كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- الروض المربع شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعديخرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير
- الناشر
- دار المؤيد - مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«مروا أبا بكر فليصل بالناس» متفق عليه.
وكذا خائف حدوث مرض وتلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها راكبا، أو محمولا (و) يعذر بتركهما (مدافع أحد الأخبثين) البول والغائط (ومن بحضرة الطعام) هو (محتاج إليه) ويأكل حتى يشبع لخبر أنس في " الصحيحين " (و) يعذر بتركهما (خائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضررا فيه) كمن يخاف على ماله من لص، أو نحوه، أو له خبز في تنور يخاف عليه فسادا، أو له ضالة، أو آبق يرجو وجوده إذا، أو يخاف فوته إن تركه ولو مستأجرا لحفظ بستان، أو مال، أو يتضرر في معيشة يحتاجها، (أو) كان يخاف بحضوره الجمعة، أو الجماعة (موت قريبه) ، أو رفيقه، أو لم يكن من يمرضهما غيره، أو خاف على أهله، أو ولده، (أو) كان يخاف (على نفسه من ضرر) كسبع، (أو) من (سلطان) يأخذه، (أو ملازمة غريم، ولا شيء معه) يدفعه به؛ لأن حبس المعسر ظلم، وكذا إن خاف مطالبة بالمؤجل قبل أجله، فإن كان حالا، وقدر على وفائه لم يعذر، (أو) كان يخاف بحضورهما أي الجمعة والجماعة] (من فوات رفقته) بسفر مباح سواء أنشأه، أو استدامه، (أو) حصل له (غلبة نعاس) يخاف به فوت الصلاة في الوقت، أو مع الإمام، (أو) حصل له (أذى بمطر ووحل) بفتح الحاء وتسكينها لغة رديئة، وكذا ثلج وجليد وبرد (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة) لقول ابن عمر: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينادي مناديه في الليلة الباردة، أو المطيرة صلوا في رحالكم» ، رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا تطويل
إمام ومن عليه قود يرجو العفو عنه لا من عليه حد، ولا إن كان في طريقه، أو المسجد منكر.
وينكره بحسبه، وإذا طرأ بعض الأعذار في الصلاة أتمها خفيفة إن أمكن وإلا خرج منها، قاله في " المبدع "، قال: والمأموم يفارق إمامه، أو يخرج منها.
باب صلاة أهل الأعذار
وهم المريض والمسافر والخائف ونحوهم (تلزم المريض الصلاة) المكتوبة (قائما) ، ولو كراكع، أو معتمدا، أو مستندا إلى شيء، (فإن لم يستطع) بأن عجز عن القيام، أو شق عليه لضرر، أو زيادة مرض (فقاعدا) متربعا ندبا، ويثني رجليه في ركوع وسجود، (فإن عجز) ، أو شق عليه القعود كما تقدم (فعلى جنبه) والأيمن أفضل، (فإن صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة صح) ، وكره مع القدرة على جنبه وإلا تعين (ويومئ راكعا وساجدا) ما أمكنه (ويخفضه) أي السجود (عن الركوع) لحديث علي مرفوعا «يصلي المريض قائما إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة» رواه الدارقطني، (فإن عجز) عن الإيماء (أومأ بعينه) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» رواه زكريا الساجي بسنده عن الحسين بن علي بن أبي طالب، وينوي الفعل عند إيمائه له، والقول كالفعل يستحضره بقلبه إن عجز عنه بلفظه، وكذا أسير خائف، ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتا، ولا ينقص أجر المريض إذا صلى، ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائما، ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها، وإن رفع له شيء عن الأرض فسجد عليه ما أمكنه صح وكره، (فإن قدر) المريض في أثناء الصلاة على قيام (أو عجز) عنه (في أثنائها انتقل إلى الآخر) فينتقل إلى القيام من قدر عليه وإلى الجلوس من عجز عن القيام، ويركع بلا قراءة من كان قرأ، وإلا قرأ، وتجزئ الفاتحة من عجز فأتمها في انحطاطه لا من صح فأتمها في ارتفاعه، (وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائما) ؛ لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه وأومأ (بسجود قاعدا) ؛ لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه، ومن قدر على أن يحني
رقبته دون ظهره حناها، وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه، ومن قدر أن يقوم منفردا ويجلس في جماعة خير.
(ولمريض الصلاة مستلقيا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم) ثقة، وله الفطر بقوله: إن الصوم مما يمكن العلة، [ (ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة، وهو قادر على القيام) ] .
(ويصح الفرض على الراحلة) واقفة، أو سائرة (خشية التأذي بوحل) ، أو مطر ونحوه؛ لقول يعلى بن أمية: «انتهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بهم» يعني إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع، رواه أحمد والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، وكذا إن خاف انقطاعا عن رفقته بنزوله، أو على نفسه، أو عجز عن ركوب إن نزل وعليه الاستقبال وما يقدر عليه، و (لا) تصح الصلاة على الراحلة (للمرض) وحده دون عذر مما تقدم، ومن بسفينة وعجز عن القيام فيها والخروج منها صلى جالسا مستقبلا، ويدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة بخلاف النفل.
فصل في قصر المسافر الصلاة
وسنده قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: 101] الآية.
