المدخل لابن الحاجصفحات 58-97
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب

صفحات 58-97
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَإِنْ هُوَ غَشَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَقَدْ دَخَلَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي تَبَرَّأَ مِنْهُ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْ الْغِشِّ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقُمَاشُ عِنْدَهُ مُخْتَلِفَ الْحَالِ فَبَعْضُهُ جَيِّدٌ وَبَعْضُهُ رَدِيءٌ فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الْجَيِّدَ فَيَعْرِضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِذَا تَعَاقَدَا عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ لِكُلِّ خِرْقَةٍ مِنْهَا أَخْرَجَ الْبَائِعُ الْجَيِّدَ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِإِخْرَاجِ الرَّدِيءِ لِيَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الرَّدِيءَ بِمِثْلِ ثَمَنِ الْجَيِّدِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالْحُسْنِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ غِشٌّ وَإِذْ كَانَ غِشًّا؛ فَتَمْتَحِقُ الْبَرَكَةُ مِنْ الْمَالِ بِسَبَبِهِ، وَالتَّاجِرُ قَدْ تَعِبَ فِي السَّفَرِ وَخَاطَرَ وَفَارَقَ أَهْلَهُ لِلْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِتَنْمِيَةِ الْمَالِ وَإِصْلَاحِهِ فَيَقَعُ لَهُ الْعَكْسُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْلِطُ الطَّيِّبَ بِالرَّدِيءِ فَإِذَا جَاءَ الْمُشْتَرِي وَكَرِهَ مَا دَفَعَهُ لَهُ مِنْ الرَّدِيءِ يُكَابِرُهُ فِيهِ وَيَقُولُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: هُوَ مِثْلُ الْجَيِّدِ أَوْ يُقَارِبُهُ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ بَلْ النَّصِيحَةُ تُوجِبُ أَنْ يَبِيعَ الْجَيِّدَ وَحْدَهُ وَالرَّدِيءَ وَحْدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا رَدِيءٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَكَتَ عَلَيْهِ ظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْ الْعَالِ أَوْ الْوَسَطِ، وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْلِطَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ وَذَلِكَ طَرِيقُ السَّلَامَةِ لِمَنْ أَرَادَهَا.
أَمَّا لَوْ خَلَطَ الْجَيِّدَ بِالرَّدِيءِ وَبَاعَهُ بِسِعْرِ الرَّدِيءِ فَهَذَا جَائِزٌ إذَا كَانَ الْمَالُ لَهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْهِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهِ وَكِيلًا أَوْ كَانَ الْمَالُ لِيَتِيمٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَصْلًا وَمَا التَّوْفِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ.

[فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ أَنْ لَا يُنْقِصَ الْبَائِعَ مِنْهُ شَيْئًا]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ أَنْ لَا يُنْقِصَ الْبَائِعَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ نَقَصَهُ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ تَعَمَّرَتْ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ وَغَالِبُ أَحْوَالِ النَّاسِ الْمُشَاحَّةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَإِذَا نَقَصَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْبَائِعِ الرِّضَا فَالْغَالِبُ عَدَمُ رِضَاهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ

الْعَوَائِدِ وَمِنْ رَغْبَةِ النُّفُوسِ فِي أَخْذِهَا جَمِيعَ حَقِّهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا ذُلُّ السُّؤَالِ فِي أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ لَكَانَ كَافِيًا فِي الذَّمِّ فَكَيْفَ وَقَدْ جَمَعَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِشْرَافَ النَّفْسِ وَالشَّرَهَ سِيَّمَا إنْ كَانَ غَنِيًّا وَالْبَائِعُ فَقِيرًا فَذَلِكَ أَقْبَحُ وَأَشْنَعُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ وَكِيلًا لِلْغَيْرِ أَوْ وَلِيًّا أَوْ وَصِيًّا لِيَتِيمٍ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا الذَّمُّ إنَّمَا هُوَ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ وَعَقْدِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا حَرَجَ فِي الْمُسَاوَمَةِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَاكِسُوا الْبَاعَةَ فَإِنَّ فِيهِمْ الْأَرْذَلِينَ» وَسَوَاءٌ كَانَا غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ غَالِبًا (فَصْلٌ) وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْأَلُ الْبَائِعَ أَنْ يُنْقِصَ عَنْهُ وَلَكِنْ يَسْأَلُهُ التَّأْخِيرَ مَعَ كَوْنِ الْبَيْعِ وَقَعَ عَلَى الْحُلُولِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَعْنِي فِي نُقْصَانِ الثَّمَنِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْأَلُهُ نُقْصَانَ الثَّمَنِ، وَلَا التَّأْخِيرَ وَلَكِنْ يُمَاطِلُهُ بِقَوْلِهِ: غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ وَغُدْوَةً وَعَشِيَّةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَوَائِدِهِمْ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إعْطَاءِ الثَّمَنِ كُلِّهِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ إنَّهُ يَقْطَعُهُ عَلَى صَاحِبِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً وَهَذَا مُلْتَحِقٌ بِمَا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَطْلِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَتَضَرَّرُ بِتَأْخِيرِ بَعْضِهِ كَمَا يَتَضَرَّرُ بِتَأْخِيرِ كُلِّهِ غَالِبًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ الثَّمَنَ عَلَى مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ أَنْ يَضْجَرَ الْبَائِعُ مِنْ كَثْرَةِ التَّرَدُّدِ إلَيْهِ سِيَّمَا إنْ كَانَ غَرِيبًا يَقْصِدُ السَّفَرَ فَيَفْعَلُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ مَعَهُ حَتَّى يُضْطَرَّ إلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْهُ وَيَذْهَبَ لِشَأْنِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَيْعُ وَقَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّأْجِيلِ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ الْمُعَيَّنُ بَيْنَهُمَا صَارَ الْحُكْمُ فِي

ذَلِكَ حُكْمَ الْحَالِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

[فَصْلٌ صِفَةِ السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْبَزُّ]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً مِثْلَ الْحَرِيرِ وَالْبَزِّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يُقَلِّبُهُ عَلَى مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي صِفَةِ السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْبَزُّ مِنْ كَوْنِهِمْ يَشْتَرُونَهُ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ وَقْتُ الْغَلَسِ لِتَحْسُنَ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لِتِلْكَ السِّلْعَةِ يُقَلِّبُهَا فِي الشَّمْسِ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا لَوَقَفَ بِذَلِكَ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّمِّ.

[فَصْلٌ كَثْرَةِ الْأَيْمَانِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْأَيْمَانِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ تَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ» هَذَا إذَا كَانَ حَلِفُهُ عَلَى حَقٍّ وَهُوَ مَذْمُومٌ كَمَا تَرَى فَكَيْفَ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَحْلِفُونَ عَلَى تَحْسِينِ سِلَعِهِمْ وَقَدْ تَكُونُ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفُوا عَلَيْهِ بَلْ هُوَ الْغَالِبُ إذْ إنَّهَا لِأَجْلِ تَحْسِينِ سِلَعِهِمْ وَتَزْيِينِهَا فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي وَتَغْبِيطِهِ بِهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَذْمُومٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَغِّبُ الْمُشْتَرِيَ فِي سِلْعَتِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهَا الَّذِي أَتَيْت بِهَا مِنْهُ كَذَا وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فِيهِ أَوْ قَلِيلَةٌ وَأَنَّهَا تُسَاوِي مِنْ الثَّمَنِ الْعَالِي فِي مَوْضِعِهَا كَذَا وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِالْجَهْدِ وَالْمُحَابَاةِ حَتَّى بَاعَهَا لِي.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الَّتِي لَا يَنْحَصِرُ تَفْصِيلُهَا.
وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالطَّلَاقِ فَهُوَ أَقْبَحُ وَأَشْنَعُ لِوُقُوعِهِ فِي النَّهْيِ الصَّرِيحِ.
لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ، وَلَا بِالْعَتَاقِ فَإِنَّهَا أَيْمَانُ الْفُسَّاقِ» فَيَدْخُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَحْتَ عُمُومِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَمْتَحِقُ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ امْتَحَقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ غَالِبًا؛ وَلِأَجْلِ هَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ

كَأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ وَأُمَنَاءُ فِي أَمْوَالِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ السَّبِيلَ إلَى الصَّرْفِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِطَاعَةِ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْغَالِبِ بَلْ هُمْ خَزَنَةٌ لِغَيْرِهِمْ.
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون: 7] قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: خَزَائِنُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ أَيْدِي خَلْقِهِ.
فَإِذَا كَانَ خِزَانَةً لِغَيْرِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ مِثْلَ الصَّانِعِ وَالْأَجِيرِ وَالْوَارِثِ أَعْنِي فِي أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ وَهُوَ مَجْبُورٌ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ لِهَؤُلَاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ طَوْعًا أَمْ كَرْهًا وَعَلَامَةُ كَوْنِ الْمَالِ لِلشَّخْصِ تَسْلِيطُهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ وَقَعَتْ لَهُ الْبَرَكَةُ فَانْتَفَعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَانْتَفَعَ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مَعَ الذِّكْرِ الْحَسَنِ وَالْبَرَكَةِ فِيمَا بَقِيَ.

[فَصْلٌ فِي التاجر تَكُونَ السِّلَعُ فِي الْخَيْشِ فَيَشْتَرِيَهَا بِخَيْشِهَا]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ السِّلَعُ فِي الْخَيْشِ فَيَشْتَرِيَهَا بِخَيْشِهَا وَيَحْسُبُ عَلَى الْخَيْشَةِ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً يَذْكُرُهَا لِلْبَائِعِ وَالْخَيْشَةُ دُونَ ذَلِكَ الْوَزْنِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْ الْبَائِعِ إنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ فَيُضْطَرَّ الْبَائِعُ إلَى مُوَافَقَتِهِ لِئَلَّا تَبُورَ سِلْعَتُهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تَوَاطُئِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ التُّجَّارِ مِمَّنْ يُرِيدُ شِرَاءَ تِلْكَ السِّلَعِ.
مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُ الْخَيْشَةِ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: إنَّمَا أَحْسُبُهَا عِشْرِينَ رِطْلًا، فَإِذَا بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ مِنْ الْفُلْفُلِ مَثَلًا أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لِزِيَادَتِهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ زَائِدًا عَلَى وَزْنِ الْخَيْشَةِ.

[فَصْلٌ التاجر إذَا أَعْجَبَتْهُ السِّلْعَةُ أَوْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَعْجَبَتْهُ السِّلْعَةُ أَوْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ يُقَبِّحُهَا فِي عَيْنِ الْبَائِعِ وَيَذْكُرُ لَهُ عُيُوبًا لِيَبْخَسَهَا عِنْدَهُ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَعَ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يُنَفِّرَ الْمُشْتَرِيَ عَنْهَا فَيَجِدَ السَّبِيلَ إلَى شِرَائِهَا مِنْ الْبَائِعِ بِمَا يَخْتَارُ مِنْ الثَّمَنِ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّحَيُّلِ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ سِلْعَةٌ يُشِيعُ بِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ وَأَنَّهَا عِنْدَهُ وَقَدْ طُلِبَتْ مِنْهُ بِكَذَا، وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَرْضَ بِهِ وَيَشْكُرُهَا وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ أَشْيَاءَ مَذْمُومَةٍ بَلْ بَعْضُهَا مُحَرَّمٌ أَمَّا الْمُحَرَّمُ فَقَوْلُهُ: إنَّهَا مَعْدُومَةٌ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
وَالثَّانِي - الْكَذِبُ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ طُلِبَتْ مِنْهُ بِكَذَا، وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهَا بِهِ وَهَذَا كَذِبٌ ثَانٍ إذْ أَخْبَرَ بِخِلَافِ مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ - شُكْرُهُ لَهَا إنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَ فَهُوَ كَذِبٌ ثَالِثٌ وَإِنْ كَانَتْ كَمَا ذَكَرَ عَنْهَا فَهُوَ مَذْمُومٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ اسْتِشْرَافِ النَّفْسِ بِالرَّغْبَةِ فِيهَا وَالتَّغْبِيطِ بِشَأْنِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَالرَّابِعُ - حَلِفُهُ أَنَّهَا عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْحُسْنِ وَالْجَوْدَةِ وَهَذَا يَدُورُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْكَرَاهَةُ.
وَالْآخَرُ: التَّحْرِيمُ.
أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ.

[فَصْلٌ قُعُود التاجر فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَيُقَلِّبُ السِّلَعَ عَلَى مَنْ يُرِيد شرائها]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَيُقَلِّبُ السِّلَعَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُظْهِرَ أَنَّهَا جَيِّدَةٌ وَكَانَتْ عَلَى خِلَافِهِ بِسَبَبِ ظَلَامِ الْمَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَفْتَحُ الْمَوْضِعَ إلَّا آخِرَ النَّهَارِ لِيَقِلَّ الضَّوْءُ فَيَحْسُنَ الْقُمَاشُ فِي عَيْنِ مُشْتَرِيهِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ.

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ سِلْعَةً وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَهَا مَنَعَهُ غِلْمَانُ الْبَائِعِ مِنْهَا حَتَّى يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ بِهِبَهِتِمْ وَبَائِعُ السِّلَعِ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَذْمُومٌ فِي الْفِعْلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .

وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ تَوْقِيعًا مِمَّنْ لَهُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ يُسَامِحُ فِي الطَّرِيقِ بِالْمَظَالِمِ الَّتِي

فِيهَا عَلَى الْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي أَخْذِهِمْ مِنْ التُّجَّارِ عَلَى كُلِّ حِمْلٍ مِنْ كَذَا، وَكَذَا كَذَا، وَكَذَا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ مَنْ بِيَدِهِ ذَلِكَ التَّوْقِيعُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ السَّفَرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَبِيعُ ذَلِكَ التَّوْقِيعَ لِغَيْرِهِ مِنْ التُّجَّارِ بِدُونِ مَا يُلْزِمُونَ التَّاجِرَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ التِّجَارَةِ.
وَهَذَا الْفِعْلُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمَا مَعًا أَمَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ بَاعَ التَّوْقِيعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لَا يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ وَالظَّلَمَةُ سَوَاءً.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَلِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الظُّلْمِ مُحَرَّمَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِمَنْ يُرِيدُ أَخْذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ إلَّا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْإِكْرَاهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَالْإِكْرَاهُ هُنَا مَعْدُومٌ أَلْبَتَّةَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ ظُلْمًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ مَا بِيَدِهِ مِنْ التَّوْقِيعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهَذَا مَعْرُوفٌ صَنَعَهُ مَعَهُ وَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَوَّضَ عَنْ فِعْلِهِ لِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ هَدِيَّةً، وَلَا يُرْسِلُ مَعَهُ مَالًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَيْئًا أَوْ يُرْسِلُ مَعَهُ مَا يَبِيعُهُ لَهُ أَوْ يُقْتَرَضُ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَابَاةِ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلَا يَبْعُدُ فِي حَقِّ مَنْ بِيَدِهِ التَّوْقِيعُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ إذَا لَمْ يُسَافِرْ لِمَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلرِّفْقِ مِنْ التُّجَّارِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ الظُّلْمَ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْخَذُ فِيهَا الظُّلْمُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا زَكَاةٌ]

(فَصْلٌ) وَمِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّوْقِيعِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْخَذُ فِيهَا الظُّلْمُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا زَكَاةٌ وَيَكْتُبُونَ لَهُ وُصُولًا بِتَارِيخِ الْوَقْتِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ فِيهِ، وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا لِمُدَّةٍ تَقْرُبُ مِنْ السَّنَةِ الْآتِيَةِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى بَعْضِ مَنْ بِيَدِهِ الْوُصُولُ الْحَرَكَةُ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَيْعِ التَّوْقِيعِ مِنْ غَيْرِهِ فَمَنْ لَهُ شَيْءٌ يُعْطَى عَلَيْهِ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ الظُّلْمِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي عِنْدَهُمْ اسْمٌ وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنْعِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَلْيَحْذَرْ

مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ جَعَلَ الْفُلْفُلَ الَّذِي يُرِيدُونَ بَيْعَهُ فِي مَوْضِعٍ نَدِيٍّ]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْفُلْفُلَ الَّذِي يُرِيدُونَ بَيْعَهُ فِي مَوْضِعٍ نَدِيٍّ لِيَثْقُلَ بِذَلِكَ فِي الْوَزْنِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْبَضَائِعِ الَّتِي تَقْبَلُ النَّدَاوَةَ لِتَزِيدَ فِي الْوَزْنِ وَهَذَا مِنْ الْغِشِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ بَلْ لَوْ نَدَّى وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عِنْدَ بَيْعِهِ وَإِنْ خَفَّ وَرَجَعَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْيُبْسِ فَمَا بَالُك بِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ هُوَ بِهِ، وَهَذَا وَمَا شَابَهَهُ مُذْهِبٌ لِلْبَرَكَةِ مُمْحِقٌ لِلْمَالِ مُدْخِلٌ لِصَاحِبِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ابْتَلَّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا لَهُ صَمْغٌ كَالْعِلْكِ وَاللِّبَانِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَيَبْقَى كَالْحِجَارَةِ لِتَصَمُّغِهِ بِالْبَلَلِ فَيَكْسِرُونَهَا وَيَخْلِطُونَ مَعَهَا السَّالِمَ مِنْ الْبَلَلِ وَيَبِيعُونَ ذَلِكَ، وَلَا يُبَيِّنُونَ مَا أَصَابَهُ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا مِنْ بَابِ الْغِشِّ أَيْضًا إذْ إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَشْتَرِهِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ أَوْ نَحْوِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَتَرْكُهُ غِشٌّ وَهُوَ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا يَبِسَ عِنْدَهُ التَّمْرُ الْهِنْدِيُّ عَجَنَهُ بِالْقُطَارَةِ حَتَّى يَبْقَى كَأَنَّهُ طَرِيٌّ وَهَذَا غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

[فَصْلٌ جَمَعَ مَعَ الْكِرَاءِ مَا يُلْزِمُونَهُ مِنْ الْبَاطِلِ]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى عَلَى حَمْلِ مَتَاعِهِ فِي الْمَرْكَبِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَفْعَلُ مَعَ ذَلِكَ فِعْلًا لَا يَسُوغُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجْمَعُ مَعَ الْكِرَاءِ مَا يُلْزِمُونَهُ مِنْ الْبَاطِلِ فِي طَرِيقِهِ وَذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ وَالْجَهَالَةُ هَاهُنَا مَقْطُوعٌ بِهَا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ فِي شِرَاءِ التَّوْقِيعِ الَّذِي بِيَدِ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ.

فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ التُّجَّارِ الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِي الْقُمَاشِ الإسكندراني وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ الْمُقَطَّعَ بِكَذَا، وَكَذَا مِنْ الثَّمَنِ بِالدَّرَاهِمِ الْوَرَقِ ثُمَّ يُعْطُونَهُ الدَّرَاهِمَ النَّقْرَةَ عِوَضًا عَنْهَا فَيَحْسُبُهَا عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ دِرْهَمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا غَصْبٌ ثُمَّ يَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُنْقِصُونَ الْقُمَاشَ حِينَ يَقِيسُونَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاقِصًا فَيَقُولُونَ: نَقَصَ كَذَا وَكَذَا؛ فَيُنْقِصُونَ مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهَذَا غَصْبٌ ثَانٍ.
ثُمَّ يَضُمُّونَ إلَيْهِمَا وَجْهًا ثَالِثًا مِنْ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْهُ عَلَى كُلِّ مُقَطَّعٍ خَامٍ اشْتَرَوْهُ دِرْهَمَيْنِ عَلَى اسْمِ الْغِلْمَانِ وَهَذَا غَصْبٌ ثَالِثٌ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ.

، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الْقُمَاشَ الْخَامَ الْأَبْيَضَ مِنْ بِلَادٍ مُخْتَلِفَةٍ بِمَا يُشْبِهُ قُمَاشَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة ثُمَّ يُقَصِّرُونَهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ إسْكَنْدَرَانِيٌّ وَهَذَا غِشٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَمْ يُعْطِ فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا دُونَ مَا أَعْطَاهُ أَوَّلًا.

، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ الزَّبَادَ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّدْلِيسِ فِي الْمِسْكِ، وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ حَتَّى لَقَدْ اشْتَرَى بَعْضُ النَّاسِ مِسْكًا بِمِئِينَ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ سَاوَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا وَهَذَا لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ خَلْطِهِمْ الْمِسْكَ الْبُدَاوِيَّ بِالْعِرَاقِيِّ الطِّيبِ وَمَا شَابَهَهُ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الطِّيبِ وَذَلِكَ غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْبُدَاوِيُّ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ كُفَّارِ الْهِنْدِ مِنْ نَثْرِهِمْ الْمِسْكَ عَلَى أَصْنَامِهِمْ وَيُسَمُّونَهُ بِالْبُدَاوِيِّ فَيَأْخُذُونَ مَا نَثَرُوا عَلَيْهَا مِنْ الْمِسْكِ وَيَخْلِطُونَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ طِيبٌ كُلُّهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَعَامَلُونَ بِالْفِضَّةِ فِي بَلَدٍ فَيَبْقَى لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ شَيْءٌ فَيَقْبِضُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَالسِّكَّةُ مُخْتَلِفَةٌ وَذَلِكَ رِبًا؛ لِأَنَّ الْأَقَالِيمَ وَالْبِلَادَ تَخْتَلِفُ فِي ضَرْبِ السِّكَّةِ وَفِي الْغِشِّ بِالنُّحَاسِ وَعَدَمِ الْغِشِّ بِهِ فَتُوجَدُ هَذِهِ السِّكَّةُ فِي بَلَدٍ دُونَ أُخْرَى وَإِنْ وُجِدَتْ فَتُؤْخَذُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ دَرَاهِمَ الْمَغْرِبِ لَيْسَتْ كَدَرَاهِمِ إفْرِيقِيَّةَ وَلَيْسَتْ دَرَاهِمُ إفْرِيقِيَّةَ كَدَرَاهِمِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَلَيْسَتْ دَرَاهِمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة كَدَرَاهِم الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ وَسِكَكِهَا فَإِذَا بَقِيَ لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ شَيْءٌ فَيَقْبِضُهُ فِي مَوْضِعٍ وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْفِضَّةُ بِعَيْنِهَا بَلْ غَيْرُهَا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّفَاضُلُ وَالْجَهَالَةُ وَالْوُقُوعُ فِي الرِّبَا الْمَنْصُوصُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا» . وَلَا يَدْخُلُ هَاهُنَا مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ جَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ صَرْفَ مَا فِي الذِّمَّةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ مِثْلَ الذَّهَبِ مَعَ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا صَرْفُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ حُضُورِهِمَا أَعْنِي الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ بِشَرْطِ اتِّفَاقِ السِّكَّتَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُعْطَى مَنْ بَقِيَتْ لَهُ دَرَاهِمُ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ بِأَنْ يَأْخُذَ عَنْهَا ذَهَبًا بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي الذَّهَبَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْفِضَّةَ فِيهِ ثُمَّ يَصْرِفُ الذَّهَبَ لِنَفْسِهِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ إنْ شَاءَ فَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمُخَلِّصُ مِنْ الرِّبَا وَغَيْرِهِ بِمَا لَا شَكَّ فِيهِ إذْ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ إذْ الْمُمَاثَلَةُ لَا تُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُخَالَفَاتِ أَعْظَمُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الرِّبَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَوَعَّدَ فَاعِلَهُ بِالْحَرْبِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ

وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ الظُّلْمِ يَحْسُبُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ غَصْبٌ لَهُمْ وَالْغَصْبُ فِيهِ مَا فِيهِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَنِيًّا فَكَيْفَ بِهِ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ الْمُضْطَرِّ الْمُحْتَاجِ إلَى ذَلِكَ؟ ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَبَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الدِّينِ مِنْهُمْ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا وَلَكِنْ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى تَسْمِيَةِ أَنَّهُ زَكَاةٌ يَحْسُبُهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا وَهُوَ غَصْبٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا مِثْلُ مَجِيءِ السَّاعِي وَتَمَامِ الْحَوْلِ وَإِسْقَاطِ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ عَنْهُ وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى تَسْمِيَةِ أَنَّهُ زَكَاةٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ إذْ إنَّهُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ فِي بَلَدِ قُوصَ مَثَلًا ثُمَّ فِي بَلَدِ أَخْمِيمَ ثُمَّ فِي مِصْرَ ثُمَّ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَوْلٍ وَبِغَيْرِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا تُجْزِيهِ وَإِنْ سُمِّيَتْ زَكَاةً قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بِالْمَعَانِي اُسْتُعْبِدْنَا لَا بِالْأَلْفَاظِ؛ فَكَوْنُهُمْ يُسَمُّونَهَا زَكَاةً لَا عِبْرَةَ بِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا شَرْعًا فَهَذِهِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا هَلْ تُجْزِيهِ إنْ أَعْطَاهَا لَهُمْ أَوْ لَا تُجْزِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَصْرِفُوهَا فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ إعْطَاءَهَا لِأَرْبَابِهَا مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى الضِّدِّ مِنْ هَذَا الْحَالِ كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ جُزْءًا يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُمْ يُخْرِجُونَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَتَسَبَّبُونَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ مَعَ وُجُودِ الْوَرَعِ مِنْ أَكْثَرِهِمْ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ بِالْعِرَاقِ وَكَانَ مِنْ الْمُتَسَبِّبِينَ وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ

وَالْمُنْقَطِعِينَ قُوتُهُمْ مِنْ تَسَبُّبِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَكِيلُهُ مِنْ بِلَادِ السُّوسِ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْحَرِيرَ قَدْ طُلِبَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ عِنْدَك شَيْءٌ فَابْعَثْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك شَيْءٌ فَاشْتَرِ وَابْعَثْ فَلَمَّا أَنْ بَلَغَهُ الْكِتَابُ اشْتَرَى حَرِيرًا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي اللَّيْلِ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: ابْتَعْت الْحَرِيرَ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَمْ أُعَرِّفْهُ أَنَّهُ قَدْ طُلِبَ بِبِلَادِ السُّوسِ وَلَعَلَّهُ لَوْ عَرَفَ مَا بَاعَ لِي فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّوْمِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لِصَاحِبِ الْحَرِيرِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ مَضَى إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ الْحَرِيرَ قَدْ طُلِبَ بِبِلَادِ السُّوسِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ لَهُ: بَلَى قَدْ كَتَبَ إلَيَّ وَكِيلِي بِذَلِكَ أَفَتَرَى الْآنَ تَبِيعُهُ لِي؟ قَالَ: لَا؛ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً وَبَاعَهُ بِضِعْفِ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا الْحَالِ كَانَ تَسَبُّبُهُ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي مَالِي دِرْهَمًا وَاحِدًا حَلَالًا.
هَذَا حَالُ الْقَوْمِ عَكْسُ مَا عَلَيْهِ الْحَالُ الْيَوْمَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَغْمُوسًا فِي الْأَسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْلِفُ أَنَّ مَا فِي مَالِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا حَرَامًا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى انْعِكَاسِ الْحَقَائِقِ وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَزَهْوِهَا بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَمْحَقُ الْبَرَكَاتِ وَيَأْتِي بِالسَّيِّئَاتِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي يَقْعُدُ فِيهَا فِي الْبِلَادِ لِأَجْلِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ مُجَالَسَةَ عُلَمَاءِ الْوَقْتِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ الْمُنْقَطِعِينَ إلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ بِهَؤُلَاءِ هِيَ التِّجَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي لَا يَفْنَى رِبْحُهَا بَلْ يَبْقَى ذَلِكَ مُتَجَدِّدًا طُولَ عُمْرِهِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ مِثْلُهُ مَعْدُومٌ فِي أُفُقِهِ أَوْ بَلَدِهِ إذْ إنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَبَرَكَتَهَا عَامٌّ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ لَكِنْ قَدْ يُوجَدُونَ فِي إقْلِيمٍ دُونَ آخَرَ وَقَدْ يَقِلُّونَ فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا أَنْ يَغْتَنِمَ التَّبَرُّكَ بِهِمْ فِي كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهَا لِتَحْصُلَ لَهُ بَرَكَتُهُمْ عَلَى يَقِينٍ وَيَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْإِغْضَاءِ عَمَّا يَصْدُرُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ فِي التَّأْوِيلِ لَهُمْ فَهُوَ الْمُخْلِصُ لِاعْتِقَادِهِ حَتَّى لَا يَشُوبَهُ شَيْءٌ غَيْرُ مَا هُوَ قَاصِدُهُ لَكِنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ وَهُوَ أَنْ

لَا يُخَالِفَ السُّنَّةَ فَإِنْ خَالَفَهَا فَالْفِرَارُ الْفِرَارُ وَتَرْكُ رُؤْيَةِ مَنْ يَقَعُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ مُتَعَيِّنٌ

[فَصَلِّ الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ قَدَرَ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّقْدِ فَلْيَفْعَلْ، وَلَا يَبِيعُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِهِ يَئُولُ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ فِي الْغَالِبِ وَالْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حَاجِزًا مَنِيعًا وَلَيْسَ ثَمَّ أَمْنَعُ مِنْ تَرْكِ الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ فَإِنْ تَحَقَّقَ صَلَاحُ الشَّخْصِ وَحَاجَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذْ إنَّ فِيهِ إعَانَةً لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَتَفْرِيجًا عَنْهُ وَمَنْ كَانَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِهِ.

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا أَنْ لَا يُعْطِيَ فِي الثَّمَنِ دَرَاهِمَ زَائِفَةً، وَلَا نَاقِصَةً بَلْ جَيِّدَةً وَيُرَجِّحَ لَهُ فِي الْوَزْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ وَهُوَ عَدَمُ التَّوْفِيَةِ بِحَقِّهِ وَإِذَا بَاعَ وَوَزَنَ لِنَفْسِهِ يَأْخُذُ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَلَوْ بِحَبَّةٍ لِلْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ.

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا كَانَتْ لَهُ مُطَالَبَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ أَنْ لَا يُبَكِّرَ لَهُ مِنْ غُدْوَةِ النَّهَارِ يُطَالِبُهُ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى آخِرِ النَّهَارِ فَهُوَ أَنْجَحُ إذْ إنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ وَاشْتَرَى وَحَصَلَ لَهُ شَيْءٌ فِي دُكَّانِهِ فَيُعْطِيهِ وَهَذَا عَوْنٌ مِنْهُ لِأَخِيهِ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ.

[فَصْلٌ لَا يُكْثِرَ مِنْ الْجُلُوسِ فِي السُّوقِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ الْجُلُوسِ فِي السُّوقِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّوقَ مَحَلُّ عَامَّةِ النَّاسِ غَالِبًا مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَمَحَلُّ الشَّيَاطِينِ فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ ذَلِكَ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرْجُوعًا إلَيْهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ فَجُلُوسُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ رَحْمَةٌ بِأَهْلِ السُّوقِ سِيَّمَا فِي حَقِّ مَعَارِفِهِ وَإِخْوَانِهِ إذْ بِسَبَبِ جُلُوسِهِ فِي السُّوقِ تَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَقَدْ يَكُونُ أَهْلُ السُّوقِ أَوْ بَعْضُهُمْ غَافِلِينَ عَنْهَا فَيَنْتَبِهُونَ إلَيْهَا بِسَبَبِهِ.

وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي بَلَدٍ فَلْيُخْرِجْهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ لَهُ سِلْعَةٌ فِي بِلَادٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْهَا فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي هِيَ فِيهَا

حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَغَلَاءٍ يَقَعُ فِي مَوْضِعٍ فَتَزِيدُ حَاجَتُهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ النَّقْلُ إلَيْهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَيُمْنَعُ مِنْ نَقْلِهَا؛ لِأَنَّهُ غَصْبٌ لِمَا اسْتَحَقَّهُ فُقَرَاءُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فَهُمْ شُرَكَاءُ لَهُمْ فِيهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي وَجَبَ لَهُمْ فِيهِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُهُ فِي بَلَدِهِ حِينَ الْخُرُوجِ مِنْ أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى إخْوَانِهِ وَمَعَارِفِهِ وَيُوَدِّعُهُمْ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا إذَا عَزَمَ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَلْيَفْعَلْ مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ إذَا رجع الْمُسَافِر إلَى بَلَدِهِ]

(فَصْلٌ) فَإِذَا وَصَلَ إلَى بَلَدِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ يُخْبِرُ أَهْلَهُ بِقُدُومِهِ لِيَأْخُذُوا الْأُهْبَةَ لِلِقَائِهِ.
لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا وَالطُّرُوقُ هُوَ الْإِتْيَانُ لَيْلًا.
وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ مَنْ يَأْتِي عَلَى غَفْلَةٍ وَعَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ.
ثُمَّ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إذَا دَخَلَ إلَى بَلَدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ زِيَارَةَ بَيْتِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُحَيِّيهِ بِرَكْعَتَيْنِ.
وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ مِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» وَكَفَى بِهَا بَرَكَةً وَمِنْهَا أَنَّ أَصْحَابَهُ وَمَعَارِفَهُ مُخَاطَبُونَ بِأَنْ يَأْتُوا إلَيْهِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَلِلتَّهْنِئَةِ بِالسَّلَامَةِ فَإِذَا وَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ تَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ، وَلَا وُقُوفٍ وَانْتِظَارٍ بِخِلَافِ الْبَيْتِ.
وَمِنْهَا أَنَّ فِي بُطْئِهِ عَنْ الدُّخُولِ إلَى أَهْلِهِ فَائِدَةً أُخْرَى لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَدْهُنَ.
وَمِنْهَا أَنَّ أَهْلَهُ يُرِيدُونَ حِينَ لِقَائِهِ التَّمَتُّعَ بِرُؤْيَتِهِ وَالْجُلُوسَ مَعَهُ وَالْحَدِيثَ فَإِنْ هُوَ بَدَأَ بِأَهْلِهِ قَبْلَ الْمَسْجِدِ جَاءَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَطَعُوا عَلَيْهِمْ مَا هُمْ بِصَدَدِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِمَا هُوَ مُتَمَحِّضٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آكَدُ عَلَى الْمَرْءِ مِمَّا هُوَ مَشُوبٌ غَالِبًا بِحَظِّ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمِنْهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تُرِيدُ إسْرَاعَ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ

فَيُخَالِفُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ بِالْإِبْطَاءِ عَمَّا تُحِبُّهُ وَتَشْتَهِيهِ وَلَيْسَ هَذَا مُعَارِضًا لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ الْحُكْمَ بِفِعْلِهِ وَبِقَوْلِهِ وَهُوَ أَنَّ سُرْعَةَ الْأَوْبَةِ تَكُونُ بَعْدَ زِيَارَةِ الْمَرْءِ بَيْتَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَطَّارُ مِنْ تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَالْآدَابِ]

قَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ تَاجِرِ الْبَزِّ مَا تَقَدَّمَ فَفِي الْعَطَّارِ مِثْلُهُ أَعْنِي فِي بَيْعِهِ السِّلَعَ الَّتِي فِي دُكَّانِهِ فَيَجْتَنِبُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ بِبَيَانِهَا لِلْمُشْتَرِي حِينَ شِرَائِهَا مِنْهُ.
ثُمَّ إنَّ الْعَطَّارَ لَا يَخْلُو أَمْرُهُ مِنْ أَحَدِ قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْكَارِمِ.
أَوْ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصِ نِيَّتِهِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَا غَيْرَهُ إذْ إنَّ أَكْثَرَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُحَاوَلَةِ مَا هُوَ يُحَاوِلُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْعَطَّارِينَ الضُّعَفَاءِ إذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الزَّبَادِ أُوقِيَّةً أَوْ نَحْوَهَا أَوْ مِنْ الْمِسْكِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِحَسَبِ حَالِ تِلْكَ السِّلْعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى شِرَائِهَا مِنْ الْكَارِمِ فِي الْغَالِبِ فَيَكُونُ هُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ التَّيْسِيرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.
مِثَالُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمِسْكِ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مِنْ الزَّبَادِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ السِّلَعِ فَيَبِيعُهُ هُوَ فِي دُكَّانِهِ بِالْخَمْسَةِ دَرَاهِمِ وَالْعَشَرَةِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ فَهَذَا الْفِعْلُ يَكُونُ مُعِينًا فِيهِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي عَوْنِ هَذَا الْعَبْدِ بِسَبَبِ إعَانَتِهِ الْوَاحِدَ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ عَلَى قَدْرِ قِلَّتِهَا أَوْ كَثْرَتِهَا، وَبِذَلِكَ تَكْثُرُ الْحَسَنَاتُ وَيَزِيدُ الثَّوَابُ فَمَا بَالُك بِإِعَانَتِهِ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَنِمَ مَا سِيقَ لَهُ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ

فَيُصَحِّحَ نِيَّتَهُ وَيُجَرِّدَهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَيُخَلِّصَهَا مِنْ دَنَسِ مَا تَتَعَلَّلُ بِهِ النُّفُوسُ مِنْ تَحْصِيلِ الدُّنْيَا وَكَثْرَتِهَا وَطَلَبِ الرِّزْقِ وَالزِّيَادَةِ مِنْهُ إذْ إنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ وَقَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ.
لِمَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْأَرْزَاقَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْبَاحَ بِأَلْفَيْ عَامٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالرِّزْقُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ.
وَيَعْمَلُ عَلَى التَّخْلِيصِ مِنْ هَذِهِ الدَّنَاءَةِ وَيَرْجِعُ إلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ رَبِّهِ.
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُتَطَوِّعِ بِهِمَا وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ إذْ إنَّهَا كُلَّهَا أَعْمَالٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَزِيدُ بِسَبَبِهَا فَضِيلَةً فَإِنَّهُ خَيْرٌ مُتَعَدٍّ وَالْخَيْرُ الْمُتَعَدِّي أَرْجَحُ مِمَّا هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى هَذَا يَنْجَحُ سَعْيُهُ وَيَظْفَرُ بِمُرَادِهِ سِيَّمَا عِنْدَ انْكِشَافِ غُبَارِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى لَمَّا أَنْ عَدَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَشْرَاطَ السَّاعَةِ عَدَّ مِنْهَا تَقَارُبَ الزَّمَانِ وَقَدْ وَجَدْنَا الزَّمَانَ وَاحِدًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ سَلَفِنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يَزِدْ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَنْقُصْ لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ تَسَبُّبُهُمْ وَحَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ رَبِحُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ أَعْمَارَهُمْ إذْ إنَّ الْعُمْرَ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ إلَّا وُقُوعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِيهِ فَكَانُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَمَّا أَنْ كَانَتْ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ كُلُّهَا لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِيهَا حَظٌّ، وَلَا لِلَّهْوِ فِيهَا مَطْمَعٌ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ وَآخَرُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ وَاتِّصَافًا بِرَسْمِ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَرْفَعُهَا بِخِلَافِ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ إذْ إنَّ.
الْغَالِبَ عِنْدَنَا فِي التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى تَصَرُّفِنَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَنَا لِرَاحَةِ النُّفُوسِ أَوْ لِحُظُوظِهَا أَوْ لِاكْتِسَابِ الدُّنْيَا أَوْ الزِّيَادَةِ مِنْهَا.
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ هَيِّنًا لَيِّنًا فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ.
مَعَ وُجُودِ

التَّحَفُّظِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْإِجْحَافِ بِهَا فِيمَا يُخِلُّ بِحَالِهَا فَإِذَا بَاعَ سَامَحَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِحَالِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى يُسَامِحُ الْبَائِعَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِهِ لِيَغْتَنِمَ بِذَلِكَ الدُّخُولَ فِي بَرَكَةِ دُعَائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ يَقُولُ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إذَا بَاعَ سَمْحًا إذَا اشْتَرَى» وَلْيَحْذَرْ مِنْ اسْتِشْرَافِ النَّفْسِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ فَإِذَا أَتَى الْمُشْتَرِي إلَى دُكَّانِهِ فَحِينَئِذٍ يَبِيعُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَارًّا أَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ فَلْيَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إلَى جِهَتِهِ بَلْ حَتَّى يَقْصِدَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ فَإِنْ فَعَلَهُ كَانَ حَرَامًا وَامْتَحَقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخْلِطَ مَعَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْحَلِفِ بِالْأَيْمَانِ عَلَى مَا يُحَاوِلُونَهُ فِي بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَهُوَ مَذْمُومٌ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَيْلٌ لِلتَّاجِرِ مِنْ تَاللَّهِ وَبِاَللَّهِ» وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ لِتَعْظِيمِهِ فِي قُلُوبِهِمْ وَكَانُوا يُحَافِظُونَ عَلَى امْتِثَالِ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّ أَيْمَانَهُمْ إنَّمَا هِيَ لِلرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَاسْتِجْلَابِهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَحْلِفُ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَاَللَّهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. فَالْجَوَابُ أَنَّ يَمِينَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بَلْ هِيَ كُلُّهَا مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ وَالنَّدْبِ لِمَا شَرَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَإِذَا تَتَبَّعْت ذَلِكَ وَجَدْته كَذَلِكَ.
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِالدَّيْنِ فَلْيَفْعَلْ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَسُدُّ بِذَلِكَ بَابَ النِّزَاعِ وَالْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ يُزِيلُ بِذَلِكَ

عَنْ نَفْسِهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ الذُّلِّ بِسَبَبِ الدَّيْنِ الَّذِي يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَانَ فِي الْغَالِبِ تَجِدُ عَلَيْهِ أَثَرَ الذُّلِّ.
وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمُؤْمِنُ لَا يُذِلُّ نَفْسَهُ» وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الدَّيْنَ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الدَّيْنِ وَيَكُونَ مِنْ يُدَايِنُهُ مُتَّصِفًا بِالسَّمَاحَةِ وَالدِّينِ فَلَا بَأْسَ إذَنْ، وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ مِنْ قَدِيمِ الصُّحْبَةِ وَحُسْنِ الْمَوَدَّةِ فَإِنَّ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ دُنْيَاهُمْ وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا وَتَرْكُ الْمُسَامَحَةِ بِهَا فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِذَا دَفَعَ لِغَيْرِهِ أَرْجَحَ لَهُ وَإِذَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ فَلْيَأْخُذْ شَحِيحًا لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ.
فَكَذَلِكَ فِي وَزْنِ السِّلَعِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ.
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ السِّلَعُ عِنْدَهُ مَحْفُوظَةً لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا تَسْتَقْذِرُهُ النُّفُوسُ.
مِثَالُهُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ مَا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ الْيَابِسَةِ مَكْشُوفًا فَتَبُولُ فِيهِ الْفَأْرَةُ فَيَتَنَجَّسُ بَعْضُهُ بِذَلِكَ وَيُسْتَقْذَرُ بَاقِيهِ فَإِنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُبَيِّنْ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ دَخَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْغِشِّ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
(فَصْلٌ) فَإِنْ كَانَ الْعَطَّارُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ فِيمَا يُحَاوِلُهُ فَيَجْعَلُهَا لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَكَيْفِيَّتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ قَبْلَهُ وَهُوَ أَنْ يُيَسِّرَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا فَيُيَسِّرُهَا لَهُمْ قَرِيبَةً مِنْ مَوَاضِعِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي خُرُوجِ بَعْضِهِمْ إلَى مَوْضِعِ الْعَطَّارِينَ الْكِبَارِ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي الْأُوقِيَّةَ وَنِصْفَ الْأُوقِيَّةِ وَالرُّبْعَ وَالثُّمُنَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالْعَطَّارُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا بِشِرَائِهِ مِنْهُ مُيَسِّرًا عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ دُكَّانُهُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْ الْعَطَّارِينَ الْكِبَارِ فَإِنَّهُ يَعْظُمُ ثَوَابُهُ

بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُضْطَرُّ الْمَرْأَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ أَنْ يَخْرُجُوا لِشِرَاءِ ذَلِكَ فَإِذَا وَجَدُوا مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِهِمْ زَالَ عَنْهُمْ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ فِي مَشْيِهِمْ لِمَوْضِعِ الْعَطَّارِ الْكَبِيرِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ بِلَا ثَمَنٍ إذْ إنَّ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ أَكْثَرُ مَشَقَّةً.
ثُمَّ كَذَلِكَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ فِي تَيْسِيرِ كُلِّ مَا يُحَاوِلُهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إخْوَانُهُ الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ثُمَّ يَصْحَبُ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ فِي الْبَزَّازِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ وَاشْتَغَلَ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَمَضَى إلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ فَلْيُبَادِرْ إلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَعْلَى ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى دُكَّانِهِ وَذَلِكَ أَبْرَكُ لَهُ فِي مَالِهِ وَأَنْجَحُ لَهُ فِي سَعْيِهِ.
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي الْوَزْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْزُونُ قَدْ شَحَّ قَلِيلًا فَيُخْرِجَهُ وَيَدْفَعَهُ لِلْمُشْتَرِي وَيَزِيدَ عَلَيْهِ شَيْئًا بِغَيْرِ وَزْنٍ فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ وَأَخَذَ مَجْهُولًا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ نَاقِصَةً عَنْ حَقِّهِ أَوْ زَائِدَةً عَلَيْهِ فَتَقَعَ الْجَهَالَةُ فِي الْوَزْنِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ الْحَاصِلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَإِنْ قِيلَ: الْغَرَرُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ فِي الْبِيَاعَاتِ.
فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الصَّقَلِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ الْغَرَرُ الْيَسِيرُ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهَا قَدْرُ حَقِّهِ لَكَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ حِينَ أَخَذَهُ أَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هِبَةُ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ وَالْمُشْتَرِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَدْ وَهَبَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَجْهُولَ لِبَائِعِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَحَقُّقِ زِنَةِ

مَا اشْتَرَاهُ وَهَذَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ بِالْوَزْنِ الَّذِي دَخَلَا عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ بَيْعِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ دُونَ وَزْنٍ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُسَامِحَ نَفْسَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ دُونَ وَزْنٍ فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ بَعْدَ أَنْ يَقِفَ الْمُشْتَرِي عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ لَهُ وَحِرْزِهِ، إذْ إنَّ الْوَزْنَ أَحْصَرُ وَأَضْبَطُ وَأَبْعَدُ عَنْ الْغَبْنِ وَالْكَثِيرُ قَدْ لَا يُحْسِنُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ حِرْزَهُ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ.
وَالْبَيْعُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَكِيلٌ وَمَوْزُونٌ وَجُزَافٌ، فَإِذَا بَاعَ شَيْئًا بِغَيْرِ كَيْلٍ، وَلَا وَزْنٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُزَافًا وَالْجُزَافُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا مَحْرُوزًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْمُشْتَرِي لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْقِسْمِ الْمَمْنُوعِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.

[فَصْلٌ الْمَفَاسِدُ الَّتِي تَعْتَوِرُ الْعَطَّارَ]

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ السِّلَعِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ حِينَ الْكَلَامِ عَلَى التَّاجِرِ الْمُسَافِرِ لَكِنَّ الْمَفَاسِدَ الَّتِي تَعْتَوِرُ الْعَطَّارَ تَرْبُو عَلَى تِلْكَ فَيُحْتَاجُ أَنْ نَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا لِيَقَعَ التَّنْبِيهُ بِهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْعُودَ الرَّدِيءَ وَبُرَادَتَهُ وَبُرَادَةَ الطِّيبِ مِنْهُ وَيَعْجِنُونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَنْبَرِ الْخَامِ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلُّهُ طِيبٌ وَأَجْزَاؤُهُ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ بَيَّنَهُ لَهُ الْبَائِعُ لَمْ يَرْضَ بِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ غِشٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الزَّعْفَرَانَ الْجَنَوِيَّ والبرشنوني وَالْهَمْدَانِيَّ وَيَخْلِطُونَ الْجَمِيعَ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ جَنَوِيٌّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَنَوِيَّ يُرْغَبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ مَاءَ الْوَرْدِ الْعَتِيقَ بِالْجَدِيدِ مِنْهُ وَيَبِيعُونَهُ كُلَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَدِيدٌ وَذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي لَمَا أَخَذَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ

يَشْتَرُونَ الْوَرْدَ فَيُزِيلُونَ عَنْهُ بَعْضَ الْوَرَقِ الَّذِي فَوْقَهُ فَيَصْغُرُ الزِّرُّ بِذَلِكَ وَيَبِيعُونَ مَا أَخْرَجُوهُ مِنْهُ مِنْ الْوَرَقِ بِزِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ لِلْمُتَسَبِّبِينَ فِي النَّاطِفِ وَغَيْرِهِ وَيَبِيعُونَ مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى الزِّرِّ بِسِعْرِهِ صَحِيحًا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُبَيِّنُوا ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ لَمَا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ لَهُ بِهِ حَتَّى يُنْقِصَ مِنْهُ أَوْ يَتْرُكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ وَذَلِكَ غِشٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَسْتَجِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُهُ فِي حَقِّ تُجَّارِ الْكَارِمِ لَكِنَّ الْعَطَّارَ أَكْثَرُ تَخْلِيطًا مِنْهُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ بِالْمَنْعِ وَلَيْسَ هَذَا مَقْصُورًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ عِنْدَهُمْ فِي الْغَالِبِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ السِّلَعِ فَإِنَّهُمْ يَخْلِطُونَ الرَّدِيءَ بِالطَّيِّبِ ثُمَّ يَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلُّهُ طَيِّبٌ وَذَلِكَ غِشٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَحْسِينِ سِلَعِهِمْ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي اعْتَادُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِثْلُ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ مَعْدُومَةٌ فِي الْوَقْتِ وَمَا جَاءَ مِنْهَا شَيْءٌ وَقَلَّ الْوَاصِلُ بِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُرَغِّبُونَ بِسَبَبِهَا الْمُشْتَرِيَ فِيهَا وَذَلِكَ غِشٌّ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا قَالُوهُ فِيهَا حَقًّا فَلَا بَأْسَ إذَنْ وَتَرْكُهُ أَوْلَى سِيَّمَا وَبَعْضُهُمْ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ الْأَيْمَانَ فَهُوَ أَحْرَى بِالْمَنْعِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ حَالًّا وَيَكْذِبُ وَيَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ خَلْطِ الْمِسْكِ الرَّدِيءِ بِالطَّيِّبِ وَيَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ طَيِّبٌ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الزَّبَادِ فَيَخْلِطُونَ طَيِّبَهَا بِرَدِيئِهَا وَيَبِيعُونَهَا عَلَى أَنَّهَا كُلَّهَا طَيِّبَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ السِّلْعَةَ تَكُونُ عِنْدَهُمْ عَلَى صِنْفَيْنِ طَيِّبٍ وَرَدِيءٍ فَيَعْرِضُ الْبَائِعُ الْعَيْنَ مِنْ الطَّيِّبِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى مَا رَآهُ مِنْهَا أَعْطَاهُ أَوَّلًا الطَّيِّبَ مِنْ الْعَيْنِ ثُمَّ أَدْمَجَ لَهُ الرَّدِيءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ وَذَلِكَ غِشٌّ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ

إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يُخْبِرُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ الْأَجَلَ وَذَلِكَ غِشٌّ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْعَطَّارِ وَفِيمَنْ قَبْلَهُ وَمَنْ سَيَأْتِي بَعْدُ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يُمَاكِسُهُ أَوْ يَسْأَلُهُ التَّأْخِيرَ عَنْ الْأَجَلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَطْرَحُ عَلَى وَزْنِ الْخَيْشَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي التَّاجِرِ الْمُسَافِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ إنَّهُ يُعْطِي الْبَائِعَ عَمَّا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ عَنْ بَعْضِهَا فُلُوسًا فِيهَا زَيْفٌ يَكْرَهُهَا الْبَائِعُ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْبَائِعُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْغَصْبِ مِثْلَ السَّرِقَةِ وَالْخِلْسَةِ وَالْمُصَادَرَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي ثَمَنِهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَى يَدِ ظَالِمٍ زَادُوهُ فِي ثَمَنِهَا لِيَتَّخِذُوا عِنْدَهُ يَدًا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنْ السَّارِقِ وَالْمُخْتَلِسِ نَقَصُوهُ مِنْ ثَمَنِهَا النَّقْصَ الْكُلِّيَّ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَمْرَهَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ كَفَاعِلِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَلَّى بَيْعَ السِّلَعِ الَّتِي اغْتَصَبَهَا الْغَاصِبُ فَيَخْدِمُهُ فِي بَيْعِهَا لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ أَيْضًا مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْعِهِ لَهُ وَشِرَائِهِ مِنْهُ، وَلَوْ سَلِمَ النَّاسُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا وَمِمَّنْ يُعِينُ الظَّلَمَةَ لَقَلَّ الْغَصْبُ وَقَلَّتْ الْمَفَاسِدُ وَلَكِنْ بِإِعَانَةِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ كَثُرَ الظُّلْمُ وَفَشَا؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

[فَصْلٌ السَّمَاسِرَةُ]

(فَصْلٌ) وَأَمَّا السَّمَاسِرَةُ فَبَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَى وَأَكْثَرُ غِشًّا بِالْقَوْلِ مِنْ أَصْحَابِ السِّلَعِ وَقَدْ يَسْلَمُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا فِي السِّلْعَةِ مِنْ الْغِشِّ فَيَبِيعُونَهَا لِلْمُشْتَرِي وَيُزَيِّنُونَهَا فِي عَيْنِهِ، وَلَا يُبَيِّنُونَ لَهُ مَا فِيهَا مِنْ

الْغِشِّ ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ الْحَلِفَ بِالْأَيْمَانِ الْكَثِيرَةِ لِيُؤَكِّدُوا بِهَا مَا حَسَّنُوهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ السِّلْعَةَ تَكُونُ طَيِّبَةً خَالِصَةً سَالِمَةً مِنْ الدَّنَسِ وَالْغِشِّ فَيُزَيِّنُونَ لِصَاحِبِهَا خَلْطَهَا بِبَعْضِ الرَّدِيءِ مِنْهَا لِيُرَغِّبُوهُ بِذَلِكَ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَذَلِكَ غِشٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي لَكَرِهَهُ وَإِنْ قَلَّ وَلَمْ يَأْخُذْ مَا خُلِطَ مَعَهُ إلَّا بِثَمَنِهِ دُونَ ثَمَنِ الطَّيِّبِ.

[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الْوَرَّاقِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَتَحْسِينِهَا]

اعْلَمْ - وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ هَذَا السَّبَبَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذَا حَسُنَتْ النِّيَّةُ فِيهِ إذْ إنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُكْتَبُ فِي الْوَرَقِ وَتَفْسِيرَهُ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعُلُومِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرْحُهُ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَعَانِي وَالْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ الَّتِي لَا يَأْخُذُهَا حَصْرٌ وَكُتُبُ الْفِقْهِ وَبَاقِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الصَّدَقَاتِ وَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْوَكَالَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَهَذِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي الدِّينِ فَإِذَا كَانَ الْمُتَسَبِّبُ فِيهَا يَنْوِي بِذَلِكَ إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قَضَاءِ مَآرِبِهِمْ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ لَكَانَ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا فَيَحْصُلَ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ عَنْهُ عِوَضًا فَيَكُونُ بِسَبَبِ نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْعِبَادَاتِ وَيُعَوِّلُ فِي رِزْقِهِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ وَخَلَقَهُ قَبْلَ خَلْقِ جُثَّتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا.
ثُمَّ يُضِيفُ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْسِينِ النِّيَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ.
ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ لَكِنْ قَدْ يَعْتَوِرُهُ فِي ذَلِكَ عَكْسُ مَا جَلَسَ إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْوَرَقَ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ أَوْ مَا لَا يَنْبَغِي فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ فَمِثْلُ الظُّلْمِ

وَمَا شَاكَلَهُ وَمِثْلُ الْكَذِبِ كَقِصَّةِ الْبَطَّالِ وَعَنْتَرَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَنْبَغِي فَمِثْلُ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُحَذَّرَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَ بِذَلِكَ فِي ضِمْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3] ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَاعَ الْوَرَقَ لِمَنْ يَكْتُبُ فِيهِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَمْ يَقُلْهُ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ بِقَلْبِهِ فَيَدْخُلُ بِذَلِكَ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَيَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ مَثَلًا: إنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْغَالِبِ حَالَ الْمُشْتَرِي فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي فِي حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالسَّلَامَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ غَيْرُهُمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ قَلَّ أَنْ لَا يُعْرَفَ حَالُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مُبَاحٌ أَوْ مَكْرُوهٌ بَلْ بَعْضُهُمْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ حَتَّى إنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ ذَلِكَ أَوْ نَدْبَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ إذْ إنَّهُ لَا يَسْتَخْفِي أَحَدٌ إلَّا بِالشَّيْءِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ مَعْصِيَةٌ وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لَيْسُوا فِي مَعْصِيَةٍ بَلْ بَعْضُهُمْ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ.
وَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنَّهُ إذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فِي الْمُشْتَرِي أَنْ يُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهَةَ بَلْ يَذْكُرَ أَعْذَارًا مَانِعَةً لَهُ مِنْ بَيْعِهِ إذْ إنَّهُ إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لَهُ أَوْ عَرَضَ لَهُ بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَرَتَّبَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِتَنٌ كَثِيرَةٌ قَلَّ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا وَالْأَعْذَارُ كَثِيرَةٌ فَلْيَحْذَرْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ، وَلَا يَكْشِفُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ.
فَإِنْ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بَاعَ لِمَنْ لَا يُرْتَضَى حَالُهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ بِذَلِكَ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْوَرَعِ فِي تَسَبُّبِهِ وَتَصَرُّفِهِ فَذَلِكَ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ وَاَلَّذِي يَخُصُّهُ هُوَ أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَشْتَرِيَ مِمَّنْ يَحُوكُ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مَا مِمَّا يَكْرَهُهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ فَإِنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَتَحَيَّلْ عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّ الثَّمَنِ عَلَى

صَاحِبِهِ إنْ تَعَيَّنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ وَإِلَّا فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، وَلَا يُدْخِلْهُ فِي مَالِهِ، وَلَا يَنْتَفِعْ بِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ وَفِي الْوَرَّاقِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ تَأَخَّرَ.
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ الْغِشِّ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ.
مِثَالُهُ أَنْ يُعْطِيَ الدَّسْتَ الَّذِي يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَيَبِيعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الدَّسْتِ الَّذِي يُسَاوِي أَرْبَعَةً؛ لِأَنَّ الْوَرَقَ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِسَبَبِ صِفَتِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَرَقًا زَائِدًا فِي الْبَيَاضِ وَفِي الصِّقَالِ وَيَكُونُ مِمَّا عُمِلَ فِي الصَّيْفِ وَآخَرُ عَكْسُهُ أَعْنِي فِيهِ سُمْرَةً وَنَقْصًا فِي الصِّقَالِ أَوْ الْبَيَاضَةِ وَعُمِلَ فِي الشِّتَاءِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ حَتَّى يَخْرُجَ بِبَيَانِهِ مِنْ الْغِشِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ دَخَلَ بِكِتْمَانِهِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ثُمَّ لَا يَخْلُو بَيْعُهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوَمَةً أَوْ مُرَابَحَةً.
فَإِنْ كَانَ مُسَاوَمَةً فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَخْلَصُ لِلذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ مُرَابَحَةً فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَمْرِ الْبَزَّازِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ أَوْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
فَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ عَدَمِ التَّشَوُّفِ لِلْمُشْتَرِي وَالنَّظَرِ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ السُّوقَ أَوْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُشْتَرَطٌ فِي حَقِّ هَذَا وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ.
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ عِنْدَ شِرَائِهِ الْوَرَقَ مِنْ الْوَرَّاقَةِ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُكْشَفُ فِيهِ عَلَى عَوْرَاتِ مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا مِنْ الصُّنَّاعِ إذْ إنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْعَلُونَ فِي أَوْسَاطِهِمْ خِرْقَةً تَصِفُ الْعَوْرَةَ لِصِغَرِهَا وَانْحِصَارِهَا عَلَى الْعَوْرَةِ وَابْتِلَالِهَا بِالْمَاءِ وَالْفَخِذُ عَنْ آخِرِهِ مَكْشُوفٌ فَإِنْ دَخَلَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ مِنْ أَنَّهُ يَعْمَلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَيَحْتَاجُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَتَحَرَّى وَقْتًا يَكُونُونَ فِيهِ سَالِمِينَ مِمَّا ذُكِرَ.
وَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنْ يَخْلِطَ الْوَرَقَ الْخَفِيفَ بِالْوَرَقِ الْجَيِّدِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلنَّسْخِ؛ لِأَنَّ

ذَلِكَ تَدْلِيسٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْخَفِيفَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَشْطَ لِخِفَّتِهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْزِلٍ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِمَّنْ يَنْسَخُ فِيهِ أَعْطَاهُ مِمَّا يُوَافِقُهُ مِنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَكْتُبُ فِيهِ الرَّسَائِلَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَجُوزُ أَعْطَاهُ مِنْ الْوَرَقِ الْخَفِيفِ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَرَّاقِ الَّذِي فِي الْوَرَّاقَةِ أَنْ لَا يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَرَقِ الْمَكْتُوبِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَهُ حُرْمَةٌ شَرْعِيَّةٌ بَلْ هُوَ الْغَالِبُ.
فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ عَرَفَ مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَوْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ اسْمِ مَلَكٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيَجْتَنِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِحُرْمَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّ الصُّنَّاعَ يَدُوسُونَ ذَلِكَ بِأَرْجُلِهِمْ وَغَيْرِهَا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ الِامْتِهَانِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ الصُّنَّاعِ يَفْعَلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَتَى بِغَيْرِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ سَتْرَ عَوْرَتِهِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي التَّحَفُّظِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَحَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَالْبَرَكَةُ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ وَعُرِفَتْ عَادَتُهُ فَلَا يَأْتِي إلَيْهِ إلَّا مَنْ يُجَانِسُهُ فِيمَا هُوَ يَطْلُبُهُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالتَّحَفُّظِ عَلَى الدِّينِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَتْ أَسْبَابُهُمْ تَابِعَةً لِأَدْيَانِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ.
فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عَادَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ فَإِنَّهُمْ عَلَى عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ إنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْأَسْبَابُ وَأَدْيَانُهُمْ تَابِعَةٌ لَهَا كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي صِفَةِ السَّلَفِ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ وَذُكِرَ فِي صِفَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَشَبَّهْ بِهِمْ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْوَرَّاقَةِ مَثَلًا: إنْ فَعَلْت مَا ذَكَرْتُمُوهُ قَلَّ أَنْ أَجِدَ

صَانِعًا يَعْمَلُ فَيَتَعَطَّلُ عَلَيَّ السَّبَبُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَيْرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - لَمْ يُعْدَمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ عُدِمَ فِي قَوْمٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ بَلْ نَجِدُ الْأَمْرَ عَلَى عَكْسِ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الصُّنَّاعَ إذَا عَلِمُوا مِنْ الشَّخْصِ أَنَّهُ يُوَسِّعُ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيَتَحَذَّرُ عَلَى دِينِهِ وَدِينِهِمْ وَيُسَامِحُهُمْ وَيَتَغَاضَى لَهُمْ فِي شَيْءٍ مَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَتِهِمْ بِمَا لَا يَضُرُّهُ كَثُرَ خُطَّابُهُ وَعَزَّ أَمْرُهُ وَحَصَلَتْ لَهُ الْبَرَكَةُ فِي كُلِّ مَا يُحَاوِلُهُ.

[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ النَّاسِخِ وَكَيْفِيَّتِهَا]

اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّاسِخَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ يَرْبُو عَلَى الْوَرَّاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ إذْ إنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ نَسْخُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي الْفِقْهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَهِيَ مَحْضُ الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ سِيَّمَا إنْ تَدَبَّرَ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَتَفَكَّرَ فِي مَعَانِيهِ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ.
وَإِنْ كَانَ يَكْتُبُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْفَضِيلَةِ إلَّا مَا وَرَدَ (مَنْ كَتَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابٍ بَقِيَتْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَكْتُوبَةً فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ) وَكَفَى بِهَا نِعْمَةً.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ مِنْ النَّسْخِ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَاقَضَ نِيَّتَهُ الَّتِي جَلَسَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ يُحَاوِلُ السَّبَبَ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِنِيَّةِ إعَانَةِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ السِّلَعِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ الرِّزْقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى سَبَبِهِ ذَلِكَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا حِينَ خُرُوجِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَيَحْتَسِبُ خُطَاهُ وَتَعَبَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَفِي هَذَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى إذْ إنَّهُ مَحْضُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْسَخَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْكَذِبِ

كَقِصَّةِ الْبَطَّالِ وَعَنْتَرَةَ وَشَبَهِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ أَوْ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ وَشِبْهِهَا فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْسَخُ لِظَالِمٍ أَوْ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الظُّلْمِ أَوْ مَنْ فِي كَسْبِهِ شُبْهَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3] وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْحُرُوفَ فِي كِتَابَتِهِ، وَلَا يُعَلِّقُ خَطَّهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ إلَّا مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ قَوِيَّةٌ بَلْ تَكُونُ الْحُرُوفُ بَيِّنَةً جَلِيَّةً فَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى النُّقَطِ دُونَ أَنْ يَنْقُطَهَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَخْتَلِفُ مَعَ التَّاءِ وَالثَّاءِ، وَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالنُّقَطِ، وَكَذَلِكَ الْجِيمُ وَالْحَاءُ وَالْخَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِفِعْلِهِ تَعُمُّ الْمَنْفَعَةُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْقُطْ أَوْ يُعَلِّقْ خَطَّهُ عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَثَائِقَ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ بَلْ بَعْضُهُمْ لَا يَعْرِفُ أَنْ يَقْرَأَ خَطَّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اصْطِلَاحًا يَخُصُّهُ فِي ذَلِكَ قَلَّ أَنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «يَا مُعَاوِيَةُ أَلْقِ الدَّوَاةَ وَحَرِّفْ الْقَلَمَ وَانْصِبْ الْبَاءَ وَفَرِّقْ السِّينَ، وَلَا تُعْوِرْ الْمِيمَ وَحَسِّنْ اللَّهَ وَمُدَّ الرَّحْمَنَ وَجَوِّدْ الرَّحِيمَ وَضَعْ قَلَمَك خَلْفَ أُذُنِك فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي» وَفِي كُتُبِهِمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إضَاعَةُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُودِ أَنْكِحَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ الْكَاتِبُ أَوْ يَتَعَذَّرَ وُجُودُهُ، وَلَا يَعْرِفُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرَأَ مَا كَتَبَهُ فَإِذَا تَحَفَّظَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ عَمَّتْ مَنْفَعَةُ كِتَابَتِهِ لِأَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنَقِّطْ أَوْ يُعَلِّقْ خَطَّهُ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ بِالْحِبْرِ الَّذِي يَخْرِقُ الْوَرَقَ فَإِنَّ فِيهِ إضَاعَةَ الْمَالِ وَإِضَاعَةَ الْعِلْمِ الْمَكْتُوبِ بِهِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ نُسْخَةُ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ مَعْدُومَةً أَوْ عَزِيزًا وُجُودُهَا وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ النَّسْخُ بِالْحِبْرِ الَّذِي يُمْحَى مِنْ الْوَرَقِ سَرِيعًا وَأَمَّا النَّسْخُ بِالْمِدَادِ الَّذِي تَسْوَدُّ بِهِ الْوَرَقَةُ وَتَخْتَلِطُ الْحُرُوفُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهِ

اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَنَعَمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَكِتَابِ الْقَاضِي بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَسْخِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ خَيْرَ الْخَطِّ مَا قُرِئَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ لِلنَّسْخِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يُغْتَفَرُ لَهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَنْسَخُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ حِينَ يُبَاشِرُهُ فِي كُلِّ حِينٍ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ الْحَدَثِ فَيَتَوَضَّأُ فِي أَوَّلِ جُلُوسِهِ وَيُغْتَفَرُ لَهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) وَلْيَجْتَنِبْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُمَاطَلَةِ بِالشُّغْلِ وَهَذَا أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ أَنْ يُوفِيَ بِمَا يَقُولُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحْضِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَشُوبُهَا بِمَا يُنَاقِضُهَا بِوُقُوعِهِ فِي خُلْفِ الْوَعْدِ بِقَوْلِهِ: غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، ثُمَّ لَا يُوفِي بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ وُقُوعِ الْأَيْمَانِ مِنْهُ فِيمَا يُحَاوِلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَزَّازِ وَغَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ النَّسْخَ مِنْ جَمَاعَةٍ فَيَنْسَخُ لِهَذَا وَلِهَذَا، وَلَا يُعْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَنْسَخُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ يُنَاقِضُ النُّصْحَ لِمَنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِشْرَافِ وَالْحِرْصِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِمَا مِنْ الذَّمِّ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ فِي عِبَادَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ فِي سَبَبٍ وَالْأَسْبَابُ كُلُّهَا يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا هَذَا إذَا لَمْ يُلَوِّثْهُ فَإِنْ تُوُقِّعَ ذَلِكَ مُنِعَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا.
(فَصْلٌ) وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ فِيهِ وَيَشْتَغِلُ بِحِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالتَّهَيُّؤِ لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ وَهُوَ يَكْتُبُ فِي أَثْنَاءِ الْوَرَقَةِ فَلَا يَتْرُكُ الْكِتَابَةَ حَتَّى يُكْمِلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ خَطُّ الْوَرَقَةِ بِسَبَبِ قِيَامِهِ عَنْهَا فَيُمْهَلُ حَتَّى يُتِمَّهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ

يُسَطِّرُ فِي أَثْنَاءِ الْوَرَقَةِ فَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يُكْمِلَهَا.
وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْمُومٍ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى حُسْنِ الصَّنْعَةِ وَنُصْحِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا مَا لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ يَنْسَخَ الْخِتْمَةَ عَلَى غَيْرِ مَرْسُومِ الْمُصْحَفِ الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ عَلَى مَا وَجَدَتْهُ بِخَطِّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقُرْآنُ يُكْتَبُ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اعْتِلَالِ مَنْ خَالَفَ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْعَامَّةَ لَا تَعْرِفُ مَرْسُومَ الْمُصْحَفِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْخَلَلُ فِي قِرَاءَتِهِمْ فِي الْمُصْحَفِ إذَا كُتِبَ عَلَى الْمَرْسُومِ فَيَقْرَءُونَ مَثَلًا وَجَائِي وَجَاي؛ لِأَنَّ رَسْمَهَا بِأَلْفٍ قَبْلَ الْيَاءِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61] ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69] فَإِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ بِإِظْهَارِ الْيَاءِ إمَّا سَاكِنَةً وَإِمَّا مَفْتُوحَةً.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: 7] مَرْسُومُ الْمُصْحَفِ فِيهَا بِلَامٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْهَاءِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَيْهَا التَّالِي وَقَفَ عَلَى اللَّامِ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لَا أَذْبَحَنَّهُ ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: 47] مَرْسُومُهُمَا بِأَلْفٍ بَعْدَ لَا فَإِذَا قَرَأَهُمَا مَنْ لَا يَعْرِفُ قَرَأَهُمَا بِمَدَّةٍ بَيْنَهُمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَرْسُومَ مِنْ الْأُمَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْقِرَاءَةَ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَتَعَلَّمَ مَرْسُومَ الْمُصْحَفِ فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَالتَّعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ تَعَدَّتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ إلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَخَ الْخِتْمَةَ بِلِسَانِ الْعَجَمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَلَمْ يُنْزِلْهُ بِلِسَانِ الْعَجَمِ.
وَقَدْ كَرِهَ

مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَسْخَ الْمُصْحَفِ فِي أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: 17] وَهَؤُلَاءِ يُفَرِّقُونَهُ، فَإِذَا كُرِهَ هَذَا فِي الْأَجْزَاءِ فَمَا بَالُك بِتَغْيِيرِهِ عَنْ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ.
وَلَقَدْ سَرَى هَذَا لِبَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، حَتَّى إنَّهُمْ لَيُعِدُّونَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَنَسْخِ الْخِتْمَةِ بِهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ فِي الْخِتْمَةِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَ كَتْبِهَا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَاللِّسَانِ الْعَجَمِيِّ فَيَكْتُبُ الْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ثُمَّ يَكْتُبُهَا بَعْدَهَا بِاللِّسَانِ الْعَجَمِيِّ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ وَالْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَرِّجَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الصَّانِعِ الَّذِي يُجَلِّدُ الْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَغَيْرَهَا]

(فَصْلٌ) فِي نِيَّةِ الصَّانِعِ الَّذِي يُجَلِّدُ الْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَغَيْرَهَا.
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذِهِ الصَّنْعَةَ مِنْ أَهَمِّ الصَّنَائِعِ فِي الدِّينِ إذْ بِهَا تُصَانُ الْمَصَاحِفُ وَكُتُبُ الْأَحَادِيثِ وَالْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةِ فَيَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي النَّاسِخِ؛ لِأَنَّهُ مُعِينٌ بِصَنْعَتِهِ عَلَى صِيَانَةِ مَا تَعِبَ فِيهِ النَّاسِخُ وَحَصَّلَهُ وَفِيهِ أَيْضًا جَمَالٌ لِلْكِتَابِ وَتَرْفِيعٌ لَهُ وَاحْتِرَامُهُ وَتَرْفِيعُهُ مُتَعَيَّنٌ فَإِذَا خَرَجَ الصَّانِعُ مِنْ بَيْتِهِ أَخَذَ مِنْ نِيَّاتِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ مَا يَعْتَوِرُهُ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَنْوِي إعَانَةَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِصِنَاعَتِهِ عَلَى صِيَانَةِ مَصَاحِفِهِمْ وَكُتُبِهِمْ ثُمَّ يَصْحَبُ مَعَ ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الصَّانِعَ مَثَلًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الصُّنَّاعِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ أَوْ تَأَخَّرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْعَالِمِ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ يَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ وَذَلِكَ يَقْبَلُ كُلَّ مَا نَوَاهُ وَالصُّنَّاعُ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَغْرِقُونَ فِي الْأَسْبَابِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ إذْ إنَّ الصَّانِعَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمُتَسَبِّبِينَ يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعَةِ عُلُومٍ: الْأَوَّلُ - عِلْمُ الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا.
وَالثَّانِي - الْعِلْمُ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ - الْعِلْمُ بِمَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ فِيمَا يَعْتَوِرُ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي عِبَادَتِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي ذَلِكَ

مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ وَمَا يُصْلِحُ الْعِبَادَةَ وَمَا يُفْسِدُهَا.
وَالْعِلْمُ الرَّابِعُ - عِلْمُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُكَلَّفُ فِي مُخَالَطَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّحَفُّظِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنْ خَالَطَهُ مِنْ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَذَلِكَ كَثِيرٌ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُلُومٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا أَوْ يُعَلِّمَهَا لِمَنْ يَطْلُبُهَا مِنْهُ إنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُتْرَكُ الْمُتَسَبِّبُ مِنْ نِيَّةِ الْعَالِمِ مِثْلُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَحِيَّتِهِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا لَا يَعْتَوِرُهُ فِي السُّوقِ أَوْ الدُّكَّانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ إلَى دُكَّانِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ تَأَخَّرَ فِي فِعْلِ الْآدَابِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي دُخُولِهِ بَيْتَهُ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ مِثْلَ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَتَأْخِيرِ الشِّمَالِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ مَعَ الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ وَالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ لِبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي دُخُولِهِ بَيْتَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَبْدَأُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ فِيمَا جَلَسَ إلَيْهِ.
وَهَذَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ يَكُونُ الدُّكَّانُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ يَرْكَعُ فِيهِ فَيُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ السَّمَادِ أَحَدِ مَشَايِخِ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ بَلَغَتْ بِهِ نَافِلَتُهُ فِي دُكَّانِهِ مَعَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ خَمْسَمِائَةِ رَكْعَةٍ فِي الْيَوْمِ فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ فِي دَكَاكِينِهِمْ لَكِنْ مِنْهُمْ الْمُكْثِرُ وَمِنْهُمْ الْمُقِلُّ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِمْ كَانَ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ أَنْ لَا يَجْلِسَ فِي دُكَّانِهِ إلَّا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فَلْيَفْعَلْ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ إذَنْ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْمَفَاسِدَ الَّتِي تَعْتَوِرُهُ فِي صَنْعَتِهِ إذْ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّ بِتَجَنُّبِهَا يَحْصُلُ لَهُ الدُّخُولُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَقَدْ تَقَدَّمَ فَإِذَا تَجَنَّبَ الْمَفَاسِدَ فَقَدْ نَصَحَ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَتَحْصُلُ لَهُ شَهَادَةُ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَإِذَا سَلِمَ مِنْ الْمَفَاسِدِ صَحَّتْ لَهُ الْغَنِيمَةُ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الضِّدِّ مِنْ

ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الْكِتَابَ إلَى الصَّانِعِ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ عِوَضًا عَنْ أَشْيَاءَ جُمْلَةٍ وَذَلِكَ يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ بَيْعِ الْجِلْدِ وَالْبِطَانَةِ وَالْحَرِيرِ وَبَيْنَ أُجْرَتِهِ فِي عَمَلِ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ مَجْهُولٌ.
وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ - أَنْ يَأْتِيَ إلَى الصَّانِعِ بِالْجِلْدِ وَالْبِطَانَةِ وَالْحَرِيرِ مِنْ عِنْدِهِ وَيُؤَاجِرَهُ عَلَى عَمَلِ ذَلِكَ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ - وَهُوَ أَنَّ الصَّانِعَ يُبَيِّنُ لَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ وَيُعَيِّنُ ثَمَنَهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُؤَاجِرُهُ عَلَى صَنْعَتِهِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ - وَهُوَ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثُمَّ يُؤَاجِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَمَلِهِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ جَائِزَةٍ وَهِيَ يَسِيرَةٌ سَهْلَةُ الْمَدْرَكِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ مَعَ هَذِهِ السُّهُولَةِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ يَتْرُكُ أَكْثَرُهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَفْعَلُ مَا اعْتَادَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَضَى عَلَى أَثَرِهِ مَنْ لَهُ عِلْمٌ لِاسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ الْمُحْدَثَةِ فَتَتَعَمَّرُ ذِمَّتُهُمَا مَعًا فَصَاحِبُ الْكِتَابِ تَتَعَمَّرُ ذِمَّتُهُ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ مِنْ الْجِلْدِ وَبِطَانَتِهِ وَالْحَرِيرِ وَأُجْرَةِ الصَّانِعِ وَالصَّانِعُ تَتَعَمَّرُ ذِمَّتُهُ بِمَا أَخَذَ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ يَأْتُونَ بِكُتُبِ الْعِلْمِ وَيُجَلِّدُونَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فِيهَا (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْوَرَقِ الَّذِي يُبَطِّنُ بِهِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِ الصُّنَّاعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْوَرَقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَوْ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا امْتِهَانُهُ حُرْمَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ أَسْمَاءُ الْعُلَمَاءِ أَوْ السَّلَفِ الصَّالِح - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُبْلَغُ بِهِ دَرَجَةُ التَّحْرِيمِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَطَالِبُ الْعِلْمِ أَوْلَى بِأَنْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَكْرُوهِ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ الصَّانِعَ أَوْ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا مِمَّا

تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلَا يَعْمَلُ عِنْدَهُ شَيْئًا أَوْ يَعْمَلُ عِنْدَهُ بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَطِّنَ الْجِلْدَ بِالْأَوْرَاقِ الَّتِي فِيهَا الْحِسَابُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَكْرُوهٍ إلَّا أَنَّهُ يَتَثَبَّتُ فِي ذَلِكَ وَيُمْهِلُ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ضَاعَ لِبَعْضِ النَّاسِ الدَّفْتَرُ الَّذِي هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَيَضِيعُ مَالُهُ بِسَبَبِهِ فَإِذَا كَانَ الصَّانِعُ مِمَّنْ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ حُفِظَتْ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ضَائِعَةً عَلَيْهِمْ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى عَدَدِ كَرَارِيسِ الْكِتَابِ وَأَوْرَاقِهِ فَلَا يُقَدِّمُ، وَلَا يُؤَخِّرُ الْكَرَارِيسَ، وَلَا الْأَوْرَاقَ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَيَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ النُّصْحِ وَتَرْكُهُ مِنْ الْغِشِّ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ الصَّانِعُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالِاسْتِخْرَاجِ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ اتِّصَالَ الْكَلَامِ بِمَا بَعْدَهُ أَوْ تَكُونَ عِنْده مُشَارَكَةٌ فِي الْعِلْمِ يَعْرِفُ بِهَا ذَلِكَ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَرِزُ أَنْ يُوَلِّيَ عَمَلَهَا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ تَمْيِيزَهَا مِنْ الصُّنَّاعِ وَالصِّبْيَانِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْكِتَابُ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَتْعَبُ فِي عَمَلِهِ ثُمَّ مَعَ التَّعَبِ الْمَوْجُودِ يَأْكُلُ الْحَرَامَ فِيمَا أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الصَّانِعِ إعَادَتُهُ، وَلَوْ مِرَارًا حَتَّى يَنْصَلِحَ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ إلَّا الْعِوَضَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ مَا تَسَلَّمَهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَهُ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ لَا يُجَلِّدَ كِتَابًا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ يَكُونُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمَنْ أَعَانَ عَلَى شَيْءٍ كَانَ شَرِيكًا لِفَاعِلِهِ هَذَا وَجْهٌ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ أَوْ يُقَارِبُهُ وَهُوَ تَغْبِيطُهُمْ بِدِينِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعِينُهُمْ سِيَّمَا عَلَى حِفْظِ مَا فِي كُتُبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أَتَوْا بِهِ إلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِثْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا

فِيهَا وَغَيَّرُوا وَذَلِكَ لَا تُعْلَمُ مَوَاضِعُهُ فَتُتْرَكُ كُلُّهَا فَإِنْ < m s=002520> أَتَوْا إلَيْهِ بِكِتَابٍ مَكْتُوبٍ بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَوْ الْعِبْرَانِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَلَا يُجَلِّدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الرُّقَى بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ فَكُلُّ مَا حَاكَ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَتَعَيَّنُ تَجَنُّبُهُ.
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الْعَمَلِ عِنْدَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّنْ هَذَا حَالُهُ مِنْ الصُّنَّاعِ فَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَرْجِعَ.
هَذَا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ رَفْعِ ذَلِكَ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ أَوْ رَفَعَهُ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ هِجْرَانُ الصَّانِعِ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِالْحُكْمِ فِيهِ حَتَّى يَشِيعَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَعْلَمَ أَنَّ هَذَا حَرَامٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ (أَنَّ الظَّلَمَةَ يُحْشَرُونَ هُمْ وَأَعْوَانُهُمْ حَتَّى مَنْ مَدَّ لَهُمْ مَدَّةً) فَإِذَا كَانَ مَدُّ لَهُمْ مَدَّةٍ بِهَذَا الْحَالِ فَمَا بَالُك بِالصَّانِعِ الَّذِي يُجَلِّدُ لَهُمْ مَا يَصُونُونَ بِهِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ غِلَافًا لِدَوَاةٍ فِيهَا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ بِتَجْلِيدِهَا.
وَكَذَلِكَ لَا يُجَلِّدُ شَيْئًا لِظَالِمٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعِينَ شَرِيكٌ.
الثَّانِي - أَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِمْ حَرَامٌ وَالصَّانِعُ يَتْعَبُ فِي صَنْعَتِهِ لِيَأْكُلَ الْحَلَالَ ثُمَّ مَعَ تَعَبِهِ يَأْكُلُ الْحَرَامَ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ النَّاسُ يَتَحَفَّظُونَ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لَقَلَّ الظُّلْمُ وَعُرِفَ صَاحِبُهُ وَلَكِنْ قَدْ صَارَ الْأَمْرُ عِنْدَ الصَّانِعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءً فِي الْغَالِبِ فَيُسَوُّونَ بَيْنَ مَنْ كَسْبُهُ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، وَلَا يُعَرِّجُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ التَّغَافُلُ عَمَّا أُمِرَ الْإِنْسَانُ بِهِ وَانْضَمَّ إلَيْهِ اسْتِئْنَاسُ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ الْمُحْدَثَةِ مَعَ وُجُودِ الِاسْتِشْرَافِ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الدُّنْيَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ

مِنْ الصُّنَّاعِ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ.
وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ الْأَيْمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَنْ يُبَادِرَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَى إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُبَادِرَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ وَكُتُبَ الْحَدِيثِ وَالْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي يُجَلِّدُهَا تَأْمُرُ بِذَلِكَ وَتَنْهَى عَنْ ضِدِّهِ.

[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الْأَبْزَارِيِّ وَمُحَاوَلَتِهَا وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا]

قَدْ تَقَدَّمَ فِي نِيَّةِ الْعَطَّارِ مَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَبْزَارِيِّ الْبَيْعُ بِالْكَيْلِ أَوْ الْجُزَافِ فَالْكَيْلُ مَعْرُوفٌ وَالْجُزَافُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُعَايِنَ ذَلِكَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فَيَتَحَفَّظُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى قَدْرِهِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ أَنْ يُصِيبَ مَا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ شَيْءٌ مِمَّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ مِثْلُ بَوْلِ الْفَأْرَةِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْهِرِّ فَيَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَمِنْ عَادَةِ النُّفُوسِ أَنَّهَا تَشْمَئِزُّ مِمَّا بَقِيَ سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ عَلَيْهِ بِالتَّغْطِيَةِ لَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي دُكَّانِهِ حِينَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَإِنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلْمُشْتَرِي لِكَرَاهَةِ بَعْضِ النَّاسِ مَا يَبْقَى مِمَّا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى إنَّك لَتَجِدُ الْقِرْطَاسَ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنْ الْبَائِعِ فِيهِ بَوْلُ الْفَأْرَةِ مَخْلُوطٌ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي فِيهَا كَالْكُزْبَرَةِ وَالْأَنِيسُونَ وَغَيْرِهِمَا فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الزَّيَّاتِ]

اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الزَّيْتَ يَظْهَرُ فِيهِ التَّدْلِيسُ سَرِيعًا بِسَبَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ ثُمَّ دُلِّسَ بِشَيْءٍ مَا مِنْ الرَّدِيءِ رَجَعَ كُلَّهُ رَدِيئًا ظَاهِرًا لِلْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ غَالِبًا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إذَا بَقِيَ فِي أَوْعِيَتِهِ خَفَّ وَصَفَا وَزَالَ مِنْهُ الْكَدَرُ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ السِّلَعِ الَّتِي يَتَّجِرُ فِيهَا الْمَرْءُ أَكْثَرُ سَلَامَةً مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَظْهَرُ

فِيهِ التَّدْلِيسُ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْكِي عَنْ شَيْخِهِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ وَيَقُولُ مَا مَعْنَاهُ: إنِّي لَا أَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ إلَّا مِنْ جِهَةِ أَنِّي لَا أَثِقُ بِنَفْسِي مِنْ أَنَّهَا لَا تُدَلِّسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالزَّيْتُ لَا يَقْبَلُ التَّدْلِيسَ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ إذَا خُلِطَ بِهِ شَيْءٌ مَا مِنْ الرَّدِيءِ رَجَعَ كُلُّهُ رَدِيئًا وَإِذَا لَمْ يُخْلَطْ بِهِ شَيْءٌ وَبَقِيَ فِي أَوْعِيَتِهِ تَصَفَّى وَطَابَ فَآمَنُ عَلَى نَفْسِي مِنْ الْغِشِّ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَحْسَنُ مَا يَتَّجِرُ فِيهِ الْمَرْءُ لِهَذَا الْمَعْنَى.
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْلِطَ جِنْسَ زَيْتٍ بِجِنْسِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الزُّيُوتَ عَلَى أَنْوَاعٍ: زَيْتُ الزَّيْتُونِ وَهُوَ أَعْظَمُهَا وَأَعَمُّهَا نَفْعًا.
وَيَلِيهِ زَيْتُ السِّمْسِمِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الشَّيْرَجُ ثُمَّ زَيْتُ الْقُرْطُمِ ثُمَّ زَيْتُ السَّلْجَمِ ثُمَّ بِزْرُ الْكَتَّانِ فَلَا يُخْلَطُ أَحَدُ هَذِهِ الزُّيُوتِ بِغَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ لَا يُخْلَطُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ طَيِّبُهُ بِرَدِيئِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّدْلِيسِ، ثُمَّ إنَّهُ يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّيِّبَ يَرْجِعُ رَدِيئًا إذَا خُلِطَ بِالْقَلِيلِ مِنْ الرَّدِيءِ فَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ فِي الْمَنْعِ يَضُرُّ بِهِ.
وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ مَنْفَعَةِ الزُّيُوتِ فِي الْقَلْيِ بِهَا وَغَيْرُهُ وَهُوَ كَثِيرٌ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّدْلِيسِ قَدْ كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، حَتَّى إنَّك لَتَجِدُ بَعْضَ مَنْ يَقْلِي الزَّلَابِيَةَ أَوْ السَّمَكَ أَوْ غَيْرَهُمَا فِي السُّوقِ يَقْلِيهِ فِي الزَّيْتِ الْحَارِّ وَهُوَ غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ وَمُضِرٌّ لِآكِلِهِ فِي بَدَنِهِ وَلِبَائِعِهِ فِي دِينِهِ وَهَذَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَمْ تَطِبْ نُفُوسُ أَهْلِهَا بِاسْتِعْمَالِهِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَطَّارِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ كَيْفِيَّةُ نِيَّتِهِمَا فِيمَا يُحَاوِلَانِهِ مِنْ السِّلَعِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَجْلِسَانِ فِي الدَّكَاكِينِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَبِيعَانِ وَيَشْتَرِيَانِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الزَّيَّاتِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَمَنْ هُوَ بِقُرْبِ الْبُيُوتِ أَوْ بِالْبُعْدِ مِنْهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا كَالْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَى إخْوَانِهِ

الْمُسْلِمِينَ وَالتَّهْوِينِ عَلَيْهِمْ بِرَفْعِ كُلْفَةِ الْمَشْيِ عَنْهُمْ إلَى الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِسَبَبِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ

[فَصْلٌ شِرَاءِ الْخُلُولِ الَّتِي عُصِرَتْ أَوَّلًا بِنِيَّةِ الْخَمْرِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ شِرَاءِ الْخُلُولِ الَّتِي عُصِرَتْ أَوَّلًا بِنِيَّةِ الْخَمْرِ ثُمَّ فَسَدَتْ عَلَى صَاحِبِهَا فَصَارَتْ خَلًّا؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا.
فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِيَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى كُفْرِهِ وَجَبْرٌ لِثَمَنِ مَا عَصَرَهُ عَلَى أَنَّهُ خَمْرٌ وَبَعْضُ النَّصَارَى يَجْعَلُ الْخَلَّ فِي أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ وَيَبِيعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ بَعْضُ مَنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَيَتَعَيَّنُ هِجْرَانُهُ وَأَدَبُهُ وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يَجْبُرَ عَلَيْهِ ثَمَنَ ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِيمَنْ يَعْمَلُ الْعِنَبَ خَلًّا: إنَّهُ لَا يَكْشِفُ عَنْهُ حَتَّى يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ قَدْ صَارَ خَلًّا وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَشَفَ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَآهُ خَمْرًا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ إرَاقَتُهُ وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْهُ وَغَسْلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ وِعَاءٍ وَثَوْبٍ وَبَدَنٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
هَذَا وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَّا الْخَلَّ فَمَا بَالُك بِمَنْ قَصَدَ بِهِ الْخَمْرَ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْغِشِّ فِي الْخَلِّ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ أَصْنَافٌ أَطْيَبُهُ وَأَنْفَعُهُ خَلُّ الْعِنَبِ فَيَغُشُّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَأْخُذُوا حُبُوبًا مِنْ الْعِنَبِ فَيَجْعَلُونَهَا فِي خَلٍّ سِوَاهُ وَيَبِيعُونَهُ عَلَى أَنَّهُ خَلُّ الْعِنَبِ وَذَلِكَ غِشٌّ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ خَلًّا، وَلَا يَبِيعَهُ وَفِيهِ بَقِيَّةُ تَخْمِيرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ خَمْرٌ بَعْدُ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ النَّضُوحَ، وَلَا يَشْتَرِيهِ وَفِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ التَّخْمِيرِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ إرَاقَتُهُ وَالتَّوْبَةُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا ذَهَبَتْ بَرَكَةُ مَنْفَعَتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا» وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ بَعْضَ النَّاسِ يَسْتَعْمِلُونَ النَّضُوحَ وَصِفَاتُ الْخَمْرِ فِيهِ بَيِّنَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا وَيَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ نَضُوحٌ وَيَجْرِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ مَجْرَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْجَائِزَةِ

وَالْخُلُولِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ فِي الْحِسِّ وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَرْجِعُ نَضُوحًا بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ

(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي السَّمْنِ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِجِنْسِهِ الْقَدِيمِ أَوْ الرَّدِيءِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ؛ لِأَنَّ الْجَدِيدَ يُسْتَعْمَلُ لِلْأَكْلِ وَالْقَدِيمَ يَنْفَعُ لِلْأَمْرَاضِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرَاهِمِ النَّافِعَةِ وَبِحَسَبِ قِدَمِهِ تَكُونُ مَنْفَعَتُهُ وَالْغَالِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا السَّمْنَ الَّذِي لِلْأَكْلِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْجَدِيدُ مِنْهُ وَأَمَّا الْقَدِيمُ فَلَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَغْرَاضُ فِيهِمَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يَخْلِطَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ وَإِلَّا فَهُوَ غِشٌّ.
وَبَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَغُشُّونَ بِأَنْ يَخْلِطُوهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ الشَّحْمُ، وَلَا خَفَاءَ فِي تَحْرِيمِ هَذَا.
وَالسَّمْنُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: بَقَرِيٌّ وَهُوَ أَطْيَبُهُ وَجَامُوسِيٌّ وَغَنَمِيٌّ.
فَالْبَقَرِيُّ عَلَامَةُ الْخَالِصِ مِنْهُ أَنَّهُ أَصْفَرُ خِلْقَةً.
وَالْجَامُوسِيُّ وَالْغَنَمِيُّ أَبْيَضُ خِلْقَةً وَبَعْضُ النَّاسِ يَغُشُّ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي الْجَامُوسِيِّ وَالْغَنَمِيِّ صَبْغًا يَصِيرُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْفَرَ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الزُّبْدِ وَذَلِكَ غِشٌّ فَإِنْ وَقَعَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ غِشٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ تَغَالَى فِي الْغِشِّ، حَتَّى إنَّهُ لَيَجْعَلُ بَعْضَ حَوَائِجَ فِي اللَّبَنِ فَيَصِيرُ كُلُّهُ سَمْنًا فِي الظَّاهِرِ وَفَرْقٌ كَثِيرٌ مَا بَيْنَ مَنْفَعَةِ السَّمْنِ وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ سِيَّمَا وَاللَّبَنُ إذَا قَدُمَ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ ضَرَرُهُ وَهَذَا أَكْثَرُ غِشًّا مِمَّا قَبْلَهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَجْتَنِبَ الْغِشَّ كُلَّهُ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ.
(فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي الْوَزْنِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَشَحَّتْ قَلِيلًا يُعْطِيهَا لِلْمُشْتَرِي وَيَزِيدُهُ عَمَّا شَحَّ مِنْ وَزْنِهَا جُزَافًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ سِيَّمَا فِي هَذِهِ السِّلَعِ خَاصَّةً

فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَ بِنَعْلِهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَعَاطَى عَلَيْهِ الْبَيْعَ لِئَلَّا يُنَجِّسَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَتْرُكَهُ مَكْشُوفًا حِينَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُهْرَاقُ شَيْءٌ مِمَّا يَبِيعُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَجْمَعُهُ وَيَرُدُّهُ فِي وِعَائِهِ أَوْ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي وَذَلِكَ قَدْ يَتَنَجَّسُ فِي مُبَاشَرَتِهِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فَيُطْعِمُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَنَجِّسَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَدِبَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمَسْمُومَةِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَزِنَ تِلْكَ السِّلَعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ أَوْ يُعَايِرَ وِعَاءَ الْمُشْتَرِي وَيَزِنَ لَهُ فِيهِ وَهَذَا الْوَجْهُ أَسْلَمُ لِتَحَقُّقِ الْبَائِعِ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ فَإِنْ كَانَ يَزِنُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ كِفَّةُ الْمِيزَانِ سَالِمَةً مِنْ النَّجَاسَةِ وَمِمَّا تَسْتَقْذِرُهُ النُّفُوسُ وَمَعَ ذَلِكَ يُغَطِّيهَا حِينَ غَيْبَتِهِ.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِمَّا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَسْحِهِ لِكِفَّتَيْ الْمِيزَانِ بِشَيْءٍ مِنْ الْخِرَقِ الَّتِي جُمِعَتْ مِنْ الطُّرُقِ الَّتِي لَا تَخْلُو فِي الْغَالِبِ مِنْ خِرَقِ الْحَيْضِ وَمِنْ أَثَرِ ذَوِي الْعَاهَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ غُسِلَتْ؛ لِأَنَّ غَسْلَهَا لَا يُزِيلُ أَذَاهَا ثُمَّ إذَا فَرَّغَ السِّلْعَةَ الَّتِي فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي فَلْيُبَالِغْ فِي مَسْحِهَا بِيَدِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْكِفَّةِ شَيْءٌ مِمَّا وَزَنَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ يَسْكُبُ مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ فِي الْقَدَّاحَةِ فَلْيُبَالِغْ أَيْضًا فِي تَصْفِيَةِ الْقَدَّاحَةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْكِفَّةِ لَكِنَّهُ يَتَرَبَّصُ قَلِيلًا حَتَّى يُنَقِّطَ مَا بَقِيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مَسْحِهَا كَالْكِفَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرَجِّحَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْوَزْنِ بِقَدْرِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَا زَادَهُ أَكْثَرُ مِمَّا بَقِيَ فِي الْكِفَّةِ أَوْ الْقَدَّاحَةِ سِيَّمَا حِينَ اسْتِعْجَالِهِ لِكَثْرَةِ الْمُشْتَرِينَ مِنْهُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُ الْبَائِعُ الْقَدَّاحَةَ عَلَى وِعَاءٍ طَاهِرٍ نَظِيفٍ فَإِنْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ تَصَفَّتْ فِي ذَلِكَ الْوِعَاءِ فَإِنْ اجْتَمَعَ فِيهِ شَيْءٌ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ يَتَحَرَّى عَلَى دِينِهِ بِمَدِينَةِ فَاسَ قَدْ جَلَسَ فِي دُكَّانِهِ يَبِيعُ مَا ذُكِرَ فَاجْتَمَعَ لَهُ فِي وِعَاءِ الْقَدَّاحَةِ مَا اجْتَمَعَ فَلَمَّا أَنْ رَآهُ قَالَ: هَذَا مِلْكُ الْغَيْرِ مُحَقَّقٌ قَدْ تَعَمَّرَتْ الذِّمَّةُ بِهِ وَإِنْ سَامَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَقَدْ لَا يُسَامِحُ

بِهِ الْآخَرُونَ فَتَرَكَ الدُّكَّانَ وَاجْتَمَعَ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ.
لَكِنْ مَنْ كَانَ حَالُهُ الْيَوْمَ عَلَى مِثْلِ حَالِ هَذَا السَّيِّدِ فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يَجْلِسَ لِذَلِكَ لِنَفْعِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَصَدَّقَ بِمَا اجْتَمَعَ فِي الْوِعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالشِّرَاءُ مِنْهُمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نِيَّةِ الْخُضَرِيِّ]

ِّ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ.
لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى أَشْيَاءَ تَخُصُّهُ: فَمِنْهَا مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَيْعِ الْمُلُوخِيَّةِ أَوَّلَ دُخُولِهَا فَإِنَّهَا تُمْنَعُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا أَكْثَرُهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا حُزَمًا وَكُلُّ حُزْمَةٍ مَرْبُوطَةٌ بِالْقَشِّ أَوْ الْحَلْفَاءِ الْكَثِيرَةِ وَفِيهَا مِنْ الطِّينِ وَالْمَاءِ مَا يَزِيدُ مَجْمُوعُهُ عَلَى الْمُلُوخِيَّةِ نَفْسِهَا وَمَعَ هَذِهِ الصُّورَةِ تَكُونُ مَجْهُولَةً جُزَافًا وَوَزْنًا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ بِقَدْرِ الْقَشِّ وَالْحَلْفَاءِ وَالطِّينِ وَالْمَاءِ مَوْجُودَةٌ فِيهَا وَالْجَهَالَةُ بِذَلِكَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ فَيَتَحَرَّزُ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يُمْكِنُ بَيْعُ الْمُلُوخِيَّةِ فِي أَوَّلِ دُخُولِهَا إلَّا كَذَلِكَ لِأَجْلِ مَا اعْتَادَ مَنْ يَزْرَعُهَا فِي عَمَلِهَا كَذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَاطَبٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِيمَا هُوَ يُحَاوِلُهُ مِنْ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَغَيْرِهَا.
فَإِنْ قَالَ مَثَلًا: إنْ تَحَرَّزَتْ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا، وَلَا شِرَاؤُهَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا تَرْكُهَا إلَى أَوَانٍ تَكْثُرُ فِيهِ فَإِنَّهَا إذَا كَثُرَتْ جَازَ بَيْعُهَا بِالْوَزْنِ وَالْجُزَافِ؛ لِأَنَّ مَا يُرْبَطُ بِهِ حُزَمُهَا إذَا كَثُرَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا يَسِيرٌ فَهُوَ تَبَعٌ لِيَسَارَتِهِ أَيْضًا فَلَوْ عَلِمَ الزَّارِعُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا لَمْ يَفْعَلْ فِيهَا ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَكَانَ يُنَظِّفُهَا وَيَرْبِطُ حُزَمَهَا كَمَا يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ عِنْدَ رُخْصِهَا وَيَبِيعُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ سَوْمِهَا وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الْمَمْنُوعَةِ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ لَهُ حَلَالًا وَتَحْصُلُ لَهُ الْبَرَكَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيُطْعِمُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل