الوسيلة الثالثة: إرشاد الغلام للملك على طريقة قتله إياه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر برهامي
- الكتاب
- القصص القرآني
- المؤلف
- الشيخ ياسر بن حسين برهاميمصدر
- الكتاب
- دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 16 درسا]
قال صلى الله عليه وسلم: (ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني).
لقد وصلت حيل ذلك الملك إلى طريق مسدود، وفشل في تحقيق أي غرضٍ من أغراضه، فلا الغلام رجع عن دينه، ولا استطاع قتله، ولا حتى تركه الغلام حراً في مملكته وهرب بنفسه ويترك الدعوة، بل عاد ليستمر فيها، فبدأت صورة الملك تهتز، وظهر بوضوح عجزه عن إيقاف السيل الجارف بدعوة الإيمان، ومع هذا فلا يزال العناد مسيطراً على فكره، فهو يريد الوصول إلى قتل الغلام بأي صورة، فيقول له الغلام: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به) وهذا الخبر من جملة كرامات الغلام، فإنه خبر عن استمرار عجز الملك في المستقبل عن قتله إلا بفعل ما يأمره به، وهذا نوع من الكشف والإلهام.
وتأمل قول الغلام للملك: (حتى تفعل ما آمرك به)، فالغلام هو الذي يأمر، والملك هو الذي يسأل عن تفاصيل الأمر ليطبقه، أي إهانة له أكثر من ذلك، وأي بطلان لدعوى الربوبية أوضح من ذلك، فهو عاجز لا يقدر، وجاهل لا يعلم، ومأمور بأمر غيره لا يستطيع أن يأمر، ولو أمر بطل أمره، ولو نفذ أمر الغلام لنفذ الأمر.
وليس الأمر للملك قطعاً، وإنما الأمر لرب الغلام، وقول الغلام للملك: (ثم تصلبني على جذع) ليظهر للجميع الظلم الواقع على الغلام بدون جريمة ارتكبها، إلا أن يقول: ربي الله، وهذا بالتأكيد من أسباب ميل الناس إليه، وتعاطفهم معه ومع دعوته، فقد فطر الله العباد على كراهية الظالم وعداوته، والميل إلى المظلوم ومناصرته، فإذا أضيف إلى ذلك أنهم يعلمون عن المظلوم حبه الخير للناس، وحرصه على الإحسان إليهم، وجربوه من قبل في قضاء حوائجهم، وكونه كان دائماً مستشعراً لمشاكلهم، في حين غابت مشاكلهم عن الملك وحاشيته، بداية من الدابة التي قتلها الغلام، وانتهاء بأمراضهم المستعصية التي كان لا يستطيع أحد مداواتها، بل ولا يلتفت الملك ولا حاشيته إلى محاولة مداواتها، فلا شك أن هذه الأمور مجتمعة تجعل هذا الجمع كله يعلم الظلم الواقع على الغلام، فعندما يتساءلون: ما جريمته؟ ولماذا صلب على الجذع؟ فسوف يقال: لا شيء إلا أنه يقول: ربي الله.
فهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله حريصين على ألا يكون لهم تهمة؛ إلا أن يقولوا: ربنا الله، مع إحسانهم إلى الناس، وعليهم ألا يحزنوا من الظلم الواقع عليهم، فقد قدره الله لحكم عظيمة، منها: انتشار دينه، وقبول الناس له، كما أن الظلم سرعان ما يزول فيكون لهم الأجر الجزيل عند ربهم وإلههم.
وقول الغلام للملك: (ثم خذ سهماً من كنانتي) فيه مزيد من إظهار عجز الملك، وأنه ليس بيده الأمر، فلو أخذ الملك سهماً من كنانته لما استطاع أن يقتل الغلام حتى يأخذه من كنانة الغلام؛ ليعلم الناس أن الأمر أمر رب الغلام، وأن قتل الغلام كان بإرادة الله لا بإرادة الملك.
وفي أمره أن يقول: (باسم الله رب الغلام) إعلان بالعجز التام، والافتقار القهري الاضطراري إلى الله سبحانه، وهو افتقار لا ينفعه ولا يثاب عليه؛ لأن المطلوب شرعاً هو الافتقار والعبودية الاختيارية لا الاضطرارية، وفي نطق الملك أمام الجموع: باسم الله رب الغلام، أثر عظيم في وصول الدعوة إلى من رأى ومن لم ير، وإنما سمع، فمن رأى ازداد يقيناً بقدرة الله رب الغلام وعظمته ووحدانيته.
فإن قيل: كيف أرشد الغلام الملك إلى طريقة قتله وتركه يقتله مع قدرته على الفرار، مع أن الإرشاد إلى قتل مسلم أمر يكرهه الله ويحرمه؟
و