المدخل لابن الحاجصفحات 73-112
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب

صفحات 73-112
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا وَصَفْت لَك

[فَصْلٌ فِي النِّيَّةِ وَالْعِبَادَةِ]

وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُصَحِّحَ نِيَّتَهُ الَّتِي هِيَ قِوَامُ عَمَلِهِ، وَيَجْمَعَ لِذَلِكَ قَلْبَهُ، وَذِهْنَهُ، وَعِنَايَتَهُ، وَيُقَرِّرَ عَمَلَهُ فِيمَا يَأْتِي، وَيَتَبَصَّرَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَيَقْصِدَ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ، وَمُكَايَدَةَ عَدُوِّهِ، وَمُجَاهَدَةَ نَفْسِهِ، وَإِيَاسَهُ إيَّاهَا مِنْ عَمَلِهَا لِطَلَبِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهَا إنْ انْقَطَعَتْ عَنْ عِبَادَتِهَا لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الْعَفْوِ لِعَظِيمِ مَا جَنَتْ مِنْ الْإِسَاءَةِ.
وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ، وَالْإِحْسَانَ بِإِزَاءِ ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهَا لَاسْتَأْهَلَتْ بِذَلِكَ الذَّنْبِ الْعِقَابَ إلَّا أَنْ يُغْفَرَ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ إسَاءَتِهَا مَعَ قِلَّةِ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ صِمَادِ التَّوْبَةِ، وَالْمُرَاجَعَةِ؟ ، ثُمَّ يَحْمِلُهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا اسْتَطَاعَتْ فَإِنْ عَارَضَهُ إبْلِيسُ بِشَيْءٍ أَوْ رَفَعَتْ نَفْسُهُ رَأْسَهَا لِتُذَكِّرَهُ شَيْئًا مِنْ إحْسَانِهَا مَنَعَهَا بِمَا قَدْ عَرَّفَهُ اللَّهُ مِنْ قَدِيمِ إسَاءَتِهَا، وَيُذَكِّرُهَا عُيُوبَهَا فَتَنْقَمِعُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ زَاجِرًا لِعَدُوِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَمَا يُرِيدُ مِنْ خَدِيعَتِهِ لِيُوقِعَهُ فِي الْعُجْبِ بِالْبَاطِلِ فَلَوْ كَانَ عُجْبُهُ عُجْبَ حَقِيقَةٍ مِنْ احْتِمَالِ نَفْسِهِ طَاعَةَ رَبِّهَا بِهَشَاشَةٍ مِنْهَا وَسُرُورٍ، وَزُهْدٍ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ لَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالْيَقِينِ مَعَ صِدْقِهَا فِي الطَّاعَاتِ الرُّجُوعَ إلَى الشُّكْرِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا يَسَّرَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْ الشُّكْرِ فِي الْعَمَلِ كَانَ جَاهِلًا بِرَبِّهِ جَاهِلًا بِالْعَمَلِ جَاهِلًا بِالنِّعَمِ، وَمَنْ عَقَلَ الشُّكْرَ، وَذَكَّرَ نَفْسَهُ إحْسَانَ اللَّهِ رَجَعَ الشَّيْطَانُ - بِعَوْنِ اللَّهِ - صَاغِرًا نَاكِصًا عَلَى عَقِبِهِ فَأَلْزِمْ نَفْسَك النَّدَمَ، وَارْجِعْ إلَى مَا عَرَّفَك رَبُّك مِنْ مَعْرِفَةِ نَفْسِك، وَعَدُوِّك، وَارْغَبْ إلَى اللَّهِ فِي الْعِصْمَةِ مِنْ شَرِّ نَفْسِك، وَشَرِّ عَدُوِّك، وَأَسْأَلْهُ الْكِفَايَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْجَأْ إلَيْهِ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا، وَجَدَهُ قَرِيبًا مُجِيبًا فَإِذَا صَارَ الْعَبْدُ إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ أُعْطِيَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ فَلَا يَكُونُ لَهُ هِمَّةٌ، وَلَا بُغْيَةٌ، وَلَا مَسْأَلَةٌ

إلَّا النَّقْلَةُ مِنْ ضَيِّقِ الدُّنْيَا، وَغَمِّهَا مَخَافَةَ أَنْ تُعَارِضَهُ فِتْنَةٌ مِنْ فِتَنِهَا تَحُولُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَيَرْتَجِي أَنْ يَصِيرَ إلَى الْآخِرَةِ، وَرَوَحِهَا لِيَأْمَنَ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ رَوْعَاتِ إبْلِيسَ، وَجُنُودِهِ، وَأَنَا أُوصِيك أَنْ تُطِيلَ النَّظَرَ فِي مِرْآةِ الْفِكْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَوَاتِ حَتَّى يُرِيَك شَيْنَ الْمَعْصِيَةِ، وَقُبْحَهَا فَيَدْعُوك ذَلِكَ النَّظَرُ إلَى تَرْكِهَا.

[فَصْلٌ فِي الْعِلْمِ]

وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْلَمْ أَنَّ لِدَوَاعِي الْخَيْرِ عَلَامَاتٍ يُسْتَجْلَبُ بِهَا دَوَاعِي الْحُزْنِ، وَالتَّفَكُّرِ فَهُوَ بَيْنَ ذَلِكَ مَسْرُورٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بُغْيَتَهُ وَأَمَلَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ أَمَلَهُ، وَوَجَدَ بُغْيَتَهُ طَابَ عَيْشُهُ كَمَا أَنَّ طَالِبِي الدُّنْيَا إذَا أَدْرَكُوا آمَالَهُمْ مِنْ نَعِيمِهَا، وَزَهْرَتِهَا أَحَاطَ بِهِمْ السُّرُورُ فَكَذَلِكَ طَالِبُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ بَعْد ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَعَدُوِّهِ، وَزَوْجَتِهِ، وَوَلَدِهِ، وَأَهْلِ زَمَانِهِ خَائِفٌ وَجِلٌ لَا يَأْمَنُ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا مَعَ اسْتِذْكَارِهِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] . فَحِينَئِذٍ يَقْوَى قَلْبُهُ، وَيَسْتَصْغِرُ كَيْدَ مَنْ كَايَدَهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَصِمٌ بِرَبِّهِ، وَاثِقٌ بِهِ فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ فَلَا يَغْفُلْ، وَلْيَبْنِ أَمْرَهُ عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ الْخَطَأِ، وَعَلَى أَسَاسِ الصِّدْقِ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَلَا يَخَافُ عَلَى قَلِيلِ عَمَلِهِ إذَا خَلَّصَهُ لِلَّهِ مِنْ الْآفَاتِ كُلِّهَا أَنْ لَا يُنَمِّيَهُ اللَّهُ لَهُ، وَيُكَثِّرَهُ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كُنْت فِي زَمَانٍ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ، وَالِاخْتِلَافُ فَإِنَّ تَخْلِيصَك قَلِيلُ عَمَلِك مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الشُّبْهَةِ، وَالِاخْتِلَافِ حَتَّى تَكُونَ عَامِلًا عَلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - عِنْدَ اللَّهِ - كَثِيرٌ فَكُنْ فِي زَمَانِك أَشَدَّ تَيَقُّظًا لِلتَّخَلُّصِ إلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الْمَاضُونَ مِنْ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا اسْتَحْكَمَتْ فِيكَ لَمْ تَدَعْكَ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي الْعَمَلِ بَلْ تَنْقُلُك مِنْ دَرَجَةٍ إلَى دَرَجَةٍ حَتَّى تُبَلِّغَك غَايَاتِ مَا عَمِلْت مِنْ الْخَيْرِ أَوْ يَأْتِيَك الْمَوْتُ، وَأَنْتَ طَالِبٌ لِغَايَاتِهَا، وَكَمَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُنْبِتُ بِغَيْرِ مَاءٍ فَكَذَلِكَ الْعَمَلُ لَا يَصْلُحُ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَكُلَّمَا

ازْدَادَ الْعَبْدُ بِاَللَّهِ مَعْرِفَةً ازْدَادَ يَقِينًا، وَكُلَّمَا ازْدَادَ يَقِينًا ازْدَادَ لِلَّهِ خَوْفًا، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِلَّهِ خَوْفًا ازْدَادَ لِرَبِّهِ طَاعَةً، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِرَبِّهِ طَاعَةً ازْدَادَ لَهُ حُبًّا، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لَهُ حُبًّا ازْدَادَ إلَيْهِ شَوْقًا، وَكُلَّمَا ازْدَادَ إلَيْهِ شَوْقًا ازْدَادَ لِلْمَوْتِ حُبًّا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَغْمُومًا فِي حَالَةِ مَسْرُورٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَغْمُومَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَتَأَسَّى بِأَهْلِ السُّرُورِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَجْرِي مَعَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَغْمُومَ جَمَعَ هُمُومَهُ كُلَّهَا فَنَصَبَهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهَا هَمًّا وَاحِدًا فَقَصُرَ بِهِ أَجَلُهُ، وَهَجَمَ بِهِ عَلَى مُعَايَنَةِ أَحْوَالِ آخِرَتِهِ، وَأَهْوَالِهَا، وَالْمَغْمُومُ بِالْحَقِيقَةِ نَبَّهَهُ الْغَمُّ عَلَى التَّسْوِيفِ فَعَمِلَ لِلنَّقْلَةِ مِنْ دَارِ الْغُمُومِ إلَى دَارِ السُّرُورِ، وَسَأَصِفُ لَك حَالَ الْمَغْمُومِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا تَدَبَّرُوا فَعَرَفُوا، فَلَمَّا عَرَفُوا أَيْقَنُوا، فَلَمَّا أَيْقَنُوا خَافُوا، فَلَمَّا خَافُوا عَلِمُوا، فَلَمَّا عَلِمُوا صَمَتُوا، فَلَمَّا صَمَتُوا عَمِلُوا، فَلَمَّا عَمِلُوا أَشْفَقُوا، فَلَمَّا أَشْفَقُوا جَاهَدُوا، فَلَمَّا جَاهَدُوا رَغِبُوا، فَلَمَّا رَغِبُوا صَبَرُوا، فَلَمَّا صَبَرُوا أَبْصَرُوا مَسَاوِئَ أَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا أَبْصَرُوا مَسَاوِئَ أَنْفُسِهِمْ قَصَدُوا مُجَاهَدَتَهَا بِالْقُلُوبِ فَارْتَفَعُوا عَنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ إلَى تَصْحِيحِ الْقُلُوبِ فَنَقَلُوا طِبَاعَهُمْ عَنْ الرَّيْبِ، وَالدَّنَاءَةِ، وَجَانَبُوا فِي أَحْوَالِهِمْ كُلِّهَا، وَمُعَامَلَاتِهِمْ أَحْوَالَ أَهْلِ الْمَكْرِ، وَالْخَدِيعَةِ، وَالْخِبِّ، وَأَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ مَحَجَّةَ الطَّرِيقِ فِي أَفْعَالِهِمْ كُلِّهَا، وَمَنْطِقِهِمْ كُلِّهِ فَاسْتَخْلَصُوا بَاطِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَأَرَاحُوا أَبْدَانَهُمْ مِنْ ظَاهِرِ الْأَعْمَالِ إلَّا مَا لَزِمَهُمْ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ الْمَحْتُومَةِ فَصَارَتْ أَعْمَالُهُمْ سِرًّا بَيْنَ قُلُوبِهِمْ الَّتِي هِيَ أَرْجَحُ وَزْنًا، وَأَحْمَدُ ذِكْرًا عِنْدَ اللَّهِ، وَعَلَّقُوا قُلُوبَهُمْ بِحُبِّ لِقَاءِ اللَّهِ فَصَغُرَتْ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ فَإِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ خَافُوا، وَحَزِنُوا خَوْفًا مِنْ الِاسْتِدْرَاجِ، وَالْمَكْرِ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ عَنْهُمْ سُرُّوا، وَفَرِحُوا، وَدَافَعُوا الْأَيَّامَ مُدَافَعَةً جَمِيلَةً مُسْتَتِرِينَ عَنْ الْأَهْلِ، وَالْوَلَدِ، وَالْإِخْوَانِ، وَالْجِيرَانِ فَهِمَّتُهُمْ فِي بَاطِنِ أُمُورِهِمْ كَالدِّيبَاجِ حُسْنًا، وَفِي الظَّاهِرِ مَنَادِيلُ مَبْذُولُونَ لِمَنْ أَرَادَهُمْ مَغْمُومُونَ يُكَاشِرُونَ النَّاسَ بِوُجُوهِهِمْ، وَقُلُوبُهُمْ بَاكِيَةٌ، وَصِفَاتُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ الْوَاصِفُ

بِهَا فِي الْكُتُبِ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَكْثُرُ فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمَغْمُومِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَسْرُورِينَ بِاَللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الْفَرِحِينَ بِهِ الْمُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ، - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -

[فَصْلٌ فِي عُيُوبِ النَّفْسِ]

وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إخْوَانِي: إنَّهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ، وَعُيُوبَهَا فَهُوَ مِنْ اسْتِقَامَةِ دِينِهِ عَلَى اعْوِجَاجٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ حُسْنِ سِيرَةِ الْعَارِفِ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ أَنْ لَا يَبْنِيَ دِينَهُ عَلَى قُبْحٍ، وَلَا فَسَادٍ، وَأَصْلُ الْعِلْمِ الْغَرِيبِ يُدْرَكُ بِفِطَنِ الْعُقُولِ الْمَرْضِيَّةِ، وَبِنُورِ الْحِكْمَةِ الثَّاقِبَةِ، وَبِمُخَالَفَةِ الْأَهْوَاءِ، وَبِفَوَائِدِ الْمَعْرِفَةِ الشَّافِيَةِ، وَبِإِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْقَوْلِ، وَالْعَمَلِ بِالْبَصِيرَةِ، وَلَا يَبْلُغُ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ إلَّا مَنْ تَقَلَّدَ حُبَّ الْآخِرَةِ مُوقِنًا بِهَا، وَرَاغِبًا فِيهَا، وَمُؤْثِرًا لَهَا عَلَى مَا سِوَاهَا، وَخَلَعَ عَنْ قَلْبِهِ حُبَّ الدُّنْيَا، وَزَهِدَ فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ، وَاسْتَشْعَرَ التَّوَاضُعَ، وَهَجَرَ الْهَوَى فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الْحَازِمِ اللَّبِيبِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْعَارِفِ الْبَصِيرِ أَنْ يَحْذَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيَتَّخِذَ الصَّبْرَ مَطِيَّةً، وَلَا يَبْتَغِيَ تَعْجِيلَ الثَّوَابِ، وَيَتَحَرَّكَ لِعَزِيمَةِ الصَّبْرِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ

[فَصْلٌ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ]

ِ وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْلَمْ أَنِّي وَجَدْتُ الَّذِي يُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ، وَالْعَمَلِ فِي مُجَاهَدَتِهَا مُخَالَفَةَ الْهَوَى - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ - يَا أَخِي إنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ عَدُوِّك خَاطِرُ الشَّرِّ فِي الْقَلْبِ لِلْمَعْصِيَةِ فَادْفَعْهُ عَنْك بِحَاكِمِ الْعِلْمِ مِنْ الْقَلْبِ لِلطَّاعَةِ، وَإِنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ نَفْسِك سُرْعَةُ الْقَبُولِ لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى فَادْرَأْهُ عَنْك بِقِلَّةِ الْمُسَاعَدَةِ لِخِلَافِ الْهَوَى، وَأَنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ عَدُوِّك التَّثَبُّطُ

عَنْ الْعَمَلِ فَادْفَعْهُ عَنْك بِتَعْجِيلِ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْعَمَلِ، وَإِنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ نَفْسِك التَّشَبُّثُ بِالْكَسَلِ فَادْفَعْهُ عَنْك بِاغْتِنَامِ الصِّحَّةِ، وَأَعْلَمْ يَا أَخِي: أَنَّ الْقَلْبَ إذَا تَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ أَقْذَارُ الذُّنُوبِ، وَأَطْفَاسُ الشَّهَوَاتِ عَمِيَ وَاسْوَدَّ، وَنَكَسَ، وَطُفِئَ نُورُهُ فَلَمْ يُبْصِرْ عُيُوبَ نَفْسِهِ، وَأَبْصَرَ بِعَيْنِهِ عُيُوبَ غَيْرِهِ فَشُغِلَ بِهِ عَنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَوْلَى بِالْمُدَّعِينَ لِلْإِرَادَةِ مِنْ أَنْ يَتَوَسَّلُوا إلَى اللَّهِ عَزَّ، وَجَلَّ بِطَلَبِهِمْ مِنْهُ صَلَاحَ قُلُوبِهِمْ لِيَسْلَمُوا مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِهِمْ، وَغَلَبَةِ أَهْوَائِهِمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْحُزْنُ خَرِبَ كَمَا أَنَّ الْبَيْتَ إذَا لَمْ يُسْكَنْ خَرِبَ

[فَصْلٌ فِي الْحُزْنِ وَالْخَوْفِ]

ِ وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ، وَالْعَمَلَ بِالْعِلْمِ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ إلَّا بِاسْتِقَامَةِ قَلْبِهِ، وَإِلَّا عَادَ الْعِلْمُ عَلَيْهِ فَصَارَ جَهْلًا، وَعَادَ الْعَمَلُ فَصَارَ ضَرَرًا مَعَ أَنَّ فَسَادَ قُلُوبِنَا هُوَ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ سُلُوكِ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ، وَالِاتِّبَاعِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ، وَهُمْ الَّذِينَ لَمْ يَتْرُكُوا مِنْ الْفَرَائِضِ شَيْئًا إلَّا أَدَّوْهُ لَمْ يَتْرُكُوا الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَالْجِهَادَ، وَالصِّيَامَ، وَالْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَالطَّهُورَ لِلصَّلَاةِ كُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يُزَدْ فِيهِ، وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهُ فَمَا بَالُ الْفَسَادِ وَاقِعٌ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لَمْ نُنْكِرْ هَذِهِ الْفَرَائِضَ كَمَا لَمْ يُنْكِرُوهَا، وَإِنَّا لَنَعْمَلُ فِي الظَّاهِرِ بِأَكْثَرِهَا غَيْرَ أَنَّ الْقُلُوبَ مِنَّا مَائِلَةٌ إلَى حُبِّ مَا زَهِدَ الْقَوْمُ فِيهِ، وَالْأَنْفُسَ مِنَّا قَابِلَةٌ لِحُبِّ هَوَاهَا مُسْتَثْقِلَةٌ لِمَا فِي الْحَقِّ مِنْ الصَّبْرِ وَالْمَكْرُوهِ، وَسَأُعْطِيك دَوَاءً لِفَسَادِ قَلْبِك يَنْفَعُك اللَّهُ بِهِ إذَا كَانَتْ لَك حَيَاةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْقَوْمَ صَبَرُوا عَلَى مَكْرُوهِ مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَصَبَرُوا فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، وَالشِّدَّةِ، وَالرَّخَاءِ، وَالْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ، وَالْعَافِيَةِ، وَالْبَلَاءِ فَكَانَتْ أَهْوَاؤُهُمْ تَابِعَةً لِلْحَقِّ عَلَى مَا أَحَبَّتْ الْأَنْفُسُ، وَكَرِهَتْ فَكَانَ الْحَقُّ لَهُمْ قَائِدًا، وَالْهَوَى لِعُقُولِهِمْ

تَابِعًا فَاسْتَقَامَتْ مِنْهُمْ السِّيرَةُ بِلُزُومِهِمْ مَحَجَّةَ الْحَقِّ فِي مَوَاطِنِ غَضَبِهِمْ وَرِضَاهُمْ وَطَمَعِهِمْ، وَتَقْوَاهُمْ، وَكَانُوا إذَا اُمْتُحِنُوا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ ظَهَرَ مِنْهُمْ قَوْلُ الْحَقِّ فِي مَوَاطِنِ غَضَبِهِمْ، وَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَلْزَمُ، وَأَشَدُّ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ فِي مَوَاطِنِ الرِّضَا فَإِنْ عَارَضَهُمْ طَمَعُ دُنْيَا ظَهَرَ مِنْهُمْ التَّنَزُّهُ، وَالْوَرَعُ، وَالتَّقْوَى، وَالتَّأَنِّي، وَفُقِدَ مِنْهُمْ الْحِرْصُ، وَالرَّغْبَةُ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَكَانَ مِنْهُمْ كَالطِّبَاعِ لَمْ يَتَصَنَّعُوا فِيهِ، وَطِبَاعُنَا الْيَوْمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَانُوا أَخْوَفَ لِلَّهِ، وَلَهُ أَحْذَرَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ عَمَلًا فَلَا تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ مَعَ قِلَّةِ الْخَوْفِ، وَاغْتَنِمْ قَلِيلَ الْعَمَلِ مَعَ الْخَوْفِ فَإِنَّ قَلِيلَ حُزْنِ الْآخِرَةِ الدَّائِمِ فِي الْقَلْبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورٍ سُرِرْت بِهِ، وَأَلِفْتَهُ مِنْ سُرُورِ الدُّنْيَا، وَقَلِيلُ سُرُورِ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ يَنْفِي عَنْك جَمِيعَ حُزْنِ الْآخِرَةِ، وَالْحُزْنُ لَا يَصِلُ إلَى الْقَلْبِ إلَّا مَعَ تَيَقُّظِهِ، وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتُهُ، وَسُرُورُ الدُّنْيَا لِغَيْرِ الْآخِرَةِ لَا يَصِلُ إلَى الْقَلْبِ إلَّا مَعَ غَفْلَتِهِ، وَغَفْلَةُ الْقَلْبِ مَوْتُهُ، وَالْحُزْنُ يُوقِظُهُ، وَيَسْتَنْبِطُ لَهُ الْيَقَظَةَ مِنْ خَالِصِ عَيْنِ الْيَقِينِ، وَبِخَطِرَاتِ غَامِضِ الْفَهْمِ تَكُونُ خَطَرَاتُ الْيَقِينِ، وَعَلَامَةُ ثَبَاتِ الْيَقِينِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ اسْتِدَامَةُ الْحُزْنِ فِيهِ

[فَصْلٌ فِي الزُّهْدِ وَالْخَلْوَةِ]

ِ وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْلَمْ أَنِّي لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَبْلَغَ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا مِنْ ثَبَاتِ حُزْنِ الْآخِرَةِ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَامَةُ ثَبَاتِ حُزْنِ الْآخِرَةِ فِي الْقَلْبِ أُنْسُ الْعَبْدِ بِالْوِحْدَةِ، وَمَوْضِعُ هِيَاجِ الْحُزْنِ السُّرُورُ، وَمَعْدِنُهُ، وَمِفْتَاحُهُ الْعَقْلُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مَحْزُونًا مَسْرُورًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَمِيعُ الطَّاعَاتِ تُوجَدُ بِالتَّكَلُّفِ، وَالْحُزْنُ لَا يُوجَدُ بِالتَّكَلُّفِ إلَّا أَنْ يَصِلَ إلَى الْقَلْبِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْحُزْنُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الطَّاعَةِ قَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ الْأَعْمَالِ لَطِيفَ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَسْتَدِيمُونَ صَالِحَ الْأَعْمَالِ، وَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ مَأْخَذُهَا تَوْطِينًا مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَاسْتِصْحَابَ نِيَّتِهِمْ

إلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ فَصَيَّرُوا أَعْمَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا، وَلَيْلَةً وَاحِدَةً، وَكُلَّمَا مَضَتْ لَيْلَةٌ اسْتَأْنَفُوا الثَّانِيَةَ، وَطَلَبُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ حُسْنَ الصُّحْبَةِ لِيَوْمِهِمْ، وَلَيْلَتِهِمْ، وَكُلَّمَا مَضَى عَنْهُمْ يَوْمٌ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ مِنْهُمْ أَوْ لَيْلَةٌ رَاقَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ غَنِيمَةً، وَذَكَرُوا الْيَوْمَ الْمَاضِي فَسُرُّوا بِهِ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَلِ لِخَوْفِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ، وَطَرَحُوا شُغْلَ الْقَلْبِ بِذِكْرِ غَدٍ، وَاسْتَعْمَلُوا أَبْدَانَهُمْ، وَجَوَارِحَهُمْ فِيهِ، وَتَفَرَّغُوا لَهُ فَقَصُرَتْ عَنْهُمْ الْآمَالُ، وَقَرُبَتْ عِنْدَهُمْ الْآجَالُ، وَتَبَاعَدَتْ عَنْهُمْ أَسْبَابُ وَسَاوِسِ الدُّنْيَا، وَعَظُمَ شُغْلُ الْآخِرَةِ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَظَرُوا إلَيْهَا بِعَيْنٍ صَحِيحَةِ النَّظَرِ نَافِذَةِ الْبَصَرِ، وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ فَاسْتَقَامَتْ لَهُمْ السِّيرَةُ حِينَ وَجَدُوا حَلَاوَةَ الطَّاعَةِ وَطَاوَعَتْهُمْ الزِّيَادَةُ فِي التَّقْوَى فَقَرَّتْ بِالْخَوْفِ أَعْيُنُهُمْ، وَتَنَعَّمُوا بِالْحُزْنِ فِي عِبَادَتِهِمْ حَتَّى نَحَلَتْ أَجْسَامُهُمْ، وَبَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ، وَقَلَّ مَعَ الْمَخْلُوقِينَ كَلَامُهُمْ، وَتَلَذَّذُوا بِمُنَاجَاةِ خَالِقِهِمْ فَقُلُوبُهُمْ بِمَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ مُتَعَلِّقَةٌ، وَفِكْرُهُمْ بِأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَةٌ، وَأَبْدَانُهُمْ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ عَارِيَّةٌ فَعَمُوا عَنْ الدُّنْيَا، وَصَمُّوا عَنْهَا، وَعَمَّا فِيهَا، وَوَضُحَ لَهُمْ أَمْرُ الْآخِرَةِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ إلَيْهَا يَنْظُرُونَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - ثُمَّ نَظَرْت فِي ذَلِكَ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا أَقْرَبَ وَلَا أَجْمَعَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ حَمِيَّةِ الْأَنْفُسِ عَنْ إلْفِهَا، وَقَطْعِ مُجَاوَرَةِ الْمَخْلُوقِينَ بِمَنْعِ الْقُلُوبِ عَنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي بِهَا تَهِيجُ الْقُلُوبُ مِنْ الْأَشْغَالِ الْقَوَاطِعِ عَنْ التَّفَرُّغِ لِلْحُزْنِ أَوْ الْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَالتَّرْكِ لِلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَوَرَّثَهُ ذَلِكَ حُبَّ الْخَلَوَاتِ فَأَحَبَّهَا، وَلَزِمَهَا، وَأَنِسَ بِهَا، وَاسْتَوْحَشَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ حِينَ جَرَتْ عُذُوبَةُ الْخَلْوَةِ فِي أَعْضَائِهِ كَمَا يَجْرِي الْمَاءُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ فَأَوْرَقَتْ أَغْصَانُهَا، وَأَثْمَرَتْ عِيدَانُهَا، وَلَزِمَ خَوْفُ مَا يَجِيءُ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سُوَيْدَاءَ قَلْبِهِ فَهَاجَ لَهُ مِنْ الْخَلْوَةِ فُنُونٌ مِنْ أُصُولِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَنَّهُ لَوْ اجْتَهَدَ فِي فَنٍّ مِنْهَا عَلَى أَنْ يَسْتَحْكِمَ لَهُ لَعَظُمَتْ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ

الصَّلَاحُ فَإِذَا بَلَّغَ اللَّهُ الْعَبْدَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ حُبِّبَتْ إلَيْهِ الْخَلْوَةُ فَأَوَّلُ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْ حُبِّ الْخَلْوَةِ الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ، وَالصِّدْقُ فِي الْقَوْلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي حُبِّ الْخَلْوَةِ رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ مِنْ غُمُومِ الدُّنْيَا، وَتَرْكُ مُعَامَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ فِي الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْلِ فَأَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْخَلْوَةِ وُجُوبَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَمُدَاهَنَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَيُحَبَّبُ إلَيْهِ بِالْخَلْوَةِ خُمُولُ النَّفْسِ، وَإِخْمَادُ الذِّكْرِ فِي النَّاسِ، وَهُوَ طَرِيقُ الصِّدْقِ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْإِخْلَاصُ، وَيُحَبَّبُ إلَيْهِ بِالْخَلْوَةِ الزُّهْدُ فِي مَعْرِفَةِ النَّاسِ، وَالْأُنْسُ بِاَللَّهِ، وَيُوهَبُ لَهُ اسْتِثْقَالُ الْمَخْلُوقِينَ حَتَّى يَفِرَّ مِنْهُمْ فِرَارَهُ مِنْ الْأَسَدِ، وَهُوَ غَيْرُ مُفَارِقٍ لِجَمَاعَتِهِمْ، وَيُعْطَى مِنْ حُبِّ الْخَلْوَةِ طُولَ الصَّمْتِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَغَلَبَةَ الْهَوَى بِالصَّبْرِ، وَمِنْ الصَّمْتِ وَالصَّبْرِ غَلَبَةَ الْهَوَى، وَيُعْطَى مِنْ حُبِّ الْخَلْوَةِ الِاشْتِغَالَ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَقِلَّةَ اشْتِغَالِهِ بِذِكْرِ غَيْرِهِ، وَطَلَبَ السَّلَامَةِ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ كَثْرَةَ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْفِكْرِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ، وَمَخْرَجُهَا مِنْ خَالِصِ الذِّكْرِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ الْأَعْمَالَ الَّتِي تَغِيبُ عَنْ أَعْيُنِ الْعِبَادِ، وَتَظْهَرُ لِرَبِّ الْعِبَادِ، وَالْبِلَادِ، وَقَلِيلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ الصِّدْقِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ التَّيَقُّظَ مِنْ غَفْلَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَمَا يَذْكُرُهُ مِنْهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ تَرْكَ الرِّيَاءِ، وَالتَّزَيُّنَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْإِخْلَاصِ، وَهُوَ مَحْضُ الصِّدْقِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ تَرْكَ الْمِرَاءِ، وَتَرْكَ الْخُصُومَاتِ، وَالْجِدَالِ، وَذَلِكَ يَنْفِي الرِّيَاسَةَ مِنْ الْقَلْبِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ قِلَّةَ الْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ، وَالتَّوَقِّي مِنْ الْكَذِبِ، وَالْأَيْمَانِ، وَالْحِنْثِ فِيهَا، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ الصِّدْقِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ قِلَّةَ الْغَضَبِ، وَالْقُوَّةَ عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ، وَتَرْكَ الْحِقْدِ وَالشَّحْنَاءِ، وَمُعَامَلَةَ الْخَلْقِ بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ رِقَّةَ الْقَلْبِ، وَالرَّحْمَةَ، وَهُمَا يَنْفِيَانِ الْغِلْظَةَ، وَالْقَسَاوَةَ، وَهُمَا مِنْ دَوَاعِي الْخَوْفِ، وَبِالْخَوْفِ الثَّابِتِ فِي الْقَلْبِ يَخْشَعُ الْعَبْدُ، وَيَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَهِيَ مِنْ غَايَاتِ

الْعِبَادَةِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ تَذَكُّرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ، وَطَلَبَ الشُّكْرِ، وَالزِّيَادَةِ مِنْ الطَّاعَةِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ وُجُودَ حَلَاوَةِ الْعَمَلِ، وَالنَّشَاطَ فِي الدُّعَاءِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ مِنْ الْقَلْبِ مَعَ تَضَرُّعٍ، وَاسْتِكَانَةٍ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ الْقَنَاعَةَ، وَالتَّوَكُّلَ، وَالرِّضَا بِالْكَفَافِ لِلْعَفَافِ، وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الْمَخْلُوقِينَ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ عُزُوبَ النَّفْسِ عَنْ الدُّنْيَا، وَشَهَوَاتِهَا، وَفِتْنَتِهَا، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَاءِ اللَّهِ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَخَوْفِ التَّقْصِيرِ فِي الْعَمَلِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ حَيَاةَ الْقَلْبِ، وَضِيَاءَ نُورِهِ، وَنَفَاذَ بَصَرِهِ فِي عُيُوبِ الدُّنْيَا، وَمَعْرِفَتِهِ بِالنَّقْصِ، وَالزِّيَادَةِ فِي دِينِهِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ الْإِنْصَافَ لِلنَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ خَوْفَ وُرُودِ الْفِتَنِ الَّتِي فِيهَا ذَهَابُ الدِّينِ، وَالِاشْتِيَاقَ إلَى الْمَوْتِ، وَالْأُنْسَ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ لِمَا قَدْ وَجَدَ مِنْ حَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ نُورًا، وَشِفَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا الْتَبَسَ عَلَيْك هَذَا الطَّرِيقُ، وَاشْتَبَهَتْ عَلَيْك الْأُمُورُ فَقِفْ نَفْسَك عَلَى الْإِرَادَةِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالتَّشْوِيقِ إلَى مَا نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّك تَرْجِعُ بَصِيرًا مِنْ حِيرَتِك، وَعَالِمًا مِنْ جَهَالَتِك - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ - وَانْظُرْ إلَى كُلِّ مَوْطِنٍ يَضْطَرُّك إلَى الصَّبْرِ فَاهْرَبْ مِنْهُ فَإِنَّك تَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَك قَدَمٌ عَلَى مَحَجَّةِ دِينِ اللَّهِ، وَفِيك خَوْفَانِ: خَوْفُ الْفَقْرِ، وَخَوْفُ الْغِنَى، وَالثَّرْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِفْتَاحُ فَقْرِ الْأَبَدِ، وَخَوْفُك مِنْ السُّقُوطِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ هُوَ الَّذِي يُسْقِطُك مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، وَيُنْسِيك حَظَّك مِنْهَا فَادْرَأْ ذَلِكَ عَنْك، وَاطْلُبْ التَّخَلُّصَ، وَهَيِّئْ لِذَلِكَ خَوْفَيْنِ: خَوْفَ أَنَّ مِثْلَك لَا يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَبْلُغَ مَا يُؤَمِّلُ مِنْ الْآخِرَةِ فَإِنْ تَفَضَّلَ عَلَيْك رَبُّك بِبُلُوغِ أَمَلِك فَأَتْبِعْهُ الشُّكْرَ، وَلْتُحْضِرْهُ خَوْفًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّك لَا تَقُومُ بِالشُّكْرِ لِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْك كَمَا يَنْبَغِي فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ خِفْت عَلَيْك أَنَّ تُسْلَبَ النِّعْمَةَ فَتَرْجِعَ إلَى أَسْوَأِ حَالِكَ فَإِذَا أَلْزَمَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ هَذَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَتَمَسَّك بِهِمَا رَجَوْت أَنْ يُؤَمِّنَهُ اللَّهُ - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ -. وَقَدْ رُوِيَ

عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَسْت آمَنُ عَلَى نَفْسِي الْفِتْنَةَ، وَأَنْ يُحَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ فَهَؤُلَاءِ يَخَافُونَ هَذَا، وَهُمْ الصَّفْوَةُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَافُوا مَعَ سَابِقَتِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ، وَجِهَادِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ أَقَلُّ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ فَيَحُولُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ فَكَيْفَ بِك يَا مِسْكِينُ، وَلَا سَابِقَةَ لَك إلَّا فِي الشَّرِّ، وَلَا حَلَاوَةَ عَرَفْتهَا قَدِيمًا مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا حَلَاوَةَ الْمَعَاصِي؟ وَأَنْتَ بَارِكٌ فِي دَوْلَةِ الْفِتْنَةِ، وَزَمَانِ الشَّرِّ تُحِبُّ الْبَقَاءَ طَمَعًا فِي الزِّيَادَةِ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ لَا تَنْقِمُ عَلَيْهَا حُبَّهَا فَخَدَعَتْك، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ أَنَّك مَخْدُوعٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُطِيعَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّاعَةِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَلَا عَارِفٍ بِمُكَايَدَةِ عَدُوِّهِ هَانَتْ عَلَى إبْلِيسَ صَرْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَوْعٌ مِنْ الْعِبَادَةِ إلَّا وَلَهَا ضِدٌّ مِنْ الْفِتْنَةِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْخَيْرَ، وَضِدَّهُ مِنْ الشَّرِّ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَةِ خَاصَّةً، ثُمَّ اجْتَهَدَ خَلَّاهُ إبْلِيسُ وَإِيَّاهَا؛ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي نَفْسِ عِبَادَتِهِ بِشَيْءٍ، وَيَقْصِدُ لَهُ جِهَةَ آفَاتِهَا الَّتِي تُبْطِلُ عِبَادَتَهُ مِنْ شَهْوَةِ النُّفُوسِ الَّتِي تُسَارِعُ فِي قَبُولِ ذَلِكَ فَيَتَزَيَّنُ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ عِنْدِهَا، وَأَنَّهُ سَيُجْزَى، وَيُثَابُ فَيُصَدِّقُهَا بِمَا تُلْقِي إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَتَزْهُو النَّفْسُ لِرِضَى صَاحِبِهَا عَنْهَا، وَيُحَقِّقُ إبْلِيسُ ظَنَّهُ بِهِ، وَبِالْخُدَعِ لَهُ فَإِذَنْ قَدْ صُرِعَ وَخُذِلَ، وَلَجَأَ إلَى نَفْسِهِ بِمَيْلِهِ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، وَيَظْهَرُ لَهُ مِنْ فِتْنَةِ عَدُوِّهِ مَا يَسْتَصْغِرُ بِهِ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَكُونُ نَفْسُهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا عَدْلَ لَهَا زَكَاءً وَطِيبًا، وَهِيَ أَخْبَثُ الْأَنْفُسِ وَأَنْتَنُهَا وَأَسْقَطُهَا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكُلَّمَا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ عَمَلٍ احْتَمَلَ فِيهِ الْأَذَى مَعَ مُسَاعَدَتِهِ إيَّاهَا، وَشِدَّةِ رِضَاهُ عَنْهَا مِنْ تَحَمُّلِ لُبْسِ الْخَشِنِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ الْجَشِيمِ، وَطُولِ السَّهَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْعِبَادَةِ بِمَا يُفْتَتَنُ بِهِ، وَيَسْتَمِيلُ بِهِ إبْلِيسُ قُلُوبَ الْجُهَّالِ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنِّي لَأَعُدُّ كَلَامِي فِيمَا لَا بُدَّ لِي مِنْهُ مُصِيبَةً وَاقِعَةً أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا، وَإِنِّي لَأُعِدُّ صَمْتِي عَمَّا لَا يَعْنِينِي

غَنِيمَةً وَإِحْدَاثَ نِعْمَةٍ أَلْتَمِسُ الشُّكْرَ عَلَيْهَا إذْ عَلِمْت أَنَّ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ كَلِمَةٍ رَقِيبًا عَتِيدًا، وَأُنْزِلُ مَا اُضْطُرِرْت إلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ مُصِيبَةً نَازِلَةً، وَمَا كُفِيتُ مِنْ الْكَلَامِ غَنِيمَةً بَارِدَةً.
وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ مِنْ شَرِّ كَسْبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا تَنْقِيصُ الْعَبْدِ غَيْرَهُ، وَالْوَقِيعَةَ فِيهِ، وَهِيَ الْغِيبَةُ، وَيُقَالُ: إنَّهَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ، وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَتُحْبِطُ الْأَعْمَالَ، وَيَسْتَوْجِبُ بِهَا صَاحِبُهَا الْمَقْتَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ مَخْرَجُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْبَغْيِ، وَالنَّمَّامُ قَاتِلٌ، وَالْمُغْتَابُ آكِلُ مَيْتَةٍ، وَالْمُبَاهِي مُتَكَبِّرٌ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بَعْضُهَا مِفْتَاحٌ لِبَعْضٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُجَانِبٌ لِأَحْوَالِ الْمُتَّقِينَ.

[فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ أَصْلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُنُونُ الْخَيْرِ]

وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَأَلَ سَائِلٌ حَكِيمًا فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِأَصْلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْهَا تَتَفَرَّعُ فُنُونُ الْخَيْرِ، وَتَجْرِي بِهَا الْمَنَافِعُ، وَتَصِحُّ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ: اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُنُونُ الْخَيْرِ، وَتَجْرِي بِهَا الْمَنَافِعُ، وَتَصِحُّ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ بَعْدَ الْيَقِينِ بِمَعْرِفَةِ النِّعَمِ، وَالْقِيَامِ بِأَدَاءِ الشُّكْرِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، وَأَنْ يَصِحَّ عِنْدَك أَنَّ جَمِيعَ الْخَيْرِ مَوَاهِبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا عُقُوبَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مِنْ طَرِيقِ الْخِذْلَانِ، وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السُّخْطِ فَإِذَا اعْتَرَفْت بِذَلِكَ كَثُرَتْ حَسَنَاتُك، وَقَلَّتْ سَيِّئَاتُك؛ لِأَنَّك إذَا عَلِمْت أَنَّ الْإِحْسَانَ نِعَمٌ وَمَوَاهِبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ازْدَدْت فِي الشُّكْرِ، وَاسْتَقْلَلْت كَثِيرَ شُكْرِك عِنْدَ صَغِيرِ نِعْمَةٍ عَلَيْك؛ لِأَنَّ الْجَبَّارَ الْعَظِيمَ مَنَّ بِهَا عَلَيْك، وَسَاقَهَا إلَيْك فَقَلَّ عِنْدَك كَثِيرُ الشُّكْرِ، وَكَبُرَ عِنْدَك صَغِيرُ النِّعَمِ فَجَرَيْت حِينَئِذٍ فِي مَيْدَانِ الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ، وَعَلِمْت مَعْرِفَةَ الرِّضَا، وَطَمِعْت فِي الْعَفْوِ، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسَاءَةَ الَّتِي اكْتَسَبْتهَا إنَّمَا هِيَ خِذْلَانٌ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّهَا مِنْ طَرِيقِ السُّخْطِ فَزِعْت إلَى التَّضَرُّعِ فَنَزَلْتَ بِسَاحَتِهِ، وَإِلَى الِاسْتِكَانَةِ

فَصَحِبْتهَا، وَإِلَى التَّوَاضُعِ فَاِتَّخَذْته خِدْنًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَجَأْت إلَى التَّوْبَةِ فَاسْتَجَرْت بِهَا، وَلَبِسْت جِلْبَابَ الْحَيَاءِ مِمَّا سَلَفَ مِنْك، وَشَهِدَ اللَّهُ عَلَيْك بِهِ، وَشَاهَدَهُ مِنْك مِنْ الْإِسَاءَةِ مَعَ مَا تَعْرِفُ مِنْ كَثْرَةِ إحْسَانِهِ فَلَمْ تَتَعَرَّضْ بَعْدَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُ، وَعَمَدْت إلَى الْمَعَاصِي فَعَادَيْتهَا مِنْك، وَمِنْ غَيْرِك فَتَكْرَهُ أَنْ يَعْصِيَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ بِصَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ فَرَاجَعْت الْإِحْسَانَ مُجْتَهِدًا، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ عَارِفٌ بِالنِّعْمَةِ عَلَيْك فِي التَّنْبِيهِ وَالرُّجُوعِ، وَإِنَّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ عَلَيْك فَالْتَمَسْت لَطِيفَ الشُّكْرِ بَعْدَ إقْلَاعِك عَنْ الْإِسَاءَةِ بِشِدَّةِ الْمُضَادَّةِ لَهَا فَعَظُمَ شُكْرُك عِنْدَ التَّحْوِيلِ إلَى الْإِحْسَانِ بَعْدَ الْإِسَاءَةِ فَإِذْ ذَاكَ قَدْ صِرْت فِي جَمِيعِ أَحْوَالِك شَاكِرًا ذَاكِرًا، وَلَمْ يُعْجِزْك مَعْرِفَةُ الْإِحْسَانِ فَشَكَرْت حِينَئِذٍ الشَّاكِرَ الْمَشْكُورَ الَّذِي وَعَدَ عَلَى الشُّكْرِ الزِّيَادَةَ، وَوَعْدُهُ لَا خُلْفَ فِيهِ، وَعَرَفْت الْإِسَاءَةَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَخْرَجُهَا فَرَاجَعْت الْإِحْسَانَ بِالْعِتَابِ مِنْك لِنَفْسِك، وَلِمَنْ زَيَّنَ الْإِسَاءَةَ لَك، وَدَعَاك إلَيْهَا فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ فُنُونُ الْخَيْرِ، وَبِهِ تُغْلَقُ أَبْوَابُ الشَّرِّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ تَهْوِينِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ وَالْوُصُولِ إلَيْهِ]

ِ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - وَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُئِلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُ: أَوْضِحْ لَنَا الْمَنْزِلَةَ الَّتِي يَنَالُ الْعِبَادُ بِهَا الْقُرْبَ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَقْوُونَ بِهَا عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيَبْلُغُونَ بِهَا رِضْوَانَهُ، وَالْأَمْرَ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إلَيْهِ، وَيُقَصِّرُ بِهِمْ عَنْهُ إيضَاحًا شَافِيًا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بَيِّنًا.
فَقَالَ: سَأُوضِحُ لَك ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَافْهَمْ قَوْلِي بِفَهْمٍ لَا يُخَالِطُهُ سَهْوٌ، وَتَذَكَّرْ فِيهِ بِتَذَكُّرٍ لَا يُخَالِطُهُ غَفْلَةٌ، وَاصْبِرْ عَلَيْهِ صَبْرًا لَا يُخَالِطُهُ جَزَعٌ فَإِنَّك إنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ يُنْهَج لَك مِنْهَاجُ الطَّرِيقِ، وَتَسْلَمْ مِنْ تَقْصِيرِ طَرِيقِ الْهَلَكَةِ، وَالتَّوْفِيقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.

اعْلَمْ أَنَّ مُبْتَدَأَ الْأُمُورِ، وَاَلَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ إلَّا بِهِ: الْعَقْلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ زِينَةً لِخَلْقِهِ، وَنُورًا لَهُمْ فَبِالْعَقْلِ يَعْرِفُ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ، وَهُمْ الْمُدَبَّرُونَ، وَهُوَ الْبَاقِي، وَهُمْ الْفَانُونَ فَاسْتَدَلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَسَمَائِهِ، وَشَمْسِهِ، وَقَمَرِهِ، وَلَيْلِهِ، وَنَهَارِهِ، وَعَلِمُوا أَنَّ لَهُمْ وَلِهَذَا الْخَلْقِ خَالِقًا، وَأَنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ مُدَبِّرًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ، وَعَرَفُوا بِهِ الْحَسَنَ مِنْ الْقَبِيحِ، وَعَلِمُوا أَنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ، وَالنُّورَ فِي الْعِلْمِ هَذَا مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ.
فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكْتَفِي الْعِبَادُ بِالْعَقْلِ دُونَ غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: إنَّ الْعَاقِلَ دَلَّهُ عَقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوَامَهُ، وَزِينَتَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ رَبًّا، وَعَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ لَعِبًا، وَعَلِمَ أَنَّ لِخَالِقِهِ مَحَبَّةً، وَكَرَاهِيَةً، وَأَنَّ لَهُ طَاعَةً، وَمَعْصِيَةً فَلَمْ يَجِدْ عَقْلَهُ يَدُلُّهُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْعِلْمِ وَطَلَبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ إنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ، وَيَعْلَمْهُ فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَهُوَ الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِهِ، فَقِيلَ لَهُ: صِفْ لَنَا مَا هَذَا الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إلَّا طَلَبُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْصِيرُ بِنَفْسِهِ عَنْهُ؟ فَقَالَ: طَلَبُ الْعِلْمِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَأَنْبِيَاؤُهُ عَنْهُ: مِنْ أَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، وَوَعْدِهِ، وَوَعِيدِهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجَنَّتِهِ، وَنَارِهِ، وَبَعْثِهِ، وَحِسَابِهِ، وَحَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَمَعْصِيَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَكَرَاهَتِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْتَفِي الْعَالِمُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: لَا يَنْتَفِعُ الْعَالِمُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَأَنْ يُقِرَّ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا ضُرًّا لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ يُكْتَفَى بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ، وَالْعَمَلِ بِهَا، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَرُكُوبِهَا، فَمَنْ آمَنَ، وَلَمْ يَعْمَلْ كَانَ مُتَهَاوِنًا، وَتَصْدِيقُ الْإِيمَانِ الْعَمَلُ بِهِ.
فَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ الْعِلْمُ، وَكَيْفَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْمَلَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ خَالَفَ هَوَاك، وَأَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَإِنْ أَسْخَطَك، وَأَنْ تَجْتَنِبَ

سَخَطَ اللَّهِ، وَإِنْ سَرَّك، وَأَنْ تَدَعَ كَرَاهِيَتَهُ، وَإِنْ أَعْجَبَتْك، وَأَنْ تُؤْثِرَ مَا هُوَ لَهُ، وَإِنْ سَاءَك، وَأَنْ تَرْغَبَ فِيمَا رَغَّبَك، وَتَزْهَدَ فِيمَا زَهَّدَك، وَأَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ إمَامَك وَدَلِيلَك.
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: قَدْ دَلَلْتنِي عَلَى الْعَمَلِ فَعَرَفْت، وَعَرَفْت فَآمَنْت فَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ مُؤْنَةٍ، وَلَا عَظِيمُ مَشَقَّةٍ بَلْ خِفَّةٌ، وَرَاحَةٌ مَعَ مَا اسْتَزَدْت بِهِ هِدَايَةً، وَبَصِيرَةً، وَمَعْرِفَةً، فَلَمَّا صِرْت إلَى الْعَمَلِ بِهِ لِزَمَنِي فِي ذَلِكَ مُؤْنَةٌ شَدِيدَةٌ، وَثُقْلٌ كَبِيرٌ حَتَّى حَالَ بَيْنِي، وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ لَذِيذِ عِيشَتِي، وَنَعِيمِ دُنْيَايَ، وَحَمَلَنِي عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَصَرَفَنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السُّرُورِ فَصِفْ لِي أَمْرًا أَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَمَلِ فِيمَا آمَنْت بِهِ فَقَدْ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ مُؤْنَتُهُ، وَثَقُلَ عَلَيَّ احْتِمَالُهُ.
فَقَالَ: الْأُمُورُ الَّتِي تَقْوَى بِهَا عَلَى الْعَمَلِ وَالْأَدَبِ: الصَّبْرُ الَّذِي هُوَ تَمَامُهُ وَقِوَامُهُ فَإِنَّك إنْ صَبَرْت انْتَفَعْت بِعِلْمِك، وَبَلَغْت مِنْهُ رِضْوَانَ اللَّهِ، وَقَوِيت فِيهِ عَلَى الْعَمَلِ، وَلَيْسَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الْخَيْرِ إلَّا، وَلِلصَّبْرِ فِيهِ عَمَلٌ، وَبِهِ تَمَامُهُ فَبِالصَّبْرِ قَوِيَ الْعِبَادُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَبِالصَّبْرِ قَوُوا عَلَى اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، وَبِالصَّبْرِ بَلَغُوا الْغَايَةَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابِهِ، فَإِذَا صَبَرْت عَلَى الْعَمَلِ انْتَفَعْت بِالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَإِنَّك إنْ لَمْ تَصْبِرْ لَمْ تَعْمَلْ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ لَمْ تَنْتَفِعْ بِالْإِيمَانِ بِمَا عَلِمْت، وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعَمَلُ، وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْعَمَلِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ الْعَقْلُ فَرَأْسُ أَمْرِ الْعِبَادِ الْعَقْلُ، وَدَلِيلُهُمْ الْعِلْمُ، وَنُورُهُمْ الْإِيمَانُ، وَسَائِقُهُمْ الْعَمَلُ، وَمُقَرِّبُهُمْ الصَّبْرُ فَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الصَّبْرِ ضَعُفَ، وَمَنْ ضَعُفَ لَمْ يَعْمَلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرُهُ وَنُورُهُ، وَبَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ، وَمَنْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّورُ عَمِيَ، وَحَادَ عَنْ الطَّرِيقِ، وَمَنْ لَمْ يُبْصِرْ فَلْيَتَّبِعْ الدَّلِيلَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَمَنْ اتَّبَعَ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ النَّجَاةُ مِنْ الْهَوْلِ الْعَظِيمِ، وَعَمِلَ لَهُ، وَصَبَرَ عَلَيْهِ صَارَ إلَى غَايَةِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ بَصَّرْتَنِي مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ قُوَّتَهُ، وَعَلَّمْتَنِي مَا رَغَّبَنِي فِيهِ، وَقَوَّانِي عَلَى الْعَمَلِ بِهِ مَعَ ثِقَلِهِ عَلَيَّ فَصِفْ لِي أَمْرًا أَزْدَادُ بِالصَّبْرِ تَبَصُّرًا، وَفِيهِ رَغْبَةً، وَعَلَيْهِ حِرْصًا فَقَالَ: صَبْرُك عَلَى الطَّاعَةِ، وَطَلَبُك لَهَا، وَهَرَبُك مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَبَلِيَّتِهَا هُوَ الَّذِي يُرَغِّبُك فِي الطَّاعَةِ

وَيُبَيِّنُ لَك فَضْلَهَا قَالَ: قَدْ شَرَحْت لِي أَمْرَ الصَّبْرِ، وَفَضْلَهُ فَزِدْنِي بِهِ تَبَصُّرًا فَقَالَ لَهُ: هَذَا الدَّلِيلُ، وَالْإِمَامُ كِتَابُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لَك فَضْلَ الصَّبْرِ، وَيُرَغِّبُك فِي لُزُومِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى وَصَفَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَذَكَرَ ثَوَابَهُمْ فَلَمْ يَذْكُرْ ثَوَابًا يَعْدِلُ ثَوَابَ الصَّبْرِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابِ فَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى فَضْلِ الصَّبْرِ مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ ثَوَابِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ لَهُ: صَاحِبُهُ قَدْ دَلَّنِي الْعِلْمُ وَكِتَابُ رَبِّي عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ وَثَوَابِهِ؛ فَزَادَنِي بِفَضْلِهِ تَبَصُّرًا، وَازْدَدْت عَلَيْهِ حِرْصًا، وَفِيهِ رَغْبَةً، وَبِهِ تَمَسُّكًا، وَعَلَيْهِ اعْتِمَادًا مَعَ شِدَّةٍ مِنْهُ عَلَيَّ، وَثِقَلٍ، وَصَبْرٍ عَلَى خِلَافِ مَا أَشْتَهِي، وَحَمْلِ نَفْسِي عَلَى مَا أَكْرَهُ لِطَلَبِي فِيهِ الْأَجْرَ، وَالْفَضْلَ، وَابْتِغَاءَ الْعَمَلِ وَالْأَدَبِ.
فَصِفْ لِي أَمْرًا يَخِفُّ بِهِ عَلَيَّ مُؤْنَةُ الصَّبْرِ، وَيَسْهُلُ عَلَيَّ لُزُومُهُ، وَيَخِفُّ عَلَيَّ احْتِمَالُهُ، وَتَذِلُّ صُعُوبَتُهُ فَقَالَ لَهُ: أَرَاك لِلْخَيْرِ مُرِيدًا، وَلِلْفَضْلِ طَالِبًا، وَعَلَيْهِ حَرِيصًا، وَتُحِبُّ أَنْ تَكُونَ قَدْ قَوِيت عَلَى مَا دَلَّكَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِنَفَاذٍ مِنْ الصَّبْرِ، وَقُوَّةٍ مِنْ الْعَمَلِ، وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا، وَفِيهِ تَفَهُّمًا ازْدَادَ لِلْخَيْرِ طَلَبًا، وَعَلَيْهِ حِرْصًا فَخَفَّ عَلَيْهِ الثَّقِيلُ، وَقَرُبَ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ، وَلَهَا فِي الدُّنْيَا عَمَّا يُرِيدُ.
وَإِنَّمَا الثِّقَلُ وَالْعُسْرُ تِمْثَالُ الدُّنْيَا فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، وَهِيَ مَرْصَدُ إبْلِيسَ، وَسِلَاحُهُ فَإِذَا قَطَعَ عَنْهُ ذَلِكَ اسْتَنَارَ الْقَلْبُ، وَخَرَجَتْ الظُّلْمَةُ مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ بِهِ احْتِمَالُ قُوَّةٍ، وَلَا لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ، وَوَصَلَ مِنْ الْأَمْرِ إلَى مَا يُرِيدُ فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي مَا يُسَهِّلُ بِهِ عَلَيَّ ثِقَلَ احْتِمَالِ الصَّبْرِ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ: الْأَمْرُ الَّذِي يُسَهِّلُ عَلَيْك ثِقَلَ احْتِمَالِ الصَّبْرِ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَيْك الرِّضَا عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى بِكُلِّ مَا صَنَعَ بِك، وَاخْتَارَهُ لَك، وَسَاقَهُ إلَيْك فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: فَأَوْضِحْ لِي كَيْفَ يَهُونُ عَلَيَّ مُؤْنَةُ الصَّبْرِ بِرِضَائِي عَنْ اللَّهِ، وَيُخَفَّفُ عَلَيَّ احْتِمَالُهُ؟ فَقَالَ: أَلَسْت تَعْلَمُ أَنَّك إنَّمَا انْتَسَبْت إلَى الرِّضَا، وَسَمَّيْته صَبْرًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي نَزَلَ بِك مَكْرُوهٌ عَلَيْك وَإِنَّ هَوَاك، وَنَفْسَك يُنَازِعَانِك إلَى غَيْرِهِ فَاحْتَجْتَ إلَى الصَّبْرِ فَتَدَبَّرْت، وَاعْتَبَرْتَ فَصِرْت مِنْ

ذَلِكَ إلَى مَوْضِعِ رِضَاهُ.
ثُمَّ يَتَجَاوَزُ بِك الْأَمْرُ حَتَّى تَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ السُّرُورِ حَتَّى تَرَى لَوْ صُرِفَ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَنْك لَصِرْت مِنْهُ إلَى تَقْوِيَةِ نَفْسِك، وَعَلِمْت أَنَّ مَا صُرِفَ عَنْك عُقُوبَةٌ لِبَعْضِ مَا أَحْدَثْت مِنْ ذُنُوبِك أَوْ قَصَّرْت فِيهِ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْك فَصِرْت مِنْهُ إلَى الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَمَنَازِلِ أَهْلِ الرِّضَا، وَإِنَّمَا يُوصَلُ إلَى ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ، وَبِمَعْرِفَتِهِ يَنْظُرُ إلَيْك فَتَعْلَمُ أَنَّك لَا نَظَرَ لَك مِنْ نَفْسِك فَتَرْضَى بِمَا رَضِيَ بِهِ، وَتَرْغَبُ فِيمَا رَغِبَهُ، وَتَزْهَدُ فِيمَا زَهِدَهُ، وَالزُّهْدُ مِنْ الرِّضَا قَالَ: قَدْ عَلِمْت فَضْلَ الرِّضَا، وَوَضَحَ لِي أَمْرُهُ، فَصِفْ لِي كَيْفَ يُهَوَّنُ عَلَيَّ أَمْرَ الصَّبْرِ فِي الزُّهْدِ؟ وَكَيْفَ مَأْخَذُهُ فَقَدْ أَرَانِي مَعَ مَا أَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الزُّهْدِ مُقِيمًا عَلَى الصَّبْرِ، وَأَزْدَادُ أَيْضًا مَعَ زُهْدِي فِي الدُّنْيَا أُمُورًا أَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الصَّبْرِ مُخَالَفَةً لِهَوَائِي، وَرَفْضًا لِشَهَوَاتِي، وَمَا تُنَازِعنِي نَفْسِي مِنْ لَذَّاتِي فَقَدْ أَرَانِي ازْدَدْت ثِقَلًا، وَضَجَرًا قَالَ: أَرَاك لَا تَقْبَلُ مِنْ الْأُمُورِ إلَّا أَصْلَحَهَا، وَلَا تَرْضَى لِنَفْسِك إلَّا بِوَاضِحِهَا، وَلَا تَخْتَارُ مِنْهَا إلَّا أَرْشَدَهَا، وَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي أَرْجُو لَك بِهَا الْقُوَّةَ، وَالنَّجَاحَ لِحَاجَتِك، وَالظَّفَرَ بِطَلَبَتِك، وَبُلُوغِك أَقْصَى الْغَايَةِ مِنْ إرَادَتِك فَافْهَمْ قَوْلِي، وَتَدَبَّرْ نُصْحِي فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ وَاضِحَةٌ، وَالْأَمْرَ فِيهِ بَيِّنٌ أَلَسْت تَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ بَاقِيَةً فِي قَلْبِك، وَأَنَّ حُبَّهَا غَالِبٌ عَلَيْك، وَأَنَّ سُرُورَهَا فَرَحٌ لَك وَأَنَّ مَكْرُوهَهَا شَدِيدٌ عَلَيْك فَحَمَلْت نَفْسَك عَلَى قَطْعِ ذَلِكَ مَعَ حُبِّك لَهَا، وَإِيثَارِكَ لَهَا، وَنُزُلِهَا مِنْك مَعَ طَلَبِك الْفَضْلَ مِنْ احْتِمَالِ الصَّبْرِ، وَحَمَلْت نَفْسَك عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك، وَصَبَرْت عَلَيْهَا لِشِدَّةٍ مِنْهُ عَلَيْك؛ لِأَنَّ مَكْرُوهَهَا عِنْدَك مَكْرُوهٌ، وَلِأَنَّ سُرُورَهَا عِنْدَك سُرُورٌ فَثَقُلَ عَلَيْك الصَّوْمُ لِقَطْعِك الشَّهْوَةَ عَنْ نَفْسِك مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَثَقُلَتْ عَلَيْك الصَّلَاةُ.
وَالِاشْتِغَالُ بِهَا لِمَا تُسِرُّهُ إلَيْك نَفْسُك مِنْ اللَّهْوِ، وَالْحَدِيثِ فِي الْبَاطِلِ، وَثَقُلَتْ عَلَيْك الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ لِمَا تُحِبُّ أَنْ تَصْرِفَهُ فِيهِ مِنْ لَذَّاتِك، وَثَقُلَ عَلَيْك التَّوَاضُعُ لِمَا تَرَى مِنْ تَصْغِيرِ شَأْنِك، وَدَنَاءَةِ مَنْزِلَتِك عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَثَقُلَ عَلَيْك

الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ لِئَلَّا يُعَادِيَك النَّاسُ أَوْ يَنْقَطِعَ رَجَاؤُك مِنْهُمْ أَوْ يُسْمِعُونَك مَا تَكْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْك التَّنْغِيصُ فِي سُرُورِك، وَثَقُلَ عَلَيْك الْقُنُوعُ وَالرِّضَا لِعَظِيمِ مَوْقِعِ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِك، وَحُبِّك الْإِكْثَارَ مِنْهَا، وَحِرْصُك عَلَيْهَا، وَكَرَاهِيَتُك لِلْمَوْتِ وَنَعِيمِ مَا بَعْدَهُ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ وَصْفُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا صَارَ شِدَّتُهُ عَلَيْك لِحُبِّ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا ثَقُلَ عَلَيْك الصَّبْرُ وَمَلِلْته، وَضَيَّقَ الشَّيْطَانُ عَلَيْك الْمَذَاهِبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لِأَنَّ سِلَاحَهُ الَّذِي بِهِ يَقْوَى، وَكَيْدَهُ الَّذِي يَصِلُ بِهِ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا الرَّغْبَةُ فِيهَا وَطَلَبُهَا، فَإِذَا أَنْتَ زَهِدْت فِي الدُّنْيَا، وَرَفَضْتهَا، وَرَغِبْت فِي الْآخِرَةِ، وَطَلَبْتهَا سَهُلَ عَلَيْك الْأَمْرُ فَآثَرْت الْآخِرَةَ، وَطَلَبْتهَا، وَرَغِبْت فِيهَا، وَأَدْبَرَتْ عَنْك الدُّنْيَا وَثِقَلُهَا، وَتَوَلَّتْ عَنْك هَارِبَةً بِبَلَائِهَا، وَأَتَتْك بِمَنَافِعِهَا، وَصَرَفَتْ عَنْك شُرُورَهَا بِرَغْمٍ مِنْهَا، وَانْقَطَعَ رَجَاءُ الشَّيْطَانِ، وَصَغُرَ كَيْدُهُ وَوَلَّى، وَقَلَّ سِلَاحُهُ فَلَا قُوَّةَ لَهُ بِك، وَنَجَوْت بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَتَوْفِيقِهِ مِنْ الضِّيقِ، وَالتَّعْسِيرِ، وَالْهَلَكَةِ، وَصِرْت إلَى النِّعْمَةِ، وَالسُّرُورِ، وَالرَّاحَةِ، وَخَرَجَ حُبُّ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِك فَلَزِمْت الصِّيَامَ، وَخَفَّ عَلَيْك؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ نَفْسُك تَنْشَرِحُ إلَى الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشَّهَوَاتِ، وَلَزِمْت الصَّلَاةَ، وَاشْتَغَلْت بِهَا؛ لِأَنَّ نَفْسَك لَمْ تَكُنْ تُنَازِعُك إلَى اللَّهْوِ أَوْ الْخَلْوَةِ إلَى حَدِيثٍ فِي بَاطِلٍ، وَخَفَّتْ عَلَيْك الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّك أَعْدَدْت مَا قَدَّمْته أَمَامَك، وَلَا تُرِيدُ مِنْهُ شَيْئًا يَبْقَى خَلْفَك.
وَخَفَّ عَلَيْك التَّوَاضُعُ لِأَنَّ الْإِيَاسَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قَلْبِك، وَهَانَ عَلَيْك الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَوَوْا عِنْدَك فَلَمْ تَرْجُ أَحَدًا غَيْرَ رَبِّك، وَلَمْ تَخَفْ شَيْئًا غَيْرَهُ، وَخَفَّ عَلَيْك الْقُنُوعُ؛ لِأَنَّك رَضِيت مِنْ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَلَمْ تُنَازِعْك نَفْسُكَ إلَى غَيْرِ الْبَلَاغِ وَالْكِفَايَةِ، وَخَفَّ عَلَيْك الْجِهَادُ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَخْرَجْتهَا مِنْ قَلْبِك، وَكَرِهْت الْبَقَاءَ فِيهَا، وَأَحْبَبْت الْمَوْتَ لِمَا تَرْجُو مِنْ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ وَالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي أَمَامَك، فَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ، وَالْبَدَنِ، وَهُوَ جِمَاعُ الْخَيْرِ، وَتَمَامُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ إلَّا وَلَهُ ضِدٌّ مِنْ

غَيْرِهِ فَمَا قَصُرَ بِك عَنْهُ فَارْفُضْهُ، وَازْهَدْ فِيهِ يَسْلَمُ لَك عَمَلُك، وَيَخِفُّ عَلَيْك.
ثِقَلُهُ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَوْضَحْت فَبَيَّنْت، وَأَرْشَدْت فَهَدَيْت، وَكَشَفْت فَأَرَيْت.
فَصِفْ لِي كَيْفَ الزُّهْدُ؟ وَمَا حَدُّهُ؟ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِي الْعَمَلُ بِهِ؟ فَقَدْ اسْتَبَانَ لِي فَضْلُهُ، وَوَضَحَ لِي رُشْدُهُ.
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إنَّ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَاجِبٌ عَلَيْك، وَهُوَ الْوَرَعُ لَا يَجُوزُ لَك التَّقْصِيرُ فِيهِ، وَلَا الرَّغْبَةُ عَنْهُ، وَهُوَ اجْتِنَابُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك، وَنَهَاك عَنْهُ فَهَذَا الْأَمْرُ لَازِمٌ لَك لَا عُذْرَ لَك فِي التَّقْصِيرِ عَنْ الزُّهْدِ، وَالْقُرْبِ إلَى رَبِّك طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وَنَفْيًا لِكُلِّ أَمْرٍ قَصُرَ بِك عَنْهُ مِنْ الْمُسَارَعَةِ فِي طَاعَتِهِ، وَالْمُسَابِقَةِ إلَى رِضْوَانِهِ، فَهَذَا مَا يَنْبَغِي لَك الْعَمَلُ بِهِ، وَإِدَارَةُ صَلَاحِ نَفْسِك عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وَنَهَانِي عَنْهُ فَقَدْ دَلَّنِي عَلَيْهِ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَا يَنْبَغِي لِي الْمَقَامُ عَلَيْهِ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ فَزَهِدْت فِيهِ، وَرَفَضْته فَصِفْ لِي الزُّهْدَ الَّذِي أَرْجُو أَنْ أَنَالَ بِهِ كَرَامَةَ سَيِّدِي، وَأَنْ أَبْلُغَ مِنْ ذَلِكَ مَحَبَّتَهُ، وَأَنْ أَدْفَعَ بِهِ عَنِّي كَيْدَ الشَّيْطَانِ وَمَكْرَهُ.
فَقَالَ لَهُ: ذَلِكَ الزُّهْدُ فِي فُضُولِ الدُّنْيَا، وَالرِّضَا مِنْهَا بِيَسِيرِهَا، وَالْأَخْذُ مِنْهَا بِقَدْرِ الْبَلَاغِ إلَى غَيْرِهَا، وَرَفْضُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ فُضُولِهَا وَأُمُورِهَا، بِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ قَلْبِك فَلَا تَخَفْ أَحَدًا فِي اللَّهِ، وَلَا تَرُدَّ حَمْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَيَسْتَوِي النَّاسُ عِنْدَك فَلَا تَرْجُ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ، وَلَا تَطْلُبْ إلَّا فَضْلَهُ، وَتَنْصَحُ فِي اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ، وَلَا تَخَفْ لَوْمَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَا عَذْلَهُ، وَتُحِبُّ فِي اللَّهِ، وَتَبْغُضُ فِي اللَّهِ، وَلَا تُشْغِلُ قَلْبَك بِشَيْءٍ غَيْرَهُ، وَتَلْزَمُ التَّوَاضُعَ، وَالتَّذَلُّلَ لِرَبِّك، وَتُخْمِلُ ذِكْرَكَ، وَتُغَيِّبُ اسْمَكَ، وَلَا تُرِدْ بِذَلِكَ تَعْظِيمَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ غَيْرَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتُحِبُّ الْمَوْتَ، وَتَكُونُ مُمْتَثِلًا لَهُ بَيْنَ عَيْنَيْك لِرَجَاءِ مَا بَعْدَهُ.
وَتَزْهَدُ فِي الْحَيَاةِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، وَالْبَلِيَّةِ فَهَذَا أَصْلُ الزُّهْدِ فَإِذَا أَنْتَ وَصَلْت إلَى ذَلِكَ نِلْت شَرَفَ الْآخِرَةِ، وَنَجَوْت بِعَوْنِ اللَّهِ مِنْ بَلِيَّةِ عَاجِلَتِك فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَقَدْ ذَكَرْت لِي مِنْ أَمْرِ الزُّهْدِ شَيْئًا ضَاقَ بِهِ ذَرْعِي، وَاشْتَدَّ لَهُ غَمِّي، وَاعْتَصَرَ لَهُ قَلْبِي، وَاسْتَصْعَبَ بِهِ عَلَيَّ أَمْرِي، وَتَفَرَّقَ لَهُ رَأْيِي، وَاشْتَدَّتْ عَلَيَّ

الْمُؤْنَةُ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ الصَّبْرُ وَالِاحْتِمَالُ لَهُ أَيْسَرَ عَلَيَّ مُؤْنَةً مِنْهُ، وَأَخَفَّ عَلَيَّ حِمْلًا مِنْ الزُّهْدِ، وَخَشِيت أَنْ لَا أَقْوَى عَلَى احْتِمَالِهِ، وَلَا تُطِيقُ نَفْسِي الْعَمَلَ بِكَمَالِهِ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِتَمَامِهِ، وَأَنْ تَمَلَّهُ نَفْسِي وَتَرْفُضَهُ، وَتَرْجِعَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ هَلَاكُهَا، وَعَطَبُهَا، وَقَدْ عَرَفْت فَضْلَ الزُّهْدِ، وَعَظِيمَ قَدْرِهِ، فَصِفْ إلَيَّ أَمْرًا أَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الزُّهْدِ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قَدْ فَهِمْت قَوْلَك، وَلَقَدْ صَعُبَ عَلَيْك الذَّلُولُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْك الْيَسِيرُ، وَثَقُلَ عَلَيْك الْخَفِيفُ، وَعُمِّيَتْ عَلَيْك الْمَدَاخِلُ، وَمَا أَلُومُك حَيْثُ اشْتَدَّ عَلَيْك مِنْ أَمْرِك مَا ذَكَرْت حِينَ لَمْ تَعْلَمْ الْأَمْرَ الَّذِي لَهُ فِي الدُّنْيَا زَهِدْت، وَاَلَّذِي بِهِ عَلَيْهِ قَوِيت.
وَلَوْ عَلِمْته لَهَانَ عَلَيْك مِنْ أَمْرِك الشَّدِيدُ، وَخَفَّ عَلَيْك الثَّقِيلُ، وَسَهُلَتْ عَلَيْك مَوَارِدُهُ، وَسَهُلَتْ عَلَيْك فِيهِ الْمَذَاهِبُ، وَخَفَّتْ عَلَيْك فِيهِ الْمُؤْنَةُ فَافْهَمْ قَوْلِي بِعَقْلٍ، وَتَدَبَّرْهُ بِحِكَمٍ، وَخُذْ فِيهِ بِقُوَّةٍ وَجِدٍّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا، وَدَعَاهُمْ إلَى الزُّهْدِ فِيهَا وَرَفْضِهَا خِصَالٌ شَتَّى بَعْضُهَا أَرْفَعُ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِنْ بَعْضٍ، وَكُلُّهَا دَاعِيَةٌ إلَى الزُّهْدِ فِيهَا، فَأَوَّلُ دَرَجَاتِ الزُّهْدِ: أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْعِبَادَ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَ مَا فِيهَا زِينَةً لَهَا، وَزَهَّدَهُمْ فِيهَا، وَخَلَقَ الْآخِرَةَ، وَنَعِيمَهَا، وَنَدَبَهُمْ إلَيْهَا، وَرَغَّبَهُمْ فِيهَا، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ عَنْ الدُّنْيَا مُرْتَحِلُونَ، وَأَنَّهُمْ إلَى الْآخِرَةِ صَائِرُونَ فَرَغَّبَ الْعِبَادَ فِي الْبَاقِي، وَزَهَّدَهُمْ فِي الْفَانِي فَآثِرْ الْآخِرَةَ، وَاطْلُبْهَا، وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا، وَارْفُضْهَا لِكَيْ لَا يُنْتَقَصَ مِنْ حَظِّك فِي الْآخِرَةِ بِمَا نِلْت مِنْ نَعِيمِ دُنْيَاك: وَأَمَّا الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْعِبَادَ فِي الدُّنْيَا فَأَوْجَبَ الْمَوْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وَضَرَبَ لَهُمْ فِيهَا أَجَلًا فَلَمْ يَعْلَمُوا فِي أَيِّ الْأَوْقَاتِ، وَالسَّاعَاتِ تَأْتِيهِمْ مَنِيَّتُهُمْ فَتَحُولُ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ دُنْيَاهُمْ، وَنَعِيمِ عَيْشِهِمْ، وَمُفَارَقَةِ أَحْبَابِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَوْتُ فِي قُلُوبِهِمْ أَسْهَرُوا فِي اللَّيْلِ أَعْيُنَهُمْ، وَاشْتَغَلُوا بِهُمُومِهِمْ عَنْ أَهْلِيهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَدَامَ حُزْنُهُمْ، وَبُكَاؤُهُمْ، وَزَهِدُوا فِي الدُّنْيَا، وَأَهْلِهَا وَنَعِيمِهَا، فَصَارَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الضِّيفَانِ، وَكَانَ الْمُقَوِّي لَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ذِكْرُ الْمَوْتِ

وَقَصْرُ الْأَمَلِ فَهَذِهِ الْخَصْلَةُ شَرِيفَةٌ مِنْ خِصَالِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الزُّهْدِ: فَتَصْدِيقُ الْعَبْدِ رَبَّهُ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، وَمَا خَوَّفَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ وَعَذَابِهَا، وَمَا حَذَّرَهُ مِنْهُ مِنْ الدُّنْيَا، وَالِاغْتِرَارِ بِهَا فَزَهِدَ فِيهَا، وَأَحَبَّ بِالْمَوْتِ مُفَارَقَتَهَا، وَالتَّبَاعُدَ عَنْهَا، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا إلَى دَارِهِ وَقَرَارِهِ تَبَصُّرًا مِنْهُ بِالدُّنْيَا، وَحَالِهَا فَهَذِهِ الْخَصْلَةُ مِنْ خِصَالِ الزُّهْدِ أَشْرَفُ مِمَّا قَبْلَهَا، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: مَا تَرَكْت لِي إلَى الدُّنْيَا، وَالرُّكُونِ إلَيْهَا سَبِيلًا، وَلَقَدْ اسْتَبَانَ لِي مِنْ قَوْلِك الْبِرُّ وَالْحَقُّ، وَوَضَحَ لِي مِنْ وَصْفِك الصِّدْقُ، وَقَوِيت - بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ - عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا، وَرَفْضِهَا؛ فَصِفْ لِي بِصِفَتِك الشَّافِيَةِ، وَنَعْتِك النَّافِعِ دَوَاءً لِدَاءِ قَلْبِي تُخْبِرنِي فِيهِ عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَدُلُّنِي عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ، وَيُقَوِّينِي عَلَيْهَا.
فَقَالَ: الْأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّك عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ، وَيُقَوِّيك عَلَيْهَا، وَيُنَوِّرُهَا فِي قَلْبِك هُوَ الْيَقِينُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ، وَالتَّصْدِيقُ بِرَبِّك الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ لَبْسٌ فَإِنَّهُ مَنْ صَدَقَ رَبَّهُ أَيْقَنَ، وَمَنْ أَيْقَنَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ زَهِدَ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْيَقِينِ، وَأَفْضَلُ الْيَقِينِ التَّوَكُّلُ، قَالَ: فَصِفْ لِي الْيَقِينَ لِأَعْرِفَهُ.
فَقَالَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَنَّهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي قُدْرَتِهِ، وَسُلْطَانِهِ، وَخَلْقِهِ، وَأَنَّ وَعَدَهُ حَقٌّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَكَذَا وَعِيدَهُ، وَكُتُبَهُ، وَرَسُولَهُ حَتَّى تُقِرَّ بِذَلِكَ فِي قَلْبِك، وَتَتَّبِعَ كِتَابَ رَبِّك فَهَذَا الْيَقِينُ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ، قَالَ: صِفْ لِي التَّوَكُّلَ لِأَعْرِفَهُ، فَقَالَ: التَّوَكُّلُ هُوَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، وَتَصْدِيقُ الْيَقِينِ دَلَالَتَهُ، فَمَنْ أَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُقْتَدِرُ عَلَيْهَا، وَالْمَالِكُ لَهَا، وَالْمُنْفَرِدُ بِهَا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَقَطَعَ رَجَاءَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ، وَلَمْ يَأْنَسْ إلَّا بِهِ فَانْقَطِعْ إلَى اللَّهِ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتك فَهَذِهِ صِفَةُ الْعَمَلِ وَالتَّوَكُّلِ وَمَأْخَذِهِ، قَالَ: مَا الَّذِي يَدُلُّنِي عَلَى الْفِكْرَةِ، وَيُقَوِّينِي عَلَيْهَا فَإِنِّي كُلَّمَا أَرَدْت الْفِكْرَةَ لَمْ أَصِلْ إلَيْهَا، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا فَقَالَ: أَجَلْ لَا تَصِلُ إلَى مَا تُرِيدُ مِنْ الْفِكْرَةِ مَعَ الِاشْتِغَالِ

بِغَيْرِهَا فَسَبِيلُ الْوُصُولِ إلَى الْفِكْرَةِ: الصِّيَامُ، وَتَرْكُ الْإِكْثَارِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَاعْتِزَالُ الشَّهَوَاتِ، وَلُزُومُ الصَّمْتِ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْخَيْرُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالِاعْتِزَالُ، وَرَفْضُ الِاشْتِغَالِ بِالْفُضُولِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ

[فَصْلٌ فِي السَّمَاعِ وَكَيْفِيَّتِهِ]

ِ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَمَا يَجُوزُ فَانْظُرْ - رَحِمنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ - إلَى مَا قَرَّرَ هَذَا السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ، وَالْأَخْذِ أَوَّلًا بِالصِّيَامِ، وَتَرْكِ الْإِكْثَارِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَاعْتِزَالِ الشَّهَوَاتِ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْخَيْرِ فِي الْخَلْوَةِ، وَالِاعْتِزَالِ، وَرَفْضِ الِاشْتِغَالِ بِالْفُضُولِ فَلَمْ يَكْتَفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالْخَلْوَةِ لَيْسَ إلَّا حَتَّى ذَكَرَ الِاعْتِزَالَ مَعَ الْخَلْوَةِ فَلَوْ كَانَتْ خَلْوَةً دُونَ اعْتِزَالٍ لَقَلَّ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ الِاعْتِزَالَ، فَأَيْنَ هَذَا الْحَالُ مِنْ حَالِنَا الْيَوْمَ؟ إذْ إنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْخِرْقَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إنَّمَا شَأْنُهُ كَثْرَةُ الِاجْتِمَاعِ، وَحُضُورُ السَّمَاعِ، وَالرَّقْصِ فِيهِ حَتَّى كَأَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ فِي السُّلُوكِ - نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ - فَمَنْ أَرَادَ الْخَيْرَ فَلْيَعْتَزِلْ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَإِلَّا فَالْفَتْحُ عَلَيْهِ بَعِيدٌ أَعْنِي الْفَتْحَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يَقْرُبُ بِهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ، وَجَلَّ دُونَ ادِّعَاءٍ، وَإِلَّا فَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ الْأَحْوَالَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ رَقْصِهِمْ، وَتَأْخُذُهُمْ الْأَحْوَالُ إذْ ذَاكَ، وَيُخْبِرُونَ بِأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْغَيْبِ.
وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَكَانَ مُصَادَفَةً، ثُمَّ إنَّهُمْ يُوَلُّونَ، وَيَعْزِلُونَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَيُخْبِرُونَ بِمَنَازِلِ أَصْحَابِهِمْ فَيَقُولُونَ مَثَلًا: فُلَانٌ أَحَدُ السَّبْعَةِ، وَفُلَانٌ أَحَدُ الْعَشَرَةِ، وَفُلَانٌ أَحَدُ السَّبْعِينَ، وَفُلَانٌ أَحَدُ الثَّلَاثمِائَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَحْوَالٌ نَفْسَانِيَّةٌ أَوْ شَيْطَانِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ مَعَ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا السَّمَاعُ عَلَى مَا يَعْلَمُونَهُ مُحَرَّمٌ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَفْسِيرِهِ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْله تَعَالَى

﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: 14] . هَؤُلَاءِ قَامُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ عَلَى هِدَايَتِهِ شُكْرًا لِمَا أَوْلَاهُمْ مِنْ نِعْمَتِهِ ثُمَّ هَامُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ مُنْقَطِعِينَ إلَى رَبِّهِمْ، وَخَائِفِينَ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الرُّسُلِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْفُضَلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ أَيْنَ هَذَا مِنْ ضَرْبِ الْأَرْضِ بِالْأَقْدَامِ،؟ وَالرَّقْصِ بِالْأَكْمَامِ خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الْحِسَانِ مِنْ الْمُرْدِ وَالنِّسْوَانِ، هَيْهَاتَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُنْقَطِعَ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، وَأَنَّ الْمَكْرُوهَ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ كَالْمُحَرَّمِ لَا سَبِيلَ إلَى ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ فِعْلِهِ.

، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِي ضَرْبِ الطَّارِ عَلَى حِدَتِهِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الشَّبَّابَةِ عَلَى حِدَتِهَا، وَقَاعِدَةُ أَهْلِ الطَّرِيقِ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ فَكَيْفَ يُقْدِمُونَ عَلَى شَيْءٍ قَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مَنْعِهِ؟ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ، ثُمَّ مَعَ ارْتِكَابِ بَعْضِهِمْ مَا ذُكِرَ يَدَّعُونَ الْأَحْوَالَ الرَّفِيعَةَ، وَيُشِيرُونَ إلَى مَقَامَاتٍ، وَمُنَازَلَاتٍ تُسْتَعْظَمُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالِاقْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ لِأَهْلِ التَّخْلِيطِ، وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي؟ ذَلِكَ مُحَالٌ،، وَمِنْ أَشَدِّ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ مَا أَحْدَثُوهُ فِي السُّجُودِ لِلشَّيْخِ حِينَ قِيَامِ الْفَقِيرِ لِلرَّقْصِ، وَبَعْدَهُ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ، فَرَأَيْت أَنَّكَ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي لَوْ أَمَرْت أَحَدًا يَسْجُدُ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا، وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ» هَذَا لَفْظُ النَّسَائِيّ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ مُعَاذٍ «وَنَهَى عَنْ السُّجُودِ لِلْبَشَرِ، وَأَمَرَنَا بِالْمُصَافَحَةِ» قُلْت: وَهَذَا السُّجُودُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَدْ اتَّخَذَهُ جُهَّالُ الْمُتَصَوِّفَةِ عَادَةً فِي سَمَاعِهِمْ، وَعِنْدَ دُخُولِهِمْ عَلَى مَشَايِخِهِمْ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ فَتَرَى الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا أَخَذَهُ الْحَالُ بِزَعْمِهِ يَسْجُدُ لِلْأَقْدَامِ سَوَاءً كَانَ لِلْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا جَهَالَةً مِنْهُ ضَلَّ سَعْيُهُمْ، وَخَابَ عَمَلُهُمْ (فَصْلٌ) فَانْظُرْ - رَحِمَنَا اللَّهُ - وَإِيَّاكَ إلَى قِصَّةِ مُعَاذٍ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّك أَوْلَى بِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مِنْ الْفَوَائِدِ النَّفِيسَةِ: التَّحَرُّزُ عَنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْبُعْدُ مِنْهُمْ إذْ أَنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ غَالِبًا إلَى مَا يَكْثُرُ تَرْدَادُهُ عَلَيْهَا، وَمِنْ هَاهُنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَثُرَ التَّخْلِيطُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِمُجَاوَرَتِهِمْ، وَمُخَالَطَتِهِمْ لِقِبْطِ النَّصَارَى مَعَ قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ فِي الْغَالِبِ فَأَنِسَتْ نُفُوسُهُمْ بِعَوَائِدِ مَنْ خَالَطُوهُ فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْفَسَادُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ، وَضَعُوا تِلْكَ الْعَوَائِدَ الَّتِي أَنِسَتْ بِهَا نُفُوسُهُمْ مَوْضِعَ السُّنَنِ حَتَّى أَنَّك إذَا قُلْت لِبَعْضِهِمْ: الْيَوْمَ السُّنَّةُ كَذَا يَكُونُ جَوَابُهُ لَك عَلَى الْفَوْرِ عَادَةُ النَّاسِ كَذَا، وَطَرِيقَةُ الْمَشَايِخِ كَذَا، فَإِنْ طَالَبْتَهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: نَشَأْت عَلَى هَذَا، وَكَانَ وَالِدِي، وَجَدِّي، وَشَيْخِي، وَكُلُّ مَنْ أَعْرِفَهُ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَرْتَكِبُوا الْبَاطِلَ أَوْ يُخَالِفُوا السُّنَّةَ فَيُشَنِّعُ عَلَى مَنْ يَأْمُرُهُ بِالسُّنَّةِ، وَيَقُولُ لَهُ: مَا أَنْتَ أَعْرَفُ بِالسُّنَّةِ مِمَّنْ أَدْرَكْتُهُمْ مِنْ هَذَا الْجَمِّ الْغَفِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إنْكَارُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَخْذِهِ بِعَمَلِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ هَذَا الْمِسْكِينُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْقَرْنِ السَّابِعِ مَعَ مُخَالَطَتِهِمْ لِغَيْرِ جِنْسِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقِبْطِ، وَالْأَعَاجِمِ، وَغَيْرِهِمَا؟ ، - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ - مَعَ أَنَّ السَّمَاعَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالشِّعْرِ لَيْسَ إلَّا، فَإِذَا فَعَلَ أَحَدٌ ذَلِكَ قَالُوا أَهْمَلَ السَّمَاعَ، وَهُوَ الْيَوْمَ عَلَى مَا يُعْهَدُ، وَيُعْلَمُ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْإِمَامُ الشَّيْخُ رَزِينٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا أُتِيَ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا لِوَضْعِهِمْ الْأَسْمَاءَ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ

وَهَا هُوَ ذَا بَيِّنٌ.
أَلَا تَرَى السَّمَاعَ كَانَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الْيَوْمَ عَلَى مَا نُعَايِنُهُ، وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِمَا ارْتَكَبُوهُ حَتَّى وَقَعُوا فِي حَقِّ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَنَسَبُوا إلَيْهِمْ اللَّعِبَ، وَاللَّهْوَ فِي كَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ السَّمَاعَ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَفْعَلُونَهُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ هَذَا، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ، وَيَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَهُوَ هَالِكٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ السُّهْرَوَرْدِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى السَّمَاعِ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَلَا شَكَّ أَنَّك إذَا خَيَّلْت بَيْنَ عَيْنَيْك جُلُوسَ هَؤُلَاءِ لِلسَّمَاعِ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ فَإِنَّ نَفْسَك تُنَزِّهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَعَنْ حُضُورِهِ انْتَهَى.
وَلَقَدْ أَنْصَفَ فِيمَا وَصَفَ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي حَقِّ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْجُنَيْدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّهُ قَالَ: إنَّ السَّمَاعَ لَا يَرْجِعُ مُبَاحًا إلَّا بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ إلَّا ذُو مَحْرَمٍ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، وَإِمْكَانٍ، وَإِخْوَانٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَأَنْ يَكُونَ الْقَوَّالُ هُوَ الَّذِي يَمُدُّهُمْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجُنَيْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ شَنَآنُ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُ شَابٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ.
وَحَيْثُ كَانَ مُبَاحًا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَإِنْ اتَّفَقَ اجْتِمَاعُهَا كَانَ السَّمَاعُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ إنْشَادُ الشِّعْرِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ إلَى خَلَوَاتِهِمْ فَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ عَنْ تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا خَرَجَ فَحَضَرَ السَّمَاعَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى خَلْوَتِهِ نَشِطًا؛ لِأَنَّ الْقَوَّالَ كَانَ يَمُدُّهُمْ فِي بَوَاطِنِهِمْ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُنْشِدُ لَهُمْ مِنْ دُرَرِ الشِّعْرِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُمْ

وَتَقْوَى بِهِ قُلُوبُهُمْ عَلَى السَّيْرِ إلَى الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ، وَالنُّهُوضِ إلَيْهَا، وَتَرْكِ التَّرَاخِي، وَالتَّسْوِيفِ الشَّاغِلِ عَنْهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا إلَى الْخَلْوَةِ خَرَجَ إلَى مَجْلِسِ عَالِمٍ فَحَضَرَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَلْوَتِهِ قَوِيًّا؛ لِأَنَّ حُضُورَ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ كَمَا يُحْيِي الْمَطَرُ الْوَابِلُ النَّبَاتَ بَلْ النَّظَرُ إلَيْهِمْ تَقْتَاتُ بِهِ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ، وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهَا، وَيَحْدُثُ لَهَا عِنْدَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ انْزِعَاجٌ، وَقُوَّةٌ بَاعِثَةٌ عَلَى مَا تُؤَمِّلُهُ مِنْ الْخَيْرِ كَيْفَ لَا، وَهُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَخُلَفَاؤُهُ فِي خَلْقِهِ.
وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَحْمَةً، وَكَهْفًا لِمَنْ يَأْوِي إلَيْهِمْ، وَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهِمْ، نَصَبَهُمْ هُدَاةً لِلْمُتَحَيِّرِينَ، وَنُورًا لِلسَّالِكِينَ - اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمَنَا بَرَكَتَهُمْ، وَلَا تُخَالِفْ بِنَا عَنْ سُنَّتِهِمْ فَأَنْتَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ - فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ حَالِهِمْ، وَعُلِمَ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ الْمَوْجُودِ بَيْنَ النَّاسِ مُخَالِفٌ لِجَمَاعَتِهِمْ إذْ إنَّهُ احْتَوَى عَلَى أَشْيَاءَ مُحَرَّمَاتٍ أَوْ مَكْرُوهَاتٍ أَوْ هُمَا مَعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكَايَةُ عَنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إذْ إنَّهُمْ جَمَعُوا فِيهِ بَيْنَ الدُّفِّ، وَالشَّبَّابَةِ، وَالتَّصْفِيقِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ التَّصْفِيقَ إنَّمَا هُوَ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا مُنِعَتْ الْآلَاتُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا، وَبَعْضُهُمْ يَنْسِبُ جَوَازَ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الرَّقْصِ عَلَى الطَّارِ وَالشَّبَّابَةِ؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الدِّينِ.
فَقَالُوا: أَمَا جَوَّزَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَنْشَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

حَاشَا الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ النَّبِيهْ ... أَنْ يَرْتَقِي غَيْرَ مَعَانِي نَبِيهْ أَوْ يَتْرُكَ السُّنَّةَ فِي نُسْكِهِ ... أَوْ يَبْتَدِعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَوْ يَبْتَدِعَ طَارًا وَشَبَّابَةً ... لِنَاسِكٍ فِي دِينِهِ يَقْتَدِيهْ الضَّرْبُ بِالطَّارَاتِ فِي لَيْلَةٍ ... وَالرَّقْصُ وَالتَّصْفِيقُ فِعْلُ السَّفِيهْ هَذَا ابْتِدَاعٌ وَضَلَالٌ فِي الْوَرَى ... وَلَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ مَا يَقْتَضِيهْ وَلَا حَدِيثٍ عَنْ نَبِيِّ الْهُدَى ... وَلَا صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيهْ بَلْ جَاهِلٌ يَلْعَبُ فِي دِينِهِ ... قَدْ ضَيَّعَ الْعُمْرَ بِلَهْوٍ وَتِيهْ وَرَاحَ فِي اللَّهْوِ عَلَى رِسْلِهِ ... وَلَيْسَ يَخْشَى الْمَوْتَ إذْ يَعْتَرِيهْ إنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يَرْتَضِي ... إلَّا بِمَا اللَّهُ لَهُ يَرْتَضِيهْ وَلَيْسَ يَرْضَى اللَّهُ لَهْوَ الْوَرَى ... بَلْ يَمْقُتُ اللَّهُ بِهِ فَاعِلِيهْ بَلْ بِصِيَامٍ وَقِيَامٍ فِي الدُّجَى ... وَآخِرِ اللَّيْلِ لِمُسْتَغْفِرِيهِ إيَّاكَ تَغْتَرُّ بِأَفْعَالِ مَنْ ... لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ وَلَا يَبْتَغِيهْ قَدْ أَكَلُوا الدُّنْيَا بِدِينٍ لَهُمْ ... وَلَبَّسُوا الْأَمْرَ عَلَى جَاهِلِيهْ جَهْلٌ وَطَيْشٌ فِعْلُهُمْ كُلُّهُ ... وَكُلُّ مَنْ دَانَ بِهِ تَزْدَرِيهْ شِبْهُ نِسَاءٍ جَمَعُوا مَأْتَمًا ... فَقُمْنَ فِي النَّدْبِ عَلَى مَيِّتِيهْ وَالضَّرْبُ فِي الصَّدْرِ كَمَا قَدْ تَرَى ... لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ النَّسَا مِنْ شَبِيهْ أَنْكِرْ عَلَيْهِمْ إنْ تَكُنْ قَادِرًا ... فَهُمْ رِجَالُ إبْلِيسَ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ مِنْ لَائِمٍ ... وَفَّقَك اللَّهُ لِمَا يَرْتَضِيهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ إلَّا مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَبِطَرِيقَتِهِ، مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فَمَنْ ذَكَرَ عَنْهُ غَيْرَ مَا يُنَاسِبُهُ كُذِّبَ فِيمَا ادَّعَاهُ، وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُزَنِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ بَاشَرَ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ جَوَازَ السَّمَاعِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ

[تَوْقِيرُ السَّلَفِ لِلْمَسَاجِدِ]

(فَصْلٌ) : وَأَشَدُّ مِنْ فِعْلِهِمْ السَّمَاعَ كَوْنُ بَعْضِهِمْ يَتَعَاطَوْنَهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْقِيرُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِلْمَسَاجِدِ كَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ فِيهِ ذِكْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ إنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ

لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ نَشَدَ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ «مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَاحْرِمُوهُ» ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَفْعَلُونَ السَّمَاعَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَرْقُصُونَ فِيهَا، وَعَلَى حُصُرِ الْوَقْفِ الَّتِي فِيهَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الرُّبُطِ، وَالْمَدَارِسِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَمِلَ فَتْوَى، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إحْدَى وَسِتِّينَ، وَسِتِّمِائَةٍ، وَمَشَى بِهَا عَلَى الْأَرْبَعِ مَذَاهِبَ، وَلَفْظُهَا: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ، وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ - وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى مَرْضَاتِهِ - فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَرَدُوا إلَى بَلَدٍ فَقَصَدُوا إلَى الْمَسْجِدِ، وَشَرَعُوا يُصَفِّقُونَ، وَيُغَنُّونَ، وَيَرْقُصُونَ تَارَةً بِالْكَفِّ، وَتَارَةً بِالدُّفُوفِ، وَالشَّبَّابَةِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ شَرْعًا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: السَّمَاعُ لَهْوٌ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ مَنْ قَالَ بِهِ: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ زَجْرُهُمْ وَرَدْعُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: فَاعِلُ ذَلِكَ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يُقْبَلُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ حَاكِمًا، وَإِنْ عُقِدَ النِّكَاحُ عَلَى يَدِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُصُرُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى تُغْسَلَ، وَالْأَرْضُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يُحْفَرَ تُرَابُهَا وَيُرْمَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَفْسِيرِهِ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى قِصَّةِ السَّامِرِيِّ فِي سُورَةِ طَهَ سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَقُولُ سَيِّدُنَا الْفَقِيهُ فِي مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ حَرَسَ اللَّهُ مُدَّتَهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ يُكْثِرُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَذِكْرِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ إنَّهُمْ يُوقِعُونَ أَشْعَارًا مَعَ الطَّقْطَقَةِ بِالْقَضِيبِ

عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَدِيمِ، وَيَقُومُ بَعْضُهُمْ يَرْقُصُ، وَيَتَوَاجَدُ حَتَّى يَخِرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَيُحْضِرُونَ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ هَلْ الْحُضُورُ مَعَهُمْ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَا شَيْخُ كُفَّ عَنْ الذُّنُوبِ ... قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالزَّلَلْ وَاعْمَلْ لِنَفْسِك صَالِحًا ... مَا دَامَ يَنْفَعُكَ الْعَمَلْ أَمَّا الشَّبَابُ فَقَدْ مَضَى ... وَمَشِيبُ رَأْسِك قَدْ نَزَلْ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ مَذْهَبُ هَؤُلَاءِ بَطَالَةٌ، وَجَهَالَةٌ، وَضَلَالَةٌ، وَمَا الْإِسْلَامُ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا الرَّقْصُ، وَالتَّوَاجُدُ فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ أَصْحَابُ السَّامِرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ قَامُوا يَرْقُصُونَ حَوَالَيْهِ، وَيَتَوَاجَدُونَ فَهُوَ دِينُ الْكُفَّارِ، وَعُبَّادِ الْعِجْلِ، وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الزَّنَادِقَةُ لِيُشْغِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ مِنْ الْوَقَارِ فَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْحُضُورِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُمْ، وَلَا يُعِينَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ.
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِكِتَابِ النَّهْيِ عَنْ الْأَغَانِي: وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى يَسْتَتِرُ أَحَدُهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ إذَا وَاقَعَهَا، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَتُوبُ إلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ كَثُرَ الْجَهْلُ، وَقَلَّ الْعِلْمُ، وَتَنَاقَصَ الْأَمْرُ حَتَّى صَارَ أَحَدُهُمْ يَأْتِي الْمَعْصِيَةَ جِهَارًا ثُمَّ ازْدَادَ الْأَمْرُ إدْبَارًا حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ، وَفَّقَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاهُمْ اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ، وَاسْتَهْوَى عُقُولَهُمْ فِي حُبِّ الْأَغَانِي، وَاللَّهْوِ، وَسَمَاعِ الطَّقْطَقَةِ، وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ الدِّينِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَاهَرَتْ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَاقَّتْ بِهِ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَالَفَتْ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ

وَحَمَلَةَ الدِّينِ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَمَّا رَخَّصَ فِيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ الْغِنَاءِ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُهُ عِنْدَنَا الْفُسَّاقُ، وَنَهَى عَنْ الْغِنَاءِ، وَاسْتِمَاعِهِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ يَكْرَهُ الْغِنَاءَ، وَيَجْعَلُهُ مِنْ الذُّنُوبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ سُفْيَانَ وَحَمَّادٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا نَعْلَمُ أَيْضًا بَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ خِلَافًا فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ، وَالْمَنْعِ مِنْهُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ: إنَّ الْغِنَاءَ لَهُمْ مَكْرُوهٌ، وَيُشْبِهُ الْبَاطِلَ، وَالْمُحَالَ، أَمَّا سَمَاعُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ لَهُ فَإِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَكْشُوفَةً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَصَاحِبُ الْجَارِيَةِ إذَا جَمَعَ النَّاسَ لِسَمَاعِهَا فَهُوَ سَفِيهٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَغَلَّظَ الْقَوْلَ فِيهِ قَالَ: هُوَ دِيَاثَةٌ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ دَيُّوثًا، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ الطَّقْطَقَةَ بِالْقَضِيبِ، وَيَقُولُ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ لِيُشْغِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا الْعُودُ، وَالطُّنْبُورُ، وَسَائِرُ الْمَلَاهِي فَحَرَامٌ، وَمُسْتَمِعُهُ فَاسِقٌ، وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ مَاتَ مِيتَةَ الْجَاهِلِيَّةِ» ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ مُخَالِفَةٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْغِنَاءَ دِينًا، وَطَاعَةً، وَرَأَتْ إعْلَانَهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَالْجَوَامِعِ، وَقَدْ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالِاحْتِيَاطِ لِدِينِهِمْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَإِنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِالدِّينِ، وَمُدَّعُونَ الْوَرَعَ وَالزُّهْدَ حَتَّى تُوَافِقَ بَوَاطِنُهُمْ ظَوَاهِرَهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] الْآيَةَ قَالَ: الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ: هُوَ الْغِنَاءُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهْوُ الْحَدِيثِ الْغِنَاءُ، وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] قَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْغِنَاءِ، وَالْمَزَامِيرِ ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: 64] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كُلُّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ خَيْلِ إبْلِيسَ وَرَجْلِهِ

﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء: 64] قَالَ قَوْمٌ: كُلُّ مَالٍ أُصِيبَ مِنْ حَرَامٍ، وَأُنْفِقَ فِي حَرَامٍ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مُشَارَكَتُهُ لَنَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ مَا يُزَيِّنُهُ لَنَا مِنْ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ يُزَيِّنُ لَنَا الْحِنْثَ فِيهَا فَنَطَأُ الْفُرُوجَ بَعْدَ الْحِنْثِ، وَنَكْتَسِبُ الْأَمْوَالَ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: 59] ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم: 60] ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 61] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: سَامِدُونَ هُوَ الْغِنَاءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْغِنَاءُ لِقَوْلِ أَهْلِ الْيَمَنِ سَمَدَ فُلَانٌ إذَا غَنَّى، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِهِ الزَّاهِي بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ» زَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] زَادَ غَيْرُهُ «وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا رَفَعَ رَجُلٌ عَقِيرَتَهُ أَيْ صَوْتَهُ بِالْغِنَاءِ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ شَيْطَانَيْنِ يَرْتَدِفَانِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ لَا يَزَالَانِ يَضْرِبَانِ بِأَرْجُلِهِمَا عَلَى صَدْرِهِ، وَأَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى صَدْرِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْكُتُ» ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ إبْلِيسُ أَوَّلَ مَنْ نَاحَ، وَأَوَّلَ مَنْ غَنَّى» ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي آخِرَ الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مُسْلِمُونَ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُصَلُّونَ، وَيَصُومُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَمَا بَالُهُمْ؟ قَالَ اتَّخَذُوا الْمَعَازِفَ، وَالْقَيْنَاتِ، وَالدُّفُوفَ، وَشَرِبُوا هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ فَبَاتُوا عَلَى شَرَابِهِمْ فَأَصْبَحُوا، وَقَدْ مُسِخُوا» ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ: إذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ

شَرِّهِ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاُتُّخِذَتْ الْقَيْنَاتُ، وَالْمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا» ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَوْ الْقِيَامَةِ إضَاعَةُ الصَّلَوَاتِ، وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ، وَتَكُونُ أُمَرَاءُ خَوَنَةٌ، وَوُزَرَاءُ فَسَقَةٌ فَقَالَ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَبِي، وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا كَائِنٌ قَالَ: نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَهَا يُكَذَّبُ الصَّادِقُ، وَيُصَدَّقُ الْكَاذِبُ، وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ الْمُؤْتَمَنُ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْكَذِبُ ظَرْفًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، إنَّ أَذَلَّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْمُؤْتَمَنُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِالْمَخَافَةِ يَذُوبُ قَلْبُهُ فِي جَوْفِهِ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ هَمًّا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ، عِنْدَهَا يَا سَلْمَانُ يَكُونُ الْمَطَرُ قَيْظًا، وَالْوَلَدُ غَيْظًا، وَالْفَيْءُ مَغْرَمًا، وَالْمَالُ دُوَلًا، يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكْتَفِي الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَتَرْكَبُ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ السُّرُوجَ فَعَلَيْهِمْ مِنْ أُمَّتِي لَعْنَةُ اللَّهِ، يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَجْفُو الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، وَيَبَرُّ صَدِيقَهُ، وَيَحْتَقِرُ السَّيِّئَةَ قَالَ: أَوَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ تُزَخْرَفُ الْمَسَاجِدُ كَمَا تُزَخْرَفُ الْكَنَائِسُ، وَالْبِيَعُ، وَتُطَوَّلُ الْمَنَابِرُ، وَتَكْثُرُ الصُّفُوفُ، وَالْقُلُوبُ مُتَبَاغِضَةٌ، وَالْأَلْسُنُ مُخْتَلِفَةٌ دِينُ أَحَدِهِمْ لَعْقَةٌ عَلَى لِسَانِهِ إنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِنْ مُنِعَ كَفَرَ قَالَ: أَوَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَهَا يُغَارُ عَلَى الْغُلَامِ كَمَا يُغَارُ عَلَى الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ، وَيُخْطَبُ كَمَا تُخْطَبُ النِّسَاءُ قَالَ: أَوَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ تَحَلَّى ذُكُورُ أُمَّتِي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، عِنْدَ ذَلِكَ يَأْتِي مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَوْمٌ يَلُونَ أُمَّتِي، فَوَيْلٌ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ قَوِيِّهِمْ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ تُحَلَّى الْمَصَاحِفُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَيَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ بِأَصْوَاتِهِمْ، وَيُنْبَذُ كِتَابُ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُ الرِّبَا، وَيَظْهَرُ الزِّنَا، وَيَتَهَاوَنُ النَّاسُ بِالدِّمَاءِ، وَلَا يُقَامُ يَوْمَئِذٍ بِنَصْرِ اللَّهِ يَا سَلْمَانُ تَكْثُرُ الْقَيْنَاتُ، وَتُشَارِكُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي

التِّجَارَةِ، عِنْدَ ذَلِكَ يُرْفَعُ الْحَجُّ فَلَا حَجَّ، تَحُجُّ أُمَرَاءُ النَّاسِ تَنَزُّهًا وَلَهْوًا، وَأَوَاسِطُهُمْ لِلتِّجَارَةِ، وَقُرَّاؤُهُمْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَفُقَرَاؤُهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ» ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَسْبُ الْمُغَنِّي، وَالْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ، وَكَسْبُ الزَّانِيَةِ سُحْتٌ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَ الْجَنَّةَ لَحْمًا نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ» قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَأَيْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَجَابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ يَرْتَمِيَانِ، فَمَلَّ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ فَقَالَ الْآخَرُ أَجْلَسْت سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ لَهْوٌ، وَسَهْوٌ إلَّا أَرْبَعُ خِصَالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ زَوْجَتَهُ، وَتَعْلِيمُهُ السِّبَاحَةَ» قَالَ قَتَادَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ قَالَ يَا رَبِّ: لَعَنَتْنِي فَمَا عِلْمِي؟ قَالَ: السِّحْرُ قَالَ: فَمَا قِرَاءَتِي؟ قَالَ: الشِّعْرُ قَالَ: فَمَا كِتَابَتِي؟ قَالَ: الْوَشْمُ قَالَ: فَمَا طَعَامِي قَالَ: كُلُّ مَيْتَةٍ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَمَا شَرَابِي؟ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ قَالَ: فَأَيْنَ مَسْكَنِي؟ قَالَ الْأَسْوَاقُ قَالَ: فَمَا صَوْتِي؟ قَالَ الْمَزَامِيرُ قَالَ: فَمَا مَصَائِدِي؟ قَالَ: النِّسَاءُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ ضَرْبِ الدُّفِّ، وَلَعِبِ الطَّبْلِ، وَصَوْتِ الْمِزْمَارِ» ، وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ، وَالنَّوْمُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ، وَالضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالرَّنَّةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَالْمِزْمَارُ.» . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا شَرِبَ الْعَبْدُ الْمَاءَ عَلَى شِبْهِ الْمُسْكِرِ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ حَرَامًا، وَلَعَنَ اللَّهُ بَيْتًا فِيهِ دُفٌّ أَوْ طُنْبُورٌ أَوْ عُودٌ، وَأَخْشَى عَلَيْهِمْ الْعُقُوبَةَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ» ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَسْتُ مِنْ دَدٍ، وَلَا دَدٌ مِنِّي» قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الدَّدُ اللَّعِبُ

وَاللَّهْوُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ الدَّدُ النَّقْرُ بِالْأَنَامِلِ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَرَّأَ مِمَّا يُنْقَرُ فِي الْأَرْضِ بِالْأَنَامِلِ فَمَا بَالُك بِطَقْطَقَةِ الْقَضِيبِ قَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ الدُّفُّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ سَأَلَ إنْسَانٌ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْغِنَاءِ قَالَ أَنْهَاك عَنْهُ، وَأَكْرَهُهُ لَك قَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ اُنْظُرْ يَا ابْنَ أَخِي إذَا مَيَّزَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، مِنْ أَيِّهِمَا يَحْصُلُ الْغِنَاءُ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَعَنَ اللَّهُ الْمُغَنِّيَ، وَالْمُغَنَّى لَهُ، وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: حُبُّ السَّمَاعِ يُورِثُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْغِنَاءُ مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى مُؤَدِّبِ وَلَدِهِ: لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أَدَبِك بُغْضَ الْمَلَاهِي الَّتِي بَدْؤُهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَعَاقِبَتُهَا سُخْطُ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ الثِّقَاتِ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ أَنَّ صَوْتَ الْمَعَازِفِ، وَاسْتِمَاعَ الْأَغَانِي وَاللَّهْوَ بِهَا، يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ عَلَى الْمَاءِ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا بَنِي أُمَيَّةَ إيَّاكُمْ وَالْغِنَاءَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ الشَّهْوَةَ، وَيَهْدِمُ الْمُرُوءَةَ، وَإِنَّهُ لَيَنُوبُ عَنْ الْخَمْرِ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمُسْكِرُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ فَإِنَّ الْغِنَاءَ دَاعِيَةُ الزِّنَا، وَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ: إيَّاكَ وَالْغِنَاءَ، وَقَالَ الْمُحَاسِبِيُّ فِي رِسَالَةِ الْإِرْشَادِ الْغِنَاءُ حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ، وَقَالَ أَبُو حُصَيْنٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اُخْتُصِمَ إلَى شُرَيْحٍ فِي رَجُلٍ كَسَرَ طُنْبُورًا فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ (فَصْلٌ) وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ فَهُوَ جَاسُوسُ الْقَلْبِ، وَسَارِقُ الْمُرُوءَةِ وَالْعُقُولِ، يَتَغَلْغَلُ فِي مَكَامِنِ الْقُلُوبِ، وَيَطَّلِعُ عَلَى سَرَائِرِ الْأَفْئِدَةِ، وَيَدِبُّ إلَى بَيْتِ التَّخْيِيلِ فَيُثِيرُ كُلَّ مَا غُرِسَ فِيهَا مِنْ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ وَالسَّخَاطَةِ وَالرُّعُونَةِ، بَيْنَمَا تَرَى الرَّجُلَ وَعَلَيْهِ سَمْتُ الْوَقَارِ، وَبَهَاءُ الْعَقْلِ، وَبَهْجَةُ الْإِيمَانِ، وَوَقَارُ الْعِلْمِ كَلَامُهُ حِكْمَةٌ، وَسُكُوتُهُ عِبْرَةٌ فَإِذَا سَمِعَ اللَّهْوَ نَقَصَ عَقْلُهُ، وَحَيَاؤُهُ، وَذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ

وَبَهَاؤُهُ فَيَسْتَحْسِنُ مَا كَانَ قَبْلَ السَّمَاعِ يَسْتَقْبِحُهُ، وَيُبْدِي مِنْ أَسْرَارِهِ مَا كَانَ يَكْتُمُهُ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ بِهَاءِ السُّكُوتِ إلَى كَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَالْكَذِبِ، وَالِازْدِهَاءِ، وَالْفَرْقَعَةِ بِالْأَصَابِعِ، وَيُمِيلُ رَأْسَهُ، وَيَهُزُّ مَنْكِبَيْهِ، وَيَدُقُّ الْأَرْضَ بِرِجْلَيْهِ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْخَمْرَةُ إذَا مَالَتْ بِشَارِبِهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيَّةً دَخَلَتْ الْحَاضِرَةَ فَسُقِيَتْ نَبِيذًا، فَلَمَّا خَامَرَهَا، وَصَحَّتْ قَالَتْ: أَوَ يَشْرَبُ هَذَا نِسَاؤُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: لَئِنْ صَدَقْتُمْ فَمَا يَعْرِفُ أَحَدُكُمْ مَنْ أَبُوهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ، وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ أَسْكِنُوهُمْ رِيَاضَ الْمِسْكِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي، وَثَنَائِي، وَأَعْلِمُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَقَالَ بَعْضُ الزُّهَّادِ: الْغِنَاءُ يُورِثُ الْعِنَادَ فِي قَوْمٍ، وَيُورِثُ التَّكْذِيبَ فِي قَوْمٍ، وَيُورِثُ الْفَسَادَ فِي قَوْمٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَفَاءَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنْ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا» ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ تَعْرِفَ أَوَّلًا: حَقِيقَةَ الْغِنَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ لِلَفْظِ الْغِنَاءِ مَعْنَيَيْنِ: لُغَوِيٌّ، وَعُرْفِيٌّ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى اللُّغَوِيِّ فَقَوْلُهَا تُغَنِّيَانِ أَيْ تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ، وَنَحْنُ لَا نَذُمُّ إنْشَادَ الشِّعْرِ، وَلَا نُحَرِّمُهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الشِّعْرُ غِنَاءً مَذْمُومًا إذَا لُحِّنَ، وَصُنِعَ صَنْعَةً تُورِثُ الطَّرَبَ، وَتُزْعِجُ الْقَلْبَ، وَهِيَ الشَّهْوَةُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْغِنَاءِ لَحَّنَ، وَأَلَذَّ، وَأَطْرَبَ، فَالْمَمْنُوعُ، وَالْمَكْرُوهُ إنَّمَا هُوَ اللَّذِيذُ الْمُطْرِبُ، وَلَمْ يُعْقَلْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَوْتَهُمَا كَانَ لَذِيذًا مُطْرِبًا، وَهَذَا هُوَ سِرُّ الْمَسْأَلَةِ فَافْهَمْهُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ فِي آخِرِهِ، وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فَنَفَتْ الْغِنَاءَ عَنْهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا

أَنَّهُ مَا نُقِلَ عَنْهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا إلَّا ذَمُّ الْغِنَاءِ وَالْمَعَازِفِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَخِيهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ يَذُمُّ الْغِنَاءَ، وَقَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْهَا، وَتَأَدَّبَ بِهَا فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ أُنْشِدَ الشِّعْرُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ؟ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُنْكِرُ إنْشَادَ الشِّعْرِ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ إذَا لُحِّنَ، وَصُنِعَ صَنْعَةً تُورِثُ الطَّرَبَ، وَتُزْعِجُ الْقَلْبَ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكَمًا، وَإِنَّ مِنْ الْقَوْلِ عِيَالًا» فَالْجَوَابُ أَنَّ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: قَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَذَهَبَ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ، وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلًا فَيَتَكَلَّفُ الْعَالِمُ عِلْمَ مَا لَا يَعْلَمُ فَيَجْهَلُ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنْ الْقَوْلِ عِيَالًا فَعَرْضُك حَدِيثَك عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ، وَلَا يُرِيدُهُ.

[سَمَاع الغناء الَّذِي يشترك فِيهِ الْخَاصّ والعام]

(فَصْلٌ) وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ لَا نَسْمَعُ الْغِنَاءَ بِالطَّبْعِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَإِنَّمَا نَسْمَعُ بِحَقٍّ فَنَسْمَعُ بِاَللَّهِ، وَفِي اللَّهِ، وَلَا نَتَّصِفُ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ مَمْزُوجَةٌ بِحُظُوظِ الْبَشَرِيَّةِ قُلْنَا: إنْ زَعَمْتَ أَنَّك فَارَقْتَ طَبْعَ الْبَشَرِيَّةِ، وَصِرْت مَطْبُوعًا عَلَى الْعَقْلِ وَالْبَصِيرَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَلَائِكَةِ فَقَدْ كَذَبْت عَلَى طَبْعِك، وَكَذَبْت عَلَى اللَّهِ فِي تَرْكِيبِك وَمَا وَصَفَك بِهِ مِنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ فَارَقَ إلْفَهُ وَادَّعَى الْعِصْمَةَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنَّهُ مُفْتَرٍ كَذَّابٌ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ مُجَاهِدًا لِنَفْسِك، وَلَا مُخَالِفًا لِهَوَاك، وَلَا يَكُونَ لَك ثَوَابٌ عَلَى تَرْكِ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ وَأَصْحَابُك تُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ لَا تَفْتُرُونَ، وَتَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تُبِيحَ سَمَاعَ الْعُودِ

وَالطُّنْبُورِ وَسَائِرِ الْمَلَاهِي بِهَذَا الطَّبْعِ الَّذِي لَا يُشَارِكُك فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ (فَصْلٌ) فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ قُلْنَا؟ مَا بَلَغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ سَمِعَهُ، وَلَا فَعَلَهُ، وَهَذِهِ مُصَنَّفَاتُ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ مُصَنَّفِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَكِتَابِ النَّسَائِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى غَيْرِهَا خَالِيَةً مِنْ دَعْوَاكُمْ، وَهَذِهِ تَصَانِيفُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ الْفَتْوَى قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي شَرْقِ الْبِلَادِ وَغَرْبِهَا فَقَدْ صَنَّفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ تَصَانِيفَ لَا تُحْصَى، وَكَذَلِكَ مُصَنَّفَاتُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّهَا مَشْحُونَةٌ بِالذَّبِّ عَنْ الْغِنَاءِ، وَتَفْسِيقِ أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَلَا يَلْزَمُنَا الِاقْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ، وَنَتْرُكُ الِاقْتِدَاءَ بِالْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ، وَمِنْ هَاهُنَا زَلَّ مَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ.
نَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ سِيَّمَا وَكُلُّ مَنْ يَرَى هَذَا الرَّأْيَ الْفَاسِدَ عَارٍ مِنْ الْفِقْهِ عَاطِلٌ مِنْ الْعِلْمِ لَا يَعْرِفُ مَأْخَذَ الْأَحْكَامِ، وَلَا يَفْصِلُ الْحَلَالَ مِنْ الْحَرَامِ، وَلَا يَدْرُسُ الْعِلْمَ، وَلَا يَصْحَبُ أَهْلَهُ، وَلَا يَقْرَأُ مُصَنَّفَاتِهِ، وَدَوَاوِينَهُ، وَقَدْ قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا اسْتَرْذَلَ اللَّهُ عَبْدًا إلَّا حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ» فَمَنْ هَجَرَ أَهْلَ الْفِقْهِ، وَالْحِكْمَةِ، وَانْقَضَى عُمْرُهُ فِي مُخَالَطَةِ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالْبَطَالَةِ كَيْفَ يُؤْمَنُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا؟ ، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43] فَيَا مَنْ رَضِيَ لِدِينِهِ، وَدُنْيَاهُ، وَتَوَثَّقَ لِآخِرَتِهِ وَمَثْوَاهُ بِاخْتِيَارِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَفَتْوَاهُ إنْ كُنْت عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبِاخْتِيَارِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إنْ كُنْت تَرَى رَأْيَهُمْ كَيْفَ هَجَرْت اخْتِيَارَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلْت إمَامَك فِيهَا شَهَوَاتِك وَبُلُوغَ أَوْطَارِك وَلَذَّاتِك ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]

(فَصْلٌ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ قَالَ: رَأَيْت فِي الْمَنَامِ أَنَّ الْحَقَّ أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَحْمَدُ حَمَلْتَ وَصْفِي عَلَى لَيْلَى وَسُعْدَى لَوْلَا أَنِّي نَظَرْتُ إلَيْك فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ أَرَدْتنِي خَالِصًا لَعَذَّبْتُك قَالَ فَأَقَامَنِي مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ الْخَوْفِ فَأَرْعَدْت، وَفَزِعْت مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَقَامَنِي مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ الرِّضَا فَقُلْت يَا سَيِّدِي لَمْ أَجِدْ مَنْ يَحْمِلُنِي غَيْرَك فَطَرَحْت نَفْسِي عَلَيْك فَقَالَ: صَدَقْت مِنْ أَيْنَ تَجِدُ مَنْ يَحْمِلُك غَيْرِي؟ وَأَمَرَ بِي إلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: رَأَيْت إبْلِيسَ فِي النَّوْمِ فَقُلْت لَهُ: هَلْ تَظْفَرُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِشَيْءٍ أَوْ تَنَالُ مِنْهُمْ نَصِيبًا؟ فَقَالَ إنَّهُ لَيَعْسُرُ عَلَيَّ شَأْنُهُمْ، وَيَعْظُمُ عَلَيَّ أَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ شَيْئًا إلَّا فِي وَقْتَيْنِ وَقْتِ السَّمَاعِ، وَعِنْدَ النَّظَرِ فَإِنِّي أَنَالُ مِنْهُمْ فِتْنَةً، وَأَدْخُلُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَسُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ عَنْ السَّمَاعِ، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ فَقَالَ: لَيْتَنَا تَخَلَّصْنَا مِنْهُ رَأْسًا بِرَأْسٍ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ: إذَا رَأَيْتَ الْمُرِيدَ يُحِبُّ السَّمَاعَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِيهِ بَقِيَّةً مِنْ الْبِطَالَةِ، وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ الْأَوْلَاسِيُّ، وَكَانَ مِنْ الصُّوفِيَّةِ: رَأَيْت إبْلِيسَ فِي الْمَنَامِ، وَكَانَ عَلَى بَعْضِ سُطُوحِ أُولَاسَ، وَعَنْ يَمِينه جَمَاعَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَمَاعَةٌ، وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ نَظِيفَةٌ فَقَالَ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ: قُومُوا، وَغَنُّوا فَقَامُوا، وَغَنَّوْا فَاسْتَفْزَعَنِي طِيبُهُ حَتَّى هَمَمْت أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ السَّطْحِ، ثُمَّ قَالَ: اُرْقُصُوا فَرَقَصُوا بِأَطْيَبِ مَا يَكُونُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ مَا أُصِيبُ شَيْئًا أَدْخُلُ بِهِ عَلَيْكُمْ إلَّا هَذَا، وَقَالَ الْجَرِيرِيُّ رَأَيْت الْجُنَيْدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النَّوْمِ فَقُلْت كَيْفَ حَالُك يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ، وَبَادَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ، وَمَا نَفَعَنَا إلَّا تَسْبِيحَاتٌ كُنَّا نَقُولُهَا بِالْغَدَوَاتِ، فَأَيْنَ هَذَا يَرْحَمُك اللَّهِ مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْعُلَمَاءَ فَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107] ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: 108] ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] . (فَصْلٌ) وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَظِيمٌ مِنْ شُيُوخهمْ عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ فَقَالَ: إنَّ

الطِّفْلَ يَسْكُنُ إلَى الصَّوْتِ الطَّيِّبِ، وَالْجَمَلَ يُقَاسِي تَعَبَ السَّيْرِ، وَمَشَقَّةَ الْحُمُولِ إذَا سَمِعَ الْحِدَاءَ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ الْعَجَمِ مَاتَ، وَخَلَفَ ابْنًا صَغِيرًا فَأَرَادُوا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَقَالُوا: كَيْفَ نَصِلُ إلَى عَقْلِهِ، وَذَكَائِهِ؟ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِقَوَّالٍ فَإِنْ أَحْسَنَ الْإِصْغَاءَ عَلِمُوا كِيَاسَتَهُ، فَلَمَّا أَسْمَعُوهُ الْقَوَّالَ ضَحِكَ الرَّضِيعُ فَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَايَعُوهُ، فَالْجَوَابُ اُنْظُرُوا يَا ذَوِي الْأَلْبَابِ كَيْفَ قَادَهُمْ رُكُوبُ الْهَوَى، وَعِشْقُ الْبَاطِلِ، وَقِلَّةُ الْحِيلَةِ إلَى هَذِهِ السَّخَافَةِ وَحَسْبُك مِنْ مَذْهَبٍ إمَامُهُمْ فِيهِ - الْأَنْعَامُ، وَالصِّبْيَانُ فِي الْمَهْدِ، وَهَكَذَا يَفْضَحُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ اتَّبَعَ الْبَاطِلَ، وَحَسْبُك مِنْ عُقُولٍ لَا تَقْتَدِي بِأَحْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، وَتَقْتَدِي بِالْإِبِلِ فَلَئِنْ كَانَ كُلُّ مَا طَرِبَتْ بِهِ الْبَهَائِمُ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فَإِنَّا نَرَى الْبَهِيمَةَ تَدُورُ عَلَى أَمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَتَرْكَبُ بِنْتَهَا فَيَلْزَمُ الِاقْتِدَاءُ بِالْبَهِيمَةِ فِي مِثْلِ هَذَا

[فَصْلٌ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ]

(فَصْلٌ) فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ: فَالْجَوَابُ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: وَلَا تُعْجِبُنِي الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ، وَلَا أُحِبُّهُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْغِنَاءَ، وَيُضْحَكُ بِالْقُرْآنِ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ أَقْرَأُ مِنْ فُلَانٍ قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْجَوَارِيَ يُعَلَّمْنَ ذَلِكَ كَمَا يُعَلَّمْنَ الْغِنَاءَ أَيْنَ هَذَا مِنْ الْقِرَاءَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهَا؟ ، قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنِي النَّبْرُ، وَالْهَمْزُ يَقُولُ لَا يُرَجَّعُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا يُقْطَعُ بِالْأَلْحَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِزِيَادَةِ هَمَزَاتٍ فِي الْقُرْآنِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْقُرْآنِ لَا تَجُوزُ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ: هَلْ يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِي الطُّرُقَاتِ؟ قَالَ: لَا إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ، وَأَمَّا الَّذِي يُدِيمُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ قِيلَ لَهُ فَالرَّجُلُ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ أَيَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ مَاشِيًا؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي السُّوقِ، وَسُئِلَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ قَالَ: لَيْسَ مَوْضِعَ قِرَاءَةٍ، وَإِنْ قَرَأَ الْإِنْسَانُ الْآيَةَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قِيلَ لَهُ فَالرَّجُلُ يَخْرُجُ إلَى قَرْيَتِهِ فَيَقْرَأُ مَاشِيًا قَالَ: نَعَمْ قَالَ: سَحْنُونَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الرَّاكِبُ، وَالْمُضْطَجِعُ، وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ قَالَ: مَا أَجْوَدُ ذَلِكَ لِمَنْ أَطَاقَهُ قَالَ مَالِكٌ

وَلَمْ تَكُنْ الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ قَالَ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ فِي الْمَسْجِدِ.
فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» فَالْمَعْنَى مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَاسْتِمَاعِهِ لِنَبِيِّ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْغِنَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ فِي آخِرِ الْخَبَرِ فَقَالَ: يُجْهَرُ بِهِ قَالَ: مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: 2] أَيْ سَمِعَتْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ تَلْحِينُ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّحْبِيرُ وَالتَّحْزِينُ.
قَالَ: عِيسَى الْغِفَارِيُّ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَاطَ السَّاعَةِ فَقَالَ: بَيْعُ الْحُكْمِ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَالِاسْتِخْفَافُ بِالذِّمَمِ، وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ، وَأَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ، وَلَا بِأَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً» فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّحْزِينُ قَالَ شُعْبَةُ: نَهَانِي أَيُّوبُ أَنْ أَتَحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَخَافَةَ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْنَا لَحَكَيْتُ تِلْكَ الْقِرَاءَةِ» ، وَقَدْ رَجَعَ، وَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ يَعْنِي بِالْقُرْآنِ.
وَهَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَقَالَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَرَى أَحَدًا (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَغْنَى مِنْهُ، وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا، وَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا أَوْ صَغَّرَ عَظِيمًا» ، وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: نِعْمَ كَنْزُ الصُّعْلُوكِ آلُ عِمْرَانَ يَقُومُ بِهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّغَنِّيَ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ دُونَ الصَّوْتِ قَوْلُ الْأَعْشَى: وَكُنْت امْرَأً زَمِنًا بِالْعِرَاقِ ... عَفِيفَ الْمَنَامِ طَوِيلَ التَّغَنِّي

قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ يُرِيدُ الِاسْتِغْنَاءَ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: تَغَنَّيْت تَغَنِّيًا، وَتَغَانَيْت تَغَانِيًا بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْت قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ يُعَاتِبُ أَخَاهُ: كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ... وَنَحْنُ إذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيًا ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَرَرْت عَلَى عَجُوزٍ مِنْ الْعَرَبِ قَدْ اعْتَقَلَتْ شَاةً فِي بَيْتِهَا فَقُلْت لَهَا: مَا تُرِيدِينَ بِهَذِهِ الشَّاةِ قَالَتْ: نَتَغَنَّى بِهَا يَا هَذَا، تُرِيدُ نَسْتَغْنِي، وَقَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: مَنْ تَلَذَّذَ بِأَلْحَانِ الْقُرْآنِ حُرِمَ فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَنْتُمْ أَقْرَأُ أَلْسِنَةً، وَنَحْنُ أَقْرَأُ قُلُوبًا، وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ نَحْنُ قَوْمٌ ثَقُلَتْ عَلَيْنَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَخَفَّ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِهِ، وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِهِ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَيَقْرَأَنَّ رِجَالٌ الْقُرْآنَ هُمْ أَحْسَنُ أَصْوَاتًا مِنْ الْمَعَازِفِ، وَمِنْ حُدَاةِ الْإِبِلِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ أَمْعَنَ، وَأَجَادَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَهُ أَتَمَّ بَيَانٍ، وَأَحْسَنَهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ هُنَاكَ إذْ إنَّ هَذَا الْكِتَابِ يَضِيقُ عَمَّا أَتَى بِهِ، وَمَا ذَكَرَ إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ

[فَصْلٌ اتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ وَالتَّنَافُسُ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ]

(فَصْلٌ) ، ثُمَّ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمِمَّا اُشْتُهِرَتْ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ اتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ، وَالتَّنَافُسُ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» قَالَ: أَبُو جُحَيْفَةَ أَكَلْت ثَرِيدًا بِلَحْمٍ سَمِينٍ فَتَجَشَّيْت عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «اُكْفُفْ عَنَّا جُشَاءَك فَإِنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا» ، وَرُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «جَاءَتْ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ؟ قَالَتْ: قُرْصٌ خَبَزْتُهُ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُك بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ فَقَالَ: أَمَا إنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيك مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ، وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ لَوْ أَنَّ الْجُوعَ

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل