المدخل لابن الحاجصفحات 138-177
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب

صفحات 138-177
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مِنْهُ وَهُوَ حَارٌّ حَتَّى تَشْبَعَ ثُمَّ نَمْ - فَفَعَلَ فَوَجَدَ الْعَافِيَةَ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ كَانَتْ مُرَبَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا.
وَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ «وَأُعْطِ كُلَّ جَسَدٍ مَا عَوَّدْته» وَقَدْ تَقَدَّمَ

[فَصْلٌ الطَّبِيبُ إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ عَافِيَةُ الْمَرِيضِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ عَافِيَةُ الْمَرِيضِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلْيَسْأَلْ عَنْ وَالِدَيْ الْمَرِيضِ فَيَطْلُبْهُ بِمُقْتَضَى حَالِ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ أَيْضًا سَبَبٌ لِلْعَافِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُرَبَّى الْمَرِيضِ.
وَقَدْ جَرَى فِي إفْرِيقِيَّةَ فِي أَيَّامِ الْمَلِكِ الْمُسْتَنْصِرِ أَنَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَّةَ أَرْسَلَ إلَيْهِ يَطْلُبُ مِنْهُ طَبِيبًا حَاذِقًا عَارِفًا وَذَكَرَ أَنَّ وَلَدَهُ مَرِيضٌ وَقَدْ عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ الَّذِينَ عِنْدَهُ عَنْ بُرْئِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ طَبِيبًا عَلَى مَا طَلَبَ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ اجْتَمَعَ الْأَطِبَّاءُ مَعَهُ عِنْدَ الْمَرِيضِ فَأَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ كَذَا فَقَالُوا: عَمِلْنَاهُ فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا، إلَى أَنْ فَرَغَتْ الْأَدْوِيَةُ الَّتِي تَدَاوَى بِهَا ذَلِكَ الْمَرِيضُ فَانْفَصَلَ الْمَجْلِسُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ ثُمَّ إنَّ الطَّبِيبَ أَرْسَلَ إلَى أُمِّ الْمَرِيضِ وَهُوَ يَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَجْتَمِعَ بِك دُونَ ثَالِثٍ، فَفَعَلَتْ؛ فَقَالَ لَهَا: إنْ كُنْت تُرِيدِينَ عَافِيَةَ وَلَدِك فَأَخْبِرِينِي ابْنُ مَنْ هُوَ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ أَبُوهُ لَا يَسْتَرِيحُ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَاهُ بَدْوِيٌّ كَانَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا فَأَعْجَبَهَا فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ بِذَلِكَ الْوَلَدِ فَقَالَ لَهَا: قَدْ اسْتَرَاحَ وَلَدُك، فَأَرْسَلَ إلَى الْمَلِكِ الْمُسْتَنْصِرِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ لَهُ جَمَلًا صَغِيرًا يَقْرُبُ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ فَقَالَ الْمُسْتَنْصِرُ إذْ ذَاكَ عَجَبًا: مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الْبَدْوِيُّ؟ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ الْجَمَلُ إلَى الطَّبِيبِ نَحَرَهُ وَشَوَى مِنْهُ شَيْئًا بَيْنَ يَدَيْ الْمَرِيضِ وَشَمَّمَهُ إيَّاهُ وَأَطْعَمَهُ مِنْهُ فَاسْتَقَلَّ مِنْ مَرَضِهِ وَوَجَدَ الْعَافِيَةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الطِّبِّ يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ

[فَصْلٌ عَلَى الطَّبِيبِ النَّظَرُ فِي الْقَارُورَةِ]

(فَصْلٌ) وَآكَدُ مَا عَلَى الطَّبِيبِ وَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الْقَارُورَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ قَبْلُ تَخْمِينٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَرَضِ وَالْقَارُورَةُ أَبْيَنُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا لَوْنًا إلَّا الْمَاءَ، فَإِنَّهُ عَزَّ

وَجَلَّ خَلَقَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ لَوْنًا فَلَوْنُهُ لَوْنُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ أَحْمَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَرْجِعُ الْمَاءُ فِي لَوْنِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَاءُ إذَا دَخَلَ فِي جَوْفِ الْمَرِيضِ تَغَيَّرَ إلَى حَالَةِ الْمَرَضِ الَّذِي يَشْكُو بِهِ الْمَرِيضُ فَيَعْرِفُ الطَّبِيبُ إذْ ذَاكَ الْعِلَّةَ أَوْ يَقْرُبُ فِيهَا مِنْ الْيَقِينِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْأَطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ إذَا وَصَفَ لَهُمْ الْمَرِيضُ مَا بِهِ أَوْ وَصَفَ لَهُمْ عَنْهُ لَا يَأْخُذُونَ بِهِ، وَلَا يُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَارُورَةِ فَإِنَّهَا لَا تُخْطِئُ فِي الْغَالِبِ فَيَعْرِفُ الطَّبِيبُ إذَا رَآهَا مَا بِالْمَرِيضِ مِنْ الشَّكْوَى فَيَعْمَلُ الطَّبِيبُ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ مَرِضَ سَيِّدِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَجْلَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَدِينَةِ تُونُسَ وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ وَقْتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَسُئِلَ أَنْ يُؤْتَى لَهُ بِالطَّبِيبِ فَامْتَنَعَ فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أَنْعَمَ لَهُمْ فَجَاءُوا بِالطَّبِيبِ فَنَظَرَ إلَى الْقَارُورَةِ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي تَشْتَكِي بِكَذَا وَكَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ تَشْتَكِي بِكَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى أَنْ عَدَّ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مَرَضًا.
وَكَانَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُخْفِي ذَلِكَ، وَلَا يَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ.
لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ» وَقَدْ تَقَدَّمَ.
لَكِنْ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ لَهُ الطَّبِيبُ ذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَسْكُتَ خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ بِالطَّبِيبِ أَنَّهُ قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ أَوْ أَنَّهُ كَذَبَ فِيمَا قَالَ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ الْكِتْمَانِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِهِ عَنْهُ قَدْ عُوِّضَ عَنْهُ ثَوَابًا آخَرَ وَهُوَ عَدَمُ تَكْذِيبِ الطَّبِيبِ وَدَفْعُ سُوءِ الظَّنِّ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَإِظْهَارُ مَعْرِفَتِهِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَيْفَ اسْتَخْرَجَ الطَّبِيبُ مِنْ الْقَارُورَةِ الْوَاحِدَةِ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ كُلَّهَا.
وَقَدْ كَانَ بِمِصْرَ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ بِقَلِيلٍ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يَجِدُ النَّاسَ مُجْتَمَعِينَ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِقَارُورَةٍ فَيَنْظُرُ فِي كُلِّ قَارُورَةٍ وَيَصِفُ الْمَرَضَ وَالدَّوَاءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَإِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ قَارُورَةٍ يَصِفُ مَا بِمَرِيضِهِ لَا يُجَاوِبُهُ بِشَيْءٍ وَيَقُولُ: حَتَّى

تَأْتِيَ الْقَارُورَةُ فَإِنَّ الْوَاصِفَ وَالْمَرِيضَ قَدْ يُخْطِئَانِ وَالْقَارُورَةُ لَا تُخْطِئُ.
فَإِذَا كَانَ الطَّبِيبُ عَارِفًا اسْتَخْرَجَ مِنْ مَاءِ الْمَرِيضِ كُلِّيَّاتِ مَا هُوَ فِيهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ حَتَّى إنَّهُ لَيَظْهَرُ لَهُ مِنْ مَائِهِ هَلْ هُوَ شَابٌّ أَوْ كَبِيرُ السِّنِّ أَوْ كَهْلٌ أَوْ صَغِيرٌ أَوْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ وَهَلْ هُوَ يَسْكُنُ فِي سُفْلٍ أَوْ عُلُوٍّ فَإِذَا كَانَ يَظْهَرُ لَهُ فِي مَاءِ الْمَرِيضِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى السُّلَّمُ الَّذِي يَصْعَدُ فِيهِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَعْرِفَ مَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ خَلَطَ.
وَقَدْ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ وَكَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّك إذَا أَتَيْت بِالْقَارُورَةِ إلَى الطَّبِيبِ وَنَظَرَ فِيهَا شَرَعَ يَسْأَلُ إذْ ذَاكَ عَمَّا يَشْكُو بِهِ الْمَرِيضُ فَلَا فَائِدَةَ إذَنْ فِي نَظَرِهِ إلَيْهَا بَلْ يَكُونُ الطَّبِيبُ يَحْكُمُ وَيَجْزِمُ بِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَاءِ يَشْكُو بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ سَبَبُهُ كَذَا وَكَذَا، وَمُعَالَجَتُهُ كَذَا وَكَذَا، لَكِنَّ الْقَارُورَةَ لَهَا شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ انْتِبَاهِ الْمَرِيضِ مِنْ نَوْمِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَنَامُ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّوْمِ فَأَوَّلُ مَا يَبُولُ مِنْ اللَّيْلِ.
وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَامِلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ مِنْ شُرُوطِهَا بِخِلَافِ مَا هُمْ يَفْعَلُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ فِي الْقَارُورَةِ بَعْضَ الْمَاءِ وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يُظْهِرُ بِهِ الطَّبِيبُ أَمْرَ الْقَارُورَةِ فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا فَإِذَا اجْتَمَعَ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَدَمُ الْمَاءِ عَلَى جِهَتِهِ وَعَدَمُ مَعْرِفَةِ الطَّبِيبِ بَقِيَ حَالُ الْمَرِيضِ مُتَزَايِدًا وَتَكْثُرُ عَلَيْهِ النَّفَقَاتُ وَيَطُولُ عَلَيْهِ الْأَمَدُ وَرُبَّمَا آلَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى الْهَلَاكِ لِعَدَمِ الصَّنْعَةِ وَسُوءِ الْمُحَاوَلَةِ

[فَصَلِّ الأشتغال بِعِلْمِ الطِّبّ]

(فَصْلٌ) وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَذَا الْعِلْمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِقِلَّةِ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إنَّهُ لَيَكَادُ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ فَإِذَا اشْتَغَلَ طَالِبٌ بِهِ نَفَعَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَعَارِفَهُ وَإِخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ وَبَقِيَ فِي قُرْبَةٍ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَأَنْتَ

تَجِدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ لِلْفَهْمِ لِذَكَائِهِ وَحِذْقِهِ ثُمَّ يَتْرُكُ الِاشْتِغَالَ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ

[عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ يَتْرُكَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ يَتْرُكَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصُّنَّاعِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْعَلِيلُ الْعَافِيَةَ وَكَانَ الْمَرِيضُ مِمَّنْ لَهُ جِدَةٌ فِي الدُّنْيَا وَثَرْوَةٌ فَإِنَّهُمْ يَخْلَعُونَ عَلَى الطَّبِيبِ خِلْعَةَ حَرِيرٍ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهَا، وَلَا أَنْ يَقْبَلَهَا، وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا لِمَنْ يَلْبَسُهَا مِنْ الرِّجَالِ إلَّا أَنْ يَقْبَلَهَا وَيُفَصِّلَهَا لِلنِّسَاءِ فَنَعَمْ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْبَسَهَا حِينَ خُلِعَتْ عَلَيْهِ، وَلَا بَعْدَهُ

[فَصْلٌ عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَلِيِّهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي الصَّدَقَةِ]

(فَصْلٌ) وَآكَدُ مَا عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَلِيِّهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي الصَّدَقَةِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «دَاوُوا مَرَضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَادْفَعُوا الْبَلَاءَ بِالصَّدَقَةِ وَاسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالصَّدَقَةِ» وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الْمَرَضِ وَالْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ شَدِيدًا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَجُهْدُ الْمُقِلِّ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي التَّمْرَةِ الَّتِي تَصَدَّقَتْ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ فَشَقَّتْهَا نِصْفَيْنِ وَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفًا» . وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنَّ الْمَرِيضَ يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَدْرِ مَا تُسَاوِي نَفْسُهُ عِنْدَهُ وَالصَّدَقَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَادِقٌ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ كَرِيمٌ مَنَّانٌ، ثُمَّ إنَّ الثَّوَابَ حَاصِلٌ بِنَفْسِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ صَحَّ صَاحِبُهَا مِنْ مَرَضِهِ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي حَقِّ مَنْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجِدُ صَدَقَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَلْ مُضَاعَفَةً إلَى سَبْعِمِائَةٍ كَمَا وَرَدَ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261] وَالصَّدَقَةُ لِلْمَرِيضِ عَامَّةٌ فِي الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
ثُمَّ إنَّهَا لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْمَرِيضِ وَإِنَّمَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ.
وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهَا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

«كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ» وَالسُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ هِيَ أَعْضَاءُ ابْنِ آدَمَ فَكَأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ: عَلَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَيُعْطِي ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً عَلَى عَدَدِ الْأَعْضَاءِ وَهَذَا عَسِيرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمَّ بَيَانٍ حِينَ «سَأَلَهُ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ حَتَّى قَالَ: رَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُ عَنْهُ» فَعَلَى هَذَا فَرَكْعَتَا الضُّحَى لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ تُجْزِئُ عَنْ ثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] وَلِأَجْلِ مَا فِيهِمَا مِنْ هَذِهِ الْبَرَكَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتهمَا فَعَلَى هَذَا فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُ مَنْ عَجَزَ وَمَنْ قَدَرَ فَالْأَمْرُ لَهُ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَالَةٌ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ مِنْ إنْفَاقِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ كَانَ اللِّسَانُ كَانَتْ الْعَيْنَانِ كَانَتْ الْيَدَانِ كَانَتْ الرِّجْلَانِ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» فَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ نَفَقَتُهَا طَاعَةُ اللَّهِ بِهَا فَاللِّسَانُ صَدَقَتُهُ وَنَفَقَتُهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تِلَاوَةُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِرَاءَةُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَرْسُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِرْشَادُ الضَّالِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللِّسَانَ مِنْهَا إشَارَةً إلَى بَاقِيهَا

[فَصْلٌ آكُدُ الْأُمُورِ عَلَى الْمَرِيضِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ]

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُسَافِرِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ حَتَّى يُوصِيَ لِأَجْلِ مَا يَتَوَقَّعُ فِي سَفَرِهِ فَهُوَ فِي الْمَرِيضِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ فِيهِ أَقْوَى.
ثُمَّ إذَا أَوْصَى فَلْتَكُنْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»

رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ وَإِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
هَذَا وَهُوَ صَحِيحٌ فَمَا بَالُك بِالْمَرِيضِ فَآكُدُ الْأُمُورِ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ لِأَجْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ هِيَ نَشْرَةٌ لِلْمَرِيضِ وَسَبَبٌ لِعَافِيَتِهِ فِي الْغَالِبِ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا النَّوْعُ كَثِيرًا قَوْمٌ يُوصُونَ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ لَهُمْ الْعَافِيَةَ فَيَصِحُّونَ مِنْ مَرَضِهِمْ.
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَا يُنَافِي مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ تُفْسِحُ لَهُ الْعُوَّادُ فِي عُمْرِهِ بِأَنْ يَقُولُوا لَهُ: لَا بَأْسَ عَلَيْك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ مَأْمُورٌ بِالْوَصِيَّةِ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَرِيضُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَيَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ لِلْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الشَّرَابِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْمَرِيضُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

