المدخل لابن الحاجصفحات 98-137
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب

صفحات 98-137
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ مَا هُوَ جَائِزٌ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ لِجَمَاعَةٍ لِزَارِعِهَا وَبَائِعِهَا وَلِلْخُضَرِيِّ وَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ وَلِآكِلِهَا.
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَتَعَاطَى الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ كَيْفَ لَا يُغَيِّرُونَ ذَلِكَ أَوْ يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ أَوْ يُبَيِّنُونَهُ لِمَنْ حَضَرَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ عِلْمَ ذَلِكَ بَلْ بَعْضُهُمْ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْحَالِ يَفْتَخِرُونَ بِأَكْلِهَا وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا فَأَيْنَ الْعِلْمُ وَأَيْنَ أَهْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْعَارِفُ رَزِينٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتِ؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْقُلْقَاسِ]

وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي بَيْعِ الْقُلْقَاسِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَوْعَيْنِ رُءُوسٍ وَأَصَابِعَ وَالْأَصَابِعُ أَحْسَنُهُ وَأَطْيَبُهُ فَيُدَلِّسُ بَعْضُهُمْ بِالرُّءُوسِ فَيُقَشِّرُهَا وَيُقَطِّعُهَا عَلَى قَدْرِ الْأَصَابِعِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا وَيَخْلِطُهَا مَعَهَا ثُمَّ يَبِيعُ ذَلِكَ بِسَوْمٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ وَالرُّءُوسَ مُخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ وَالطَّعْمِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَالرَّغْبَةِ فِيهِمَا وَالْمُحَاوَلَةِ لَهُمَا غَالِبًا وَلِأَنَّ النَّارَ الَّتِي تُنْضِجُ الْأَصَابِعَ لَا تُنْضِجُ الرُّءُوسَ فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الْوَقُودِ عَلَيْهَا إذَا طَبَخَهُمَا مَعًا، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْحَلَّتْ الْأَصَابِعُ وَقَدْ تَكُونُ الرُّءُوسُ لَمْ تَنْضَحْ بَعْدُ وَتَدْخُلُهُ الْمُغَابَنَةُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُرِيدُ أَنْ يَجْبُرَ الرُّءُوسَ وَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ مِنْ الْأَصَابِعِ فِي الْغَالِبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَخَلْطُهُمَا غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَالْوَجْهُ الْجَائِزُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَبِيعَهُ عَلَى حِدَتِهِ كُلٌّ بِسَوْمٍ يَخُصُّهُ وَهَذَا وَجْهٌ مُتَيَسِّرٌ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ.
فَعَلَى هَذَا مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْخَلْطِ لَيْسَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ لِسُهُولَةِ الْأَمْرِ فِي بَيْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ بَلْ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ إمَّا لِلْجَهْلِ بِالْعِلْمِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الْغِشِّ أَوْ لِلْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَجِّحَ

فِي الْوَزْنِ أَكْثَرَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُتَسَبِّبِينَ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ مَا يُرَجِّحُهُ الْخُضَرِيُّ يَسِيرٌ وَإِنْ كَثُرَ غَالِبًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَا يَزِنُ بِهِ مِنْ حَجَرِ الْكَذَّانِ أَوْ الطُّوبِ الْآجُرِّ أَنْ يَتَفَقَّدَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إذْ إنَّهَا تَنْقُصُ سَرِيعًا فَإِنْ لَمْ يَتَفَقَّدْهَا تَعَمَّرَتْ ذِمَّتُهُ فَلْيَتَحَرَّزْ مِنْ ذَلِكَ

[فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّيَّة لِجُلُوسِهِ فِي الدُكَّانِ التَّيْسِيرَ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ لِجُلُوسِهِ فِي دُكَّانِهِ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا أَكْثَرَ اعْتِنَاءً بِتَحْسِينِ النِّيَّةِ فِيمَا جَلَسَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الضُّعَفَاءِ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْعَجَائِزِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصِّغَارِ يَحْتَاجُونَ إلَى شِرَاءِ مَا عِنْدَهُ فَيُقَرِّبُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْبَعِيدَ وَيُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ وَيُعِينُهُمْ عَلَى قَضَاءِ مَآرِبِهِمْ.
«وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» . وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْدَحَ سِلْعَتَهُ، وَلَا يُثْنِيَ عَلَيْهَا بِلَفْظٍ، وَلَا كِنَايَةٍ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مُشَاهَدَةُ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ فِي الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْعَتْبُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَدْحَ الْبَائِعِ لِسِلْعَتِهِ مَعَ صِدْقِهِ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وَبَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَمْدَحُ سِلْعَتَهُ بِالْكَذِبِ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيُنَادِي عَلَيْهَا وَيَذْكُرُ لَهَا اسْمًا غَيْرَ اسْمِهَا الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ فَمَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، مِثَالُهُ مَنْ يَبِيعُ الْفَقُّوسَ يُنَادِي عَلَيْهِ يَا لُوبْيَا فَمَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ قِيلَ: أَيَزْنِي الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، قِيلَ: أَيَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: لَا» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ «إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ» فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا

الذَّمِّ الْعَظِيمِ ثُمَّ يَرْتَكِبُونَهُ لَا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا غَيْرِهَا بَلْ لِلْعَبَثِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ وَعَدَمِ مَنْ يَأْمُرُ أَوْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَتَغَالَى فِي تَغْيِيرِ اسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي يَبِيعُهُ فَيُنَادِي عَلَيْهِ بِاسْمٍ بَعِيدٍ مِنْهُ.
مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْجُمَّيْزِ: يَا فِرْصَادُ يَا عَسَلَ نَحْلٍ يَا أَحْلَى مِنْ التِّينِ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ.
وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي يَطُوفُ بِهَا مَنَافِعَ يَخْتَلِقُهَا وَيَسْمَعُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ وَكُلُّهَا عَوَائِدُ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا وَذَلِكَ مُذْهِبٌ لِلْبَرَكَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَرَكَةَ تَذْهَبُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا وَهُوَ الِاسْتِشْرَافُ فَمَا بَالُك بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ فَيَجْمَعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ التَّعَبَ وَالنَّصَبَ وَالْمَشَقَّةَ وَقِلَّةَ الرِّزْقِ لِعَدَمِ الْبَرَكَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَبَعْضُهُمْ تَكُونُ سِلْعَتُهُ رَدِيئَةً فَيَمْدَحُهَا وَيُثْنِي عَلَيْهَا.
مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْكُرَّاثِ وَالْبَقْلِ اللَّذَيْنِ قَدْ ذَبَلَا: كُرَّاثٌ مَلِيحٌ بَقْلٌ مَلِيحٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَعْهُودَةِ مِنْهُمْ.

وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نِدَائِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يُنْهَى عَنْهُ وَيُؤَدَّبُ وَيُزْجَرُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا شُرِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّعَبُّدِ لَا أَنَّهَا تُذْكَرُ عَلَى السِّلَعِ حِينَ بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِيمَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ يَقُولُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ يُعَوِّضُ عَنْ حِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُفْسَحَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ يَقُولُ: صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْكَذِبِ حِينَ نِدَائِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ.
وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ.
وَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ تَوْقِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْتِرَامُهُ

وَتَعْظِيمُهُ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ اسْمَهُ، وَلَا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلسَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وَتُنْدَبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ وَمَوَاضِعِ الْغَفْلَةِ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِيهَا سِرًّا وَعَلَنًا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَنْ ارْتَكَبَ مِنْ الْبَيَّاعِينَ أَوْ الطَّوَّافِينَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَيُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَجَنَّبَهُمْ بِعَدَمِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ مَا امْتَنَعَ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ إلَّا لِأَجْلِ تَعَاطِيهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي حَقِّهِمْ بِشَيْئَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ الْإِعَانَةِ لَهُمْ.
وَالثَّانِي: الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ.
وَمَنْ سَمِعَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُمْ يُؤْمَرُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ.
ثُمَّ إنَّ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ.
لَكِنْ إنَّمَا يَلْزَمُ الْإِنْكَارُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُفِيدُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ.
وَيُنْدَبُ لَهُ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يُسْمَعُ مِنْهُ.
وَيُكْرَهُ لَهُ أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ يَزِيدُ فِي الْوُقُوعِ فِي تِلْكَ الْمُخَالَفَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِثَالُهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ فَيَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ أُخْرَى بِأَنْ يَشْتُمَ أَوْ يَقْذِفَ مَنْ نَهَاهُ وَيَشْتُمَهُ وَيَقْذِفَهُ الْآخَرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمْ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فَلْيُعْرِضْ عَمَّنْ هَذَا حَالُهُ لَكِنْ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُعَوِّضَ عَنْ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ " ثَلَاثًا " وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إنَّ مِنْ الْبَيَّاعِينَ مَنْ يَقِفُ بِمَوْضِعٍ فِي السُّوقِ أَوْ الطَّرِيقِ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ وَيُمْنَعُ الشِّرَاءُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ مَوَاضِعَ مُرُورِهِمْ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ إنْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، وَلَوْ لَمْ يُضَيِّقْ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِوُسْعِ الطَّرِيقِ فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَضْيِيقِهَا بِكَثْرَةِ الْجُلُوسِ فِيهَا وَلِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ إعَانَةً لَهُ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَفِيهِ عَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَطُوفُ عَلَى الْبُيُوتِ وَيَدْخُلُ الْأَزِقَّةَ وَيَسْلُكُ الْمَوَاضِعَ الْبَعِيدَةَ مِنْ السُّوقِ فَهَذَا جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَمُرَّ فِي حَاجَتِهِ كَمَا يَمُرُّ غَيْرُهُ وَيُغْتَفَرُ لَهُ الْوُقُوفُ عَلَى بَابِ مَنْ يَبِيعُ لَهُ وَفِي أَثْنَاءِ مُرُورِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ

وَصِيَانَةِ حَرِيمِهِمْ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْأَسْوَاقِ.
لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الطَّوَّافِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّهُ يَبِيعُ لِلْمَرْأَةِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ إلَى مَوْضِعٍ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ مَنْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فَتَشْتَرِي مِنْهُ فَهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَلْوَةٌ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَا لَمْ يَقْصِدَاهُ وَأَمَّا دُخُولُهُ فِي الْبَيْتِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي حَوْزِهَا.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهُ حِينَ بَيْعِهِ لِلْمَرْأَةِ فَلَا يَنْظُرُ إلَّا إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ أَوْ فِي سِلْعَتِهِ.
وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّ الطَّوَّافِينَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْبَيَّاعِينَ لَهُنَّ مِنْ الْأُجَرَاءِ مِثْلِ مَنْ يَبِيعُ الْكَتَّانَ وَاللَّبَنَ وَالزَّيْتَ الْحَارَّ وَالسَّقَّاءِ وَالطَّحَّانَ.
وَمِنْ الصُّنَّاعِ كَالْمُزَيِّنِ وَالْبَنَّاءِ وَالنَّجَّارِ وَالْمُزَرِّبِ وَالْمُبَلِّطِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ فَيَتَحَفَّظُ أَنْ يَقَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
مِثَالُهُ أَنْ يَأْتِيَ مَنْ يَبِيعُ الْكَتَّانَ فَتَارَةً يَخْلُو بِالْمَرْأَةِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَارَةً تَأْتِي هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ فَيَجْتَمِعْنَ عَلَيْهِ وَيَقَعُ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِهِنَّ مَعَهُ وَمُحَادَثَتِهِنَّ لَهُ أَشْيَاءُ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُنَّ يَخْرُجْنَ عَلَيْهِ دُونَ حِجَابٍ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُنَّ عَلَيْهَا الثَّوْبُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِفُ أَوْ يَشِفُّ أَوْ هُمَا مَعًا وَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهَا الثَّوْبُ الْقَصِيرُ دُونَ سَرَاوِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَوَائِدِهِنَّ فِي الْوَقْتِ وَمَعَ ذَلِكَ يَزْعُمْنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيَخْتَلِقْنَ أَحْكَامًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِنَّ بِأَنْ يَقُلْنَ: إنَّ الْكَتَّانِيَّ وَالسَّقَّاءَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمَا لَيْسُوا مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسْتَحَى مِنْهُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّعِينَ لَا يُوقِعُ النَّاسَ بِغَوَايَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُخَالَفَةِ حَتَّى يَدُسَّ لَهُمْ فِيهَا مَا يَبْعَثُهُمْ عَلَى قَبُولِهَا مِنْهُ بِأَنْ يُلْقِيَ لَهُمْ وُجُوهًا مِنْ التَّعَالِيلِ.
وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ قَدْ حَدَثَتْ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهُنَّ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْرَافِ مِنْ النِّسَاءِ يَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ لَا يَسْتَحْيِينَ إلَّا مِنْ شَرِيفٍ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا وَبَعْضُ النِّسْوَةِ مِنْ الْأَشْرَافِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ الْغَرِيبِ أَصْلًا وَيَتَحَدَّثْنَ مَعَهُ وَيُطِلْنَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْبَسْطِ مِنْهُنَّ مَعَهُ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ الْغَرِيبَ

لَيْسَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسْتَحَى مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَهَا رِيَاسَةٌ فِي الدُّنْيَا أَوْ لِزَوْجِهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الْغِلْمَانِ، وَلَا مِنْ الْعَوَامّ وَيَرَيْنَ بِزَعْمِهِنَّ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُمْ.
ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ إلَى كَثِيرٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْوَقْتِ يَزْعُمْنَ أَنَّ الطَّوَّافِينَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ لَيْسُوا مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسْتَحَى مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31] إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَأَوْقَعَهُنَّ اللَّعِينُ بِتَسْوِيلِهِ فِي الْمُحَرَّمِ بِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ وَبِمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ.
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ رِجَالِهِنَّ الَّذِينَ هُمْ أَرْجَحُ مِنْهُنَّ عَقْلًا وَأَقْوَمُ دِينًا أَنَّهُمْ يَأْتُونَ إلَى بُيُوتِهِمْ فَيَجِدُونَ الْكَتَّانِيَّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِنْ الطَّوَّافِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَهْلِيهِمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْحَدِيثِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا بَلْ انْغَمَسَ أَكْثَرُهُمْ فِي الْجَهْلِ مَعَ زَعْمِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَجْهَلُونَ وَأَنَّهُمْ عَنْ الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ لَا يَحِيدُونَ فَلَوْ نَبَّهَهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَيْقَظَهُ مِنْ هَذِهِ الْغَمَرَاتِ لَكَانَ الْجَوَابُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي لَا أَتَّهِمُ امْرَأَتِي لِمَا أَعْلَمُ مِنْ عِفَّتِهَا وَصِيَانَتِهَا وَأَنَّ الْخِيَانَةَ لَا تَخْطِرُ بِبَالِهَا فَكَيْفَ أَخَافُ عَلَيْهَا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ دَخَلَ اللَّعِينُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَأَوْقَعَهُمْ فِي الْمُخَالَفَاتِ بِسَبَبِ تَحْسِينِ ظَنِّهِمْ بِأَزْوَاجِهِمْ.
وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الظَّنَّ وَصَلَ إلَى حَدِّ الْيَقِينِ لَكَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا شَرْعًا إذْ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَلَى ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَهَذِهِ عَوَائِدُ قَدْ اسْتَحْكَمَتْ فَكَثُرَ بِسَبَبِهَا الْوُقُوعُ فِي الْمُخَالَفَاتِ حَتَّى إنَّك لَتَجِدُ الرَّجُلَ إذَا طَلَبَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ الْكَتَّانَ أَوْ الْمَاءَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا يَتْرُكُ عِنْدَهَا ثَمَنَ ذَلِكَ حَتَّى يَعْبُرَ عَلَيْهَا الْكَتَّانِيُّ أَوْ السَّقَّاءُ فَتَشْتَرِي مِنْهُ بِنَفْسِهَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ تَكُونُ وَحْدَهَا فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا السَّقَّاءُ

أَوْ الْكَتَّانِيُّ أَوْ شِبْهُهُمَا فَتَحْصُلُ الْخَلْوَةُ بِهِ، وَنَفْسُ وُقُوعِ الْخَلْوَةِ مُحَرَّمٌ وَعِنْدَهَا وَمَعَهَا تَكْثُرُ الْمَفَاسِدُ حَتَّى لَا يُسْتَبْعَدَ وُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ مَعَ أَنَّ دَوَامَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ الْكُبْرَى أَشَدُّ وَأَضَرُّ وَذَلِكَ أَنَّ دَوَامَ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَتْ صُغْرَى أَحَبُّ إلَى اللَّعِينِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الْكُبْرَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ التَّوْبَةُ مِنْ الْكُبْرَى وَالْإِقْلَاعُ عَنْهَا بِخِلَافِ الصُّغْرَى، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَهَاوَنُونَ بِهَا وَهِيَ مَعَ الدَّوَامِ عَلَيْهَا تَصِيرُ كُبْرَى نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
مِثَالُهُ أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ إنْ وَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ الْكُبْرَى قَدْ لَا يَدُومُ فَيُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطَانُ تَرْكَهَا حَتَّى تَكْثُرَ مِنْهُ الْمُخَالَفَاتُ بِسَبَبِ دَوَامِ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَعَ الْمُحَادَثَةِ وَالْمُمَازَحَةِ وَالْخَلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ الْجَارُ وَالْجَارَةُ وَمَنْ تَرَبَّى بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي حَالِ الصِّغَرِ، وَلَا تَجِدُ فِي الْغَالِبِ الْفَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ إلَّا سَلَامَةَ مَحَلِّ الْجِمَاعِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيَسْتَوِي فِيهِ الزَّوْجُ وَغَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ قُرْبِ زَوْجِهَا لَهَا بَعْضُهُمْ يُمَثِّلُ الصُّورَةَ الَّتِي رَآهَا وَتَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ - عَدَمُ السُّؤَالِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّا يَلْزَمُ الْمَرْءَ فِي تَصَرُّفِهِ.
وَالثَّانِي - اسْتِحْكَامُ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ الْمُحْدَثَةِ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا دِينٌ يُتَدَيَّنُ بِهِ غَالِبًا وَالثَّالِثُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِمَنْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْهُ بِأَنَّهُ نَاقِصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَجِدُ بَعْضَهُمْ إذَا حَجَّتْ امْرَأَتُهُ أَطْلَقَ لَهَا السَّبِيلَ فِي الِاجْتِمَاعِ بِمَنْ شَاءَتْ وَالْخُرُوجِ عَلَى مَنْ شَاءَتْ لِتَحْسِينِ ظَنِّهِ بِهَا مِنْ أَجْلِ حَجِّهَا وَالْمَفَاسِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا أَشْبَهَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ لَكِنْ مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ يُغْنِي عَنْ التَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْكِي عَنْ أَحَدِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ كَبِيرَ السِّنِّ وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ عُمْرُهَا مِائَةُ سَنَةٍ أَوْ نَحْوُهَا وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ يَدُقُّ الْبَابَ خَرَجَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ فَفَتَحَتْ لَهُ فَكَانَ يَوْمًا فِي الدَّرْسِ فَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ احْتَاجَ إلَى إحْضَارِ النَّقْلِ

فِيهَا لِلْجَمَاعَةِ فَجَاءَ عَلَى الْعَادَةِ إلَى بَيْتِهِ لِيَنْظُرَ الْمَسْأَلَةَ فَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَتْ لَهُ جَارِيَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي رَبَّتْهَا فَفَتَحَتْ لَهُ الْبَابَ فَسَأَلَهَا أَيْنَ فُلَانَةُ " يَعْنِي زَوْجَتَهُ "؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا فِي الْحَمَّامِ؛ فَقَالَ لَهَا: اُدْخُلِي الْبَيْتَ وَعُدِّي الْكُتُبَ مِنْ الصَّفِّ الْفُلَانِيِّ فَإِذَا وَصَلْت فِي الْعَدِّ إلَى الْجُزْءِ الْفُلَانِيِّ فَأْتِينِي بِهِ؛ فَقَالَتْ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ فَتَأْخُذُ حَاجَتَك، فَقَالَ لَهَا: وَكَيْفَ أَدْخُلُ وَأَنْتِ فِي الْبَيْتِ؛ فَقَالَتْ لَهُ: أَمِّنِي تَخَافُ؟ فَقَالَ لَهَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْلُوَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ» وَأَنَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ وَأَنْتِ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يُمْكِنُنِي الدُّخُولُ أَوْ كَمَا قَالَ.
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى كِبَرِ سِنِّ هَذَا السَّيِّدِ وَعَمَلِهِ وَصَلَاحِهِ وَإِسَاءَةِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

[فَصْلٌ فِي الْمُزَيِّنِ]

وَأَمَّا الْمُزَيِّنُ فَمَفَاسِدُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا عِنْدَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ السَّقَّاءَ وَالْكَتَّانِيَّ يُمْكِنُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَأْخُذَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعِهَا بِهِمَا بِخِلَافِ الْمُزَيِّنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ وَحْدَهَا فَتَعْظُمُ الْمَفَاسِدُ وَيَكْثُرُ الْخَطَرُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُزَيِّنِ أَنْ يَدْخُلَ إلَى بَيْتٍ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا غَيْرُهَا فِيهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ جَمَاعَةِ نِسَاءٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهَا هِيَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ إلَّا بِحَضْرَةِ أَحَدِ هَؤُلَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً أَمِينًا وَيَغُضَّ طَرْفَهُ مَهْمَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَنْظُرَ إلَّا لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ هِيَ.
وَيَنْوِي بِمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ صَنْعَتِهِ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَأَنْ يُسْقِطَ الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إعَانَةَ الْمَلْهُوفِينَ وَالْمُضْطَرِّينَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْجُمُ عَلَى بَعْضِهِمْ الدَّمُ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ لِوَقْتِهِ وَإِلَّا أَفْضَى بِهِ إلَى الْمَوْتِ.
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إعَانَةَ إخْوَانِهِ عَلَى امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي التَّدَاوِي بِإِخْرَاجِ الدَّمِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ» وَعَدَّ فِيهَا

شَرْطَةَ مِحْجَمٍ.
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ وَرُجُوعِهِ إلَيْهِ وَتَلَبُّسُهُ بِهَذِهِ النِّيَّاتِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ إذَا بَدَا لَهُ، وَلَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا.
وَيَنْبَغِي مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى بَلْ الْأَوْجَبُ أَنْ تَكُونَ لِلنِّسَاءِ صَانِعَةٌ مُسْلِمَةٌ مُتَجَالَّةٌ تَفْعَلُ لَهُنَّ فِعْلَ الْمُزَيِّنِ حَتَّى لَا يَضْطَرَّهُنَّ الْأَمْرُ إلَيْهِ فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَالصِّبْيَانُ الْمَأْمُونُونَ الَّذِينَ هُمْ دُونَ مُرَاهَقَةِ الْبُلُوغِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَاَلَّذِينَ مِنْ الشُّيُوخِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ عَدَمِ الْخَلْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا كَانَتْ الصَّانِعَةُ هِيَ الَّتِي تُبَاشِرُ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُجْتَنَبَ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ شَابَّةً؛ لِأَنَّهَا تَمْشِي وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ غَالِبًا مُظْهِرَةً لِلزِّينَةِ وَالتَّبَرُّجِ وَالْغَالِبُ عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهَا الْوُقُوعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَوْ قَدَّرْنَا سَلَامَتَهَا لَكَانَ تَبَرُّجُهَا عَلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ مُحَرَّمًا فَيُخَافُ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْهَا أَنْ تَكْتَسِبَ شَيْئًا مِنْ خِصَالِهَا وَأَحْوَالِهَا الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا، وَكَانَ يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا تُتْرَكَ شَابَّةٌ تَعْمَلُ هَذَا؛ لِأَنَّهُنَّ يَتَوَصَّلْنَ بِهِ إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَتُعْجِبُهُ الشَّابَّةُ مِنْهُنَّ فَيُفْتَحُ لَهَا الْبَابَ عَلَى أَنَّهَا تَعْمَلُ لِأَهْلِهِ فَمَا تَشْعُرُ إلَّا وَهِيَ مَعَهُ فِي خَلْوَةٍ فَيُخَافُ مَعَ ذَلِكَ الْوُقُوعُ فِي الْمَعْصِيَةِ الْكُبْرَى وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ هَجْرُ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الصَّوَانِعِ وَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِجْرَانِهَا إذْ إنَّهُ قَدْ أَعَانَهَا وَمَنْ أَعَانَهَا كَانَ شَرِيكًا لَهَا فِيمَا ارْتَكَبَتْهُ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ، أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا تُضْطَرُّ الْمَرْأَةُ إلَيْهِ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَتُمْنَعُ مِنْهُ.
مِثَالُهُ أَنْ تَدْخُلَ الصَّانِعَةُ أَوْ الْمُزَيِّنُ أَوْ غَيْرُهُمَا لَتُفَلِّجَ أَسْنَانَهَا أَوْ تُجَرِّدَهَا لِتَبْيَضَّ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ فَعَلَتْهُ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ هَذَا وَجْهٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة وَفِيهِ الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ» وَهَذَا مِنْهُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الْمُزَيِّنِ أَيْضًا أَنْ يَجْتَنِبَا مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ارْتِكَابِ

الْمُحَرَّمِ فِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ يُحَفِّفُهَا الْمُزَيِّنُ وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كُبْرَى مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا عَلَى الْمُزَيِّنِ وَاسْتِمْتَاعًا لَهُ بِهَا إذْ إنَّهُ يُبَاشِرُ بِيَدَيْهِ خَدَّيْهَا وَشَفَتَيْهَا وَذَلِكَ حَرَامٌ كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِثْلُ تَفْلِيجِ الْأَسْنَانِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُنَّ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ خُرُوجِهِنَّ عَلَيْهِ بِالثَّوْبِ الْقَصِيرِ دُونَ السَّرَاوِيلِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَيَجِبُ تَأْدِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْمُزَيِّنِ قَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمَا نَهْيُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا أُدِّبَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِي ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَدَعَ امْرَأَةً تُحَفِّفُهَا، وَلَا تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ حَاجِبَيْهَا، وَلَا تَفْعَلَ هِيَ أَيْضًا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يَحْيَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَهُ النَّامِصَةُ فَهِيَ الَّتِي تُزِيلُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْمُتَنَمِّصَةُ هِيَ الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَ ذَلِكَ بِهَا وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ: وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَوَاجِبِ وَمَا فِي أَطْرَافِ الْوَجْهِ.

[فَصْلٌ فِي مُعَالَجَةِ الطَّبِيبِ وَالْكَحَّالِ الْكَافِرَيْنِ]

(فَصْلٌ) وَأَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقُبْحِ وَأَشْنَعُ مَا ارْتَكَبَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ مُعَالَجَةِ الطَّبِيبِ وَالْكَحَّالِ الْكَافِرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يُرْجَى مِنْهُمَا نُصْحٌ، وَلَا خَيْرٌ بَلْ يُقْطَعُ بِغِشِّهِمَا وَأَذِيَّتِهِمَا لِمَنْ ظَفِرَا بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ كَبِيرًا فِي دِينِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ هُمَا مَعًا فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَنَّ مَنْ نَصَحَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دِينِهِ وَأَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ السَّبْتَ فَهُوَ مُهْدَرُ الدَّمِ عِنْدَهُمْ حَلَالٌ لَهُمْ سَفْكُ دَمِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَافَقَهُ يَهُودِيٌّ فِي طَرِيقٍ فَلَمَّا أَنْ عَزَمَ عَلَى مُفَارَقَتِهِ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّكُمْ لَا تُبَاشِرُونَ مُسْلِمًا فِي شَيْءٍ إلَّا غَشَشْتُمُوهُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ خَرَجْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَأَنْتَ قَدْ رَافَقْتنِي فِي هَذَا الطَّرِيقِ فَأَيْنَ غِشُّك؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ:

أَمَا رَأَيْتنِي أَرْجِعُ تَارَةً عَنْ يَمِينِك وَتَارَةً عَنْ يَسَارِك؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: مَا وَجَدْت شَيْئًا أَغُشُّك بِهِ إلَّا أَنِّي أُتَابِعُ ظِلَّك وَأَطَأُ بِقَدَمِي عَلَى مَوْضِعِ رَأْسِك مِنْهُ خِيفَةَ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ دِينِي.
فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُ دِينِهِمْ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يُسْكَنُ إلَى قَوْلِهِمْ أَوْ يُرْجَعُ إلَى وَصْفِهِمْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ يَسْتَطِبُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَعَ تَحَقُّقِهِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِمْ بَلْ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ لَهُ تَأْنِيسًا بِسَبَبِ أَنَّهُ يَطَّلِعُ بِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي عِلْمِ الطِّبِّ فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ مَا يَصِفُونَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ غِشًّا أَوْ نُصْحًا اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي مُبَاشَرَةِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ لَهُمْ وَهُمْ لَيْسُوا فِي الْمَعْرِفَةِ مِثْلَهُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ الطِّبِّ أَصْلًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْغَفْلَةَ عَنْ أَنْ يَدُسُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ الَّتِي يَصِفُونَهَا فَيَسْتَعْمِلَهَا فَتَكُونَ سَبَبًا فِي ضَرَرِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَضُرُّهُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَظَهَرَ غِشُّهُمْ وَانْقَطَعَتْ مَادَّةُ مَعَاشِهِمْ لَكِنَّهُمْ يُضِيفُونَ لَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ مَا يَلِيقُ بِذَلِكَ الْمَرَضِ وَيُظْهِرُونَ الصَّنْعَةَ فِيهِ وَالنُّصْحَ وَقَدْ يَتَعَافَى الْمَرِيضُ فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى حِذْقِ الطَّبِيبِ وَمَعْرِفَتِهِ؛ لِيَقَعَ عَلَيْهِ الْمَعَاشُ كَثِيرًا بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى نُصْحِهِ فِي صَنْعَتِهِ لَكِنَّهُ يَدُسُّ فِي أَثْنَاءِ وَصْفِهِ حَاجَةً لَا يُفْطَنُ لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّرَرِ غَالِبًا وَتَكُونُ تِلْكَ الْحَاجَةُ مِمَّا تَنْفَعُ ذَلِكَ الْمَرِيضَ وَيَنْتَعِشُ مِنْهُ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يَبْقَى الْمَرِيضُ بَعْدَهَا مُدَّةً فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فِي آخِرِ الْحَالِ وَقَدْ يَدُسُّ حَاجَةً أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ إنْ جَامَعَ انْتَكَسَ وَمَاتَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي حَاجَةٍ أُخْرَى يَصِحُّ الْمَرِيضُ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهَا لَكِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ انْتَكَسَ وَمَاتَ.
وَقَدْ يَدُسُّ حَاجَةً أُخْرَى فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا الْمَرِيضُ صَحَّ وَقَامَ مِنْ مَرَضِهِ لَكِنْ لَهَا مُدَّةٌ فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ

الْمُدَّةُ عَادَتْ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهَا مَا يَكُونُ مُدَّتُهَا سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غِشِّهِمْ وَهُوَ كَثِيرٌ.
ثُمَّ يَتَعَلَّلُ عَدُوُّ اللَّهِ بِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ آخَرُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِي فِيهِ حِيلَةٌ فَلَوْ سَلِمَ مِنْهُ لَعَاشَ وَصَحَّ وَيُظْهِرُ التَّأَسُّفَ وَالْحُزْنَ عَلَى مَا أَصَابَ الْمَرِيضَ ثُمَّ يَصِفُ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءَ تَنْفَعُ لِمَرَضِهِ لَكِنَّهَا لَا تُفِيدُ بَعْدَ أَنْ فَاتَ الْأَمْرُ فِيهِ فَيَنْصَحُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ نُصْحُهُ فَمَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ النَّاصِحِينَ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْغَاشِّينَ.
وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ الْعَدَاوَةِ قَدْ تُرْجَى إزَالَتُهَا ... إلَّا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاك فِي الدِّينِ وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ النُّصْحَ فِي وَصْفِهِمْ، وَلَا يَغُشُّونَ بَعْضَ النَّاسِ بِشَيْءٍ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا خَطَرَ لَهُمْ فِي الدِّينِ، وَلَا عِلْمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ الْغِشِّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَنْصَحُوا لَمَا حَصَلَتْ لَهُمْ الشُّهْرَةُ بِالْمَعْرِفَةِ بِالطِّبِّ وَلَتَعَطَّلَ عَلَيْهِمْ مَعَاشُهُمْ وَقَدْ يُتَفَطَّنُ لِغِشِّهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ مَعْرِفَتِهِمْ وَنُصْحِهِمْ فَيَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ مَعَ هَذَا الصِّنْفِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ أَعْنِي مَنْ لَا خَطَرَ لَهُ فِي الدِّينِ كَالْعَوَامِّ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْ غِشِّهِمْ نُصْحُهُمْ لِبَعْضِ مَنْ يُبَاشِرُونَهُ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا لِيَشْتَهِرُوا بِذَلِكَ وَتَحْصُلُ لَهُمْ الْحُظْوَةُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ شَابَهَهُمْ وَيَتَسَلَّطُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهَذَا النَّوْعُ مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ.
وَقَدْ يَنْصَحُونَ الْعُلَمَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَذَلِكَ مِنْهُمْ غِشٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِكَيْ تَحْصُلَ لَهُمْ الشُّهْرَةُ وَتَظْهَرَ صَنْعَتُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى إتْلَافِ مَنْ يُرِيدُونَ إتْلَافَهُ مِنْهُمْ وَهَذَا مِنْهُمْ مَكْرٌ عَظِيمٌ.
فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ صَنْعَتَهُمْ فِي قَوْمٍ لِتَمْشِيَةِ مَعَاشِهِمْ وَيَسْتَعْمِلُونَ دِينَهُمْ فِي آخَرِينَ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُرْكَنَ إلَيْهِ، وَلَا يُسْكَنَ إلَى وَصْفِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا خَطَرٌ عَظِيمٌ إذْ إنَّ كُلَّ صَنْعَةٍ إذَا أَخْطَأَ صَاحِبُهَا فِيهَا قَدْ يُمْكِنُ تَلَافِيهَا إلَّا هَذَا فَإِنَّ الْخَطَأَ فِيهَا إتْلَافٌ لِلنُّفُوسِ وَكُلُّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ لَا يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ مَنْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِ النَّهْيِ

فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِلْمَ الطِّبِّ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِ الْمَغَارِبَةِ بِمِصْرَ قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ الرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لَهُ طَبِيبٌ يَهُودِيٌّ فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَهَجَرَهُ وَطَرَدَهُ فَبَقِيَ الْيَهُودِيُّ يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاَللَّهِ لَأَذْبَحَنَّهُ ذَبْحًا، فَمَا زَالَ الْيَهُودِيُّ يَتَحَيَّلُ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَصَفَحَ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَرِضَ ذَلِكَ الرَّئِيسُ مَرَضًا شَدِيدًا قَالَ: فَكُنْت يَوْمًا أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ فِي بَيْتِهِ إذْ جَاءَهُ جَمَاعَةٌ يَطْلُبُونَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُمْ إلَى بَيْتِ الْمَرِيضِ فَأَبَى فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أَنْعَمَ لَهُمْ فَخَرَجَ مَعَهُمْ وَقَالَ لِي: اجْلِسْ هُنَا حَتَّى آتِي فَمَا هُوَ إلَّا قَلِيلٌ وَرَجَعَ وَهُوَ يُرْعِدُ فَقُلْت: مَا الْخَبَرُ فَقَالَ لِي: سَأَلْتهمْ عَمَّا وَصَفَهُ الْيَهُودِيُّ لَهُ فَوَجَدْته قَدْ ذَبَحَهُ ذَبْحًا فَمَا كُنْت لِأَدْخُلَ عَلَيْهِ إذْ إنَّهُ لَا يُرْتَجَى وَلِئَلَّا يَنْسِبَ الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ إلَيَّ وَقَالَ لِي: لَا بَقَاءَ لَهُ بَعْدَ الْيَوْمِ فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَأَصْبَحَ مَيِّتًا وَهَذَا بَعْضُ تَنْبِيهٍ عَلَى غِشِّهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ وَأَحْوَالُهُمْ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ أَوْ تَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ يَنْحَصِرُ وَالشَّرَّ لَا يَنْحَصِرُ.
فَلْيَنْظُرْ الْعَاقِلُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَاقِلَ مَنْ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ فَكُنْ عَاقِلًا أَوْ مُقَلِّدًا لِلْعُقَلَاءِ وَإِيَّاكَ وَاتِّبَاعَ أَخِي الْجَهَالَةِ فَإِنَّهُ مُؤْذٍ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَحَفَّظُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى زَعْمِهِ فَيَأْخُذُ طَبِيبًا مُسْلِمًا وَطَبِيبًا نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا فَيَعْرِضُ مَا يَصِفُهُ الْكَافِرُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ مَا وَصَفَهُ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ.
الثَّانِي - مَا فِيهِ مِنْ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّالِثُ - مَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِمَا يُعْطِيه لَهُمْ.
الرَّابِعُ - مَا فِيهِ مِنْ ذِلَّةِ الْمُسْلِمِ لَهُمْ.
الْخَامِسُ - مَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُبَاشِرُونَهُ رَئِيسًا فَإِنَّهُمْ يَتَفَاخَرُونَ بِمُعَالَجَتِهِ وَيَتَعَزَّزُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ وَصْلَتِهِمْ بِهِ وَالتَّرَدُّدِ لِبَابِهِ وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِتَصْغِيرِ شَأْنِهِمْ وَهَذَا عَكْسُهُ.
السَّادِسُ - مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ وَالشَّنَاعَةِ إنْ كَانَ

الْمَرِيضُ امْرَأَةً مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ عَدُوُّ اللَّهِ يَتَمَتَّعُ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَيَجُسُّهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مِنْهُنَّ فَمَا بَالُك بِالرَّجُلِ وَقَدْ تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ إلَى كَشْفِ بَعْضِ بَدَنِهَا لِيَرَى مَوْضِعَ الْأَلَمِ مِنْهَا فَيُبَاشِرُ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوُّ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا أَمْرٌ فَظِيعٌ يَقْبُحُ سَمَاعُهُ فَكَيْفَ بِتَعَاطِيهِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ يَصِفُ لِبَعْضِ النَّاسِ زَوْجَةَ الْمُسْلِمِ أَوْ ابْنَتَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خِصَالِهِمْ الْمَذْمُومَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ الْغَيْرَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَشْفَ الْعَوْرَةِ لِلطَّبِيبِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَرِيضُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَعَ وُجُودِ الضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِمُبَاشَرَةِ الْكَافِرِ مَعَ وُجُودِ الطَّبِيبِ الْمُسْلِمِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ لَا يَأْخُذَ مِنْ الْأَطِبَّاءِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ]

(فَصْلٌ) فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُتَحَرَّزَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَرِيضِهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأَطِبَّاءِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهَذَا الشَّأْنِ مِنْ الشُّبَّانِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُمْ الْإِجَازَاتُ بِصِنَاعَةِ الطِّبِّ أَوْ الْكُحْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَى نَفْسِ مَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَتَجْرِبَتِهِ لِلْأُمُورِ وَمَا يَعْتَوِرُهُ فِي صَنْعَتِهِ وَالشُّبَّانُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ كَبِيرُ أَمْرٍ فِي التَّجْرِبَةِ وَالدُّرْبَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَطَأَ فِي هَذَا كَبِيرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ قَتَلَ أَوْ الْكَحَّالُ أَعْمَى.
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى مَنْ هُوَ أَصْلُحُ فِي الْوَقْتِ مِنْ أَطِبَّاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالدِّينِ فَيُسْكَنُ إلَى وَصْفِهِ.
وَمَا وُصِفَ فِي أَمْرِ الطَّبِيبِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْكَحَّالِ أَيْضًا إذْ إنَّ الْكَحَّالَ يُبَاشِرُ وَجْهَ الْمَرْأَةِ بِيَدَيْهِ وَيَنْظُرُ لَهَا بِعَيْنَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ذَا مَعْرِفَةٍ وَدِينٍ أَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ أَهْلِ وَقْتِهِ فِي ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ

فَيَتَعَيَّنُ تَرْكُ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوُجُوهِ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى بَعْضِ جِيرَانِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَالَ: فَرَأَيْت شَابًّا يَهُودِيًّا دَخَلَ بَيْتًا فِي الرَّبْعِ الَّذِي كَانَ مُشْرِفًا عَلَيْهِ وَكَانَ فِيهِ نِسَاءٌ مُجْتَمَعَاتٌ فَخَرَجَتْ إحْدَاهُنَّ إلَى الْكَحَّالِ وَخَلَا بِهَا فَكَحَّلَ عَيْنَيْهَا ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا مَا يُصِيبُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ " فَلَا أَدْرِي أَرَادَ الْوَطْءَ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ " قَالَ: فَلَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسِي حَتَّى أَخَذْت عَصًا وَنَزَلْت إلَى بَابِ الْمَوْضِعِ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ الْيَهُودِيُّ ضَرَبْته الضَّرْبَ الْمُوجِعَ وَتَوَّبْتُهُ أَنْ لَا يَعُودَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ مَعِي غَيْرِي أَشْهَدْت عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْحَالِ مَا أَشْنَعَهُ وَأَقْبَحَهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ فَكَيْفَ بِوُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ التَّسَامُحُ وَالتَّغَافُلُ عَنْ التَّوَقِّي مِنْ خُلْطَةِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَاسْتِعْمَالِهِمْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَعَادَ الْأَمْرُ كَمَا تَرَى، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
فَعَلَى هَذَا فَمَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ وَأَصَابَهُ شَيْءٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ عَيْنَيْهِ كَانَ غَيْرَ مَأْجُورٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ إنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ.
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْأُنْسِ وَالْوُدِّ لَهُمْ، وَإِنْ قَلَّ إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدِّينِ وَمَعَ ذَلِكَ يُخْشَى عَلَى دِينِ بَعْضِ مِنْ يَسْتَطِبُّهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْإِخْوَانِ أَنَّهُ مَرِضَ عِنْدَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ فَأَبَى الْمَرِيضُ إلَّا أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ بِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَجِيءَ بِهِ إلَيْهِ وَبَقِيَ يُوَاظِبُهُ قَالَ: فَرَأَيْت الْيَهُودِيَّ الَّذِي يُبَاشِرُهُ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يَقُولُ لِي: دِينُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الدِّينُ الْقَدِيمُ وَالدِّينُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فَهُوَ الدِّينُ الْأَقْوَمُ، وَبَقِيَ يُشَنِّعُ وَيَقُولُ قَالَ: فَانْتَبَهْت مِنْ نَوْمِي وَأَنَا مَذْعُورٌ وَالْتَزَمْت أَنْ لَا يَدْخُلَ لِي مَنْزِلًا أَبَدًا وَبَقِيت إذَا لَقِيته فِي طَرِيقٍ أَسْلُكُ غَيْرَهُ وَأَخَافُ أَنْ يَصِلَ إلَيَّ شَيْءٌ مِنْ وَبَالِهِ فَهَذَا قَدْ رُحِمَ بِسَبَبِ أَنَّهُ

كَانَ مُعْتَنًى بِهِ فَيَخَافُ مَنْ اسْتَطَبَّهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مُعْتَنًى بِهِ أَنْ يَهْلِكَ مَعَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْخَوْفُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِرِ لَكَانَ مُتَعَيَّنًا تَرْكُهُ فَكَيْفَ مَعَ وُجُود مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِطِبِّ الْأَبَدَانِ وَتَكْحِيلُ الْعُيُونِ وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ]

(فَصْلٌ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى اشْتِغَالِهِمْ بِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ طِبُّ الْأَبَدَانِ وَتَكْحِيلُ الْعُيُونِ وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا بِسَبَبِهَا إلَى إتْلَافِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ غَالِبًا فِي أَبْدَانِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُهِمُّهُ صَلَاحُ بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ فَإِنْ اعْتَلَّ بَدَنُهُ احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَةِ الطَّبِيبِ لَهُ وَالْكَحَّالِ لِعَيْنَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ احْتَاجَ لِمَنْ يَحْصُرُهُ وَيَحْسِبُهُ وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِخْلَالَ بِالدِّينِ؛ لِأَنَّهُ بِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي أَحَدِهِمَا يَقَعُ الْخَلَلُ فِي الدِّينِ غَالِبًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَائِمًا فَإِذَا حَصَلَ لَهُ الْخَلَلُ فِي بَدَنِهِ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ فَإِنْ اشْتَدَّ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَى الِاضْطِجَاعِ، وَكَذَلِكَ يُفْطِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ الْمُكَلَّفُ يَكُونُ مَعَهُ مَا يَتَسَبَّبُ فِيهِ فِي سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ مِثْلُ الزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالظُّلْمِ وَالْغَرَامَةِ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَى مَخْدُومِهِمْ مِنْ الظَّلَمَةِ فَيَضْطَرُّ الْمُتَسَبِّبُ الْمِسْكِينُ إلَى أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْحِيَلَ فِي التَّسَبُّبِ بِسَبَبٍ آخَرَ لِيَقْتَاتَ مِنْهُ فَيَحْصُلَ لَهُ بَطَالَةُ الْوَقْتِ وَخُلُوِّهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالْفِكْرِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ لِشُغْلِهِ بِالْفِكْرَةِ فِي أَمْرِ قُوتِهِ.
وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرِّفْقُ فِي النَّفَقَةِ، وَلَا الزِّيَادَةُ فِي الْكَسْبِ أَوْ كَمَا قَالَ.
فَهَذَا مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِقْلَالَ مِنْ التَّكَسُّبِ فِي الدُّنْيَا أَبْرَكُ وَأَنْجَحُ لِأَجْلِ التَّفَرُّغِ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَثُرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ التَّنَقُّلُ مِنْ سَبَبٍ إلَى سَبَبٍ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: لِمَ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَكَانَ عَلَى كَتِفِهِ جِرَابٌ؟ فَقَالَ: إلَى بَلَدٍ أَمْلَأُ هَذَا بِدِرْهَمٍ أَوْ كَمَا قَالَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ السِّعْرَ إذَا رَخُصَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَبِيرِ تَسَبُّبٍ، وَلَا عَمَلٍ فَيَبْقَى الْمَرْءُ مُقْبِلًا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى

قَالَ أَهْلُ الطَّرِيقِ: مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كُلِّفَ مِنْ الْعَمَلِ أَكْثَرَ مِنْ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ مَعَ أَكْثَرِ مَا تَعْمَلُهُ فَإِنْ كَثُرَتْ أَسْبَابُ الدُّنْيَا عَلَيْهَا مَالَتْ إلَيْهَا وَإِنْ كَثُرَ شُغْلُهَا بِأَسْبَابِ الْآخِرَةِ مَالَتْ إلَيْهَا.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالُوا: إنَّ مَنْ نَقَصَ فِي عَشَائِهِ عَنْ الْمُعْتَادِ أَنَّهُ يُطِيلُ الْقِيَامَ أَوْ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ ضِدَّ مَا تُرِيدُهُ النَّفْسُ مِنْ الرَّاحَةِ عِنْدَ الشِّبَعِ، فَإِذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَوْ أَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَغْلَبَ عَلَى الْجَوَارِحِ فَتَنْقَادُ النَّفْسُ إلَيْهَا أَكْثَرَ وَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فَضِيلَةُ الْجِهَادِ، وَلَا جِهَادَ أَعْظَمُ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «رَجَعْتُمْ مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ جِهَادَ النُّفُوسِ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ إذْ إنَّهُ عَمَلٌ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَبَيْنَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَإِخْوَانِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى مُبَاشَرَتِهِمْ لِوُجُودِ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ الْكَثِيرَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّك قَدْ تَجِدُ فِي الْمَدَارِسِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ مَنْ لَهُ الْيَدُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَقَدْ جُبِلُوا عَلَى الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَكِنَّهَا عَوَائِدُ اُنْتُحِلَتْ وَأَنِسَتْ النُّفُوسُ بِهَا مَعَ وُجُودِ الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي وَالْهَوَى الْمُرْدِي أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.

مَعَ أَنَّ أَصْلَ الطِّبِّ إنَّمَا هُوَ بِالتَّجْرِبَةِ وَعَنْهَا أُخِذَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَبِيبٌ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ أَوْ كَحَّالٌ وَقَدْ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْمُشْتَرِينَ لَدَيْهِ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ الْجَيِّدَةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَمَا ذَاكَ إلَّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّجَارِبِ فَمَنْ كَثُرَتْ تَجَارِبُهُ كَثُرَتْ مَعْرِفَتُهُ فِيهِ، وَقَدْ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْقَوَابِلِ وَالْعَجَائِزِ يَعْرِفْنَ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ الْمَعْرِفَةِ الْجَيِّدَةِ وَهَذَا رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَثْرَةِ التَّجَارِبِ.
وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَرْجِعُونَ إلَى اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ تَيَقُّنِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنَّ الطَّبِيبَ الْكَافِرَ يُبَاشِرُهُمْ وَلَيْسَ فِي عَقْلِهِ

بِسَبَبِ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَةَ وَيَسْكَرُ بِهَا ثُمَّ يَمْشِي إلَى مَنْ يُبَاشِرُهُمْ مِنْ الْمَرْضَى فَيَصِفُ لَهُمْ مَا يَصِفُ وَهُوَ فِي غَيْرِ وَعْيِهِ، وَلَا يَعْرِفُ مَا زَادَ عَلَى الْمَرِيضِ، وَلَا مَا نَقَصَ، وَلَا مَا قِيلَ لَهُ، وَلَا مَا كَتَبَ أَوْ وَصَفَ وَهَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَيْثُ سَدَّ هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ: مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَكَوْنُهُ أَقَامَهُمْ مِنْ أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: قَدْ أَغْنَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْكُمْ وَنَهَى عَنْ اسْتِعْمَالِهِمْ وَمُبَاشَرَتِهِمْ وَأَمَرَ أَنْ لَا يُسَاكِنُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرْفَعُوا عَلَيْهِمْ جِدَارًا بَلْ يَكُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ أَنْ يَقَعَ بَعْضُ مَا جَرَى مِنْ الضَّرَرِ مِنْهُمْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لُعِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ فَإِنَّهُمْ ... بَلَغُوا بِمَكْرِهِمُو بِنَا الْآمَالَا خَرَجُوا أَطِبَّاءً وَحُسَّابًا لِكَيْ ... يَتَقَسَّمُوا الْأَرْوَاحَ وَالْأَمْوَالَا

[فَصْلٌ طِبُّ الْأَبَدَانِ وَالرُّقَى الْوَارِدَةُ]

ُ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَلَا يَخْلُو أَمْرُ الْمَرِيضِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ أَعْلَاهَا وَأَحْسَنُهَا وَأَرْفَعُهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالتَّفْوِيضُ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى سَعَةِ فَضْلِهِ وَعَظِيمِ كَرَمِهِ دُونَ أَنْ يَخْتَلِجَ فِي بَاطِنِهِ شَيْءٌ أَوْ يَسْتَعْمِلَ سَبَبًا ظَاهِرًا بَلْ يَكُونُ كَالْمَيِّتِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ بَيْنَ يَدَيْ غَاسِلِهِ، وَهَذَا إنْ وُجِدَ فَهُوَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ وَهُوَ الَّذِي نُقِلَ عَنْ حَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي، قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي، قَالَ: أَلَا آمُرُ لَك بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، قَالَ: أَلَا آمُرُ لَك بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِك، قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ إنِّي أَمَرْت بَنَاتِي بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ.
وَمِثْلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَنْ مَرِضَ فَعَادُوهُ وَقَالُوا: أَلَا نَدْعُو لَك بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي.
وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَنْ قِيلَ لَهُ: أَلَا نَأْتِيك بِالطَّبِيبِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ شِفَائِي فِي رَفْعِ يَدِي إلَى شَحْمَةِ أُذُنِي مَا رَفَعْتهَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: أَذْنَبْت ذَنْبًا فَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قِيلَ لَهُ: وَمَا هُوَ الذَّنْبُ؟ قَالَ: طَلَعَ لِي طُلُوعٌ؛ فَرَقَيْتُهُ فَاسْتَرَاحَ فَجَعَلَ الرُّقْيَةَ ذَنْبًا يُسْتَغْفَرُ مِنْهُ فَمَا بَالُك بِالطِّبِّ عِنْدَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ السَّنِيَّةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ.
فَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا

فَإِنْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَمْتَثِلْ السُّنَّةَ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَدْفَعُ الْمَوْتَ لَدَفَعَهُ السَّنَا» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ هِيَ الشُّونِيزُ وَهِيَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ وَالسَّامُّ الْمَوْتُ.
مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ: إنَّ الْأَطِبَّاءَ يَقُولُونَ: إنَّهَا تَنْفَعُ لَسَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا.
قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا أَنْ يَسْأَلَ الْأَطِبَّاءَ عَنْهَا فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَنَّهَا تَنْفَعُ لِذَلِكَ الْمَرَضِ اسْتَعْمَلَهَا وَإِلَّا فَلَا أَوْ كَمَا قَالَ.
وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ أَقُولَ بِهَذَا الْقَوْلِ، صَاحِبُ النُّورِ الْأَكْمَلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِشَيْءٍ فَنَعْرِضُهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الظُّلْمَةِ.
فَقِيلَ لَهُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ مَا قَالَتْ الْأَطِبَّاءُ؟ فَقَالَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - أَنْ تَكُونَ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ بِالنُّورِ الْأَكْمَلِ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَنَّ عَلَيْهِ بِهِ فَرَآهَا تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ، وَأَهْلُ الطِّبِّ نَظَرُوا بِظُلْمَةِ الْفِكْرِ الَّذِي

عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ تَنْفَعُ لَسَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا كَمَا قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ ثُمَّ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ كَمَا خُصَّتْ بِخَصَائِصَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ إكْرَامًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَاهِرٌ بَيِّنٌ.
لَكِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نِيَّةِ الْمَرِيضِ فِيمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْدُرُ مِنْ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَقُوَّةِ التَّصْدِيقِ، فَعَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ يَنْجَحُ السَّعْيُ وَيَظْفَرُ صَاحِبُهَا بِالْمُرَادِ.
وَقَدْ حَكَى سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْمَعْنَى حِكَايَةً فَقَالَ: إنَّ شَابًّا كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَتَكَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَأَنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَبَيَّنَ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ وَعَلَّلَهُ فَبَعْدَ أَيَّامٍ انْقَطَعَ الشَّابُّ عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ مُوجِبِ غَيْبَتِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا بِعَيْنَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخُ: وَمَا عَمِلْت لَهُمَا؟ فَقَالَ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ، قَالَ: وَكَيْفَ وَجَدْت حَالَك عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَمَّا عَمِلْتهَا فِي عَيْنَيَّ كَادَتْ عَيْنَايَ أَنْ تَطِيرَا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيَّ وَكَثُرَ الْأَلَمُ فَقُلْت مُخَاطِبًا لَهُمَا: اذْهَبَا أَوْ لَا تَذْهَبَا أَوْجِعَا أَوْ لَا تُوجِعَا فَالشَّيْخُ مَا نَقَلَ إلَّا حَقًّا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ إلَّا صِدْقًا أَوْ كَمَا قَالَ؛ فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى جُلَسَائِهِ وَقَالَ لَهُمْ: اجْعَلُوا بَالَكُمْ مَنْ مَرِضَ مِنْكُمْ بِالْعَيْنَيْنِ فَلَا يَكْتَحِلُ بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَا نَجَّاهُ إلَّا قُوَّةُ يَقِينِهِ فَأَشَارَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَصْلُ فِيهَا قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقِ فَمَنْ قَوَى يَقِينُهُ سَهُلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَحَصَلَ لَهُ الطِّبُّ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَلَا مَشَقَّةٍ وَمَنْ لَمْ يَقْوَ يَقِينُهُ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِنَا الْآنَ فَلْيَرْجِعْ إلَى وَصْفِ الْأَطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ التَّدَاوِي بِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا فَيَسْتَعْمِلُ عَسَلَ النَّحْلِ وَغَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ الْمُبَارَكَةِ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ الشَّهْرِ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى

وَعِشْرِينَ كَانَ لَهُ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْكَيِّ مَكْرُوهٍ بِدَلِيلِ كَيِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُبَيًّا يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ لَمَّا رُمِيَ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَوَى نَفْسَهُ» حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ.
وَكَوَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ اكْتَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ.
وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَعْرَفَ النَّاسِ بِالطِّبِّ فَسُئِلَتْ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مِنْ كَثْرَةِ أَمْرَاضِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى لَهُ: وَحُكِيَ أَنَّ طَبِيبًا عَارِفًا نَصْرَانِيًّا قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: لَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ وَالْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبَدَانِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ فِي نِصْفِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِنَا فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31] فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ، وَلَا يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِكُمْ شَيْءٌ مِنْ الطِّبِّ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: رَسُولُنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ الطِّبَّ فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ؛ فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَوَاءٍ وَأَعْطِ كُلَّ جِسْمٍ مَا عَوَّدْته» فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا تَرَكَ كِتَابُكُمْ، وَلَا نَبِيُّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُقَالُ: إنَّ مُعَالَجَةَ الطَّبِيبِ نِصْفَانِ: نِصْفٌ دَوَاءٌ وَنِصْفٌ حِمْيَةٌ، فَإِنْ اجْتَمَعَا فَكَأَنَّك بِالْمَرِيضِ وَقَدْ بَرِئَ وَصَحَّ وَإِلَّا فَالْحِمْيَةُ بِهِ أَوْلَى إذْ لَا يَنْفَعُ دَوَاءٌ مَعَ تَرْكِ الْحِمْيَةِ وَقَدْ تَنْفَعُ الْحِمْيَةُ مَعَ تَرْكِ الدَّوَاءِ.
وَلَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصْلُ كُلِّ دَوَاءٍ الْحِمْيَةُ» وَالْمَعْنَى بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ كُلِّ دَوَاءٍ.
وَلِذَلِكَ يُقَالُ: إنَّ أَهْلَ الْهِنْدِ جُلُّ مُعَالَجَتِهِمْ الْحِمْيَةُ يُمْنَعُ الْمَرِيضُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ عِدَّةَ أَيَّامٍ فَيَبْرَأُ وَيَصِحُّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَكْبَرُ الدَّوَاءِ تَقْدِيرُ الْغِذَاءِ.
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا شَافِيًا يُغْنِي عَنْ كُلِّ كَلَامِ الْأَطِبَّاءِ فَقَالَ «مَا مَلَأَ

ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنَ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.
وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْبِطْنَةِ أَنْفَعُ مِنْ جَوْعَةٍ تَتْبَعُهَا.

وَآكَدُ مَا عَلَى الْمَرِيضِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قُوَّةُ الْيَقِينِ وَالتَّصْدِيقُ نَحْوٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ فَيَمْشِي عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَوَاتِهَا، وَلَا بِخَاصِّيَّةٍ فِيهَا بَلْ بِمَحْضِ اعْتِقَادِهِ بِأَنَّهُ لَا فَاعِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ فِي شَيْءٍ فَالدَّوَاءُ لَا يَنْفَعُ بِنَفْسِهِ بَلْ الشِّفَاءُ وَغَيْرُهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُهُ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ وَيَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ وَيُمْرِضُ بِهِ إنْ شَاءَ وَمِثْلُهُ الْخُبْزُ لَا يُشْبِعُ بِنَفْسِهِ وَالْمَاءُ لَا يَرْوِي وَالنَّارُ لَا تُحْرِقُ وَالسِّكِّينُ لَا تَقْطَعُ فَلَوْ شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُشْبِعَ بِالْخُبْزِ لَفَعَلَ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَرْوِيَ بِالْمَاءِ لَفَعَلَ.
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى لَهُ قَالَ خَرَّجَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِإِسْنَادِهِ إلَى «أَبِي رِمْثَةَ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَبِي فَرَأَى الَّتِي بِظَهْرِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُعَالِجُهَا فَإِنِّي طَبِيبٌ؟ قَالَ: لَا أَنْتَ رَفِيقٌ وَاَللَّهُ الطَّبِيبُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: «فَقَالَ لَهُ: أَرِنِي هَذِهِ الَّتِي بِظَهْرِك فَإِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ؛ قَالَ: اللَّهُ الطَّبِيبُ بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا» . قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمُعَالِجَ لِلْمَرِيضِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَإِنْ كَانَ حَاذِقًا مُتَقَدِّمًا فِي صَنْعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِنَفْسِ الدَّوَاءِ وَإِنْ عَرَفَهُ وَمَيَّزَهُ فَلَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ، وَلَا مِقْدَارَ مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ بَدَنِ الْعَلِيلِ وَقُوَّتِهِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مُعَالَجَتِهِ إلَّا مُصَمِّمًا عَالِمًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ رَأْيِهِ وَفَهْمِهِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ فِي مَنْزِلَةِ الدَّوَاءِ كَمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي عِلْمِ الدَّاءِ فَهُوَ كَذَلِكَ رُبَّمَا يُصِيبُ وَرُبَّمَا يُخْطِئُ وَرُبَّمَا يَزِيدُ فَيَغْلُو وَرُبَّمَا يُنْقِصُ فَيَلْغُو.
فَاسْمُ الرَّفِيقِ إذَنْ أَوْلَى بِهِ مِنْ اسْمِ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفُقُ بِالْعَلِيلِ فَيَحْمِيه مِمَّا يُخْشَى أَنْ لَا يَتَحَمَّلَهُ بَدَنُهُ وَبِسَقْيِهِ

مَا يَرَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ.
فَأَمَّا الطَّبِيبُ فَهُوَ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ وَالْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالشِّفَاءِ وَلَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَحَدٌ سِوَاهُ.
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا طَبِيبَ، وَلَا شَافِيَ، وَلَا مُصَحِّحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ فَهُوَ الطَّبِيبُ فَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَنْقَطِعُ إلَيْهِ وَيَعْتَصِمُ بِهِ وَيَلْجَأُ فِي مَرَضِهِ وَصِحَّتِهِ إلَيْهِ ثِقَةً بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أَيَّامَ الْمَرَضِ وَأَيَّامَ الصِّحَّةِ فَلَوْ حَرَصَ الْخَلْقُ عَلَى تَقْلِيلِ ذَلِكَ أَوْ زِيَادَتِهِ لَمَا قَدَرُوا.
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22] ثُمَّ يَتَنَاوَلُ الدَّوَاءَ وَيَسْتَعْمِلُهُ كَمَا يَسْتَعْمِلُ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنْ أَوْصَلَهُ إلَى الدَّوَاءِ بَرِئَ وَإِنْ حَجَبَهُ بِمَانِعٍ يَمْنَعُهُ وَقَدَّرَ بِمَوْتِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ.
لَكِنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى مَا أُمِرَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ.
قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: «قَالَتْ الْأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إلَّا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ؟ قَالَ الْهَرَمُ» قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي إبَاحَةِ الدَّوَاءِ وَالِاسْتِرْقَاءِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي خُزَامَةَ بْنِ مَعْمَرٍ قَالَ «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَأَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا أَتَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا شَافِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ لَا شَافِيَ إلَّا أَنْتَ فَيَعْتَقِدَ الشِّفَاءَ لَهُ وَبِهِ وَمِنْهُ وَأَنَّ الْأَدْوِيَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لَا تُوجِبُ شِفَاءً وَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ وَوَسَائِطُ يَخْلُقُ اللَّهُ عِنْدَهَا فِعْلَهُ وَهِيَ الصِّحَّةُ الَّتِي لَا يَخْلُقُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ فَكَيْفَ يَنْسِبُهَا عَاقِلٌ إلَى جَمَادٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَوْ سِوَاهَا، وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَخَلَقَ الشِّفَاءَ بِدُونِ سَبَبٍ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الدُّنْيَا دَارَ أَسْبَابٍ جَرَتْ السُّنَّةُ فِيهَا بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ عَلَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك وَاَللَّهُ يَشْفِيك» فَبَيَّنَ أَنَّ الرُّقْيَةَ مِنْهُ وَهِيَ سَبَبٌ لِفِعْلِ اللَّهِ وَهُوَ الشِّفَاءُ.

وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ أَعْنِي الرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ وَذَلِكَ سُنَّةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُنْهَى عَنْ الرُّقَى إذَا كَانَتْ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِمَا لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كُفْرٌ.
وَلَا بَأْسَ بِالتَّدَاوِي بِالنَّشْرَةِ تُكْتَبُ فِي وَرَقٍ أَوْ إنَاءٍ نَظِيفٍ سُوَرٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْضُ سُوَرٍ أَوْ آيَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ سُورَةٍ أَوْ سُوَرٍ مِثْلُ آيَاتِ الشِّفَاءِ.
فَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ وَلَدَهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا قَالَ: حَتَّى أَيِسْتُ مِنْهُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيَّ فَرَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَشَكَوْت لَهُ مَا بِوَلَدِي فَقَالَ لِي: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ آيَاتِ الشِّفَاءِ؟ فَانْتَبَهْت فَفَكَّرْت فِيهَا فَإِذَا هِيَ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 14] . ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57] . ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] . ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80] . ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44] قَالَ: فَكَتَبْتهَا فِي صَحِيفَةٍ ثُمَّ حَلَلْتهَا بِالْمَاءِ وَسَقَيْته إيَّاهَا فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ أَوْ كَمَا قَالَ وَمَا زَالَ الْأَشْيَاخُ مِنْ الْأَكَابِرِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكْتُبُونَ الْآيَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ

وَالْأَدْعِيَةَ فَيُسْقَوْنَهَا لِمَرْضَاهُمْ وَيَجِدُونَ الْعَافِيَةَ عَلَيْهَا.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تَزَالُ الْأَوْرَاقُ لِلْحُمَّى وَلِغَيْرِهَا عَلَى بَابِ الزَّاوِيَةِ فَمَنْ كَانَ بِهِ أَلَمٌ أَخَذَ وَرَقَةً مِنْهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فَيَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهَا (اللَّهُ أَزَلِيٌّ لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ يُزِيلُ الزَّوَالَ وَهُوَ لَا يُزَالُ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَكْثَرَ تَدَاوِيهِ بِالنَّشْرَةِ يَعْمَلُهَا لِنَفْسِهِ وَلِأَوْلَادِهِ وَلِأَصْحَابِهِ فَيَجِدُونَ عَلَى ذَلِكَ الشِّفَاءَ.
وَأَخْبَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا لَهُ فِي الْمَنَامِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: مَا تَعْلَمُ مَا أَعْمَلُهُ مَعَك وَمَعَ أَصْحَابِك فِي هَذِهِ النَّشْرَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ خَادِمُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَهِيَ هَذِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: 21] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] كَامِلَةً.
وَالْمُعَوِّذَتَانِ ثُمَّ تَكْتُبُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمُحْيِي وَأَنْتَ الْمُمِيتُ وَأَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنْتَ الْبَارِئُ وَأَنْتَ الْمُبْتَلِي وَأَنْتَ الْمُعَافِي وَأَنْتَ الشَّافِي خَلَقْتنَا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ وَجَعَلْتنَا فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ.
اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَسْمَائِك الْحُسْنَى وَصِفَاتِك الْعُلْيَا يَا مَنْ بِيَدِهِ الِابْتِلَاءُ وَالْمُعَافَاةُ وَالشِّفَاءُ وَالدَّوَاءُ.
أَسْأَلُك بِمُعْجِزَاتِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَرَكَاتِ خَلِيلِك إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحُرْمَةِ كَلِيمِك مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اشْفِهِ) وَأَعْطَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَشْرَةً أُخْرَى لِلْعَيْنِ وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا تَكْتُبُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا ضُرَّ إلَّا ضُرُّك، وَلَا نَفْعَ إلَّا نَفْعُك، وَلَا ابْتِلَاءَ إلَّا ابْتِلَاؤُك، وَلَا مُعَافَاةَ إلَّا مُعَافَاتُك فَأَنْت الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يُجَاوِزُك ظُلْمُ ظَالِمٍ مِنْ إنْسٍ، وَلَا جِنٍّ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِك التَّامَّةِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ أَسْأَلُك بِصِفَاتِك الْعُلْيَا الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى وَصْفِهَا وَبِأَسْمَائِك الْحُسْنَى الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُحْصِيَهَا وَأَسْأَلُك بِذَاتِك

الْجَلِيلَةِ وَنُورِ وَجْهِك الْكَرِيمِ وَبَرَكَاتِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمِ أَنْبِيَائِك أَنْ تَشْفِيَهُ وَتُعَافِيَهُ وَتَرُدَّ مَا بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَكْمَلَ.
وَصِفَةُ اسْتِعْمَالِهَا أَنْ يُكْتَبَ بِزَعْفَرَانٍ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ أَوْ فِي وَرَقَةٍ ثُمَّ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ بِالْمَاءِ أَوْ تُحَلُّ الْوَرَقَةُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى الرِّيقِ ثُمَّ يَجْعَلُ يَدَيْهِ فِي الْبَلَلِ الَّذِي بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا أَمْكَنَهُ مِنْ بَدَنِهِ.
وَقَدْ مَرِضَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إلَى الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَانَ يَرَى فِي مَنَامِهِ أَشْيَاءَ تُرَوِّعُهُ وَيَفْزَعُ مِنْهَا فَشَكَا إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا بِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ نَشْرَةً فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ بِزَعْفَرَانٍ وَيَشْرَبَهَا عَلَى الرِّيقِ وَهِيَ لِلسِّحْرِ وَالْغَمِّ وَالْأَمْرَاضِ.
وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا (تُكْتَبُ سُورَةُ يس وَالْوَاقِعَةِ وَالْفَاتِحَةِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَانِ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآمَنَ الرَّسُولُ إلَى آخِرِ الْبَقَرَةِ وَقُلْ ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] فَإِذَا شَرِبَهَا يَأْخُذُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً بَعْدَ أَنْ يَرْقِيَهَا بِرُقْيَةِ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ وَيَأْكُلَهَا فَإِنَّ السِّحْرَ يَذْهَبُ عَنْهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالزَّيْتُ الْمَرْقِيُّ صِفَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الزَّيْتِ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَهُ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ وَيَأْخُذَ عُودًا أَوْ غَيْرَهُ وَيُحَرِّكَ بِهِ الزَّيْتَ وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
وَ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 128] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: 21] إلَى آخِرِ السُّورَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
وَيَكْتُبُ لَهُ مَعَ هَذِهِ النَّشْرَةِ حِرْزًا يُعَلِّقُهُ عَلَيْهِ وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] إلَى آخِرِهَا.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256] . ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: 285] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18] . ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] إلَى آخِرِ السُّورَةِ

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] . ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] . ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] . ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: 21] إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102] . اللَّهُمَّ لَا حِجَابَ إلَّا حِجَابُك، وَلَا سِتْرَ إلَّا سِتْرُك فَاحْجُبْ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ " بِاسْمِ الشَّخْصِ وَاسْمِ أَبِيهِ " بِفَضْلِك كُلَّ سِحْرٍ وَشَرَّ كُلِّ إنْسٍ وَجَانٍّ وَأَسْأَلُك اللَّهُمَّ بِاسْمِك الْأَعْظَمِ وَكَلِمَاتِك التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ أَنْ تَمْنَعَ بِهَذَا الْحِرْزِ الْمُنَزَّلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنْ شَرِّ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَشَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ مَا عُلِمَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يَعْلَمْهُ إلَّا أَنْتَ وَسَاكِنِهِ وَجَمِيعِ مَا فِيهِ بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ) فَاسْتَعْمَلَ النَّشْرَةَ الْمَذْكُورَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحِرْزَ الْمَذْكُورَ فَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بِهِ.
وَالزَّيْتُ الْمَرْقِيُّ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَنْفَعُ لِجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ وَأَنَّ صِفَةَ اسْتِعْمَالِهِ أَنْ يَجْلِسَ فِي الشَّمْسِ قَلِيلًا وَيَدْهُنَ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْأَلَمُ فَيَبْرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ الْوَجَعُ شَدِيدًا جَعَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ الِادِّهَانِ بِهِ إمَّا الْمَصْطَكَى وَإِمَّا الشُّونِيزُ وَهُوَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ بَعْدَ دَقِّهِ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِوَجَعِ الْأَسْنَانِ]

ِ مَرِضَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِوَجَعِ الْأَسْنَانِ حَتَّى امْتَنَعَ مِنْ الْأَكْلِ وَالْكَلَامِ بِسَبَبِهِ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ يَمْرَضُ بِذَلِكَ وَيَتَدَاوَى لَهُ فَوَقَعَ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنَّهُ لَا يَتَدَاوَى لَعَلَّهُ يَدْخُلُ بِذَلِكَ مَعَ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَتَرَكَ التَّدَاوِي

بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَزَادَ الْأَمْرُ بِهِ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَنَامِهِ فَشَكَا لَهُ مَا بِهِ فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لَوْ عَلِمْت مَا لَك مِنْ الْأَجْرِ مَا شَكَوْت وَلَكِنْ خُذْ السَّعْتَرَ الْبَرِّيَّ وَالْمِلْحَ الْجَيْدَرانِيَّ وَدُقَّ السَّعْتَرَ وَغَرْبِلْهُ بِخِرْقَةٍ وَخُذْ مِنْهُ الثُّلُثَيْنِ وَمِنْ الْمِلْحِ الْجَيْدَرانِيِّ بَعْدَ دَقِّهِ الثُّلُثَ وَاخْلِطْهُمَا مَعًا فَإِذَا جِئْت عِنْدَ النَّوْمِ اسْتَكْ بِخِرْقَةِ صُوفٍ وَإِنْ كَانَتْ تُقَرِّحُ الْأَسْنَانَ لَكِنْ مَا عَلَيْك ثُمَّ ذَرْ عَلَى الْأَسْنَانِ الَّتِي تُؤْلِمُك مِنْهُ قَلِيلًا تَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَفَعَلَ ذَلِكَ فَبَرِئَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْرَأُ.
وَالسَّعْتَرُ الْبَرِّيُّ هُوَ السَّعْتَرُ الشَّامِيُّ وَالْمِلْحُ الْجَيْدَرانِيُّ هُوَ الْمِلْحُ الأندراني.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلدَّوْخَةِ الَّتِي فِي الرَّأْسِ]

ِ شَكَا بَعْضُ النَّاسِ بِدَوْخَةٍ فِي رَأْسِهِ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَأَعْطَاهُ هَذَا الدَّوَاءَ لِهَذَا الْمَرَضِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ قِرْفَةً وَزَنْجَبِيلًا وَقُرُنْفُلًا وَجَوْزَةَ طِيبٍ وَسُنْبُلًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ وَوَزْنُ دِرْهَمَيْنِ مِنْ الشُّونِيزِ يُدَقُّ الْجَمِيعُ ثُمَّ يُطْبَخُ وَيُعْقَدُ بِعَسَلِ النَّحْلِ فَإِذَا قَرُبَ اسْتِوَاؤُهُ عُصِرَ عَلَيْهِ قَلِيلٌ مِنْ اللَّيْمُونِ وَيَكُونُ الْعَسَلُ النَّحْلُ غَالِبًا عَلَيْهِ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْحَصْبَةِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ بِالْحَصْبَةِ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَأَعْطَاهُ هَذَا الدَّوَاءَ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَشَيْئًا مِنْ خَلِّ الْعِنَبِ وَشَيْئًا مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ وَيَخْلِطُ الْجَمِيعَ وَيَدَّهِنُ بِهِ فَعَمِلَهُ فَبَرِئَ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِضَعْفِ الْبَصَرِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِعَيْنَيْهِ مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى إنَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ بِالنَّهَارِ حَتَّى يُغَطِّيَ عَيْنَيْهِ بِشَيْءٍ يَقِي مِنْ ضَوْءِ النَّهَارِ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ حَجَرَ كُحْلِ الْإِثْمِدِ وَيُحْمِيَهُ

فِي النَّارِ فَإِذَا حَمِيَ أَخْرَجَهُ وَأَطْفَأَهُ فِي الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ ثُمَّ يَطْحَنُهُ وَيَكْتَحِلَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِنُزُولِ الدَّمِ وَالْقُولَنْجِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِذَلِكَ فَشَكَا مَا بِهِ لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَأَشَارَ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَوَزْنَ دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيُّ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّةً مِنْ الشُّونِيزِ وَيَخْلِطَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يُفْطِرَ عَلَيْهِ وَيَفْعَلَ مِثْلَهُ عِنْدَ النَّوْمِ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَبْرَأَ وَتُعْمَلُ لَهُ التَّلْبِينَةُ وَيَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَتُهَا.
وَيَكُونُ غِذَاؤُهُ مَسْلُوقَةَ الدَّجَاجِ أَوْ لَحْمَ الضَّأْنِ فَجَاءَ إلَى الْمَرِيضِ بَعْضُ مَنْ يَشْتَغِلُ بِالطِّبِّ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَمَا يَتَدَاوَى بِهِ وَمَا هُوَ غِذَاؤُهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَقَالَ لَهُ لَا تَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَقَالَ لَهُ الْمَرِيضُ: لَا أَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ مَا أَشَارَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ رَاجِعْهُ فَإِنْ بَقِيَ عَلَى قَوْلِهِ فَافْعَلْ فَرَاجَعَهُ فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَلَى لِسَانِ خَادِمِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ الشَّيْخَ انْزَعَجَ وَقَالَ: إنْ أَرَدْت أَنْ تَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ لَمْ تُرِدْ فَارْمِهِ فِي الْبَحْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ " يَعْنِي نَفْسَهُ " مَا أَعْطَاك شَيْئًا وَإِنَّمَا أَعْطَاكَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْنَاك حَيْثُ جِئْت بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَسَتَلْقَاهَا فَأَقْبَلَ الْمَرِيضُ عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ تَعِبَ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلشَّعْرِ الَّذِي يَخْرُجُ فِي الْعَيْنِ]

ِ اشْتَدَّ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الشَّعْرُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي عَيْنَيْهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِأَخْذِ الْإِثْمِدِ وَيَشْوِيه فِي النَّارِ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَعْجِنُهُ بِالزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيَشْوِيه فِي النَّارِ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَعْجِنُهُ بِالزَّيْتِ

الْمَذْكُورِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَكْتَحِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إنْ قَدَرَ فَفَعَلَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سَابِعِ مَرَّةٍ جَاءَ لِيَدُقَّهُ فَلَمْ يَقْدِرْ لِكَثْرَةِ رُطُوبَتِهِ وَنُعُومَتِهِ فَعَمِلَ مِنْهُ مِثْلَ الْمِيلِ الَّذِي يُكْتَحَلُ بِهِ وَجَعَلَ يَكْتَحِلُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَبَرِئَ وَزَادَ بَصَرُهُ حُسْنًا وَقُوَّةً.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِضَعْفِ الْمَعِدَةِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِمَعِدَتِهِ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ وَزْنَ دِرْهَمٍ مِنْ الْوَرْدِ الْمُرَبَّى وَيَكُونَ مَلْتُوتًا بِالْمُصْطَكَى بَعْدَ دَقِّهَا وَيَجْعَلَ فِيهِ سَبْعَ حَبَّاتٍ مِنْ الشُّونِيزِ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلنَّزْلَةِ]

ِ مَرِضَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الزُّكَامُ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْقِرْفَةَ وَالْفُلَيَّةَ وَبِزْرَ قَطُونَا والكثيراء وَالْأَنِيسُونَ وَالشُّونِيزَ وَأَنْ يَدُقَّ الشُّونِيزَ وَيَخْلِطَ الْجَمِيعَ وَيَشُمَّهُ فَأَخَذَ هَذَا الْجَمِيعَ وَدَقَّهُ وَجَعَلَهُ فِي خِرْقَةٍ وَشَمَّهُ فَبَرِئَ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِقَطْعِ الدَّمِ إذَا جَرَى عَقِيبَ السِّقْطِ كَثِيرًا]

وَقَعَ ذَلِكَ لَزَوْجَةِ بَعْضِ النَّاسِ وَكَانَ قَدْ جَرَى لَهَا دَمٌ كَثِيرٌ حَتَّى أَضْعَفَهَا فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ عَسَلَ النَّحْلِ بَعْدَ لَتِّهِ بِالشُّونِيزِ يَفْعَلُ ذَلِكَ أُسْبُوعَيْنِ وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً يَأْكُلُهَا بَعْدَ مَا يَرْقِيهَا بِرُقْيَةِ الزَّيْتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةَ آيَةِ السِّحْرِ مِنْ الْبَقَرَةِ وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]

إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102] وَسُورَةِ الْوَاقِعَةِ فَفَعَلَتْ فَصَحَّتْ وَبَرِئَتْ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِوَجَعِ الظَّهْرِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِظَهْرِهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَسَلَ النَّحْلَ وَالشُّونِيزَ وَدُهْنَ الْأَلْيَةِ وَالزَّيْتَ الْمَرْقِيَّ وَرَقِيقَ الْبَيْضَةِ وَيَخْلِطَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَمُدَّهُ عَلَى الْمَوْضِعِ وَيَذَرَّ عَلَيْهِ دَقِيقَ الْعَدَسِ بِقِشْرِهِ مَعَ الْحَرْمَلِ بَعْدَمَا يُدَقُّ دَقًّا نَاعِمًا حَتَّى يَعُودَ مِثْلَ الدَّقِيقِ فَفَعَلَهُ فَبَرِئَ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْحَرَارَةِ الَّتِي تَكُونُ تَحْتَ الْقَدَمِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِحَرَارَةٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَدْهُنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُؤْلِمُهُ بِدُهْنِ الْوَرْدِ الشَّيْرَجِيِّ وَيَجْعَلَ مَعَهُ خَلَّ عِنَبٍ وَيَجْعَلَهُ فِي الشَّمْسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ أَنْ يَرْقِيَ ذَلِكَ بِرُقْيَةِ الزَّيْتَ الْمُتَقَدِّم ذِكْرُهَا فَأَوَّلُ يَوْمٍ دَهَنَ بِهِ بَرِئَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِسَلَسِ الرِّيحِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الشُّونِيزِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَمِنْ الْخُزَامَى دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَمِنْ الْكَمُّونِ الْأَبْيَضِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَمِثْلَهُ مِنْ السَّعْتَرِ الشَّامِيِّ وَمِثْلَهُ مِنْ الْفُلَيَّةِ وَوَزْنَ دِرْهَمٍ مِنْ الْبَلُّوطِ وَهُوَ ثَمَرَةُ الْفُؤَادِ وَأُوقِيَّةً مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ وَيَجْعَلَ فِيهِ مِنْ الْعَسَلِ النَّحْلِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ وَهُوَ رُبُعُ رِطْلٍ وَيَأْخُذَ مِنْهُ غَدْوَةَ النَّهَارِ وَزْنَ دِرْهَمَيْنِ عَلَى الرِّيقِ وَعِنْدَ النَّوْمِ وَزْنَ دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ فَاسْتَعْمَلَهُ فَبَرِئَ ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ فِي النَّوْمِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهَذَا

الدَّوَاءِ: إنَّهُ يَنْفَعُ لِأَدْوَاءَ وَهِيَ الرِّيحُ وَسَلَسُ الرِّيحِ وَالْمَعِدَةُ وَبُرُودَتُهَا وَوَجَعُ الْفُؤَادِ وَلِأَلَمِ الْحَيْضِ وَأَلَمِ النِّفَاسِ وَلِتَعَقُّدِ الرِّيَاحِ.

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلشِّدَّةِ إذَا وَقَعَتْ بِالْإِنْسَانِ أَوْ تَوَقَّعَهَا]

وَقَعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي شِدَّةٍ كَبِيرَةٍ فَشَكَا ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ عَلَى الشَّخْصِ بِأَنْ يُسَبِّحَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيُحَمِّدَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيُكَبِّرَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَيَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يُصَلِّيَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا يَظْهَرُ لَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْرَأَ فِي الْخَتْمَةِ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَهُوَ (اللَّهُمَّ لَا فَرَجَ إلَّا فَرْجُك فَفَرِّجْ عَنَّا كُلَّ شِدَّةٍ وَكُرْبَةٍ يَا مَنْ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الْفَرَجِ وَاكْفِنَا شَرَّ مَنْ يُرِيدُ ضُرَّنَا مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَادْفَعْهُ عَنَّا بِيَدِك الْقَوِيَّةِ بِإِذْنِك وَقُدْرَتِك إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فَفَعَلَهُ فَذَهَبَتْ تِلْكَ الشِّدَّةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ فِي النَّوْمِ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ: إنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا صَادِقًا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ شِدَّتَهُ فِي يَوْمِهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِوَجَعِ الْيَدَيْنِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِوَجَعِ الْيَدَيْنِ فَذَكَرَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الزَّيْتِ الْمَرْقِيِّ أُوقِيَّةً وَمِنْ دُهْنِ الْأَلْيَةِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ وَمِنْ دُهْنِ الْبَابُونَجِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ وَمِنْ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ وَمِنْ عَسَلِ النَّحْلِ رُبُعَ أُوقِيَّةٍ؛ وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَدْهَانُ مَرْقِيَّةً بِرُقْيَةِ الزَّيْتِ وَمِنْ الْخُزَامَى دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَمِنْ الشُّونِيزِ دِرْهَمَيْنِ وَمِنْ الزَّاجِ دِرْهَمًا وَنِصْفًا وَيَجْعَلَ

الْكُلَّ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَخْتَلِطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَيَدَّهِنَ بِهِ فَإِنْ زَالَ وَإِلَّا جَعَلَ فِي الْحِنَّاءِ وَطَلَى بِهِ الْيَدَ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِبُرُودَةِ الْمَعِدَةِ]

ِ مَرِضَ بَعْضُ النَّاسِ بِذَلِكَ فَشَكَا لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُشِيرُ بِهَذَا الدَّوَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ أُوقِيَّةً وَنِصْفًا مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ وَدِرْهَمَيْنِ مِنْ الشُّونِيزِ وَدِرْهَمَيْنِ مِنْ الْأَنِيسُونِ وَنِصْفَ أُوقِيَّةٍ مِنْ النُّعْنُعِ الْأَخْضَرِ وَمِنْ الْقُرُنْفُلِ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَمِنْ الْقِرْفَةِ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَشَيْئًا مِنْ قِشْرِ اللَّيْمُونِ مَعَ قَلِيلٍ مِنْ الْخَلِّ وَيَعْقِدَ ذَلِكَ عَلَى النَّارِ فَاسْتَعْمَلَهُ فَبَرِئَ

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْمَغَصِ]

ِ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيتَ إلَّا وَيَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْكَرَاوْيَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا تَنْفَعُ لِلرِّيحِ وَالْمَغَصِ وَالْقُولَنْجِ حِينَ اسْتِعْمَالِهَا وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَوَجَدَهُ كَمَا قَالَ

[صِفَةُ دَوَاءٍ يُفْعَلُ لِعُسْرِ النِّفَاسِ]

ِ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُكْتَبُ فِي آنِيَةٍ جَدِيدَةٍ (اُخْرُجْ أَيُّهَا الْوَلَدُ مِنْ بَطْنٍ ضَيِّقٍ وَمِنْ تَحْتِ ضِيقٍ إلَى سِعَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا اُخْرُجْ بِقُدْرَةِ الَّذِي جَعَلَك فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ.
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: 21] إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَتَشْرَبُهَا النُّفَسَاءُ وَيُرَشُّ مِنْهُ عَلَى وَجْهِهَا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَذْته عَنْ بَعْضِ السَّادَةِ الْمُبَارَكِينَ فَمَا كَتَبْته لِأَحَدٍ إلَّا نَجَحَ فِي وَقْتِهِ

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلثِّقَلِ]

ِ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا شَكَا لَهُ أَحَدٌ بِمَرَضِ الثِّقَلِ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَأْخُذَ لَبِنَةً مِنْ الطُّوبِ

النِّيءِ وَيَجْعَلَهَا فِي الْفُرْنِ حَتَّى تَحْمَى ثُمَّ يَخْرُجَهَا وَيَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْفُلَيَّةِ وَيَأْخُذَ خِرْقَةً فَيَبُلَّهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ يَجْعَلَهَا فَوْقَ ذَلِكَ ثُمَّ يَجْلِسَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَيَتَحَمَّلَ حَرَارَتَهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تَبْرُدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّةً فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى يَبْرَأَ وَقَدْ جَرَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَبَرِئَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ

[صِفَةُ دَوَاءٍ لِلْبُرُودَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الدِّمَاغِ]

ِ يَأْخُذُ مَنْ يَشْتَكِي ذَلِكَ مِحْجَمَةً طَاهِرَةً فَيَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الرَّمَادِ أَوْ الرَّمْلِ ثُمَّ يَأْخُذَ جَمْرَةً مِنْ النَّارِ فَيَجْعَلَهَا فَوْقَ ذَلِكَ ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً صَغِيرَةً وَيَبُلَّهَا بِالْمَاءِ وَيُدِيرَهَا عَلَى فَمِ الْمِحْجَمَةِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْعُضْوُ بِهَا ثُمَّ يَجْعَلَ فَمَ الْمِحْجَمَةِ عَلَى صُدْغِهِ الْأَيْمَنِ وَيَشُدَّ عَلَيْهِ وَيُمِيلَ رَأْسَهُ عَلَيْهَا وَيُمْسِكَ الْمِحْجَمَةَ بِيَدِهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَيُمْسِكَهَا بِحَائِلٍ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْحَرَارَةِ إلَى يَدِهِ الَّتِي يُمْسِكُهَا بِهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا كُلَّ مَرَّةٍ بِجَمْرَةٍ حَتَّى تَنْطَفِئَ تِلْكَ الْجَمْرَةُ ثُمَّ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى الصُّدْغِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ مِنْ وَسَطِهَا ثُمَّ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عَلَى مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ مِنْ الْقَفَا، فَإِنْ بَقِيَ فِي الدِّمَاغِ مِنْ الْبُرُودَةِ شَيْءٌ فَتُعَادُ الْمِحْجَمَةُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ يَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَبَرِئَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَهَذَا يُغْنِي عَنْ أَخْذِ الدَّوَاءِ لِتِلْكَ الْبُرُودَةِ وَعَنْ الْكَيِّ بِالنَّارِ.
فَهَذِهِ هِيَ النَّشْرَةُ وَالْأَدْوِيَةُ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهَا.

[النَّشْرَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْمُعَزِّمُونَ]

وَأَمَّا النَّشْرَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْمُعَزِّمُونَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ فِي شَيْءٍ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ مَعْرُوفًا؛ لِأَنَّهُمْ يَتَلَفَّظُونَ مَعَ ذَلِكَ بِلَفْظٍ لَا يُعْرَفُ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْوَرَقَةِ الَّتِي يَكْتُبُهَا مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا مَعْرُوفًا لَكِنْ مَنَعُوهَا لِأَجْلِ اللَّفْظَةِ الَّتِي فِيهَا وَهِيَ مَعْلُومَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ

وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كُلُّ مَا أَشْبَهَهُ مِثْلُ مَنْ يَكْتُبُ فِي وَرَقَةٍ أَوْ يَنْقُشُ فِي شَقَفَةٍ أَوْ فِي جِدَارٍ شَيْئًا بِلَفْظٍ لَا يُعْرَفُ وَيَزْعُمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْفَعُ السِّحْرَ أَوْ الْعَيْنَ أَوْ الْبَقَّ أَوْ الْبُرْغُوثَ أَوْ النَّمْلَ أَوْ الْحَيَّةَ أَوْ الْعَقْرَبَ أَوْ الْفَأْرَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ يَنْفَعُ لِمَا ذَكَرُوهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ.

[التَّدَاوِي بِالْيَسِيرِ مِنْ الْخَمْرِ]

وَقَدْ مَنَعَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ التَّدَاوِي بِالْيَسِيرِ مِنْ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» فَحُصُولُ الشِّفَاءِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ الْجَائِزِ اسْتِعْمَالُهَا مَظْنُونٌ فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ يُعْمَدَ إلَى فِعْلِ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شِفَاءٌ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.

وَأَمَّا النَّفْثُ عَقِيبَ الرَّقْيِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفَائِدَةُ النَّفْثِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْهَوَاءِ أَوْ النَّفَسِ الْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ وَالذِّكْرِ الْحَسَنِ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنْ الذِّكْرِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى.
وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْفُثُ إذَا رَقَى نَفْسَهُ وَكَانَ يَكْرَهُ الرُّقْيَةَ بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ الَّذِي يُعْقَدُ وَاَلَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ وَالْعَقْدُ عِنْدَهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَةِ السِّحْرِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَرَصَ أَحَدَهُمْ ثُعْبَانٌ أَوْ عَقْرَبٌ أَخَذُوا سِكِّينًا وَجَعَلُوهَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَ السُّمُّ إلَيْهِ وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِقَوْلِ الْمَلْسُوعِ وَيُمِرُّونَهَا عَلَى بَدَنِ الْمَلْسُوعِ إلَى مَوْضِعِ اللَّسْعَةِ وَيَتَكَلَّمُونَ حِينَئِذٍ بِكَلَامٍ أَعْجَمِيٍّ لَا يُعْرَفُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الطَّاسَةُ الَّتِي يَعْمَلُهَا بَعْضُهُمْ أَوْ الْإِنَاءُ وَقَدْ صَوَّرُوا فِيهَا تَصَاوِيرَ مَمْنُوعَةً وَيَعْمَلُونَ فِيهَا الْمَاءَ وَيَسْقُونَهُ لِلْمَلْسُوعِ أَوْ مَنْ عَضَّهُ كَلْبٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَسُوغُ؛ لِأَنَّ التَّصَاوِيرَ مُحَرَّمَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ الشِّفَاءُ فِيهِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَكَلَّمَ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رُقَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْيَانًا تُوجِعُنِي عَيْنِي فَآتِي إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَيَرْقِيهَا فَأَسْتَرِيحُ أَوْ كَمَا.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى عَيْنِك فَيُوجِعُهَا ثُمَّ يُوَسْوِسُ لَك حَتَّى تَأْتِيَ إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِ رَفَعَ الشَّيْطَانُ يَدَهُ عَنْ عَيْنِك أَوْ كَمَا قَالَ وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَعُودَ لِمِثْلِهَا» لَقَدْ فَتَحَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْبَابَ وَأَوْضَحَ وَبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّي أَمْرِ الشَّارِعِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ يَأْمُرُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذَلِكَ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِوَحْيِ إلْهَامٍ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَكِلَاهُمَا يَتَعَيَّنُ قَبُولُهُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَرَى فِي قِصَّةِ «الَّذِي شَكَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَطْنَ أَخِيهِ فَأَمَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يَسْقِيَهُ عَسَلًا فَفَعَلَ، ثُمَّ شَكَا لَهُ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَفَعَلَ، ثُمَّ شَكَا لَهُ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَفَعَلَ، ثُمَّ شَكَا لَهُ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَبَرِئَ» . قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي مَعْنَى ذَلِكَ: إنَّ الْعَسَلَ الَّذِي شَرِبَهُ الْمَرِيضُ بِبَطْنِهِ كَانَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَلَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ مَادَّةَ الْمَرَضِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ شَيْئًا فَحِينَئِذٍ انْقَطَعَ انْطِلَاقُ بَطْنِهِ وَكَانَ الَّذِي ظَهَرَ لِأَخِيهِ أَنَّ الْعَسَلَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِسَبَبِهِ شِفَاءٌ وَكَانَ الشِّفَاءُ قَدْ حَصَلَ

[فَصْلٌ فِي الطَّبِيبِ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يَنْوِيَ تِلْكَ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي حَقِّ الْعَالِمِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَعِلْمُ الْأَبَدَانِ، وَكِلَاهُمَا إذَا تَخَلَّصَتْ النِّيَّةُ فِيهِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ فَيَدْخُلُ فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُرِيدُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْ الدُّنْيَا وَيَنْوِي بِذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فِي التَّطَبُّبِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ إعَانَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَكَشْفِ الْكَرْبِ عَنْهُمْ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي مَصَائِبِهِمْ وَالنَّوَازِلِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.
وَيَنْوِي السَّتْرَ عَلَى عَوْرَاتِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَطَّلِعُ إلَّا عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا دَعَتْ الضَّرُورَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يُؤْمَرُ الْمَرِيضُ وَمَنْ

تَوَلَّى أَمْرَهُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَا إلَّا مَنْ يُرْتَضَى حَالُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَيَنْوِي الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَعْطَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا وَأَخَذَهُ فَيَأْخُذُهُ بِنِيَّةِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ كَمَا مَضَى فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِمَا الْمَعْلُومِ وَتَرْكِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِهِ.
فَالطَّبِيبُ مُشَارِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
أَعْنِي فِي مُبَاشَرَتِهِ مَنْ يُعْطِيهِ وَمَنْ لَا يُعْطِيهِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ عِنْدَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ بَلْ يَكُونُ الَّذِي لَا يُعْطِيه عِنْدَهُ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى وَانْتَفَتْ عَنْهُ حُظُوظُ النَّفْسِ.
ثُمَّ يُضِيفُ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النِّيَّاتِ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ لِيَتَضَاعَفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الثَّوَابُ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِأَدَاءِ فَرْضِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرِيضِ وَعَلَى وَلِيِّهِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَا مِنْ الْأَطِبَّاءِ إلَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالدِّينِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِمَا يَصِفُهُ فِي مُهَجِ الْمَرْضَى.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يُؤْنِسَهُ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ وَطَلَاقَتِهِ وَيُهَوِّنَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَرَضِ وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَحْكَمَتْ أَنَّ الْمَرِيضَ يُطَوِّلُ لَهُ الزَّائِرُ فِي أَجَلِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ

[فَصْلٌ لَا يَقْعُدَ مَعَ الطَّبِيبِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُظَنُّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ مجالسته]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْعُدَ مَعَ الطَّبِيبِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ بِهِ أَمْرَاضٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهَا أَحَدًا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ» فَإِذَا اُضْطُرُّوا إلَى ذِكْرِ مَا نَزَلَ بِهِمْ اقْتَصَرُوا فِيهِ عَلَى الطَّبِيبِ خَاصَّةً وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الشَّكْوَى كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ إلَّا لِثَلَاثٍ: طَالِبِ عِلْمٍ يَشْكُو إلَى عَالِمٍ دَاءَ فَهْمِهِ، وَمُرِيدٍ يَشْكُو إلَى شَيْخِهِ دَاءَ قَلْبِهِ، وَعَلِيلٍ يَشْكُو إلَى طَبِيبٍ دَاءَ بَدَنِهِ.
فَعَلَى هَذَا فَغَيْرُ الطَّبِيبِ لَا مَعْنَى لِاطِّلَاعِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ

ذَلِكَ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الطَّبِيبِ مَنْ هُوَ مُبَاشِرٌ لِلْمَرِيضِ وَعَالِمٌ بِحَالِ مَرَضِهِ وَالْمَرِيضُ لَا يَسْتَحْيِ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ فَلَا بَأْسَ إذَنْ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّبِيبُ أَمِينًا عَلَى أَسْرَارِ الْمَرْضَى فَلَا يُطْلِعُ أَحَدًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَرِيضُ إذْ إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي اطِّلَاعِ غَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَذِنَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ الْمَرِيضِ فِي أَمْرِهِ بِذَلِكَ اسْتِجْلَابَ خَوَاطِرِ الْإِخْوَانِ وَمَنْ يَتَبَرَّكُ بِدُعَائِهِ لَهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُشَهِّيَ الْمَرِيضَ فِي الْأَغْذِيَةِ ثُمَّ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَرِيضُ فَإِنْ رَأَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لَهُ أَوْ عَدَمَ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ حَالًا أَوْ مَآلًا وَسَّعَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ، وَلَا نَفْعٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُسَامِحَهُ فِيهِ فَرُبَّمَا اشْتَهَتْ نَفْسُ الْمَرِيضِ شَيْئًا وَيَكُونُ سَبَبًا لِرَاحَتِهَا وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَدَلَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَتَلَطَّفَ بِالْمَرِيضِ فِي مَنْعِهِ لَهُ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ يَعِدُهُ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ وَلِئَلَّا يَنْزَعِجَ فَيَزِيدَ مَرَضُهُ.
وَيُقَالُ: إنَّ النَّفْسَ أَعْرَفُ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنْ الطَّبِيبِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَيَكُونُ الطَّبِيبُ يُرَاعِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا أَشْبَهَهُ مَعَ وُجُودِ التَّلَطُّفِ بِالْمَرِيضِ وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْهِ.
فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اللَّهُ الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَنْظُرَ فِي حَالِ الْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ مَلِيًّا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ النَّفَقَةُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ مَا تَصِلُ قُدْرَتُهُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَهَذَا النَّوْعُ مَوْجُودٌ كَثِيرٌ

[فَصْلٌ عَلَى الطَّبِيبِ حِينَ جُلُوسِهِ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يَتَأَنَّى عَلَيْهِ]

(فَصْلٌ) وَمِنْ آكَدِ مَا عَلَى الطَّبِيبِ حِينَ جُلُوسِهِ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَنْ يَتَأَنَّى عَلَيْهِ بَعْدَ سُؤَالِهِ لَهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ الْمَرِيضُ بِحَالِهِ ثُمَّ يُعِيدَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ رُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِمَا هُوَ فِيهِ لِجَهْلِهِ بِهِ أَوْ لِشُغْلِهِ بِقُوَّةِ أَلَمِهِ وَإِنْ كَانَ الطَّبِيبُ عَارِفًا بِالْمَرَضِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَيَتَأَنَّى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ

بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ الْأَطِبَّاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُمْ لَا يُمْهِلُونَ عَلَى الْمَرِيضِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ ذِكْرِ حَالِهِ لَهُ بَلْ عِنْدَ مَا يَشْرَعُ فِي ذِكْرِ حَالِهِ يُجِيبُ الطَّبِيبُ وَيَكْتُبُ وَالْمَرِيضُ بَعْدُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ ذِكْرِ حَالِهِ لَهُ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ بِرَأْيِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ وَكَثْرَةِ الدِّرَايَةِ بِالصِّنَاعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَجَلَةَ فِي حَقِّ غَيْرِ الطَّبِيبِ قَبِيحَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِآدَابِ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فَكَيْفَ بِهَا فِي حَقِّ الطَّبِيبِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمَرِيضِ إلَى آخِرِهِ فَلَعَلَّ آخِرَهُ يَنْقُضُ أَوَّلَهُ أَوْ بَعْضَهُ وَلَرُبَّمَا غَلِطَ الْمَرِيضُ فِي ذِكْرِ حَالِهِ أَوْ عَجَزَ عَنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ الطَّبِيبُ مِمَّنْ يَتَأَنَّى عَلَى الْمَرِيضِ وَيُعِيدُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ بِرِفْقٍ وَتَلَطُّفٍ أَمِنَ مِنْ الْغَلَطِ فَإِنَّ الْغَلَطَ فِي هَذَا خَطَرٌ، إذْ إنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَأَصْلُ الطِّبِّ كُلِّهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْمَرَضِ فَإِذَا عُرِفَ الْمَرَضُ سَهُلَ تَدَاوِيهِ فِي الْغَالِبِ فَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبِيبِ التَّرَبُّصُ وَالتَّأَنِّي لَعَلَّهُ يَعْرِفُ الْمَرَضَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ تَخْمِينٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبِيبِ إنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْمَرَضَ أَوْ عَرَفَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِدَوَائِهِ أَنْ لَا يَكْتُبَ أَوْرَاقًا بِأَشْرِبَةٍ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إضَاعَةُ مَالٍ.
وَقَدْ وَقَعَ لِي مَعَ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إلَيَّ فِي مَرَضٍ كَانَ بِي وَيَصِفُ أَشْرِبَةً وَأَدْوِيَةً يُنْفَقُ فِيهَا نَفَقَةٌ جَيِّدَةٌ فَطَالَ الْأَمْرُ عَلَيَّ فَقَطَعْته وَعَوَّضْت مَوْضِعَ تِلْكَ النَّفَقَةِ خُبْزًا أَتَصَدَّقُ بِهِ بِنِيَّةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَمَا كَانَ إلَّا قَلِيلٌ وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي وَحَصَلَتْ الْعَافِيَةُ.
فَلَمَّا أَنْ خَرَجْت لَقِيت الطَّبِيبَ فَسَأَلْته عَمَّا كَانَ يَكْتُبُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَأَيُّ مَنْفَعَةٍ كَانَتْ فِيهَا لِذَلِكَ الْمَرَضِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ يَقْبُحُ بِالطَّبِيبِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِ الْمَرِيضِ، وَلَا يَصِفُ لَهُ شَيْئًا؛ لِئَلَّا يُوحِشَهُ بِذَلِكَ وَهَذَا مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ فَقِيرًا فَمَنْعٌ عَلَى مَنْعٍ.
وَهَذَا إنْ كَانَ مَا وَصَفَهُ لَا يَقَعُ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ لِلْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيُمْنَعُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَسْأَلَ

مَنْ يَخْدُمُ الْمَرِيضَ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ الْمَرِيضِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَالِجَ رُبَّمَا عَرَفَ مَا بِالْمَرِيضِ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ مِنْ الْكَشْفِ وَالتَّثَبُّتِ مَا يَقْرُبُ مِنْ الْيَقِينِ بِمَعْرِفَةِ الْمَرَضِ.
وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عِنْدَهُ عَلَى أَصْنَافٍ، وَلَا يَجْعَلَهُمْ صِنْفًا وَاحِدًا فَصِنْفٌ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَصِنْفٌ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَصِنْفٌ إذَا وَصَفَ لَهُمْ شَيْئًا أَعْطَى لَهُمْ مَا يُنْفِقُونَهُ فِيهِ: فَالْأَوَّلُ - إذَا بَاشَرَ مَنْ لَهُ سَعَةٌ فِي دُنْيَاهُ.
وَالثَّانِي - مُبَاشَرَةُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْمَسْتُورِينَ فِي حَالِ دُنْيَاهُمْ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَبَرَّكَ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى طِبِّهِمْ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَإِنْ بَذَلُوا لَهُ شَيْئًا رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ إذَنْ.
وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ - مُبَاشَرَةُ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِفَايَتِهِمْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَهَؤُلَاءِ يُعْطِيهِمْ ثَمَنَ مَا يَصِفُهُ لَهُمْ إنْ كَانَتْ لَهُ جِدَةٌ.
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ أَوْ بَعْضُهَا

[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِحَالِ الْمَرِيضِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِحَالِ الْمَرِيضِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ فِي مِزَاجِهِ وَمُرَبَّاهُ وَإِقْلِيمِهِ وَمَا اعْتَادَهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْمَرِيضِ أَوْ مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَدْ جَرَى بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَكَانَ فِي وَقْتِهِ طَبِيبٌ عَارِفٌ حَاذِقٌ فَاسْتَطَبَّهُ فَلَمْ يَفِدْ شَيْئًا فَوَجَدَ السُّلْطَانُ عَلَى الطَّبِيبِ وَأَرَادَ أَنْ يُحَرِّفَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: إنْ أَرَدْت أَنْ تَسْتَرِيحَ فَاخْرُجْ إلَى الْبَرِّيَّةِ وَادْخُلْ فِي بَيْتٍ مِنْ شَعْرٍ وَافْرِشْ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَضْطَجِعُ فِيهِ بِالْعَزَفِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَلْفَاءِ الَّذِي يُوقَدُ بِهِ النَّارُ وَأَزِلْ مَا عَلَيْك مِنْ الثِّيَابِ وَالْتَفَّ فِي كِسَاءٍ وَاضْطَجِعْ عَلَى الْعَزَفِ وَأْمُرْ مَنْ يَطْبُخُ لَك مُفْتَلَّةً دَاخِلَ بَيْتِ الشَّعْرِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَوْ اُطْبُخْهَا أَنْتَ بِنَفْسِك وَاسْتَنْشِقْ دُخَانَ تِلْكَ النَّارِ الَّتِي تَحْتَ الْقِدْرِ فَإِذَا نَضِجَ الطَّعَامُ فَكُلْ

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل