فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الحاج
- الكتاب
- المدخل
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
- الناشر
- دار التراث
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَبِكِفَايَتِهِ، فَإِنَّهُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ الْكَرِيمُ، فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّغَفُ بِالْأَسْبَابِ فَقَالَ: طَيَرَانُ الطَّائِرِ سَبَبٌ فِي رِزْقِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ طَيَرَانَ الطَّائِرِ فِي الْهَوَاءِ لَا يُمَاثِلُ التَّسَبُّبَ فِي الرِّزْقِ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَيْسَ فِيهِ حَبٌّ يُلْتَقَطُ، وَلَا جِهَةٌ تُقْصَدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَا عَقْلَ لَهُ يُدْرِكُ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَيَرَانَهُ فِي الْهَوَاءِ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ الرِّزْقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَرَكَةِ يَدِ الْمُرْتَعِشِ لَا حُكْمَ لَهَا، فَيَتَرَدَّدُ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى يُؤْتَى بِرِزْقِهِ إلَيْهِ، أَوْ يُؤْتَى بِهِ إلَى رِزْقِهِ، وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ حَمْلُ طَيَرَانِ الطَّائِرِ عَلَيْهِ أَعْنِي فِي أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الرِّزْقِ، وَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ مُتَوَكِّلًا مَعَ طَيَرَانِهِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِهِ، وَالْعَاقِلُ الْمُكَلَّفُ أَوْلَى بِالتَّوَكُّلِ مِنْهُ سِيَّمَا مَنْ دَخَلَ فِي بَابِ الِاشْتِغَالِ بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الْعَاجِزُ عَنْ التَّوَكُّلِ لِعَدَمِ قُوَّةِ الْيَقِينِ عِنْدَهُ فَالْأَسْبَابُ عَلَيْهِ مُتَّسِعَةٌ فَيَتَسَبَّبُ فِي شَيْءٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَوْلَى بِهِ، بَلْ أَوْجَبُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ أَوْسَاخَ النَّاسِ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ، وَيَكْفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنْ الْعِلْمِ، وَقَدْ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ فَيَصِيرُ كَثِيرًا.
وَعَلَى هَذَا كَانَ حَالُ السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِي كَوْنِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعْلُومٌ عَلَى سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ الْأَرْزَاقُ عَلَى أَعْمَالِ الْآخِرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ دَخَلَ الْفَسَادُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ تَعَاطَى أَسْبَابَ الْآخِرَةِ، وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْدَادُ بِعِلْمِهِ بُغْضًا لِلدُّنْيَا، وَتَرْكًا لَهَا، فَالْيَوْمَ يَزْدَادُ الرَّجُلُ بِعِلْمِهِ لِلدُّنْيَا حُبًّا، وَلَهَا طَلَبًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْيَوْمَ يَكْتَسِبُ الرَّجُلُ بِعِلْمِهِ مَالًا، وَكَانَ يُرَى عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ زِيَادَةُ إصْلَاحٍ فِي بَاطِنِهِ، وَظَاهِرِهِ، فَالْيَوْمَ تَرَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَسَادَ الْبَاطِنِ، وَالظَّاهِرِ انْتَهَى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ
إنَّهُ لَا يُمْكِنُ طَالِبَ الْعِلْمِ التَّسَبُّبُ فِي الصَّنَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ سَمْتِهِ، وَوَقَارِهِ، وَزِيِّهِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فَرْقٌ فِي الزِّيِّ، وَلَا الْمَلْبَسِ لِفَقِيهٍ، وَلَا لِغَيْرِهِ، وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى أَنْ يَكُونُوا فِي مِثْلِ أَدْنَى أَحْوَالِ النَّاسِ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ الْغَنِيُّ، وَلَا يَزْرِي بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ، وَعُوتِبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي لِبَاسِهِ، وَكَانَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ مِنْ الْكَرَابِيسِ قِيمَةُ قَمِيصِهِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَى خَمْسَةٍ، وَيَقْطَعُ مَا فَضَلَ عَنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَقَالَ: هَذَا أَدْنَى إلَى التَّوَاضُعِ، وَأَجْدَرُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّنَعُّمِ، وَقَالَ: «أَلَا إنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ» ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مِنْ شِرَارِ أُمَّتِي الَّذِينَ غُذُّوا بِالنَّعِيمِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، وَيَلْبَسُونَ أَلْوَانَ الثِّيَابِ، وَيَتَشَدَّقُونَ فِي الْكَلَامِ» انْتَهَى.
أَلَا تَرَى إلَى قِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ثَوْبِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إحْدَى عَشْرَةَ رُقْعَةً إحْدَاهَا مِنْ أَدِيمٍ، هَذَا وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ لَائِقٍ بِهِمْ، وَهَذَا زَمَانٌ لَا يَلِيقُ بِهِ مَا ذَكَرْتُمْ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الزَّمَانَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ سَوَاءٌ إذْ أَنَّ الْكُلَّ عَمَّهُمْ الْخِطَابُ، وَتَنَاوَلَتْهُمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الْجَلِيلَةِ شَرْعًا، أَوْ بِجُلِّهَا، وَقَدْ مَضَتْ حِكَايَةُ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَوَاضُعِهِ فِي تَصَرُّفِهِ، وَكَذَلِكَ حِكَايَةُ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ بِالزَّيَّاتِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمَا جَرَى لَهُ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ الصُّلَحَاءِ فِي وَقْتِهِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا جَلَسَ إلَى الدَّرْسِ يَجْتَمِعُ لَهُ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ، أَوْ سِتِّمِائَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَحْضُرُونَ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَجْلِسِهِ قَامَ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَأَخْرَجَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى
رَأْسِهِ، أَوْ فِي يَدِهِ مِنْ قَمْحٍ يَطْحَنُهُ، أَوْ عَجِينٍ يَخْبِزُهُ، أَوْ شِرَاءِ خُضْرَةٍ، أَوْ حَاجَةٍ مِنْ السُّوقِ، أَوْ حَصَادٍ لِزَرْعِهِ بِيَدِهِ، أَوْ غَسْلِ ثِيَابٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَائِجِ، وَلَهُ مِنْ الْهَيْبَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ، أَوْ غَيْرِهِمْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ فَالْخَيْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَاقٍ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَتَحْصِيلُهُ مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ التَّوْفِيقُ فَمَنْ وُفِّقَ، وَتَرَكَ الْعَوَائِدَ الرَّدِيئَةَ، وَالطَّبَائِعَ النَّفْسَانِيَّةَ، فَقَدْ أَرْشَدَ، وَجَاءَهُ الْعَوْنُ قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى طَائِفَةٌ بِالْمَغْرِبِ انْتَهَى.
مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَيُّهُ أَنْفَعُ أَوَّلُهُ، أَوْ آخِرُهُ» ، أَوْ كَمَا قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَقْطَعُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْإِيَاسَ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَمِهِ، وَقَدْ رَأَيْت وَبَاشَرْت بَعْضَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِالْمَغْرِبِ يَأْخُذُونَ الْمِسْحَاةَ، وَيَأْتُونَ إلَى مَوَاقِفِ الْبَنَّائِينَ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ سَبَبٌ مَشَوْا فِيهِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، وَإِلَّا رَجَعُوا إلَى الدَّرْسِ، وَالِاشْتِغَالِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَطُولُ ذِكْرُهُ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنْ يَدْخُلَ الْمُتَعَلِّمُ إلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ بِجِدٍّ، وَاجْتِهَادٍ، وَحُسْنِ نِيَّةٍ، وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْعَوَارِضِ، وَالْأَسْبَابِ، وَالْعَوَائِدِ الَّتِي اُنْتُحِلَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ يُقْدِمُ عَلَيْهَا، أَوْ يَتْرُكُهَا ثِقَةً بِهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا سَبَقَ
، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ أَنَّ مِنْ صِفَاتِهِ التَّوَاضُعَ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فِي الْعَالِمِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي الْمُتَعَلِّمِ الْمُحْتَاجِ إلَى التَّعْلِيمِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ تَوَاضُعُهُ أَكْثَرَ حَتَّى لَوْ صَارَ أَرْضًا تُوطَأُ كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ يَطْلُبُهُ؛ وَلِأَنَّ التَّوَاضُعَ يُقْبَلُ بِالْقُلُوبِ عَلَيْهِ، وَيُنَشِّطُ مَنْ يُعَلِّمُهُ لِتَعْلِيمِهِ، وَإِرْشَادِهِ، وَالتَّوَاضُعُ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وَبَرَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا اتَّصَفَ الْمُتَعَلِّمُ بِمَا ذُكِرَ انْتَفَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي الْوَقْتِ مِنْ نَظَرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْمَعْلُومِ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَيْفَ يَأْخُذُ فُلَانٌ كَذَا، وَكَذَا، وَأَنَا أَكْثَرُ مِنْهُ بَحْثًا، وَقَدْ حَفِظْت الْكِتَابَ
الْفُلَانِيَّ، وَالْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، وَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ شَنَآنٌ، وَاتِّصَافٌ بِالْحَسَدِ، وَمَا شَاكَلَهُ.
وَخَرَجَ ذَلِكَ إلَى بَابِ الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَوَقَعُوا بِسَبَبِهِ فِي الْوَعِيدِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ» إلَخْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ لَا يَتَّصِفُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ إلَّا أَنْ يَبْنِيَ أَمْرَهُ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ إذْ أَنَّ الْبِنَاءَ إذَا طَلَعَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَسَاسٍ صَحِيحٍ جَيِّدٍ يُعْمَلُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْنَى عَلَيْهِ.
وَالْأَسَاسُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُبْتَدِي فِي هَذَا الْفَنِّ اتِّبَاعُ السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ، وَكَانَتْ أَحْوَالُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْهَرَبَ مِنْ الدُّنْيَا، وَأَسْبَابِهَا، فَإِنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا قَالُوا: ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ ضِيقٌ سُرُّوا بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ غَنِيمَتَهُمْ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ، وَيُرْجَعُ إلَى أَقْوَالِهِمْ، وَأَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا مَعْنَاهُ يَا مُوسَى إذَا رَأَيْت الدُّنْيَا أَقْبَلَتْ فَقُلْ: ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتهَا أَدْبَرَتْ فَقُلْ: أَهْلًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ، وَقَدْ دَعَا مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَطَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُغْنِيَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا مُوسَى أَمَا تُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ بِغَدَائِك رَقَبَةً مِنْ النَّارِ، وَبِعَشَائِك رَقَبَةً مِنْ النَّارِ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ، أَوْ كَمَا قَالَ فَكَانَ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَتَغَدَّى عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَيَتَعَشَّى عِنْدَ آخَرَ، وَكَانَ ذَلِكَ رِفْعَةً فِي حَقِّهِ لِتَعَدِّي النَّفْعِ إلَى عِتْقِ مَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعِتْقِ رَقَبَتِهِ مِنْ النَّارِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَكَابِرُ لَهُمْ أَمْوَالٌ، وَأَسْبَابٌ فَالْجَوَابُ: أَنَّ اتِّخَاذَهُمْ الْأَمْوَالَ، وَالْعَمَلَ عَلَى الْأَسْبَابِ لَا يُمْنَعُ إذَا دَخَلَ فِيهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي عَدَمِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهَا، إذْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا سَوَاءٌ أَقْبَلَتْ، أَوْ أَدْبَرَتْ، فَإِنْ أَقْبَلَتْ قَابَلُوهَا بِالْإِيثَارِ، وَالْبَذْلِ لِلَّهِ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ قَابَلُوهَا بِالصَّبْرِ، وَالرِّضَا، وَالتَّسْلِيمِ لِمَنْ الْأَمْرُ بِيَدِهِ، وَهِمَّتُهُمْ، وَبُغْيَتُهُمْ إنَّمَا
كَانَ تَحْصِيلَ زَادِهِمْ لِمَعَادِهِمْ فِي الْفَقْرِ، وَالْغِنَى، وَالْحَرَكَةِ، وَالسُّكُونِ.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُرْجَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: هَذِهِ الْحَالَةُ اُخْتُصَّ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ عَجَزَ غَيْرُهُمْ عَنْهَا انْتَهَى.
يَعْنِي فِي الْغَالِبِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ اشْتَغَلَ بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ إلَّا أَضَرَّ بِالْآخَرِ، يَعْنِي مَنْ اشْتَغَلَ بِالدُّنْيَا أَضَرَّ بِالْآخِرَةِ، وَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْآخِرَةِ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَمْعُك بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ عَجِيبٌ فَإِذَا اتَّصَفَ الطَّالِبُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ التَّفَاوُتُ لِمَنْ زِيدَ لَهُمْ فِي الْمَعْلُومِ، أَوْ نُقِصَ، وَكَذَلِكَ يَتَسَاوَى عِنْدَهُ مَوَاضِعُ الْجُلُوسِ فِي الِارْتِفَاعِ، وَالِانْخِفَاضِ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فَحَيْثُ أَجْلَسَهُ اللَّهُ جَلَسَ، وَمَا سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ رَضِيَهُ، وَشَكَرَهُ، وَمَا مَنَعَهُ مِنْهُ حَمِدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَآهُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَطَاءً، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ حَالِهِ انْتَفَتْ عَنْهُ الشَّوَائِبُ الْمَذْمُومَةُ، وَبَقِيَ الْعِلْمُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا صَارَ الْعِلْمُ كَذَلِكَ، وَصَحِبَهُ الْعَمَلُ بِهِ جَاءَ مِيرَاثُهُ الْعَاجِلُ، وَهُوَ الْخَشْيَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] ، وَإِذَا حَصَلَتْ الْخَشْيَةُ قَوِيَ الرَّجَاءُ فِي الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ مَاشٍ عَلَى مِنْهَاجِ السَّلَامَةِ، وَالْغَنِيمَةِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ، وَعَكْسُ هَذَا الْحَالِ فِي النَّقِيضِ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَنْسِجْ عَلَى مِنْوَالِ مَنْ مَضَى، فَالْخَيْرُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَبِأَحْوَالِهِمْ فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ بِمُحَمَّدٍ، وَآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمْ، وَسَلَّمَ.
وَأَصْلُ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِي تَعْلِيمِهِ، وَهُوَ آكَدُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282] فَإِذَا اتَّصَفَ الْمُتَعَلِّمُ بِالتَّقْوَى كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُعَلِّمَهُ، وَهَادِيَهُ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلِّمَهُ، وَهَادِيَهُ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] ، وَهَذَا لَفْظٌ عَامٌّ فَقَدْ يَحْصُلُ لِلْمُتَعَلِّمِ نَفَائِسُ مِنْ الْمَسَائِلِ لَا تُؤْخَذُ بِالدَّرْسِ، وَلَا بِالشُّيُوخِ لِأَجْلِ مَا حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِ
وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ، وَآكَدُ مَا عَلَيْهِ فِي التَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا تَقْرَبُوا» فَإِذَا اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ
وَمِنْ آكَدِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ تَخْلِيصُ ذِمَّتِهِ مِنْ إخْوَانِهِ، وَجُلَسَائِهِ، وَمَعَارِفِهِ، وَغَيْرِهِمْ إذْ تَخْلِيصُ الذِّمَّةِ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ فَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْخَطِرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ عَمَّتْ بِهِمَا الْبَلْوَى لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِمَا عَلَى الْأَلْسُنِ، وَهُمَا الْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ فَالنَّمِيمَةُ: أَنْ تَنْقُلَ حَدِيثَ قَوْمٍ إلَى آخَرِينَ، وَالْغِيبَةُ: أَنْ تَقُولَ فِي غَيْبَةِ الشَّخْصِ مَا يَكْرَهُهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا، وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ بَاطِلًا فَهُوَ الْبُهْتَانُ بِعَيْنِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، وَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ إلَى أَنْ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْت أَلَا هَلْ بَلَّغْت مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا» فَأَكَّدَ الْأَمْرَ فِي الثَّلَاثِ كَمَا تَرَى، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُنْقَسِمُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ لَا خَامِسَ لَهَا:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: السَّالِمُ مِنْ الْجَمِيعِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: 90] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: 10] ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 11] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] .
الْقِسْمُ الثَّانِي: عَكْسُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَنْ كَانَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ، وَالْجِدَّةُ، وَوَاقَعَ الْجَمِيعَ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ عَجَزَ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَكَانَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَالْوَقِيعَةِ فِي الْأَعْرَاضِ، وَوَاقَعَهُمَا مَعًا، فَقَدْ لَحِقَهُ الْإِثْمُ فِي فِعْلِهِ، وَالْتَحَقَ بِالْأَوَّلِ بِنِيَّتِهِ إذْ لَوْلَا عَجْزُهُ عَنْهُ لَفَعَلَهُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَنْ عَجَزَ عَنْ الدِّمَاءِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَوَقَعَ فِي الْأَعْرَاضِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ آثِمًا فِي الثَّالِثِ لِفِعْلِهِ لَهُ مُلْحَقًا بِأَصْحَابِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ بِنِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ، وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ عِنْوَانُ الصِّدْقِ فِيمَنْ ادَّعَى الْوَرَعَ عَنْ الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ اسْتِعْفَافَهُ عَنْ الْأَعْرَاضِ، فَإِنْ اسْتَعَفَّ عَنْهَا كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ فِي تَرْكِ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَإِنْ تَعَاطَى الثَّالِثَ، أَوْ بَعْضَهُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى كَذِبِهِ فِي الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي فَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ غِيبَةَ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسْبِ حَالِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - غِيبَةُ الصَّالِحِينَ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا أَنْ يُذْكَرَ شَخْصٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يَقَعُونَ بِسَبَبِ غَيْرَتِهِمْ فِي الدِّينِ يَقُولُونَ: فُلَانٌ فَعَلَ كَذَا، وَكَذَا عَلَى سَبِيلِ الْغَيْرَةِ مِنْهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ شَفَقَتُهُمْ، وَرَحْمَتُهُمْ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَيَقُولُونَ: مِسْكِينٌ فُلَانٌ، وَاقَعَ كَذَا، وَكَذَا مِمَّا يَكْرَهُ ذِكْرَهُ الْمَقُولُ فِيهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، وَعُلِمَ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ، وَالْمُتَعَلِّمُ أَنْ يَكُونَا مُتَيَقِّظَيْنِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَمَا شَاكَلَهَا، وَيَتَحَفَّظَانِ مِنْهَا إذْ أَنَّ بِتَحَفُّظِهِمَا يَتَحَفَّظُ كُلُّ مَنْ رَآهُمَا أَوْ عَلِمَ حَالَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا قُدْوَةٌ لِلْمُهْتَدِينَ
[فَصْلٌ فِي أَوْرَادِ طَالِبِ الْعِلْمِ]
ِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وِرْدٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا إذْ أَنَّهَا سَبَبُ الْإِعَانَةِ عَلَى مَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاسْتَعِينُوا بِالْغُدْوَةِ، وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» انْتَهَى.
) ، وَمَا يُسْتَعَانُ بِهِ لَا يُتْرَكُ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِيَّاكَ لِحِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاسْتَعِينُوا بِالْغُدْوَةِ، وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» فَعَمَّ الطَّرَفَيْنِ، وَجَعَلَ مِنْ الثَّالِثِ جُزْءًا، وَالْغُدْوَةُ هُوَ مَا كَانَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ، وَالرَّوْحَةُ مَا كَانَ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ، وَالْمُكَلَّفُ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَشْتَغِلَ فِي غُدْوَتِهِ، أَوْ فِي رَوْحَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ فَهِيَ الِاسْتِعَانَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِقِصَّةِ «مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا أَنْ بَعَثَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ الدِّينَ فَافْتَرَقَا لِذَلِكَ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ: أَقْرَأُهُ قَائِمًا، وَقَاعِدًا، وَمُضْطَجِعًا، وَأَفُوقُهُ تَفْوِيقًا، وَلَا أَنَامُ، وَقَالَ مُعَاذٌ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ، وَأَنَامُ، وَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي فَلَمْ، يُسَلِّمْ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ حَتَّى أَتَيَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ أَفْقَهُ مِنْك يَعْنِي مُعَاذًا الَّذِي كَانَ يَحْتَسِبُ نَوْمَهُ كَقِيَامِهِ» لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا عَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ، وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ، وَحُسْنِ نِيَّاتِهِمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا مِنْ حَسَنَةٍ إلَّا، وَلَهَا أُخَيَّاتٌ، وَإِنْ كَانَ فِي سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا فَذَلِكَ عَوْنٌ لَهُ عَلَى الطَّاعَةِ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأَنْ أَمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رِجْلِي أَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي، وَقَدْ كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ انْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى يَصْفُوَ بِهَا قَلْبُهُ، وَيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ فِي تَعَلُّمِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِطُولِ أَعْمَارِهِمْ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَدْرَكْت النَّاسَ، وَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ إلَى أَنْ يَصِلَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَيَنْقَطِعَ لِلْعِبَادَةِ، وَيَطْوِيَ الْفِرَاشَ انْتَهَى.
وَمَعْنَى طَيِّ الْفِرَاشِ مِثْلُ مَا كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَفْعَلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ «، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْوِي فِرَاشَهُ، وَيَشُدُّ مِئْزَرَهُ، وَيُوقِظُ أَهْلَهُ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ» ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ أَنْ يَمْزُجَهُ بِالتَّعَبُّدِ، إذْ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ عُمُرٌ طَوِيلٌ فِي الْغَالِبِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى يَتْرُكَ لَهُ بُرْهَةً مِنْهُ فَيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ فِي السَّبَبِ قَبْلَ وُصُولِهِ لِلْمَقْصُودِ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَتَعَلَّمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَعْمَلُوا؛ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ كَالشَّجَرَةِ، وَالتَّعَبُّدَ كَالثَّمَرَةِ، فَإِذَا كَانَتْ الشَّجَرَةُ لَا ثَمَرَ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا فَائِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةَ الْمَنْظَرِ نَاعِمَةً، وَقَدْ يُنْتَفَعُ بِهَا لِلظِّلِّ
وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ قَدْ عُدِمَ مِنْهَا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَكَلَّمُوا بِالْحَقِّ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ انْتَهَى.
وَلْيُحْذَرْ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ الْعَمَلِ مَا عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ، أَوْ يُخِلَّ بِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ، إذْ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا بَابٌ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ إذَا عَجَزَ عَنْ تَرْكِهِمْ لَهُ فَيَأْمُرُهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَادِ حَتَّى يَنْقُصَ اشْتِغَالُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعُدَّةُ الَّتِي يَتَلَقَّى بِهَا، وَيُحَذِّرُ مِنْهُ بِهَا فَإِذَا عَجَزَ عَنْ التَّرْكِ رَجَعَ إلَى بَابِ النَّقْصِ، وَهُوَ بَابٌ قَدْ يَغْمُضُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ بَابُ خَيْرٍ، وَعَادَةُ الشَّيْطَانِ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ فَيَلْتَبِسُ الْأَمْرُ عَلَى الطَّالِبِ فَيُخِلُّ بِحَالِهِ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي عِلْمِهِ مِثْلَ الْمِلْحِ فِي الْعَجِينِ إنْ عُدِمَ مِنْهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُ يُصْلِحُهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشُدَّ يَدَهُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى فِعْلِ السُّنَنِ، وَالرَّوَاتِبِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، فَإِظْهَارُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ كَمَا كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَفْعَلُ مَا عَدَا مَوْضِعَيْنِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَا يَفْعَلُهُمَا إلَّا فِي بَيْتِهِ، وَهُمَا الرُّكُوعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالرُّكُوعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
أَمَّا الْجُمُعَةُ فَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «لَمَّا أَنْ قَامَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْكَعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَأَقْعَدَهُ عُمَرُ، وَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ تُشْبِهُ الْجُمُعَةُ بِمَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مِنْ الظُّهْرِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ» ، وَلِأَنَّهَا لَوْ صُلِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لِأَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ صِحَّةَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا خَلْفَ إمَامٍ مَعْصُومٍ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَمِنْ بَابِ اللُّطْفِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا صِيَامًا، وَأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنْ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ يَنْتَظِرُونَ صَاحِبَ الْبَيْتِ حَتَّى يَأْتِيَ فَيَأْكُلُونَ مَعَهُ، فَلَوْ رَكَعَ فِي الْمَسْجِدِ لَتَشَوَّفُوا إلَى مَجِيئِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ إذَا سَمِعَ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بُكَاءَ الصَّبِيِّ يُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ» سِيَّمَا فِي حَقِّ
الْعَالِمِ، وَالْمُتَعَلِّمِ؛ لِأَنَّهُمَا قُدْوَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ تَحْصِيلِ الْفَرَائِضِ، وَكَذَلِكَ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ السُّنَنَ، وَعَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
، وَكَذَلِكَ لَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الضُّحَى لِقَوْلِ عَائِشَةَ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَوْ نُشِرْ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتهَا، وَمَعْنَاهُ لَوْ أُحْيِيَا لِي، وَقَامَا مِنْ قَبْرَيْهِمَا مَا اشْتَغَلْت بِهِمَا عَنْهَا
، وَكَذَلِكَ يُحَافِظُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْهُ، وَهُوَ خَمْسُ تَسْلِيمَاتٍ غَيْرَ الْوِتْرِ، وَيَقْرَأُ فِيهَا بِمَا خَفَّ مِنْ الْقُرْآنِ يَكُونُ لَهُ فِي تِلْكَ الرَّكَعَاتِ حِزْبٌ مَعْلُومٌ مِنْ حِزْبَيْنِ إلَى ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ الْحِزْبُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَفُوتَ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ فَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ التِّلَاوَةِ يَكْفِيهِ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ، وَلَا يَنْسَى الْخَتْمَةَ فِي الْغَالِبِ إذَا دَامَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي بُيُوتِهِمْ طُولَ السَّنَةِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي يَقُومُونَ بِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ، لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ كُلَّهُ جُعِلَ لَهُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ يَجْمَعُونَ فِيهِ فِي الْمَسَاجِدِ لِيَسْمَعَ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الْخَتْمَةَ كَلَامَ رَبِّهِ، فَإِنْ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ، وَوَجَدَ مَعَهُ الْكَسَلَ، وَثِقَلَ النَّوْمِ، فَإِذَا كَانَ الْحِزْبُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ سَهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَتَى بِهِ، وَرَجَعَ إلَى النَّوْمِ إنْ لَمْ يَطْلُعْ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَعَلَى هَذَا دَرَجَ مَنْ مَضَى أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنْ اللَّيْلِ: إنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَدْ كَانُوا يُغْلِسُونَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، وَذَلِكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى خِفَّةِ الْوَرْدِ، وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْجِدِّ، وَالِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا مَعَ النَّشَاطِ، وَقُوَّةِ الْعَزْمِ فَيَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ، وَمَا وَجَدَ إلَيْهِ السَّبِيلَ فَإِنْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ فِي التِّلَاوَةِ فَلْيَمْضِ فِيهَا، وَلَا يَقْتَصِرْ عَلَى حِزْبِهِ الْمُعْتَادِ، وَلَوْ خَتَمَ الْخَتْمَةَ، وَابْتَدَأَهَا ثَانِيًا، وَثَالِثًا، وَهَكَذَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ مَثَلًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِحِزْبٍ فَالْمَشْرُوعُ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا بِمِثْلِ الْأُولَى، أَوْ أَقَلَّ،
فَلَوْ وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي الثَّانِيَةِ فَلْيَمْضِ لِسَبِيلِهِ مَا دَامَ يَجِدُ ذَلِكَ، وَلَوْ طَالَ الْأَمْرُ، فَإِنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَلْيَرْجِعْ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ إلَى الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَكِنْ يُكْمِلُ خَمْسَ تَسْلِيمَاتٍ مُخَفَّفَةٍ كَمَا لَوْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ فَإِنَّهُ يُوقِعُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ إذَا وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي شَيْءٍ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ.
مِثْلَ أَنْ يَجِدَ الْحَلَاوَةَ فِي الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يَقْطَعُهُ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْرَادِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي الرُّكُوعِ فَلَا يَرْفَعُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهَا فِي السُّجُودِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى فَوَاتِ الْفَرَائِضِ فِي الْجَمَاعَةِ فَلْيَقْطَعْ ذَلِكَ لِأَجْلِهَا.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يُغْلِسُونَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُ جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُقَرِّبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ لَعَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ فِي الْمُنَاجَاةِ فِي وِرْدِهِ، أَوْ الدُّعَاءِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْفَرْضُ فَيَفْعَلَ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ مَرَّ فِي وِرْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] فَبَقِيَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُكَرِّرُهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ» ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَنَفَعَنَا بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَخَرَجَ خَلْفَهُ بَعْضُ إخْوَانِهِ، وَهُوَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ رَفَعَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فَوَضَعَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ بِيَدِهِ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ شَاخِصًا إلَى السَّمَاءِ، فَوَقَفَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ رَجَعَ أَبُو يَزِيدَ إلَى الْمَسْجِدِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو يَزِيدَ، وَإِلَى تَرْكِهِ مَا كَانَ فِيهِ، وَإِتْيَانِهِ إلَى الْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ كَانَ الْقُرْآنُ يَنْفَلِتُ مِنْهُ لِقِلَّةِ حِفْظِهِ: فَلْيَقُمْ بِهِ فِي اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُثَبِّتُهُ لَهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَرَكَةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ
فِي قِيَامِ اللَّيْلِ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ الْآخِرِ مِنْهُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَرَكَاتِ، وَالْخَيْرَاتِ.
أَلَا تَرَى إلَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْآخِرِ مِنْ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟» إلَخْ، وَمَعْنَى النُّزُولِ هَاهُنَا نُزُولُ طَوْلٍ وَمَنٍّ، وَتَفَضُّلٍ، وَكَرَمٍ عَلَى عِبَادِهِ، لَا نُزُولُ انْتِقَالٍ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ الْفَوَائِدِ جُمْلَةٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَفُوتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَمِنْهَا:
أَنْ يَحُطَّ الذُّنُوبَ كَمَا يَحُطُّ الرِّيحُ الْعَاصِفُ الْوَرَقَ الْيَابِسَ مِنْ الشَّجَرَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُنَوِّرُ الْقَلْبَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحَسِّنُ الْوَجْهَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُذْهِبُ الْكَسَلَ، وَيُنَشِّطُ الْبَدَنَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ مَوْضِعَهُ تَرَاهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا يَتَرَاءَى الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ لَنَا فِي السَّمَاءِ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ بِلَالٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ» .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ» ، وَلَعَلَّك تَقُولُ: إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ إنْ فَعَلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ تَعَطَّلَتْ عَلَيْهِ وَظَائِفُهُ مِنْ الدَّرْسِ، وَالْمُطَالَعَةِ، وَالْبَحْثِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ نَفْحَةً مِنْ هَذِهِ النَّفَحَاتِ تَعُودُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ بِالْبَرَكَاتِ، وَالْأَنْوَارِ، وَالتُّحَفِ مَا قَدْ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ وَصْفِهِ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ أَضْعَافُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ، مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ عَزِيزٌ قَلَّ أَنْ يَقَعَ إلَّا لِلْمُعْتَنِي بِهِ، وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ إنَّمَا هُمَا وَسِيلَتَانِ لِمِثْلِ هَذِهِ النَّفَحَاتِ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللَّهِ» انْتَهَى.
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيمَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ عَادَةَ السَّلَفِ مَضَتْ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ طُولَ السَّنَةِ فِي الْبُيُوتِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ
لَا يُفْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا فِي الْمَوَاضِعِ الْمَشْهُورَةِ إلَّا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَفِعْلُ الْقِيَامِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ بِدْعَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَأْتِي إلَّا بِشَرٍّ، وَالْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَقَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ ذَلِكَ يُمْنَعُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ إنْ فُعِلَ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ قِيَامَ السُّنَّةِ فِي الْبُيُوتِ فِيمَا عَدَا رَمَضَانَ مُخَالِفٌ لِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كَوْنِهِ يُفْعَلُ بَعْدَ النَّوْمِ فِي الْغَالِبِ، وَقَدْ يُفْعَلُ قَبْلَهُ، وَيَكْفِي.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ قَبْلَ النَّوْمِ، وَبَعْدَهُ، وَالْغَالِبُ أَنَّ فِعْلَهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَكْثَرُ، وَلَا يَجْمَعُونَ لَهُ، وَلَا يُشْهِرُونَهُ بِخِلَافِ قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا قَبْلَ النَّوْمِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ يَعْنِي مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَقَامَ آخِرَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ قَامَ أَوَّلَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا قِيَامُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَذَلِكَ أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا فَرَغُوا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَسْتَعْجِلُونَ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ قَامَ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّهُ حَازَ فَضْلَ اللَّيْلِ كُلِّهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَقُومَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَلَا شَكَّ فِي فَضِيلَتِهِ، أَوْ يَقُومَ أَوَّلَهُ، وَآخِرَهُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ، أَوْ يَقُومَ آخِرَهُ دُونَ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ، وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ أَوَّلَهُ دُونَ آخِرِهِ، وَهُوَ الْمَفْضُولُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى وِرْدِ الصَّوْمِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَلَّلَ بِأَنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، إذْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ مَشَقَّةٍ فِي الْغَالِبِ سِيَّمَا عَلَى مَا كَانَ يَصُومُهَا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ، وَيَصُومُ عَاشِرَهَا، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فَإِنْ وَجَدَ النَّشَاطَ، وَالْقُوَّةَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَادَرَ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِ الْخَلَلِ فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ
مَعَ طَلَبِ الْعِلْمِ فَيَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْعِلْمِ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ، وَيَصُومَهَا، لِئَلَّا تَفُوتَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ» فَيَكُونُ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ يَكُونُ حَالُهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ اشْتِغَالَهُ بِالدَّرْسِ، وَالْمُطَالَعَةِ، وَالتَّفَهُّمِ، وَالْبَحْثِ مَعَ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ يُرْتَجَى النَّفْعُ بِهِمْ، وَلِقَاءِ مَشَايِخِ الْعِلْمِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ سَبَبًا لِلْفَتْحِ، وَالْخَيْرِ، وَيُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ
[فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ]
َ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ يُحْيِي اللَّهُ الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ، فَتَنْشَرِحُ بِهِمْ الصُّدُورُ الصُّلْبَةُ، وَتَهُونُ بِرُؤْيَتِهِمْ الْأُمُورُ الصَّعْبَةُ إذْ هُمْ وُقُوفٌ عَلَى بَابِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ فَلَا يُرَدُّ قَاصِدُهُمْ، وَلَا يَخِيبُ مُجَالِسُهُمْ، وَلَا مَعَارِفُهُمْ، وَلَا مُحِبُّهُمْ إذْ هُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحُ لِعِبَادِهِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَتَتَعَيَّنُ الْمُبَادَرَةُ إلَى رُؤْيَتِهِمْ، وَاغْتِنَامِ بَرَكَتِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ بِرُؤْيَةِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْفَهْمِ، وَالْحِفْظِ، وَغَيْرِهِمَا مَا قَدْ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ وَصْفِهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ اتَّصَفَ بِمَا ذُكِرَ لَهُ الْبَرَكَةُ الْعَظِيمَةُ فِي عِلْمِهِ، وَفِي حَالِهِ، فَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُحَافِظًا عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَزُورَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمِمَّنْ لَا خَطَرَ لَهُ فِي الدِّينِ إلَّا بِالتَّمْوِيهِ، وَبَعْضِ الْإِشَارَاتِ، وَالْعِبَارَاتِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَلَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْ يَضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُدَّعِينَ بَلْ قَدْ تَجِدُ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ يَقْعُدُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ مَنْ يَدَّعِي الْفَقْرَ وَالْوِلَايَةَ، وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ تَذْهَبُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ، وَيَعْتَذِرُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحَزِّبُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْفُقَرَاءِ الصُّلَحَاءِ رَحَلَ
إلَى زِيَارَةِ شَخْصٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ بِهِ، وَهُوَ عُرْيَانٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضُ قُضَاةِ الْبَلَدِ، وَرُؤَسَائِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ شَنِيعٌ فِي الدِّينِ، وَقِلَّةُ حَيَاءٍ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ، وَارْتِكَابِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ إذْ أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مُحَرَّمٌ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَإِخْرَاجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا فَيَرْتَكِبُونَ مُحَرَّمَاتٍ جَمَّةً، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ مَا، وَإِلَّا فَالْمَفَاسِدُ الَّتِي تَعْتَوِرَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، أَوْ تَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ مَعْرُوفٍ فِي الْغَالِبِ
فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ عِنْدَهُ أَعْظَمَ مَطْلُوبٍ، وَيَغَارُ عَلَيْهَا إنْ تَغَيَّرَتْ مَعَالِمُهَا بِأَنْ يُنْسَبَ إلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا فَإِذَا تَعَارَضَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَّةِ، وَزِيَارَةُ مَنْ يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ هَا، فَالتَّرْكُ لِزِيَارَتِهِ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَتَحْسِينُ الظَّنِّ بِهِ مُخَالِفٌ مَعَ عَدَمِ الِاجْتِمَاعِ بِهِ، وَأَمَّا مَعَ الِاجْتِمَاعِ فَقَدْ يَضِيقُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ، وَيَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُخِلَّ بِجَانِبِ السُّنَّةِ، أَوْ بَعْضِهَا فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِشَخْصٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ، أَوْ يَتَأَوَّلَ لَهُ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَكَثُرَتْ الطُّرُقُ، وَاخْتَلَفَتْ الْأَحْوَالُ، وَتَشَعَّبَتْ السُّبُلُ.
وَلَوْ قُلْت لِأَحَدِهِمْ مَثَلًا: السُّنَّةُ كَذَا، وَكَذَا قَابَلَك بِمَا لَا يَلِيقُ فَيَقُولُ: كَانَ شَيْخِي يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، وَمَا هَذَا طَرِيقُ شَيْخِي، وَكَانَ شَيْخِي يَقُولُ: كَذَا، وَكَذَا، وَيُصَادِمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ السُّنَّةَ الْوَاضِحَةَ، وَالطَّرِيقَةَ النَّاجِحَةَ، يَا لَيْتَهُمْ لَوْ وَقَفُوا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ لَوْ كَانَ سَائِغًا، بَلْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَخُوفِ، وَهُوَ مَا بَلَغَنِي مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ، وَنَقَلَ فِيهَا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ نَقْلًا تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرُدُّ هَذَا فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يُرَادُ لِلتَّبَرُّكِ، وَالشُّيُوخُ هُمْ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ، وَهَذَا إنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِمَا قَالَهُ كَانَ كَافِرًا حَلَالَ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ عُظْمَى
يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا مَعَ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ.
وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا، وَهُوَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ اعْتِقَادِ بَعْضِ النِّسْوَةِ، وَزِيَارَتِهِنَّ، وَهُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ قِلَّةِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ بَلْ عَدَمِ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِهِنَّ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَيْهِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مِنْ يَتَسَمَّى بِالشَّيْخَةِ مِنْ الذِّكْرِ جَمَاعَةً بِأَصْوَاتِ النِّسْوَةِ، وَفِي أَصْوَاتِهِنَّ مِنْ الْعَوْرَاتِ مَا لَا يَنْحَصِرُ بِسَبَبِ تَرْخِيمِ أَصْوَاتِهِنَّ، وَنَدَاوَتِهَا سِيَّمَا، وَبَعْضُ الشَّيْخَاتِ عَلَى زَعْمِهِنَّ مِنْ شِعَارِهِنَّ إلْبَاسُ الصُّوفِ لِمَنْ تَابَتْ عَلَى يَدِهَا، وَدَخَلَتْ فِي طَرِيقَتِهَا.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ لِبَاسِ الصُّوفِ لِلرِّجَالِ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الشُّهْرَةِ، وَمِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ مَا هُوَ فِي مِثْلِ ثَمَنِهِ، وَأَبْعَدُ مِنْ الشُّهْرَةِ انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ فَمَا بَالُك بِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، بَلْ لِبَاسُ ذَلِكَ لَهُنَّ مُثْلَةٌ، وَشُهْرَةٌ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِنِسَاءِ النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِنَّ أَعْنِي فِي لِبَاسِهِنَّ الصُّوفَ، وَالتَّخَلِّي عَنْ الْأَزْوَاجِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ ضِدُّ مُرَادِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ: «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ» انْتَهَى.
وَمِنْ حُسْنِ التَّبَعُّلِ لُبْسُ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ، وَالتَّحَلِّي وَالتَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا، فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ فَاعِلَ هَذَا مُصَادِمٌ لِلسُّنَّةِ مُخَالِفٌ لَهَا فَيَنْبَغِي زَجْرُهُ وَهَجْرُهُ، فَكَيْفَ يُعْتَقَدُ، وَأَنْتَ تَرَى كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ لَهُ رِيَاسَةٌ، وَمِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ رِيَاسَةٌ يَتَحَدَّثُونَ بِفَضَائِلَ مَنْ هَذَا حَالُهَا، وَيُثْنُونَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَيُطَرِّزُونَ بِذِكْرِهَا مَجَالِسَهُمْ، وَيَزُورُونَهَا فِي بَيْتِهَا، وَيَسْتَعْمِلُونَ خُطَاهُمْ إلَى زِيَارَتِهَا، أَوْ تَأْتِي هِيَ إلَيْهِمْ، وَيُعَظِّمُونَهَا، وَيُكَرِّمُونَهَا، وَمَنْ لَا يَلْبَسُ الصُّوفَ مِنْ الشَّيْخَاتِ لَهُنَّ عَوْرَاتٌ أُخَرُ أَكْثَرُ، وَأَشْنَعُ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا مِمَّا تُنَزَّهُ الْأَلْسُنُ عَنْ ذِكْرِهَا، وَالْأَقْلَامُ عَنْ كَتْبِهَا.
وَقَدْ قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قِيلَ: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ؟ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْت إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْت مِنْك خَيْرًا قَطُّ» ، وَقَدْ قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
«كَمُلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا أَرْبَعٌ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَعَائِشَةُ» انْتَهَى.
وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - احْذَرُوا الِاغْتِرَارَ بِالنِّسَاءِ، وَإِنْ كُنَّ نِسَاءً صَالِحَاتٍ فَإِنَّهُنَّ يَرْكَنَّ إلَى كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَلَا يَسْتَوْحِشْنَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَنَفَعَنَا بِهِ: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا شِعَارُهُ لُزُومُ بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ: كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك» انْتَهَى.
فَكَيْفَ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ يُشْرَعْ لَهَا الْخُرُوجُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، وَاعْتِقَادُ الشَّيْخَاتِ يَسْتَدْعِي خُرُوجَ رَبَّاتِ الْخُدُورِ، وَغَيْرِهِنَّ، وَفِي خُرُوجِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ مَا قَدْ عُلِمَ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ صَالِحَاتٌ، وَلَا عَابِدَاتٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِهِنَّ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ الْعَجَبُ الْعَجِيبُ فِي اعْتِقَادِ بَعْضِهِنَّ فِي هَؤُلَاءِ الشَّيْخَاتِ مِنْ النِّسْوَةِ، وَهُنَّ كَمَا قَدْ عُلِمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَمْضِينَ لِمَوْضِعٍ يَعْمَلْنَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ إطْلَاقِهِنَّ عَنْ ضَامِنَةِ الْمَغَانِي، فَمَفَاسِدُ مُرَكَّبَةٌ عَلَى مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ، ثُمَّ الْعَجَبُ أَيْضًا مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ مِمَّنْ لَهُ الْحِشْمَةُ أَوْ الْمَشْيَخَةُ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ سَمَاعِ الْمَغَانِي، وَيُعَوِّضُونَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخَةَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا فَتَجِيءُ بَعْدَ إطْلَاقِهَا مِنْ الضَّامِنَةِ، وَمَعَهَا حَفَدَتُهَا، وَيَرْفَعْنَ عَقِيرَتَهُنَّ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً لِلرِّجَالِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وَأَنْكَرَ مَالِكٌ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، فَمَا بَالُك بِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَفِي أَصْوَاتِهِنَّ مِنْ النَّدَاوَةِ، وَالتَّرْخِيمِ، وَالْفِتْنَةِ مَا قَدْ عُلِمَ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كَلَامِ الْمُتَجَالَّةِ أَمَّا الَّتِي كَلَامُهَا أَحْلَى مِنْ الرُّطَبِ فَلَا انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً فَكَيْفَ بِهِ فِي الشَّابَّةِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا مِنْ سَاقِطَةٍ إلَّا وَلَهَا لَاقِطَةٌ، وَسَبَبُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا قِرَاءَةُ الرِّجَالِ جَمَاعَةً، وَذِكْرُهُمْ
جَمَاعَةً فَجَرَّ ذَلِكَ إلَى هَذَا الْمُحَرَّمِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسْوَةُ فِي الْفَرَحِ، وَالْمَوْلِدِ، وَغَيْرِهِمَا، وَزِدْنَ عَلَى ذَلِكَ قِيَامَهُنَّ يَرْقُصْنَ، وَيُعَيِّطْنَ، وَتَأْخُذُهُنَّ الْأَحْوَالُ عَلَى زَعْمِهِنَّ، وَفِي رَقْصِهِنَّ مِنْ الْعَوْرَاتِ مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ، وَفَسَادِ الْقُلُوبِ، وَالتَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ فِيهِ دِينٌ، أَوْ خَيْرٌ مَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى خَسْفِ الْقُلُوبِ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَاسْتِعْمَالِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ، وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ، وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَانْقِلَابِ الْمَقَاصِدِ، وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ لِلْمَفَاسِدِ، وَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا، وَلَا عَدُّهَا فَاللَّبِيبُ مَنْ تَرَكَ هَذَا كُلَّهُ إذْ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي عِنْدَهُ يُحَرِّمُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِتَغْيِيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ أَنْ لَا يَشْهَدَ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ، وَلَا يَتْرُكَ أَحَدًا يَشْهَدُهَا، وَلَا يَرْضَى بِفِعْلِهَا، وَلَا يَذْكُرَهَا سِيَّمَا بِحَضْرَتِهِ بَلْ يَعِيبُ ذَلِكَ، وَيُبَيِّنُ أَمْرَ الشَّرْعِ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ رَزِينٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يَكُنْ أَحَدُكُمْ إمَّعَةً يَقُولُ: أَنَا مَعَ النَّاسِ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْت، وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْت، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا لَا تَظْلِمُوا انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزْهَدَ فِي زِيَارَةِ الْأَكَابِرِ، وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ إذْ أَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِسِيمَاهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: 273] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: 29] ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ» انْتَهَى.
فَإِنْ خَفِيَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَمْرُ أَحَدٍ مِمَّنْ يَرَاهُ فَلْيَنْظُرْ فِي تُصَرِّفْهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى السُّنَّةِ فَلْيَشُدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَاقَعَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَهْرُبْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لِصٌّ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أُثْنِيَ عِنْدَهُ عَلَى شَخْصٍ كَانَ فِي وَقْتِهِ فَخَرَجَ هُوَ، وَمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ إلَى زِيَارَتِهِ، وَدَخَلَا الْمَسْجِدَ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَلَمْ يَجِدَاهُ فَجَلَسَا يَنْتَظِرَانِهِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ تَنَخَّمَ، وَبَصَقَ فِيهِ، فَخَرَجَ هَذَا السَّيِّدُ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ
الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: لِمَ خَرَجْت، وَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إذَا كَانَ إنْسَانٌ لَمْ يَأْتَمِنْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ فَكَيْفَ يَأْتَمِنُهُ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِهِ، وَنَقَلْت مِنْ الْقُوتِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَّةِ، وَتَرْفِيعُهَا، وَتَعْظِيمُ قَدْرِهَا إذْ أَنَّهَا أَوَّلُ بَابٍ فِي الْخَيْرِ، وَهِيَ آخِرُهُ فَشُدَّ يَدَك عَلَيْهَا إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِهَا، أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا ذَلِكَ بِمَنِّهِ آمِينَ بِمُحَمَّدٍ، وَآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ -، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[فَصْلٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
ِ وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مُوَاظِبًا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ فَإِنَّ التَّرْكَ مُضِرٌّ، وَلَوْ قَلَّ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْقُلُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ مَا مَعْنَاهُ إذَا تَرَكَ الطَّالِبُ الِاشْتِغَالَ يَوْمًا كَأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً: وَإِنْ تَرَكَهُ يَوْمَيْنِ كَأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّتَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَهُ ثَلَاثًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَاتِبَ خَطُّهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِتَرْكِ الْكَتْبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ فَضْلٍ عَظِيمٍ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَادِرَ إلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَيَعْمَلَهَا فِيهِ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ طَلَبُ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ إنْ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَدْ يُخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ مِنْ وَظَائِفِ الْجُمُعَةِ مِثْلَ الْغُسْلِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَالْأَظَافِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ اشْتِغَالُهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَحْضُرَ مَجْلِسَ الْعِلْمِ فِي الْجَامِعِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَعْنِي بِمَجْلِسِ الْعِلْمِ الْمَجْلِسَ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا مَجْلِسَ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ
، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْجُلُوسِ إلَى الْقُصَّاصِ فَقَالَ: مَا أَرَى أَنْ يُجْلَسَ
إلَيْهِمْ، وَإِنَّ الْقَصَصَ لَبِدْعَةٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَرَاهَةُ الْقَصَصِ مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ: خَرَجَ مَعَنَا فَتًى مِنْ طَرَابُلُسَ إلَى الْمَدِينَةِ فَكُنَّا لَا نَنْزِلُ مَنْزِلًا إلَّا وَعَظَنَا فِيهِ حَتَّى بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ فَكُنَّا نَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ إذَا هُوَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا كَانَ يَفْعَلُ بِنَا، فَرَأَيْته مِنْ سِمَاطِ أَصْحَابِ التَّيَقُّظِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ لَهَوْا عَنْهُ، وَالصِّبْيَانُ يَحْصِبُونَهُ، وَيَقُولُونَ لَهُ: اُسْكُتْ يَا جَاهِلُ فَوَقَفْت مُتَعَجِّبًا مِمَّا رَأَيْت فَدَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ مَا رَأَيْنَاهُ مِنْ الْفَتَى فَقَالَ مَالِكٌ: أَصَابَ الرِّجَالُ إذْ لَهَوْا عَنْهُ، وَأَصَابَ الصِّبْيَانُ إذْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ بَاطِلَهُ، وَقَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْت مَالِكًا يُكَرِّهُ الْقَصَصَ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَإِذًا تَكْرَهُ مِثْلَ هَذَا فَعَلَامَ كَانَ يَجْتَمِعُ مَنْ مَضَى؟ فَقَالَ: عَلَى الْفِقْهِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ انْتَهَى.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَصَابَ الرِّجَالُ إذْ لَهَوْا عَنْهُ، وَأَصَابَ الصِّبْيَانُ إذْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ بَاطِلَهُ إنَّمَا صَوَّبَ فِعْلَ الرِّجَالِ لِكَوْنِ الصِّبْيَانِ قَدْ كَفَوْهُمْ مُؤْنَةَ التَّغْيِيرِ، فَلَوْ لَمْ يُغَيِّرْ الصِّبْيَانُ لَبَادَرُوا إلَى التَّغْيِيرِ، وَمِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ الْقَصَصَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَعْنِي أَدْعُو اللَّهَ، وَأَقُصُّ، وَأُذَكِّرُ النَّاسَ فَقَالَ عُمَرُ: لَا فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ: أَنَا تَمِيمٌ الدَّارِيُّ فَاعْرِفُونِي.
وَقَالَ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ قَالَ مَالِكٌ: وَنَهَيْت أَبَا قُدَامَةَ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَيَقُولَ افْعَلُوا كَذَا، وَكَذَا، وَقَالَ أَبُو إدْرِيسَ: لَأَنْ أَرَى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ نَارًا تُؤَجَّجُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِي نَاحِيَتِهِ قَاصًّا يَقُصُّ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: لَمْ يُقَصَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا فِي زَمَانِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حَتَّى ظَهَرَتْ الْفِتْنَةُ، وَظَهَرَ الْقُصَّاصُ، وَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ أَخْرَجَ الْقُصَّاصَ مِنْهُ، وَقَالَ: لَا يُقَصُّ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي عُلُومِ الْأَعْمَالِ
فَاسْتَمَعَ إلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ.
وَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ إلَى مَجْلِسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ قَاصًّا يَقُصُّ فَوَجَّهَ إلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ أَنْ أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخْرَجَهُ.
وَقِيلَ لِابْنِ سِيرِينَ: لَوْ قَصَصْت عَلَى إخْوَانِك فَقَالَ: قَدْ قِيلَ: لَا يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ إلَّا أَمِيرٌ، أَوْ مَأْمُورٌ، أَوْ أَحْمَقُ، وَلَسْت بِأَمِيرٍ، وَلَا مَأْمُورٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ الثَّالِثَ انْتَهَى.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَقُصُّ إلَّا أَمِيرٌ، أَوْ مَأْمُورٌ، أَوْ مُخْتَالٌ» انْتَهَى.
وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ أَيْضًا: قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: رَأَيْت سَيَّارًا أَبَا الْحَكَمِ يَسْتَاكُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَقَاصًّا يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَمِ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْك فَقَالَ: الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا هُمْ فِيهِ أَنَا فِي سُنَّةٍ، وَهُمْ فِي بِدْعَةٍ، وَلَمَّا أَنْ دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ الْبَصْرَةَ نَظَرَ إلَى قَاصٍّ يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: فَتَوَسَّطَ الْأَعْمَشُ الْحَلْقَةَ، وَجَعَلَ يَنْتِفُ شَعْرَ إبْطَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَاصُّ: يَا شَيْخُ أَلَا تَسْتَحِي نَحْنُ فِي عِلْمٍ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَهُ الْأَعْمَشُ: الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنْ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ قَالَ: كَيْفَ فَقَالَ: لِأَنِّي فِي سُنَّةٍ، وَأَنْتَ فِي كَذِبٍ، أَنَا الْأَعْمَشُ، وَمَا حَدَّثْتُك مِمَّا تَقُولُ شَيْئًا، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذِكْرَ الْأَعْمَشُ انْفَضُّوا عَنْ الْقَاصِّ، وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ، وَقَالُوا: حَدِّثْنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَكْذَبُ النَّاسِ الْقُصَّاصُ، وَالسُّؤَالُ، وَمَا أَحْوَجَ النَّاسَ إلَى قَاصٍّ صَدُوقٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْمَوْتَ، وَعَذَابَ الْقَبْرِ قِيلَ لَهُ: أَكُنْت تَحْضُرُ مَجَالِسَهُمْ قَالَ لَا، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ: وَحُضُورُ الرَّجُلِ مَجَالِسَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَصَلَاتُهُ أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِهِ مَجَالِسَ الْقُصَّاصِ، وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «حُضُورُ مَجْلِسِ عِلْمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ» ، وَفِي الْخَبَرِ «لَأَنْ يَتَعَلَّمَ أَحَدُكُمْ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ، أَوْ يُعَلِّمَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ» ، وَفِي خَبَرٍ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
فَقَالَ: وَهَلْ تَنْفَعُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إلَّا بِعِلْمٍ» فَالصَّلَاةُ إذَا عُدِمَ مَجْلِسُ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ، وَالتَّفَقُّهُ فِي دِينِ اللَّهِ أَزْكَى مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَصَصِ، وَمِنْ الِاسْتِمَاعِ إلَى الْقُصَّاصِ، فَإِنَّ الْقَصَصَ كَانَ عِنْدَهُمْ بِدْعَةٌ، وَكَانُوا يُخْرِجُونَ الْقُصَّاصَ، وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ قُلْت لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَخٌ لِي يَقْعُدُ إلَى الْقُصَّاصِ قَالَ: انْهَهُ قُلْت: لَا يَقْبَلُ قَالَ: عِظْهُ قُلْت: لَا يَقْبَلُ قَالَ: اُهْجُرْهُ قُلْت: نَعَمْ قَالَ: فَأَتَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَذَكَرْت لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ فَقَالَ: قُلْ لَهُ يَقْرَأُ فِي الصُّحُفِ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، وَيَطْلُبُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ: بَلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَهْجُرُهُ قَالَ: فَتَبَسَّمَ، وَسَكَتَ انْتَهَى.
، وَكَذَلِكَ لَا يُحْضِرُ الْكُتُبَ الَّتِي تُقْرَأُ، وَفِيهَا الْأَحَادِيثُ الْمُشْكِلَةُ عَلَى السَّامِعِ فِي الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُبَيِّنُ أَحْكَامَهَا، وَمَعْنَاهَا، وَيَحِلُّ مُشْكِلَهَا، وَلَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَحِلُّ الْمُشْكِلَ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَوْتُهُ يَعُمُّ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ كَمَا يَعُمُّهُمْ صَوْتُ الْقَارِئِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّهُمْ، فَالْغَالِبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُومُ، وَعِنْدَهُ الرِّيبَةُ فِي اعْتِقَادِهِ، وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْحَدِيثِ فِي جِنَازَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي اهْتِزَازِ الْعَرْشِ، وَعَنْ حَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، وَعَنْ الْحَدِيثِ فِي السَّاقِ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يُتَحَدَّثَنَّ بِهِ، وَمَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ، وَهُوَ يَرَى مَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَخَافُهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمِثْلِ هَذَا قِيلَ لَهُ: فَالْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَضْحَكُ فَلَمْ يَرَهُ مِنْ هَذَا، وَأَجَازَهُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْعَرْشِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّهُ قَالَ: «اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» ، وَمَا رُوِيَ «مِنْ أَنَّ أُمَّهُ بَكَتْ، وَصَاحَتْ لَمَّا أُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَرْقَأْ دَمْعُك، وَيَذْهَبْ حُزْنُكِ، فَإِنَّ وَلَدَك أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ» ، وَمَا يُرْوَى مِنْ «أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَقَالَ: مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي مَاتَ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَدْ مَاتَ» .
وَالْحَدِيثُ فِي السِّيَاقِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا يُرْوَى «أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى لِلْخَلْقِ فَيَقُولُ: مَنْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا فَيَقُولُ: وَهَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ فَيَقُولُونَ: إذَا تَعَرَّفَ إلَيْنَا سُبْحَانَهُ عَرَفْنَاهُ قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إلَّا خَرَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَاجِدًا» ، وَإِنَّمَا نَهَى مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُتَحَدَّثَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ «أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، وَسَبِيلُهَا إذَا صَحَّتْ الرِّوَايَاتُ بِهَا أَنْ تَتَأَوَّلَ عَلَى مَا يَصِحُّ مِمَّا يَنْتَفِي بِهِ التَّشْبِيهُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا يُصْنَعُ بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ التَّشْبِيهَ، وَهُوَ كَثِيرٌ كَالْإِتْيَانِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: 210] ، وَالْمَجِيءِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] انْتَهَى.
وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210] أَيْ عَذَابُهُ، وَنِقْمَتُهُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ، وَأَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ، وَجَاءَ رَبُّك.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الظُّهُورَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِنَّمَا الْحِجَابُ مِنَّا، فَإِذَا كَشَفَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحِجَابَ عَنَّا ظَهَرَ لَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَدٍّ، وَلَا تَكْيِيفٍ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْ الصُّورَةِ، وَالْكَيْفِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالِاسْتِوَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: 4] مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْقَهْرُ، وَالْغَلَبَةُ تَقُولُ الْعَرَبُ: اسْتَوَى زَيْدٌ عَلَى أَرْضِ كَذَا أَيْ مَلَكَهُمْ وَقَهَرَهُمْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
وَلَمَّا أَنْ كَانَ الْعَرْشُ أَعْظَمَ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَهُولَةِ اكْتَفَى بِذَكَرِهِ عَمَّا دُونَهُ، إذْ أَنَّ مَا دُونَهُ
تَبَعٌ لَهُ، وَفِي حُكْمِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا يَفْعَلُ أَيْضًا بِمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَالضَّحِكِ، وَالنُّزُولِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ تُكْرَهْ رِوَايَتُهَا لِتَوَاتُرِ الْآثَارِ بِهَا انْتَهَى.
أَمَّا الضَّحِكُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَصْدُرُ مِنْ الْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ مِنَّا مِنْ الرِّضَا، وَالْإِحْسَانِ، وَأَمَّا النُّزُولُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ سَبِيلَهَا كُلِّهَا فِي اقْتِضَاءِ ظَاهِرِهَا التَّشْبِيهَ، وَإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا كُلِّهَا عَلَى مَا يَنْتَفِي بِهِ تَشْبِيهُ اللَّهِ عَزَّ، وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَقْرَبَهَا كُلِّهَا أَنَّ عَرْشَ الرَّحْمَنِ قَدْ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ؛ لِأَنَّ الْعَرْشَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالِاهْتِزَازُ، وَإِضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ لَهُ كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وَحَرَمُهُ لَا أَنَّهُ مَحَلٌّ لَهُ، وَمَوْضِعٌ لِاسْتِقْرَارِهِ، إذْ لَيْسَ فِي مَكَان فَقَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْمَكَانُ فَلَا يَلْحَقُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِاهْتِزَازِ عَرْشِهِ مَا يَلْحَقُ مَنْ اهْتَزَّ عَرْشُهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ مِنْ تَحَرُّكِهِ بِحَرَكَتِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مَجَازًا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِتَحْرِيكِ الْعَرْشِ حَرَكَةَ حَمَلَتِهِ اسْتِبْشَارًا وَفَرَحًا بِقُدُومِ رُوحِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ: اهْتَزَّ الْمَجْلِسُ بِقُدُومِ فُلَانٍ عَلَيْهِ أَيْ اهْتَزَّ أَهْلُهُ لِقُدُومِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يُرِيدُ أَهْلَهَا، وَمِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُحُدٌ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ» أَيْ: يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ، وَأَمَّا حَدِيثُ السَّاقِ فَلَمْ يُضَفْ السَّاقُ فِيهَا إلَى أَحَدٍ، وَمَعْنَاهُ عَنْ شِدَّةٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعْنَى شِدَّةِ الْأَمْرِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ
، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: 42] أَيْ عَنْ شِدَّةٍ مِنْ الْأَمْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: 29] أَيْ الْتَفَّتْ سَاقُ الدُّنْيَا بِسَاقِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ أَمْرُ الدُّنْيَا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعْمَالُ الدُّنْيَا بِمُحَاسَبَةِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» فَإِنَّهُ حَدِيثٌ يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى
صُورَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ فِي صِحَّتِهَا لِاشْتِهَارِ نَقْلِهَا مِنْ غَيْرِ مُنْكِرٍ لَهَا، وَلَا طَاعِنٍ فِيهَا، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَمِنْ مُصَحِّحٍ لَهَا، وَمِنْ طَاعِنٍ فِيهَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى إنْكَارِ ذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ، وَقَعَ مِنْ طَرِيقِ التَّأْوِيلِ لِبَعْضِ النَّقْلَةِ تَوَهُّمُ أَنَّ الْهَاءَ تَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَنَقَلَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَحْفُوظَةُ فَهِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى رَجُلٍ مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ، وَأَبُوهُ أَوْ مَوْلَاهُ يَضْرِبُ وَجْهَهُ لَطْمًا، وَيَقُولُ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك فَقَالَ: «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَك فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ سَبَّ آدَمَ؛ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى صِفَتِهِ، وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا، وَمِنْهَا أَنَّ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ عَلَى صُورَتِهِ تَرْجِعُ إلَى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا - أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَفَائِدَتُهُ الْإِعْلَامَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَوِّهْ خَلْقَهُ حِينَ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَفَائِدَتُهُ إبْطَالَ قَوْلِ أَهْلِ الزَّيْغِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا إنْسَانَ إلَّا مِنْ نُطْفَةٍ، وَلَا نُطْفَةَ إلَّا مِنْ إنْسَانٍ، وَلَا دَجَاجَةَ إلَّا مِنْ بَيْضَةٍ، وَلَا بَيْضَةَ إلَّا مِنْ دَجَاجَةٍ لَا إلَى أَوَّلٍ.
الثَّالِثُ - مَعْنَاهُ وَفَائِدَتُهُ إبْطَالُ قَوْلِ أَهْلِ الزَّيْغِ، وَالْمُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِتَأْثِيرِ الْعُنْصُرِ، وَالْفَلَكِ، وَاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الصُّورَةِ، وَالتَّرْكِيبِ، وَالْهَيْئَةِ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِعْلُ طَبْعٍ، وَلَا تَأْثِيرُ فَلَكٍ، وَخَصَّ آدَمَ بِالذِّكْرِ مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُهَا، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِهِ دُونَ مُشَارَكَةِ فِعْلِ طَبْعٍ، أَوْ تَأْثِيرِ فَلَكٍ فَوَلَدُهُ، وَمَنْ سِوَاهُمْ عَلَى حُكْمِهِ كَذَلِكَ.
وَقَدْ
قِيلَ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ: أَنَّ فَائِدَةَ الْحَدِيثِ تَكْذِيبُ الْقَدَرِيَّةِ فِيمَا زَعَمَتْ مِنْ أَنَّ صِفَاتِ آدَمَ مِنْهَا مَا خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْهَا مَا خَلَقَهَا آدَم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِنَفْسِهِ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَكْذِيبِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى جَمِيعِ صُورَتِهِ، وَصِفَتِهِ، وَمَعَانِيهِ، وَأَعْرَاضِهِ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: عَرِّفْنِي هَذَا الْأَمْرَ عَلَى صُورَتِهِ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ، وَالِاسْتِقْصَاءِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي جَاءَتْ، وَهِيَ: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّقْلِ لَا يُصَحِّحُ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ الرَّاوِيَ سَاقَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْ مَعْنَاهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ إضَافَةَ تَشْرِيفٍ عَلَى طَرِيقِ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الْمُضَافِ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13] فَإِنَّهَا إضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ تُفِيدُ التَّحْذِيرَ، وَالرَّدْعَ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] ، وَقَوْلُ النَّاسِ: الْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ، وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ.
فَشَرُفَتْ صُورَةُ آدَمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ اخْتَرَعَهَا، وَخَلَقَهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ انْتَهَى.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطُّ قَطُّ وَعِزَّتِك، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ» ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ وُجُوهًا عِدَّةً فَمِنْهَا أَنَّ الْكَافِرَ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسَمَّى قَدَمًا، وَالنَّارُ مَوْعُودَةٌ بِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تُحَصِّلْهُمْ فِي جَوْفِهَا بَقِيَتْ مَلْهُوفَةً عَلَيْهِمْ كَمَا هِيَ الْأُمُّ حِينَ تَفْقِدُ أَوْلَادَهَا، فَإِذَا حَصَلُوا فِي جَوْفِهَا تَقُولُ: قَطُّ قَطُّ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ أَوْلَادَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 9] ، وَالْهَاوِيَةُ: اسْمٌ لِإِحْدَى طَبَقَاتِ النَّارِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ جَمِيعِ دَرَكَاتِهَا بِنُورِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ الْحَقِيرَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يُبَالَى
بِهِ يُدَحْرَجُ بِالْقَدَمِ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْغَضَبِ عَلَيْهِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الْحَقَارَةِ لَهُ كَمَا الْأَمْرُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الرَّفِيعَةَ، وَالطَّاهِرَةَ تُتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ يَقُولُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ، وَهُوَ حَجَرٌ مَرْئِيٌّ مَحْسُوسٌ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْجَارِحَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَادَةَ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ كَمَا سَبَقَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَشْهَدُ لِلَامِسِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ شَهِدَ لَهُ رُحِمَ، وَغُفِرَ لَهُ، فَضِدُّ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْقَدَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الصُّورَةِ، وَالْكَيْفِيَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَقَدْ حَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمِثَالِ فِي الْآيِ، وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِشْكَالُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعِلْمَ، وَالْمَحَامِلِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنُ، بَلْ الَّذِي لَا يَنْبَغِي: أَنْ يُعْرَجَ عَنْهُ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ خِيفَةً مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الضُّعَفَاءِ أَنْ يَدْخُلَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْفِتْنَةِ فِي عَقِيدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يُقْرَأُ ذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْعَوَامّ، وَالنِّسَاءُ حُضُورٌ يَسْمَعْنَ فَالْغَالِبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ، وَهُمْ مُؤْمِنُونَ فَيَخْرُجُونَ، وَهُمْ مُفْتَتِنُونَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ مَعْنًى مِنْ التَّشْبِيهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ شَيْخٍ عَارِفٍ عَالِمٍ بِالسُّنَّةِ، وَمَعَانِي مَا احْتَوَى عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ جَهِيرَ الصَّوْتِ يَسْمَعُهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، فَيَحِلُّ مُشْكِلَهَا، وَيُبَيِّنُ مَعْنَاهَا، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ جَالِسًا عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ عَنْهُمْ لِيَعُمَّ صَوْتُهُ الْجَمِيعَ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ مَا هُمْ يَفْعَلُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَإِنَّ الْقَارِئَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ فَيَعُمُّ صَوْتُهُ الْجَمِيعَ فِي الْغَالِبِ، وَالشَّيْخُ جَالِسٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَوْتُهُ خَفِيٌّ فَلَا يَعْرِفُ مَا قَالَ إلَّا مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إنْ عُدِمَ هَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي
فَتُمْنَعُ قِرَاءَةُ الْكُتُبِ، وَالْمَوَاعِيدُ الَّتِي تُفْعَلُ، فَإِنْ فَعَلَهَا أَحَدٌ أُدِّبَ عَلَى ذَلِكَ، وَزُجِرَ، وَأُخْرِجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَطَالِبُ الْعِلْمِ قُدْوَةٌ، فَإِذَا رَآهُ أَحَدٌ مِنْ الْعَوَامّ يَحْضُرُ هَذَا الْمَجْلِسَ يَقْتَدِي بِهِ فِي حُضُورِهِ فَقَدْ يَجْلِسُ فِيهِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَيَقُومُ، وَعِنْدَهُ شَكٌّ وَرَيْبٌ فِي اعْتِقَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ طَالِبُ الْعِلْمِ بِحَذَرٍ مِنْ هَذَا، وَأَشْبَاهِهِ، هَذَا وَجْهٌ فِي الْكَرَاهَةِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ كَرِهُوا تَرْكَ الشُّغْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ خِيفَةً مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ فِي السَّبْتِ، وَبِالنَّصَارَى فِي الْأَحَدِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُحْذَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُونَ أَنْ يُتْرَكَ الْعَمَلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِئَلَّا يَصْنَعُوا فِيهِ كَمَا صَنَعَتْ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى فِي السَّبْتِ وَالْأَحَدِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهَذَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَنْهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلْحِدُوا، وَلَا تَشُقُّوا فَإِنَّ اللَّحْدَ لَنَا، وَالشَّقَّ لِغَيْرِنَا» أَيْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ قَالَ «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا، وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ» ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ
[فَصْلٌ فِي تَحَفُّظِ طَالِبِ الْعِلْمِ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى الْمَنَاصِبِ]
ِ، أَوْ التَّشَوُّفِ إلَيْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّهُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطْلُبَ التَّدْرِيسَ، وَلَا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْطُبَ لَهُ، وَيَجِدَهُ عَلَى وَجْهِهِ السَّائِغِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدِلَّ هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْخَلَلَ فِي نِيَّتِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي أَخْذِ الدَّرْسِ فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى فِي الْأَحْكَامِ، بَلْ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ أَشَدُّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» انْتَهَى.
، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ صَبِيَّيْنِ جَاءَاهُ يَتَخَايَرَانِ فِي خَطَّيْهِمَا فَنَظَرَ
فِي الْخَطَّيْنِ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنَّهُ حُكْمٌ لَقُلْت: إنَّ أَحَدَهُمَا أَحْسَنُ مِنْ الْآخَرِ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يُحْشَرُ الْحَاكِمُ، وَيَدَاهُ مَغْلُولَتَانِ إلَى عُنُقِهِ لَا يَفُكُّهُمَا إلَّا عَدْلُهُ» ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُحْشَرَ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ) ، أَوْ كَمَا قَالَ، وَلَمْ يَزَلْ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - يَهْرُبُونَ مِنْهُ الْهَرَبَ الْكُلِّيَّ حَتَّى قَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ تَوَلَّاهُ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى رُفِعَ عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَدْ جَرَى لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حِينَ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَقَالَ: إنِّي لَا أَصْلُحُ فَقِيلَ لَهُ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَالُوا لِمَ قَالَ: لِأَنِّي بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ أَكُونَ صَادِقًا فِيمَا قُلْته فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُوَلُّوا مَنْ لَا يَصْلُحُ، وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا، فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُوَلُّوا كَاذِبًا فَتَرَكُوهُ.
وَحِكَايَتُهُمْ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ مِنْ الِابْتِلَاءِ، وَيَسْتَعِيذُونَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّهُمْ قَدْ يَهْجُرُونَ بَعْضَ مَنْ تَوَلَّى مِنْ مَعَارِفِهِمْ، وَقَدْ جَرَى لِسَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا أَنْ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ مَا قَدْ ذُكِرَ، وَقَدْ جَرَى لِسَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إفْرِيقِيَّةَ لَمَّا أَنْ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا لِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الرِّجَالِ لِاسْتِخْلَاصِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالُوا: وَلِمَ ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُوصِلَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْمَذْهَبِ قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ.
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لَهُ فَلَمَّا أَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَمِلُوا حِسَابَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ، فَوَجَدُوهُ مَالًا كَثِيرًا فَشَحُّوا بِإِخْرَاجِهِ فَتَرَكُوهُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي لِمَنْ وَلِيَ أَيَّ خُطَّةٍ أَنْ يَنْظُرَ إلَى نَفْسِهِ فِي يَوْمِ عَزْلِهِ مِنْهَا، وَلَا يَنْظُرُ إلَى يَوْمِ تَوْلِيَتِهِ انْتَهَى.
وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى يَوْمِ تَوْلِيَتِهِ هَلَكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَإِذَا نَظَرَ إلَى يَوْمِ عَزْلِهِ سَلِمَ فِي الْغَالِبِ.
وَقَدْ
جَرَى بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَجَبَرَ الشَّيْخَ الْجَلِيلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عِمْرَانَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَاسْتَشَارَ بَعْضَ الْأَكَابِرِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: لَا تَتَوَلَّى، وَإِنْ تَوَقَّعْت الْمَوْتَ قَالَ لَهُ آخَرُونَ: إنْ تَوَقَّعْت الْمَوْتَ تَوَلَّ، وَاحْكُمْ بِالْعَدْلِ، وَهُمْ يَعْزِلُونَك فَسَمِعَ مِنْ الثَّانِي فَتَوَلَّى، وَحَكَمَ بِالْعَدْلِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً، وَعَزَلُوهُ فِي حِكَايَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْهَرَبُ الْكُلِّيُّ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَأَسْبَابِهَا إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ - سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ - عَلَى حُظُوظِ النُّفُوسِ مِنْ الرِّيَاسَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي هُوَ مُعَلَّقٌ بِالْقُلُوبِ فِي الْغَالِبِ يُبْذَلُ فِي الْمَنَاصِبِ، وَلَا تُبْذَلُ الْمَنَاصِبُ فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ، وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ: الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَفْضَلُ، وَأَعْظَمُ مِنْ أَلْفِ زُهْدٍ فِي الْمَالِ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ أَنْ يَمِيلَ إلَى خَاطِرِ النَّفْسِ، وَالْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ، وَالْإِلْزَامِ الْمُعَيَّنَةِ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، فَقَدْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ، أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ أَنَّهُ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَيَقَعُ بِالْقَضَاءِ فِي الْقَضَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ آفَةٌ عَلَيْهِ عَاجِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ عَلَيْهِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ لِكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ إنْ كَانَ شَابًّا إذْ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا جَاءَهُ الْخَصْمَانِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمُطَالَعَةِ الْمَسَائِلِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ تَرْكُ الضَّرُورَاتِ كُلِّهَا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ شَرْعًا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ قَوْلِهِ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ» انْتَهَى.
وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَا سِنٍّ فَأَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ الْأَرْبَعِينَ طَوَى الْفِرَاشَ، وَانْعَزَلَ عَنْ النَّاسِ، وَتَبَتَّلَ لِلْعِبَادَةِ، وَتَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ إذْ ذَاكَ، فَمَا بَالُك بِالدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ أَعْنِي: أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِيءُ لِلْإِنْسَانِ إلَّا بَعْدَ الطَّعْنِ فِي السِّنِّ حِينَ تَوَقُّعِ هُجُومِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ غَالِبًا لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ يَقُولُ: «مُعْتَرَكُ مَنَايَا أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ» ، وَيَكْفِي مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْهُ مَا حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ
الْقُضَاةِ كَانَ إذَا جَلَسَ لِلْأَحْكَامِ جَلَسَ إلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ الْوَجْهِ أَبْيَضُ الْبَدَنِ، فَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْصِلَ الْحُكْمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ نَظَرَ إلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ يَفْصِلُ الْحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَسُئِلَ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَ: اسْأَلُوهُ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَنْبُشُ الْقُبُورَ فَمَاتَ قَاضِي الْبَلَدِ قَالَ: فَذَهَبْت إلَيْهِ لَيْلًا فَنَبَشْت عَلَيْهِ حَتَّى وَصَلْت إلَيْهِ، وَجِئْت آخُذُ الْكَفَنَ، وَإِذَا بِشَخْصَيْنِ قَدْ دَخَلَا فَرُعِبْت مِنْهُمَا فَرَجَعْت فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْقَبْرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى قَدَمَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ: هَاتَانِ قَدَمَانِ مَا عَصَتَا اللَّهَ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى فَرْجِهِ فَشَمَّهُ فَقَالَ: هَذَا فَرْجٌ مَا عَصَى اللَّهَ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى بَطْنِهِ فَشَمَّهَا فَقَالَ هَذِهِ بَطْنٌ مَا أَكَلَتْ الْحَرَامَ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى يَدَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ: هَاتَانِ يَدَانِ مَا عَصَتَا اللَّهَ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى فِيهِ فَشَمَّهُ فَقَالَ: هَذَا لِسَانٌ مَا عَصَى اللَّهَ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى عَيْنَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ: هَاتَانِ عَيْنَانِ مَا عَصَتَا اللَّهَ قَطُّ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى أُذُنَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَسَكَتَ، فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُك؟ فَقَالَ لَهُ: هَاتَانِ أُذُنَانِ جَاءَهُ يَوْمًا خَصْمَانِ فَأَصْغَى إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ فَارْتَفَعَا يَضْرِبَانِهِ، فَهَرَبْت فَحَصَلَ لِي هَذَا مِنْ هُوِيِّ الْمِقْمَعَةِ فَأَصْبَحَ وَجْهِي كَمَا تَرَى انْتَهَى.
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْحِكَايَةِ مَا أَعْجَبَهَا، فَأَيْنَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا السَّيِّدُ هُوَ، وَاَللَّهِ أَعَزُّ شَيْءٍ يَكُونُ، وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ يَنْظُرُ إلَى كُلِّ مَوْضِعٍ يُضْطَرُّ فِيهِ إلَى الصَّبْرِ فَيَهْرُبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ فِي الْغَالِبِ عَاجِزَةٌ عَنْ الصَّبْرِ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَارَهُ، وَيُضْطَرَّ إلَيْهِ فَالِاسْتِغَاثَةُ إذْ ذَاكَ بِرَبِّهِ لَعَلَّ أَنْ يُصَبِّرَهُ عَلَى مَا ابْتَلَاهُ بِهِ، فَبُعْدُهُ مِنْ بَابِ الِابْتِلَاءِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُرْجَى لَهُ أَنْ يُعَانَ، وَأَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْآفَاتِ الْمَنُوطَةِ بِهِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إذَا أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا» ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ» انْتَهَى.
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى الْغَالِبِ
مِنْ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ فِي تَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا، بَلْ يَبْذُلُ بَعْضُنَا الْمَالَ فِي تَحْصِيلِهَا فَأَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَ هَذَا الْحَالِ، وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ.
. .» الْحَدِيثَ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ بِهِ قُبْحُ تَعَاطِيهِمْ لِذَلِكَ.
فَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ فِي ذَلِكَ لِمَا يَرَاهُ مِنْ أَنَّ فِيهِ أَهْلِيَّةً لِلْمَنْصِبِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ فِي هَذَا تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ.
الثَّانِي - أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْأَحْكَامِ فِيهِ إشْغَالُ الذِّمَّةِ بِأَمْرٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ يُتَخَلَّصُ مِنْهُ أَمْ لَا؟ وَخَلَاصُ الذِّمَّةِ مُتَعَيِّنٌ، فَإِنْ اُحْتُجَّ بِمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55] فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُمْ أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ طَلَبَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَذَلِكَ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ نَبِيٌّ مَلِكٌ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ خَافَ عَلَى غَيْرِهِ إنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ يَهْلَكُ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ أَمِنَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ عِصْمَتِهِ، هَذَا وَجْهٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقَعُ بِالنَّاسِ شِدَّةٌ وَغَلَاءٌ خَافَ عَلَيْهِمْ إنْ تَوَلَّى غَيْرُهُ ذَلِكَ أَنْ يَهْلَكُوا هَلَاكَ اسْتِئْصَالٍ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَطَلَبَ مَا طَلَبَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَشِيَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَصِّرُوا فِي حَقِّهِ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ إذْ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: 34] ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْوِلَايَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَعْدِلُ
بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، وَالسَّلَامَةُ غَالِبًا إنَّمَا تُتَوَقَّعُ فِي تَرْكِ الْوِلَايَاتِ، فَكَيْفَ تُبْذَلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ لَا جَرَمَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى بَذْلِ الْأَمْوَالِ صَارَ يَطْلُبُهَا مَنْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لَهَا، وَلَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ فَضَاعَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ طَلَبِهَا، وَدُخُولِ الْأَمْوَالِ فِيهَا، وَصَارَتْ التَّوْلِيَةُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَإِذَا فُهِمَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ الْهَرَبُ مِنْ الْوِلَايَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، وَهُوَ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ، وَأَخْلَصُ مِنْ التَّبَعَاتِ عَاجِلًا وَآجِلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا التَّفْرِقَةُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ
، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ بِفَتْوَى مَنْ وَهَمَ، وَأَلْحَقَ الرِّشْوَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ السُّحْتِ وَالْحَرَامِ بِبَابِ الْجَعَالَةِ، وَإِلْحَاقُهَا بِبَابِ الْجَعَالَةِ لَا يَجُوزُ لِفَقْدِ شُرُوطِ الْجَعَالَةِ فِيهَا إذْ أَنَّ الْجَعَالَةَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ مَعْلُومًا.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَنْقُدَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ إلَّا بِتَمَامِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يُضْرَبُ لِلْعَمَلِ الْمَجْعُولِ فِيهِ أَجَلٌ، فَمَتَى انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ لَمْ تَجُزْ، وَقَدْ فُقِدَ فِي الرِّشْوَةِ أَكْثَرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنْ الِاتِّبَاعِ يَزِلُّ الزَّلَّةَ فَتُحْمَلُ عَنْهُ فِي الْآفَاقِ، وَقَالَ آخَرُ: زَلَّةُ الْعَالِمِ مِثْلُ انْكِسَارِ السَّفِينَةِ تَغْرَقُ، وَتُغْرِقُ الْخَلْقَ انْتَهَى.
وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْآخِذِ لِلرِّشْوَةِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ قَدْ تَسَبَّبَ فِي وُقُوعِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْمُحَرَّمِ فَصَارَ شَرِيكًا لَهُ فِي إثْمِ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الظَّلَمَةَ يُحْشَرُونَ وَأَعْوَانَهُمْ، حَتَّى مَنْ مَدَّ لَهُمْ مَدَّةً، فَإِذَا كَانَ مَنْ مَدَّ لَهُمْ مَدَّةً يُحْشَرُ مَعَهُمْ، فَمَا بَالُك بِمَنْ أَخَذَ مَالًا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَلَى شَيْءٍ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَنْفَعَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» ، وَمِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ لِلْإِمَامِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ ظُفْرٍ الْحَمَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42]-: قَالَ الْحَسَنُ: هُمْ حُكَّامُ الْيَهُودِ يَسْتَمِعُونَ الْكَذِبَ مِمَّنْ يَأْتِيهِمْ بِرِشْوَةٍ، وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ: رِشْوَةُ الْحَاكِمِ مِنْ السُّحْتِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ شَفَعَ لِرَجُلٍ لِيَدْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً فَأَهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَذَلِكَ السُّحْتُ فَقِيلَ: لَهُ كُنَّا نَرَى أَنَّ السُّحْتَ الرِّشْوَةُ فِي الْقَضَاءِ فَقَالَ: ذَلِكَ الْكُفْرُ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الرِّشْوَةَ فِي الْقَضَاءِ أَكَلَ السُّحْتَ وَكَفَرَ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَعَنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ» فَالرَّائِشُ: هُوَ الَّذِي يُرْشِي الْمُرْتَشِيَ مِنْ مَالِ الرَّاشِي فَيَأْخُذُ لَهُ الرِّشْوَةَ مِنْهُ فَكُلُّ مَالٍ كَسَبَهُ ذُو الْوَجَاهَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ مِنْ ذَوِي الْحَوَائِجِ إلَيْهِ بِجَاهِهِ، فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُحْتٌ، وَالْقَضَاءُ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا رَفَعَهُ السُّلْطَانُ إلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ مِنْ السُّحْتِ» ، وَقَالَ عُمَرُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ انْتَهَى.
[فَصْلٌ فِي الْعَدَالَةِ]
ِ فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْهَرَبِ مِنْ الْمَنَاصِبِ فَمِنْ آكَدِهَا الْهَرَبُ مِنْ الْعَدَالَةِ، وَتَرْكُ التَّشَوُّفِ إلَيْهَا، إذْ أَنَّ الْخَطَرَ فِيهَا أَعْظَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ، إذْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ، وَلَا نَهْيٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِشَهَادَتِهِمْ فَكَأَنَّهُ أَسِيرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِحَسْبِ مَا قَالُوهُ حَكَمَ، فَهُمْ الْبَاعِثُونَ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ، وَأُمُورُهَا مُتَشَعِّبَةٌ مُشْغِلَةٌ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْغَالِبِ، حَتَّى إنَّهُ قَدْ يُضَيِّعُ بَعْضُهُمْ لِأَجْلِهَا، وَفِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ أَشْيَاءُ عَدِيدَةٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ» انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا كُلُّ
مَنْ طَلَبَ الْعَدَالَةَ فَهُوَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ خُصُوصًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ الْقَبَائِحِ إلَّا مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِهَا، بَلْ هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ رَجَعَتْ إلَى بَذْلِ الْمَالِ وَالِاسْتِعَانَةِ مَعَهُ بِمَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا فِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَنَاصِبَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَيُحْرَمَهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا فِي الْغَالِبِ، فَآلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى أَشْيَاءَ فَظِيعَةٍ مِنْ إبْطَالِ الْأَنْكِحَةِ، وَالْعُقُودِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، إذْ أَنَّ الرَّبْطَ وَالْحَلَّ إنَّمَا هُوَ بِالْعُدُولِ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُدُولِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَالُهُمْ مَعْلُومٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى شَرْحِهِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَثُرَتْ شَهَادَاتُ الزُّورِ إذْ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْعَدَالَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ أَهْلُهَا لَقَلَّتْ الْمَفَاسِدُ، بَلْ تُعْدَمُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرْت لِبَعْضِ الْمُبَارَكِينَ شَخْصًا، وَأَثْنَيْت عَلَيْهِ عِنْدَهُ، وَقُلْت لَهُ: إنَّ وَالِدَهُ يَطْلُبُ لَهُ الْعَدَالَةَ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْآنَ عَدْلٌ كَيْفَ يُجَرِّحُونَهُ، فَقُلْت لَهُ: الْعَدَالَةُ تَجْرِيحٌ فَقَالَ: نَعَمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَرْكُ الْعَدَالَةِ هِيَ الْعَدَالَةُ، وَمَا ذَكَرَهُ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى إلَى حَالِ بَعْضِهِمْ فِي الْمَكْتُوبِ إذَا كَتَبَهُ يَطْلُبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَتَشَاحُّ فِي ذَلِكَ، وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُهُ إذْ أَنَّ الْجَالِسَ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعِ مَرَاتِبَ أَوَّلُهَا، وَهِيَ أَعْلَاهَا: أَنْ يَجْلِسَ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّفْرِيجِ عَنْهُمْ، وَإِرْشَادِهِمْ، وَتَصْحِيحِ عُقُودِهِمْ طَالِبًا بِذَلِكَ الثَّوَابَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، وَلَا لِثَنَاءٍ وَغَيْرِهِ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ، فَإِذَا أَعْطَى شَيْئًا تَبَرَّمَ مِنْهُ، وَأَغْلَظَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَهَذَا عَزِيزُ الْوُجُودِ، فَإِنْ وُجِدَ كَانَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاتِهِ النَّافِلَةَ فِي بَيْتِهِ، وَانْقِطَاعِهِ لِلتَّعَبُّدِ، إذْ أَنَّهُ خَيْرٌ مُتَعَدٍّ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّ النَّفْعَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تَعْتَوِرُهُ فِي ذَلِكَ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْلِسَ لِلشَّهَادَةِ
فَإِذَا جَاءَهُ شُغْلٌ أَخَذَ عَلَيْهِ أُجْرَةَ نَسْخِهِ لِلْوَرَقَةِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ لَيْسَ إلَّا، فَإِنْ زَادَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي عِزَّةِ وُجُودِهِ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَدِينَةِ فَاسَ جَالِسًا فِي الْعُدُولِ، وَجَاءَهُ إنْسَانٌ فَكَتَبَ عِنْدَهُ حُجَّةً، وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا نَسْتَحِقُّهُ فَقَالَ لَهُ: مَا عِنْدِي غَيْرُ الدِّرْهَمِ فَقَالَ: لَا آخُذُ مَا لَا أَسْتَحِقُّهُ فَقَالَ لَهُ: فَكَمْ نُعْطِيكَ قَالَ: رُبْعُ دِرْهَمٍ قَالَ: مَا عِنْدِي رُبْعٌ قَالَ: هَاتِ أَرْبَعَةً مِنْ الْبِيضِ، ثُمَّ جَاءَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَنَزَلَ مِنْ دُكَّانِهِ لِأَدَائِهَا فَأَعْطَاهُ شَيْئًا فَانْتَهَرَهُ، وَزَجَرَهُ قَالَ: تُطْعِمُونَ النَّاسَ الْحَرَامَ، وَمَعَ هَذَا الْحَالِ مِنْ التَّحَرُّزِ وَالِاحْتِيَاطِ لِدِينِهِ تَبَرَّمَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَانْعَزَلَ فِي الْبَيْتِ فَعَلَى مِنْوَالِهِ فَانْسِجْ إنْ أَرَدْت الْخَلَاصَ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجْلِسَ فَإِذَا جَاءَهُ شُغْلٌ عَمِلَهُ، وَلَا يَطْلُبُ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإِنْ أَعْطَاهُ قَلِيلًا رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ كَثِيرًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ لَمْ يَرُدَّهُ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَدْنَى مِنْ الْمَرْتَبَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ مَعَ كَوْنِهَا جَائِزَةً شَرْعًا، وَقَدْ قَلَّ وُجُودُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ.
الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: مَا يَتَعَاطَوْنَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الشَّاهِدُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَمْنَعَ الْحُجَّةَ لِأَجْلِهِ، حَتَّى يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَدَّى الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَتْرُكَ بَعْضُ النَّاسِ الْإِشْهَادَ عَلَى حُقُوقِهِ لِأَجْلِ الْإِجْحَافِ بِهِ، وَخَوْفًا مِنْ إعَانَتِهِمْ عَلَى أَكْلِ الْحَرَامِ، وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا طُلِبَ مِنْ بَعْضِهِمْ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ الْيَوْمَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا يَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا، حَتَّى إذَا أُعْطِيَ شَيْئًا تَذَكَّرَهَا إذْ ذَاكَ مِنْ غَيْرِ ارْتِيَابٍ سِيَّمَا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ فِيهَا فِعْلًا قَبِيحًا، وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الصَّدَاقَ عِنْدَهُ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ يَقُولُ: حَتَّى أُفَتِّشَ فَلَا يَزَالُ يُمَاطِلُ حَتَّى إذَا اُضْطُرَّتْ الْمَرْأَةُ إلَيْهِ بِمَوْتِ زَوْجِهَا، أَوْ طَلَاقِهِ إيَّاهَا، أَوْ بِطَلَبِ حَقِّهَا الْمَذْكُورِ فِي صَدَاقِهَا، فَيَطْلُبُ مِنْهَا إذْ ذَاكَ مَا يَخْتَارُهُ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الْحَالِ، وَخَشِيَتْ مِنْهُ أَيْضًا إنْ كَانَ الصَّدَاقُ عِنْدَهَا أَنْ تَقْضِيَ مَا تَزِيدُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
بِالْمُبَارَأَةِ، وَأَفْعَالُهُمْ مِنْ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ أَقْبَحُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَتُنَزَّهُ الْكُتُبُ عَنْ ذِكْرِهَا، وَالْأَقْلَامُ عَنْ كَتْبِهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الْمَرْءُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فَقَدْ بَاعَ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يُضْطَرُّ طَالِبُ الْعِلْمِ إلَى الْعَدَالَةِ وَالْجُلُوسِ لِأَجْلِ الْعَائِلَةِ، وَمَا يَعْتَوِرهُ مِنْ الضَّرُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ مِمَّا يُحْوِجُهُ إلَى ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا تُسْتَأْكَلُ بِهِ الدُّنْيَا، فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، فَلَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ اتِّسَاعٌ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأُمُورُ الدِّينِ وَالْآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى التَّسَبُّبِ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْجُلُوسِ لِمَا ذُكِرَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَهُ، وَيَجْلِسَ بِقَصْدِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، فَلَا بَأْسَ إذَنْ، وَيُرْجَى لَهُ أَنَّهُ فِي طَاعَةٍ لِضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَضَرُورَتُهُ شَرْعِيَّةٌ.
(تَنْبِيهٌ) ، وَلْيَحْذَرْ إذَا جَلَسَ أَنْ يَفْعَلَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ مَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ السَّرَفِ، وَعَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَتْبَ الصَّدَاقِ فِي خِرْقَةِ الْحَرِيرِ مِنْ بَابِ السَّرَفِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ يَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ لَكِنْ فِيمَا يَكُونُ لُبْسًا وَتَحَلِّيًا شَرْعِيًّا، وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَمِنْ بَابِ الْفَخْرِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالْمُبَاهَاةِ، وَالْمُخَالَفَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا كَتْبُهُمْ لِذَلِكَ فِي النَّصَّافِي، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلُبْسٍ، وَالسَّرَفُ فِيهِ مَوْجُودٌ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَهُمْ فِي الرَّقِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُبَاحِ اتِّسَاعٌ، ثُمَّ كَذَلِكَ يُحْذَرُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ سَطْرًا أَوْ سَطْرَيْنِ ثُمَّ يَتْرُكَ بَيَاضًا خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ، فَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَالسَّرَفِ، وَالْخُيَلَاءِ
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَقٍّ، أَوْ، وَرَقٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا مُخَالَفَةُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَكَانَ فِعْلُهُمْ لِذَلِكَ قَبِيحًا، فَكَيْفَ بِهِ مَعَ مُصَادَمَةِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ السَّرَفِ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَحْضُرَ كَتْبَ صَدَاقٍ فِي مَوْضِعٍ مَفْرُوشٍ بِحَرِيرٍ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْغَالِبِ، أَوْ يَجْلِسَ عَلَى حَرِيرٍ، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ، أَوْ إلَى وِسَادَةٍ مُطَرَّزَةٍ بِحَرِيرٍ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ وُسْعِ الطِّرَازِ بِالْحَرِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَدْرُ الَّذِي يُبَاحُ، وَيُتَسَامَحُ فِي إبَاحَتِهِ مِنْ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ تَحْتَ السَّقْفِ الْمُذَهَّبِ، وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا تَمَاثِيلُ، أَوْ صُوَرٌ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ الْكَتْبَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ، أَوْ مَعَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ جَهْرًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ شُرْبُ خَمْرٍ، أَوْ مَغَانٍ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ حُضُورِهِنَّ بِآلَاتِ الطَّرَبِ، وَكَشْفِ الْوُجُوهِ، وَالْمَعَاصِمِ، أَوْ يَكُونَ ثَمَّ نِسَاءٌ مُتَبَرِّجَاتٌ سَوَاءٌ اخْتَلَطْنَ بِالرِّجَالِ أَمْ لَا.
وَكَذَلِكَ لَا يَحْضُرُ مَوْضِعًا فِيهِ مَغَانِي الرِّجَالِ بِالْآلَاتِ الْمَمْنُوعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا دُونَهَا، وَلَا فِي مَكَان تَحْضُرُهُ الشَّيْخَةُ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَالْعِلْمِ، أَوْ أَحَدِهَا أَنْ لَا يُجِيبَ إلَى مَوْضِعٍ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي خَيْرِهِ، وَصَلَاحِهِ، وَعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّغْيِيرِ أَنْ لَا يُجِيبَ لِمَوْضِعٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُ أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ أَجْلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَمْنُوعٌ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ مَمْنُوعًا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ فِي حَقِّ الْعَدْلِ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَا شَاكَلَهُ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مَفْسَدَتَانِ عَظِيمَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: وَهِيَ أَشَدُّهُمَا: سُقُوطُ عَدَالَتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ بَطَلَتْ الْعُقُودُ الَّتِي يَشْهَدُ فِيهَا إنْ كَانَ النِّصَابُ لَمْ يَكْمُلْ إلَّا بِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قُدْوَةٌ فَيَقَعُ الْعَوَامُّ بِسَبَبِ تَعَاطِيهِ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِ جَوَازِهِ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ
سَبَبًا لِلْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ بِزِيَادَةِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَمِّ الشَّرْعِ حَيْثُ قَالَ: «وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» انْتَهَى.
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ تَسَاهَلَ فِيهِ أَكْثَرُهُمْ الْيَوْمَ، وَفِيهِ مِنْ الْخَطَرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) ، وَكَذَلِكَ يَحْتَرِزُ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي إمْضَاءِ الْحُكْمِ قَامَ الشُّهُودُ لَهُ إذْ ذَاكَ، وَانْحَنُوا حَتَّى يَقْرُبَ بَعْضُهُمْ مِنْ الرُّكُوعِ الْمَمْنُوعِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكَلَّمُوا مَعَ ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُنَمَّقَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّزْكِيَةِ، وَالتَّمَلُّقِ بِالْبَاطِلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَدْحٌ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَفِيمَنْ رَضِيَ بِهِ، وَكَذَلِكَ يُحْتَرَزُ مِنْ قِيَامِهِ عِنْدَ عُطَاسٍ لِلْقَاضِي، وَمِنْ تَشْمِيتِهِ بِأَلْفَاظِهِمْ الَّتِي اعْتَادُوهَا الْيَوْمَ، وَلَمْ تَرِدْ فِي الشَّرْعِ.
وَقَدْ وَقَعَ بِهَذَا الَّذِي ذُكِرَ التَّنْبِيهُ بِالْأَقَلِّ عَلَى الْأَكْثَرِ، وَبِالْأَصْغَرِ عَلَى الْأَكْبَرِ، فَلْيَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ مَنْ يَتَنَبَّهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا، وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ بِمُحَمَّدٍ، وَآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ -.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَاءَهُ الْخَصْمَانِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِتَقْيِيدِ أَلْفَاظِهِمَا، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمَا حِينَ الْمُشَاجَرَةِ، أَوْ الرَّجُلُ وَزَوْجَتُهُ يُرِيدَانِ الْفِرَاقَ أَنْ يَكْسِرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَيُشِيرَ عَلَيْهِمَا بِالصُّلْحِ جَهْدَهُ، وَيَذْكُرَ لَهُمَا مَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الْخَيْرِ، وَالْبَرَكَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] فَلَا يُعْجِلُ الشَّاهِدَ عَلَيْهِمَا بِالشَّهَادَةِ إلَّا بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْ صُلْحِهِمَا، وَيَرَى أَنَّ الْفُرْقَةَ خَيْرٌ لَهُمَا، وَالشَّهَادَةَ أَوْجَبُ عَلَيْهِمَا لِمَا يَرَاهُ مِنْ حَسْمِ بَابِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا، وَيُخْبِرُهُمَا بِمَا فِي التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِنْ الْآثَامِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ
الْجَزِيلُ لِامْتِثَالِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَفِيهِ تَرْكُ الِاسْتِشْرَافِ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْحُطَامِ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ: «إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ» ، وَقَدْ أَدْرَكْت بَعْضَ الشُّهُودِ بِمَدِينَةِ فَاسَ إذَا جَاءَهُمْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْمُتَخَاصِمَيْنِ لَا يُعْجِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِشْهَادِ حَتَّى يَيْأَسُوا مِنْ صُلْحِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبَبٌ غَيْرَ مَا هُمْ فِيهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ كَانَ حَالُهُمْ أَجْمَلَ حَالٍ فِي الْيَسَارِ وَالسَّعَةِ، فَظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتُ الِامْتِثَالِ لِمَا قَالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ إذْ الْبَرَكَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ فَإِذَا حَصَلَتْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْأَسْبَابِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَلِأَجْلِ تَرْكِ النَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثُرَتْ الْيَوْمَ الْأَشْغَالُ وَالشَّهَادَاتُ، وَامْتَحَقَتْ الْبَرَكَاتُ سِيَّمَا إنْ حَصَلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ فِي التَّحْلِيلِ، فَإِنَّهَا كَالتِّرْيَاقِ الْمُجَرَّبِ قَدْ عُلِمَتْ بِالْعَادَةِ الْمَاضِيَةِ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَتَعَانَّاهُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَالْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ سُلِّطَ عَلَيْهِ الْفَقْرُ، وَلِأَجْلِ هَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَحْصُلُ لَهُ فِي الْيَوْمِ جُمْلَةً مِنْ الْفِضَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ حَالُهُ ضَيِّقٌ، وَتَجِدُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ، وَيَشْتَكِي بِالْفَقْرِ، وَالْفَاقَةِ الْكَثِيرَةِ، وَهَذَا حَالُ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ الِاسْتِشْرَافُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَمُّهُ فِي الْحَدِيثِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الشَّاهِدَ إذَا فَعَلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَقِلُّ عَلَيْهِ الشُّغْلُ، وَقَدْ يَنْعَدِمُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ فَيَضِيعُ حَالُهُ، وَحَالُ عِيَالِهِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الشُّغْلَ الْقَلِيلَ مَعَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ أَبْرَكُ مِنْ الْكَثِيرِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا، بَلْ مَا مَعَ الْمُخَالَفَةِ بَرَكَةٌ أَصْلًا، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» انْتَهَى.
فَأَرْشَدَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَا فِيهِ صَلَاحُ أُمَّتِهِ دِينًا وَدُنْيَا، فَمَنْ حَاوَلَ الرَّاحَةَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ رَامَ شَطَطًا، وَتَعِبَ، وَأَتْعَبَ فَلْيَحْذَرْ الْعَاقِلُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ خَطِيرٌ ثُمَّ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَنْ الْأَشْغَالِ الْكَثِيرَةِ