المدخل لابن الحاجصفحات 86-125
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 86-125
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْأَفْضَلِ وَيَتْرُكَ مَا عَدَاهُ اللَّهُمَّ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَالضَّرُورَاتُ لَهَا أَحْكَامٌ أُخَرُ، وَإِذَا قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ بَارِزًا لِلنَّاسِ بِمَوْضِعٍ يَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمِسْكِينُ وَالْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ لِكَيْ يَسْمَعُوا أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ يَجْهَلُهَا، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا سَمِعَهَا اسْتَفَادَهَا حِينَ إلْقَاءِ الْمَسَائِلِ وَالْإِيرَادِ عَلَيْهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا.
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ تَنْشِيطًا لَهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ وَالْعَمَلِ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَيَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتُوبُ مِنْ جَهْلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ آخَرُ يَسْأَلُ عَمَّا وَقَعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ الْمَحِلَّ قَابِلًا لِلسُّؤَالِ فَسَأَلَ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وَآخَرُ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ الْعِلْمِ وَحُضُورِ الْمَجْلِسِ وَآخَرُ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ الَّذِي جَلَسَهُ هَذَا الْعَالِمُ هُوَ الْمَجْلِسُ الْمَشْهُودُ خَيْرُهُ الْمَعْرُوفُ بَرَكَتُهُ الْمُسْتَفِيضُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِرُّهُ وَاحْتِرَامُهُ الشَّائِعُ الذَّائِعُ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا حَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا مَجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ لِمَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ

التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: الذِّكْرُ وَالْمَجَالِسُ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَجْلِسُ الْعِلْمِ وَهِيَ مَجَالِسُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ؟ وَمَا يَجِبُ فِيهِ وَمَا يُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يُصَلِّي؟ وَمَا يَجِبُ فِيهَا وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يَنْكِحُ؟ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يَبِيعُ؟ وَكَيْفَ يَشْتَرِي؟ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالنُّطْقِ وَالصَّمْتِ فَيَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ الْأَحْكَامَ عَلَيْك فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِهَذَا هِيَ الْإِشَارَةُ، بَلْ التَّصْرِيحُ مِنْ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ خَرَجَ إلَى النَّاسِ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ فَنَادَى فِيهِمْ مَا بَالُكُمْ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أُمَّتِهِ وَأَنْتُمْ مُشْتَغِلُونَ فِي الْأَسْوَاقِ فَتَرَكُوا السُّوقَ وَأَتَوْا إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدُوا النَّاسَ حِلَقًا حِلَقًا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَقَالُوا: وَأَيْنَ مَا ذَكَرْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ: هَذَا مِيرَاثُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ وَهَا هُوَ ذَا أَوْ كَمَا قَالَ فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الصَّحَابِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمُرَادَ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَقِّهِ «إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ، وَقَالَتْ الصَّحَابَةُ فِي حَقِّهِ: مَا كُنَّا نَرَى إلَّا أَنَّ مَلَكًا عَلَى لِسَانِهِ يَنْطِقُ، وَأَنَّ مَلَكًا مَعَهُ يُسَدِّدُهُ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ رِدَاءً يُحِبُّهُ، فَمَنْ طَلَب بَابًا مِنْ الْعِلْمِ رَدَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرِدَائِهِ فَإِنْ أَذْنَبَ اسْتَعْتَبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لِئَلَّا يَسْلُبَهُ رِدَاءَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ ذَلِكَ الذَّنْبُ حَتَّى يَمُوتَ فَعَلَى هَذَا الْكَلَامِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِهِ بِاللِّسَانِ انْتَهَى.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً بَلْ الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِهِ وَفُرُوعِهِ وَالْمَشْيِ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هُوَ مُحْتَاجٌ

إلَيْهَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا وَبِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إنْ قَامَ بِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ الْكَثِيرُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَقَدْ أَتَى بِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَكُونُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَرْعًا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي حَصَلَ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَبِيبُ الدِّينِ، وَقَدْ عَهِدْنَا فِي مَرَضِ الْبَدَنِ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يُعْطِي الدَّوَاءَ إلَّا بَعْدَ الْحِمْيَةِ فَإِذَا احْتَمَى الْعَلِيلُ حِينَئِذٍ يُعْطِيهِ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَرْضَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْحِمْيَةِ وَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الدَّوَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِ الْعَلِيلُ فَقَلَّ أَنْ يُعْطِيَهُ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ قَلَّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، بَلْ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ الْحِمْيَةُ أَوَّلًا وَهِيَ مَجَالِسُ الْعِلْمِ فَيَعْرِفُ مِنْهَا الْإِنْسَانُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوْجَبُ فَيَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ فِي الِامْتِثَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى الْمَسَائِلِ بِمَا يَأْتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِفِعْلِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَتَحْصُلُ لَهُ تِلَاوَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّرَضِّي عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَعْرِفَةُ فَضْلِهِمْ وَمَحَبَّتُهُمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ.
وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ تِلَاوَةُ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَحْصُلُ لِقَلْبِهِ الذِّكْرُ أَيْضًا، وَهُوَ الْفِكْرَةُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَتَفَهُّمِهَا وَيَحْصُلُ لِأَعْضَائِهِ أَيْضًا كَسْبُهَا، وَهُوَ مَا امْتَثَلَتْ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا اسْتَفَادَتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى هَذَا الذِّكْرَ لِوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَهْلِهِ لِحَمْلِهِ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَمَعْرِفَتِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ ذِكْرِهِ هُوَ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِمَعَارِفِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ لِمُعَامَلَتِهِ لَهُمْ

بِذَلِكَ وَتَصَرُّفِهِ مَعَهُمْ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ مِمَّنْ خَالَطَهُ أَوْ اقْتَبَسَ مِنْهُ أَوْ رَآهُ أَوْ رَأَى مَنْ رَآهُ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِلثَّقَلَيْنِ جِنِّهِمْ، وَإِنْسِهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ لِتَعَلُّمِهِ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ وَتَعْلِيمُ ذَلِكَ مِثْلِ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» . وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ كَانَ الْعَالِمُ إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ كُلُّ الْخَلْقِ حَتَّى الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكُ فِي الْمَاءِ لِانْتِفَاعِهِمْ بِهِ فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ فَيَرْتَفِعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ لِأَجْلِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ بِالْجَهْلِ عَذَابٌ لَهُمْ نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْمَقْتَلِ وَنَهَى أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ أَحَدٌ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعُودَ لِمَ خَدَشَ الْعُودَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ كَثِيرٌ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: أَهْلُ الذِّكْرِ فِي الْآيَةِ هُمْ الْعُلَمَاءُ فَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْ النَّوَازِلِ وَبِفَتْوَاهُمْ يُعْبَدُ اللَّهُ وَيُطَاعُ وَيُمْتَثَلُ أَمْرُهُ وَيُجْتَنَبُ نَهْيُهُ فَعَلَى هَذَا فَأَهْلُ الذِّكْرِ هُمْ الْعُلَمَاءُ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلِهَذَا الْخَيْرِ الْمُتَعَدِّي الْمَذْكُورِ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَمَجْلِسُ عَالِمٍ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ» . وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى هِيَ الْمَقْصُودُ وَالْمَطْلُوبُ وَلَا يُرَادُ الذِّكْرُ إلَّا لِأَجْلِهَا، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: " إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ " وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ عَلَى مَا قَالَهُ النَّحْوِيُّونَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] وَأَيْنَ هَذَا الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَهَذَا الْفَضْلُ كُلُّهُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ الْخَيْرَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَيْرِ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَبَانَ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَالْقَاعِدَةُ فِي أَلْفَاظِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ وَأَوْلَى وَأَفْضَلُ بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ دُونَ عِلْمٍ مَكْرُوهٍ لِمَا جَاءَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ

أَوْحَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَظُنُّهُ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (يَا دَاوُد قُلْ لِلظَّالِمِينَ لَا يَذْكُرُونِي فَإِنِّي آلَيْت عَلَى نَفْسِي أَنَّ مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْته، فَإِنْ هُمْ ذَكَرُونِي ذَكَرْتهمْ بِالْغَضَبِ) . وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَمْ مِنْ قَارِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ يَقْرَأُ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَهُوَ ظَالِمٌ) انْتَهَى وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الظُّلْمَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ مَدَّ يَدَهُ لِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ الظُّلْمُ أَعَمُّ فَقَدْ يَكُونُ يَظْلِمُ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِهِ لِلْمُخَالَفَاتِ أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ يَتْلُو الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ، وَذَلِكَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَتِلَاوَتِهِ بِاللِّسَانِ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْمَقْصُودِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْأَعْظَمِ وَصَاحِبِ النُّورِ الْأَكْمَلِ إلَّا عَلَى الْأَصْلِ وَالْمَقْصُودِ الَّذِي يَجْمَعُ الْخَيْرَاتِ كُلَّهَا.

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَفَا عَنْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا وَسَاقَهَا فِي فَضْلِ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمَعِينَ وَفَضْلِ الْقَارِئِينَ وَالسَّامِعِينَ وَبَيَانِ فَضِيلَةِ مَنْ حَضَّهُمْ وَجَمَعَهُمْ عَلَيْهَا وَنَدَبَهُمْ إلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمَعِينَ مُسْتَحَبَّةٌ لَهُمْ بِالدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَأَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ الْمُتَظَافِرَةِ انْتَهَى.
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي الصَّحَابَةِ لَهَا كَيْفَ تَلَقَّوْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ انْتَهَى؟ . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى مَا تُرْجِمَ عَلَيْهِ أَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ» فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ يَتَرَاسَلُونَ بَيْنَهُمْ صَوْتًا وَاحِدًا، بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ هَلْ كَانَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ

بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ ارْتِكَابِهِمْ ذَلِكَ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نُبَذًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ نَفْسِهِ.
فَقَالَ وَعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الدِّرَاسَةَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ فِي قُدُومِهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ الضَّحَّاكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ، وَقَالَ: مَا رَأَيْت وَلَا سَمِعْت وَلَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: قُلْت لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَأَيْت الْقَوْمَ يَجْتَمِعُونَ فَيَقْرَءُونَ جَمِيعًا سُورَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَخْتِمُوهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَابَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ إنَّمَا كَانَ يَقْرَأُ الرَّجُلُ عَلَى الْآخَرِ يَعْرِضُهُ فَقَدْ نَقَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَبَيَّنَهُ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَهَا مَا قَالَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ثُمَّ نَقَلَ فِعْلَهُمْ عَلَى الضِّدِّ مِمَّا تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ كَيْفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي الْمَسْجِدِ يُسْمَعُ لَهُمْ فِيهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ كُلُّ إنْسَانٍ يَذْكُرُ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ وَلَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ جَمَاعَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْكَارُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ وَقَوْلُهُ لَهُمْ: وَاَللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا أَوْ لَقَدْ فُقْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: «لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَكُونَ» - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فَيَجْتَمِعُونَ لِلذِّكْرِ رَافِعِينَ أَصْوَاتَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ مُبَادَرَةً لِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ وَلَا يُظَنُّ فِيهِمْ غَيْرُ مَا وَصَفَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: 26] ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي إشْفَاقِهِ مِنْ غَسْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الذُّبَابُ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَقَوْلُهُ: وَاَللَّهِ مَا أَكُونُ بِأَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ بِدْعَةً فِي الْإِسْلَامِ

أَمَّا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ» . فَالدِّرَاسَةُ الْمَذْكُورَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى التِّلَاوَةِ صَوْتًا وَاحِدًا مُتَرَاسِلِينَ؛ لِأَنَّ الْمُدَارَسَةَ إنَّمَا تَكُونُ تَلْقِينًا أَوْ عَرْضًا، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُمْ.
أَمَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ بِمَرْوِيٍّ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ.
أَمَّا خُرُوجُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا مَجْلِسُكُمْ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، فَهَذَا أَفْصَحُ بِالْمُرَادِ فِي الْجَمِيعِ وَكَيْفَ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَهْرًا لَمْ يَحْتَجْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى أَنْ يَسْتَفْهِمَهُمْ بَلْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَلَمَّا أَنْ اسْتَفْهَمَ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَانَ سِرًّا وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِمْ جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى سِرًّا إذْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذِكْرُهُمْ جَهْرًا لَمَا كَانَ لِأَخْبَارِهِمْ بِذَلِكَ مَعْنًى زَائِدًا إذْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَانَ جَوَابُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: جَلَسْنَا لِمَا سَمِعْته أَوْ لِمَا رَأَيْته مِنَّا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمْ يَتَحَاشَوْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ الْجَوَابُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ فَبَانَ وَاتَّضَحَ أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَانَ سِرًّا لَا جَهْرًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] أَوْ كَانُوا يَتَذَاكَرُونَ بَيْنَهُمْ مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْإِيمَانِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَتَعْظُمُ عِنْدَهُمْ النِّعَمُ عِنْدَ تَذَكُّرِ ذَلِكَ فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا.
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَتَذَاكَرُونَ بَيْنَهُمْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ يَسْمَعُهُمْ فَيَتَبَسَّمُ أَحْيَانًا مِنْ حِكَايَاتِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَلْقَةُ الَّتِي خَرَجَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَيْهَا قَاعِدَةً لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَحَصَلَ لَهُمْ

مَا حَصَلَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا تَذَاكَرُوا ذَلِكَ فِيهِ يَعْرِفُونَ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَا بِقُدْرَتِهِمْ فَتَعْظُمُ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنْ هَدَاهُمْ وَأَنْقَذَهُمْ وَأَضَلَّ غَيْرَهُمْ وَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَاهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ كَمَا جَاءَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ يَفْضُلُ الْجَلِيَّ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا هُوَ أَفْضَلُ وَيَفْعَلُونَ الْمَفْضُولَ وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يَرَاهُمْ يَفْعَلُونَ الْمَفْضُولَ وَلَا يُرْشِدُهُمْ إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يُنَبِّهُهُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَرْغَبُونَ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَسْأَلُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ.
أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ، وَإِنَّمَا بُعِثْت مُعَلِّمًا ثُمَّ عَدَلَ إلَيْهِمْ وَجَلَسَ مَعَهُمْ» انْتَهَى.
فَقَدْ فَسَّرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الذِّكْرَ الَّذِي كَانَ بِالْحَلْقَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ الدُّعَاءُ، وَالدُّعَاءُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا جَهْرًا إذْ أَنَّهُمْ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِي وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحَادِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَصٌّ عَلَى الْمُرَادِ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ وَتَقَرَّرَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تَرْكُ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيْنَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
رَوَى الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا) . فَانْظُرْ إنْ كَانَ فِي هَذَا شَيْءٌ يَمَسُّ مُرَادَهُ إذْ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَصْوَاتٍ جُمْلَةٍ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ بَلْ ذَلِكَ أَعَمُّ، وَإِذَا كَانَ أَعَمَّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى عُرْفِ غَيْرِهِمْ وَعَادَتِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُدَرِّسُ الْقُرْآنَ مَعَهُ نَفَرٌ يَقْرَءُونَ جَمِيعًا، فَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي أَرَادَ فِي تَرْجَمَتِهِ إذْ التَّدْرِيسُ

لَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ حَضَرَ بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ وَتَعْلِيمُهُ لِوَاحِدٍ لَيْسَ إلَّا فِيهِ كَتْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ عَلَى مَا وَرَدَ، وَهَذَا مُتَعَارَفٌ مُتَعَاهَدٌ مِنْ زَمَانِهِمْ إلَى زَمَانِنَا هَذَا فَعَلَى التَّدْرِيسِ لِلْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ مُجْتَمِعَيْنِ هَذَا فِي آيَةٍ، وَهَذَا فِي أُخْرَى، وَهَذَا فِي سُورَةٍ، وَهَذَا فِي سُورَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا فِي حِزْبٍ، وَهَذَا فِي آخَرَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَمَاعَةِ إذَا اجْتَمَعُوا يُرِيدُونَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ وَلَا يَسَعُهُمْ الْوَقْتُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ هَلْ يَقْرَأُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي حِزْبٍ وَاحِدٍ؛ لِعُذْرِ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَقْرَأُ إلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَقَالَ: مَرَّةً يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَرَأَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ بَقِيَ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِكَثْرَتِهِمْ وَضِيقِ الْوَقْتِ.
وَمَرَّةً قَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى فَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا فُهِمَ هَذَا النَّقْلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى، وَهُوَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُدَرِّسُهُمْ الْقُرْآنَ إمَّا تَلْقِينًا أَوْ فِي الْأَلْوَاحِ أَوْ فِي الْمَصَاحِفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجَمَاعَةُ يَقْرَءُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ.
أَمَّا الْحُفَّاظُ يَجْتَمِعُونَ لِلْقِرَاءَةِ يَقْرَءُونَ مَعًا لِلثَّوَابِ فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَلَا بِمَرْوِيٍّ عَنْهُمْ.

، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَذَانِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ إذْ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ عَلَى زَمَانِ مَنْ مَضَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَعَلَى رَأْسِ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَيُصَرِّحُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنَّ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . فَذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا يُمْكِنُ فِيهِ فَالتَّهْجِيرُ ذَكَرَ لَهُ الِاسْتِبَاقَ إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِيهِ وَالْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ ذَكَرَ لَهُمَا الْحَبْوَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ رَاحَةٍ وَغَفْلَةٍ وَنَوْمٍ وَكَسَلٍ فَذَكَرَ لَهُ مَا يَلِيقُ بِالْكَسَلِ، وَهُوَ الْحَبْوُ، وَلَمَّا كَانَ الْأَذَانُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الِاسْتِبَاقُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَدْ يَأْتُونَ مَعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَالزَّمَانُ لَا يَسَعُهُمْ لِلْأَذَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لَا يَسَعُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ أَوْلَى بِهَذِهِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِي الْإِتْيَانِ فَاحْتَاجُوا إلَى الْقُرْعَةِ فِي ذَلِكَ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ.
لَكِنْ قَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إذَا تَزَاحَمَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْأَذَانِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيَجُوزُ الْأَذَانُ جَمَاعَةً وَشَرَطُوا فِي جَوَازِهِ أَنْ لَا يَكُونَ نَسَقًا وَاحِدًا بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمْ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَالْآخَرُ فِي التَّكْبِيرِ وَالْآخَرُ فِي الْحَيْعَلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَوْتِ صَاحِبِهِ هَذَا الَّذِي أَجَازَهُ عُلَمَاؤُنَا.
أَمَّا مَا اعْتَادَهُ الْمُؤَذِّنُونَ الْيَوْمَ مِنْ الْأَذَانِ جَمَاعَةً مُتَرَاسِلِينَ نَسَقًا وَاحِدًا مُجْتَمَعِينَ فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ جَوَازُهُ وَهَا هُوَ الْيَوْمَ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ كَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدِّينِ وَأَتَى بِشَيْءٍ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْهَدُ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَارَسَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ كَانُوا يَدْرُسُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْفُرُوعَ وَالْأَحْكَامَ مُجْتَمَعِينَ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حِفْظَ ذَلِكَ وَفَوَائِدَهُ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ الْيَوْمَ وَصَارَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْيَوْمَ إلَّا الْعَوَائِدُ الَّتِي ارْتَكَبْنَاهَا وَمَضَتْ عَلَيْهَا عَادَتُنَا وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ تَرَكْنَاهُ وَرَجَعْنَا نَنْقُلُ عَنْ عَوَائِدَ اتَّخَذْنَاهَا لِأَنْفُسِنَا وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا أَنَّهَا سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَلَفِنَا وَخَلْفِنَا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاقِلَ الْمَذْكُورَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
وَقَدْ نَقَلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِعْلَ السَّلَفِ حِينَ ذَكَرَ لَهُ ابْنُ وَهْبٍ مَا ذَكَرَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ

وَعَابَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُنْكِرَ نَقْلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَلَا يَرُدُّهُ لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ثِقَتِهِ وَأَمَانَتِهِ فِي نَقْلِهِ عَنْهُمْ.
أَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَهَذَا الَّذِي الْإِنْسَانُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ قَلَّدَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَلَّدَ غَيْرَهُ.
أَمَّا نَقْلُهُ عَنْ السَّلَفِ فَلَيْسَ إلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ سَبِيلٍ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ فِعْلَ السَّلَفِ فَذَلِكَ يُمْكِنُ إنْ كَانَ التَّأْوِيلُ تَقْبَلُهُ أَحْوَالُهُمْ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِكَوْنِ مَذْهَبِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْأَخْذِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذْ أَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ عَنْهُ مُخْتَصًّا بِبَلَدِهِ يَقُولُ بِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا بَلَدُهُ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ عَنْهُ فِي لَفْظِهِ بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَهْلَ بَلَدِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِهِ وَلَيْسَ بِبَلَدِهِ، بَلْ بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ عَامٌّ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ هَذَا كُلِّهِ التَّقْلِيدُ فِي أُمُورِ الدِّينِ لِمَنْ سَهَا أَوْ غَفَلَ أَوْ غَلِطَ، وَأَنَّ التَّقْلِيدَ إنَّمَا يَكُونُ لِخَيْرِ الْقُرُونِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْقِرَاءَةِ جَمَاعَةً وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً أَنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ أَوْ نَقَلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُهُ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهِيَتِهِ؟ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ يَكْرَهَهُ فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي كَرَاهِيَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ فِيهِ إلَّا التَّرْكَ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْإِنْكَارَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ إذَا شَغَلَ عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَلَيَّ أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ

لَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ غُدْوَةٍ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) . وَقَالَ: هُمْ يَتَحَلَّقُونَ الْحِلَقَ وَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ هَذَا تَفْسِيرُ خَادِمِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يُقَابِلُهُ تَفْسِيرُ مُتَأَخِّرِي هَذَا الزَّمَانِ؟ وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يَزَالُ الْفَقِيهُ يُصَلِّي قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَلْقَاهُ إلَّا وَذِكْرُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهِ يُحِلُّ حَلَالًا وَيُحَرِّمُ حَرَامًا.
قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ ظَفِرْت بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُهَيْمِنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَارُونَ وَمُوسَى لَمَّا بَعَثَهُمَا إلَى فِرْعَوْنَ ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: 42] فَسَمَّى تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ ذِكْرًا فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ حِلَقَ الْعِلْمِ وَمَا يَتَحَاوَرُونَ فِيهِ فِي الْعِلْمِ وَيَتَرَاجَعُونَ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ أَنَّهَا حِلَقُ الذِّكْرِ، وَهَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43] يَعْنِي أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ.

نَقَلَ ذَلِكَ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الذِّكْرِ لَهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ الْيَوْمَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى الْعَوَائِدِ الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا وَلَا لِكَوْنِ سَلَفِنَا مَضَوْا عَلَيْهَا إذْ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا غَفْلَةٌ أَوْ غَلَطٌ أَوْ سَهْوٌ وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى الْقُرُونِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، فَإِنْ فَعَلَ هُوَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ مَصْلَحَةً فِي وَقْتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيَعْتَرِفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ وَيُبَيِّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ.
قَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَأْخُذُ هَذِهِ الْأَحْزَابَ وَيَقْرَؤُهَا جَمَاعَةً وَيَذْكُرُهَا جَمَاعَةً بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ دَأْبُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَوْتِهِ وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُخْبِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِضَرُورَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْهِمَمَ قَدْ قَلَّتْ وَقَلَّ فَقِيرٌ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ أَوْ الْعَصْرَ ثُمَّ يَقُومُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَقْرَأُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْمَشْهُودَيْنِ إلَّا أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مِنْ مُصَلَّاهُمْ إمَّا لِلنَّوْمِ إنْ كَانَ فِي الصُّبْحِ أَوْ لِلتَّحَدُّثِ فِيمَا لَا يَعْنِي إنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ إنْ سَلِمُوا مِنْ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَلَمَّا أَنْ تَحَقَّقُوا وُقُوعَ هَذَا الْمَحْذُورِ وَدَعَوْهُ لِهَذَا الْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ ارْتِكَابِ

الْمَحْذُورَاتِ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَنِ وَحِفْظِهَا فَيُنَبِّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَيُعَلِّمُهُمْ بِالْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا وَيُخْبِرُهُمْ بِالضَّرُورَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِفِعْلِهَا وَلِأَجْلِ الْغَفْلَةِ عَنْ هَذَا التَّنْبِيهِ وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ الِادِّعَاءِ بِهَا بِأَنَّهَا سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ تَحْسِينُ ظَنِّهِمْ بِمَشَايِخِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَ، وَأَنَّهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَرَ خَطَأَ شَيْخِهِ صَوَابًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَيُحْمَلُ لِأَجْلِ هَذَا مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا فَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ بِذِكْرِهِ لِذَلِكَ وَتَعْلِيلِهِ؛ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا.
وَقَدْ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ الْقُدْوَةِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْمُحَقِّقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّمَّاطِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَكَى لِي ذَلِكَ عَنْهُ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ كَانَ عَارِفًا بِالْفِقْهِ مَعْرِفَةً جَيِّدَةً وَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي مَجَالِسِهِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ لَيْسَ لَهُمْ شُغْلٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا الْبَحْثَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ؟ فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فِيهِ يَأْتُونَ إلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا فَيَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ إلَى الْفُقَهَاءِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْهَا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُحِلْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِالنَّوَازِلِ الَّتِي كَانَتْ تَنْزِلُ بِهِمْ فَقَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَافُ أَنْ أُفْتِيَهُمْ فَيَقَعَ لَهُمْ الْخَلَلُ بِسَبَبِ أَنِّي إنْ مِتُّ بَقِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ مَوْقُوفًا عَلَيَّ لَا يَعْرِفُونَ أَمْرَ دِينِهِمْ إلَّا مِنْ جِهَتِي فَيَقُولُونَ: قَالَ الشَّيْخُ كَذَا وَذَهَبَ الشَّيْخُ إلَى كَذَا، وَكَانَ طَرِيقُ الشَّيْخِ كَذَا.
فَيَظُنُّونَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ خُرُوجُهَا مِنْ قِبَلِ الْمَشَايِخِ فَيُرْسِلُهُمْ إلَى الْفُقَهَاءِ لِسَدِّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ وَلِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا أَصْلُهُ وَعِمَادُهُ وَاَلَّذِي يَقَعُ بِهِ الْحَلُّ وَالرَّبْطُ عِنْدَنَا هُوَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ فَرْعٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَنْتَظِمُ الْحَالُ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى مُحَافَظَةِ هَذَا السَّيِّدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِ عَلَى مَنْصِبِ الشَّرِيعَةِ كَيْفَ تَرَكَ أَنْ يُجِيبَ الْفُقَرَاءَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ؟ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ

مَعْرُوفًا وَمَنْسُوبًا إلَى تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ وَتَسْلِيكِهِمْ وَتَرَقِّيهمْ فِي الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُنَازَلَاتِ خَافَ أَنْ يُنْسَبَ مَا يُفْتِي بِهِ مِنْ الْفِقْهِ إلَى مَا كَانَ بِصَدَدِهِ مِنْ التَّرْبِيَةِ فَتَرَكَ الْمَنْدُوبَ، وَهُوَ الْفَتْوَى فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَحَفُّظًا مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُنْسَبَ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ الَّذِي عَنْهُ يُؤْخَذُ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَحَفَّظَ مِنْهُ هَذَا السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ الْيَوْمَ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ تَجِدُ أَحَدَهُمْ يَعْمَلُ الْبِدْعَةَ وَيَتَهَاوَنُ بِهَا فَتَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ تُرْشِدُهُ إلَى التَّرْكِ فَيَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِكَوْنِهِ رَأَى شَيْخَهُ وَمَنْ يَعْتَقِدُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ بِدْعَةً.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي فُلَانٌ يَعْمَلُهَا؟ فَيَسْتَدِلُّ بِفِعْلِ سَلَفِهِ وَخَلْفِهِ وَشُيُوخِهِ عَلَى جَوَازِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ، وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فَصَارَ فِعْلُ الْمَشَايِخِ حُجَّةً عَلَى مَا تَقَرَّرَ بِأَيْدِينَا مِنْ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ وَلَا مِمَّنْ شَهِدَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَرْدُودٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَوَقَعَ الْخَلَلُ فِي الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِهِ فَأَيٌّ مَنْ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وَفَعَلَهُ وَأَيٌّ مَنْ كَرِهَ شَيْئًا وَتَرَكَهُ يَقَعُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْصًا مَعَاذَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ هَذِهِ الْمِلَّةَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ التَّبْدِيلِ فَكُلُّ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مُخَالِفٍ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسَلَفُهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ مَحْجُوجٌ بِفِعْلِهِمْ وَبِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَذْهَبَ شَرِيعَةَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْنِي التَّقْلِيدَ لِأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ دُونَ دَلِيلٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مِنْ الْأَحَدِ إلَى الْأَحَدِ يُجَدِّدُ لَهُمْ الْقِسِّيسُ شَرِيعَةً جَدِيدَةً بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ لَهُمْ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي وَقْتِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيه نَظَرُهُ وَتَسْدِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ فَتَجِدُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ لَقَدْ جَدَّدَ الْيَوْمَ شَرِيعَةً مَلِيحَةً، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ فَإِنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ مَغْفُولٌ

عَنْهُ وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ إلَّا مَنْ كَانَ مُرَاقِبًا لَهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ يَزِنُهَا عَلَى أَفْعَالِ السَّلَفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَقْتَدِيَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ إلَّا بِمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُتَقَدِّمِينَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِلَّا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَّبِعِينَ مِنْهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَتَبَيَّنُ لَهُ.
أَمَّا إنْ نَظَرَ إلَى أَفْعَالِهِمْ وَوَزَنَهَا بِغَرَضٍ غَيْرِ هَذَا فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّشَاغُلِ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَالْبَحْثِ عَنْ مَثَالِبِهِمْ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ لَكِنْ نَذْكُرُ أَوَّلًا مَا بَقِيَ مِنْ الْفَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا النَّاقِلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي إجَازَةِ ذَلِكَ.
فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ نَقْلِهِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نَقَلَهَا فِي ذَلِكَ: وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ مَا ذُكِرَ مِنْ إنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَ فَلَمَّا أَنْ نَقَلَ قَوْلَ مَالِكٍ لِابْنِ وَهْبٍ، وَأَنَّهُ عَابَ مَا ذُكِرَ لَهُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَكَرِهَهُ، وَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حِينَ نَقَلَ هَذَا عَنْهُ:، فَهَذَا الْإِنْكَارُ مِنْهُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ وَلِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِهَا انْتَهَى.
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ السُّنَّةِ مِنْ هَذَا النَّاقِلِ مَعَ حِذْقِهِ وَحِفْظِهِ كَيْفَ أَتَى بِنَقْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ وَإِعَابَتِهِ؟ وَلَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ وَلَا بِنَقْلٍ عَنْ غَيْرِهِمْ بِضِدِّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَأْتِ إلَّا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا مِنْ فِعْلِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَابَلَ مَا نَقَلَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ بِقَوْلِهِ: أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ فِعْلَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا مِنْ مَذْهَبِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ بَلْ نَقَلُوا عَنْ سَلَفِهِمْ وَلَمْ يُقَابِلْهُمْ بِأَنَّ غَيْرَهُمْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقَلَّدِينَ.
وَنَقْلُ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَرُدُّهُ النَّقْلُ عَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْهُمْ وَنَقْلُهُمْ يَرُدُّ كُلَّ مَا تُرْجِمَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ غَيْرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَتَبَيَّنْ ذَلِكَ وَتَفَهَّمْهُ يَظْهَرْ لَك الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا.
أَمَّا فَضِيلَةُ جَمْعِهِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ

فَفِيهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] انْتَهَى.
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ هَلْ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَتَى بِهِ مَا يَمَسُّ مُرَادَهُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عَهِدَ عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكَ وَمَضَوْا عَلَيْهِ فَظَنَّ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ عَنْهُمْ فِي الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَنَّهُ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الِاجْتِمَاعِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ فَأَتَى بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ إلَى الِاتِّبَاعِ وَالْقُرْبِ فَجَعَلَهُ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَا هَذَا عَلَيْك بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَآكَدُ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ اتِّبَاعُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مَعَ خَيْرِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُ السَّبَبَ فِي فِعْلِهِ وَالضَّرُورَةَ الدَّاعِيَةَ إلَيْهِ مَخَافَةً مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْمُتَقَدِّمِينَ مَا لَمْ يَفْعَلُوا وَأَنْ يَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ الْمُحْدِثِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَذْهَبُ إلَى غَيْرِ مَا كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا فَكَانَ يَقُولُ إنَّ بَطَالَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ جَهْرًا إنْ كَانَ الذِّكْرُ جَهْرًا سَالِمًا مِنْ الدَّسَائِسِ الْمَحْذُورَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِيهِ فَإِنْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّسَائِسِ فَهُوَ الْخُسْرَانُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُسْرَانِ وَكَانَ يُبَيِّنُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَنَّ «الذِّكْرَ الْخَفِيَّ يَفْضُلُ الْجَلِيَّ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً» . وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ» وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» وَذَكَرَ فِيهِمْ «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وَمِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10] ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَنَا

وَعُلِمَ أَنَّ التَّاجِرَ إذَا وَجَدَ الرِّبْحَ فِي سِلْعَةٍ سَبْعِينَ دِينَارًا وَأُخْرَى وَاحِدًا أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا فِيهِ رِبْحُ سَبْعِينَ وَلَا يَأْخُذُ السِّلْعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا الدِّينَارُ الْوَاحِدُ فَإِنْ عَكَسَ التَّاجِرُ ذَلِكَ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا الدِّينَارُ الْوَاحِدُ وَتَرَكَ السِّلْعَةَ الَّتِي يَأْخُذُ فِيهَا السَّبْعِينَ قُلْنَا عَنْهُ تَاجِرٌ سَفِيهٌ وَالتَّاجِرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ لِأَنَّهُ يَتَّجِرُ فِيمَا يَبْقَى وَغَيْرُهُ يَتَّجِرُ فِيمَا يَفْنَى، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَقْدُمُ عَلَى فِعْلٍ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَاحِدٌ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ سَبْعُونَ هَذَا سَفَهٌ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذِهِ التِّجَارَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا تَفَاضَلُوا بِحَسَبِ نِيَّاتِهِمْ وَمُحَاوِلَةِ أَعْمَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا أَنْ يُبَادِرَ إلَى تِلَاوَةِ السِّرِّ وَالذِّكْرِ فِي السِّرِّ إذْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ بِسَبْعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.

فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى سِرًّا فَلَوْ ذَكَرَ اللَّهَ مَثَلًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِينَ فَتَكُونُ الثَّلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ بِمِائَتَيْ حَسَنَةٍ وَعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْفِقَ رَأْسَهُ فِي نَوْمِهِ مِنْ وَقْتِهِ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مَرَّاتٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيقَ عَلَى نَفْسِهِ قَلِيلًا يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَذْكُرُ اللَّهَ مَا قَدَرَ لَهُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِينَ ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ، وَهُوَ مُنْكَسِرُ الْخَاطِرِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِشَيْءٍ وَيَرَى أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ غَنِمَ وَحَصَّلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُورِ خَيْرًا، وَهُوَ فِي غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ فَيَحْصُلُ لَهُ التَّذَلُّلُ وَالِانْكِسَارُ فَيَكُونُ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِمَّا فَاتَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إخْبَارًا «عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ اُطْلُبُونِي عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي» . هَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا الْأَفْذَاذُ فَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا بِأَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ فَهُوَ أَعْظَمُ وَأَعْلَى لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» . وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ دُعَاءَ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابٌ هَذَا وَأَخُوهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْ الْخَطَأِ

وَلَا مِنْ الزَّلَلِ فَمَا بَالُك بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ رِضًا مِمَّنْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي وَصْفِهِمْ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28] فَتَكُونُ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ إلَى أَنْ يَقُومَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مُصَلَّاهُ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا مَعْنَاهُ «أَنَّ مَنْ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى كَعُمْرَةٍ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» وَمَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ أَيَبْقَى عَلَيْهِ ذَنْبٌ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَظُنَّ ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» انْتَهَى.
فَاجْتَمَعَ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ بَرَكَةِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ رَاحَةِ الْبَدَنِ فِي الْمَشْيِ أَوْ رَفْعِ الصَّوْتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّعَبِ مَعَ التَّحَقُّقِ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الذِّكْرِ بِالْجَهْرِ مَعَ تَرْكِ التَّعَبِ وَمَعَ حُصُولِ فَضِيلَةِ تَرْكِ الْكَلَامِ لِمَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لَهُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْكَلَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ أُجِرَ عَلَى الذِّكْرِ، وَعَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ وَإِنْ تَرَكَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ أُجِرَ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ نَامَ مِنْ حِينِ صَلَاتِهِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَوْ فِي أَكْثَرِهَا مُتَيَقِّظًا مُقْبِلًا عَلَى التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ بِتَعْظِيمِ النِّيَّةِ وَالْأَعْمَالِ وَمُحَاوَلَةِ ذَلِكَ وَتَنْمِيَتِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا إلَّا الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَامَ مِنْ حِينِهِ مِنْ مُصَلَّاهُ حَتَّى لَا تَجِدُ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ سَبِيلًا إلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ جَهْرًا فَقَدْ يَتْعَبُ مِمَّا يَرْفَعُ صَوْتُهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمِائَتَيْنِ وَالْعَشَرَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي الثَّلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ

فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إلَى أَجْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأَجْلِ تَضْعِيفِ الْأُجُورِ لِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهَذَا إذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ أَوْ حُظْوَةٌ عِنْدَ شَيْخِهِ أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ أَوْ يُقَالُ عَنْهُ أَوْ يُشَارُ إلَيْهِ أَوْ تُقَبَّلُ يَدُهُ أَوْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ الْعَجَبِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ بِسَبَبِ تَعْمِيرِهِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ بِالذِّكْرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَالْبَطَالَةُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَبِ.
وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ مُجْتَمَعِينَ عَلَى ذَلِكَ صَوْتًا وَاحِدًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي هُوَ بَابُ الْجَوَازِ إلَى بَابِ هَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَجُوزُ لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ هَلْ يُعْمَلُ رَعْيًا لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ لِكَيْ يَسْلَمُوا مِنْ الْبَطَالَةِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي أَوْ لَا يُعْمَلُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى فِعْلِهِ رَعْيًا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى مَنْعِهِ لِأَنَّ تِلْكَ صُورَةٌ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ مَضَى وَكَفَى بِهَا وَلَوْ كَانَ فِيهَا التَّنْشِيطُ وَغَيْرُهُ إذْ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ مُخَالِفٌ لِلِاقْتِدَاءِ.
أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعَامِلِهِ حِينَ كَتَبَ لَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ عِنْدَنَا شُرْبُ الْخَمْرِ وَكَثُرَتْ الْحُدُودُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَفَتَرَى أَنْ أَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَحُدَّهُ فَإِنْ شَرِبَ فَحُدَّهُ فَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فَلَا رَدَّهُ اللَّهُ أَوْ كَمَا قَالَ وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ النَّوْمِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ فَلَا رَدَّهُ اللَّهُ وَلَوْ سُومِحَ فِي هَذَا لَذَهَبَ الدِّينُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ لِأَنَّهُ إذَا وَجَدْنَا مَنْ لَمْ يَرْجِعْ بِالسُّنَّةِ أَحْدَثْنَا لَهُ فِي الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا شَيْئًا لِيَرْجِعَ بِهِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَفِي هَذَا ذَهَابُ الدِّينِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُمَرَ حَيْثُ سَدَّ هَذَا الْبَابَ فَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَ لَهُ الشَّرْعُ فَلَا حَاجَةَ بِهِ.
ثُمَّ نَرْجِعُ لِمَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ

وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ مِنْ تَقْطِيعِ الْآيَاتِ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ نَفَسُهُ فِي آيَةٍ فَيَتَنَفَّسُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُتِمَّ الْآيَةَ فَيَجِدُ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ مَعَهُ قَدْ سَبَقُوهُ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى أَنْ يَقْرَأَ مَا فَاتَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهُمْ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ آيَاتٍ وَيَتْرُكَ أُخَرَ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أُنْزِلَ وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَخْتَلِطُ آيَةُ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ وَآيَةُ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِيهِ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ لَا يَقْدِرُ مَنْ يَقْرَأُ مَعَ جَمَاعَةٍ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِ مَا وُصِفَ وَلَوْ احْتَرَزَ مَا عَسَى، وَهَذَا أَيْضًا إذْ سَلِمَ مِنْ الْجَهْرِ بِذَلِكَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي التَّلْبِيَةِ فِي الْحَجِّ الْجَهْرُ لَكِنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَعْقِرُ حَلْقَهُ فَإِذَا كَرِهُوا ذَلِكَ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْجَهْرُ فَمَا بَالُك فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْإِسْرَارُ وَالْإِخْفَاءُ وَكَثِيرًا مَا تَجِدُ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَقْعُدُونَ لِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْأَحْزَابِ تَنْعَقِرُ أَصْوَاتُهُمْ لِشِدَّةِ انْزِعَاجِهِمْ فِي جَهْرِهِمْ وَيَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَهَذَا أَيْضًا مُشَاهَدٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ بَاشَرَهُمْ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَوَجَدَهُمْ يَتَنَفَّلُونَ وَيَجْهَرُونَ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ مَا لَمْ تَضُرَّ التِّلَاوَةُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لَهَا فَإِذَا أَضَرَّتْ بِهَا مُنِعَتْ وَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ مَسْجِدٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ خَلَتْ فَهِيَ مُعَرَّضَةٌ لِلصَّلَاةِ فَإِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَحِيَّتِهِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ لِفَرِيضَةٍ فَإِنْ دَخَلَ لِفَرِيضَةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى فَعَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ فَالدَّاخِلُ إلَى الْمَسْجِدِ يَجِدُ التَّشْوِيشَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صَلَاتِهِ فَيُمْنَعُ كُلُّ مَا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّي.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي

قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ يَتَشَوَّشُ مِنْهُ فَفِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ أَوْلَادٌ وَعَائِلَةٌ يَشْتَغِلُ خَاطِرُهُ بِحَدِيثِهِمْ وَكَلَامِهِمْ فَفِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِخَاطِرِهِ وَهَمِّهِ وَتَحْصِيلُ جَمْعِ خَاطِرِهِ وَهَمِّهِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّنَفُّلِ فِي الْبَيْتِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِذَا جَاءَ الْإِنْسَانُ إلَى الْمَسْجِدِ لِيُحَصِّلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً فِي بَيْتِهِ فَيَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ مَا هُوَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا فِي بَيْتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَقَدْ وَرَدَ «لَأَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِقِرَابِ الْأَرْضِ ذُنُوبًا فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِتَبِعَةٍ مِنْ التَّبِعَاتِ» لِأَنَّك إذَا لَقِيته بِذُنُوبٍ بَيْنَك وَبَيْنَهُ تَلْقَاهُ غَنِيًّا كَرِيمًا مُتَفَضِّلًا مَنَّانًا لَا تَضُرُّهُ السَّيِّئَاتُ وَلَا تَنْفَعُهُ الْحَسَنَاتُ وَلَا يُنْقِصُهُ الْعَطَاءُ غَنِيًّا عَنْ عَذَابِك غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِحَسَنَاتِك، وَإِذَا لَقِيته بِشَيْءٍ مِنْ التَّبَعَاتِ فَصَاحِبُ التَّبَعَاتِ فَقِيرٌ مُضْطَرٌّ شَحِيحٌ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَزِعٌ مَذْعُورٌ مُشْفِقٌ مِنْ عَدَمِ الْخَلَاصِ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ وَجَدَ حَقًّا لَهُ عَلَى أَبَوَيْهِ أَوْ بَنِيهِ لَعَلَّهُ يَتَخَلَّصُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ لَهُ قِبَلَ أَحَدٍ حَقٌّ قَلَّ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَوْ كَانَ ذَرَّةً وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُعْلَمُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَعْنِي مَنْعَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ وُجُودِ مُصَلٍّ يَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ بِسَبَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى أَوْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاةِ الْجَهْرِ أَنَّهُ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُ يَخْفِضُ صَوْتَهُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ فَيَجْهَرُ فِي ذَلِكَ بِأَقَلَّ مَرَاتِبِ الْجَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه خِيفَةَ أَنْ يُشَوِّشَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِينَ، هَذَا وَهُوَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ فَمَا بَالُك بِرَفْعِ صَوْتِ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ

يُمْنَعَ مِنْهُ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْكَلَامُ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ذِكْرِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ تَأَذَّتْ الْمَلَائِكَةُ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ جَهْرًا أَوْ جَمَاعَةً يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ لِنَصِّ الْعُلَمَاءِ وَفِعْلِهِمْ، وَهُوَ أَخْذُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُئِلَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ عِلْمٌ وَرَفْعُ صَوْتٍ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عِلْمٌ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ، وَقَدْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ كَأَخِي السِّرَارِ فَإِذَا كَانَ مَجْلِسُ عِلْمٍ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ فَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ فَإِنْ وُجِدَ رَفْعُ صَوْتٍ مُنِعَ مِنْهُ وَأُخْرِجَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ «مَسْجِدُنَا هَذَا لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ» . وَهُوَ عَامٌّ وَالضَّرَرُ وَاقِعٌ فَيُمْنَعُ، وَإِذَا كَانَ فِي الذِّكْرِ بِالْجَهْرِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ وَإِنْ سَلِمَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا فَقَدْ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا الْبَاقُونَ وَالْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ فَإِذَا سَلِمْت أَنْتَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ لِحُسْنِ نِيَّتِك وَقَصْدِك الظَّاهِرِ فَيُحْتَاجُ أَنْ تُرَاعِيَ حَقَّ أَخِيك الْمُؤْمِنِ وَجَلِيسِك «إنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ» فَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدَّسَائِسِ وَغَيْرِهَا فَيَقَعُ فِي الْمَحْذُورِ وَتَكُونُ أَنْتَ بِنِيَّتِك الصَّالِحَةِ فِي هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي أَصْلَحْته سَبَبًا لِأَخِيك وَجَلِيسِك وَشَرِيكِك فِي ذِكْرِ رَبِّك لِعَدَمِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُ وَحَصَلَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ نَامَ عَلَى الْحَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ذَكَرَ اللَّهَ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا وَغَيْرُهُ مُعَرَّضٌ لَهَا، وَقَدْ قِيلَ لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَجَمَاعَةً فَالْجَوَابُ أَنَّ

الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ وَجَاءَ فِعْلُ السَّلَفِ بِأَحَدِهِمَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ.
أَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» . وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ وَاخْتَارَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَا الذِّكْرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا يَجِبُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرُ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالدُّعَاءِ لَا تَجْهَرْ تَرْفَعْ وَلَا تُخَافِتْ حَتَّى لَا تُسْمِعَ نَفْسَك وَأَحْسَبُ مَا رَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ تَهْلِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَكْبِيرِهِ كَمَا رَوَيْنَاهُ إنَّمَا جَهَرَ قَلِيلًا لِيَتَعَلَّمَ النَّاسُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كَتَبْنَاهَا مَعَ هَذَا وَغَيْرِهَا لَيْسَ يُذْكَرُ فِيهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ تَهْلِيلٌ وَلَا تَكْبِيرٌ، وَقَدْ يُذْكَرُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِمَا وَصَفْت وَيُذْكَرُ انْصِرَافُهُ بِلَا ذِكْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مُكْثَهُ وَلَمْ تَذْكُرْ جَهْرًا وَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَمْ يَمْكُثْ إلَّا لِيَذْكُرَ ذِكْرًا غَيْرَ جَهْرٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا مِثْلُ ذَا قُلْت مِثْلُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ يَكُونُ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ عَلَيْهِ وَيُقَهْقِرُ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَكْثَرُ عُمْرِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مِمَّا رَأَى أَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ كَيْفَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالرَّفْعُ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَعَةً انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
فَهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ

التَّعْلِيمِ فَإِنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ أَمْسَكَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَهْرًا وَجَمَاعَةً فَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ التَّعْلِيمَ بَلْ الثَّوَابَ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمُجَاهِدِينَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ إلَى الْآنَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ إذَا صَلَّوْا الْخَمْسَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُكَبِّرُوا جَهْرًا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِهِ وَالْإِجْمَاعُ لَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيُسْتَحْسَنُ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ.
أَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي دَاوُد (عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ ضَجِيجَ النَّاسِ بِالْمَسْجِدِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَقَالَ طُوبَى لِهَؤُلَاءِ كَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ الْجَهْرُ لَيْسَ إلَّا وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِرَاءَةُ جَمَاعَةً عَلَى مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعَادَتَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ وَمَا رُوِيَ عَنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى عَادَتِهِمْ وَعَادَتُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِين أَوْ الْعَرْضِ فَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَلَقَّنُونَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ يَعْرِضُونَ أَوْ يَدْرُسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى شَيْخِهِ أَوْ عَلَى رَفِيقِهِ وَجَلِيسِهِ فَسَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ضَجَّتَهُمْ فَذَكَرَ مَا ذَكَرَ فِي حَقِّهِمْ وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى فَضِيلَةِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَجَالِسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَمُدَارَسَتَهُ هُوَ أَصْلُ الْعُلُومِ كُلِّهَا، وَهُوَ مَعْدِنُ الْجَمِيعِ فَإِذَا حُفِظَ فَقَدْ حُفِظَ عَلَى النَّاسِ أَصْلُ دِينِهِمْ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ اسْتَدَلَّ النَّاقِلُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى إبَاحَةِ الْقُرْآنِ جَمَاعَةً وَجَهْرًا أَيْضًا بِأَنْ قَالَ وَفِي إثْبَاتِ الْجَهْرِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
أَمَّا الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَأَكْثَرُ

مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ.
فَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيِّنٌ فِي الْجَهْرِ لَيْسَ إلَّا دُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ مِنْ الْجَمْعِ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَيْضًا رَاجِعٌ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي رُوِيَ عَنْهُمْ فِيهَا الْجَهْرُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمْ ذَلِكَ مُطْلَقًا بَلْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ قَدْ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَوَاعَدُونَ لِضَرُورَاتِهِمْ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ بِاللَّيْلِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ فَيَقْرَأُ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِكَيْ يَسْمَعُوا كَلَامَ رَبِّهِمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَ إحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ وَتَلْبِيَتِهِمْ طُولَ إحْرَامِهِمْ وَذِكْرِهِمْ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْ إحْرَامِهِمْ بِمِنًى كَانُوا يَسْمَعُونَ تَكْبِيرَ أَهْلِ مِنًى وَهُمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ اتِّصَالِ التَّكْبِيرِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ وَفِي تَعَلُّمِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ وَفِي إقْرَائِهِمْ وَفِي مُذَاكَرَتِهِمْ وَبَحْثِهِمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِمَامِ تَعْلِيمَ الْمَأْمُومِينَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ مِنْ جَهْرِهِمْ فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ مَعْلُومَةٍ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُمْ مِنْ الْجَهْرِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ، وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ عَنْهُمْ، وَعَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَكُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْك مِمَّا يُشْبِهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْهَا إنْ رُجِعَ إلَى نَقْلِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يَتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَيَتْرُكُ تَأْوِيلَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ كُلِّهِ وَزُبْدَتِهِ وَفَائِدَتِهِ هُوَ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ فَالْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي جَلَسَهُ هَذَا الْعَالِمُ لِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ دَاخِلٌ مُنْطَوٍ تَحْتَ فَضِيلَةِ هَذَا الْمَجْلِسِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَرِمَهُ وَيُعَظِّمَهُ إذْ أَنَّهُ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الدِّينِ وَأَزْكَاهَا وَأَرْجَحُهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30] وَمِنْ جُمْلَةِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعُظْمَى الْإِجْلَالُ لَهَا بِالْفِعْلِ فَإِذَا نَطَقَ بِلِسَانِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ

بِالْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَيَكُونُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْ النَّدْبِ لِيَتَّصِفَ بِالْعَمَلِ كَمَا اتَّصَفَ بِالْقَوْلِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]

وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُؤَذِّنِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنَّ يُؤَذِّنَ عَلَى طَهَارَةٍ لِيَكُونَ عَقِبَ أَذَانِهِ يَرْكَعُ لِأَنَّهُ مُنَادٍ إلَى الصَّلَاةِ فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ لِمَا نَادَى إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِأَذَانِهِ لِأَجْلِ عَمَلِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا خَرَجَ مِنْ عَامِلٍ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ لِأَجْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ حَتَّى يَنْتَفِعَ النَّاسُ بِأَمْرِهِ.

وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَ أَوْ الْمَكْرُوهَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى التَّرْكِ فَيَكُونُ سَالِمًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْذُورَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ بِحَسَبِ جَهْدِهِ وَطَاقَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَهَذَا آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. فَمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ فَلَا يُقْرَبُ لِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ وَالنَّهْيُ إذَا وَرَدَ يَتَنَاوَلُ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ إذَا وَرَدَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ هَذَا الْعَالِمُ عَلَى التَّرْكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ فَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَيَكُونُ مُسْتَتِرًا وَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَهُوَ أَقَلُّ الْمَرَاتِبِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ هَذَا مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَعْنِي التَّسَتُّرَ بِالْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَاتِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ بُلِيَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ بِشَيْءٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَةَ وَجْهِهِ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» ) أَوْ كَمَا قَالَ وَالْحُدُودُ رَاجِعَةٌ إلَى حَالِ مَا يَقَعُ مِنْ الشَّخْصِ فَرُبَّ فِعْلٍ حَدُّهُ الْجَلْدُ وَآخَرَ حَدُّهُ الْهِجْرَانُ وَآخَرَ حَدُّهُ الْبُغْضُ وَآخَرَ حَدُّهُ الزَّجْرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ

لَكِنْ الْعَالِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسَتُّرُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ شَرَّهُ وَمَعْصِيَتَهُ وَمُخَالَفَتَهُ وَبِدْعَتَهُ إنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ خَيْرَهُ كَذَلِكَ مُتَعَدٍّ لَكِنْ التَّعَدِّي بِهَذَا الْفَنِّ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ الِاقْتِدَاءُ فِي شَهَوَاتِهَا وَمَلْذُوذَاتِهَا وَعَادَاتِهَا أَكْثَرُ مِمَّا تَقْتَدِي بِهِ فِي التَّعَبُّدِ الَّذِي لَيْسَ لَهَا فِيهِ حَظٌّ فَإِذَا رَأَتْ ذَلِكَ مِنْ عَالِمٍ وَإِنْ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ بِدْعَةٌ تُعْذِرُ نَفْسَهَا فِي ارْتِكَابِهَا لِذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ تَقُولُ لَعَلَّ عِنْدَ هَذَا الْعَالِمِ الْعِلْمَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوْ رَخَّصَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ لَهُمْ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُشَاهَدٌ فَإِذَا رَأَتْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ يَرْتَكِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ الِاسْتِصْغَارُ وَالتَّهَاوُنُ بِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ.
وَقَدْ قَالُوا ارْتِكَابُ الْكَبَائِرِ أَهْوَنُ مِنْ الِاسْتِصْغَارِ بِالصَّغَائِرِ لِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ يُرْجَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اللَّهِ وَيَتُوبَ وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّغَائِرِ قَلَّ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَقَدْ قَالُوا لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ إذَا اجْتَمَعَتْ صَارَتْ كَبَائِرَ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ سَبَبًا لِعَطَبِ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ رُتْبَةً فِي الدِّينِ لِاقْتِدَائِهِ بِهِ وَاسْتِسْهَالِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ سَبَكَ الْفَقِيهُ أَبُو الْمَنْصُورِ فَتْحُ بْنُ عَلِيٍّ الدِّمْيَاطِيُّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مِنْهَا أَيُّهَا الْعَالِمُ إيَّاكَ الزَّلَلْ ... وَاحْذَرْ الْهَفْوَةَ فَالْخَطْبُ جَلَلْ هَفْوَةُ الْعَالِمِ مُسْتَعْظَمَةٌ ... إنْ هَفَا أَصْبَحَ فِي الْخَلْقِ مَثَلْ وَعَلَى زَلَّتِهِ عُمْدَتُهُمْ ... فِيهَا يَحْتَجُّ مَنْ أَخْطَأَ وَزَلْ لَا تَقُلْ يُسْتَرُ عَلَى زَلَّتِي ... بَلْ بِهَا يَحْصُلُ فِي الْعِلْمِ الْخَلَلْ إنْ تَكُنْ عِنْدَك مُسْتَحْقَرَةً ... فَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ وَالنَّاسِ جَبَلْ لَيْسَ مَنْ يَتْبَعُهُ الْعَالِمُ فِي ... كُلِّ مَا دَقَّ مِنْ الْأَمْرِ وَجَلْ

مِثْلُ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ جَهْلُهُ ... إنْ أَتَى فَاحِشَةً قِيلَ جَهِلْ اُنْظُرْ الْأَنْجُمَ مَهْمَا سَقَطَتْ ... مَنْ رَآهَا وَهْيَ تَهْوِي لَمْ يُبَلْ فَإِذَا الشَّمْسُ بَدَتْ كَاسِفَةً ... وَجَلَ الْخَلْقُ لَهَا كُلَّ الْوَجَلْ وَتَرَامَتْ نَحْوَهَا أَبْصَارُهُمْ ... فِي انْزِعَاجٍ وَاضْطِرَابٍ وَزَجَلْ وَسَرَى النَّقْصُ لَهُمْ مِنْ نَقْصِهَا ... فَغَدَتْ مُظْلِمَةً مِنْهَا السُّبُلْ وَكَذَا الْعَالِمُ فِي زَلَّتِهِ ... يَفْتِنُ الْعَالَمَ طُرًّا وَيُضِلْ يُقْتَدَى مِنْهُ بِمَا فِيهِ هَفَا ... لَا بِمَا اسْتَعْصَمَ فِيهِ وَاسْتَقَلْ فَهُوَ مِلْحُ الْأَرْضِ مَا يُصْلِحُهُ ... إنْ بَدَا فِيهِ فَسَادٌ أَوْ خَلَلْ

[فَصْلٌ يَحْتَرِزَ الْعَالم فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُجَالِسُهُ أَوْ يُبَاشِرُهُ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَحْتَرِزَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُجَالِسُهُ أَوْ يُبَاشِرُهُ كَمَا يَحْتَرِزُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِحَقِّ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ وَلِحَقِّ الصُّحْبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَلِلْوَاجِبِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْإِرْشَادِ وَالتَّغْيِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِاللِّسَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ جُلَسَائِهِ قَدْ خَالَفَ سُنَّةً أَوْ ارْتَكَبَ بِدْعَةً أَوْ تَهَاوَنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَهَاهُ بِلُطْفٍ وَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ.
قَالَ تَعَالَى فِي التَّغْيِيرِ عَلَى عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَائِهِ مُنَازِعٍ لَهُ فِي مُلْكِهِ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: 44] فَإِذَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي حَقِّ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُتَمَرِّدِ فَمَا بَالُك فِي حَقِّ أَخٍ مُسْلِمٍ رَفِيقٍ جَلِيسٍ جَاءَ مُسْتَرْشِدًا مُتَعَلِّمًا فَيَجِبُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِ فَيَأْخُذَ أَمْرَهُ بِاللُّطْفِ وَالسِّيَاسَةِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ النُّفُورُ عِنْدَ زَجْرِهَا عَنْ الشَّيْءِ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ إذْ ذَاكَ إلَى أَمْرَيْنِ ضِدَّيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا: مُرَاعَاةُ جَانِبِ السُّنَّةِ وَالتَّغْيِيرُ وَالِانْزِعَاجُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالرِّفْقُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَلِّمُوا وَارْفُقُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» أَوْ كَمَا قَالَ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ إذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فِي أَحَدٍ مِنْ إخْوَانِهِ أَوْ جُلَسَائِهِ أَوْ الْمُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ يَنْظُرُ فِيهِمْ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ فَيَرْضَى لِرِضَى الشَّرْعِ وَيَغْضَبُ

لِغَضَبِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُرْجَى لَهُ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَعْنِي فِي اتِّبَاعِهِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ الْوَاصِفُ لَهُ «كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا فَإِذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ حُرَمِ اللَّهِ يُنْتَهَكُ كَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ إلَيْهَا نُصْرَةً» انْتَهَى.
فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْحَمِيَّةُ وَالنُّصْرَةُ لِلْعَالِمِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا الرِّفْقُ فَلَا يُنَفِّرُهُمْ بَلْ يَسْتَجْلِبُهُمْ وَيَسْرِقُ طَبَائِعَهُمْ بِالسِّيَاسَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى قَانُونَ الِاتِّبَاعِ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَصَاحَ النَّاسُ بِهِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا تَزْرِمُوهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى أَتَمَّ بَوْلَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ» وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ وَإِلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ فَلْيُعَامِلْ كُلَّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ اللُّطْفِ وَالسِّيَاسَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَسَاوَوْا فَرُبَّ شَخْصٍ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِاللُّطْفِ فَإِنْ أَخَذْته بِالشِّدَّةِ نَفَّرْته وَرُبَّ شَخْصٍ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِالْغِلْظَةِ فَإِنْ أَخَذْته بِاللُّطْفِ أَطْمَعْته وَقَلَّ أَنْ يَنْتَهِيَ

[فَصْلٌ مِنْ شرع فِي أَخَذَ الدرس يَجِب أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ]

(فَصْلٌ) فَإِذَا شَرَعَ هَذَا الْعَالِمُ فِي أَخْذِ الدَّرْسِ وَقَرَأَ الْقَارِئُ فَيَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَيَخْشَعُ قَلْبُهُ وَتَخْشَعُ جَوَارِحُهُ لِهَذَا الْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَحْكَامَهُ وَلَعَلَّ بَرَكَةَ مَا يَحْصُلُ لَهُ هُوَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جُلَسَاؤُهُ فَيَتَأَدَّبُونَ بِأَدَبِهِ وَيَتَأَسَّوْنَ بِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَى مَالِكٍ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُرِيدُونَ سَمَاعَ الْحَدِيثِ قَالَ فَدَخَلْت فَوَجَدْت أَصْحَابَهُ قُعُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَقُلْت سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَلَامًا إلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ رَدَّ السَّلَامَ فَقُلْت مَا بَالُكُمْ أَفِي الصَّلَاةِ أَنْتُمْ فَرَمَقُونِي بِأَطْرَافِ أَعْيُنِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي قِصَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا أَنَّ مَالِكًا كَانَ عِنْدَهُ التَّعْظِيمُ لِلْمَقَامِ الَّذِي

أُقِيمَ فِيهِ فَسَرَى ذَلِكَ لِطَلَبَتِهِ.
وَكَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ أَبَدًا فِي خَلْقِهِ أَيْ مَنْ قَرَأَ عَلَى شَخْصٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْرِقَ طِبَاعَهُ وَطَرِيقَهُ وَاصْطِلَاحَهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا كَانَ بَعْضُهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ أَوَّلًا بِالْأَدَبِ فِيمَا ذَكَرَ فَيَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَخَاطِرَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقَارِئِ فَإِذَا فَرَغَ الْقَارِئُ اسْتَفْتَحَ هُوَ الْإِقْرَاءَ فَيَسْتَعِيذُ إذْ ذَاكَ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِكَيْ يُكْفَى شَرُّهُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى لِكَيْ يَعْتَزِلَهُ الشَّيْطَانُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ عُزِلَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ حُضُورُهُ.
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ فِي مَجْلِسِهِ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ ذُكِرَ وَحَيْثُ كَانَ ثُمَّ يَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِ لِتَكْمُلَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةُ فِي مَجْلِسِهِ لِأَنَّهُمْ الْأَصْلُ الَّذِينَ أَسَّسُوا مَا جَلَسَ إلَيْهِ ثُمَّ يَجْعَلُ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَرَّى مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ سَبْعًا كَانَ أَحْسَنَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ يُسْنِدُ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي تَسْدِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَيَفْتَقِرُ فِي ذَلِكَ وَيَضْطَرُّ إلَيْهِ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: 62] وَيَتَعَرَّى إذْ ذَاكَ مِنْ فَهْمِهِ وَذِهْنِهِ وَمُطَالَعَتِهِ وَبَحْثِهِ، وَأَنَّهُ الْآنَ كَأَنْ لَا يَعْرِفْ شَيْئًا فَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذْ ذَاكَ كَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَتْحًا مِنْهُ وَكَرَمًا لَا لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُحَاوَلَةِ الْمُطَالَعَةِ وَالدَّرْسِ وَالْفَهْمِ ثُمَّ يَسْتَجِيرُ بِرَبِّهِ مِنْ عَثَرَاتِ اللِّسَانِ وَمِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَمِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِمَا قَدْ تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَرَأَ الْقَارِئُ وَيَذْكُرُ مَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَيُوَجِّهُ أَقْوَالَهُمْ وَيَرُدُّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ إلَى أُصُولِهِمْ الَّتِي اسْتَخْرَجُوا الْأَحْكَامَ مِنْهَا، وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ يَتَرَضَّى عَنْهُمْ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ وَيُعَرِّفُ مَنْ يَحْضُرُهُ بِقَدْرِهِمْ وَفَضِيلَتِهِمْ وَحَقِّ سَبْقِهِمْ.
قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحِكَايَاتُ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَمُجَالَسَتِهِمْ أَحَبُّ

إلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفِقْهِ لِأَنَّهَا آدَابُ الْقَوْمِ وَأَخْلَاقُهُمْ انْتَهَى.
ثُمَّ يُوَجِّهُ مَذْهَبَهُ وَيَنْتَصِرُ لَهُ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَفُّظِ عَلَى مَنْصِبِ غَيْرِ إمَامِهِ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ مَا يَنْسِبُ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ لِغَيْرِ إمَامِهِ فَإِنْ كُنْت عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا فَلَا يَدْخُلُك غَضَاضَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِأَنَّهُمْ الْكُلُّ جَعَلَهُمْ اللَّهُ رَحْمَةً لَك لِأَنَّهُمْ أَطِبَّاءُ دِينِك كُلَّمَا اعْوَجَّ أَمْرٌ فِي الدِّينِ قَوَّمُوهُ وَكُلَّمَا وَقَعَ لَك خَلَلٌ فِي دِينِك اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى ذَهَابِهِ عَنْك وَتَلَافِي أَمْرِك وَإِصْلَاحِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الدَّوَاءِ لَك عَلَى مَا اقْتَضَى اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مُقْتَضَى الْأُصُولِ فِي تَخْلِيصِك مِنْ عِلَّتِك وَحَمِيَّتِك وَإِعْطَاءِ الدَّوَاءِ لَك فَإِذَا رَجَعْت إلَى طَبِيبٍ مِنْهُمْ وَسَكَنْت إلَى وَصْفِهِ وَمَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَك فَلَا يَكُنْ فِي قَلْبِك حَزَازَةٌ مِنْ الْأَطِبَّاءِ الْبَاقِينَ الَّذِينَ قَدْ شَفَوْا مَرَضَ غَيْرِك مِنْ إخْوَانِك الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ أَقَامَهُمْ اللَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ وَتَدْبِيرِ دِينِهِمْ فَإِيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ تَجِدَ فِي قَلْبِك حَزَازَةً لِبَعْضِهِمْ وَإِنْ قَامَ لَك الدَّلِيلُ وَوَضَحَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ مَا قَالَ مَا قَالَهُ مَجَّانًا بَلْ مُسْتَنِدًا إلَى الْأُصُولِ وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا يَبْحَثُ مَعَك لَرَأَيْت مَذْهَبَهُ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا يَظْهَرُ لَك مِنْ بَحْثِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ رَأَيْته رَجُلًا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى هَذَا الْعَمُودِ أَنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ لَفَعَلَ فَيَكُونُ قَلْبُك وَاعْتِقَادُك مَعَ لِسَانِك مُجِلًّا لَهُمْ وَمُعَظِّمًا وَمُحْتَرِمًا وَإِنْ كُنْت قَدْ خَالَفْتَهُمْ بِالرُّجُوعِ إلَى إمَامِك فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ فَإِنَّك لَمْ تُخَالِفْهُمْ فِي أَكْثَرِ الْفُرُوعِ فَالْأُصُولُ قَدْ جَمَعَتْ الْجَمْعَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَقَالِيمِ بِكِتَابِ الْمُوَطَّأِ وَبِالْأَمْرِ أَنْ لَا يَقْرَأَ أَحَدٌ إلَّا إيَّاهُ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْأَقَالِيمِ، وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ عَنْهُمْ.
فَانْظُرْ إلَى

هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَرْجَحُ عَلَى مُقْتَضَى الْأُصُولِ وَالنَّظَرِ فَلَمْ يَطْعَنْ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَعِبْهُ وَلَمْ يَقُلْ الْأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إلَى مَا رَأَيْته فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ يَتَأَسَّى بِهَذَا الْإِمَامِ فِي التَّسْلِيمِ لِمَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَحْكَامِ مَعَ اعْتِقَادِ الصَّوَابِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَ تَغْلِيطِ غَيْرِهِ أَوْ تَوْهِيمِهِ ثُمَّ يَمْشِي فِيمَا قَعَدَ إلَيْهِ عَلَى مَا جَلَسَ إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ التَّأَدُّبِ وَالِاحْتِرَامِ فَيَتَكَلَّمُ بِلُطْفٍ وَرِفْقٍ وَيَحْذَرُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ وَأَنْ يَنْزَعِجَ فَيُؤْذِيَ بَيْتَ رَبِّهِ إنْ كَانَ فِيهِ وَبِرَفْعِ صَوْتِهِ يَخْرُجُ عَنْ أَدَبِ الْعِلْمِ وَعَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَيُوقِعُ مَنْ جَالَسَهُ فِي ذَلِكَ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ وَكَذَا أَيْضًا يُحَذِّرُ أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ فَإِنْ رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ نَهَاهُ بِرِفْقٍ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ إذْ ذَاكَ فِيهِ مَحْذُورَاتٌ.
مِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إنْكَارُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِذَلِكَ وَمِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ فِيهِ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ.
وَمِنْهَا قِلَّةُ الْأَدَبِ مَعَ الْعَالِمِ الَّذِي حَكَى مَذْهَبَهُ أَوْ كَلَامَهُ إذْ ذَاكَ وَإِنْ كَانُوا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَذَاكَرُونَهُ أَوْ أَوْرَدُوهُ إذْ ذَاكَ شَاهِدًا لِمَسْأَلَتِهِمْ فَهُوَ أَعْظَمُ فِي النَّهْيِ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2] فَيَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي حَبْطِ الْعَمَلِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَبَيْنَ رَفْعِهِ عَلَى حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ إمَامُ الْمُحَدِّثِينَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

[فَصْلٌ مَا يَنْبَغِي للعالم إذَا أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّرْسِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّرْسِ فَأُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ وَالتَّنْظِيرَاتُ أَنْ لَا يُجِيبَ أَحَدًا عَنْ مَسْأَلَتِهِ وَلْيَمْضِ فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيُسْكِتُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يُسْكِتُهُ لِأَنَّ الْإِيرَادَ

إذْ ذَاكَ يَخْلِطُ الْمَجْلِسَ وَلَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَيُبَيِّنُ هُوَ الْمَسْأَلَةَ لِنَفْسِهِ وَيُوَجِّهُهَا وَيَسْتَدِلُّ لَهَا وَيُورِدُ عَلَيْهَا وَيَعْتَرِضُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَنْظُرُهَا بِمَا يُشْبِهُهَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهَا ثُمَّ يُفَرِّعُ عَلَيْهَا مَا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّفْرِيعِ بَعْدَ حَلِّهِ أَوَّلًا لِلَفْظِ الْكِتَابِ وَتَبْيِينِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ صُورَةَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِجَمِيعِ مَنْ حَضَرَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ لِأَنَّ حَلَّ لَفْظِ الْكِتَابِ مَطْلُوبٌ مِنْ الْجَمِيعِ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْكِتَابَ وَمِمَّنْ لَا يَحْفَظُهُ، وَهُوَ أَقَلُّ فَائِدَةَ حُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ فَذَلِكَ الَّذِي تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي فَهْمِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُحَصِّلُ الْجَمِيعَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَصِّلُ الْبَعْضَ عَلَى قَدْرِ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَهْمِ فَيَكُونُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ يَسِيرُ سَيْرَ الضَّعِيفِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. «سِيرُوا بِسَيْرِ أَضْعَفِكُمْ» فَإِذَا تَحَصَّلَ لِلضَّعِيفِ مَقْصُودُهُ، وَهُوَ حَلُّ لَفْظِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ يَتَدَرَّجُ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى مَا مَرَّ وَالتَّأَدُّبُ وَحُسْنُ السَّمْتِ وَالْوَقَارُ مُسْتَصْحَبٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا فَرَغَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَالْبَيَانِ فَلْيُعْطِ إذْ ذَاكَ سَكْتَةً وَيُعْلِمْ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْكَلَامَ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُورِدْهُ الْآنَ فَإِذَا كَانَ بَقِيَ شَيْءٌ أَوْرَدُوهُ إذْ ذَاكَ فَيَتَنَبَّهُ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ وَالْغَائِبُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إذْ ذَاكَ لِأَحَدٍ مَا يَقُولُ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُرِيدُ الْقَائِلُ أَنْ يَقُولَ إذَا سَكَتَ لِآخَرِ الْمَجْلِسِ يَجِدُ الشَّيْخَ قَدْ أَوْرَدَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ شَتَّ عَنْهُ فَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ جَوَابِ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ وَبَيَانِهِ فَلْيَقْرَأْ الْقَارِئُ إذْ ذَاكَ ثُمَّ يَمْشِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ تَبَيَّنَتْ الْمَسَائِلُ لِكُلِّ الْحَاضِرِينَ وَانْتَفَعُوا، وَقَدْ يَقْطَعُونَ الْكِتَابَ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ بَقِيَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ فِي أَوَّلِ الْإِقْرَاءِ إذْ لِكُلِّ وَاحِدٍ إيرَادٌ وَسُؤَالٌ وَغَرَضٌ قَدْ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ جَوَابِ الْبَعْضِ إلَّا، وَقَدْ طَالَ الْمَجْلِسُ وَثَقُلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ

وَلَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ فَائِدَةٌ فَإِذَا سَكَتُوا إلَى أَنْ يَفْرُغَ كَلَامُ الشَّيْخِ انْتَفَعَ الْجَمِيعُ وَقَلَّ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إشْكَالٌ أَوْ سُؤَالٌ لِأَنَّ الشَّيْخَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْمَجْلِسِ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِوَظِيفَتِهِ فَقَدْ نَظَرَ إلَيْهِ وَحَصَّلَ مَا لَمْ يُحَصِّلْ غَيْرُهُ

[فَصْلٌ مَا يَنْبَغِي للعالم إذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا إذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ أَنْ لَا يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ صَاحِبُ السُّؤَالِ بِكَلَامِهِ إلَى آخِرِهِ أَوْ الْمُعْتَرِضُ بِاعْتِرَاضِهِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ بِآخِرِهِ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي حَقِّ مَنْ جَالَسَهُ أَنْ لَا يُجِيبُوا عَنْ الْمَسَائِلِ حَتَّى يَفْرُغَ مَنْ يُلْقِيهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا الْيَوْمَ تَجِدُ أَحَدَ الطَّلَبَةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةٍ أَوْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهَا أَوْ يُعَارِضَهَا أَوْ يَنْظُرَ بِهَا أَوْ يَسْتَدِلَّ لَهَا فَيُقْطَعُ الْكَلَامُ فِي فَمِهِ، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَنْطِقْ مِنْهُ إلَّا بِشَيْءٍ مَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَسْرِقُ مِنْهُ بَعْضُ النَّاسِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ فَيُقْطَعُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَسْتَبِدُّ هُوَ بِالْجَوَابِ أَوْ إلْقَاءِ الْمَسْأَلَةِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ وَأَصْلُهُ الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَالْمُبَاهَاةُ وَالْفَخْرُ وَمَحَبَّةُ النَّقْلِ عَنْهُ وَمَحَبَّةُ الظُّهُورِ عَلَى الْأَقْرَانِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ السُّكُوتَ ثُمَّ هُمْ الْيَوْمَ يَتَعَلَّمُونَ الْكَلَامَ انْتَهَى.
فَيَحْذَرُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ فَإِنْ وَقَعَ امْتَثَلَ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّغْيِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَأْتُونَ بِالْمَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ وَالْفَوَائِدِ النَّفِيسَةِ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ تُنْسَبَ إلَيْهِمْ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فَكَانُوا مِنْ ذَلِكَ بُرَآءَ لِشِدَّةِ إخْلَاصِهِمْ وَمُرَاقَبَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ.
، وَقَدْ قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ وَدِدْت أَنَّ النَّاسَ انْتَفَعُوا بِهَذَا الْعِلْمِ وَلَا يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَالَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا نَاظَرْت أَحَدًا قَطُّ فَأَحْبَبْت أَنْ يُخْطِئَ، وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا كَلَّمْت أَحَدًا قَطُّ إلَّا أَحْبَبْت أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ

وَتَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.
وَنَحْنُ الْيَوْمَ مَعَ قِلَّةِ الْإِخْلَاصِ وَقِلَّةِ الْيَقِينِ وَالْجَزَعِ مِنْ الْخَلْقِ وَالطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ نُحِبُّ أَنْ يُسْمَعَ مَا نُلْقِيهِ وَيُخْبَرُ عَنَّا بِهِ وَيُشَاعُ وَيُذَاعُ كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الْمُوَاطَأَةُ لِبَعْضِنَا بَعْضًا فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ حِينَ جُلُوسِهِ يَعْمَلُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَتَنَبَّهُ فِي نَفْسِهِ لَهَا وَيُنَبِّهُ أَصْحَابَهُ عَلَيْهَا انْحَسَمَتْ وَقَلَّ أَنْ يَقَعَ فِي مَجْلِسِهِ خَلَلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجْحَدَ ضَرُورَةً وَأَنْ لَا يَنْزَعِجَ عِنْدَ إيرَادِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا وَالْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ بِهَا لِأَنَّ الِانْزِعَاجَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَكَذَلِكَ جَحْدُ الْحَقِّ لَيْسَ مِنْ شِيَمِهِمْ بَلْ مِنْ شِيَمِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا أَيْضًا فِي نَفْسِهِ وَفِي مَجْلِسِهِ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ حِينَ جُلُوسِهِ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ عَلَى لِسَانِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ قَبْلَهُ وَيَسَّرَ بِهِ وَلَا يَخْتَارُ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي كُلِّ دَرْسِهِ لَيْسَ إلَّا بَلْ يَخْتَارُ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ وَلَا يُعَيِّنُ جِهَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَالَ «لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» انْتَهَى وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَأْخُذُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَنْ يَعْرِفُهُ فَكَيْفَ يَأْخُذُ بِهِ مَنْ يَجْهَلُهُ بَلْ النَّاسُ مُطَالَبُونَ بِتَصَرُّفِ هَذَا الْعَالِمِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَكَمَا لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُحِبُّ لَهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ إلَّا بِالْحَقِّ وَالصَّوَابِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيَمْتَثِلُ هَذَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ إلَيْهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ

[فَصْلٌ يَتَفَقَّدَ الْعَالم إخْوَانَهُ وَجُلَسَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنَّ يَتَفَقَّدَ إخْوَانَهُ وَجُلَسَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ وَالْفُرُوعِ بِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهَا وَعُلُوِّ قَدْرِهَا، وَقَدْرِ مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَيَتْبَعُهَا وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْبِدْعَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ الْمَقْتِ لِفَاعِلِهَا فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ الْيَوْمَ هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى أَكْثَرِ

النَّاسِ لِأَنَّا نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ طَلَبَةِ هَذَا الزَّمَانِ يَقْعُدُونَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ صِغَارٌ مِمَّ يَشِيبُونَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ حُضُورِ الْمَجَالِسِ وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا ذَكَرْت لَهُ سُنَّةً أَوْ بِدْعَةً يَعْرِفُهَا أَوْ يَتَنَبَّهُ لَهَا لِمَا قَدْ تَرَبَّى عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ هَذَا الْفَنِّ إلَّا قَوْلَهُ إنْ كَانَ حَاذِقًا نَبِيهًا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى كَذَا وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى كَذَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَذَا، وَقَالَ الرَّبِيعُ كَذَا فَيَبْحَثُ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ وَهَذَا قُبْحٌ عَظِيمٌ شَنِيعٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمَنْسُوبَةُ لِلْعُلَمَاءِ تَسْأَلُ أَحَدَهُمْ عَنْ السُّنَّةِ فِي بَعْضِ تَصَرُّفِهِ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ بِدْعَةٍ فِي زَمَانِهِ لَا يَعْلَمُهَا بَلْ يَحْتَاجُ عَلَى جَوَازِهَا لِأَجْلِ الْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا نَبَّهَهُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ تَيْقَظُوا لِلسُّنَّةِ فِي تَصَرُّفِهِمْ فَأَحَبُّوهَا وَتَنَبَّهُوا لِلْبِدْعَةِ فَأَبْغَضُوهَا وَهَذَا الْيَوْمَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَالِمِ الَّذِي قَعَدَ يُعَلِّمُ الْأَحْكَامَ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ عُرِفَتْ السُّنَّةُ إذْ ذَاكَ مِنْهُ وَعُرِفَتْ الْبِدْعَةُ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَنْ يَبْقَى كُلُّ مَنْ حَضَرَ يَعْلَمُ مِنْ أَيِّ قِسْمٍ هُوَ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَتَصَرَّفُ وَهَلْ هُوَ فِي سُنَّةٍ أَوْ فِي بِدْعَةٍ وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ لِبَقَاءِ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ نَظِيفًا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ غَيْرُ مَا هُوَ فِيهِ فَتَزُولُ بِسَبَبِهِ هَذِهِ الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى أَنَّهَا مِنْ السُّنَّةِ فَإِذَا نَبَّهَ عَلَيْهَا هَذَا الْعَالِمُ عُرِفَتْ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ يَتْبَعُ وَيَمْتَثِلُ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ عُدِمَ فِي بَعْضِهِمْ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ

[فَصْلٌ مَا يَنْبَغِي للعالم إذَا قَعَدَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا إذَا قَعَدَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى لِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ رَبِّهِ وَتَعْلِيمِهَا لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ ثُمَّ قَعَدَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ نُودِيَ فِي السَّمَوَاتِ عَظِيمًا» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَيَنْفِي عَنْهُ الشَّوَائِبَ مَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ وَهَذَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
أَمَّا مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُكَلَّفًا بِأَنْ

لَا يَقَعَ إنَّمَا عَلَيْهِ إذَا وَقَعَ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَيُبْغِضُهُ لِأَنَّ تَكْلِيفَ أَنْ لَا يَقَعَ مِمَّا لَا يُطَاقُ، وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَا يَقْعُدُ لَأَنْ يَرْأَسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ يُقَالَ فُلَانٌ مُدَرِّسٌ أَوْ مُفِيدٌ أَوْ يَبْحَثُ أَوْ نَبِيهٌ أَوْ حَاذِقٌ أَوْ صَاحِبُ فَهْمٍ مَعَ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ هَذَا الْيَوْمَ لِكَثْرَةِ تَغَالِيهِمْ فِي الشَّخْصِ فَإِذَا رَأَوْا أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى مَا يَنْبَغِي قَالُوا عَنْهُ مُجْتَهِدٌ هَذَا الشَّافِعِيُّ الصَّغِيرُ هَذَا مَالِكٌ الصَّغِيرُ وَانْسَاغَ لَهُ ذَلِكَ وَمَوَّهَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَحَسِبَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا فَيَكُونُ مِثْلُهُ إذْ ذَاكَ كَمَا قَالُوا مِثْلَ نَائِمٍ يَرَى فِي نَوْمِهِ مَا يَسُرُّهُ وَيُعْجِبُهُ فَيَفْرَحُ بِهِ وَيُخَيَّلُ لَهُ أَنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ يَنْتَبِهُ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ حَالُ هَذَا سَوَاءٌ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ النَّاسُ بِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ حَسِبَ نَفْسَهُ إذْ ذَاكَ كَمَا قَالُوا هَذَا ضَرْبٌ مِنْ الْحِلْمِ فَلَوْ تَيَقَّظَ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ وَالْغَفْلَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا أَوْ نَظَرَ إلَى مَا مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ مَالِكًا وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْفَهْمِ الْعَظِيمِ وَالتَّقْوَى الْمَتِينَةِ لَتَلَاشَى عِلْمُهُ إذْ ذَاكَ وَفَهْمُهُ وَتَقْوَاهُ وَيَجِدُ نَفْسَهُ كَمَا قَالَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ رَأَى بَعْضَ الْعُلَمَاءِ بِجَامِعِ مِصْرَ، وَهُوَ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ كَذَا، وَهُوَ خَطَأٌ وَذَهَبَ مَالِكٌ لِكَذَا، وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ كَذَا فَقَالَ مَا أَرَى هَذَا إلَّا مِثْلَ رَجُلٍ جَاءَ إلَى الْبَحْرِ فَرَأَى أَمْوَاجَهُ وَعَجِيجَهُ فَجَاءَ إلَى جَانِبِهِ فَبَالَ بَوْلَةً، وَقَالَ هَذَا بَحْرٌ آخَرَ انْتَهَى فَكَذَلِكَ هَذَا يَجِدُ نَفْسَهُ سَوَاءً أَوْ أَعْظَمَ فَإِذَا تَيَقَّظَ مِنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَجِدُ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ الْفَضَائِلِ تَلَاشَى مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ وَرَأَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ التَّقْصِيرِ وَالْجُمُودِ وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي فِي عِلْمِهِ وَتَصَرُّفِهِ

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ النُّعُوتِ]

وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهَا كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ وَهِيَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْقَرِيبَةِ

الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى، بَلْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ، وَهِيَ فُلَانُ الدِّينِ وَفُلَانُ الدِّينِ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَتَحَفَّظُ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَيَذُبُّ عَنْ السُّنَّةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْآنَ رَاعٍ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَهُ «وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَإِذَا نَطَقَ أَحَدٌ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ نَهَاهُ بِرِفْقٍ وَتَلَطَّفَ بِهِ فِي التَّعْلِيمِ، وَنَبَّهَهُ بِمَا وَرَدَ فِي التَّزْكِيَةِ مِنْ النَّهْيِ.
وَكَذَلِكَ إذَا نَادَاهُ أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ فَيُعَلِّمُهُ كَمَا ذُكِرَ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ أَنْ لَا يَسْتَجِيبَ لِمَنْ نَادَاهُ بِهَذَا الِاسْمِ حَتَّى يُنَادِيَهُ بِالِاسْمِ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ خُصُوصًا التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ وَالتَّعْلِيمُ بِالرِّفْقِ؛ لِأَنَّهُ لِذَلِكَ قَعَدَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فِيهَا مِنْ التَّزْكِيَةِ مَا فِيهَا فَيَقَعُ بِسَبَبِهَا فِي الْمُخَالَفَةِ بِدَلِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: 49] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 50] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُزَكُّوا عَلَى اللَّهِ أَحَدًا وَلَكِنْ قُولُوا إخَالُهُ كَذَا وَأَظُنُّهُ كَذَا» . وَأَمَّا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَزْكِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ وَالْعَجَمِ مِنْ نَعَتْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَةَ وَالثَّنَاءَ كَزَكِيِّ الدِّينِ وَمُحْيِي الدِّينِ وَعَلَمِ الدِّينِ وَشَبَهِ ذَلِكَ انْتَهَى.
فَإِذَا نَادَاكَ مُنَادٍ بِهَذَا الِاسْمِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَنْبَغِي لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَكَّى الْغَيْرَ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ وَأَنْتَ إذَا اسْتَحْبَبْتَ لَهُ صِرْت مِثْلَهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَمِنْهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ» . وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقًا وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبًا» . «وَقَدْ سُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، قِيلَ: أَيَزْنِي الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، قِيلَ: أَيَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَا انْتَهَى.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] وَقَدْ وَرَدَ فِيمَنْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إمْسَاكِهَا فَأَرَاهَا الْمِخْلَاةَ فَتَأْتِي عَلَى أَنَّ الْعَلَفَ فِيهَا فَيُمْسِكُهَا أَنَّهَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ يُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ صِيَانَتِهِ.
أَلَا تَرَى إلَى الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ رَحَلَ مِنْ بِلَادِهِ إلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ لِيَسْمَعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ عِنْدَهُ جَاءَ صَغِيرٌ لِيَقَعَ مِنْ مَوْضِعٍ فَقَبَضَ الشَّيْخُ يَدَهُ لِكَيْ يَظُنَّ الصَّبِيُّ أَنْ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُعْطِيهِ إيَّاهُ لِيَأْتِيَ فَيَأْخُذُ مَا فِيهَا، فَقَامَ الْبُخَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَتَرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَذِبًا وَقَدْحًا فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِذَا قَالَ مَثَلًا مُحْيِي الدِّينِ أَوْ زَكِيُّ الدِّينِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَحْيَا الدِّينَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي زَكَّى الدِّينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ إذْ ذَاكَ حِينَ السُّؤَالِ بَلْ حِينَ أَخْذِهِ صَحِيفَتَهُ فَيَجِدُهَا مَشْحُونَةً بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّزْكِيَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ

عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] هَلْ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ يَكْتُبُونَ كُلَّ مَا يَتَلَفَّظُ بِهِ الشَّخْصُ الْمُكَلَّفُ كَانَ مَا كَانَ أَوْ لَا يَكْتُبُونَ إلَّا مَا تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ بِسَبِيلِهَا إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى أَشْيَاءَ مَذْمُومَةٍ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ، وَهِيَ تَزْكِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَتَزْكِيَتُهُ لِغَيْرِهِ وَالْكَذِبُ وَمُخَالَفَةُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَوْ وَقَفَ أَمْرُنَا عَلَى هَذَا لَكَانَ قَرِيبًا أَنْ لَوْ كَانَ سَائِغًا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا كَذِبًا وَتَزْكِيَةً يُرْجَى لِأَحَدِنَا التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَلَكِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمَخُوفَ وَهُوَ أَنَّا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا مِنْ أَنَّ النَّاسَ إذَا خُوطِبُوا بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ تَشَوَّشُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَتَوَلَّدَتْ الشَّحْنَاءُ وَالْبَغْضَاءُ فَوَضَعْنَا لَهُمْ التَّزْكِيَةَ الْخَالِصَةَ حَتَّى لَا يَتَشَوَّشُوا وَلَا تَتَوَلَّدُ الْبَغْضَاءُ وَلَا الْعَدَاوَةُ، لَا جَرَمَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالشَّحْنَاءَ قَدْ كَمَنَتْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَحَصَلَ مِنْهَا أَوْفَرُ نَصِيبٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ فَبَقِيَتْ الْبَوَاطِنُ مُتَنَافِرَةً مَعَ الْأَذْهَانِ فِي الظَّاهِرِ، فَأَدَّتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ إلَى الْأَمْرِ الْمَخُوفِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْمُنَافِقِ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ وَمُعْتَقَدُهُ خِلَافَ ظَاهِرِهِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ تَجُوزُ لَمَا كَانَ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أَنَّهُمْ شُمُوسُ الْهُدَى وَأَنْوَارُ الظُّلَمِ وَهُمْ أَنْصَارُ الدِّينِ حَقًّا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
أَلَا تَرَى إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّاتِي اخْتَارَهُنَّ اللَّهُ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاصْطَفَاهُنَّ لِمَا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا فِيهِنَّ مِنْ الشِّيَمِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحْوَالِ الْعَالِيَةِ الْمُرْضِيَةِ «لَمَّا أَنْ دَخَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِزَيْنَبِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ لَهَا: مَا اسْمُكِ فَقَالَتْ: بَرَّةُ فَكَرِهَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَقَالَ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» . لِمَا فِيهِ مِنْ اشْتِقَاقِ اسْمِ الْبِرِّ، وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا مَا اُخْتِيرَتْ لِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل