المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيحمسألة

(سَمِع) بين التعدي إلى مفعول واحد ومفعولين

في قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: إنما الأعمالُ ... " 1. قال ابن الملقن: "اختلف النحاةُ في (سمِعتُ) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين: أحدُهما: نعم، وهو مذهبُ أبي علي الفارسي في "إيضاحه" قال: لكن لا بد أن يكون الثاني مما يُسْمَع، كقولك: سمعت زيدًا يقولُ كذا، ولو قلت: سمعتُ زيدًا أخاك لم يجُز، والصحيحُ أنه لا يتعدَّى إلا إلى مفعول واحد، والفعلُ الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعتُه حالَ قولِه كذا" 2. بيان المسألة: ذكر ابنُ الملقن أن النحاة اختلفوا في تعدي الفعلِ (سمع) إلى مفعول أو مفعولين، وبيان ذلك فيما يلي: المشهور عند النحويين أن الفعل (سمع) يتعدى إلى مفعول واحد 3، ويرى أبو علي الفارسي أنه من الأفعال المتعدية إلى مفعولين، شريطةَ أن يكون المفعولُ الثاني مما يُسمع، وإن اقتُصِر على مفعول واحد، فيجب أن يكون مما يُسمع 4. والجواب عن ذلك: 1 - أن الفعل (سمع) لم يُذكر عند النحويين ضمنَ بابِ ظن وأخواتها؛ إذ ظن وأخواتها من الأفعال المتعدية إلى مفعولين.
2 - أن الفعل (سمع) لم يذكر عند النحويين ضمن باب أعطى؛ إذ المفعول الثاني في أعطى (اسم) والفعل (سمع) قد يقع المفعول الثاني (فعلًا)، فتقول: سمعت زيدًا يتكلم.
فمنعُ (سمع) من هذين البابين يستلزمُ كونَه مما يتعدى إلى مفعول واحد، والفعلُ بعده في

محل نصب حال 1. وقد اعتُرض على قول الفارسي: "فإن اقتصرتَ على مفعول واحد وجَبَ أن يكون ممَّا يُسمع" 2، بأن الفعل قد يتعدى إلى مفعول واحد ولا يلزمُ أن يكون مما يُسمع.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ 3، فالفعل (سمع) لا يتعدى إلى مفعولين لقوله: (إذ تدعون)، ولو كان متعديًا إلى مفعولين لكان المعنى: يسمعون دعاءكم إذ تدعون، وهذا لا يحسن 4. وقد أجاب الفارسي 5 بأن تقدير الآية: (هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون)، فحُذف المضاف (دعاء) وأقيم المضافُ إليه مكانه، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ 6. لكن لو قُدِّر المحذوف بـ (أصواتكم) لكان أبلغ؛ لأنهم عاجزون عن سماع الصوت، فكيف بسماع الدعاء؟ ومما سبق يترجحُ القول بأن الفعل (سمع) متعدٍّ إلى مفعول واحد، فهو بمنزلة غيره من الحواس الخمس.

جارٍ التحميل