المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيدالرسالة السابعة والثلاثون...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم "37" من عبد الرحمن بن الحسن إلى من يراه من أئمة المسلمين وعامتهم سلمهم الله تعالى وهداهم آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فالواجب علينا وعليكم التناصح في دين الله تعالى والتذكير بنعم الله وأيامه فإن في ذلك من المصالح الخاصة والعامة ما لا يحيط به إلا الله وفي الحديث "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاءوا به وكل شر في الدنيا والآخرة إنما حصل ووقع بمعصية الله ورسله والخروج عما جاءوا به وبعض الأذكياء يعرف ذلك في نفسه وأهله وولده ودابته قال بعضهم: أني لا أعصي الله فاعرف ذلك في خلق أهلي ودابتي ويكفي المؤمن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم﴾

وقد عرفتم أرشدكم الله تعالى: إن الله بعث محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة وغلبت عليهم الضلالة عربهم وعجمهم إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب فأول دعوته صلى الله عليه وسلم رد الخلق إلى الله وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص وهو أول دعوة الرسل وأول الواجبات والفرائض وهذا هو أهم الأمور وأوجبها على الخلق كما في الحديث "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" وكان من هديه صلى الله عليه وسلم: أن يبعث عماله ويرسل رسائله إلى أهل الأرض ويدعوهم إلى هذا يبدأ به قبل كل شيء ولا يأمر من الأركان إلا بعد التزامه ومعرفته كما دل عليه حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن وغيره من الأحاديث.
وقد حصل في الناس ما لا يخفى من الإعراض والإهمال وعدم الرغبة والتنافس فيما أوجبه الرب من توحيده وفرضه على سائر عبيده وقل الداعي إلى ذلك والمذكر به والمعلم له في القرى والبوادي والتساهل في هذه الأمور العظام يوجب للرعية أن يشب صغيرهم ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية والله سائلنا وسائلكم الدعاة إليه وجعل أموال الله التي بأيديكم آلة ووقاية وحماية وإعانة وبقاء الإسلام والإيمان: في استقامة الولاة والأئمة على ذلك وزوال الإسلام والإيمان وانقضاؤه: بانحرافهم عن ذلك وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره مقصود بها سواه فأهم المهمات وآكد الأصول والواجبات التفكر في هذا وتفقد الخاصة والعامة البادية والحاضرة وفي الحديث "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ومن الدعوة الواجبة والفرائض اللازمة جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه ومن البادية وغيرهم وقد أفلح من كان لله محياه ومماته وخاف الله في الناس ولم يخف الناس في الله.
وكذلك يجب على ولي الأمر أن لا يقوم من نسب عنه طعن أو قدح في شيء من دين الله ورسوله أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم

مثل من ينهى عن تكفير المشركين ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس لأنهم يدعون الإسلام ويتكلمون بالشهادتين وهذا الجنس ضرره على الإسلام خصوصا على العوام ضرر عظيم يخشى منه الفتنة وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين وزيغ الزائغين بل تجده والعياذ بالله سلس القياد لكل من قاده أو دعاه كما قال فيهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق أقرب شبها بهم الأنعام السارحة.
فإذا تيسر لكم الاهتمام والقيام بهذا الأصل فينظر بعد هذا في أحوال الناس في الصلوات الخمس المفروضات فإنهم من آكد الفروض والواجبات وفي الحديث: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة" وكل شيئ ذهب آخره لم يبق منه شيء وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلزم جعل نواب يأمرون بما أمر الله به ورسوله من إقامة الصلاة في المساجد في أوقاتها ويؤدبون من عرف منه كسل أو ترك أو أهمل أدبا يردع أمثاله وعلى أئمة المساجد تعليم ما يشترط لها وما يجب فيها من الأعمال والأقوال وبعد هذا يلتفت إلى النظر في أمر الزكوات وجبايتها على الوجه الشرعي من الأنعام والثمار والنقود والعروض ويكون مع كل عامل رجل له معرفة بالحدود الشرعية والأحكام الزكوية ويحذر عن الزيادة عما شرعه الله ورسوله فلا يؤخذ إلا مما وجبت فيه الزكاة وتم نصابه وحال حوله وكثير من العمال يخرص جميع الثمار وإن لم تنصب وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ولا رسوله فيه ظلم بين وتعد ظاهر حمانا الله وإياكم منه ومن الواجبات على ولي الأمر ترك ذلك لله فينبغي التفطن لهذه الأمور لئلا يقع فيها وهو لا يدري.
وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج والقيام على من تركه وهو

يستطيعه وهو ركن من أركان الإسلام وبعض السلف يكفر من تركه وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذلك القيام على الناس ومنعهم عن التعدي في الدماء والأموال وقطع السبل فهذا من الفساد في الأرض والمحاربة لله ورسوله فالواجب على من نصح نفسه ألا يحكم إلا بحكم الله ورسوله فإن لم يفعل وقع في خطر عظيم من تقديم الآراء والأهواء على شرع الله ورسوله.
ومما يجب على ولي الأمر تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بإزالة أسبابها وكذلك بخس الكيل والميزان والربا فيجعل في ذلك من يقوم به ممن له غيرة لدين الله وأمانته وكذلك مخالطة الرجال للنساء وكف النساء من الخروج إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها من زوج أو قريب ونحو ذلك.
وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم وغير ذلك مثل أهل النخيل النائية لأنه ربما يقع فيها فساد ما يدري عنه وأكثر الناس ما يبالي ولو فعل ما نهى عنه وفي الحديث: وما تركت فتنة على أمتي هي أضر على الرجال من النساء" وفي حديث آخر "ما ظهرت الفاحشة في قوم الا ابتلوا بالطواعين والأمراض التي لم تكن بأسلافهم الذين مضوا" نعوذ بالله من عقوبة المعاصي ونسأله العفو والعافية ومما يجب النهي عنه: الإسبال كما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" وفي حديث آخر "بينما رجل يجر إزاره خيلاء أمر الله الأرض أن تأخذه فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
وكذلك التشبه باليهود والمجوس في ترك الشوارب وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم: بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس: فقال "حفوا الشوارب واعفوا اللحى خالفوا اليهود" والذي فيه دين ورغبة في الخير ما يرضي لنفسه أن يخالف ما

أمر الله به ورسوله ويقتدي باليهود والمجوس والمتكبرين وعلى الإمام أن يأمر النواب من رأو تاركا للأمر أن يقوموا عليه ويلزموه الطاعة حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين من أهل الجفاء والغلظة والغفلة والإعراض نسأل الله العفو والعافية فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان وعدم الرغبة فيه.
وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم وترغب الناس في طلبه وإعانة من تصدى للطلبة لقلة العلم وكثرة الجهل وإن كان قد قام ببعض الواجب فينبغي له أن يهتم بهذا الأمر لفضيلة العلم وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه وطلب العلم اليوم من الفرائض كما لا يخفى على الإمام وغيره وفي الحديث "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم" وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام وتأليفه للطلبة فإذا كثر العلم وقل الجهل بسببه حصل له من الخير والحسنات ما لا يحصيه إلا الله إن قبله الله وبالغفلة عن طلبه العلم تضعفف هممهم ويقل طلبهم وفي مناقب عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أنه إذا أراد أن يحي سنة أخرج من العطاء مالا كثيرا فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى هذا فلله دره ما أحسن نظره لنفسه ولمن والاه الله عليهم وعلى كل من نصح نفسه أن يحذر من كبائر القلوب التي هي من أعظم الذنوب ولا يأمن مكر الله وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره وليكن معظما للأمر والنهي مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه متدبرا لكتابه محبة لربه ورغبة في ثوابه وخوفا من غضبه وعقابه.
ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله ويعادي في الله ويوالي في الله ويحب أولياء الله أهل طاعته ويعادي أعداءه أهل معصيته وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلى الله على محمد1

فصول الكتاب · 73 فصل · 293 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد · 293 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةمدخل...المقام الأولالمقام الثانيالمقام الثالثالمقام الرابعالمقام الخامسالمقام السادسالمقام السابعالمقام الثامنالمقام التاسع
المحجة
الرد على احمد بن علي بن احمد بن سليمان المرائي...
مدخل...الرسالة الأولى...الرسالة الثانية...الرسالة الثالة...الرسالة الرابعة...الرسالة الخامسة...الرسالة السادسة...الرسالة السابعة...الرسالة الثامنة...الرسالة التاسعة...الرسالة العاشرة...الرسالة الحادية عشر...الرسالة الثانية عشر...الرسالة الثالثة عشر...الرسالة الرابعة عشر...الرسالة الخامسة عشر...الرسالة السادسة عشر...الرسالة السابعة عشر...الرسالة الثامنة عشر...الرسالة التاسعة عشر...الرسالة العشرون...الرسالة الواحده العشرون...الرسالة الثانية والعشرون...الرسالة الثالثة والعشرون...الرسالة الرابعة والعشرون...الرسالة الخامسة والعشرون...الرسالة السادسة والعشرون...الرسالة السابعة والعشرون...الرسالة الثامنه والعشرون...الرسالة التاسعه والعشرون...الرسالة الثلاثون...الرسالة الواحدة والثلاثون...الرسالة الثانية والثلاثون...الرسالة الثالثة والثلاثون...الرسالة الرابعة والثلاثون...الرسالة الخامسة والثلاثون...الرسالة السادسة والثلاثون...الرسالة السابعة والثلاثون...الرسالة الثامنه والثلاثون...الرسالة التاسعة والثلاثون...الرسالة الأربعون...الرسالة الواحدة والأربعون...الرسالة الثانية والأربعون...الرسالة الثالثة والأربعون...الرسالة الرابعة والأربعون...الرسالة الخامسة والأربعون...الرسالة السادسة والأربعون...الرسالة السابعة والأربعون...الرسالة الثامنة والأربعون...الرسالة التاسعة والأربعين...الرسالة الخمسون...الرسالة الواحده والخمسون...الرسالة الثانية والخمسون...الرسالة الثالثة والخمسون...الرسالة الرابعة والخمسون...الرسالة الخامسة والخمسون...الرسالة السادسة والخمسون...الرسالة السابعة والخمسون...الرسالة الثامنة والخمسون...
جارٍ التحميل