ِ فَإِذَا وَصَفَ الطَّبِيبُ شَرَابَ الْمَرِيضِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي كَيْفِيَّةِ الشَّرَابِ الَّذِي وَصَفَهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زُهْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَشْرِبَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْمَعْهُودَةُ مَوْجُودَةٌ فِي أَكْثَرِ الْقُرَى وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَعْرِفُونَ تَقْوِيمَهَا وَتَرْكِيبَهَا غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ وَاحِدَةً إنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَبِيعُونَ الْأَسْمَاءَ مِثْلَ شَرَابِ الْوَرْدِ فَإِنَّهُمْ إذَا أَقَامُوهُ إنْ أُقِيمَ بِحَيْثُ يَنْفَعُ جَاءَ لَوْنُهُ إلَى السَّوَادِ فَهُمْ لَا يَضَعُونَ فِيهِ مِنْ الْوَرْدِ إلَّا مَا يُغَيِّرُهُ فَإِذَا أَفْتَى الطَّبِيبُ مَثَلًا بِأُوقِيَّةٍ مِنْ شَرَابِ الْوَرْدِ أَعْطَاهُ الشَّرَابِيُّ شَرَابًا عَقَدَ مِنْهُ بِالْمَاءِ شَرَابًا لَا طَعْمَ لِلْوَرْدِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِشَرَابِ الاسطوخودس وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمَرِيضُ يَحْسَبُ أَنَّ مَا يَشْرَبُ شَرَابُ الْوَرْدِ أَوْ شَرَابُ الاسطوخودس وَهُوَ إنَّمَا شَرِبَ السُّكَّرَ أَوْ الْعَسَلَ الَّذِي أُزِيلَتْ رَغْوَتُهُ فَلَا يَنْفَعُ الْمَرِيضَ بِشَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالْأَدْهَانِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا فَإِنَّك تَسْمَعُ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ

أَوْ دُهْنَ الْوَرْدِ، وَلَا رَائِحَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَاحِدٍ مِنْ الدُّهْنَيْنِ فَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ تُخْتَبَرَ الْأَشْرِبَةُ بِطَعْمِهَا وَكُلُّ شَرَابٍ يُتَّخَذُ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُنْقَعَ فِي الْمَاءِ مَعَ الْأَدْوِيَةِ ثُمَّ يُرْفَعَ عَلَى نَارٍ لَيِّنَةٍ حَتَّى يَأْخُذَ الْمَاءُ طَعْمَ ذَلِكَ الدَّوَاءِ وَرَائِحَتَهُ وَيَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ تَغْيِيرًا ظَاهِرًا، فَحِينَئِذٍ يُصَفَّى وَيُضَافُ إلَى صَافِي السُّكَّرِ أَوْ الْعَسَلِ وَيُعْقَدُ شَرَابًا وَلَيْسَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ بِوَزْنِ الصُّنُوجِ وَإِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يَكْتَسِبَ الطَّعْمَ أَوْ الرَّائِحَةَ وَيَتَغَيَّرَ اللَّوْنُ وَلِهَذَا السَّبَبِ قَلَّمَا أُفْتِي بِشَرَابٍ مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا أُفْتِي بِأَدْوِيَةٍ تُطْبَخُ عَلَى مَا أَكُونُ أَرْسُمُ.
وَأَمَّا الْأَدْهَانُ فَاخْتِبَارُهَا بِنَحْوِ هَذَا، وَأَفْضَلُ أَدْهَانِ الْأَدْوِيَةِ مَا كَانَ طَعْمُ الدَّوَاءِ وَرَائِحَتُهُ يُوجَدَانِ فِي الدُّهْنِ وَإِنْ كَانَ لَهُ لَوْنٌ ظَاهِرٌ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي الدُّهْنِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِخِلَافِ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَإِنَّك تَجِدُ الْأَشْرِبَةَ عِنْدَهُمْ فِي غَايَةِ الصَّفَاءِ وَالشُّرُوقِ.
وَلَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَمِلَ شَرَابًا عَلَى مُقْتَضَى الصَّنْعَةِ أَوْ بَعْضِهَا لَأَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى يَدِهِ بَلْ يُؤْذُونَهُ أَوْ يُقِيمُونَهُ مِنْ السُّوقِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِالصَّنْعَةِ عَلَى وَجْهِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ زَهْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ وَالِدَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يَقُولُ: إذَا صَفَا شَرَابُ الصَّيْدَلَانِيِّ كَدُرَ دِينُهُ، وَالصَّيْدَلَانِيّ هُوَ الْعَطَّارُ وَهُوَ عِنْدَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَبِيعُ الْأَشْرِبَةَ فَإِذَا عَمِلَ الشَّرَابَ صَافِيًا فَقَدْ غَشَّ النَّاسَ بِذَلِكَ وَإِذَا غَشَّ كَدُرَ دِينُهُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا كَانَ الطَّبِيبُ حَاذِقًا وَالصَّيْدَلَانِيّ صَادِقًا وَالْمَرِيضُ مُوَافِقًا قَلَّ لُبْثُ الْعِلَّةِ.
وَقَدْ أَعْطَى ابْنُ زَهْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَانُونًا كُلِّيًّا فِي عَمَلِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْأَدْهَانِ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ الْمُشْتَرِي لِلشَّرَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ مَنْ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِالدِّينِ وَالنَّصِيحَةِ وَيَكُونُ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِصَلَاحِ الشَّرَابِ وَفَسَادِهِ لِأَجْلِ أَنَّ الْمَرِيضَ أَقَلُّ شَيْءٍ مِنْ الْغِشِّ يَكُونُ فِيمَا يَسْتَعْمِلُهُ مِنْ الشَّرَابِ وَغَيْرِهِ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ وَقَدْ يَئُولُ إلَى التَّلَفِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَإِنْ كَانَ الشَّرَابِيُّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِالطِّبِّ أَوْ بِطَرَفٍ مِنْهُ فَيَتَأَكَّدُ

الْقَصْدُ إلَيْهِ وَإِيثَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلشَّرَابِيِّ أَنْ يَتَأَنَّى فِيمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا وَيَسْأَلَ مَنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ مِنْهُ وَيُكَرِّرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ فَرُبَّمَا غَلِطَ الطَّبِيبُ أَوْ غَفَلَ عَنْ شَيْءٍ فَيَكُونُ الشَّرَابِيُّ يَسْتَدْرِكُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الشَّرَابِيُّ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا فَيَنْبَغِي مِنْ بَابِ الْأَكْمَلِ وَالْأَحْسَنِ أَنْ لَا يَتَسَبَّبَ فِي هَذَا السَّبَبِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ التَّوَقُّفُ فِي السُّؤَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بِوَصْفِهِ عَارِفٌ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَثَلًا يَطْلُبُ أُوقِيَّتَيْنِ مِنْ شَرَابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَثَمَنُهُمَا وَاحِدٌ فَيَجْعَلُ الْأُوقِيَّتَيْنِ أَوَّلًا فِي الْمِيزَانِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هَذَا عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ وَهَذَا قَدْ مَنَعَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِلْجَهَالَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِنَ لَهُ أَوَّلًا أُوقِيَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَحَدِ الشَّرَابَيْنِ ثُمَّ يَزِنَ لَهُ بَعْدَهَا أُوقِيَّةً أُخْرَى مِنْ الشَّرَابِ الْآخَرِ.
وَهَذَا أَمْرٌ سَهْلٌ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَشَقَّةٍ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَهُ أَمْرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ الْأَسْوَاقِ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهَذَا السَّبَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ أَبْوَالُهُمْ طَاهِرَةٌ، وَلَا يَتَدَيَّنُونَ بِتَرْكِ نَجَاسَةٍ إلَّا دَمَ الْحَيْضِ فَقَطْ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالشَّرَابُ الْمَأْخُوذُ مِنْ النَّصَارَى الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ.
وَأَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِغِشِّ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُمْ شَرَابٌ فَغَالِبُ الظَّنِّ فِيهِ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ مَنْعُهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِعُلَمَائِنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ الْأَمْرِ بِإِقَامَتِهِمْ مِنْ الْأَسْوَاقِ فِي غَيْرِ هَذَا فَكَيْفَ بِهِ فِي هَذَا السَّبَبِ الَّذِي يَتَمَكَّنُونَ بِهِ مِنْ ضَرَرِ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.

وَيَنْبَغِي لِلشَّرَابِيِّ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى أَوْعِيَةِ الشَّرَابِ بِأَنْ يَصُونَهَا بِالتَّغْطِيَةِ وَأَنْ يَتَفَقَّدَهَا وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ سِيَّمَا فِي

زَمَنِ الْحَرِّ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْخَشَاشُ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيَ تَغْطِيَةَ بَعْضِهَا أَوْ غَطَّاهَا بَعْضَ تَغْطِيَةٍ فَانْكَشَفَتْ.
فَقَدْ يَدْخُلُ فِيهَا حَيَوَانٌ فَيَمُوتُ فِيهَا أَوْ يَخْرُجُ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَيَتَنَجَّسُ أَوْ يَدْخُلُهُ نَمْلٌ وَقَدْ يَكُونُ النَّمْلُ أَكَلَ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ ثُعْبَانًا أَوْ عَقْرَبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسْمُومَاتِ الَّتِي تَقْتُلُ أَوْ يَحْدُثُ بِسَبَبِهَا أَمْرَاضٌ لِمَنْ يَتَنَاوَلُهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ التَّحَفُّظَ الْكُلِّيَّ وَمَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ بَيَّنَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَاتُوا بِهَذَا النَّوْعِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إرَاقَةُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْهُ غَسْلًا بَلِيغًا وَإِرَاقَتُهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِمِثْلِهِ إذَا كَانَ سَالِمًا؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَنُصْحُ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ وَثَوَابُ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْمَنْدُوبِ

[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا قَدُمَ الشَّرَابُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا قَدُمَ الشَّرَابُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَدِيمٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَاكِهَةَ الْجَدِيدَةَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْأَشْرِبَةِ ذَهَبَتْ فَائِدَةُ مَا عُمِلَ بِالْفَاكِهَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الْعَقَاقِيرِ وَالْأَدْوِيَةِ: إنَّهَا إذَا كَانَتْ قَدِيمَةً لَا تُفِيدُ مَنْ اسْتَعْمَلَهَا أَوْ تُفِيدُ بَعْضَ فَائِدَةٍ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ بِخِلَافِ مَا يَنْدُرُ مِثْلُ خِيَارِ شَنْبَرٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَدُمَ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ جَدِيدِهِ

[فَصْلٌ فِي بائع الْأَشْرِبَة]

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّبِيبِ إذَا جَاءَ لِلْمَرِيضِ لَا يُحْضِرُ مَعَهُ أَحَدٌ إلَّا مَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَمِثْلُهُ فِي الشَّرَابِيِّ فَلَا يُسَامِحُ أَحَدًا فِي الْجُلُوسِ عِنْدَهُ لِلْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي الطَّبِيبِ وَلْيَحْرِصْ عَلَى ذَلِكَ مَهْمَا أَمْكَنَهُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ كَتُومًا لِلسِّرِّ فِيمَا يُحْكَى لَهُ مِنْ حَالِ الْمَرِيضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقّ الطَّبِيبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وُصِفَ لَهُ مَا بِالْمَرِيضِ أَنْ لَا يُحِيلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَطِبَّاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِهِمْ السَّيِّئِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الشَّرَابُ يُشْتَرَى لِصَحِيحٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الشَّرَابِيِّ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالطِّبِّ بَلْ لَا يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا إذَا كَانَ عَارِفًا بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ

وَبِالْوَزْنِ وَإِعْطَاءِ الْحَقِّ

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ نِيَّةِ الطَّبِيبِ فَالشَّرَابِيُّ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ الشَّرَابِيُّ بِمُبَاشَرَتِهِ لِعَمَلِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ فَلْتَكُنْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ إعَانَةُ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ دَائِمًا فِي عِبَادَةٍ نَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» بَلْ إعَانَةُ الْمَرْضَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ إعَانَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَصِحَّائِهِمْ لِكَثْرَةِ ضَرُورَاتِهِمْ وَقِلَّةِ مَنْ يَعْرِفُ مُحَاوَلَةَ أَمْرَاضِهِمْ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عِنْدَهُ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الطَّبِيبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ النُّضُوحَ، وَلَا يَتَسَبَّبَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ وَلِلطَّبِيبِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يَأْتِي لِلْمَرِيضِ حَتَّى يَطْلُبَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ طَبِيبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ مِمَّنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِشَيْءٍ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ فَتَتْرُكُ عِيَادَتُهُ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْ ذَلِكَ وَيَتُوبَ مِنْهُ التَّوْبَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ بَلْ يَحْصُلُ لِلْمَرِيضِ بِعِيَادَةِ الشَّرَابِيِّ وَالطَّبِيبِ مِنْ السُّرُورِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ عِيَادَةِ غَيْرِهِمَا لِمُشَارَكَتِهِمَا لَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَرِيضُ يَسْتَحِي أَنْ يُرْسِلَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا وَيَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ فَيَكُونُ إتْيَانُهُمَا لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمَا رَفْعَ كُلْفَةٍ عَنْهُ وَإِدْخَالَ سُرُورٍ عَلَيْهِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْمَرِيضُ فَقِيرًا مُنْقَطِعًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُرْسِلُهُ

[فَصْلٌ السُّنَّةَ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ]

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ تَرْكُ طُولِ الْمُكْثِ عِنْدَهُ وَالطَّبِيبُ وَالشَّرَابِيُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ الْمَرِيضِ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ فِي إطَالَةِ مُكْثِهِمَا عِنْدَهُ يَتَبَيَّنُ لَهُمَا مِنْ حَالِهِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمَا قَدْ عَرَفَا الْمَرَضَ وَمُحَاوَلَتَهُ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا نَزَلَ مِنْ دُكَّانِهِ لِضَرُورَةٍ أَنْ لَا يَتْرُكَ صَبِيًّا صَغِيرًا يَبِيعُ وَيَشْتَرِي لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مُشَارِكًا فِي عِلْمِ الطِّبِّ لِئَلَّا يَكُونَ الطَّبِيبُ قَدْ غَلِطَ فِيمَا وَصَفَ كَمَا تَقَدَّمَ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الصَّبِيِّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ الطِّبِّ فَلَا بَأْسَ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ أَهَمُّ الْأُمُورِ عِنْدَهُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الدِّينِ وَالنَّظَرَ فِيمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْآكَدُ عَلَيْهِ فَيُقَدِّمَهُ عَلَى غَيْرِهِ.
مِثَالُهُ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ أَنَّ الشَّرَابَيَّ وَالطَّبِيبَ قَدْ يَكُونَانِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ النَّفْعِ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الشَّرِيفَةِ فَإِذَا سَمِعَا الْأَذَانَ تَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ أَدَاءِ الْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ بِفُرُوضِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ بِصَدَدِهِ فَلَا يَزَالُ فِي عَمَلِ خَيْرٍ مُتَجَدِّدٍ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 54]

[فَصْلٌ غِشّ الشَّرَابِيّ]

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَطَّارِينَ مِنْ الْغِشِّ فِي سَبَبِهِمْ فَالشَّرَابِيُّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ مُحَرَّمًا عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ غِشَّ الشَّرَابِيِّ يَئُولُ إلَى إزْهَاقِ النُّفُوسِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْأَمْرَاضِ أَوْ طُولِهَا لِأَنَّ غَالِبَ مَا يُشْتَرَى مِنْهُ لِلْمَرِيضِ وَالْمَرِيضُ إذَا اسْتَعْمَلَ مَا لَا يُوَافِقُهُ تَضَرَّرَ بِذَلِكَ غَالِبًا وَقَدْ تَعْسُرُ مُدَاوَاتُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْخُذَ حَاجَةً حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ سَلَامَتَهَا مِنْ الْغِشِّ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَآكَدُ مَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ فِي دُكَّانِهِ دِمَاءَ اللِّسَانِ الْبَلَدِيِّ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ رَدِيئَةٍ: أَحَدُهَا - الْمَكْسُ وَالثَّانِي - أَنَّ الْمَكَّاسَ فِي الْوَقْتِ يَهُودِيٌّ وَالثَّالِثُ - غِشُّهُمْ فِيهِ غَالِبًا فَيَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ لِذَلِكَ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَزْغَلُونَ حَاجَةً تُسَمَّى شيرخشك بِحَاجَةٍ أُخْرَى تُسَمَّى ببيرخشك وَهُمَا مُتَشَابِهَانِ فِي الصِّفَةِ مُتَقَارِبَانِ فِي النَّفْعِ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْعِهِمْ الزَّنْجَبِيلَ بَعْدَ خَلْطِهِمْ لَهُ بِأَشْيَاءَ يَغُشُّونَهُ بِهَا مِمَّا تُشْبِهُهُ فِي الصِّفَةِ.

وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ الزَّنْجَبِيلَ الْمُرَبَّى بِخَلْطِهِ بِغَيْرِهِ فَتَقِلُّ مَنْفَعَتُهُ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَى لِلتَّدَاوِي وَإِذَا كَانَ مَغْشُوشًا بِغَيْرِهِ قَدْ يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ شَحْمَ القاوند يَجْعَلُ غَيْرَهُ فِيهِ إذْ إنَّهُ يَنْفَعُ لِلزَّمْنَى فَيَخْلِطُونَ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَيَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْغِشِّ فِي بَيْعِ الْخُولَانِ الْهِنْدِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ خَالِصًا فَمَنْ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ مِمَّا يُشْبِهُهُ عَادَ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ وَغَالِبُ مَنْ يَحْتَاجُهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِلْعَيْنَيْنِ

(فَصْلٌ) وَأَمَّا إنْ كَانَ الشَّرَابِيُّ يَشْتَرِي مِنْ قَاعَاتِ الشَّرَابِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُقَلِّلُونَ الْفَاكِهَةَ فِي الْأَشْرِبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَأْخُذَ الْوَرْدَ الْمُرَبَّى الَّذِي يَعْمَلُهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَلِّلُونَ الْوَرْدَ فِيهِ وَيَعْمَلُونَهُ بِحُثَالَةِ السُّكَّرِ وَالْأَشْيَاءِ الرَّدِيئَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُقَامُونَ مِنْ أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يُبَاشِرُونَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ مَرَضَاهُمْ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَفِي الْقَاعَاتِ وَالْمَطَابِخِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ فِي الْقَاعَاتِ لَا يَعْرِفُونَ قِوَامَ الْأَشْرِبَةِ، وَلَا مَا يُصْلِحُهَا، وَلَا مَا يُفْسِدُهَا فَيَعْمَلُونَهَا كَيْفَمَا اُتُّفِقَ وَيَبِيعُونَهَا لِلنَّاسِ كَذَلِكَ.
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّرَابَ مِمَّنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَعْقِدُ شَرَابَهُ بالجلاسة وَالتَّرْنِيقِ وَالسُّكَّرِ الْأَحْمَرِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ بِالسُّكَّرِ الطَّيِّبِ فَلَوْ نَفَرَ الْمُشْتَرِي مِنْ سَوَادِ شَرَابِهِمْ قَالُوا لَهُ: هَذَا مِنْ كَثْرَةِ الْفَاكِهَةِ فِيهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَضَمُّوا إلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمًا آخَرَ وَهُوَ الْكَذِبُ.
وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الشَّرَابَ عِنْدَهُمْ عَلَى صِنْفَيْنِ: شَرَابٌ لِأَهْلِ الْبَلَدِ وَشَرَابٌ لِلتُّجَّارِ وَأَهْلِ الْأَرْيَافِ فَالشَّرَابُ الَّذِي يُبَاعُ لِلتُّجَّارِ وَأَهْلِ الْأَرْيَافِ رَدِيءٌ فَيَعْرِضُونَ عَلَيْهِمْ الْعَيْنَ مِنْ النَّوْعِ الطَّيِّبِ فَإِذَا وَصَلَ التُّجَّارُ وَأَهْلُ الْأَرْيَافِ إلَى الْبَلَدِ

الَّذِي قَصَدُوهُ وَجَدُوهُ رَدِيئًا عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ الَّتِي رَأَوْهَا، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الرُّجُوعُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذَرُ عَلَى دِينِهِ فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ فَيَغْرَمُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ غَالِبًا وَهَذَا نَادِرٌ وُقُوعُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُدَلِّسُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا دَلَّسَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ هُوَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَأَنْوَاعُ الْغِشِّ فِي هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى بَاقِيهِ بِالضِّمْنِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَنْصَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِخَلَاصِ ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَنْصَحَ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَقْصِدُونَهُ مِنْهُ مِنْ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا يُفْعَلُ فِي الْمَطَابِخِ]

ِ اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الْمَطَابِخَ هِيَ الْأَصْلُ لِلْأَشْرِبَةِ وَفِيهَا أُمُورٌ عَدِيدَةٌ عَجِيبَةٌ يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِهَا لِيُتَحَفَّظَ مِنْهَا إذْ الْعِلْمُ قَائِمٌ يَأْمُرُ وَيَنْهَى فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَنْدَ إذَا أُتِيَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَزِنُونَهُ فِيهِ يَنْكَسِرُ بَعْضُهُ غَالِبًا وَقَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ قَبْلُ؛ فَيَقَعُ بَعْضُهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَخْتَلِطُ بِزِبْلِ الدَّوَابِّ وَالتُّرَابِ الْمُتَنَجِّسِ ثُمَّ يَضُمُّونَهُ بِمَا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَفْرَادِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إذَا طُبِخَ وَغُلِيَ وَصُفِّيَ مِنْ الْعُيُونِ طَهُرَ (فَصْلٌ) ثُمَّ إنَّ الْقَنْدَ إذَا كُسِّرَ صَحِيحُهُ فِي الْمَطْبَخِ وَجُعِلَ فِي الْجِفَانِ بَعْدَ طَبْخِهِ وَصَفُّوهُ فِي بَيْتِ التَّعْلِيقِ حَطُّوهُ فِيهِ مَكْشُوفًا فَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ بَوْلِ الْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَيْهِ سِيَّمَا الْأَيَّامُ الَّتِي يَكْثُرُ الْخَشَاشُ فِيهَا فَإِذَا أَرَادُوا دَفْنَهُ عَمَدُوا بِهِ إلَى طِينٍ فِي بَيْتِ الدَّفْنِ مُعَدٍّ لِتَغْطِيَتِهِ بِهِ وَذَلِكَ الطِّينُ مَعَ كَوْنِهِ فِي بُيُوتٍ مُظْلِمَةٍ مَكْشُوفَةٍ يَدْخُلُ الصُّنَّاعُ إلَى بَيْتِ الْخَلَاءِ حُفَاةً وَيَمْشُونَ كَذَلِكَ فِي الطَّرَقَاتِ عَلَى النَّجَاسَاتِ - وَبَيْتُ الْخَلَاءِ وَالطُّرُقَاتُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ - ثُمَّ يَمْشُونَ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الطِّينِ فَيَدُوسُونَهُ بِهَا وَالْغَالِبُ أَنَّ الْفَأْرَةَ

قَدْ سَكَنَتْ وَوَلَدَتْ فِي ذَلِكَ الطِّينِ فَإِذَا دَاسُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ قَتَلُوا أَوْلَادَهَا فَيَخْتَلِطُونَ بِالطِّينِ عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ أَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الطِّينَ قَدْ تَنَجَّسَ بِمَوْتِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ عَلَى وُجُوهِ الْجِفَانِ طَرِيًّا عِنْدَ دَفْنِهِ فَيَتَشَرَّبُ السُّكَّرَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ الْمُتَنَجِّسِ ثُمَّ يُعِيدُونَهُ إلَى بَيْتِ التَّعْلِيقِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ

[فَصْلٌ الْخَابِيَةُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا السُّكَّرُ]

فَصْلٌ وَأَمَّا الْخَابِيَةُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا السُّكَّرُ فَإِنَّهُمْ إذَا مَشَوْا فَوْقَهَا حُفَاةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ كَوْنِهَا مُنْغَسِلَةً وَأَرَادُوا غَسْلَهَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ مَعَهَا.
وَأَمَّا الْقَطَّارَةُ فَأَوْعِيَتُهَا مُفَتَّحَةٌ مَكْشُوفَةٌ مَأْوًى لِلْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَسْمِطُونَهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِيَأْخُذُوا مِنْهَا مَا يَبِسَ فِيهَا لَا لِأَجْلِ تَطْهِيرِهَا فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ غُسَالَةٌ رَدِيئَةٌ لِأَجْلِ قَذَارَتِهَا بِسَبَبِ مَا يَلْحَقُهَا وَهِيَ مَكْشُوفَةٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُظْلِمَةِ الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَبَوْلُهَا غَالِبًا فِي تِلْكَ الْأَوْعِيَةِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَسِيلُ مِنْ الْأَبَالِجِ فِي بَيْتِ الْقَنْدِ الَّذِي فِي الْمَطْبَخِ إذَا مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ مَعَ مَا يُغْسَلُ مِنْهُ وَهُمْ كُلَّمَا دَخَلُوا أَوْ خَرَجُوا هُنَاكَ دَاسُوا عَلَيْهِ بِأَرْجُلِهِمْ حُفَاةً كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا أَرَادُوا طَبْخَ هَذِهِ الْغُسَالَةِ جَمَعُوا الْجَمِيعَ وَغَلَوْهُ عَلَى النَّارِ وَجَعَلُوا فِيهِ قَلِيلًا مِنْ اللَّبِنِ لِتَعْلُوَ تِلْكَ الْأَوْسَاخُ عَلَى وَجْهِ الْخَابِيَةِ فَيُزِيلُونَهَا ثُمَّ يُوقِدُونَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى يَثْخُنَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ فِي الْأَمْطَارِ الْمَكْشُوفَةِ وَيَتْرُكُونَهُ مَكْشُوفًا وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَمْطَارِ الْفَأْرَةُ أَوْ زِبْلُهَا أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الدَّبِيبِ، فَمِنْهُ مَا يُوجَدُ صَحِيحًا وَمِنْهُ مَا يُوجَدُ وَقَدْ تَزَلَّعْ فَيُزِيلُونَهُ وَيَشِحُّ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الْغَالِبُ بِإِرَاقَتِهَا فَيَبِيعُهَا لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ مُتَنَجِّسَةٌ، وَلَا يُبَيِّنُ، وَلَوْ بَيَّنَ لَمْ يَجُزْ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الصُّنَّاعِ فِي الْغَالِبِ يَطْبُخُونَهَا، وَلَا يَأْخُذُونَ قِوَامَهَا لِئَلَّا تَنْقُصَ فَيَبْقَى فِيهَا مَائِيَّةٌ فَتَحْمُضُ سَرِيعًا فَمَنْ سَافَرَ بِهَا خَسِرَهَا لِسُرْعَةِ حُمُوضَتِهَا (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْقَطَّارَةُ الطَّيِّبَةُ عِنْدَهُمْ فَقَلَّ أَنْ يُخْرِجُوهَا عَلَى وَجْهِهَا بَلْ يَخْلِطُونَ فِي كُلِّ مَطَرٍ مِنْهَا عِنْدَ بَيْعِهِ شَيْئًا مِنْ مَصْلِ الْعُيُونِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَصًا

يُحَرِّكُونَ بِهَا كُلَّ مَطَرٍ حَتَّى يَدْخُلَ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَتْ فَوْقَ الْمَطَرِ رَغْوَةٌ صَفْرَاءُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الْقَطَّارَةُ سَوْدَاءَ فَتَرِقُّ بِذَلِكَ وَيَحْسُنُ لَوْنُهَا فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صَفَاءِ قَنْدِهَا وَأَنَّهَا قَطَّارَةٌ طَيِّبَةٌ عَلَى وَجْهِهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ

[فَصْلٌ فِي التَّرْنِيق]

فَصْلٌ وَأَمَّا التَّرْنِيقُ فَيَجْعَلُونَ رَدِيئَهُ فِي قَعْرِ الْجِفَانِ وَطَيِّبَهُ فِي أَعْلَاهَا ثُمَّ يَجْعَلُونَهَا فِي الْهَوَاءِ حَتَّى يَيْبَسَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلُهَا طَرِيٌّ رَدِيءٌ فَيَظُنُّ مُشْتَرِيهَا أَنَّهَا كُلَّهَا مِثْلُ أَعْلَاهَا يَابِسٌ نَقِيٌّ

(فَصْلٌ) وَأَمَّا السُّكَّرُ الْعَالِي فَلِبَعْضِهِمْ فِيهِ صِنَاعَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ مُحَاوِلَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ قُمْعَ السُّكَّرِ يُرَى ظَاهِرُهُ أَبْيَضَ فَإِذَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَمَضَى بِهِ وَكَسَرَهُ وَجَدَ بَاطِنَهُ أَحْمَرَ؛ لِأَنَّ التَّاجِرَ إذَا أَرَادَ شِرَاءَهُ إنَّمَا يُقَلِّبُ ظَاهِرَهُ فَإِنْ تَسَلَّخَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ بَيْعِهِ أَصْلَحُوهُ بِصِنَاعَتِهِمْ الرَّدِيئَةِ فَمَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ أَنَّهُ صَحِيحٌ مِنْ أَصْلِهِ فَإِذَا بَقِيَ قَلِيلًا خِيفَ عَلَيْهِ سِيَّمَا عِنْدَ رُكُوبِ الْبَحْرِ وَطُولِ السَّفَرِ وَكَثْرَةِ الشَّيْلِ وَالْحَطِّ

[فَصْلٌ قَطْرُ النَّبَاتِ]

فَصْلٌ وَأَمَّا قَطْرُ النَّبَاتِ فَلِبَعْضِهِمْ فِيهِ أَيْضًا غِشٌّ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّرِيَّ مِنْهُ هُوَ الْمَرْغُوبُ فِيهِ بِخِلَافِ قَدِيمِهِ فَإِنَّهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ فَيَأْتِي الْمُشْتَرِي فَيَجِدُهُ فِي قُدُورِهِ فَيَرْغَبُ فِي شِرَائِهِ فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ عَوَّضُوهُ عَنْهُ بِالْقَدِيمِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ فَيَجِدُهُ فِي الْقَدْرِ فَيَرْغَبُ فِيهِ فَيَشْتَرِيه مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ طَرِيٌّ وَهُوَ قَدِيمٌ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْقَدِيمِ وَهَذَا غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ بَلْ لَوْ طَالَ مُكْثُهُ فِي قُدُورِهِ خَالِصًا لَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا عِنْدَ بَيْعِهِ أَنَّهُ قَدْ صَارَ قَدِيمًا؛ لِأَنَّ الطَّرِيَّ مِنْهُ لَيْسَ كَالْقَدِيمِ

(فَصْلٌ) وَأَمَّا السُّكَّرُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ ظَاهِرُ أَسْفَلِ الْقِمْعِ أَحْمَرَ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ السُّكَّرِ الْأَبْيَضِ فَيَحُكُّ بِهِ ظَاهِرَ السُّكَّرِ الْأَحْمَرِ بِصَنْعَةٍ لَهُمْ فِيهِ

فَيَرْجِعُ كَأَنَّهُ أَبْيَضُ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَاطِنَهُ مِثْلُ ظَاهِرِهِ.
وَهَذِهِ نُبَذٌ مِمَّا يَغُشُّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ يُغْنِي عَنْ تَتَبُّعِ الْمَسَائِلِ الْبَاقِيَةِ، وَالْأَمْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ خَلَاصَ ذِمَّتِهِ وَبَرَاءَتَهَا مِنْ التَّبِعَاتِ وَوُقُوعَ الْبَرَكَةِ لَهُ حَالًا وَمَآلًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي أُجْرَةِ الصُّنَّاعِ وَالْمُؤَنِ كَشِرَاءِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُغَطِّي بِهَا وَزِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُونَ بِهِ مَا يَنُوبُهُمْ وَإِجَارَةِ مَنْ يَقُومُ بِتَغْطِيَةِ الْأَوْعِيَةِ وَصِيَانَتِهَا وَإِجَارَةِ أَمِينٍ يَلْحَظُ بِنَظَرِهِ الصُّنَّاعَ فَيَأْمُرُهُمْ بِغَسْلِ أَقْدَامِهِمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُنَبَّهَ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ قَلَّ أَنْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ أَهَمُّ أُمُورِهِ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا فَرْضٌ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ فِي أُمُورِ الْوَرَّاقَةِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَهَا يَشْتَرِطُ عَلَى الصُّنَّاعِ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ لَكِنْ لَمَّا أَنْ اعْتَادَ بَعْضُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ تَرْكَهَا اُحْتِيجَ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَطَابِخِ، وَلَوْ كَانَ الصَّانِعُ يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ وَمُسْتَأْجِرُهُ يَطْلُبُ مِنْهُ دَوَامَ الْعَمَلِ وَيَشِحُّ عَلَيْهِ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا فَهُوَ آثِمٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَدْخُلُ إيقَاعُهَا بِشُرُوطِهَا فِي الْإِجَارَةِ، وَلَوْ شُرِطَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأُجْرَةَ كَامِلَةً وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْجُمُعَةِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يَعْمَلُ عِنْدَ مَنْ هَذَا حَالُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِجْرَانِهِ فَكَيْفَ يَعْمَلُ عِنْدَهُ وَفِي نَفْسِ الْعَمَلِ عِنْدَهُ إعَانَةٌ لَهُ.

(فَصْلٌ) وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَدَّعِي مِنْ أَصْحَابِ الْمَطَابِخِ أَنَّ مَا ذُكِرَ قَبْلُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَةِ الْأَوْعِيَةِ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى ثَمَنِ الْأَغْطِيَةِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الصُّنَّاعِ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ مِمَّا يُؤْمَرُونَ بِهِ أَوْ يُنْهَوْنَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ خَلَاصُ ذِمَّتِهِ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ بِسَبَبِ نُصْحِهِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَرْضَاهُمْ يَحْتَاجُونَ لِلْغِذَاءِ

بِالسُّكَّرِ وَالْأَشْرِبَةِ فَكُلُّ مَرِيضٍ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ سُكَّرِهِ أَوْ مِنْ الشَّرَابِ الَّذِي عَمِلَهُ بِهِ لَهُ فِيهِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ مِنْ الْأَصِحَّاءِ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا هَذَا لَوْ كَانَ فِي زَمَانِ كُلِّ مَنْ يُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ يَتَحَفَّظُ فِيهِ وَيَفْعَلُ الْأَمْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ عَزَّ وُجُودُ هَذَا فَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» فَقَدْ شَهِدَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْمَعِيَّةِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ هَذَا وَهُوَ إنَّمَا أَحْيَا سُنَّةً وَاحِدَةً فَمَا بَالُك بِمَنْ أَحْيَا فَرَائِضَ عَدِيدَةً سِيَّمَا وَنَفْعُهَا مُتَعَدٍّ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَإِنْ عُدِمَ فِي قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ وَمَنْ سَأَلَ وَفَحَصَ عَمَّنْ يَشْتَرِي مِنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مَنْ هُوَ مُتَحَفِّظٌ عَلَى دِينِهِ لَكِنْ قَدْ يُعَزُّ وُجُودُهُ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكَّرَ السَّالِمَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَوْجُودٌ وَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ فِي بَعْضِ بِلَادِ الصَّعِيدِ وَيُسَمَّى الْقِفْطِيَّ وَالثَّمَنُ مُتَقَارِبٌ، وَلَوْ غَلَا ثَمَنُهُ لَتَعَيَّنَ شِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُهُ، وَلَوْ فُقِدَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِمَا يُعْمَلُ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ بَعْدَ أَنْ تَبْرُدَ حَرَارَتُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْتَدِلَ وَلِأَجْلِ عَدَمِ النَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَعْنِي التَّحَفُّظَ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَالنَّظَرُ فِي خَلَاصِ الذِّمَّةِ قَلَّ أَنْ تَرَى مَنْ يَتَسَبَّبُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إلَّا وَهُوَ يَشْكُو مِنْ عَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ قِلَّتِهَا أَوْ الْخَسَارَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْ يُعْدَمُ رَأْسُ الْمَالِ وَيُقَوَّمُ وَدُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّتِهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ النَّظَرِ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ وَفِكَاكِهَا بِنُصْحِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ وَقَعَ النُّصْحُ وَزَادَ عَلَى نَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ قَلِيلًا كَمَا تَقَدَّمَ لَجَاءَتْ الْبَرَكَاتُ تَتْرَى وَلَكَثُرَتْ الْخَيْرَاتُ لَدَيْهِ وَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66] فَكُلُّ إنْسَانٍ يَرْجِعُ عَمَلُهُ إلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَنَا الْحَقَّ حَقًّا وَيَرْزُقَنَا اتِّبَاعَهُ وَيُرِيَنَا

الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَيَرْزُقَنَا اجْتِنَابَهُ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الطَّاحُونِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَصْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ الْقُوتُ الَّذِي بِهِ الْقَوَامُ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ الْفَصْلُ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ أَكْثُرُهُ مُخْتَصًّا بِالْمَرْضَى قُدِّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَرِيضِ آكَدُ وَضَرُورَتَهُ أَشَدُّ وَالْفَحْصُ عَمَّا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ فِي حَقِّهِ مُتَأَكِّدٌ وَمُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَا مَعًا مُتَأَكِّدَيْنِ.
فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يُحْضِرَ نِيَّتَهُ وَيُحْسِنَهَا وَيُنَمِّيَهَا مَهْمَا اسْتَطَاعَ ثُمَّ يَنْوِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ تِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْعَالِمُ مِنْ بَيْتِهِ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ لِيَكُونَ فِي سَبَبِهِ وَهُوَ فِي عِبَادَةٍ مُقْبِلًا عَلَى مَوْلَاهُ فَيَقْصِدُ بِمَا هُوَ فِيهِ أَنْ يُيَسِّرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَقْوَاتَهُمْ لِكَوْنِهِ يَفْعَلُهَا عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَيَكْفِيهِمْ مُؤْنَةَ الْفِكْرِ فِيمَا هُمْ يَتَوَقَّعُونَهُ فِي الطَّحِينِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا نُقِلَ فِي الْقِدْرِ إذَا أَعَارَهَا الْإِنْسَانُ كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا طُبِخَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ إذَا أَعْطَى مِنْهُ شَيْئًا كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا طُيِّبَ بِذَلِكَ الْمِلْحِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَمَا بَالُك بِتَخْلِيصِ الْقُوتِ الَّذِي بِهِ قَوَامُ الْبِنْيَةِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّوَابَ فِي هَذَا أَعْظَمُ وَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَا يُبَاشِرُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِهِمَا وَبَيْنَ سَبَبِهِ بَلْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ مَقْصُورَانِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ عَامٌّ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ إذْ إنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى عَمَلِ الطَّاحُونِ فِي بَيْتِهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَطْحَنَ بِيَدِهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا يَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ يَطْحَنَانِ لَهُ وَصَاحِبُ الطَّاحُونِ قَدْ رَفَعَ هَذِهِ الْكُلْفَةَ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَكُونُ تَطَلُّعُهُ وَتَشَوُّقُهُ لِلرِّزْقِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا إلَى السَّبَبِ فَإِنْ شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ

يَرْزُقَهُ رَزَقَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَبْوَابَ الرِّزْقِ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا تَنْحَصِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الصُّنَّاعِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَأَدَاءَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ وَمَنْ لَمْ يَسْتَمِعْ مِنْهُمْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِي الْإِثْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ هِجْرَانُهُ وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ تَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَ مِنْهُ كَسَدَتْ عَلَيْهِ مَعِيشَتُهُ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّ تَرْكَ الشِّرَاءِ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ عَدَمِ تَغْيِيرِهِ عَلَى الصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ مِثْلُهُ عَلَى مَنْ كَانَ يَطْحَنُ لِلنَّاسِ وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يُطْحَنُ عِنْدَهُ شَيْءٌ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَعَلَّ قَائِلًا: يَقُولُ: إنَّ الْهِجْرَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا مِنْ اثْنَيْنِ حَتَّى يَتْرُكَهُ سَائِرُ الْمُشْتَرِينَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ؛ لِأَنَّهُمْ قَامُوا بِوَظِيفَةٍ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ فِي إنْكَارِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ «إذَا ظَهَرَ فِيكُمْ الْمُنْكَرُ فَلَمْ تُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّ اللَّهُ الْكُلَّ بِعَذَابٍ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّغْيِيرَ قَدْ حَصَلَ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ السُّؤَالِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ مُوجِبِ تَرْكِ شِرَاءِ الدَّقِيقِ وَغَيْرِهِ وَتَرْكِ طَحْنِ الْقُوتِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَإِذَا سَأَلَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ أَخْبَرَا بِمُوجِبِهِ فَيَشِيعُ الْأَمْرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ فَبَعْضُ النَّاسِ يَقْتَدِي وَيَهْتَدِي وَبَعْضُهُمْ يَعْلَمُ الْحُكْمَ، وَإِنْ كَانَ مُعْرِضًا عَنْ فِعْلِهِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِظُهُورِ الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَذَلِكَ خَيْرٌ عَظِيمٌ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَاحِدُ أَوْ الِاثْنَانِ لَا يُغَيِّرَانِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ مَعَهَا عَلَى التَّغْيِيرِ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا يَقُولُ كَمَقَالَتِهِمَا ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ فَيُؤَدِّي هَذَا إلَى عَدَمِ التَّغْيِيرِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَقَعُ الْعَذَابُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلُ.
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ

[فَصَلِّ مشى الصناع حفاة عَلَى بَوْل الخيل]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الصُّنَّاعَ يَفْعَلُونَ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ مَشْيِهِمْ حُفَاةً عَلَى بَوْلِ الْخَيْلِ وَدُخُولِهِمْ بَيْتَ الْخَلَاءِ حُفَاةً أَيْضًا، وَكَذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ ثُمَّ يَدُوسُونَ الْقَمْحَ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ النَّجِسَةِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلُوهَا فَيَصِيرُ مَا أَصَابَتْهُ أَقْدَامُهُمْ مِنْ الْقَمْحِ قَبْلَ غَسْلِهَا مُتَنَجِّسًا وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ فِي ذِمَّةِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَآهُمْ وَعَلِمَ بِهِمْ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ

(فَصْلٌ) وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَنْخُلُونَ الدَّقِيقَ وَنَخْلُهُ مِنْ إحْدَى الْبِدَعِ الثَّلَاثِ الْمُحْدَثَةِ أَوَّلًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الصَّانِعِ الَّذِي يُبَاشِرُ الْقَمْحَ وَيَتَوَلَّى طَحْنَهُ وَيَقِفُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ التَّحَفُّظَ الْكُلِّيَّ عَلَى الدَّقِيقِ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا فَيَتَنَجَّسُ بِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يَنْخُلُهُ فَيَأْكُلُهُ وَهُوَ مُتَنَجِّسٌ وَمَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ صَاحِبَ الدَّقِيقِ حِينَ أَخَذَهُ لَهُ لِيَعْمَلَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فِيهِ

[فَصْلٌ الرِّفْقَ بِالدَّابَّةِ الَّتِي يَطْحَنُ عَلَيْهَا]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِالدَّابَّةِ الَّتِي يَطْحَنُ عَلَيْهَا لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا - الْإِحْسَانُ إلَيْهَا بِرَاحَتِهَا مِنْ مَشَقَّةِ الْعَمَلِ قَلِيلًا.
وَالثَّانِي - لِئَلَّا يَجِيءَ فِي الطَّحْنِ خُشُونَةٌ فَيَصِيرُ كَالدَّشِيشِ سِيَّمَا إذَا طَحَنَ فِي وَقْتِ الْحَرِّ.
وَالثَّالِثُ - أَنَّ الدَّقِيقَ لَا يَزْكُو كَثِيرًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَقِيَ فِي الْقَادُوسِ قَلِيلٌ مِمَّا يُطْحَنُ أَخَذَ طَحِينًا لِشَخْصٍ آخَرَ فَيَسْكُبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ فَتَخْتَلِطُ أَقْوَاتُ النَّاسِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهِيَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمْ يُحَصِّلُ قُوتَهُ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَآخَرُ يُحَصِّلُهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ وَمَرَاتِبُهُ مُتَفَاوِتَةٌ وَآخَرُ مَكَّاسٌ أَوْ ظَالِمٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا يُرْتَضَى حَالُهُ فِي أَمْرِ دِينِهِ فَتَفْسُدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَقْوَاتُ النَّاسِ وَمَقَاصِدُهُمْ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي قَلَّ أَنْ يَتَخَلَّصَ فِيهِ الْحَلَالُ لِكَثْرَةِ الشُّبُهَاتِ فَيَتْعَبُ الْمُكَلَّفُ فِي تَحْصِيلِهِ ثُمَّ يَفْسُدُ

عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى» وَفِي الْحَدِيثِ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ» فَأَمَّا لِسَانُ الْعِلْمِ فَاَلَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ الْمُكَلَّفُ التَّحَفُّظُ عَلَى قُوتِهِ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالْحَرَامِ الْبَيِّنِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الطَّحِينُ الَّذِي قَبْلَهُ لِمَكَّاسٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا طُحِنَ قَبْلَ طَحِينِهِ تَحْتَ الْحَجَرِ فَيَخْتَلِطَ بِطَحِينِهِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْحَرَامِ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ وَالرِّزْقِ.
وَأَمَّا الْوَرَعُ فَلَا يَأْتِي إلَى الطَّاحُونِ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ طَرِيقَهُ مُنَافِيَةٌ لِحَالِ مَا يُفْعَلُ فِيهَا إذْ أَنَّ أَدْنَى الْوَرَعِ أَنْ يَعْرِفَ أَصْلَ اكْتِسَابِ الْقُوتِ مِنْ أَيْنَ هُوَ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الطَّاحُونِ بِسَبَبِ مَا يَبْقَى تَحْتَ الْحَجَرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذُكِرَ مَا جَرَى لِلْحَجَّاجِ لَمَّا أَنْ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَكَانَ أَهْلُهُ لَا يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ إلَّا هَلَكَ سَرِيعًا بِدُعَائِهِمْ عَلَيْهِ؛ فَأَمَرَهُمْ الْحَجَّاجُ أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِبَيْضَةِ دَجَاجَةٍ وَيَضَعَهَا فِي صَحْنِ الْجَامِعِ وَأَرَاهُمْ أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ ضَرُورَةً فَاسْتَخَفُّوا ذَلِكَ مِنْهُ فَفَعَلُوا ثُمَّ أَمَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنَ بَيْضَتِهِ وَأَرَاهُمْ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا أَرَادَهُ فَلَمَّا أَنْ أَخَذُوا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَيْنَ بَيْضَتِهِ فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ الْحَجَّاجُ أَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِمْ فَدَعَوْا عَلَيْهِ عَلَى عَادَتِهِمْ فَمُنِعُوا الْإِجَابَةَ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَثُرَتْ الْمَظَالِمُ الْيَوْمَ وَكَثُرَ الدُّعَاءُ عَلَى فَاعِلِهَا وَقَلَّتْ الْإِجَابَةُ أَوْ عُدِمَتْ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ الْحَرَامَ وَيَلْبَسُ الْحَرَامَ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَلَوْ سَلِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْحَالِ وَدَعَا لَاسْتُجِيبَ لَهُ عَاجِلًا» وَقَدْ وَقَعَ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ أَنَّ بَلَدًا بِبِلَادِ السُّودَانِ كَانَ السُّلْطَانُ لَا يُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَحَدًا

وَيَظْلِمُهُمْ إلَّا هَلَكَ بِدُعَائِهِمْ عَلَيْهِ فَتَحَيَّرَ السُّلْطَانُ فِي أَمْرِهِمْ فَطَلَبَ مِنْهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَنْتَ تَعْرِفُ الشَّرْطَ فَقَبِلَهُ فَوَلَّاهُ فَخَرَجَ مِنْ حِينِهِ فَغَصَبَ مِلْحًا وَبِلَادُ السُّودَانِ لَيْسَ فِيهَا مِلْحٌ وَتَرَكَهُ فِي الْبَلَدِ وَمَضَى لِسَفَرِهِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ تَرَكَ النُّزُولَ فِي مَوْضِعِ الْوِلَايَةِ وَجَلَسَ فِي الْجَامِعِ وَأَظْهَرَ الْعَدْلَ وَالْخَيْرَ وَالصَّلَاحَ فَقَالُوا لَهُ: أَلَا تَطْلُعُ إلَى مَوْضِعِك؟ فَقَالَ: لَا، مَا جِئْت إلَّا عَلَى أَنِّي وَاحِدٌ مِنْكُمْ وَفِي الْجَامِعِ يُمْكِنُنِي أَنْ أُبَاشِرَكُمْ، وَلَا أَصْدُرُ إلَّا عَنْ رَأْيِكُمْ أَوْ كَمَا قَالَ.
فَبَقِيَ كَذَلِكَ مُدَّةً فَاعْتَقَدُوهُ وَحَسَّنُوا بِهِ الظَّنَّ فَلَمَّا أَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَمَارَضَ فَاجْتَمَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَسَأَلُوهُ عَنْ مُوجِبِ مَرَضِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ الْمِلْحِ فَقَالُوا لَهُ: نَأْتِي لَك بِالْمِلْحِ فَقَالَ: إنِّي لَا أَعْرِفُ أَصْلَهُ وَإِنَّ لِي مِلْحًا بِالْبِلَادِ أَعْرِفُ جِهَتَهُ وَأَصْلَهُ فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ أُرْسِلَ مَنْ يَأْتِي بِهِ فَعَلْت وَإِلَّا فَلَا، فَأَذَنُوا لَهُ فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِي بِهِ فَلَمَّا أَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ فَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَرَكَةِ فَجَاءَ شَخْصٌ مِنْهُمْ إلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلْت بِالْمِلْحِ الَّذِي أَخَذْته؟ فَقَالَ: هُوَ ذَا لَمْ أَسْتَعْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَسْتَعْمِلْهُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ الْوَالِي أَنَّهُمْ قَدْ أَكَلُوا الْمِلْحَ طَلَعَ إلَى مَوْضِعِ الْوِلَايَةِ وَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهِمْ فَجَاءَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ إلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَقُلْ لَك: إنَّ تَحْتَ هَذَا شَيْئًا فَقَامَا مَعًا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْحَهُ مَعَهُ وَجَاءَا إلَى الْوَالِي فَوَضَعَا الْمِلْحَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَا لَهُ: إنَّا لَمْ نَسْتَعْمِلْ مِنْهُ شَيْئًا فَخَافَ مِنْهُمَا وَخَرَجَ هَارِبًا مِنْ حِينِهِ أَوْ كَمَا جَرَى.
وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا أَكَلَ الْحَلَالَ لَمْ تُرَدَّ دَعْوَتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا الَّذِي وَقَعَ بِسَبَبِ بَيْضَةٍ وَمِلْحٍ فَمَا بَالُك بِخَلْطِ الْقُوتِ فِي كُلِّ طَحْنَةٍ.
وَلَعَلَّ الصَّانِعَ يَقُولُ: إنَّ فِعْلَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُنِي غَيْرُهُ؛ لِأَنِّي إنْ صَبَرْت حَتَّى يَفْرُغَ طَحِينُ الْأَوَّلِ بِالْكُلِّيَّةِ أَخَافُ أَنْ يَنْكَسِرَ حَجَرُ الطَّاحُونِ أَوْ يَفْسُدُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ حَتَّى تَقِفَ الدَّابَّةُ وَيُبَدِّلَهَا

بِغَيْرِهَا لَكِنَّهُمْ شَحُّوا بِبَطَالَةِ الْوَقْتِ الَّذِي تُوقَفُ فِيهِ الدَّابَّةُ حَتَّى يَفْرُغَ مَا فِي الْقَادُوسِ.
فَإِنْ قَالَ الصَّانِعُ مَثَلًا: لَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَاطِ الطَّحِينَيْنِ وَإِنْ فَرَغَ مَا فِي الْقَادُوسِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ مَا تَحْتَ الْحَجَرِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ فَاغْتُفِرَ لِيَسَارَةِ أَمْرِهِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ وَلِكَوْنِ نُفُوسِ النَّاسِ تَسْمَحُ بِهِ بِخِلَافِ مَا يَبْقَى فِي الْقَادُوسِ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ النَّاسِ عَدَمُ الْمُسَامَحَةِ بِهِ لَكِنْ يَحْتَاجُ أَنْ يُرَاعَى حَالُ الشَّخْصَيْنِ فَيُسْكَبُ طَحِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقِيبَ مَنْ يُجَانِسُهُ فِي الدِّينِ وَالتَّسَبُّبِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَأَمَّا لِسَانُ الْوَرَعِ فَلَا يُسَامِحُ صَاحِبُهُ فِي الِاخْتِلَاطِ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ عَقِيبَ مَنْ يُجَانِسُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْوَرَعِ مُتَفَاوِتَةٌ بَلْ طَرِيقُ الْوَرَعِ أَنْ يَطْحَنَ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَا مِنْ تَحْتِ نَظَرِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُقْفِلُ عَلَى قُوتِهِ بِقُفْلِ حَدِيدٍ حَتَّى يُوقِنَ بِسَلَامَتِهِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ سَمِعْتُ سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّ شَيْخَهُ سَيِّدِي أَبَا الْحَسَنِ الزَّيَّاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ إذَا خَلَا بِهِ يَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ كَمْ قَرَأْت حِزْبًا عَلَى الطَّحِينِ الَّذِي طَحَنْته الْبَارِحَةَ؟ فَأَقُولُ: لَا فَيَقُولُ: قَرَأْت عَلَيْهِ رُبْعَ الْخِتْمَةِ وَمَرَّةً يَقُولُ أَكْثَرَ وَمَرَّةً يَقُولُ أَقَلَّ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَيْ يُنَبِّهَهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ.

وَالْوَرَعُ أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ فَلَيْسَ وَرَعُ الْغَرِيبِ كَوَرَعِ أَهْلِ الْبَلَدِ فَوَرَعُ الْغَرِيبِ سُوقُ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أُصُولَ الْأَشْيَاءِ غَالِبًا فَيَعْرِفُونَ الْمَوَاضِعَ الْمَغْصُوبَةَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَهْلُ الْغَصْبِ وَالظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ يَعْرِفُونَ مَنْ يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ وَالْغَرِيبُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ بِذَلِكَ فَقَدْ يَتَحَفَّظُ مِنْ جِهَةٍ وَهِيَ مِمَّا يَرْغَبُ فِيهَا وَقَدْ يَقْصِدُ إلَى جِهَةٍ وَهِيَ مِمَّا يَرْغَبُ عَنْهَا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَقَدْ كَانَ بِالْمَغْرِبِ بِمَدِينَةِ سَبْتَةَ وَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ سَمَكًا وَكَانَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ قَدْ اشْتَهَى السَّمَكَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْلِهِ لِوَرَعِهِ فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ كَانَ

مَاشِيًا عَلَى السَّاحِلِ وَإِذَا بِسَمَكَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ وَأَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي الْبَرِّ فَفَرِحَ صَاحِبُهُ إذْ ذَاكَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْيَوْمَ يَأْكُلُ سَيِّدِي الشَّيْخُ السَّمَكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ النَّظَرِ فِي الشَّبَكَةِ الَّتِي يُصَادُ بِهَا أَوْ السِّنَّارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَخَذَهَا فِي مِحْفَظَتِهِ وَأَتَى بِهَا إلَى الشَّيْخِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى وَقَالَ لَهُ مَا لَك عُذْرٌ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كُلْهَا أَنْتَ، فَقَالَ لَهُ: أَبَقِيَ لَك بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تِلْكَ الْمِحْفَظَةُ الَّتِي جِئْت بِهَا فِيهَا مِنْ أَيْنَ جِهَتُهَا وَمَا كَيْفِيَّةُ دِبَاغِهَا وَمَنْ صَنَعَهَا وَعَدَّدَ لَهُ أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ تُنْبِئُك أَنَّ الْوَرَعَ لَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ وَأَنَّ مَنْ يَتَعَانَاهُ لَا يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ الطَّاحُونِ فَضْلًا عَنْ الطَّحْنِ فِيهَا.
وَيَخْتَلِفُ الْوَرَعُ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَزْمَانِ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ حِكَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ الْخُبْزِ مُنْذُ نُهِبَتْ دَارُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: خَالَطَ أَمْوَالَ النَّاسِ الْحَرَامُ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَهُ: فَإِنْ قُلْت فَكَأَنَّ الْوَرَعَ يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَحُكْمَهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْيُسْرِ وَالسَّمَاحَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وَالْوَرَعُ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالِاحْتِيَاطِ كَمَا قِيلَ: الْأَمْرُ عَلَى الْمُتَّقِي أَضْيَقُ مِنْ عُقْدَةِ التِّسْعِينَ، ثُمَّ الْوَرَعُ مِنْ الشَّرْعِ أَيْضًا وَكِلَاهُمَا فِي الْأَصْلِ وَاحِدٌ لَكِنْ لِلشَّرْعِ حُكْمَانِ حُكْمُ الْجَوَازِ وَحُكْمُ الْأَفْضَلِ الْأَحْوَطِ فَالْجَائِزُ نَقُولُ لَهُ: حُكْمُ الشَّرْعِ، وَالْأَفْضَلُ الْأَحْوَطُ نَقُولُ لَهُ: حُكْمُ الْوَرَعِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَانْظُرْ إلَى الْحَرَامِ الْيَوْمَ وَكَثْرَتِهِ وَكَثْرَةِ التَّسَامُحِ فِيهِ وَعَدَمِ نَظَرِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فِي التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا.
فَجَاءَ مِنْ هَذَا مَا كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إذَا خَلَّصَ الْفَقِيرُ قُوتَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فِي وَقْتِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا كُلُّهَا حَرَامًا لَكَانَ قُوتُ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا حَلَالًا، إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَحُوجُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ لِأَكْلِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ

وَتَعَالَى أَخْرَجَ لَهُ قُوتَهُ حِينَ كَانَ فِي الْمَهْدِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ وَيَعْبُدَهُ مِنْ بَيْنِ ثَلَاثِ مُحَرَّمَاتٍ: الدَّمِ، وَالْفَرْثِ، وَالْأُمِّ، فَبَعْدَ أَنْ عَرَفَهُ وَعَبَدَهُ يُطْعِمُهُ الْحَرَامَ مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ يُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ مِنْ وَسَطِ الْمُحَرَّمَاتِ حَلَالًا طَيِّبًا كَمَا أَخْرَجَهُ لَهُ أَوَّلًا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَهُوَ: إنَّ الْحَرَامَ لَمَّا أَنْ عَمَّ أَمْرُهُ اُضْطُرَّ الْمُؤْمِنُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَالْمَيْتَةِ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهَا.
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَوْضَحُ وَأَظْهَرُ وَأَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صَالِحَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ وَهَذَا الْكَلَامُ يَلْهَجُ بِهِ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ هُوَ حَدِيثًا إنَّمَا هُوَ كَلَامُ هَذَا الْعَالِمِ الْفَاضِلِ

[فَصْلٌ وَزَنَ طَحِينَ إنْسَانٍ فَنَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ وَزْنِهِ الْأَوَّلِ]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَزَنَ طَحِينَ إنْسَانٍ فَنَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ وَزْنِهِ الْأَوَّلِ أَنْ يُكْمِلَهُ لَهُ مِنْ دَقِيقِ نَفْسِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَقَصَ طَحِينُ شَخْصٍ كَمَّلَهُ لَهُ مِنْ طَحِينِ شَخْصٍ آخَرَ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الطَّحِينِ الَّذِي نَقَصَ طَحِينُهُ يَرَى ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَلَا يَزْجُرُهُمْ بَلْ يَأْخُذُهُ إذَا كَمَّلُوا لَهُ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْغَصْبِ وَلُحُوقِ الْإِثْمِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِحْلَالُ مِمَّنْ أَخَذُوا لَهُ مِنْ طَحِينِهِ أَوْ غَرَامَتُهُ لَهُ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا انْتَحَلَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْقَمْحَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَلَا يُعْطِيَهُمْ ثَمَنَهُ إلَّا دَقِيقًا مُقَسَّطًا.
وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى مَا حَصَلَ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَعْتَبِرُ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ بِأَلْسِنَتِهِمَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقُوتَ أَوْلَى مَا يُحْتَاطُ لَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى» وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» وَالْمُتَشَابِهُ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ أَكْمَلُ لَكِنْ فِي الْقُوتِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ

[فَصْلٌ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى بَائِعِ الدَّقِيقِ إذَا اشْتَرَى قَمْحًا قَدِيمًا]

فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى بَائِعِ الدَّقِيقِ إذَا اشْتَرَى قَمْحًا قَدِيمًا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِمُشْتَرِي الدَّقِيقِ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ إنْ كَانَ بَعْضُهُ قَدِيمًا وَبَعْضُهُ جَدِيدًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِالشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهِ فَيُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَقَعَ فِي الْغِشِّ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِحْلَالُ مِمَّنْ بَايَعَهُ أَوْ شَارَاه فَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ إلَّا بِأَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ الدَّوَابُّ لِلرَّبِيعِ زَادُوا سِعْرَ الدَّقِيقِ إذْ ذَاكَ وَقَلَّ أَنْ يُظْهِرُوهُ لِلنَّاسِ لِيَجِدُوا بِذَلِكَ السَّبِيلَ إلَى الزِّيَادَةِ فِي السِّعْرِ وَالْقَمْحُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يُعْدَمْ وَلَمْ يَقِلَّ وَأَكْثَرُ التُّجَّارِ يُحِبُّونَ نِفَاقَ سِلَعِهِمْ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّ مَنْ يَتَّجِرُ فِي الْأَقْوَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ غُلُوَّ الْأَشْيَاءِ عَلَى إخْوَانِهِمْ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي حَقِّ بَائِعِ الدَّقِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ، بَلْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى التَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ التَّاجِرِ الَّذِي يَتَّجِرُ فِي الْأَقْوَاتِ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ: مِنْهَا أَنْ لَا يُزَاحِمَ النَّاسَ حِينَ شِرَائِهِ بَلْ يَأْتِي إلَى الشِّرَاءِ فِي آخِرِ النَّهَارِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ اشْتَرَاهُ وَإِلَّا فَلَا وَتَكُونُ نِيَّتُهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ غَلَا السِّعْرُ أَوْ رَخُصَ فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ يُمْسِكُهُ حَتَّى يَغْلُوَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَعَ تَحْرِيمِهِ تَمْحَقُ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَيَنْبَغِي مِنْ بَابِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَّجِرَ فِي الْقَمْحِ، وَلَا فِي الدَّقِيقِ، وَلَا فِي الْحُبُوبِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ غَالِبًا تُحِبُّ الزِّيَادَةَ وَطَلَبُ الزِّيَادَةِ هَاهُنَا ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَيْفَ بِك إذَا كُنْت بَيْنَ قَوْمٍ يُحَصِّلُونَ قُوتَ سَنَتِهِمْ هَذَا وَهُوَ الْقُوتُ وَحْدَهُ فَمَا بَالُك بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ فِيهِ وَشِرَاءِ الْكَثِيرِ مِنْهُ وَخَزْنِهِ لِيَنْتَظِرَ بِهِ السِّعْرَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ إذَا بَقِيَ الْقَمْحُ عَلَى

حَالِهِ وَلَمْ يَزِدْ سِعْرُهُ أَوْ زَادَ قَلِيلًا قَلَّ أَنْ يَبِيعَهُ بِذَلِكَ بَلْ يُؤَخِّرَهُ وَإِنْ كَانَ إلَى السَّنَةِ الْآتِيَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا مَا لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ السُّوسُ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَكَسْبِ السَّيِّئَاتِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ بِجَوَارِحِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا وَقَعَتْ لَهُمْ سَنَةُ غَلَاءٍ وَكَانَ عِنْدَهُ قَمْحٌ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ ثُمَّ يَشْتَرِيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ قُوتَهُ لِيُشَارِكَ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ الشِّدَّةِ وَهَذَا هُوَ حَالُ النَّاسِ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ

[فَصْلٌ لَا يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ الدَّقِيقَ مِنْ طَوَاحِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ]

فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ الدَّقِيقَ مِنْ طَوَاحِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يَطْحَنُ عِنْدَهُمْ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُعِينُ أَهْلَ الْكُفْرِ بِذَلِكَ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يَتْرُكُ إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّالِثُ - أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَسْتَعْمِلُونَ الصُّنَّاعَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي ذَلِكَ ذِلَّةٌ لِلْمُسْلِمِ وَعِزَّةٌ لِلْكَافِرِ فَيُؤْمَرُ الْمُسْلِمُ أَنْ لَا يَعْمَلَ عِنْدَهُمْ وَلَا يُعِينَهُمْ.
الرَّابِعُ - أَنَّهُمْ لَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
الْخَامِسُ - أَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِغِشِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا.
السَّادِسُ - أَنَّهُمْ إذَا شَكَرُوا سِلَعَهُمْ بِالْحُسْنِ وَالْجَوْدَةِ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى صِدْقِهِمْ بَلْ الْغَالِبُ عَكْسُهُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ وَازِعٌ وَلِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ مَجَالٌ.
السَّابِعُ - مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الصَّلِيبِ عَلَى بَابِ الطَّاحُونِ وَفِي أَرْكَانِهَا.
فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُنَزِّهَ حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ وَأَشْكَالِهَا وَقَدْ اسْتَحْكَمَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَصَارَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ بَلْ بَعْضُهُمْ يُفَضِّلُ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُعَامَلَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَذْكُرُونَ لِذَلِكَ عَلَى زَعْمِهِمْ وُجُوهًا مِنْ الْحُجَجِ لَا يَقُومُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى سَاقٍ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ لِقِيَامِ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ بِرَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ الَّذِي يَأْخُذُ الْقَمْحَ مِنْ الْبُيُوتِ وَيَأْتِي بِهِ لِلطَّحْنِ وَيَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ أَمِينًا دِينًا وَإِلَّا فَمَسْتُورُ الْحَالِ

لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ وَتَقِفُ لَهُ الْجَارِيَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْحَرَائِرِ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ يَجِيءُ فِي وَقْتٍ لَا يَكُونُ فِي الْبَيْتِ إلَّا النِّسَاءُ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ غَضَّ بَصَرَهُ وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي الْبَيْتِ إذْ ذَاكَ إلَّا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ فَتَحْصُلُ الْخَلْوَةُ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ وَإِنْ غَضَّ طَرْفَهُ.
بَلْ يَضَعُ الدَّقِيقَ عَلَى الْبَابِ وَيُعْلِمُ مَنْ فِي الْبَيْتِ بِذَلِكَ وَيَتَوَارَى قَلِيلًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ وَيَمُرُّ لِسَبِيلِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي أَخْذِهِ الْقَمْحَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ إلَّا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ الَّذِي يُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ لَا يُعْهَدُ مِنْهُ الدِّينُ، وَلَا يُعْرَفُ حَالُهُ بَلْ يَطَّلِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى سُوءِ حَالِهِ ثُمَّ يَبْعَثُهُ فَيَدْخُلُ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَالِبُ وُقُوعُ الْفِتَنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْ تَوَقُّعُهَا وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتَّخِذُ الصَّبِيَّ الَّذِي يُبَاشِرُ ذَلِكَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَحَّالِ الْيَهُودِيِّ وَمَا جَرَى لَهُ مَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا

[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ تَبْدِيدِ الْقَمْحِ]

فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الطَّاحُونِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ تَبْدِيدِ الْقَمْحِ حِينَ إتْيَانِ الْحَمَّالِينَ بِهِ إلَيْهِ وَعِنْدَ الشَّيْلِ وَالْحَطِّ وَحِينَ إعْطَائِهِ لِلصُّنَّاعِ وَمُحَاوَلَتِهِمْ لَهُ قَبْلَ الطَّحْنِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي الْوِعَاءِ خَرْقٌ فَيَزِيدُ تَبْدِيدُ الْقَمْحِ بِسَبَبِهِ وَيَبْقَى بَيْنَ الْأَرْجُلِ يَمْشِي عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ بَابِ الطَّاحُونِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَأْتُونَ بِهِ إلَيْهَا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْقُوتَ إذَا اُمْتُهِنَ يَسْتَغِيثُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُكْرِمَهُ.
وَإِذَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَفَعَ سِعْرَهُ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا جَهْدُهُ وَيَتْرُكُ مَنْ يَكْنُسُ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ وَيَلْتَقِطُ مَا يَبْقَى بَعْدَهُ، وَلَوْ بَقِيَتْ حَبَّةٌ وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مِنْ شَأْنِ النَّاسِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِمْ وَلِأَنَّ فِعْلَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْبَرَكَةِ وَإِبْقَاءِ النِّعْمَةِ عَلَى مَنْ هِيَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ فِي مَوْضِعِ وَزْنِ الدَّقِيقِ وَشَيْلِهِ وَحَطِّهِ وَالْخُرُوجِ بِهِ.
وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ عَلَى الْوِعَاءِ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَرْقٌ أَوْ قَطْعٌ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، وَلَا يَكِلُ أَمْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَى الصُّنَّاعِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ

أَنَّهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُمْ يَتَهَاوَنُونَ بِهَا فِي الْعَادَةِ وَالْعَوَائِدُ يَقِلُّ الرُّجُوعُ عَنْهَا إلَّا بِتَوْفِيقٍ مِنْ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَأْيِيدٍ.
وَالتَّحَفُّظُ عَلَى الدَّقِيقِ آكَدُ مِنْ التَّحَفُّظِ عَلَى الْقَمْحِ وَإِنْ كَانَا مَعًا مُحْتَرَمَيْنِ لَكِنَّ الدَّقِيقَ إذَا وَقَعَ وَمَشَى عَلَيْهِ بَقِيَ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ النَّاظِرِ إلَيْهِ غَالِبًا فَيُمْتَهَنُ بِالدَّوْسِ عَلَيْهِ وَقَلَّ أَنْ يَأْتِيَ إنْسَانٌ فَيُزِيلَهُ أَوْ يَحْتَرِمَهُ فَلَا يَدُوسَ عَلَيْهِ لِجَهَالَتِهِ بِهِ بَعْدُ بِخِلَافِ الْقَمْحِ فَإِنَّهُ يُرَى فِي الْغَالِبِ فَلَوْ تَرَكَهُ بَعْضُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَتَحَفَّظُ لَهُ آخَرُ مِمَّنْ يَعْرِفُ قَدْرَ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعْصِيَةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى سِيَّمَا فِي مَوْضِعِ السَّاحِلِ وَالْشُّوَنِ فَإِنَّ الْمَارَّ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ يُعَايِنُ الْقَمْحَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْحُبُوبِ يُدَاسُ بِالْأَقْدَامِ وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ تَأَكُّدًا كَبِيرًا أَنْ لَا يَمُرَّ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى الْمَشْيِ فِيهَا فَلَا يَمُرُّ بِهَا رَاكِبًا أَوْ مُنْتَعِلًا بَلْ يَحْتَفِي ثُمَّ يَمْشِي وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَإِنْ تَنَجَّسَتْ قَدَمُهُ بِمَا هُنَاكَ غَسَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا خَيْرُهَا مُتَعَدٍّ وَضَرَرُهَا مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ مَنْ يُكْرِمُ النِّعْمَةَ يُدِيمُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَبِسَبَبِ مَنْ يُهِينُهَا يَعُمُّ غُلُوُّ السِّعْرِ جَمِيعَهُمْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يُحْوِجَ أَهْلَهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ إلَى الْوُقُوفِ لِصَبِيِّ الطَّاحُونِ وَمَنْ أَشْبَهَهُ مِنْ الطَّوَّافِينَ، وَلَا يُسَامِحُهُمْ فِي ذَلِكَ بَلْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَلِّيهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ مَحَارِمِ أَهْلِهِ أَوْ عَبْدِهَا أَوْ عَبْدِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ حُصُولِ الْخَلْوَةِ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ فَإِنَّ التَّهَاوُنَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ مَا لَا يَنْبَغِي.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُسَامِحَ فِي الْوَسِيلَةِ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَدْوَاءَ إذَا وَقَعَتْ يَسْهُلُ فِي ابْتِدَائِهَا مُدَاوَاتُهَا وَيَصْعُبُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِحْكَامِهَا، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الشِّفَاءَ حَصَلَ بَعْدُ فَمَا فَاتَ لَا يُسْتَدْرَكُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْقُلُوبِ مَا حَصَلَ فِيهَا مِنْ الْمَيْلِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ فِي الْغَالِبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ

سَبَبُهُ مُخَالَفَةُ لِسَانِ الْعِلْمِ أَوَّلًا وَهَذَا التَّنْبِيهُ كَافٍ لِمَنْ فِيهِ عُرُوبِيَّةٌ وَغَيْرَةٌ إسْلَامِيَّةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْفَرَّانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

ِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ حُسْنِ النِّيَّاتِ فَمِثْلُهُ هُنَا.
لَكِنْ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْمُونَ الْفُرْنَ بِالنَّجَاسَةِ كَأَرْوَاثِ الْحَمِيرِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَتَنَجَّسُ الْفُرْنُ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ إنَّهُ إذَا أَحْمَى الْفُرْنَ رَدَّ النَّارَ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ يَأْخُذُ الْمِمْسَحَةَ الَّتِي يَمْسَحُ بِهَا وَهِيَ مَبْلُولَةٌ بِالْمَاءِ الْمُعَدِّ لِبَلِّهَا فِيهِ فَيَمْسَحُ أَرْضَ الْفُرْنِ بِهَا فَيَزِيدُ الْفُرْنَ بِهَا تَنْجِيسًا ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَتُنَجِّسُهُ وَهَذَا إنْ كَانَ الْمَاءُ أَوَّلًا طَهُورًا ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ أَنْ تَبَتَّلَ يَدُهُ بِمَسِّهِ لِلْمِمْسَحَةِ وَبِذَلِكَ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُ الْعَجِينَ بِيَدِهِ قَبْلَ غَسْلِهَا مِمَّا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ يَغْسِلُ يَدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَيَمَسُّ بِهَا الْعَجِينَ حِينَ تَنَاوُلِهِ لِرَمْيِهِ فِي الْفُرْنِ فَيَزِيدُهُ تَنْجِيسًا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْعَجِينِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَهُوَ فِي دَاخِلِ الْفُرْنِ فَيُطْعِمُ النَّاسَ الْخُبْزَ الْمُتَنَجِّسَ.
وَطَرِيقُ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمِيَ الْفُرْنَ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ مِثْلَ الْحَلْفَاءِ وَالْقَشِّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاهِرَاتِ.
وَيَجُوزُ حَمْوُهُ بِأَرْوَاثِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَيَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ فِي أَرْوَاثِ الْخَيْلِ وَأَبْوَالِهَا وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَكْلِ لُحُومِهَا وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالْجَوَازِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْخَبْزُ بِأَرْوَاثِهَا، وَقَوْلٌ ثَانٍ بِالْمَنْعِ وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ بِالْكَرَاهَةِ وَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ فَأَرْوَاثُهَا نَجِسَةٌ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَنْ وَافَقَهُ فَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ.
وَيَا لَيْتَهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَإِذَا كَانَ

ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا أَحْمَى الْفُرْنَ بِالطَّاهِرَاتِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ مُصَانٌ مِمَّنْ لَا يَتَحَفَّظُ فَإِذَا أَرَادَ تَنَاوُلَ الْعَجِينَ فَلْيَنْظُرْ أَوَّلًا إنْ كَانَتْ أَصَابَتْ يَدَهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا فَإِنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ غَسْلُ يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ طَاهِرَةً وَتَعَلَّقَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْعَرَقِ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُهَا أَيْضًا إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْذَارِ وَصَاحِبُ الْعَجِينِ لَوْ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَجِينَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ يَغُشُّ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْكُلُ الْحَرَامَ وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ تِلْكَ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعَ صَاحِبَ الْخُبْزِ عَلَى مَا جَرَى فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ لَهُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي يَبُلُّ فِيهِ الْمِمْسَحَةَ طَاهِرًا نَظِيفًا أَوَّلًا وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ طَهُورًا ثُمَّ لَا يُبَالِي بَعْدَ ذَلِكَ بِإِضَافَتِهِ مِمَّا أَصَابَهُ مِنْ الْمِمْسَحَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقْذَرًا وَيَحْذَرُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ وَمُسْتَقْذَرٌ بِالسَّوَادِ الَّذِي فِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ فَأَدْخَلَهَا فِيهِ وَغَسَلَهَا مِنْهُ لَا تَطْهُرُ بِذَلِكَ الْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبُلَّ الْمِمْسَحَةَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَلَى الْخُبْزِ إذَا حَصَلَ فِي الْفُرْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:: أَحَدُهَا - أَنْ يَحْتَرِقَ.
الثَّانِي - أَنْ تَقْوَى عَلَيْهِ النَّارُ وَلَمْ تُحْرِقْهُ كَالْأَوَّلِ.
الثَّالِثُ - أَنْ لَا يُخْرِجَهُ وَهُوَ عَجِينٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَضُرُّ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَفِيهِمَا إضَاعَةُ مَالٍ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ زَادَتْ فِي جَفَافِهَا عَنْ الرُّطُوبَةِ الْمُعْتَدِلَةِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالصَّبِيَّ الصَّغِيرَ وَالْمَرِيضَ وَمَنْ بِهِ وَجَعٌ فِي أَسْنَانِهِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ أَكْلُهُ.
وَفِيهِ ضَرَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِكُ الطَّبْعَ وَقَدْ يَحْتَاجُ بَعْضُ مَنْ يَتَنَاوَلُهُ إلَى الدَّوَاءِ وَالطَّبِيبِ بِسَبَبِ

أَكْلِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا أَخْرَجَهُ وَفِيهِ بَعْضُ عُجُونَةٌ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكَلَهُ يَتَوَلَّدُ فِي بَطْنِهِ دُودٌ لِعُفُونَتِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِنْهَا أَمْرَاضٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْأَدْوِيَةِ وَالطَّبِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِ الْخُبْزِ خُبْزَهُ إذَا أَصَابَهُ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَيَرُدُّهُ إلَى الْفُرْنِ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْطِي الْأُجْرَةَ لِلصَّانِعِ إلَّا أَنْ يُحْكِمَ صَنْعَتَهُ.
وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْخُبْزِ إذَا وَقَعَ لَهُ فِي خُبْزِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَ ذَلِكَ نَادِرًا أَنْ يُسَامِحَ الصَّانِعَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُغَرِّمَهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ شَأْنُهُ فَلَهُ اتِّسَاعٌ فِي تَغْرِيمِهِ وَتَرْكِهِ فَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَأْخُذَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَئِذٍ إنْ لَوْ كَانَ سَالِمًا مِنْ حَرْقِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَلَوْ أَرَادَ الْفَرَّانُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ الْخُبْزِ وَيَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي تَحْصِيلِ أَقْوَاتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخْتَلِطَ خُبْزُ النَّاسِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ أَنْ لَا يَخْبِزَ إلَّا فِي فُرْنِ خُبْزِ الْعَلَّامَةِ فَلْيَفْعَلْ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ لَا يُحْمُونَ الْفُرْنَ إلَّا بِالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ بِخِلَافِ الْفُرْنِ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ خُبْزُ الْبَيْتِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا لُبَابَ الرَّغِيفِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي يَدِ الْفَرَّانِ حِينَ يَرْمِيهِ فِي الْفُرْنِ إذْ إنَّ الْغَالِبَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَدَمُ الِاحْتِرَازِ.
وَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ يَخْبِزُونَ بِالْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ وَهِيَ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا، وَلَا بَيْعُهَا وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهَا إلَّا بِالْعِوَضِ لِأَجْلِ أَنَّ عِوَضَهَا عِنْدَهُمْ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لِثَمَنِ الطَّاهِرَاتِ وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بَعْضُهُمْ حُبُّ الدُّنْيَا، إذْ إنَّهُمْ بِحُبِّهَا شَحُّوا بِثَمَنِ مَا يُوقِدُونَهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى وَمَا نَحَا نَحْوَهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يَرَى مَا يَفْعَلُونَهُ أَوْ يَسْمَعُ بِهِ مَنْ هُوَ ثِقَةٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَفْعَلْ

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْتَلِسُ مِنْ خُبْزِ بَعْضِ النَّاسِ الرَّغِيفَ وَالرَّغِيفَيْنِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَلْتَفِتُ لِذَلِكَ لِجِدَّتِهِ وَيَسْتَقْبِحُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ ضَعِيفَ الْحَالِ فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ وَيَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ مِنْ الطَّلَبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ أَوْ بُخْلِهِ فَمَرَّةً يُعْطِيهِ الْفَرَّانُ ذَلِكَ وَيَعْتَلُّ لَهُ بِالْغَلَطِ أَوْ النِّسْيَانِ وَمَرَّةً يُكَابِرُهُ، وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي أُجْرَةِ الْخُبْزِ فَمَرَّةً يَرُدُّهَا عَلَيْهِ وَمَرَّةً يَرُدُّ بَعْضَهَا وَمَرَّةً لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْئًا

[فَصْلٌ الدَّقِيقَ الَّذِي يَتَبَدَّدُ عَلَى الْمَسْطَبَةِ]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الدَّقِيقَ الَّذِي يَتَبَدَّدُ عَلَى الْمَسْطَبَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْأَطْبَاقُ يَتْرُكُونَهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَكْنُسُونَهُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ وَيَمْشُونَ عَلَيْهِ بِأَقْدَامِهِمْ وَنِعَالِهِمْ وَذَلِكَ امْتِهَانٌ لِنِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيُخَافُ مِنْ عَاقِبَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الدَّقِيقِ الَّذِي يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِمَّا يَفْضُلُ فِي الْأَطْبَاقِ بَعْدَ رَمْيِ الْخُبْزِ فِي الْفُرْنِ عَلَى عَجِينِ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ مُسْتَتِرٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي الِاكْتِسَابِ لِتَحْصِيلِ الْأَقْوَاتِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّقِيقُ قَدْ اخْتَلَطَ بِدَقِيقِ مَكَّاسٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَعْوَانِهِمْ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الْخُبْزِ فِي تَغْرِيمِ الْفَرَّانِ أَوْ تَرْكِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْفَرَّانِ أَنْ يُعْطِيَ الْخُبْزَ لِصَاحِبِهِ دُونَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَا جَرَى فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَإِنْ عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ الدَّقِيقِ عَلَى خُبْزِ ظَالِمٍ أَوْ مَكَّاسٍ أَوْ أَعْوَانِهِمْ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَيَنْبَغِي لِلْفَرَّانِ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ عَلَى عَجِينِ أَحَدٍ فَلْيَفْعَلْ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ اخْتِلَاطِ أَقْوَاتِهِمْ

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُسَامِحَ فِيمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَهُ فِي الْفُرْنِ الْجَوَارِي وَالنِّسَاءُ وَالْبَنَاتُ الْأَبْكَارُ وَالشُّبَّانُ وَالرِّجَالُ وَالْعَبِيدُ وَيَتَحَدَّثُونَ هُنَاكَ بِأَشْيَاءَ سَقْطَةٍ رَذْلَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ اتِّفَاقًا وَيَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الْخُبْزِ أَنْ لَا يُرْسِلَ إلَى الْفَرَّانِ أَحَدًا مِمَّنْ يُخَافُ

عَلَيْهِ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُطِيعُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عُقُوقًا لِمَا وَرَدَ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَقَدْ تَئُولُ إلَى وُقُوعِ الْفَاحِشَة الْكُبْرَى نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَلَائِهِ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْبِزَ لِمَنْ سَبَقَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَجِينُ الْمُتَأَخِّرُ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفُ وَمَنْ سَبَقَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيُقَدِّمُهُ وَإِلَّا كَانَ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ، الْمَالِ هَذَا إذَا كَانَ نَادِرًا وُقُوعُهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِهِ فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ خُبْزُ مُشَاهَرَةٍ وَخُبْزُ نَقْدٍ يُقَدِّمُونَ صَاحِبَ النَّقْدِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَلَفِ خُبْزِ الْمُشَاهَرَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ فَوَاتَ صَاحِبِ النَّقْدِ بِخِلَافِ الْمُشَاهَرَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ آثِمًا فَإِنْ تَلِفَ خُبْزُ الْمُشَاهَرَةِ بِسَبَبِ تَأْخِيرِهِ خُبْزَ صَاحِبِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخُبْزِ الْمُحْتَرِقِ

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِالْخُبْزِ وَالنَّاسُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا الْخَمْسُ فِي جَمَاعَةٍ فَقَلَّ أَنْ يُفَكِّرَ فِيهَا غَالِبًا وَالدَّيِّنُ فِيهِمْ فِي الْغَالِبِ يُصَلِّيهَا قَضَاءً.
فَمَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِمْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ هِجْرَانُهُمْ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِمَّنْ عِنْدَهُ مِنْ خَبْزِهِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لَهُمْ وَلْيَمْضِ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ وَيَخْبِزُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَازِعٌ.

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْأَلَ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُضْطَرُّ إلَى مُعَامَلَتِهِ فِي الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ إذْ إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الْأَصْلِ وَهِيَ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ ضِدُّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَدُورُ عَلَى الْبُيُوتِ لِأَخْذِ الْعَجِينِ امْرَأَةً مُتَجَالَّةً لِأَجْلِ صِيَانَةِ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُنَاوَلَتِهِنَّ الْعَجِينَ لِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيَتَّخِذْ صَبِيًّا عَاقِلًا عَفِيفًا أَمِينًا قَدْ جُرِّبَ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ مَا تَقَدَّمَ فِي صَبِيِّ صَاحِبِ الطَّاحُونِ حِينَ أَخْذِهِ لِلْقَمْحِ مِنْ الْبُيُوتِ وَرَدِّهِ إلَيْهَا دَقِيقًا

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْخَبَّازِ الَّذِي يَعْمَلُ الْخُبْزَ لِلسُّوقِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

ِ يَنْبَغِي لِلْخَبَّازِ الَّذِي يَعْمَلُ الْخُبْزَ لِلسُّوقِ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَاحِبِ الطَّاحُونِ وَالْفُرْنِ لِيَكُونَ فِي عِبَادَةٍ وَخَيْرٍ وَتَقَرُّبٍ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالدَّقِيقِ إلَى الْفَرَّانِ أَوْ إلَى بَيْتِهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَبَدَّدَ مِنْهُ شَيْءٌ مَا فَإِنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيُزِلْهُ سَرِيعًا بِيَدِهِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا أَمَرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلْيَسْتَنِبْ عَنْهُ غَيْرَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ صُنَّاعِ الْفُرْنِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ عَلَى حِفْظِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ تَبْدِيدِ الدَّقِيقِ آكَدُ مِنْهُ فِي الْقَمْحِ كَمَا تَقَدَّمَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دَقِيقًا رَدِيئًا أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَعْمَلُ الْخُبْزَ مِنْ الدَّقِيقِ الرَّدِيءِ وَيَحْلِفُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْ الدَّقِيقِ الطَّيِّبِ وَذَلِكَ غِشٌّ وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ خَلَطَ الطَّيِّبَ بِالرَّدِيءِ مِنْهُ وَالْمُكَلَّفُ إنَّمَا يَتْعَبُ فِي السَّبَبِ وَيَدْأَبُ فِيهِ لِيَأْكُلَ حَلَالًا وَهُوَ يَرْجِعُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إلَى الْحَرَامِ الْبَيِّنِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى يَدِ الصُّنَّاعِ وَيَزْجُرَهُمْ عَنْ عَوَائِدِهِمْ

الرَّدِيئَةِ فِي تَبْدِيدِهِمْ الدَّقِيقَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعْجِنُونَ فِيهَا وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَضَعُونَ فِيهَا الْعَجِينَ لِلتَّقْرِيصِ وَالْخَبْزِ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْعَجِينِ مِنْ مَشْيِ الْخُشَاشِ وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ حِينَ يَنْتَظِرُونَ بِهِ التَّخْمِيرَ فَأَمَّا أَنْ يُغَطِّيَهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ نَظِيفٍ أَوْ يَتْرُكَ مَنْ يَحْرُسُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ عَجَزَ عَمَّا يُغَطِّيهِ بِهِ فِي الْوَقْتِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ الصُّنَّاعَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَعْجِنُونَ وَالْعَرَقُ يَسْقُطُ مِنْهُمْ وَيَقَعُ فِي الْعَجِينِ الذُّبَابُ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَنُشُّهُ فَيَخْتَلِطَ بِالْعَجِينِ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ فَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَتَّقِي بِهِ الْعَرَقَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْعَجِينِ وَيَتْرُكَ مَنْ يَنُشُّ الذُّبَابَ وَمَا أَشْبَهَهُ حِينَئِذٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْغِشِّ وَلِأَجْلِ عَدَمِ احْتِرَازِهِمْ تَجِدُ فِي الْخُبْزِ أَشْيَاءَ مُسْتَقْذَرَةً كَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّبِيبِ وَالْقَشِّ وَالْحَلْفَاءِ وَالشَّعْرِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ

[فَصْلٌ لَا يَعْجِنُونَ الْعَجِينَ بِمَاءِ الْآبَارِ الْمَالِحَةِ]

فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ يَعْجِنُونَ الْعَجِينَ بِمَاءِ الْآبَارِ الْمَالِحَةِ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْمِلْحَ فَيَصِيرُ طَعْمُ الْخُبْزِ مُرًّا مَالِحًا فَالْمَرَارَةُ مِنْ مَاءِ الْآبَارِ وَالْمُلُوحَةُ مِنْ زِيَادَةِ الْمِلْحِ الْمُضَافِ إلَى مَاءِ تِلْكَ الْآبَارِ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْلِطَ مَعَ الدَّقِيقِ غَيْرَهُ مِمَّا يُحَسِّنُهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي مِثْلَ الْكُرْكُمِ وَمَا أَشْبَهَهُ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ يُحَسِّنُهُ فِي عَيْنِ مُشْتَرِيهِ إنْ كَانَ دَقِيقُهُ رَدِيئًا كُلَّهُ أَوْ مَخْلُوطًا بِرَدِيءٍ وَيَزِيدُهُ حُسْنًا فِي عَيْنِهِ إنْ كَانَ دَقِيقُهُ طَيِّبًا كُلَّهُ وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْغِشِّ.
الثَّانِي - أَنَّ فِيهِ ضَرَرًا لِآكِلِهِ دُونَ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ شَرْعًا.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ إذَا بَاتَ أَوْ بَرَدَ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَنَفَرَتْ نُفُوسُ بَعْضِ النَّاسِ مِنْهُ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِمَا يَجْعَلُونَهُ فِيهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّيِّبَةِ، وَلَا تَضُرُّ بِآكِلِهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَجْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الزَّعْفَرَانِ عَلَى وَجْهِ الكماج وَمَا أَشْبَهَهُ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْمَاءِ الْعَذْبِ الَّذِي يَعْجِنُ بِهِ الدَّقِيقَ مِنْ الذُّبَابِ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَجِينِ بَلْ هَذَا آكَدُ إذْ إنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَسْتَتِرُ فِي الْمَاءِ بِخِلَافِ الْعَجِينِ لِظُهُورِهَا فِيهِ غَالِبًا.
وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يَعْجِنُ مِنْهُ وَعَلَى الْعَجِينِ وَالْخُبْزِ وَآنِيَتِهِ وَمَا يُفْرَشُ تَحْتَهُ وَمَا يُغَطَّى بِهِ مِنْ أَيْدِي الصُّنَّاعِ وَالْفَرَّانِ.
فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَرِزُونَ فِي الْغَالِبِ مِنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.
فَمِنْهَا أَنْ يُبَاشِرَ أَحَدُهُمْ النَّجَاسَةَ بِيَدِهِ ثُمَّ يُبَاشِرَ بِهَا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ يَغْسِلَهَا بِمَاءٍ مُضَافٍ لِطَاهِرٍ وَذَلِكَ لَا يُطَهِّرُهَا.
وَمِنْهَا أَنْ يَمَسَّ الْأَشْيَاءَ الْمُسْتَقْذَرَةَ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْأَعْرَاقِ وَحَكِّ بَدَنِهِ وَمُرُورِ يَدِهِ فِي الْمَغَابِنِ وَمَسِّ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ أَوْ النَّجِسَةِ كَجِدَارِ مِرْحَاضٍ وَمَا أَشْبَهَهُ ثُمَّ يَمَسَّ بِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْسِلَهَا

[فَصْلٌ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ الصُّنَّاعُ فِيهِ أَيْدِيَهُمْ]

(فَصْلٌ) وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَنْهَى الصُّنَّاعَ عَمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ مِنْهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ أَخَذُوا مِنْ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلْعَجِينِ فَيَتَوَضَّئُونَ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِأَثَرِ الْعَجِينِ أَوْ الدَّقِيقِ أَوْ لِمَا يَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَا يَجْعَلُهُ تَحْتَ الْأَرْغِفَةِ وَهِيَ عَجِينٌ طَاهِرًا غَيْرَ مُسْتَقْذَرٍ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ دَوْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدَمُهُ طَاهِرَةً؛ لِأَنَّ لَهَا حُرْمَةً بِسَبَبِ مَا يَعْلَقُ بِهَا مِنْ أَثَرِ الدَّقِيقِ أَوْ الْعَجِينِ بَلْ تَكُونُ مُصَانَةً عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وَعَمَّا يُصِيبُهَا مِنْ زُرْقِ طَائِرٍ أَوْ زِبْلِ فَأْرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْحَشَرَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهَا بَسَطَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُبْسَطُ عَلَيْهِ طَاهِرًا ثُمَّ يَجْعَلُ عَلَيْهَا أَرْغِفَةَ الْعَجِينِ ثُمَّ يُغَطِّيهَا بِمِثْلِ مَا بَسَطَهُ تَحْتَهَا أَعْنِي فِي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْذَارِ

[فَصْلٌ الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ الصُّنَّاعُ فِيهِ أَيْدِيَهُمْ مِنْ أَثَرِ الْعَجِينِ]

فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ الصُّنَّاعُ

فِيهِ أَيْدِيَهُمْ مِنْ أَثَرِ الْعَجِينِ، وَكَذَلِكَ غَسَّالَةُ الْأَوَانِي الَّتِي يُعْجَنُ فِيهَا فَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ يُمْشَى عَلَيْهِ بِالْأَقْدَامِ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ مُسْتَقْذَرٍ بَلْ يُطْعِمُونَهُ لِلدَّجَاجِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلِغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ حُفِرَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُسْتَقْذَرٍ سَالِمٍ مِنْ الْمَشْيِ عَلَيْهِ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَأْمُرُ الْفَرَّانَ أَنْ يُخْرِجَ الْخُبْزَ لَهُ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَنْضَجْ؛ لِأَنَّهُ يَثْقُلُ فِي الْمِيزَانِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ غِشٌّ وَفِيهِ ضَرَرٌ لِآكِلِهِ كَمَا سَبَقَ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْفَرَّانِ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ صَاحِبِ الْخُبْزِ إذَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْإِثْمِ مَعًا

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْفَرَّانِ أَنْ لَا يُحْرِقَهُ، وَلَا يُقَمِّرَهُ زِيَادَةً عَلَى نُضْجِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْخُبْزِ فِي الثَّمَنِ وَيَضُرُّ بِآكِلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَبِالْجُمْلَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَمِيعِ مُرَاعَاةُ النُّضْجِ التَّامِّ فِي الصَّنْعَةِ كُلِّهَا وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ السَّقَّاءِ]

قَدْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّاتُ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا صَاحِبُ الطَّاحُونِ وَيَرْجِعُ بِهَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ فَفِي السَّقَّاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَوْجَبِ إذْ إنَّ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ الْقُوتُ وَالْمَاءُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ مَعَانٍ جُمْلَةً.
مِنْهَا الشُّرْبُ وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلْأَكْلِ.
وَمِنْهَا إزَالَةُ النَّجَاسَاتِ.
وَمِنْهَا رَفْعُ الْحَدَثِ.
وَمِنْهَا إحْيَاءُ النَّفْسِ إذَا غَصَّ صَاحِبُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ فَلِلسَّقَّاءِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ وَالْخَيْرُ الْعَمِيمُ فِي تَيْسِيرِ الْمَاءِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نِيَّتِهِ وَيُنَمِّيَهَا لِيَحُوزَ بِهَا ثَوَابَ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا بَعْضَهُ وَيَكُونُ تَطَلُّعُهُ فِي الرِّزْقِ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا إلَى أَحَدٍ سِوَاهُ كَمَا مَضَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ

لَكِنَّ آكَدَ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا فِيهَا

مِمَّا يُضَادُّ نِيَّتَهُ أَوْ يُنْقِصُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْمَلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْعَمَلُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً خَالِصَةً مِنْ الشَّوَائِبِ وَالْمَفَاسِدِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْمَاءَ مِنْ الْمَوْرِدَةِ قَرِيبًا مِنْ الْبَرِّ وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ فَضَلَاتِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ عَلَى دِينِهِ، وَلَا يُرَاعِي حَقَّ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَكُونُ جَاهِلًا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَيَبُولُ قَرِيبًا مِنْ مَوْرِدَةِ الْبَحْرِ أَوْ فِيهَا وَهَذِهِ هِيَ إحْدَى الْمَلَاعِنِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» ثُمَّ يَأْتِي السَّقَّاءُ فَيَمْلَأُ فَيَطْلُعُ مَا عَمِلَ هُنَاكَ فِي الْوِعَاءِ الَّذِي يَمْلَأُ بِهِ فِي الرَّاوِيَةِ أَوْ الْقِرْبَةِ فَيَتَنَجَّسُ كُلُّ ذَلِكَ ثُمَّ يَسْكُبُهُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَتَتَنَجَّسُ بِهِ ثِيَابُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ وَقُوتُهُمْ الَّذِي يَعْجِنُونَهُ مِنْهُ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ تَطْهُرُ بِهِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى كُلْفَةٍ فِي غَسْلِ ثِيَابِهِمْ وَأَجْسَامِهِمْ وَإِعَادَةِ صَلَاتِهِمْ وَتَبْدِيدِ قُوتِهِمْ وَغَسْلِ الْأَوَانِي وَغَيْرِهَا مِمَّا أَصَابَهَا.
وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ كَثِيرًا وَأَخْبَرَ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ احْتَاجُوا إلَى كُلْفَةٍ فِي تَطْهِيرِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ.
ثُمَّ مَعَ مَا ذُكِرَ فَالْمَاءُ الَّذِي هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْبَرِّ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَكِرٌ بِالتُّرَابِ وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْفَضَلَاتِ فَتَارَةً تَكُونُ نَجِسَةً وَتَارَةً تَكُونُ مُسْتَقْذَرَةً وَتَارَةً تَكُونُ طَاهِرَةً وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُمْلَأُ مِنْهُ سَرَابُ حَمَّامٍ أَوْ وَرَّاقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ الْمُسَلَّطَةِ عَلَى الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ؛ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ يَدْخُلَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ حِينَئِذٍ يَغْرِفُ الْمَاءَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ فَإِنَّ الْكُلْفَةَ هَاهُنَا وَاجِبَةٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكَلَ الْحَرَامَ لِإِهْمَالِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَنَاقَضَ فِعْلُهُ تِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ تُصَدِّقُ النِّيَّةَ أَوْ تُكَذِّبُهَا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَكُونُ عَيْنُهُ نَاظِرَةً إلَى مَا يَحْصُلُ فِي الْوِعَاءِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الْمَاءَ فَإِنْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ أَزَالَهُ وَطَهَّرَ الْوِعَاءَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ

صَبَّهُ وَأَخَذَ غَيْرَهُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْلَأَ بِاللَّيْلِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ فِيهِ فَإِنْ فَعَلَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ فِي الِاحْتِيَاطِ فَيَدْخُلُ فِي الْبَحْرِ بِحَيْثُ يَأْمَنُ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَوْ الْفَضَلَاتِ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مَعَ وُجُودِ التَّحَفُّظِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَيَغْرَمُ لِمُشْتَرِيهَا مَا أَخَذَهُ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ يَرْضَى مِنْهُ بِمِثْلِهَا

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْلَأَ الرَّاوِيَةَ أَوْ الْقِرْبَةَ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَهَا نَاقِصَةً وَذَلِكَ غِشٌّ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ الرَّاوِيَةُ أَوْ الْقِرْبَةُ سَالِمَةً مِنْ الْخَرْقِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْقُصُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ غِشٌّ أَيْضًا سِيَّمَا إنْ كَانَ الطَّرِيقُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُبُ فِيهِ الْمَاءَ بَعِيدًا وَالْخَرْقُ مُتَّسِعٌ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ أَذِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقَاتِهِمْ لِنَدَاوَتِهَا بِمَا يَنْصَبُّ فِيهَا فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى مِنْ الطَّرِيقِ وَهَذَا ضِدُّهُ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الرِّوَايَةُ أَوْ الْقِرْبَةُ جَدِيدَةً أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِمُشْتَرِي الْمَاءِ الَّذِي عَمِلَ فِيهَا لِكَيْ يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ، إذْ إنَّهُ مُضَافٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ طَاهِرٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ غَشَّ وَأَفْسَدَ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَطَهَّرَ مِنْهُ أَوْ أَزَالَ بِهِ نَجَاسَةً، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الرَّاوِيَةُ قَدِيمَةً وَدَهَنَهَا، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ إنْ كَانَ فِيهَا قَطِرَانٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الرَّاوِيَةِ غِطَاءً طَاهِرًا كَثِيفًا سَاتِرًا لِجَمِيعِهَا لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ تَلْوِيثِ ثِيَابِهِمْ بِهَا، إذْ إنَّ ذَلِكَ أَذًى لِلْمُسْلِمِينَ وَأَذَاهُمْ مُحَرَّمٌ.
وَيَنْبَغِي لِمُشْتَرِي الرَّاوِيَةِ أَوْ الْقِرْبَةِ أَنْ يَرْغَبَ عَمَّا مُلِئَ بِاللَّيْلِ خَشْيَةً مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتْ قَدْ مُلِئَتْ بِالنَّهَارِ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ بِالنَّظَرِ فِي أَوْصَافِ الْمَاءِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ لِيَسْلَمَ مِنْ الْمُنَازَعَةِ فَإِذَا احْتَاطَ كَمَا وُصِفَ وَوَجَدَهُ سَالِمًا دَفَعَ لَهُ الثَّمَنَ وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِنَجَاسَةٍ لَزِمَهُ إرَاقَتُهُ إنْ اسْتَطَاعَ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ لِلرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ لِلْمَشَقَّةِ، وَلَا تَلْزَمُهُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل