وقوته فلا، وإن دخل قهرا ولم يخرجه فقد غصب ما استولى عليه، وإن لم يرد الغصب فلا، وإن دخلها قهرا في غيبة ربها فغاصب ولو كان فيها قماشه، ذكره في
" المبدع ". (وإن غصب كلبا يقتنى) ككلب صيد وماشية وزرع، (أو) غصب (خمر ذمي) مستورة (ردهما) ؛ لأن الكلب يجوز الانتفاع به واقتناؤه، وخمر الذمي يقر على شربها، وهي مال عنده.
(ولا) يلزم أن (يرد جلد ميتة) غصب ولو بعد الدبغ؛ لأنه لا يطهر بدبغ.
وقال الحارثي: يرده حيث قلنا: يباح الانتفاع به في اليابسات.
قال في " تصحيح الفروع ": هو الصواب.
(وإتلاف الثلاثة) أي: الكلب والخمر المحرمة وجلد الميتة (هدر) سواء كان المتلف
مسلما أو ذميا؛ لأنه ليس لها عوض شرعي؛ لأنه لا يجوز بيعها.
(وإن استولى على حر) كبير أو صغير (لم يضمنه) ؛ لأنه ليس بمال، (وإن استعمله كرها) فعليه أجرته؛ لأنه استوفى منافعه وهي متقومة، (أو حبسه) مدة لمثلها أجرة (فعليه أجرته) ؛ لأنه فوت منفعته وهي مال يجوز أخذ العوض عنها، وإن منعه العمل من غير غصب أو حبس لم يضمن منافعه.
(ويلزم) غاصبا (رد المغصوب) إن كان باقيا وقدر على رده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لا لاعبا ولا جادا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها» رواه أبو داود.
وإن زاد لزمه رده (بزيادته) متصلة كانت أو منفصلة؛ لأنها من نماء المغصوب وهو لمالكه، فلزمه رده كالأصل.
(وإن غرم) على رد المغصوب (أضعافه) لكونه بني عليه أو بعد ونحوه.
(وإن بنى في الأرض) المغصوبة (أو غرس لزمه القلع) إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق» ، (و) لزمه (أرش نقصها) أي: نقص الأرض (وتسويتها) ؛ لأنه ضرر حصل بفعله، (والأجرة) أي: أجرة مثلها إلى وقت التسليم، وإن بذل ربها قيمة الغراس والبناء ليملكه، لم يلزم الغاصب قبوله وله قلعها، وإن زرعها وردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرتها، وإن كان الزرع قائما فيها، خير ربها بين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله وبين أخذه بنفقته، وهي مثل بذره وعوض لواحقه، (ولو غصب جارحا أو عبدا أو فرسا فحصل
بذلك) الجارح أو العبد أو الفرس (صيد، فلمالكه) أي: مالك الجارح ونحوه؛ لأنه بسبب ملكه فكان له،