أهل الأثرالأرشيف العلمي

القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين

: أحدهما: التمثيل والثاني: التكييف.

فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.
وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
وأما العقل فمن وجوه: الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلاً غير قوة الذرّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابها في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يُكَمِّله؟، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصا.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم.
فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة،

وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل.
وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه.
وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عز وجل، فوجب بطلان تكييفها.
وأيضا فإننا نقول: أيُّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟.
إن أيَّ كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك.
وأيَّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبا فيها، لأنه لا علم لك بذلك.

وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان وتحريرًا بالبنان.
ولهذا لما سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه)، ورُوِيَ عن شيخه ربيعة أيضا: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول).
وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان.
وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع، فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

فصول الكتاب · 22 فصل · 103 صفحة
فصول القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى · 103 صفحة
مقدمة...تمهيد...القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنىالقاعدة الثانية:أسماء الله تعالى أعلام وأوصافالقاعدة الثالثة: أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعدٍّ تضمنت ثلاثة أمور:القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام.القاعدة الخامسة: أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيهاالقاعدة السادسة:أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معينالقاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيهاالقاعدة الأولى: صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها...القاعدة الثانية: باب الصفات أوسع من باب الأسماءالقاعدة الثالثة: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية. وسلبية.القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمالالقاعدة الخامسة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية. وفعلية.القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمينالقاعدة السابعة: صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيهاالقاعدة الأولى: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالىالقاعدة الثانية: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة. وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.
القاعدة الرابعة: ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني
الخاتمةنص الكلمة التي نشرناها في مجلة الدعوة
القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى
تأليف محمد بن صالح العثيمين
الثالثة، 1421هـ/2001م
تقدّمك في الكتاب: القاعدة السادسة: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين — 15 من 23
جارٍ التحميل