(من سافر) أي نوى (سفرا مباحا) أي غير مكروه، ولا حرام فيدخل فيه الواجب والمندوب والمباح المطلق، ولو نزهة وفرجة يبلغ (أربعة برد) ، وهي ستة عشر فرسخا برا، أو بحرا، وهي يومان قاصدان (سن له قصر رباعية ركعتين) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - داوم عليه بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعا، قاله ابن المنذر (إذا فارق عامر قريته) سواء كانت البيوت داخل السور، أو خارجه، (أو) فارق (خيام قومه) ، أو ما نسبت إليه عرفا كسكان قصور وبساتين ونحوهم؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كان يقصر إذا ارتحل، ولا يعيد من قصر بشرطه، ثم رجع قبل استكمال المسافة، ويقصر من أسلم، أو بلغ، أو طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة لا من تاب إذا، ولا يقصر من شك في قصر المسافة، ولا من لم يقصد جهة
معينة كالتائه، ولا من سافر ليترخص، ويقصر المكره كالأسير وامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد.
(وإن أحرم) في الحضر، (ثم سافر أو) أحرم (في سفر ثم أقام) أتم لأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغلب حكم الحضر، وكذا لو سافر بعد دخول الوقت
أتمها وجوبا لأنها وجبت تامة، (أو ذكر صلاة حضر في سفر) أتمها؛ لأن القضاء معتبر بالأداء، وهو أربع، (أو عكسها) بأن ذكر صلاة سفر في حضر أتم؛ لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله، (أو ائتم) مسافر (بمقيم) أتم، قال ابن عباس: تلك السنة، رواه أحمد ومنه لو ائتم مسافر بمسافر فاستخلف مقيما لعذر فيلزمه الإتمام، (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي في إقامته وسفره لزمه أن يتم، وإن بان أن الإمام مسافر لعدم نيته لكن إذا علم، أو غلب على ظنه أن الإمام مسافر بإمارة كهيئة لباس، وأن إمامه نوى القصر فله القصر عملا بالظاهر، وإن قال: إن أتم أتممت، وإن قصر قصرت لم يضر، (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها) لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها مثلا (ففسدت) بحدث، أو نحوه (وأعادها) أتمها لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها؛ (أو لم ينو القصر عند إحرامها) لزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه (أو شك في نيته) أي نية القصر أتم؛ لأن الأصل أنه لم ينوه، (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام) أتم، وإن أقام أربعة أيام فقط قصر لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها» ، (أو) كان المسافر (ملاحا) أي صاحب سفينة (معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم) ؛ لأن سفره غير منقطع مع أنه غير ظاعن عن وطنه وأهله، ومثله مكار وراع ورسول سلطان ونحوهم.
ويتم المسافر إذا مر بوطنه، أو ببلد له بها امرأة، أو كان قد تزوج فيه، أو نوى الإتمام، ولو في أثنائها بعد نية القصر، (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما) قصر؛ لأنه مسافر سفرا بعيدا، (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر قصر) ؛ لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر كما لو
قضاها فيه نفسه، قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها اقتصر عليه في " المبدع " وفيه شيء.
(وإن حبس) ظلما، أو بمرض، أو مطر ونحوه (ولم ينو إقامة) قصر أبدا؛ لأن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول، رواه الأثرم.
والأسير [إذا علم أنه لا ينفك إلا بعد أيام] لا يقصر ما أقام عند العدو، (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي (قصر أبدا) غلب على ظنه كثرة ذلك، أو قلته؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» رواه أحمد وغيره وإسناده ثقات، وإن ظن لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام أتم، وإن نوى مسافر القصر حيث لم يبح لم تنعقد صلاته كما لو نواه مقيم.
فصل في الجمع
(ويجوز الجمع بين الظهرين) أي الظهر والعصر في وقت إحداهما (و) يجوز الجمع (بين العشاءين) أي المغرب والعشاء (في وقت إحداهما في سفر قصر) لما روى معاذ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب، وعن أنس بمعناه، متفق عليه.
(و) يباح الجمع بين ما ذكر (لمريض يلحقه بتركه) أي ترك الجمع (مشقة) ؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع من غير خوف، ولا مطر» وفي رواية «من غير خوف، ولا سفر» رواهما مسلم من حديث ابن عباس، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة، وهي نوع مرض، ويجوز أيضا لمرضع لمشقة كثرة نجاسة ونحو مستحاضة وعاجز عن طهارة، أو تيمم لكل صلاة، أو عن معرفة وقت كأعمى ونحوه.
ولعذر، أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة.
(و) يباح الجمع (بين العشاءين) خاصة (لمطر يبل الثياب) وتوجد معه مشقة والثلج والبرد والجليد مثله (ولوحل وريح شديدة باردة) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة» رواه البخاري بإسناده وفعله أبو بكر وعمر وعثمان وله الجمع لذلك (ولو صلى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط) ونحوه؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر (والأفضل) لمن له الجمع (فعل الأرفق به من) جمع (تأخير) بأن يؤخر الأولى إلى الثانية (و) جمع (تقديم بأن) يقدم الثانية فيصليها مع الأولى لحديث معاذ السابق، فإذا استويا فالتأخير أفضل والأفضل بعرفة التقديم وبمزدلفة التأخير مطلقا وترك الجمع في سواهما أفضل ويشترط للجمع ترتيب مطلقا.
(فإن جمع في وقت الأولى اشترط) له ثلاثة شروط:
(نية الجمع عند إحرامها) أي إحرام الأولى دون الثانية.
(و) الشرط الثاني الموالاة بينهما (لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة) صلاة (ووضوء خفيف) ؛ لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل بخلاف اليسير فإنه معفو عنه (ويبطل) الجمع (براتبة) يصليها (بينهما) أي بين المجموعتين؛ لأنه فرق بينهما بصلاة فتبطل كما لو قضى فائتة، وإن تكلم بكلمة، أو كلمتين جاز.
(و) الثالث (أن يكون العذر) المبيح (موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى) ؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع، ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف غيره، وإن انقطع السفر في الأولى بطل الجمع والقصر مطلقا فيتمهما، وتصح [فرضا] وفي الثانية يتمها نفلا، [وتصح الأولى فرضا] .
(وإن جمع في وقت الثانية اشترط) له شرطان:
(نية الجمع في وقت الأولى) ؛ لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا، (إن لم يضق) وقتها (عن فعلها) ؛ لأن تأخيرها إلى ما يضيق عن فعلها حرام، وهو ينافي الرخصة.
(و) الثاني (استمرار العذر) المبيح (إلى دخول وقت الثانية) ، فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع لزوال مقتضيه كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع، ولا بأس بالتطوع بينهما ولو صلى الأولى وحده، ثم الثانية إماما، أو مأموما، أو صلاهما خلف إمامين، أو من لم يجمع صح.
فصل في صلاة الخوف
فصل (وصلاة الخوف صحت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصفات كلها جائزة) ، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره وشرطها أن يكون العدو مباح القتال سفرا كان، أو حضرا مع خوف هجومهم على المسلمين
وحديث سهل الذي أشار إليه هو «صلاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذات الرقاع طائفة صفت معه وطائفة وقفت وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم» متفق عليه.
وإذا اشتد الخوف صلوا رجالا وركبانا للقبلة وغيرها يؤمنون طاقتهم، وكذا حالة هرب مباح من عدو، أو سيل، أو نحوه، أو خوف فوت عدو يطلبه، أو وقت وقوف بعرفة.
(ويستحب أن يحمل معه في صلاته من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه) كسكين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] ، ويجوز حمل سلاح نجس في هذه الحالة للحاجة بلا إعادة.
باب صلاة الجمعة
سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير ويومها أفضل أيام الأسبوع وصلاة الجمعة مستقلة، وهي أفضل من الظهر وفرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقية وقت الجمعة لم تصح وتؤخر فائتة لخوف فوتها والظهر بدل عنها إذا فاتت.
(وتلزم) الجمعة (كل ذكر) ذكره ابن المنذر إجماعا؛ لأن المرأة ليست من أهل
الحضور في مجامع الرجال (حر) ؛ لأن العبد محبوس على سيده (مكلف مسلم) ؛ لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة فلا تجب على مجنون، ولا صبي لما روى طارق بن شهاب مرفوعا «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» رواه أبو داود (مستوطن ببناء) معتاد ولو كان فراسخ من حجر، أو قصب ونحوه.
لا يرتحل عنه شتاء، ولا صيفا (اسمه) أي البناء (واحد ولو تفرق) البناء حيث شمله اسم واحد كما تقدم (ليس بينه وبين المسجد) إذا كان خارجا عن المصر (أكثر من فرسخ) تقريبا فتلزمه بغيره كمن بخيام ونحوها ولا تنعقد به ولم يجز أن يؤم فيها، وأما من كان في البلد فيجب عليه السعي إليها قرب أو بعد سمع النداء أو لم يسمعه؛ لأن البلد كالشيء الواحد.
(ولا تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر) ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير وكما لا تلزمه بنفسه لا تلزمه بغيره، فإن كان عاصيا بسفره، أو كان سفره فوق فرسخ ودون المسافة وأقام ما يمنع القصر ولم ينو استيطانا لزمته بغيره، (ولا) تجب الجمعة على (عبد) ومبعض (وامرأة) لما تقدم، ولا خنثى؛ لأنه لا يعلم كونه رجلا، (ومن حضرها منهم أجزأته) ؛ لأن إسقاطها عنهم تخفيف (ولم تنعقد به) ؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما صحت منه تبعا و (لم يصح أن يؤم) فيها لئلا يصير التابع متبوعا، (ومن سقطت عنه لعذر) غير سفر كمرض وخوف إذا حضرها (وجبت عليه وانعقدت به) وجاز أن يؤم فيها؛ لأن سقوطها لمشقة السعي، وقد زالت.
(ومن صلى الظهر) ، وهو (ممن) يجب (عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام) أي قبل أن تقام الجمعة، أو مع الشك فيه (لم تصح) ظهره؛ لأنه صلى ما لم يخاطب به وترك ما خوطب به، وإذا ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها لأنها فرضه وإلا انتظر حتى يتيقن أنهم صلوا الجمعة فيصلي الظهر، (وتصح) الظهر (ممن لا تجب عليه) الجمعة لمرض ونحوه.
فيصلي الظهر ولو زال عذره قبل تجميع
الإمام إلا الصبي إذا بلغ (والأفضل) تأخير الظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة وحضورها لمن اختلف في وجوبها عليه كعبد أفضل، وندب تصدق بدينار، أو نصفه لتاركها بلا عذر.
(ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال) حتى يصلي إن لم يخف فوت رفقته وقبل الزوال يكره إن لم يأت بها في طريقه.
فصل في صحة صلاة الجمعة
فصل (يشترط لصحتها) أي صحة الجمعة أربعة شروط (ليس منها إذن الإمام) ؛ لأن عليا صلى بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد وصوبه عثمان، رواه البخاري بمعناه.
(أحدها) أي أحد الشروط (الوقت) لأنها صلاة مفروضة فاشترط لها الوقت كبقية الصلوات فلا تصح قبل الوقت، ولا بعده إجماعا، قاله في " المبدع " (وأوله أول وقت صلاة العيد) لقول عبد الله بن سيدان: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك، ولا أنكره، رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكر
(وآخره آخر وقت صلاة الظهر) بلا خلاف، قاله في " المبدع " وفعلها بعد الزوال أفضل، (فإن خرج وقتها قبل التحريمة) أي قبل أن يكبروا للإحرام بالجمعة (صلوا ظهرا) ، قال في " الشرح ": لا نعلم فيه خلافا (وإلا) بأن أحرموا بها في الوقت (فجمعة) كسائر الصلوات تدرك بتكبيرة الإحرام في الوقت، ولا تسقط بشك في خروج الوقت، فإن بقي من الوقت قدر الخطبة والتحريمة لزمهم فعلها وإلا لم تجز.
(الشرط الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها) وتقدم بيانهم في الخطبة والصلاة، قال أحمد: بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصعب بن عمير إلى أهل المدينة فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة وقال جابر: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى وفطر» ، رواه الدارقطني وفيه ضعف، قاله في " المبدع ". (الشرط الثالث) أن يكونوا (بقرية مستوطنين) بها مبنية بما جرت به العادة فلا تتم من مكانين متقاربين، ولا تصح من أهل الخيام وبيوت الشعر ونحوهم؛ لأن ذلك لم يقصد للاستيطان غالبا، وكانت قبائل العرب حوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يأمرهم بها، وتصح بقرية خراب عزموا على إصلاحها والإقامة بها، (وتصح) إقامتها (فيما قارب البنيان من الصحراء) ؛ لأن أسعد بن زرارة أول من جمع في حرة بني بياضة، أخرجه أبو داود والدارقطني، قال البيهقي: حسن الإسناد صحيح، قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة،
وإذا رأى الإمام وحده العدد فنقص لم يجز أن يؤمهم ولزمه استخلاف أحدهم وبالعكس لا تلزم واحدا منهم، (فإن نقصوا) عن الأربعين (قبل إتمامها) لم يتموها جمعة لفقد شرطها و (استأنفوا ظهرا) إن لم تمكن إعادتها جمعة، وإن بقي معه العدد بعد انفضاض بعضهم ولو ممن لم يسمع الخطبة ولحقوا بهم قبل نقصهم أتموا جمعة، (ومن) أحرم في الوقت و (أدرك مع الإمام منها) أي من الجمعة (ركعة أتمها جمعة) لحديث أبي هريرة مرفوعا: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» رواه الأثرم، (وإن أدرك أقل من ذلك) بأن رفع الإمام رأسه من الثانية، ثم دخل معه (أتمها ظهرا) لمفهوم ما سبق (إذا كان نوى الظهر) ودخل وقته لحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى» وإلا أتمها نفلا، ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود لزمه السجود على ظهر إنسان، أو رجله، فإن لم يمكنه فإذا زال الزحام، وإن أحرم، ثم زحم وأخرج عن الصف فصلى فذا لم تصح صلاته، وإن أخرج في الثانية نوى مفارقته وأتمها جمعة.
(الشرط الرابع) : تقدم خطبتين وأشار إليه بقوله: (ويشترط تقدم خطبتين) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] والذكر هو الخطبة ولقول ابن عمر: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب خطبتين، وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» متفق عليه.
وهما بدل الركعتين لا من الظهر،
(ومن شرط صحتهما حمد الله) بلفظ: الحمد لله؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» رواه أبو داود عن أبي هريرة (والصلاة على رسوله محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان، ويتعين لفظ الصلاة (وقراءة آية) كاملة لقول جابر بن سمرة: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ آية ويذكر الناس» رواه مسلم، قال أحمد: يقرأ ما يشاء وقال أبو المعالي لو قرأ آية لا تستقل بمعنى، أو حكم كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] ، أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64] لم يكف والمذهب لا بد من قراءة آية ولو جنبا مع تحريمها فلو قرأ ما تضمن الحمد والموعظة، ثم صلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجزأه و (الوصية بتقوى الله عز وجل) ؛ لأنه المقصود، قال في " المبدع ": ويبدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة، ثم بالموعظة، ثم القراءة في ظاهر كلام جماعة ولا بد في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان (و) يشترط (حضور العدد المشترط) لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام، فإن نقصوا وعادوا قبل فوت ركن منها بنوا، وإن كثر التفريق، أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهر استأنف مع سعة الوقت ويشترط لهما أيضا الوقت، وأن يكون الخطيب يصلح إماما فيها والجهر بهما بحيث يسمع العدد المعتبر حيث لا مانع والنية والاستيطان للقدر الواجب منهما والموالاة بينهما وبين الصلاة.
(ولا يشترط لهما الطهارة) من الحدثين والنجس ولو خطب بمسجد لأنهما ذكر
تقدم الصلاة أشبه الأذان وتحريم لبث الجنب بالمسجد لا تعلق له بواجب العبادة وكذلك لا يشترط لهما ستر العورة، (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة) بل يستحب ذلك؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة أشبها الصلاتين، ولا يشترط أيضا حضور متولي الصلاة الخطبة ويبطلها كلام محرم ولو يسيرا، ولا تجزئ بغير العربية مع القدرة.
(ومن سننهما) أي الخطبتين (أن يخطب على منبر) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو بكسر الميم من المنبر، وهو الارتفاع واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في " شرح مسلم " ويصعده على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح، (أو) يخطب على (موضع عال) إن عدم المنبر؛ لأنه في معناه عن يمين مستقبل القبلة بالمحراب، وإن خطب بالأرض فعن يسارهم (و) أن (يسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) لقول جابر: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صعد المنبر سلم» رواه ابن ماجه ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير ورواه البخاري عن عثمان كسلامه على من عنده في خروجه، (ثم) يسن أن (يجلس إلى فراغ الأذان) لقول ابن عمر: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب» رواه أبو داود، (وأن يجلس بين الخطبتين) لحديث ابن عمر السابق،
(وأن يخطب قائما) لما تقدم (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رواه أبو داود عن الحكم بن حزن وفيه إشارة إلى أن هذا الدين فتح به، قال في " الفروع ": ويتوجه باليسرى والأخرى بحرف المنبر، فإن لم يعتمد أمسك يمينه بشماله، أو أرسلهما (و) أن (يقصد تلقاء وجهه) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولأن في التفاته إلى أحد جانبيه إعراضا عن الآخر، وإن استدبرهم كره وينحرفون إليه إذا خطب لفعل الصحابة ذكره في " المبدع " (و) أن (يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعا «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» ، وأن تكون الثانية أقصر ورفع صوته قدر إمكانه (و) أن (يدعو للمسلمين) ؛ لأنه مسنون في غير الخطبة ففيها أولى ويباح الدعاء لمعين، وأن يخطب من صحيفة، قال في " المبدع ": وينزل مسرعا، وإذا غلب الخوارج على بلد فأقاموا فيه الجمعة جاز اتباعهم نصا وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة ويعيدها ظهرا.
فصل صلاة الجمعة ركعتان
فصل (و) صلاة (الجمعة ركعتان) إجماعا حكاه ابن المنذر (يسن أن يقرأ جهرا) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (في الركعة الأولى بـ " الجمعة ") بعد الفاتحة و (في) الركعة (الثانية بـ " المنافقين ") ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ بهما، رواه مسلم عن ابن عباس، وأن يقرأ في فجرها في الأولى الم السجدة، وفي الثانية "هل أتى ... "؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ بهما، متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(وتحرم إقامتها) أي الجمعة، وكذا العيد (في أكثر من موضع من البلد) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه لم يقيموها في أكثر من موضع واحد (إلا لحاجة) كسعة البلد وتباعد أقطاره، أو بعد الجامع، أو ضيقه، أو خوف فتنة فيجوز التعدد بحسبها فقط لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير فكان إجماعا ذكره في " المبدع "، (فإن فعلوا) أي صلوها في موضعين، أو أكثر بلا حاجة (فالصحيحة ما باشرها الإمام، أو أذن فيها) ولو تأخرت وسواء قلنا إذنه شرط، أو لا إذ في تصحيح غيرها افتئات عليه وتفويت لجمعته، (فإن استويا في إذن، أو عدمه فالثانية باطلة) ؛ لأن الاستغناء حصل بالأولى فأنيط الحكم بها ويعتبر السبق بالإحرام، (وإن وقعتا معا) ، ولا مزية لإحداهما بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتهما جمعة فعلوا وإلا صلوها ظهرا، (أو جهلت الأولى) منهما (بطلتا) ويصلون ظهرا لاحتمال سبق إحداهما فتصح، ولا تعاد، وكذا لو أقيمت في المصر جمعات وجهل كيف وقعت، وإذا وافق العيد يوم الجمعة سقطت عمن حضره مع الإمام كمريض دون الإمام، فإن
اجتمع معه العدد المعتبر أقامها وإلا صلى ظهرا، وكذا العيد بها إذا عزموا على فعلها سقط.
(وأقل السنة) الراتبة (بعد الجمعة ركعتان) ؛ «لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» ، متفق عليه من حديث ابن عمر (وأكثرها ست) ركعات لقول ابن عمر: "كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله " رواه أبو داود، ويصليها مكانه بخلاف سائر السنن فببيته، ويسن فصل بين فرض وسنة بكلام، أو انتقال من موضعه ولا سنة لها قبلها أي راتبة، قال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات.
(ويسن أن يغتسل لها في يومها) لخبر عائشة «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» ، وعن جماع وعند مضي أفضل (وتقدم) وفيه نظر
(و) يسن (تنظف وتطيب) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعا «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم أي خطب الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (و) أن (يلبس أحسن ثيابه) لوروده في بعض الألفاظ وأفضلها البياض ويعتم ويرتدي (و) أن (يبكر إليها ماشيا) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ومشى ولم يركب» ، ويكون بسكينة ووقار بعد طلوع الفجر الثاني (و) أن (يدنو من الإمام) مستقبل القبلة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها» رواه أحمد، وأبو داود وإسناده ثقات ويشتغل بالصلاة والذكر والقراءة (و) أن (يقرأ سورة الكهف في يومها) لما روى البيهقي بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعا «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (و) أن (يكثر الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة (و) أن (يكثر الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة» رواه أبو داود وغيره، وكذا ليلتها، و (لا يتخطى رقاب الناس) لما روى أحمد «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو على المنبر رأى رجلا يتخطى رقاب الناس فقال له: اجلس فقد آذيت» (إلا أن يكون) المتخطي (الإمام) فلا يكره للحاجة وألحق به في " الغنية " المؤذن، (أو) يكون التخطي (إلى فرجة) لا يصل إليها إلا به فيتخطى لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم.
(وحرم أن يقيم غيره) ولو عبده، أو ولده الكبير (فيجلس مكانه) لحديث ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه» متفق عليه.
ولكن يقول:
افسحوا، قاله في " التلخيص " (إلا) الصغير و (من قدم صاحبا له فجلس في موضع يحفظه له) ، وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه، قال في " الشرح ": لأن النائب يقوم باختياره لكن إن جلس مكان الإمام، أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، قاله في المعالي، وكره إيثاره غيره بمكانه الفاضل لا قبوله وليس لغير المؤثر سبقه (وحرم رفع مصلى مفروش) ؛ لأنه كالنائب عنه (ما لم تحضر الصلاة) فيرفعه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، ولا يصلي عليه، (ومن قام من مكانه لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبا فهو أحق به) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قام من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به» رواه مسلم، ولم يقيده الأكثر بالعود قريبا.
(ومن دخل) المسجد (والإمام يخطب لم يجلس) ولو كان وقت نهي (حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام فليصل ركعتين» متفق عليه.
زاد مسلم «وليتجوز فيهما» ، فإن جلس قام فأتى بهما ما لم يطل الفصل، فتسن تحية المسجد لمن دخله غير وقت نهي، إلا الخطيب وداخله لصلاة عيد، أو بعد شروع في إقامة وداخل المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف.
(ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) إذا كان منه بحيث يسمعه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قال: صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» رواه أحمد (إلا له) أي للإمام فلا يحرم عليه الكلام، (أو لمن يكلمه) لمصلحة؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلم سائلا وكلمه هو، ويجب لتحذير ضرير وغافل عن هلكة (يجوز) الكلام (قبل الخطبة وبعدها) ، وإذا سكت بين الخطبتين، أو شرع في الدعاء، وله الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سمعها من الخطيب، وتسن سرا كدعاء وتأمين عليه وحمده خفية إذا عطس ورد سلام وتشميت عاطس وإشارة أخرس إذا فهمت ككلام لا تسكيت متكلم بإشارة، ويكره العبث والشرب حال الخطبة إن سمعها وإلا جاز، نص عليه.
باب صلاة العيدين
سمي به؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، أو تفاؤلا وجمعه أعياد، (وهي) أي صلاة العيدين (فرض كفاية) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] ، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس يداومون عليها، (إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام) لأنها من أعلام الدين الظاهرة.
(و) أول (وقتها كصلاة الضحى) ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، ذكره في " المبدع " (وآخره) أي آخر وقتها (الزوال) أي زوال الشمس، (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده) أي بعد الزوال (صلوا من الغد) قضاء لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: «غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدا لعيدهم» رواه أحمد، وأبو داود والدارقطني وحسنه.
(وتسن) صلاة العيد (في صحراء) قريبة عرفا لقول أبي سعيد: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى» متفق عليه.
وكذلك الخلفاء بعده (و) يسن (تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر) فيؤخرها لما روى الشافعي مرسلا «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس» (و) يسن (أكله قبلها) أي قبل الخروج لصلاة الفطر لقول بريرة: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي» رواه أحمد، والأفضل على تمرات وترا، والتوسعة على الأهل والصدقة (وعكسه) أي يسن الإمساك (في الأضحى إن ضحى) حتى يصلي ليأكل من أضحيته لما تقدم والأولى من كبدها، (وتكره) صلاة العيد (في الجامع بلا عذر) إلا بمكة المشرفة لمخالفة فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويستحب للإمام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في
المسجد لفعل علي ويخطب لهم، ولهم فعلها قبل الإمام وبعده وأيهما سبق سقط به الفرض وجازت التضحية.
(ويسن تبكير مأموم إليها) ليحصل له الدنو من الإمام وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه (ماشيا) لقول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا» ، رواه الترمذي وقال: العمل على هذا عند أهل العلم (بعد) صلاة (الصبح و) يسن (تأخر إمام إلى وقت الصلاة) لقول أبي سعيد: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة» رواه مسلم، ولأن الإمام
ينتظر ولا ينتظر، ويخرج (على أحسن هيئة) أي لابسا أجمل ثيابه لقول جابر: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» رواه ابن عبد البر (إلا المعتكف فـ) يخرج (في ثياب اعتكافه) ؛ لأنه أثر عبادة فاستحب بقاؤه.
(ومن شرطها) أي شرط صحة صلاة العيد (استيطان وعدد الجمعة) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وافق العيد في يوم حجته ولم يصل، (لا إذن إمام) فلا يشترط كالجمعة.
(ويسن) إذا غدا من طريق (أن يرجع من طريق آخر) لما روى البخاري عن جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق» ، وكذا الجمعة، قال في " شرح المنتهى ": ولا يمتنع ذلك أيضا في غير الجمعة، وقال في " المبدع ": الظاهر أن المخالفة فيه شرعت لمعنى خاص فلا يلتحق به غيره.
(ويصليها ركعتين قبل الخطبة) لقول ابن عمر: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة» متفق عليه.
فلو قدم الخطبة لم يعتد بها (يكبر في الأولى بعد) تكبيرة الإحرام و (الاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستا) زوائد (وفي) الركعة (الثانية قبل القراءة خمسا) لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة» إسناده حسن، قال أحمد: اختلف أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التكبير وكله جائز (يرفع يديه مع كل تكبيرة) لقول وائل بن حجر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرفع يديه مع التكبير» ، قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله، وعن عمر أنه كان يرفع يديه مع كل
تكبيرة في الجنازة والعيد، وعن زيد كذلك، رواهما الأثرم، (ويقول) بين كل تكبيرتين: (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا) لقول عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد، قال: " يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رواه الأثرم وحرب، واحتج به أحمد، (وإن أحب قال غير ذلك) ؛ لأن الغرض الذكر بعد التكبير، وإذا شك في عدد التكبير بنى على يقين، وإذا نسي التكبير حتى قرأ سقط؛ لأنه سنة فات محلها، وإن أدرك الإمام راكعا أحرم، ثم ركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير، وإن أدركه قائما بعد فراغه من التكبير لم يقضه، وكذا إن أدركه في أثنائه سقط ما فات.
(ثم يقرأ جهرا) لقول ابن عمر: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء» رواه الدارقطني (في) الركعة (الأولى بعد الفاتحة بـ " سبح " وبـ " الغاشية " في الثانية) لقول سمرة: «إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] » رواه أحمد (فإذا سلم) من الصلاة (خطب خطبتين كخطبة الجمعة) في أحكامها حتى في الكلام إلا في التكبير مع الخاطب (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات) قائما نسقا (والثانية بسبع) تكبيرات كذلك لما روى سعيد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: يكبر الإمام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية سبع تكبيرات.
(يحثهم في) خطبة (الفطر على الصدقة) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أغنوهم بها عن السؤال في هذا اليوم» (ويبين لهم ما يخرجون) جنسا، وقدرا والوجوب والوقت، (ويرغبهم في) خطبة (الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها) ؛ لأنه ثبت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر في خطبة الأضحى كثيرا من أحكامها من رواية أبي سعيد والبراء وجابر وغيرهم.
(والتكبيرات الزوائد) سنة (والذكر بينها) أي بين التكبيرات سنة، ولا يسن بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين (والخطبتان سنة) لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» رواه ابن ماجه وإسناده ثقات، ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها، والسنة لمن حضر العيد من النساء حضور الخطبة، وأن ينفردن بموعظة إذا لم يسمعن خطبة الرجال، (ويكره التنفل) وقضاء فائتة (قبل الصلاة) أي صلاة العيد (وبعدها في موضعها) قبل مفارقته لقول ابن عباس: «خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما، ولا بعدهما» متفق عليه.
(ويسن لمن فاتته) صلاة العيد، (أو) فاته (بعضها قضاؤها) في يومها قبل الزوال، أو بعده (على صفتها) لفعل أنس وكسائر الصلوات.
(ويسن التكبير المطلق) أي الذي لم يقيد بأدبار الصلوات وإظهاره وجهر غير أنثى به (في ليلتي العيدين) في البيوت والأسواق والمساجد وغيرها، ويجهر به في الخروج إلى المصلى إلى فراغ الإمام من خطبته (و) التكبير (في) عيد (فطر آكد) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 185] (و) يسن التكبير المطلق أيضا (في كل عشر ذي الحجة) ولو لم ير بهيمة الأنعام (و) يسن التكبير (المقيد عقب كل فريضة في جماعة) في الأضحى لا في فطر] لأن ابن عمر كان لا يكبر إذا صلى وحده وقال ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى في جماعة " رواه ابن المنذر فيلتفت الإمام إلى المأمومين، ثم يكبر لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (من صلاة الفجر يوم عرفة) روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
(وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق) ؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية والجهر به مسنون إلا للمرأة وتأتي به كالذكر عقب الصلاة قدمه في " المبدع "، وإذا فاتته صلاة من عامه فقضاها فيها جماعة كبر لبقاء وقت التكبير، (وإن نسيه) أي التكبير (قضاه) مكانه، فإن قام أو ذهب عاد فجلس (ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد) ، أو يطل الفصل؛ لأنه سنة فات محلها ويكبر المأموم إذا نسيه الإمام والمسبوق إذا قضى كالذكر والدعاء، (ولا يسن) التكبير (عقب صلاة عيد) ؛ لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات ولا عقب نافلة ولا فريضة صلاها منفردا لما تقدم (وصفته) أي التكبير (شفعا: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) [ويجزئ مرة واحدة، وإن زاد فلا بأس، وإن كرره ثلاثا فحسن] ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول كذلك، رواه الدارقطني، وقاله علي، وحكاه ابن المنذر عن عمر، ولا بأس بقوله لغيره: تقبل الله منا ومنك كالجواب، ولا بالتعريف عشية عرفة بالأمصار؛ لأنه دعاء وذكر وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث.
باب صلاة الكسوف
يقال: كسفت بفتح الكاف وضمها ومثله خسفت، وهو ذهاب ضوء الشمس، أو القمر، أو بعضه وفعلها ثابت بالسنة المشهورة واستنبطها بعضهم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: 37] .
(تسن) صلاة الكسوف (جماعة) وفي جامع أفضل لقول عائشة: «خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه» متفق عليه.
(وفرادى) كسائر النوافل
(إذا كسف أحد النيرين) الشمس والقمر ووقتها من ابتدائه إلى التجلي، ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد فيصلي (ركعتين) ويسن الغسل لها.
(ويقرأ في الأولى جهرا) ولو في كسوف الشمس (بعد الفاتحة سورة طويلة) من غير تعيين، (ثم يركع) ركوعا (طويلا) من غير تقدير، (ثم يرفع) رأسه (ويسمع) أي يقول: سمع الله لمن حمده في رفعه، (ويحمد) أي يقول: ربنا ولك الحمد بعد اعتداله كغيرها، (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل) الركوع، (وهو دون الأول ثم يرفع) فيسمع ويحمد كما تقدم ولا يطيل، (ثم يسجد سجدتين طويلتين) ، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين، (ثم يصلي) الركعة (الثانية كـ) الركعة (الأولى لكن دونها في كل ما يفعل) فيها، (ثم يتشهد ويسلم) لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما روي عنه ذلك من طرق بعضها في " الصحيحين "، ولا يشرع لها خطبة؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بها دون الخطبة، ولا تعاد إن فرغت قبل التجلي بل يدعو ويذكر كما لو كان وقت نهي.
(فإن تجلى الكسوف فيها) أي الصلاة (أتمها خفيفة) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فصلوا وادعوا ربكم حتى ينكشف ما بكم» متفق عليه من حديث أبي مسعود، (وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت) الشمس، أو طلع الفجر (والقمر خاسف) لم يصل؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه، (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل) لعدم نقله عنه، وعن أصحابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر وهبوب الرياح والصواعق، وأما الزلزلة، وهي رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها فيصلى لها إن دامت لفعل ابن عباس، رواه سعيد والبيهقي وروى الشافعي عن علي نحوه، وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به
(وإن أتى) مصلي الكسوف (في كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، أو خمس جاز) رواه مسلم من حديث جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ست ركعات بأربع سجدات» ، ومن حديث ابن عباس «صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثماني ركعات في أربع سجدات» وروى أبو داود عن أبي بن كعب «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركعات وسجدتين» واتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، قال النووي: وبكل نوع قال بعض الصحابة، وما بعد الأول سنة لا تدرك به الركعة ويصح فعلها كنافلة، وتقدم جنازة على كسوف وعلى جمعة وعيد أمن فوتهما، وتقدم تراويح على كسوف إن تعذر فعلهما ويتصور كسوف الشمس والقمر في كل وقت، والله على كل شيء قدير، فإن وقع بعرفة صلى، ثم دفع.
باب صلاة الاستسقاء
وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة أي صلاة لأجل طلب السقيا على الوجه الآتي: (إذا أجدبت الأرض) أي أمحلت، والجدب نقيض الخصب (وقحط) أي احتبس (المطر) وضر ذلك، وكذا إذا أضرهم غور ماء عيون، أو أنهار (صلوها جماعة وفرادى) ، وهي سنة مؤكدة لقول عبد الله بن زيد: «خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» متفق عليه.
والأفضل جماعة حتى بسفر، ولو كان القحط في غير أرضهم، ولا استسقاء لانقطاع مطر عن أرض غير مسكونة، ولا مسلوكة لعدم الضرر (وصفتها في موضعها وأحكامها كـ) صلاة (عيد) ، قال ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيدين فتسن في الصحراء ويصلي ركعتين يكبر في الأولى ستا زوائد وفي الثانية خمسا من غير أذان، ولا إقامة، قال ابن عباس: «صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركعتين كما يصلي العيد» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ويقرأ في الأولى بـ " سبح " وفي الثانية بـ " الغاشية " وتفعل وقت صلاة العيد.
(وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس) أي ذكرهم بما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب (وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها؛ لأن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية والبهت وتمنع نزول الخير؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت» : (و) أمرهم (بالصيام) ؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، ولحديث «دعوة الصائم لا ترد» (و) أمرهم (بالصدقة) لأنها متضمنة للرحمة، (ويعدهم) أي يعين لهم (يوما يخرجون فيه) ليتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة، (ويتنظف) لها بالغسل وإزالة الروائح الكريهة وتقليم الأظفار لئلا يؤذي (ولا يتطيب) لأنه يوم استكانة وخضوع، (ويخرج) الإمام كغيره (متواضعا متخشعا) أي خاضعا (متذللا) من الذل وهو الهوان (متضرعا) أي مستكينا لقول ابن عباس: «خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للاستسقاء متذللا متواضعا متخشعا متضرعا» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، (ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم (والصبيان المميزون) لأنهم لا ذنوب لهم، وأبيح خروج طفل وعجوز وبهيمة والتوسل بالصالحين، (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين) بمكان لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] (لا) إن انفردوا (بيوم) لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم وربما افتتن بهم غيرهم، (لم يمنعوا) أي أهل الذمة لأنه خروج لطلب الرزق (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد لما تقدم.
(ثم يخطب) خطبة (واحدة) لأنه لم ينقل إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب بأكثر منهما، ويخطب على منبر ويجلس للاستراحة، ذكره الأكثر كالعيد في الأحكام والناس جلوس، قاله في " المبدع " (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) لقول ابن عباس: «صنع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الاستسقاء كما صنع في العيد» ، (ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] الآيات.
قال في " المحرر " و " الفروع ": ويكثر فيها الدعاء والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن ذلك معونة على الإجابة، (ويرفع يديه) استحبابا في الدعاء لقول أنس: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه» متفق عليه.
وظهورهما نحو السماء لحديث رواه مسلم (فيدعو بدعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تأسيا به (ومنه) ما رواه ابن عمر: (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثا) أي مطرا (مغيثا) أي منقذا من الشدة، يقال: غاثه وأغاثه (إلى آخره) أي آخر الدعاء، أي: «هنيئا مريئا غدقا» مجللا عاما طبقا دائما، «اللهم
اسقنا الغيث ولا تجعلنا مع القانطين» ، «اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق» ، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا
نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا ". ويسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن ويفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سرا فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا.
فإن سقوا وإلا عادوا ثانيا وثالثا.
(وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج، فيصلونها شكر الله ويسألونه المزيد من فضله، (وينادي لها: الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد بخلاف جنازة وتراويح، والأول منصوب على الإغراء، والثاني على الحال، وفي " الرعاية ": يرفعهما وينصبهما، (وليس من شروطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما.
(ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبها) لقول أنس: «أصابنا ونحن مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه» رواه مسلم، وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل، لأنه روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: إذا سال الوادي: «اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورا فنتطهر به» .
وفي معناه ابتداء زيادة النيل ونحوه، (وإذا زادت المياه وخيف منها سن أن يقول: اللهم حوالينا) أي: أنزله حوالي المدينة في مواضع النبات (ولا علينا) في المدينة ولا في غيرها من المباني، (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدة على وزن آصال وبكسر الهمزة بغير مد على وزن جبال، قال مالك: هي الجبال الصغار (وبطون الأدوية) أي الأمكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي أصولها؛ لأنه أنفع لها لما في " الصحيح " أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول ذلك، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق ... (الآية) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] ويستحب أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويحرم بنوء كذا ويباح في نواء كذا، وإضافة المطر إلى النواء دون الله كفر إجماعا، قاله في " المبدع ".