كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- الروض المربع شرح زاد المستقنع
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعديخرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير
- الناشر
- دار المؤيد - مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فصل يحرم ربا النسيئة
فصل (ويحرم ربا النسيئة) من النساء بالمد، وهو التأخير (في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل) وهي الكيل والوزن (ليس أحدهما) أي أحد الجنسين (نقدا) ، فإن كان أحدهما نقدا كحديد بذهب أو فضة جاز النساء وإلا لانسد باب السلم في الموزونات غالبا، إلا صرف فلوس نافقة بنقد فيشترط فيه الحلول والقبض، واختار ابن عقيل وغيره: لا، وتبعه في " الإقناع " (كالمكيلين والموزونين) ولو من جنسين، فإذا بيع بر بشعير أو حديد بنحاس اعتبر الحلول والتقابض قبل التفرق، (وإن تفرقا قبل القبض بطل) العقد لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» والمراد به القبض، (وإن باع مكيلا بموزون) أو عكسه (جاز التفرق قبل القبض) وجاز (النساء) لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل أشبه الثياب بالحيوان، (وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النساء) لأمر «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبد الله بن عمرو أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة» ، رواه أحمد والدارقطني وصححه، وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أولى.
(ولا يجوز بيع الدين بالدين) حكاه ابن المنذر إجماعا لحديث «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الكالئ بالكالئ» وهو بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه، وكذا بحال لم يقبض قبل التفرق وجعله رأس مال سلم.
فصل في افتراق المتصارفين بأبدانهما قبل قبض الكل
فصل (ومتى افترق المتصارفان) بأبدانهما كما تقدم في خيار المجلس قبل قبض الكل) أي كل العوض المعقود عليه في الجانبين (أو) قبل قبض (البعض) منه (بطل العقد فيما لم يقبض) سواء كان الكل أو البعض لأن القبض شرط لصحة العقد لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد» ، ولا يضر طول المجلس مع تلازمهما، ولو مشيا إلى منزل أحدهما مصطحبين صح، وقبض الوكيل قبل مفارقة موكله المجلس كقبض موكله، ولو مات أحدهما قبل القبض فسد العقد.
(والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد) لأنها عوض مشار إليه في العقد فوجب أن تتعين كسائر الأعواض (فلا تبدل) بل يلزمه تسليمها إذا طولب بها لوقوع العقد على عينها، (وإن وجدها مغصوبة بطل) العقد كالمبيع إذا ظهر مستحقا وإن تلفت قبل القبض فمن مال بائع إن لم تحتج لوزن أو عد، (و) إن وجدها (معيبة من جنسها) كالوضوح في الذهب والسواد في الفضة (أمسك) بلا أرش إن تعاقدا على مثلين كدرهم فضة بمثله وإلا فله أخذه في المجلس، وكذا بعده من غير الجنس، (أورد) العقد للعيب وإن وجدها معيبة من غير جنسها كما لو وجد الدراهم نحاسا بطل العقد؛ لأنه باعه غير ما سمى له.
(ويحرم الربا بين المسلم والحربي) بأن يأخذ المسلم زيادة من الحربي لعموم ما تقدم من الأدلة، (و) يحرم الربا (بين المسلمين مطلقا بدار إسلام أو حرب) لما تقدم، إلا بين سيد ورقيقه، وإذا كان له على آخر دنانير فقضاه دراهم شيئا فشيئا، فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار صح، وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعد فصارفه بها ثم وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه ثم صارفه بعين وذمة صح.
باب بيع الأصول والثمار
الأصول جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره، والمراد هنا الدور والأرض والشجر، والثمار جمع ثمر كجبل وجبال وواحد الثمر ثمرة.
(إذا باع دارا) أو وهبها أو رهنها أو وقفها أو أقر أو أوصى بها (شمل) العقد
(أرضها) أي إذا كانت الأرض يصح بيعها، فإن لم يجز كسواد العراق فلا، (و) شمل (بناءها وسقفها) لأنهما داخلان في مسمى الدار، (و) شمل (الباب المنصوب) وحلقته (والسلم والرف المسمرين والخابية المدفونة) والرحى المنصوبة لأنه متصل بها لمصلحتها أشبه الحيطان، وكذا المعدن الجامد وما فيها من شجر وعرش (دون ما هو مودع فيها من كنز) وهو المال المدفون (وحجر) مدفون (ومنفصل منها كحبل ودلو وبكرة وقفل وفرش ومفتاح) ومعدن جار وماء نبع وحجر رحى فوقاني لأنه غير متصل بها، واللفظ لا يتناوله ولو كانت الصيغة المتلفظ بها الطاحونة أو المعصرة دخل الفوقاني كالتحتاني.
(وإن باع أرضا) أو وهبها أو وقفها أو رهنها أو أقر أو أوصى بها ولو لم يقل بحقوقها شمل) العقد (غرسها وبناءها) لأنهما من حقوقها، وكذا - إن باع ونحوه - بستانا لأنه اسم للأرض والشجر والحائط (وإن كان فيها زرع) لا يحصد إلا مرة (كبر وشعير فلبائع) ونحوه (مبقى) إلى أول وقت أخذه بلا أجرة ما لم يشترطه مشتر، (وإن كان) الزرع (يجز) مرارا كرطبة وبقول (أو يلتقط مرارا) كقثاء وباذنجان، وكذا نحو ورد (فأصوله للمشتري) لأنها تراد للبقاء كالشجرة، (والجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع) وكذا زهر تفتح لأنه كالثمر المؤبر وعلى البائع قطعها في الحال، (وإن اشترط المشتري ذلك صح) الشرط وكان له كالثمر المؤبر إذا اشترطه مشتري الشجر، ويثبت الخيار لمشتر ظن دخول ما ليس له من زرع وثمر كما لو جهل وجودهما، ولا يشمل بيع قرية مزارعها بلا نص أو قرينة.
فصل من باع أو وهب أو رهن نخلا تشقق طلعه
فصل (ومن باع) أو وهب أو رهن نخلا تشقق طلعه) ولو لم يؤبر (فـ) الثمر (لبائع مبقى إلى الجذاذ إلا أن يشترطه مشتر) ونحوه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» متفق عليه، والتأبير: التلقيح، وإنما نص عليه والحكم منوط بالتشقق لملازمته له غالبا، وكذا لو صالح بالنخل أو جعله أجرة أو صداقا أو عوض خلع بخلاف وقف ووصية فإن الثمرة تدخل فيهما أبرت أو لم تؤبر كفسخ لعيب ونحوه، (وكذلك) أي كالنخل (شجر العنب والتوت والرمان وغيره) كجميز من كل شجر لا قشر
على ثمرته فإذا بيع ونحوه بعد ظهور الثمرة كانت للبائع ونحوه، (و) كذا (ما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح وما خرج من أكمامه) جمع كم، وهو الغلاف، (كالورد) والبنفسج (والقطن) الذي يحمل في كل سنة؛ لأن ذلك كله بمثابة تشقق الطلع (وما قبل ذلك) أي قبل التشقق في الطلع والظهور في نحو العنب والتوت والمشمش والخروج من الأكمام في نحو الورد والقطن (والورق فلمشتر) ونحوه لمفهوم الحديث السابق في النخل وما عداه بالقياس عليه، وإن تشقق أو ظهر بعض ثمره ولو من نوع واحد فهو لبائع وغيره لمشتر إلا في شجرة فالكل لبائع ونحوه، ولكل السقي لمصلحة ولو تضرر الآخر.
(ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه) لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع» متفق عليه، والنهي يقتضي الفساد، (ولا) يباع (زرع قبل اشتداد حبه) لما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري» ".
(ولا) تباع (رطبة وبقل ولا قثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل) أي منفردة عن أصولها؛ لأن ما في الأرض مستور مغيب وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه كالذي يحدث من الثمرة، فإن بيع الثمر قبل بدو صلاحه بأصوله أو الزرع الأخضر بأرضه أو
بيعا لمالك أصلهما أو بيع قثاء ونحوه مع أصله صح البيع؛ لأن الثمر إذا بيع مع الشجر، والزرع إذا بيع مع الأرض دخلا تبعا في البيع فلم يضر احتمال الغرر، وإذا بيعا لمالك الأصل فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال، (إلا) إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها أو الزرع قبل اشتداد حبه، (بشرط القطع في الحال) فيصح إن انتفع بهما؛ لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يقطع، (أو) إلا إذا باع الرطبة والبقول (جزة) موجودة، فـ (جزة) فيصح لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر، (أو) إلا إذا باع القثاء ونحوها (لقطة) موجودة، فلقطة موجودة؛ لما تقدم، وما لم يخلق لم يجز بيعه (والحصاد) لزرع والجذاذ لثمر (واللقاط) لقثاء ونحوها (وعلى المشتري) لأنه نقل لملكه وتفريغ لملك البائع عنه، فهو كنقل الطعام.
(وإن باعه) أي: الثمر قبل بدو صلاحه، أو الزرع قبل اشتداد حبه أو القثاء ونحوه (مطلقا) أي: من غير ذكر قطع ولا تبقية لم يصح البيع؛ لما تقدم (أو) باعه ذلك (بشرط البقاء) لم يصح البيع؛ لما تقدم (أو اشترى ثمرا لم يبد صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا) صلاحه، بطل البيع بزيادته؛ لئلا يجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها، وكذا زرع أخضر بيع بشرط القطع، ثم ترك حتى اشتد حبه (أو) اشترى (جزة) ظاهرة من بقل أو رطبة، (أو) اشترى (لقطة) ظاهرة من قثاء ونحوها ثم تركهما (فنمتا) بطل البيع؛ لئلا يتخذ حيلة على بيع الرطبة ونحوها
والقثاء بغير شرط القطع، (أو اشترى ما بدا صلاحه) من ثمر (وحصل) معه (آخر واشتبها) بطل البيع، قدمه في " المقنع " وغيره، والصحيح أن البيع صحيح، وإن علم قدر الثمرة الحادثة دفع البائع والباقي للمشتري وإلا اصطلحا، ولا يبطل البيع؛ لأن المبيع اختلط بغيره ولم يتعذر تسليمه، والفرق بين هذه والتي قبلها اتخاذه حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها كما تقدم، (أو) اشترى رطبا (عرية) وتقدمت صورتها في الربا فتركها (فأتمرت) أي: صارت تمرا (بطل) البيع؛ لأنه إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمر تبينا عدم الحاجة، سواء كانت الترك لعذر أو لا (والكل) أي: الثمرة، وما حدث معها على ما سبق، (للبائع) لفساد البيع.
(وإذا بدا) أي: ظهر (ما له صلاح في الثمرة واشتد الحب جاز بيعه) أي: بيع ما ذكر من الثمرة والحب، (مطلقا) أي: من غير شرط (و) جاز بيعه (بشرط التبقية) أي: تبقية الثمر إلى الجذاذ والزرع إلى الحصاد؛ لأمن العاهة ببدو الصلاح (وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ) وله قطعه في الحال، وله بيعه قبل جذه، (ويلزم البائع سقيه) بسقي الشجر الذي هو عليها (إن احتاج إلى ذلك) أي: إلى السقي، وكذا لو لم تحتج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملا فلزمه سقيه، (وإن تضرر الأصل) بالسقي، ويجبر إن أبى، بخلاف ما إذا باع الأصل وعليه ثمر للبائع؛ فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته.
(وإن تلفت) ثمرة بيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها قبل أوان جذاذها (بآفة سماوية) وهي ما لا صنع لآدمي فيها كالريح والحر والعطش (رجع) ولو بعد القبض (على البائع) لحديث جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بوضع الجوائح» رواه مسلم، ولأن
التخلية في ذلك ليست بقبض تام، وإن كان التالف يسيرا لا ينضبط فات على المشتري، (وإن أتلفه) أي: الثمر المبيع على ما تقدم (آدمي) ولو البائع (خير مشتر بين الفسخ) ومطالبة البائع بما دفع من الثمن (والإمضاء) أي: البقاء على البيع (ومطالبة المتلف) بالبدل، (وصلاح بعض) ثمرة (الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان) لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق.
(وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر) لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمار أو تصفار، (وفي العنب أن يتموه حلوا) لقول أنس: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع العنب حتى يسود» رواه أحمد ورواته ثقات، قاله في " المبدع "، (وفي بقية الثمرات) كالتفاح والبطيخ (أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله) لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب» متفق عليه، والصلاح في نحو قثاء أن يؤكل عادة وفي حب أن يشتد أو يبيض.
(ومن باع عبدا) أو أمة (له مال فماله لبائعه، إلا أن يشترطه المشتري) لحديث ابن عمر مرفوعا «من باع عبدا وله مال فماله لبائعه، إلا أن يشترطه المبتاع» رواه مسلم، (فإن كان قصده) أي: المشتري (المال) الذي مع العبد (اشترط علمه) أي: العلم بالمال
(وسائر شروط البيع) لأنه مبيع مقصود، أشبه ما لو ضم إليه عينا أخرى (وإلا) يكن قصده المال (فلا) يشترط له شروط البيع، وصح شرطه ولو كان مجهولا؛ لأنه دخل تبعا أشبه أساسات الحيطان، وسواء كان مثل الثمن أو فوقه أو دونه، وإذا شرط مال العبد ثم رده بإقالة أو غيرها رده معه، (وثياب الجمال) التي على العبد المبيع (للبائع) لأنها زيادة على العادة، ولا يتعلق بها حاجة العبد، (و) ثياب لبس (العادة للمشتري) لجريان العادة ببيعها معه، ويشمل بيع دابة كفرس لجاما ومقودا ونعلا.
باب السلم
هو لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق، وسمي سلما لتسليم رأس المال في المجلس وسلفا لتقديمه، (وهو) شرعا (عقد على موصوف) ينضبط بالصفة (في الذمة) فلا يصح في عين كهذه الدار (مؤجل) بأجل معلوم (بثمن مقبوض بمجلس العقد) وهو جائز بالإجماع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه.
(ويصح) السلم (بألفاظ البيع) لأنه بيع حقيقة (و) بلفظ (السلم والسلف) لأنهما حقيقة فيه، إذ هما اسم للبيع الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه (بشروط سبعة) زائدة على شروط البيع، والجار متعلق بـ " يصح ":
(أحدها: انضباط صفاته) التي يختلف الثمن باختلافها اختلافا كثيرا ظاهرا؛ لأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرا، فيفضي إلى المنازعة والمشاقة (بمكيل) أي: كمكيل من
حبوب وثمار وخل ودهن ولبن ونحوها، (وموزون) من قطن وحرير وصوف ونحاس وزئبق وشب وكبريت وشحم ولحم نيء ولو مع عظمه إن عين موضع قطعه، (ومذروع) من ثياب وخيوط، (وأما المعدود المختلف كالفواكه) المعدودة كرمان، فلا يصح السلم فيه لاختلافه بالصغر والكبر، (و) كـ (البقول) لأنها تختلف ولا يمكن تقديرها بالجزم، (و) كـ (الجلود) لأنها تختلف ولا يمكن ذرعها؛ لاختلاف الأطراف، (و) كـ (الرؤوس) والأكارع؛ لأن أكثر ذلك العظام والمشافر، (و) كـ (الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرؤوس) لاختلافها، (و) كـ (الجواهر) واللؤلؤ والعقيق ونحوه؛ لأنها تختلف اختلافا متباينا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء والصفاء، (و) كـ (الحامل من الحيوان)
كأمة حامل؛ لأن الصفة لا تأتي على ذلك، والولد مجهول غير محقق، وكذا لو أسلم في أمة وولدها لندرة جمعهما الصفة، (وكل مغشوش) لأن غشه يمنع العلم بالقدر المقصود منه، فإن كانت الأثمان خالصة صح السلم فيها، ويكون رأس المال غيرها، ويصح السلم في فلوس ويكون رأس المال عرضا.
(وما يجمع أخلاطا) مقصودة (غير متميزة كالغالية) والند (والمعاجين) التي يتداوى بها، (فلا يصح السلم فيه) لعدم انضباطه.
(ويصح) السلم (في الحيوان) ولو آدميا؛ لحديث أبي رافع «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استسلف من رجل بكرا» رواه مسلم، (و) يصح أيضا في (الثياب المنسوجة من نوعين) كالكتان والقطن ونحوهما؛ لأن ضبطها ممكن، وكذا نشاب ونبل مريشان وخفاف ورماح، (و) يصح أيضا فيه (ما خلطه) بكسر الخاء (غير مقصود كالجبن) فيه المنفخة (وخل التمر) فيه الماء (والسكنجبين) فيه الخل (ونحوها) كالشيرج والخبز والعجين.
الشرط (الثاني: ذكر الجنس والنوع) أي: جنس المسلم فيه ونوعه (وكل وصف يختلف به) أي: بسببه (الثمن) اختلافا (ظاهرا) كلونه وقدره وبلده (وحداثته وقدمه) ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأنه قد يتعذر، ولا ما لا يختلف به الثمن؛ لعدم الاحتياج إليه.
(ولا يصح شرط) المتعاقدين (الأردأ أو الأجود) لأنه لا ينحصر، إذ ما من رديء أو جيد إلا ويحتمل وجود أردأ أو أجود منه، (بل) يصح شرط (جيد ورديء) ويجزئ ما صدق عليه أنه جيد أو رديء، فينزل الوصف على أقل درجة، (فإن جاء) المسلم إليه (بما شرط) للمسلم لزمه أخذه (أو) جاءه بـ (أجود منه) أي: من المسلم فيه (من نوعه ولو قبل محله) أي: حلوله (ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه)
لأنه جاءه بما تناوله العقد وزيادة تنفعه، وإن جاءه بدون ما وصف أو بغير نوعه من جنسه فله أخذه، ولا يلزمه، وإن جاءه بجنس آخر لم يجز له قبوله، وإن قبض المسلم فيه فوجد به عيبا فله رده وإمساكه مع الأرش.
الشرط (الثالث: ذكر قدره) أي: قدر المسلم فيه (بكيل) معهود فيما يكال (أو وزن) معهود فيما يوزن لحديث «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه، (أو ذرع يعلم) عند العامة؛ لأنه إذا كان مجهولا تعذر الاستيفاء به عند التلف، فيفوت العلم بالمسلم فيه، فإن شرطا مكيالا غير معلوم بعينه أو صنجة غير معلومة بعينها لم يصح، وإن كان معلوما صح السلم دون التعيين، (وإن أسلم في المكيل) كالبر والشيرج (وزنا أو في الموزون) كالحديد (كيلا لم يصح) السلم؛ لأنه قدره بغير ما هو مقدر به، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنا، ولا يصح في فواكه معدودة كرمان وسفرجل ولو وزنا.
الشرط (الرابع: ذكر أجل معلوم) للحديث السابق؛ ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، ويعتبر أن يكون الأجل (له وقع في الثمن) عادة كشهر (فلا يصح) السلم إن أسلم (حالا) لما سبق، (ولا) إن أسلم إلى أجل مجهول كـ (إلى الحصاد والجذاذ) وقدوم الحاج؛ لأنه يختلف فلم يكن معلوما،
(ولا) يصح السلم (إلى) أجل قريب كـ (يوم) ونحوه؛ لأنه لا وقع له في الثمن (إلا) أن يسلم (في شيء يأخذه منه كل يوم) أجزاء معلومة (كخبز ولحم ونحوهما) من كل ما يصح السلم فيه؛ إذ الحاجة داعية إلى ذلك، فإن قبض البعض وتعذر الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل الباقي فضلا على المقبوض لتماثل أجزائه، بل يقسط الثمن عليهما بالسوية.
الشرط (الخامس: أن يوجد) المسلم فيه (غالبا في محله) بكسر الحاء أي: وقت حلوله لوجوب تسليمه إذا، فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادرا كالسلم في العنب والرطب إلى الشتاء لم يصح، (و) يعتبر أيضا وجود المسلم فيه في (مكان الوفاء) غالبا، فلا يصح أن أسلم في ثمرة بستان صغير معين أو قرية صغيرة، أو في نتاج من فحل بني فلان أو غنمه، أو مثل هذا الثوب؛ لأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه، و (لا) يعتبر وجود المسلم فيه (وقت العقد) لأنه ليس وقت وجوب التسليم، (فإن) أسلم إلى محل يوجد فيه غالبا، فـ (تعذر) المسلم فيه بأن لم تحمل الثمار تلك السنة (أو) تعذر (بعضه فله) أي: لرب السلم (الصبر) إلى أن يوجد فيطالب به (أو فسخ) العقد في (الكل) إن تعذر الكل، (أو) في (البعض) المتعذر، (ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه) أي: عوض الثمن التالف؛ لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن، ويجب رد عينه إن كان باقيا أو عوضه إن كان تالفا، أي: مثله إن كان مثليا، أو قيمته إن كان متقوما، هذا إن فسخ في الكل، فإن فسخ في البعض فبقسطه.
الشرط (السادس: أن يقبض الثمن تاما) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من أسلف في شيء فليسلف.
. . " الحديث، أي: فليعط، قال الشافعي: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما
أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه، ويشترط أن يكون رأس مال السلم (معلوما قدره ووصفه) كالمسلم فيه، فلا يصح بصبرة لا يعلمان قدرها ولا بجوهر ونحوه مما لا ينضبط
بالصفة، ويكون القبض (قبل التفرق) من المجلس وكل مالين حرم النساء فيهما لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لأن السلم من شرطه التأجيل، (وإن قبض البعض) من الثمن في المجلس (ثم افترقا) قبل قبض الباقي (بطل فيما عداه) أي: عدا المقبوض، وصح في المقبوض ولو جعل دينا سلما لم يصح وأمانة أو عينا مغصوبة أو عارية يصح؛ لأنه في معنى القبض، (وإن أسلم) ثمنا واحدا (في جنس) كبر (إلى أجلين) كرجب وشعبان مثلا (أو عكسه) بأن أسلم في جنسين كبر وشعير إلى أجل كرجب مثلا (صح) السلم (إن بين) قدر (كل جنس وثمنه) في المسألة الثانية بأن يقول: أسلمتك دينارين، أحدهما في أردب قمح صفته كذا وأجله كذا، والثاني في أردبين شعيرا صفته كذا والأجل كذا.
(و) صح أيضا إن بين (قسط كل أجل) في المسألة الأولى بأن يقول: أسلمتك دينارين أحدهما في أردب قمح إلى رجب، والآخر في أردب وربع مثلا إلى شعبان، فإن لم يبين ما ذكر فيهما لم يصح؛ لأن مقابل كل من الجنسين أو الأجلين مجهول.
الشرط (السابع: أن يسلم في الذمة، فلا يصح) السلم (في عين) كدار وشجرة؛ لأنها ربما تلفت قبل أوان تسليمها.
(و) لا يشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يذكره، بل (يجب الوفاء موضع العقد) لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، وله أخذه في غيره إن رضيا.
ولو قال: خذه وأجرة حمله إلى موضع الوفاء، لم يجز (ويصح شرطه) أي الوفاء (في غيره) أي: غير مكان العقد؛ لأنه بيع، فصح شرط الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان، وإن شرطا الوفاء في موضع العقد كان تأكيدا (وإن عقد) السلم (ببرية أو بحر شرطاه) أي: مكان الوفاء لزوما وإلا فسد السلم؛ لتعذر الوفاء موضع العقد، وليس بعض الأماكن سواه أولى من بعض، فاشترط تعيينه بالقول كالكيل، ويقبل قول المسلم إليه في تعيينه مع يمينه،
(ولا يصح بيع المسلم فيه) لمن هو عليه أو غيره (قبل قبضه) لنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الطعام قبل قبضه، (ولا) يصح أيضا (هبته) لغير من هو عليه؛ لعدم القدرة على تسليمه (ولا الحوالة به) لأنها لا تصح إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ، (ولا) الحوالة (عليه) أي: على المسلم فيه أو رأس ماله بعد فسخ، (ولا أخذ عوضه) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» وسواء فيما ذكر إذا كان المسلم فيه موجودا أو معدوما، والعوض مثله في القيمة أو أقل أو أكثر، وتصح الإقالة في السلم.
(ولا يصح) أخذ (الرهن والكفيل به) أي: بدين السلم، رويت كراهيته عن علي وابن عباس وابن عمر، إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن ولا من ذمة الضامن حذرا من أن يصرفه إلى غيره،
ويصح بيع دين مستقر كقرض أو ثمن مبيع لمن هو عليه، بشرط قبض عوضه في المجلس، وتصح هبة كل دين لمن هو عليه، ولا يجوز لغيره، وتصح استنابة من عليه الحق للمستحق.
باب القرض
بفتح القاف وحكي كسرها، ومعناها لغة: القطع، واصطلاحا: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، وهو جائز بالإجماع.
(وهو مندوب) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث ابن مسعود: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة» ، وهو مباح للمقترض وليس من المسألة المكروهة؛ لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وما يصح بيعه) من نقد أو عرض (صح قرضه) مكيلا كان أو موزونا أو غيرهما؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استسلف بكرا، (إلا بني آدم) فلا يصح قرضهم؛ لأنه لم ينقل ولا هو من المرافق، ويفضي إلى أن يقترض جارية يطأها ثم يردها.
ويشترط معرفة قدر القرض ووصفه، وأن يكون المقرض ممن يصح تبرعه ويصح بلفظه وبلفظ السلف وكل ما أدى معناهما، وإن قال: " ملكتك " ولا قرينة على رد بدل، فهبة.
(ويملكه) القرض (بقبضه) كالهبة، ويتم بالقبول، وله الشراء به من مقرضه (فلا يلزم رد عينه) للزومه بالقبض (بل يثبت بدله في ذمته) أي: ذمة المقترض (حالا ولو أجله) المقرض؛ لأنه عقد منع فيه من التفاضل، فمنع الأجل فيه كالصرف، قال الإمام: القرض حال وينبغي أن يفي بوعده (فإن رده المقترض) أي: رد
القرض بعينه (لزم) المقرض (قبوله) إن كان مثليا؛ لأنه رده على صفة حقه، سواء تغير سعره أو لا حيث لم يتعيب، وإن كان متقوما لم يلزم المقرض قبوله، وله الطلب بالقيمة، (وإن كانت) الدراهم التي وقع القرض عليها (مكسرة أو) كان القرض (فلوسا فمنع السلطان المعاملة بها) أي: بالدراهم المكسرة أو الفلوس (فله) أي: للمقرض (القيمة وقت القرض) لأنه كالعيب، فلا يلزمه قبولها، وسواء كانت باقية أو استهلكها، وتكون القيمة من غير جنس الدراهم، وكذلك المغشوشة إذا حرمها السلطان، (ويرد) المقترض (المثل) أي: مثل ما اقترضه (في المثليات) لأن المثل أقرب شبها من القيمة، فيجب رد مثل فلوس غلت أو رخصت أو كسدت (و) يرد (القيمة في غيرها) من المتقومات، وتكون القيمة في جوهر ونحوه يوم قبضه وفيما يصح سلم فيه يوم قرضه، (فإن أعوز) أي: تعذر (المثل فالقيمة إذا) أي: وقت إعوازه؛ لأنها حينئذ تثبت في الذمة.
(ويحرم) اشتراط (كل شرط جر نفعا) كأن يسكنه داره أو يقضيه خيرا منه؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، (وإن بدأ به) أي: بما فيه نفع كسكنى داره (بلا شرط) ولا مواطأة بعد الوفاء جاز لا قبله، (أو أعطاه أجود) بلا شرط جاز؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استسلف بكرا فرد خيرا منه وقال: «خيركم أحسنكم قضاء» متفق عليه، (أو) أعطاه (هدية بعد الوفاء جاز) لأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضا في القرض ولا وسيلة إليه، (وإن تبرع) المقترض (لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به) قبل القرض (لم يجز إلا أن ينوي) المقرض (مكافأته) على ذلك الشيء (أو احتسابه من دينه) فيجوز له قبوله؛ لحديث أنس مرفوعا قال: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدي إليه أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» رواه ابن ماجه وفي سنده جهالة.
(وإن أقرضه أثمانا فطالبه بها ببلد آخر لزمته) الأثمان أي: مثلها؛ لأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه، ولأن القيمة لا تختلف فانتفى الضرر، (و) تجب (فيما لحمله مؤنة قيمته) ببلد القرض؛ لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه، ولا يلزمه المثل في البلد الآخر؛ لأنه لا يلزمه حمله إليه (إن لم تكن) قيمته (ببلد القرض أنقص) صوابه أكثر، فإن كانت القيمة ببلد القرض أكثر، لزم مثل المثلي؛ لعدم الضرر إذا، ولا يجبر
رب الدين على أخذ قرضه ببلد آخر إلا فيما لا مؤنة لحمله مع أمن البلد والطريق، وإذا قال: اقترض لي مائة ولك عشرة صح؛ لأنها في مقابلة ما بذله من جاهه، ولو قال: اضمني فيها ولك ذلك، لم يجز.
باب الرهن
هو لغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة، أي: دائمة.
وشرعا: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، وهو جائز بالإجماع، ولا يصح بدون إيجاب وقبول أو ما يدل عليهما.
ويعتبر معرفة قدره وجنسه وصفته، وكون راهن جائز التصرف مالكا للمرهون أو مأذونا له فيه.
و (يصح) الرهن (في كل عين يجوز بيعها) لأن القصد منه الاستيثاق بالدين؛ ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذره من الراهن، وهذا متحقق في كل عين يجوز بيعها (حتى المكاتب) لأنه لا يجوز بيعه، ويمكن من الكسب، وما يؤديه من النجوم رهن معه، وإن عجز ثبت الرهن فيه وفي كسبه، وإن عتق بقي ما أداه رهنا، ولا يصح شرط منعه من التصرف والمعلق عتقه بصفة إن كانت توجد قبل حلول الدين لم يصح رهنه، وإلا صح.
ويصح الرهن (مع الحق) بأن يقول: بعتك هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك هذا، فيقول: اشتريت منك ورهنته؛ لأن الحاجة داعية لجوازه إذا، (و) يصح (بعده) أي: بعد الحق بالإجماع، ولا يجوز قبله؛ لأنه وثيقة بحق، فلم يجز قبل ثبوته؛ ولأنه تابع للحق فلا يسبقه، ويعتبر أن يكون (بدين ثابت) أو مآله إليه حتى على عين مضمونة كعارية ومقبوض بعقد فاسد، وتقع إجارة في ذمة لا على دين كتابة أو دية
على عاقلة قبل الحلول، ولا بعهدة مبيع وثمن وأجرة معينين ونفع نحو دار معينة.
(ويلزم) الرهن بالقبض (في حق الراهن فقط) لأن الحظ فيه لغيره، فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن، (ويصح رهن المشاع) لأنه يجوز بيعه في محل الحق، ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما، جاز، وإن اختلفا جعله حاكم بيد أمين أمانة أو بأجرة.
(ويجوز رهن المبيع) قبل قبضه (غير المكيل والموزون) والمذروع والمعدود (على ثمنه وغيره) عند بائعه وغيره؛ لأنه يصح بيعه بخلاف المكيل ونحوه؛ لأنه لا يصح بيعه قبل قبضه، فكذلك رهنه.
(وما لا يجوز بيعه) كالوقف وأم الولد (لا يصح رهنه) لعدم حصول مقصود الرهن منه (إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع) فيصح رهنهما مع أنه لا يصح بيعهما بدونه؛ لأن النهي عن البيع لعدم الأمن من العاهة؛ ولهذا أمر بوضع الجوائح، وبتقدير تلفها لا يفوت حق المرتهن من الدين لتعلقه بذمة الراهن، ويصح رهن الجارية دون ولدها وعكسه، ويباعان ويختص المرتهن بما قابل الرهن من الثمن، (ولا يلزم الرهن) في حق الراهن (إلا بالقبض) كقبض المبيع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ولا فرق بين المكيل وغيره، وسواء كان القبض من المرتهن أو من اتفقا عليه، والرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، فللراهن فسخه والتصرف فيه، فإن تصرف فيه بنحو بيع أو عتق بطل، وبنحو إجارة أو تدبير لا يبطل؛ لأنه لا يمنع من البيع.
(واستدامته) أي: القبض (شرط) في اللزوم للآية وكالابتداء، (فإن أخرجه) المرتهن (إلى الراهن باختياره) ولو كان نيابة عنه (زال لزومه) لزوال استدامة القبض، وبقي العقد كأنه لم يوجد فيه قبض، ولو آجره أو أعاره لمرتهن أو غيره بإذنه فلزومه باق، (فإن رده) أي: رد الراهن الرهن (إليه) أي: إلى المرتهن (عاد لزومه إليه) لأنه أقبضه باختياره، فلزم كالابتداء، ولا يحتاج إلى تجديد عقد لبقائه، ولو استعار شيئا ليرهنه جاز، ولربه الرجوع قبل إقباضه لا بعده، لكن له مطالبة الراهن بفكاكه مطلقا، ومتى حل الحق ولم يقضه فللمرتهن بيعه واستيفاء دينه منه، ويرجع المعير بقيمته أو مثله، وإن تلف ضمنه الراهن، وهو المستعير ولو لم يفرط المرتهن.
(ولا ينفذ تصرف واحد منهما) أي: من الراهن والمرتهن (فيه) أي: في الرهن المقبوض (بغير إذن الآخر) لأنه يفوت على الآخر حقه، فإن لم يتفقا على المنافع لم يجز الانتفاع وكانت معطلة، وإن اتفقا على الإجارة أو الإعارة جاز، ولا يمنع المرتهن الراهن من سقي شجر وتلقيح ومداواة وفصد وإنزاء فحل على مرهونه، بل يمنع من قطع سلعة خطرة (إلا عتق الراهن) المرهون (فإنه يصح مع الإثم) لأنه مبني على السراية والتغليب، (وتؤخذ قيمته) حال الإعتاق من الراهن؛ لأنه أبطل حق المرتهن من الوثيقة، وتكون (رهنا مكانه) لأنها بدل عنه، وكذا لو قتله أو أحبل الأمة بلا إذن المرتهن، أو أقر بالعتق وكذبه.
(ونماء الرهن) المتصل والمنفصل كالسمن، وتعلم الصنعة، والولد، والثمرة، والصوف، (وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به) أي: بالرهن، فيكون رهنا معه، ويباع معه لوفاء الدين إذا
بيع.
(ومؤنته) أي: الرهن (على الراهن) لحديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» رواه الشافعي والدارقطني وقال: إسناده حسن متصل.
(و) على الراهن أيضا (كفنه) ومؤنة تجهيزه بالمعروف؛ لأن ذلك تابع لمؤنته، (و) عليه أيضا (أجرة مخزنه) إن كان مخزونا وأجرة حفظه، (وهو أمانة في يد المرتهن) للخبر السابق، ولو قبل عقد الرهن كبعد الوفاء.
(وإن تلف من غير تعد) ولا تفريط (منه) أي: من المرتهن (فلا شيء عليه) قاله علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لأنه أمانة في يده كالوديعة، فإن تعدى أو فرط ضمن.
(ولا يسقط بهلاكه) أي: الرهن (شيء من دينه) لأنه كان ثابتا في ذمة الراهن قبل التلف، ولم يوجد ما يسقطه، فبقي بحاله، وكما لو دفع إليه عبدا ليبيعه ويستوفي حقه من ثمنه.
(وإن تلف بعضه) أي: الرهن (فباقيه رهن بجميع الدين) لأن الدين كله متعلق بجميع أجزاء الرهن.
(ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين) لما سبق، سواء كان مما تمكن قسمته أو لا، ويقبل قول المرتهن في التلف، وإذا ادعاه بحادث ظاهر كلف ببينة بالحادث، وقبل قوله في التلف وعدم التفريط ونحوه.
(وتجوز الزيادة فيه) أي: في الرهن بأن رهنه عبدا بمائة ثم رهنه عليها ثوبا؛ لأنه زيادة استيثاق (دون) الزيادة في (دينه) فإذا رهنه عبدا بمائة لم يصح جعله رهنا بخمسين مع المائة ولو كان يساوي ذلك؛ لأن الرهن أشغل بالمائة الأولى والمشغول لا يشغل.
(وإن رهن) واحد (عند اثنين شيئا) على دين لهما (فوفى أحدهما) انفك في نصيبه؛ لأن عقد الواحد مع اثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفردا، ثم إن طلب المقاسمة أجيب إليها إن كان الرهن مكيلا أو موزونا، (أو رهناه شيئا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه) لأن الرهن متعدد، فلو رهن اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف فهذه أربعة عقود، ويصير كل ربع منه رهنا بمائتين وخمسين، ومتى قضى بعض دينه أو أبرئ منه وببعضه رهن أو كفيل فعما نواه، فإن أطلق صرفه إلى أيهما شاء.
(ومتى حل الدين) لزم الراهن الإيفاء كالدين الذي لا رهن به.
(و) إن (امتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل) الذي تحت يده الرهن (في بيعه باعه) لأنه مأذون له فيه، فلا يحتاج لتجديد إذن من الراهن، وإن كان البائع العدل اعتبر إذن المرتهن أيضا، (ووفاء الدين) لأنه المقصود بالبيع، وإن فضل عن ثمنه شيء فلمالكه، وإن بقي منه شيء، فعلى الراهن (وإلا) يأذن في البيع ولم يوف (أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن) ؛ لأن هذا شأن الحاكم، فإن امتنع حبسه أو عذره حتى يفعل، (فإن لم يفعل) أي: أصر على الامتناع، أو كان غائبا أو تغيب (باعه الحاكم ووفى دينه) لأنه حق تعين عليه، فقام الحاكم مقامه فيه، وليس للمرتهن بيعه إلا بإذن ربه أو الحاكم.
فصل يكون الرهن عند من اتفقا عليه
فصل (ويكون) الرهن (عند من اتفقا عليه) ، فإذا اتفقا أن يكون تحت يد جائز التصرف صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن، ولا يجوز تحت يد صبي أو عبد بغير إذن سيده، أو مكاتب بغير جعل إلا بإذن سيده، وإن شرط جعله بيد اثنين لم ينفرد أحدهما بحفظه، وليس للراهن ولا للمرتهن إذا لم يتفقا، ولا للحاكم نقله عن يد العدل إلا أن يتغير حاله، وللوكيل رده عليهما لا على أحدهما.
(وإن أذنا له في البيع) أي: بيع \ الرهن (لم يبع إلا بنقد البلد) ؛ لأن الحظ فيه لرواجه، فإن تعدد باع بجنس الدين، فإن عدم فبما ظنه أصلح، فإن تساوت عينه حاكم، وإن عينا نقدا تعين ولم تجز مخالفتهما، فإن اختلفا لم يقبل قول واحد منهما، ويرفع الأمر للحاكم ويأمر ببيعه بنقد البلد، سواء كان من جنس الحق أو لم يكن، وافق قول أحدهما أو لا.
(وإن) باع بإذنهما و (قبض الثمن فتلف في يده) من غير تفريط (فمن ضمان الراهن) ؛ لأن الثمن في يد العدل أمانة، فهو كالوكيل.
(وإن ادعى) العدل (دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة) للعدل بدفعه للمرتهن (ولم يكن) الدفع (بحضور الراهن ضمن) العدل؛ لأنه فرط حيث لم يشهد، ولأنه إنما أذن له في قضاء مبرئ ولم يحصل، فيرجع المرتهن على راهنه، ثم هو على العدل، وإن كان القضاء ببينة لم يضمن؛ لعدم تفريطه سواء كانت البينة قائمة أو معدومة، كما لو كان بحضرة الراهن؛ لأنه لم يعد مفرطا (كوكيل) في قضاء الدين، فحكمه حكم العدل فيما تقدم؛ لأنه في معناه.
(وإن شرط أن لا يبيعه) المرتهن (إذا حل الدين) ففاسد؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، كشرطه أن لا يستوفي الدين من ثمنه أو لا يباع ما خيف تلفه، (أو) شرط (إن جاءه
بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له) أي: للمرتهن بدينه (لم يصح الشرط وحده) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يغلق الرهن» رواه الأثرم، وفسره الإمام بذلك، ويصح الرهن؛ للخبر.
(ويقبل قول راهن في قدر الدين) بأن قال المرتهن: هو رهن بألف، وقال الراهن: بل بمائة فقط.
(و) يقبل قوله أيضا في قدر (الرهن) ، فإذا قال المرتهن: رهنتني هذا العبد والأمة، وقال الراهن: بل العبد وحده، فقوله؛ لأنه منكر.
(و) يقبل قوله أيضا في (رده) بأن قال المرتهن: رددته إليك، وأنكر الراهن، فقوله؛ لأن الأصل معه، والمرتهن قبض العين لمنفعته، فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر.
(و) يقبل قوله أيضا (في كونه عصيرا لا خمرا) في عقد شرط فيه بأن قال: بعتك كذا بكذا على أن ترهنني هذا العصير، وقبل على ذلك وأقبضه له، ثم قال المرتهن: كان خمرا فلي فسخ البيع، وقال الراهن: بل كان عصيرا فلا فسخ، فقوله؛ لأن الأصل السلامة.
(وإن أقر) الراهن (أنه) أي: أن الرهن (ملك غيره) قبل على نفسه دون المرتهن، فيلزمه رده للمقر له إذا انفك الرهن، (أو) أقر (أنه) أي أن الرهن (جنى قبل) إقرار الراهن (على نفسه) لا على المرتهن إن كذبه؛ لأنه متهم في حقه، وقول الغير على غيره غير مقبول، (وحكم بإقراره بعد فكه) أي: فك الرهن بوفاء الدين أو الإبراء منه (إلا أن يصدقه المرتهن) فيبطل الرهن؛ لوجود المقتضى السالم عن المعارض ويسلم للمقر له به.
فصل انتفاع المرتهن بالعين المرهونة
فصل (وللمرتهن أن يركب) من الرهن (ما يركب، و) أن (يحلب ما يحلب بقدر نفقته) متحريا للعدل (بلا إذن) راهن؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه البخاري.
وتسترضع الأمة بقدر نفقتها، وما عدا ذلك من الرهن لا ينتفع به إلا بإذن مالكه.
(وإن أنفق على) الحيوان (الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) أي: إمكان استئذانه (لم يرجع) على الراهن ولو نوى الرجوع؛ لأنه متبرع أو مفرط حيث لم يستأذن المالك مع قدرته عليه، (وإن تعذر) استئذانه وأنفق بنية الرجوع (رجع) على الراهن (ولو لم يستأذن الحاكم) لاحتياجه لحراسة حقه، (وكذا وديعة وعارية ودواب مستأجرة هرب ربها) فله الرجوع إذا أنفق على ذلك بنية الرجوع عند تعذر إذن مالكها بالأقل مما أنفق أو أنفقه المثل، (ولو خرب الرهن) إن كان دارا (فعمره) المرتهن (بلا إذن) الراهن (رجع بآلته فقط) ؛ لأنها ملكه لا بما يحفظ به مالية الدار وأجرة المعمرين؛ لأن العمارة ليست واجبة على الراهن، فلم يكن لغيره أن ينوب عنه، بخلاف نفقة الحيوان؛ لحرمته في نفسه، وإن جنى الرهن ووجب مال، خير سيده بين فدائه وبيعه وتسليمه إلى ولي الجناية فيملكه، فإن فداه فهو رهن بحاله، وإن باعه أو سلمه في الجناية بطل الرهن، وإن لم يستغرق الأرش قيمته بيع منه بقدره وباقيه رهن، وإن جنى عليه فالخصم سيده، فإن أخذ الأرش كان رهنا، وإن اقتص فعليه قيمة أقل العبدين الجاني والمجني عليه قيمة تكون رهنا مكانه.
باب الضمان
مأخوذ من الضمن، فذمة الضامن في ذمة المضمون عنه، ومعناه شرعا: التزام ما وجب على غيره مع بقائه وما قد يجب، ويصح بلفظ ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم، وتحملت دينك أو ضمنته أو هو عندي ونحو ذلك، وبإشارة مفهومة من أخرس.
(ولا يصح) الضمان (إلا من جائز التصرف) لأنه إيجاب مال، فلا يصح من صغير ولا سفيه، ويصح من مفلس؛ لأنه تصرف في ذمته، ومن قن ومكاتب بإذن سيدهما، ويؤخذ مما بيد مكاتب، ومما يضمنه قن من سيده.
(ولرب الحق مطالبة من شاء منهما) أي: من المضمون والضامن (في الحياة والموت) لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما لحديث «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
(فإن برئت ذمة المضمون عنه) من الدين المضمون بإبراء أو قضاء أو حوالة ونحوها (برئت ذمة الضامن) لأنه تبع له (لا عكسه) ، فلا يبرأ المضمون ببراءة الضامن؛ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع، وإذا تعدد الضامن لم يبرأ أحدهم بإبراء الآخر، ويبرءون بإبراء المضمون عنه.
(ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا) معرفته للمضمون (له) لأنه لا يعتبر رضاهما، فكذا معرفتهما (بل) يعتبر (رضى الضامن) لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى كالتبرع بالأعيان.
(ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ، وهو غير معلوم؛ لأنه يختلف.
(و) يصح أيضا ما يؤول إلى الوجوب كـ (العواري والمغصوب والمقبوض بسوم) إن ساومه وقطع ثمنه أو ساومه فقط ليريه أهله إن رضوه وإلا رده، وإن أخذه ليريه أهله بلا مساومة ولا قطع ثمن، فغير مضمون.
(و) يصح ضمان (عهدة مبيع) بأن يضمن الثمن إن استحق المبيع أو رد بعيب أو الأرش إن خرج معيبا، أو يضمن الثمن للبائع قبل تسليمه، وإن ظهر به عيب أو استحق فيصح؛ لدعاء الحاجة إليه.
وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته أو دركه ونحوها.
ويصح أيضا ضمان ما يجب
بأن يضمن ما يلزمه من دين أو ما يداينه زيد لعمرو ونحوه، وللضامن إبطاله قبل وجوبه، (لا ضامن الأمانات كوديعة) ومال شركة وعين مؤجرة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد، فكذا ضامنه (بل) يصح ضمان (التعدي فيها) أي: في الأمانات؛ لأنها حينئذ تكون مضمونة على من هي بيده كالمغصوب، وإن قضى الضامن الدين بنية الرجوع رجع، وإلا فلا، وكذا كفيل وكل مؤد عن غيره دينا واجبا غير نحو زكاة.
فصل في الكفالة
وهي التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لربه، وتنعقد بما ينعقد به ضمان، وإن ضمن معرفته أخذ به.
(وتصح الكفالة بـ) بدن (كل) إنسان عنده (عين مضمومة) كعارية ليردها أو بدلها، (و) تصح أيضا (ببدن من عليه دين) ولو جهله الكفيل؛ لأن كلا منهما حق مالي، فصحت
الكفالة به كالضمان.
و (لا) تصح ببدن من عليه (حد) لله تعالى كالزنا أو، لآدمي كالقذف؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا «لا كفالة في حد» (ولا) ببدن من عليه (قصاص) لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، ولا بزوجة وشاهد، ولا بمجهول أو إلى أجل مجهول، ويصح إذا قدم الحاج فأنا كفيل بزيد شهرا.
(ويعتبر رضى الكفيل) لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه، (لا) رضى (مكفول به) أو له كالضمان، (فإن مات) المكفول برئ الكفيل؛ لأن الحضور سقط عنه، (أو تلفت العين بفعل الله تعالى) قبل المطالبة برئ الكفيل؛ لأن تلفها بمنزلة موت المكفول به، فإن تلفت بفعل آدمي فعلى المتلف بدلها ولم يبرأ الكفيل، (أو سلم) المكفول (نفسه برئ الكفيل) ؛ لأن الأصيل أدى ما على الكفيل أشبه ما لو قضى المضمون عنه الدين، وكذا يبرأ الكفيل إذا أسلم المكفول بمحل العقد وقد حل الأجل أولا بلا ضرر في قبضه وليس ثم يد حائلة ظالمة.
وإن تعذر إحضار المكفول مع حياته أو غاب ومضى
زمن يمكن إحضاره فيه، ضمن ما عليه إن لم يشترط البراءة منه.
ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإن سلم نفسه برئا.
باب الحوالة
مشتقة من التحول؛ لأنها تحول الحق من ذمة إلى ذمة أخرى، وتنعقد بـ: " أحلتك واتبعتك بدينك على فلان ونحوه ".
و (لا تصح) الحوالة (إلا على دين مستقر) إذ مقتضاها إلزام المحال عليه بالدين مطلقا، وما ليس بمستقر عرضة للسقوط، فلا تصح على مال كتابة أو سلم أو صداق قبل دخول أو ثمن مدة خيار ونحوها، وإن أحاله على من لا دين عليه فهي وكالة، والحوالة على ماله في الديوان أو الوقف إذن في الاستيفاء.
(ولا يعتبر استقرار المحال فيه) ، فإن أحال المكاتب سيده أو الزوج زوجته صح؛ لأن له تسليمه، وحوالته تقوم مقام تسليمه.
(ويشترط) أيضا للحوالة (اتفاق الدينين) أي: تماثلهما (جنسا) كدنانير بدنانير أو دراهم بدراهم، فإن أحال من عليه ذهب بفضة أو عكسه لم يصح، (ووصفا) كصحاح
بصحاح أو مضروبة بمثلها، فإن اختلفا لم يصح، (ووقتا) أي: حلولا أو تأجيلا أجلا واحدا، فلو كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا أو أحدهما يحل بعد شهر والآخر بعد شهرين لم تصح، (وقدرا) فلا يصح بخمسة على ستة؛ لأنها إرفاق كالقرض، فلو جوزت مع الاختلاف لصار المطلوب منها الفضل، فتخرج عن موضوعها.
(ولا يؤثر الفاضل) في بطلان الحوالة، فلو أحال بخمسة من عشرة على خمسة أو بخمسة على خمسة من عشرة، صحت؛ لاتفاق ما وقعت فيه الحوالة، والفاضل باق بحاله لربه.
(وإذا صحت) الحوالة بأن اجتمعت شروطها (نقل الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل) بمجرد الحوالة، فلا يملك المحتال الرجوع على المحيل بحال، سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر؛ لمطل أو فلس أو موت أو غيرها، وإن تراضى المحتال والمحال عليه على خير من الحق أو دونه في الصفة أو تعجيله أو تأجيله أو عوضه، جاز.
(ويعتبر) لصحة الحوالة (رضاه) أي: رضا المحيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه.
ويعتبر أيضا علم المال، وأن يكون مما يثبت مثله في الذمة بالإتلاف من الأثمان والحبوب ونحوها.
و (لا) يعتبر (رضا المحال عليه) لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه، (ولا رضا المحتال) إن أحيل (على مليء) ويجبر على اتباعه؛ لحديث أبي هريرة يرفعه «مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع.
متفق عليه، وفي لفظ: من أحيل بحقه على مليء فليحتل» . والمليء القادر بماله وقوله وبدنه، فماله القدرة على الوفاء، وقوله أن لا يكون مماطلا، وبدنه إمكان حضوره إلى مجلس الحاكم.
قاله الزركشي.
(وإن كان) المحال عليه (مفلسا ولم يكن) المحتال (رضي) الحوالة عليه (رجع به) أي: بدينه على المحيل؛ لأن الفلس عيب ولم يرض به، فاستحق الرجوع كالمبيع المعيب، فإن رضي بالحوالة عليه فلا رجوع له إن لم يشترط الملاءة لتفريطه.
(ومن أحيل بثمن مبيع) بأن أحال المشتري البائع به على من له عليه دين فبان باطلا فلا حوالة، (أو أحيل به) أي: بالثمن (عليه) بأن أحال البائع على المشتري مدينه بالثمن (فبان البيع باطلا) بأن كان المبيع مستحقا أو حرا أو خمرا (فلا حوالة) ؛ لظهور أن لا ثمن على المشتري؛ لبطلان البيع.
والحوالة فرع على لزوم الثمن، ويبقى الحق على ما كان عليه أولا.
(وإذا فسخ البيع) بتقايل أو خيار عيب أو نحوه (لم تبطل) الحوالة؛ لأن عقد البيع لم يرتفع، فلم يسقط الثمن، فلم تبطل الحوالة، وللمشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما رد العوض استحق الرجوع بالعوض، (ولهما أن يحيلا) أي: للبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية، وإذا اختلفا فقال: أحلتك، قال: بل وكلتني، أو بالعكس، فقول مدعي الوكالة وإن
اتفقا على: أحلتك بديني وادعى أحدهما إرادة الوكالة، صدق وإن اتفقا على: أحلتك بدينك، فقول مدعي الحوالة،
وإذا طالب الدائن المدين، فقال أحلت فلانا الغائب، وأنكر رب المال، قبل قوله مع يمينه ويعمل بالبينة.
باب الصلح
هو لغة: قطع المنازعة، وشرعا معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
والصلح في الأموال قسمان: على إقرار وهو المشار إليه بقوله: (إذا أقر له بدين أو عين فأسقط) عنه من الدين بعضه (أو وهب) من العين (البعض وترك الباقي) أي: لم يبرأ منه ولم يهبه (صح) ؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه، كما لا يمنع من استيفائه؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلم غرماء جابر ليضعوا عنه، ومحل صحة ذلك إن لم يكن بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظه لم يصح؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، فهو هضم للحق، ومحله أيضا (إن لم يكن شرطاه) بأن يقول بشرط أن تعطيني كذا، أو على أن تعطيني أو تعوضني كذا ويقبل على ذلك، فلا يصح؛ لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض واسم " يكن " ضمير الشأن، وفي بعض النسخ: إن لم يكن شرطا أي: بشرط، ومحله أيضا أن لا يمنعه حقه بدونه، وإلا بطل؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل.
(و) محله أيضا أن لا يكون ممن (لا يصح تبرعه) كمكاتب وناظر وقف وولي صغير ومجنون؛ لأنه تبرع، وهؤلاء لا يملكونه إلا إن أنكر من عليه الحق ولا بينة؛ لأن استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه.
(وإن وضع) رب دين (بعض الدين الحال وأجل باقيه، صح الإسقاط فقط) لأنه أسقط عن طيب نفسه ولا مانع من صحته، ولم يصح التأجيل؛ لأن الحال لا يتأجل، وكذا
لو صالحه عن مائة صحاح بخمسين مكسرة، فهو إبراء من الخمسين ووعد في الأخرى ما لم يقع بلفظ الصلح، فلا يصح كما تقدم.
(وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالا) لم يصح في غير الكتابة؛ لأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا عن تعجيل ما في ذمته، وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز، (أو بالعكس) بأن صالح عن الحال ببعضه مؤجلا، لم يصح إن كان بلفظ الصلح كما تقدم،
فإن كان بلفظ الإبراء ونحوه، صح الإسقاط دون التأجيل وتقدم، (أو أقر له ببيت) ادعاه (فصالحه على سكناه) ولو مدة معينة (كسنة، أو) على أن (يبني له فوقه غرفة) أو صالحه على بعضه، لم يصح الصلح؛ لأنه صالحه عن ملكه على ملكه أو منفعته، وإن فعل ذلك كان تبرعا متى شاء أخرجه، وإن فعله على سبيل المصالحة معتقدا وجوبه عليه بالصلح، رجع عليه بأجرة ما سكن، وأخذ ما كان بيده من الدار؛ لأنه أخذه بعقد فاسد (أو صالح مكلفا ليقر له بالعبودية) أي: بأنه مملوكه لم يصح، (أو) صالح (امرأة لتقر له بالزوجية بعوض لم يصح) الصلح؛ لأن ذلك صلح يحل حراما؛ لأن إرقاق النفس وبذل المرأة نفسها بعوض لا يجوز.
(وإن بذلاهما) أي: دفع المدعى عليه العبودية والمرأة المدعى عليها الزوجية عوضا (له) أي: للمدعي (صلحا عن دعواه صح) ؛ لأنه يجوز أن يعتق عبده ويفارق امرأته بعوض، ومن علم بكذب دعواه لم يبح له أخذ العوض؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل.
(وإن قال: أقر لي بديني وأعطيك منه كذا، ففعل) أي: فأقر بالدين (صح الإقرار) ؛ لأنه أقر بحق يحرم عليه إنكاره، و (لا) يصح (الصلح) لأنه يجب عليه الإقرار بما عليه من الحق، فلم يحل له أخذ العوض عليه، فإن أخذ شيئا رده، وإن صالحه عن الحق بغير
جنسه كما لو اعترف له بعين أو دين، فعوضه عنه ما يجوز تعويضه صح، فإن كان بنقد عن نقده فصرف، وإن كان بعوض فبيع يعتبر له ما يعتبر فيه، ويصح بلفظ صلح وما يؤدي معناه، وإن كان بمنفعة كسكنى دار فإجارة، وإن صالحت المعترفة بدين أو عين بتزويج نفسها صح، ويكون صداقا، وإن صالح عما في الذمة بشيء في الذمة، لم يجز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع دين بدين، وإن صالح عن دين بغير جنسه جاز مطلقا، وبجنسه لا يجوز بأقل أو أكثر على وجه المعاوضة، ويصح الصلح عن مجهول تعذر علمه من دين أو عين بمعلوم، فإن لم يتعذر علمه فكبراءة من مجهول.
فصل في الصلح على الإنكار
فصل القسم الثاني: صلح على إنكار، وقد ذكره بقوله: (ومن ادعى عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله) أي: يجهل ما ادعى به عليه (ثم صالح) عنه (بمال) حال أو مؤجل (صح) الصلح؛ لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الحاكم
ومن ادعي
عليه بوديعة أو تفريط فيها أو قرض، فأنكر وصالح على مال فهو جائز، ذكره في " الشرح " وغيره، (وهو) أي: صلح الإنكار (للمدعي بيع؛ لأنه) يعتقده عوضا عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده (يرد معيبه) أي: معيب ما أخذه من العوض.
(ويفسخ الصلح) كما لو اشترى شيئا فوجده معيبا، (ويؤخذ منه) العوض إن كان شقصا (بشفعة) لأنه بيع، وإن صالح ببعض عين المدعى به فهو فيه كمنكر، (و) الصلح (للآخر) المنكر (إبراء) لأنه دفع المال افتداء ليمينه وإزالة للضرر عنه لا عوضا عن حق يعتقده، (فلا رد) لما صالح عنه بعيب يجده فيه (ولا شفعة) فيه؛ لاعتقاده أنه ليس بعوض.
(وإن كذب أحدهما) في دعواه أو إنكاره وعلم بكذب نفسه (لم يصح) الصلح (في حقه باطنا) لأنه عالم بالحق قادرا على إيصاله لمستحقه، غير معتقد أنه محق، (وما أخذه حرام) عليه؛ لأنه أكل للمال بالباطل، وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح ولم يرجع عليه، ويصح الصلح عن قصاص وسكنى دار وعيب بقليل وكثير.
(ولا يصح) الصلح (بعوض عن حد سرقة وقذف) أو غيرهما؛ لأنه ليس بمال ولا
يؤول إليه، (ولا) عن (حق شفعة) أو خيار؛ لأنهما لم يشرعا لاستفادة مال، وإنما شرع الخيار للنظر في الأحظ والشفعة لإزالة الضرر بالشركة، (و) لا عن (ترك شهادة) بحق أو باطل.
(وتسقط الشفعة) إذا صالح عنها لرضاه بتركها، ويرد العوض، (و) كذا حكم (الحد) والخيار، وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوما، صح؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن كان بعوض مع بقاء ملكه فإجارة وإلا فبيع، ولا يشترط في الإجارة هنا بيان المدة؛ للحاجة.
ويجوز شراء ممر في ملكه، وموضع في حائط يجعله بابا، أو بقعة يحفرها بئرا، وعلو بيت يبني عليه بنيانا موصوفا، ويصح فعله صلحا أبدا أو إجارة مدة معلومة.
(وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره) الخاص به أو المشترك (أو) حصل غصن شجرته في (قراره) أي: قرار غيره الخاص أو المشترك، أي: في أرضه وطالبه بإزالة ذلك (أزاله) وجوبا، إما بقطعه أو ليه إلى ناحية أخرى، (فإن أبى) مالك الغصن إزالته (لواه) مالك الهواء، (إن أمكن، وإلا) يمكن (فله قطعه) ؛ لأنه أخلى ملكه الواجب إخلاؤه، ولا يفتقر إلى حاكم، ولا يجبر المالك على الإزالة؛ لأنه ليس من فعله، وإن أتلفه مالك الهواء مع إمكان ليه ضمنه، وإن صالحه على بقاء الغصن بعوض لم يجز، وإن اتفقا على أن الثمرة بينهما ونحوه صح جائزا، وكذا حكم عرق شجرة حصل في أرض غيره.