فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الحاج
- الكتاب
- المدخل
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
- الناشر
- دار التراث
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ بِأَوْلَادِهِمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ الْمَكْتَبِ الَّذِي يَقْرَءُونَ فِيهِ كِتَابَ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهِ شَرِيعَةَ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى كُتَّابِ النَّصَارَى لِتَعْلِيمِ الْحِسَابِ وَهَذَا رَضَاعٌ ثَالِثٌ بَعْدَ رَضَاعِ الْمُؤَدِّبِ.
وَقَدْ قِيلَ الرَّضَاعُ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ فَهَذَا أَمْرٌ شَنِيعٌ قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ قُوَّةُ الْإِيمَانِ بَعْدُ وَلَمْ يَقْرَأْ الْعِلْمَ وَلَمْ يَعْرِفْ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ تَسْبِقُ إلَيْهِ الدَّسَائِسُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ الَّذِي يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْحِسَابَ أَوْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا ثُمَّ إنَّ النَّصْرَانِيَّ مَعَ ذَلِكَ يُؤَدِّبُهُ عَلَى مَا يَخْطُرُ لَهُ وَيَمُرُّ بِبَالِهِ مِنْ كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ تَعْلِيمِهِ الْحِسَابَ وَهَذَا لَا يَرْضَى بِهِ عَاقِلٌ وَلَا مَنْ فِيهِ مُرُوءَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّبِيُّ فِي هَذَا السِّنِّ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا يُلْقَى إلَيْهِ مِثْلُ الشَّمْعِ أَيَّ شَيْءٍ عَمِلْت عَلَيْهِ طُبِعَ فِيهِ فَيُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ وَهُوَ الْغَالِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ فَيَرْجِعُ مَكَانُ الصِّدْقِ كَذِبًا وَبُهْتَانًا وَمَوْضِعُ النَّصِيحَةِ غِشًّا وَخَدِيعَةً وَمَوْضِعُ الْأُلْفَةِ بِالْمُسْلِمِينَ انْقِطَاعًا وَوَحْشَةً وَمَكَانُ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ خُبْثًا وَمُدَاهَنَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَكْرِهِمْ وَخِصَالِهِمْ الرَّدِيئَةِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَنَ إلَى قَوْلِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ إلَى شَيْءٍ مَا مِنْ اعْتِقَادِهِ أَوْ اسْتِحْسَانِ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنَيْك لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُكَ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ فَعَلِقَ قَلْبُهُ بِهِ فَكَانَ يَأْتِي إخْوَانَهُ الَّذِينَ اسْتَصْحَبَهُمْ فَإِذَا نَهَوْهُ قَالَ كَيْفَ بِمَا عَلِقَ قَلْبِي لَوْ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ لَفَعَلْت.
وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى بِدْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ اجْتَهَدُوا فِي التَّأْوِيلِ فَلَمْ يُعْذَرُوا إذْ خَرَجُوا بِتَأْوِيلِهِمْ عَنْ الصَّحَابَةِ فَسَمَّاهُمْ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَارِقِينَ مِنْ الدِّينِ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
قَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (يَا مُوسَى لَا تُخَاصِمْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ فَيُلْقُوا فِي قَلْبِك شَيْئًا فَيُرْدِيَك فَيَسْخَطَ اللَّهُ عَلَيْك) وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ فَقَدْ أَكْثَرَ الشُّغْلَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إيَّاكُمْ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهَا تُشْغِلُ الْقَلْبَ وَتُورِثُ النِّفَاقَ انْتَهَى.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَتَحَفَّظُونَ عَلَى الرَّضَاعِ الثَّالِثِ أَكْثَرَ مِنْ الرَّضَّاعَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَهُمَا رَضَاعُ الْأُمِّ وَرَضَاعُ الْمُؤَدِّبِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ قَدْ رَجَعَ لَهُ عَقْلٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالْأُمُورِ وَقَابِلِيَّةٌ لِقَبُولِ مَا سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ رَضَاعِ الْمُؤَدِّبِ رَضَاعُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ الْمُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنِينَ لَهَا الْكَاشِفِينَ عَنْ غَامِضِهَا وَالْمُخْرِجِينَ لِخَبَايَاهَا فَإِذَا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ هَذَا الرَّضَاعَ الثَّالِثَ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ لَهُ غَيْرُ مَا سَبَقَ إلَيْهِ سَارَعَ بِسَبَبِ عِلْمِهِ وَمَا انْطَبَعَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا تَحَصَّلَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَحَبَّتِهِمَا وَإِيثَارِهِمَا إلَى إنْكَارِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ لِذَلِكَ.
وَقَدْ جَاءَ بَعْضُ النَّاسِ بِوَلَدِهِ إلَى بَعْضِ السَّلَفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُرِيدُ أَنْ يُقْرِئَهُ فَقَالَ لَهُ أَقَرَأَ قَبْلَ هَذَا عِلْمًا غَيْرَ مَا نَحْنُ فِيهِ يَعْنِي مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ الْعَرَبِيَّةُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ بِوَلَدِك فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ وَلِمَ قَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ تَغَزُّلَاتُ الْعَرَبِ وَأَشْعَارُهَا وَجُبِلَ عَلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ صَلَاحُهُ فَلَمْ يُقْرِئْهُ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ فِي الدِّينِ لِأَجْلِ فَهْمِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَفَهْمِ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ مَا وَقَعَ لَوْمُ هَذَا السَّيِّدِ لَهُ إلَّا لِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ تَغَزُّلَاتِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا فَلَوْ سَبَقَ لَهُ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا يُسَنُّ وَمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ لَمَا عَذَلَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا تَحَفُّظَهُمْ عَلَى سَبْقِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فِي الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهَا.
وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي حَقِّ الْمُؤَدِّبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ أَحْسَنُ أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ
عَالِمًا بِالْعَوَامِلِ وَهُوَ لِمَ رُفِعَ هَذَا وَنُصِبَ هَذَا وَخُفِضَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُلُومَ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا عِلْمُ الْعَوَامِلِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
وَالثَّانِي عِلْمُ اللُّغَةِ
وَالثَّالِثُ عِلْمُ الْأَدَبِ
وَالرَّابِعُ عِلْمُ الْبَدِيعِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُؤَدِّبُ وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ أَمْرٍ فِي الْغَالِبِ.
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى تَمَامِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِي دُخُولِ الصَّبِيِّ لِكِتَابِ النَّصَارَى.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي ظَاهِرِهِ مِنْ الذِّلَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَا فَعَلَ هَذَا بِوَلَدِهِ وَفِيهِ تَعْظِيمُ النَّصَارَى.
فَإِنَّهُمْ إذَا رَأَوْا أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ يَأْتُونَ إلَيْهِمْ لِيَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مِنْهُمْ رَأَوْا أَنَّ لَهُمْ رِفْعَةً وَسُوْدُدًا وَفَضِيلَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا كُلُّهُ مَمْنُوعٌ شَرْعًا وَعَقْلًا فَيَا لَلَّهُ وَيَا لَلْعَجَبُ كَيْفَ يُتْرَكُ التَّعْلِيمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَيُؤْتَى إلَى نَصْرَانِيٍّ عَدُوٍّ لِلدِّينِ وَعَدُوٍّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُظْهِرٍ لِذَلِكَ مُعَانِدٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مِنْ الْخَسْفِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يُرْتَابُ فِيهِ وَلَا يُشَكُّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ النَّصَارَى فِي عِلْمِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ أَحْذَقُ وَأَعْرَفُ بِالتَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الصَّبِيُّ عَلِمَ كُلَّ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ حَتَّى فَاقَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَى النَّصْرَانِيِّ لِزِيَادَةٍ عِنْدَهُ فِيهِ لَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِيهِ شَيْءٌ مَا مِنْ الْمَيْلِ إلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ وَالصَّبِيُّ بَعْدُ لَمْ يَلُمَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحِسَابِ وَلَا غَيْرِهِ وَلَوْ عَرَفَهُ لَكَانَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَأَمْثَالِهِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى التَّعْلِيمِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ.
وَقَدْ أَقَامَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ قَدْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْكُمْ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ نَهَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَاتِبًا.
وَقَالَ جَوَابًا لِمَنْ أَثْنَى عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ فِي الْحِسَابِ مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ.
وَقَالَ أَيْضًا لَا تُكْرِمُوهُمْ وَقَدْ أَهَانَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تَأْمَنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تَسْتَعْمِلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ إلَّا الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ كَمَا قَالَ.
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى اشْتِرَاطِ أَمِيرِ
الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْخَشْيَةَ فِيمَنْ تَوَلَّى مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَمَا بَالُك فِي حَقِّ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَإِنَّمَا هِيَ حُجَجٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَنَفْسَانِيَّةٌ وَرُكُوبٌ لِلْهَوَى وَرُكُونٌ لِلْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ وَتَرْكٌ لِلنَّظَرِ إلَى أَمْرِ الشَّرِيعَةِ وَمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَأْبَاهَا الْإِسْلَامُ وَمَنْ فِيهِ عُذُوبَةُ طَبْعٍ وَانْقِيَادٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ.
وَهِيَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ النَّصْرَانِيَّ يَجْلِسُ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وَأَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُ وَيُقَبِّلُونَ يَدَهُ أَوْ رُكْبَتَهُ حِينَ إتْيَانِهِمْ إلَيْهِ وَانْصِرَافِهِمْ وَيُقِيمُ السَّطْوَةَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْوَلَدَ يَتَرَبَّى عَلَى تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ نَجَاسَةٌ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ إلَّا دَمُ الْحَيْضِ لَيْسَ إلَّا وَأَبْوَالُهُمْ وَفَضَلَاتُهُمْ كُلُّهَا طَاهِرَةٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ يُسْقَوْنَ الْأَدْوِيَةَ بِالنَّجَاسَاتِ وَيَكْتُبُونَ مِنْهَا فَتُنَجَّسُ أَجْسَادُهُمْ وَأَثْوَابُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُعَلِّمَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِحَضْرَتِهِمْ وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلَهَا وَحَاضِرَهَا فِي جُمْلَةِ مَنْ لَعَنَ بِسَبَبِهَا وَالْوَلَدُ الْمُسْلِمُ هُوَ حَاضِرُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَيَكُونُ حَامِلَهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ بَالِغًا أَوْ مُرَاهِقًا فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّعْنَةِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا صَغِيرًا فَاللَّعْنَةُ عَائِدَةٌ عَلَى وَالِدَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ أَوْ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ الْوَلَدُ مِنْ شُؤْمِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ مُكَلَّفٍ وَرُبَّمَا أَمَرَهُمْ الْمُعَلِّمُ بِحَمْلِ الْخَمْرِ إلَيْهِ أَوْ إلَى بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَسْتَقْضِيَهُمْ فِي حَوَائِجِهِ وَضَرُورَاتِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِحَضْرَتِهِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الِانْصِرَافِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ هُمَا مَعًا وَقَدْ يُمَوِّهُ عَلَيْهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَوْ يَفُوتَهُ بَعْضُهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ.
وَمِنْهَا أَنَّهُمْ إذَا كَانَ صَوْمُهُمْ يَمْنَعُونَ الْمَاءَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَبْقَى أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ بِالْعَطَشِ غَالِبًا.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ وَهُوَ الْغَالِبُ أَنْ يَقَعَ فِي اعْتِقَادِهِمْ الْبَاطِلِ أَوْ فِي بَحْثِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فِي أَلْوَاحِهِمْ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا
مَكْتُوبٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيَتَكَلَّمُونَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ بِحَضْرَتِهِ فَقَدْ يَسْبِقُ إلَى الْوَلَدِ وَيَتَعَلَّقُ بِذِهْنِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى خَلَاصُهُ مِنْهُ غَالِبًا.
وَسَبَبُ وُقُوعِ هَذِهِ النَّازِلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمَخُوفِ وَهُوَ أَنَّهُ مَا كَانَ سَبَبُ إتْيَانِ الْوَلَدِ إلَى النَّصْرَانِيِّ لِتَعْلِيمِ الْحِسَابِ إلَّا حُبُّ الدُّنْيَا غَالِبًا لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ عُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ بِنَقِيضِهِ فَوَقَعُوا فِي الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ الظَّلَمَةِ مِنْ الْكَتَبَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَإِذَا تَرَبَّى الْوَلَدُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا وَهُوَ أَشَدُّهُمَا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي اعْتِقَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقِلَّ اهْتِبَالُهُ بِأَمْرِ دِينِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ مِنْهُ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَكْتَرِثُ بِهِ وَلَا يَنْدَمُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَغِيرُ عَلَى غَيْرِهِ وَهَذِهِ خَصْلَةٌ تُنَافِي أَخْلَاقَ الْمُسْلِمِينَ وَهَدْيَهُمْ وَآدَابَهُمْ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ لَهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ الْقُلُوبِ أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ وَأَرْجَى الْقُلُوبِ لِلْخَيْرِ مَا لَمْ يَسْبِقْ الشَّرُّ إلَيْهِ وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ وَرَغَّبَ فِي أَجْرِهِ الرَّاغِبُونَ إيصَالُ الْخَيْرِ إلَى قُلُوبِ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرْسُخَ فِيهَا وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى مَعَالِمِ الدِّيَانَةِ وَحُدُودِ الشَّرِيعَةِ لِيُرَاضُوا عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهِمْ أَنْ تَعْتَقِدَهُ مِنْ الدِّينِ قُلُوبُهُمْ وَتَعْمَلَ بِهِ جَوَارِحُهُمْ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ لِكِتَابِ اللَّهِ يُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ وَأَنَّ تَعْلِيمَ الشَّيْءِ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُ كُتَّابَ النَّصَارَى أَنْ يَنْتَقِشَ فِي قَلْبِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ أَوْ بَعْضُهُ وَلَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَمِنْ أَقْبَحِ مَا فِيهِ وَأَهْجَنِهِ وَأَوْحَشِهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَرَبَّى عَلَى تَعْظِيمِ النَّصَارَى وَالْقِيَامِ لَهُمْ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُهُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ الِاسْتِيحَاشِ مِنْ عَوَائِدِهِمْ وَسَمَاعِ
اعْتِقَادِ أَدْيَانِهِمْ الْبَاطِلَةِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ الصَّبِيُّ مِنْ مَكْتَبِهِمْ لَبَقِيَ عَلَى عَادَتِهِمْ.
فِي التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَعَدَمِ الِاسْتِيحَاشِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَدْيَانِهِمْ الْبَاطِلَةِ وَأَنَّهُ إذَا رَأَى مُعَلِّمَهُ الَّذِي عَلَّمَهُ الْحِسَابَ أَوْ الطِّبَّ قَامَ إلَيْهِ وَعَظَّمَهُ كَتَعْظِيمِ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضٍ أَوْ أَكْثَرَ غَالِبًا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَعَ كُلِّ مَنْ صَحِبَهُ فِي مَكْتَبِ مُعَلِّمِهِ النَّصْرَانِيِّ مِنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ دِينِهِ فَيَأْلَفُ هَذِهِ الْعَادَةَ الذَّمِيمَةَ الْمَسْخُوطَةَ شَرْعًا وَلَا يَرْضَى بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ غَيْرَةٌ إسْلَامِيَّةٌ أَوْ الْتِفَاتٌ إلَى الشَّرْعِ الشَّرِيفِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57] وقَوْله تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] . وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَفِيمَا ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا عَدَاهُ
[فَصْلٌ فِي تَزْوِيقِ الْأَلْوَاحِ]
ِ وَأَمَّا تَزْوِيقُ الْأَلْوَاحِ فِي الْإِصْرَافَاتِ وَالْأَعْيَادِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ الْجَائِزِ وَفِيهِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَإِدْخَالُ السُّرُورِ فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا قَدْ عُلِمَ وَفِيهِ التَّنْشِيطُ لِلصِّبْيَانِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ.
لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ فِي الْإِصْرَافَاتِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَمِنْهَا تَزْيِينُ الْمَكْتَبِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْإِصْرَافَاتِ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ أَرْضًا وَحِيطَانًا وَسُقُفًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شَنَاعَةُ ذَلِكَ وَقُبْحُهُ فِي زِينَةِ الْأَسْوَاقِ لِلْمَحْمَلِ أَوْ غَيْرِهِ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ
أَنْ يَكُونَ فِيهِ صُوَرٌ مِمَّا لَهَا رُوحٌ فَيَكُونُ فِي ارْتِكَابِ ذَلِكَ نَقِيضُ مَا جَلَسَ الْمُؤَدِّبُ إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ السُّوقُ يُمْنَعُ فِيهِ ذَلِكَ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَوْضِعٌ يُتْلَى فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْعُهُ فِيهِ أَوْجَبُ.
ثُمَّ بَقِيَتْ أَفْعَالٌ يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ فِي الْإِصْرَافَاتِ وَهِيَ قَبِيحَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ.
فَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَوْحَ الْإِصَْرافَةِ مُكَفَّتًا بِالْفِضَّةِ فِي خِرْقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَاسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلنِّسَاءِ حَيْثُ أُجِيزَ لَهُنَّ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَكْفِيتُ اللَّوْحِ بِالْفِضَّةِ فَلَا يَجُوزُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ.
وَالثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ» وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ الصَّبِيَّ الَّذِي لَهُ الْإِصْرَافَةُ فَيُزَيِّنُونَهُ كَمَا يُزَيِّنُونَ النِّسَاءَ فَيُحَفِّفُونَهُ وَيُخَطِّطُونَهُ وَيُلْبِسُونَهُ الْحَرِيرَ وَيُحَلُّونَهُ بِالْقَلَائِدِ مِنْ الذَّهَبِ وَغَيْرِهِ مَعَ قَلَائِدِ الْعَنْبَرِ كَأَنَّهُ عَرُوسٌ تُجْلَى وَيُرْكِبُونَهُ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بَغْلَةٍ مُزَيَّنَةٍ بِاللِّبَاسِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِهِمَا فَيَجْعَلُونَ عَلَيْهَا كُنْبُوشًا مِنْ الْحَرِيرِ الْمُزَرْكَشِ بِالذَّهَبِ وَيُلْبِسُونَ وَجْهَهَا وَجْهًا مِنْ ذَهَبٍ.
ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ أَشْيَاءَ رَذِيلَةً مِنْهَا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَمَامَهُ أَطْبَاقًا فِيهَا ثِيَابٌ مِنْ حَرِيرٍ وَعَمَائِمَ مُعَمَّمَةٍ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ هُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ صِبْيَانُ الْمَكْتَبِ وَيُنْشِدُونَ فِي طَرِيقِهِ إلَى أَنْ يُوصِلُوهُ إلَى بَيْتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ الْقُرَّاءَ يَقْرَءُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَزِيدُونَ فِيهِ وَيُنْقِصُونَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَيْهِ الْمُكَبِّرِينَ وَالْمُؤَذِّنِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ فِي جَنَائِزِهِمْ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَلْقَاهُمْ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ أَوْ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ أَوْ الْمَجْمُوعِ وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَوِّضُ عَمَّا ذُكِرَ بِمَا هُوَ أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ وَهُوَ أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالطَّبْلِ وَالْبُوقِ.
وَبَعْضُهُمْ يُمْشُونَ الْفِيلَ وَالزَّرَافَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ رَمْيِ النُّقَطِ، وَبَعْضُهُمْ يُمَشِّي بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُغَنِّيَةَ وَطَائِفَتَهَا مَكْشُوفَةً عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ حَالِهَا مَعَ
ضَرْبِ الطَّارِّ وَالشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ، وَتَرْفَعُ عَقِيرَتَهَا عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ فِتْنَتِهَا فَكَانَ الْأَمْرُ أَوَّلًا لِلْفَرَحِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانُوا فِي قُرْبَةٍ فَعَكَسُوهُ بِمَا هُوَ ضِدُّهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
وَلَوْ كُلِّفَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَا صَرَفَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ مِمَّا صَنَعَهُ فِي الْإِصْرَافَةِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ طَاعَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى سِرًّا لَيْسَ فِيهِ لَهْوٌ وَلَا لَعِبٌ وَلَا رِيَاءٌ وَلَا سُمْعَةٌ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ فِعْلًا قَبِيحًا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤَدِّبِينَ يَدْخُلُونَ مَعَ صَاحِبِ الْإِصْرَافَةِ الْبَيْتَ وَيَجْلِسُونَ مَعَ النِّسَاءِ وَهُنَّ مُتَبَرِّجَاتٌ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَيُعْطِي اللَّوْحَ لِأُمِّ صَاحِبِ الْإِصْرَافَةِ أَوْ لِأُخْتِهِ أَوْ لِخَالَتِهِ أَوْ لِعَمَّتِهِ أَوْ لِجَارَتِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقَارِبِ الْوَلَدِ وَمَعَارِفِهِ حَتَّى تُنَقِّطَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ الْفِضَّةِ بِمَا أَمْكَنَهَا وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُنَّ فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَظْهَرْنَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُنَّ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَالضَّرُورَةُ هُنَا مَعْدُومَةٌ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
وَيَنْبَغِي لِوَالِدِ الصَّبِيِّ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ التَّعَبِ بِهِ وَقَرُبَ مِنْ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ نَقَلَهُ وَالِدُهُ إلَى كُتَّابٍ آخَرَ حَتَّى يُفَوِّتَ الْأَوَّلَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ الْإِصْرَافَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الصَّبِيِّ إذَا دَخَلَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ عِنْدَ مُؤَدِّبٍ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ فَإِصْرَافَةُ الْبَقَرَةِ قَدْ اسْتَحَقَّهَا الْمُؤَدِّبُ الْأَوَّلُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَا إذَا دَخَلَ سُورَةَ يُونُسَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلْ يَسْتَحِقُّهَا الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ قَوْلَانِ، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِإِصْرَافَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَيْسَ إلَّا، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ إصْرَافَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَرُبَ إلَيْهَا الصَّبِيُّ، فَإِنَّ الْمُؤَدِّبَ الْأَوَّلَ يَسْتَحِقُّهَا.
وَمِنْ كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ تَعْلِيمِ أَوْلَادِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكِتَابَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ ذَلِكَ يَصِيرُونَ إلَى أَنْ يَقْرَءُوا الْقُرْآنَ.
قَالَ: وَسَأَلْته عَنْ تَعْلِيمِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ كِتَابَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كِتَابَ الْأَعْجَمِيَّةِ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ
لَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ.
قَالَ: وَلَا يَتَعَلَّمُ الْمُسْلِمُ عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ عِنْدَ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَمَّا تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِ أَبْنَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْ تَعْلِيمُهُمْ عِنْدَهُمْ فَالْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ حَبِيبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ ذَلِكَ سَخْطَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ مُسْقِطَةٌ لِإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْحَذَاقَةِ يَعْنِي الْإِصْرَافَةَ أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْضَارِ فَقَالَ: إنَّهُ لَا يُقْضَى بِالْإِحْضَارِ فِي الْأَعْيَادِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا فِعْلُهُ فِي أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكْرُوهًا فِي أَعْيَادِ النَّصَارَى مِثْلِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ قَبِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَعْظِيمِ الشِّرْكِ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ آدَابِ الْمُجَاهِدِ وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ وَهَدْيِهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصْلٌ فِي ذِكْرِ آدَابِ الْمُجَاهِدِ، وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ، وَهَدْيِهِ قَدْ تَقَدَّمَ - رَحِمَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ - آدَابُ الْعَالِمِ، وَهَدْيُهُ، وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ فَالْمُجَاهِدُ، وَغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا شَيْئًا قَلِيلًا اخْتَصَّ بِهِ الْعَالِمُ، وَشَيْئًا قَلِيلًا اخْتَصَّ بِهِ الْمُجَاهِدُ يَقَعُ ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.، وَلْتَعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: جِهَادٌ أَصْغَرُ، وَجِهَادٌ أَكْبَرُ، فَالْجِهَادُ الْأَكْبَرُ هُوَ جِهَادُ النُّفُوسِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «هَبَطْتُمْ مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذِكْرِ آدَابِ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ، وَالْكَلَامُ هُنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ، وَهُوَ: جِهَادُ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَالْعِنَادِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَعْظَمِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ طَلَبُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَعْرِفُ الْمُجَاهِدُ فَضِيلَةَ الْجِهَادِ، وَكَيْفَ يُجَاهِدُ، وَبِمَاذَا يَصِحُّ لَهُ الْجِهَادُ، وَبِمَاذَا يَفْسُدُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَكَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ؛ لِمَا جَاءَ فِي تَفْضِيلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَرُبَّ شَخْصٍ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْجِهَادِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الْقُوَّةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْإِقْدَامِ فَالْجِهَادُ فِي حَقِّ هَذَا يَتَأَكَّدُ أَمْرُهُ، وَآخَرُ يَكُونُ فِيهِ ذَكَاءٌ، وَفَهْمٌ، وَحِفْظٌ، وَتَحْصِيلٌ لِلْمَسَائِلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الضَّرْبِ، وَالطَّعْنِ فَطَلَبُ الْعِلْمِ لِمِثْلِ هَذَا يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِحَسَبِ حَالِ الْوَقْتِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجِهَادُ فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ.
لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي الْجِهَادِ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَمَّا يَلْزَمُهُ فِي جِهَادِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ.
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ: مَا وَجَبَ عَلَيْك عَمَلُهُ، وَجَبَ عَلَيْك الْعِلْمُ بِهِ انْتَهَى.
فَيَعْرِفُ أَوَّلًا الْأَحْكَامَ اللَّازِمَةَ لَهُ، وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِيهِ فَيَبْدَأُ بِمَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: شَرْطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعَةٌ، وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ: مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا مُسْتَطِيعًا بِصِحَّةِ الْبَدَنِ، وَالْمَالِ، وَفَرَائِضُهُ سِتَّةٌ: النِّيَّةُ، وَطَاعَةُ الْإِمَامِ، وَتَرْكُ الْغُلُولِ، وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ، وَأَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ
[فَصْلٌ فِي الْغَنِيمَةِ]
ِ، وَالْغَنِيمَةُ يَسْتَحِقُّهَا مَنْ اتَّصَفَ بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ السَّبْعَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا، وَأَنْ يَكُونَ خَرَجَ لِلْجِهَادِ لَا لِلتِّجَارَةِ، وَلَا لِلْإِجَارَةِ، وَأَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَةُ حَصَلَتْ بِالْقِتَالِ أَوْ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْأَسَارَى]
وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسَارَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْقَتْلُ، وَالِاسْتِرْقَاقُ، وَالْمَنُّ، وَالْفِدَاءُ، وَالْجِزْيَةُ
[فَصْلٌ فِي الْأَوْصَافِ الْمُوجِبَةِ لِلْجِزْيَةِ]
ِ الْجِزْيَةُ وَاجِبَةٌ بِعَشَرَةِ أَوْصَافٍ: الْكُفْرُ، وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا غَيْرَ مُعْتَقٍ لِمُسْلِمٍ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهَا، وَلَا يَكُونَ قُرَشِيًّا، وَلَا مُرْتَدًّا
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ]
َ دَارُ الْمُرْتَدِّينَ تُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَا يُهَادَنُونَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِبَلَدِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يُصَالَحُونَ عَلَى مَالٍ يُقَرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ.
الثَّالِثُ: لَا تُسْتَرَقُّ رِجَالُهُمْ، وَلَا تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ.
الرَّابِعُ: لَا يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَهِيَ أَيْضًا تُفَارِقُ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ، وَمُدْبِرِينَ
كَالْمُشْرِكِينَ.
الثَّانِي: إبَاحَةُ دِمَائِهِمْ أَسْرَى، وَمُمْتَنِعِينَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أَمْوَالَهُمْ تَصِيرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
الرَّابِعُ: بُطْلَانُ مُنَاكَحَتِهِمْ
[فَصْلٌ فِي قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ]
ِ، وَهِيَ الَّتِي تُفَارِقُ الْإِمَامَ، وَرَأْيَ الْجَمَاعَةِ، وَتَنْفَرِدُ بِمَذْهَبٍ مُبْتَدَعٍ، وَتَنْعَزِلُ بِدَارٍ، وَيُفَارِقُ قِتَالُهُمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ بِنِيَّةِ رَدْعِهِمْ، وَلَا يُتَعَمَّدُ بِهِ قَتْلُهُمْ.
الثَّانِي: يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ، وَيُكَفُّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ.
الثَّالِثُ: لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.
الرَّابِعُ: لَا تُقْتَلُ أَسْرَاهُمْ.
الْخَامِسُ: لَا تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ.
السَّادِسُ: لَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ.
السَّابِعُ: لَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ.
الثَّامِنُ: لَا يُهَادَنُونَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِبَلَدِهِمْ.
التَّاسِعُ: لَا يُصَالَحُونَ عَلَى مَالٍ يُقَرُّونَ بِهِ عَلَى بِدْعَتِهِمْ.
الْعَاشِرُ: لَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: لَا يُنْصَبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتُ.
الثَّانِي عَشَرَ: لَا تُحَرَّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهُمْ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: لَا تُقْطَعُ أَشْجَارُهُمْ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ]
َ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ كَقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِمْ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ يُخَالِفُونَهُمْ فِيهَا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ.
الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُتَعَمَّدَ فِي الْحَرْبِ قَتْلُهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ حَبْسُ أَسْرَاهُمْ لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فِي الْحَرْبِ، وَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ بَعْدَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ مَا أَخَذُوهُ مِنْ خَرَاجٍ، وَصَدَقَاتٍ فَهُوَ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا فَعَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ غُرْمُهُ فَإِذَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ مَا ذُكِرَ فَلْيَكُنْ عَالِمًا بِأَحْكَامِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَالَتَيْنِ مِنْ قِتَالٍ، وَغَيْرِهِ، وَكَيْفِيَّةِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَلْزَمُهُ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَمَسَائِلُهُ.
، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا، وَذَلِكَ
يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ أَحْكَامَ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَفِي أَيِّ وَقْت يَقْصُرُ، وَفِي أَيِّ وَقْت يُتِمُّ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مُتَيَسَّرٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لِمَنْ جَاءَ إلَيْهِمْ مُسْتَفْتِيًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وَبِهَا قِوَامُهُ فَإِذَا كَانَ الْمُجَاهِدُ يُخِلُّ بِهَا أَوْ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا كَانَ تَرْكُهُ لِلْجِهَادِ أَوْلَى بِهِ بَلْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ.
فَإِذَا تَعَيَّنَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ كَانَ مُجَاهِدًا.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى؛ لِأَنَّا نَرَى، وَنُبَاشِرُ مَنْ يَخْرُجُ إلَى الْجِهَادِ، وَغَالِبُ أَحْوَالِهِمْ عَدَمُ الْفِقْهِ، وَعَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ أَوْ بِأَكْثَرِهِ، وَقَلَّ مَنْ تَجِدُهُ مِنْهُمْ يَجْتَمِعُ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَيَسْأَلُ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فِيمَا ذُكِرَ سِيَّمَا صَلَاةُ الْخَوْفِ الَّتِي مَا بَقِيَتْ تُعْرَفُ عَنْهُمْ فِي الْغَالِبِ، وَلَا تُذْكَرُ إلَّا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ كَأَنَّهَا حِكَايَةٌ تُحْكَى سِيَّمَا صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ فَإِنَّهَا كَادَتْ لَا تُعْرَفُ أَيْضًا لِعَدَمِ فَاعِلِهَا، وَقِلَّةِ السُّؤَالِ عَنْهَا فَيَخْرُجُ الْمُجَاهِدُ، وَهُوَ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّهُ فِي طَاعَةٍ، وَهُوَ يَقَعُ فِي مُخَالَفَاتٍ جُمْلَةً لِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِمَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا إلَى وُقُوعِ الرُّعْبِ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَانْهِزَامِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا يُسْتَعَدُّ لَهُ بِإِقَامَةِ هَذَا الدِّينِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - نَصْرُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ هُوَ اتِّبَاعُ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ سَبَبًا لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَأَمْنِهِ مِمَّا يَخَافُ سِيَّمَا، وَالْمُجَاهِدُ إنَّمَا يُجَاهِدُ لِأَجْلِ الدِّينِ، وَالصَّلَاةُ هِيَ عِمَادُهُ، وَبِهَا قِوَامُهُ، وَقَدْ، وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَاءَهُ كِتَابٌ مِنْ بَعْضِ جُيُوشِهِ بِالشَّامِ، وَهُمْ يُخْبِرُونَهُ فِيهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ افْتَتَحُوا الْبَلْدَةَ الَّتِي نَزَلُوا بِهَا، وَكَانَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ أَهْلِهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ: أَتَبْكِي، وَالنَّصْرُ لَنَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا الْكُفْرُ يَقِفُ أَمَامَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى الزَّوَالِ إلَّا مِنْ أَمْرٍ أَحْدَثْتُمُوهُ أَنْتُمْ أَوْ أَنَا فَانْظُرْ إلَى مَا قَرَّرَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا نَظَرَ فِي النَّصْرِ، وَعَدَمِهِ إلَّا بِصَلَاحِ الْحَالِ، وَفَسَادِهِ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ
وَرَبِّهِ فَأَيْنَ هَذَا الْحَالُ الَّذِي ذَكَرَ مِنْ حَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَفِي كَوْنِهِمْ يُخْرِجُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَيَقْضُونَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَعْنِي جَوَازَ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَالْعُذْرُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا هُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ أَوْ اسْتِتَارُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَايِفَ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُضَارِبُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ، وَهُوَ يُصَلِّي، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ لِأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، وَيُكَبِّرُ، وَيَقْرَأُ، وَكَذَلِكَ الْغَرِيقُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي حَالِ غَرَقِهِ، وَالْمَصْلُوبُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ صَلَاتُهُمْ إنَّمَا هِيَ بِالْإِيمَاءِ، وَاللِّسَانِ، وَاغْتُفِرَ فِي حَقِّهِمْ، وَمَنْ شَابَهَهُمْ تَرْكُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ جُمْلَةً فِي حَالِ صَلَاتِهِمْ إذْ ذَاكَ خِيفَةً عَلَى الْوَقْتِ أَنْ يَخْرُجَ فَلَوْ تَرَكَ أَحَدُهُمْ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ قَضَاهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا.
؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا مُتَعَمِّدًا هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا؟ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ آثِمٌ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّأْخِيرِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَحُكْمُهُ مَعْرُوفٌ.
وَمَا ذُكِرَ فِي حَقِّ الْمُجَاهِدِ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا هُوَ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحُجَّاجِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُحَصِّلُونَ الزَّادَ، وَالرَّاحِلَةَ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ضَرُورَاتِهِمْ بِخِلَافِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ فَقَلَّ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ مَسَائِلِ التَّيَمُّمِ، وَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَإِتْمَامِهَا، وَأَحْكَامِ الْحَجِّ، وَمَنَاسِكِهِ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فَالْغَالِبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَعْتَنُونَ فِي الْمَنَاسِكِ بِأَدْعِيَةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى قَانُونٍ مَعْرُوفٍ فَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهَا، وَيَتْرُكُونَ ذِكْرَ الْأَحْكَامِ فِي الْغَالِبِ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعْيِينَ الدُّعَاءِ لِبَعْضِ الْأَرْكَانِ، وَقَالَ هَذِهِ بِدْعَةٌ إنَّمَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَدْعُو بِمَا يَمُرُّ بِبَالِهِ أَوْ كَمَا قَالَ.
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ فَمِنْ أَهَمِّ مَا يُقَدَّمُ فِيهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهِ، وَعِنْدَهُ حُسْنُ النِّيَّةِ، وَاهْتِمَامُهُ بِهَا، وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانُهَا أَتَمَّ بَيَانٍ
حِينَ جَاءَهُ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ، وَمَا رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَقَدْ اتَّضَحَ، وَبَانَ مَا يَنْوِي الْمُجَاهِدُ حِينَ خُرُوجِهِ، وَتَلَبُّسِهِ بِالْقِتَالِ.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ لَهُ بَعْدَ تَصْحِيحِ نِيَّتِهِ فَغَيْرُ مَا نَوَاهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ قَالَ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَأَجَابَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَوَى أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا لَا يَضُرُّهُ مَا اعْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِ غَضَبًا أَوْ حَمِيَّةً أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَنَزَغَاتِهِ، وَهَوَاجِسِ النُّفُوسِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَفَعَ ذَلِكَ عَنَّا، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِتَرْكِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ بِبَرَكَةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] الْآيَةَ ضَجَّ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَأَتَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ فَقَبِلْنَاهُ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي نُفُوسِنَا فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ كَمَا قَالُوا فَعَلَّمَهُمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْأَدَبَ مَعَ الرُّبُوبِيَّةِ قَالَ: أَتَقُولُونَ مِثْلَ مَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ سَمِعْنَا، وَعَصَيْنَا،، وَلَكِنْ قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا فَقَالُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] إلَى آخِرِ السُّورَةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِصْرَ عَنْهُمْ، وَعَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْوَسَاوِسِ، وَالْهَوَاجِس.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَحْنُ بِسَبِيلِهِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا أَنْ «جَاءَهُ أَصْحَابُهُ يَشْكُونَ لَهُ مِمَّا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا: إنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا» فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ يَعْنِي فِي دَفْعِهِ، وَتَعَاظُمُ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ لَا فِي نَفْسِ وُقُوعِهِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا، وَذَلِكَ أَنَّ إبْلِيسَ اللَّعِينَ لَمْ يَقْنَعْ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى جَعَلَهُمْ يَنْشُرُونَ خَشَبًا، وَيَنْحِتُونَ حِجَارَةً، وَيَجْعَلُونَهَا صُوَرًا يَسْجُدُونَ لَهَا، وَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُمْ قَدْ صَنَعُوهَا بِأَيْدِيهِمْ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ، وَانْتَشَرَ أَيِسَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ حِيلَةٌ إلَّا الْوَسْوَاسُ، وَالْهَوَاجِسُ الْمُشَوِّشَةُ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا.
فَحَمِدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ عَلَى كَوْنِ اللَّعِينِ عَجَزَتْ قُدْرَتُهُ عَنْ جَمِيعِ الْحِيَلِ إذْ أَنَّ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْحِيَلِ إلَّا الْوَسْوَاسُ، وَالْهَوَاجِسُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ مَنْ وَقَعَ لَهُ، وَلَوْ وَقَفَ الْمُكَلَّفُ مَعَ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْهَوَاجِسِ قَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى لَهُ أَدَاءُ عِبَادَةٍ بِسَبَبِ تَسْلِيطِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ أَوَّلًا بِنِيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنْ يَحْتَسِبَ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111] إلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4] ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّدَفِيُّ الْمَشْهُورُ بِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «عَبَّانَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَدْرٍ لَيْلًا» ، وَالتَّعْبِيَةُ هِيَ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ، وَتَقْدِمَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَيْنَ يَدَيْ الْقِتَالِ مِنْ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لِيُرْجَى بِهِ الظَّفَرُ، وَالنَّصْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40]
ثُمَّ الْإِدَارَةُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَالْخَدِيعَةُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ الظَّفَرِ.
أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوًا وَرَّى عَنْهُ بِغَيْرِهِ» .
وَمِنْ الْخُدَعِ فِي الْحَرْبِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْأَحْزَابِ.
رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَا يَكْتُمُ الْحَدِيثَ، وَكَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَكَانَ يَأْتِي
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَوْمًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ مَالُوا عَلَيْك فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ فَأَتَى الرَّجُلُ أَبَا سُفْيَانَ فَقَالَ هَلْ عَلِمْت مُحَمَّدًا يَقُولُ مَا لَيْسَ هُوَ، قَالَ: لَا، قَالَ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ قَالَ سَنَنْظُرُ فَأَرْسَلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ نُحِبُّ أَنْ تُعْطُونَا رَهَائِنَ، وَوَافَقَ ذَلِكَ أَنْ كَانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِلْقَدَرِ الْمَقْدُورِ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي السَّبْتِ فَإِنْ انْقَضَى فَعَلْنَا فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ نَحْنُ فِي مَكْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا، وَجُنُودًا لَمْ يَرَوْهَا ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: 25] .
وَكَانَتْ هَذِهِ مِنْ الْخُدَعِ الَّتِي خَدَعَهُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ سَمِعْته يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو عَلَى الْأَحْزَابِ «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ» فَهَذَا الدُّعَاءُ يَنْبَغِي أَنْ يُدْعَى بِهِ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِنْهُ عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنْ يَأْتِكُمْ الْعَدُوُّ فَقُولُوا حم لَا يُنْصَرُونَ» ، وَمِنْهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ مَكَّةَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ» .
وَمِنْهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ أَيْ اُطْلُبُونِي أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ مَعَهُمْ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «أَنَا مَعَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي» فَإِذَا كَانَ اللَّهُ مَعَهُمْ فَهُمْ مَنْصُورُونَ، وَيُرِيدُ بِالضُّعَفَاءِ، - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ظُهُورٌ فِي الدُّنْيَا، وَهُمْ طَالِبُونَ لَهَا، وَهُمْ زَاهِدُونَ فِي دُنْيَاهُمْ رَاغِبُونَ فِي آخِرَتِهِمْ طَائِعُونَ لِلَّهِ تَعَالَى نَاصِرُونَ لِدِينِهِ فَهُمْ مَنْصُورُونَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] ، وَقَالَ ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] أَيْ بِالنَّصْرِ، وَالْمَعُونَةِ أَيْ
مَعَ الصَّابِرِينَ عَنْ الْمُشْتَهَيَاتِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالصَّابِرِينَ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَجِهَادِ الْكُفَّارِ فَاَللَّهُ نَاصِرُهُمْ، وَمُعِينُهُمْ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ بَعَثَهُ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ: احْرِصْ عَلَى الْمَوْتِ تُوهَبْ لَك الْحَيَاةُ.
وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ قَوْمًا إلَى الْغَزْوِ فَقَالَ: أَلْزِمُوا قُلُوبَكُمْ الصَّبْرَ فَإِنَّهُ سَيْفُ الظَّفَرِ، وَاذْكُرُوا كَثْرَةَ الضَّغَائِنِ فَإِنَّهُمَا تَحُضُّ عَلَى الْإِقْدَامِ، وَالْزَمُوا الطَّاعَةَ فَإِنَّهَا حِصْنُ الْمُحَارِبِ.
وَمِنْ الْحِكْمَةِ: قُوَّةُ النَّفْسِ فِي الْحَرْبِ عَلَامَةُ الظَّفَرِ.
وَمِنْهَا: تَقَحُّمُ الْحَرْبِ يُنْجِحُ الْقَلْبَ، وَمِنْهَا: الْهَزِيمَةُ تَحِلُّ الْعَزِيمَةَ.
وَمِنْهَا: الْحِيَلُ أَبْلَغُ مِنْ الْعَمَلِ، وَمِنْهَا: الرَّأْيُ السَّدِيدُ أَجْدَى مِنْ الْأَيْدِ الشَّدِيدِ.
وَمِنْهَا: شِدَّةُ الصَّبْرِ فَاتِحَةُ النَّصْرِ
، وَيَنْبَغِي الْمَشُورَةُ فِي الْقِتَالِ، وَفِي كُلِّ أَمْرٍ يَعْرِضُ.
، وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي مَشُورَةُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ، وَدِينٌ، وَتَجَارِبُ.
مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ تَوَقَّ مَشُورَةَ الْجَاهِلِ.
وَمِنْهَا: لَا تُشَاوِرُ مَنْ تَمِيلُ بِهِ رَغْبَتُهُ أَوْ رَهْبَتُهُ.
أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» ، وَمِنْهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» ، وَمِنْهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ الْبُخَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، - وَرَحِمَهُ - هَذِهِ الطَّائِفَةُ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى ذِكْرِ بَعْضِ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ الصَّفْقَتَيْنِ جَمِيعًا.
بَيَانُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنْفُسًا هُوَ خَلَقَهَا، وَأَمْوَالًا هُوَ رَزَقَهَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَقُولُ أَيْضًا هُوَ خَالِقُ فِعْلِ الْمُجَاهِدِ فِي قُدْرَتِهِ، وَعَزْمِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَرَغْبَتِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلُهُ، وَنِعْمَتُهُ، وَمِنَّتُهُ قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى يُسْدِي عَلَى أَيْدِينَا الْخَيْرَ، وَيَمْنَحُ عَنْ أَيَادِيهِ الْجَزَاءَ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ «الْأَنْصَارَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرِطْ لِرَبِّك، وَلِنَفْسِك مَا شِئْت قَالَ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا؟ قَالَ: لَكُمْ الْجَنَّةُ قَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ قَالُوا لَا نَقِيلُ، وَلَا نَسْتَقِيلُ» .
وَمَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْرَابِيٌّ، وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: 111] الْآيَةَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ كَلَامُ مَنْ؟ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: بَيْعٌ، وَاَللَّهِ صَرِيحٌ لَا نَقِيلُهُ، وَلَا نَسْتَقِيلُهُ فَخَرَجَ إلَى الْغَزْوِ فَاسْتُشْهِدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: 111] قَالَ هَذَا وَعْدٌ مُؤَكَّدٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَعْدٌ ثَابِتٌ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْقُرْآنِ.
وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَاهِيك مِنْ صَفْقَةٍ الْبَائِعُ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَالثَّمَنُ جَنَّةُ الْمَأْوَى، وَالْوَاسِطَةُ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي ذَلِكَ قِيلَ
أَكْرِمْ بِهَا صَفْقَةً فَالرَّبُّ عَاقِدُهَا ... عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مُضَرِ
أَثْمَانُهَا جَنَّةٌ نَاهِيك مِنْ نُزُلٍ ... دَارٌ بِهَا نِعَمٌ تَخْفَى عَنْ الْبَشَرِ
أَنْوَاعُ مَطْعَمِهَا مِنْ كُلِّ شَهْوَتِنَا ... شَرَابُهَا عَسَلٌ صَافٍ مِنْ الْكَدَرِ
مِنْ كُلِّ مَا لَذَّةٍ طَابَتْ مَوَارِدُهَا ... وَحُورُهَا دُرَرٌ تَزْهُو عَلَى الْقَمَرِ
أَنَّى لَهَا ثَمَنٌ دُنْيَا بِهَا مِحَنٌ ... لَمْ يَصْفُ مَشْرَبُهَا يَوْمًا لِمُعْتَبِرِ
ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 111] ؛ لِأَنَّ إخْلَافَ الْوَعْدِ إنَّمَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ لِأَحَدِ أُمُورٍ أَوْ مَجْمُوعِهَا، وَذَلِكَ: لِبُخْلٍ أَوْ شُحٍّ خَوْفَ الْفَقْرِ أَوْ مَحَبَّةَ الِازْدِيَادِ مِنْ الشَّهَوَاتِ أَوْ لِعَجْزٍ أَوْ لِنِسْيَانٍ، وَذُهُولٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآفَاتِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ إذَا فُهِمَتْ مَعَانِيهَا، وَحَضَرْتَ بِخُلُوِّ الْقَلْبِ، وَشُرُوطِ الِاسْتِمَاعِ لَتَالِيهَا لَا تَطْلَبُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَلَا انْضِمَامَ شَيْءٍ مِنْ الْمُؤَكَّدَاتِ إلَيْهَا، وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ عَنْ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ» ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157] فَهَذَا وَعْدٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ إذْ أَنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِهِ أَوْ الْمَوْتَ مُقْتَرِنٌ بِهِمَا الْمَغْفِرَةُ، وَالرَّحْمَةُ، وَخَبَرُهُ تَعَالَى، وَوَعْدُهُ حَقٌّ، وَتَأْكِيدُهُ بِالْقَسَمِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ، وَتَحْقِيقٌ لِفَضْلِهِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ.
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إنْ مَاتَ أَوْ أَرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْت خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ» قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادًا فِي
سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِي فِي هَذَا حَضٌّ عَلَى النِّيَّةِ، وَتَخْلِيصِهَا مِنْ الشَّوَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَهِيَ الشَّهَادَتَانِ، وَعُلُوُّ الْمُسْتَمْسِكِ بِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ إذَا عَلَا بِالضَّرُورَةِ تَكُونُ الشَّهَادَتَانِ، وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ السُّفْلَى فَيَقْصِدُ بِالْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ هَذَا مُخْلِصًا، وَيَبِيعُ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجَنَّةِ الَّتِي وَعَدَهَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ مَجْمُوعَ الْأَمْرَيْنِ ابْتِغَاءَ الْجَنَّةِ، وَعُلُوَّ الْكَلِمَتَيْنِ فَإِذَا صَحَّ قَصْدُهُ نَالَ مِنْ اللَّهِ مَا وَعَدَهُ.
وَقَوْلُهُ فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ قِيلَ مَعْنَاهُ مَضْمُونٌ.
وَقَوْلُهُ أَوْ أَرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ أَجْرٍ، وَغَنِيمَةٍ.
، وَالْكَلْمُ الْجُرْحُ، وَبِإِسْنَادِهِ إلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» فِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى النِّيَّةِ.
وَمِنْهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا» ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ «خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.» الْغَدْوَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ السَّيْرُ إلَى الزَّوَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالرَّوْحَةُ السَّيْرُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
فَالْمَعْنَى أَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْغَدْوَةِ، وَالرَّوْحَةِ الْوَاحِدَةِ، وَفَضْلَهَا، وَنَعِيمَهَا عَلَى قِلَّتِهَا، وَيَسَارَتِهَا، وَخِفَّتِهَا خَيْرٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا كُلِّهَا عَلَى كَثْرَتِهَا فَإِنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَنِعَمَ الْآخِرَةِ دَائِمَةٌ بَاقِيَةٌ أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا لَوْ نَالَهَا مَلِكٌ بِأَسْرِهَا، وَأَنْفَقَهَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَأَجْرِهَا لَكَانَ جَزَاءُ هَذِهِ الْغَدْوَةِ، وَالرَّوْحَةِ أَكْثَرَ، وَفَضْلُهَا أَعْظَمَ، وَأَكْبَرَ.
وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِم مُتَّصِلًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ (يَا أَبَا سَعِيدٍ «مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ، وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ قَالَ، وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الدَّرَجَاتُ: الْمَنَازِلُ فِي الْجَنَّةِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ قَالَ تَعَالَى ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: 20] ، وَمِنْهُ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كُنْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ دَخَلْت لِأَسْتَفْتِيَهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ، وَجَلَّ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 19] الْآيَةَ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ، وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غَنِيمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إلَّا فِي خَيْرٍ» ) فَظَهَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْجِهَادِ، وَشَرَفُهُ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الِاكْتِسَابَ مِنْهُ خَيْرُ كَسْبٍ إذَا خُمِّسَ الْمَغْنَمُ، وَلَمْ يَسْتَأْثِرْ عَلَى الْغَازِينَ بِشَيْءٍ إلَّا مَا الضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَشِبْهِهِمَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ، وَالْكِتَابِ الْعَزِيزِ.
، وَالْهَيْعَةُ
الصَّوْتُ الْمُفْزِعُ.
وَالطَّيَرَانُ هُوَ إغَاثَةُ الْمُسْتَغِيثِ بِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي الْفِعْلِ الْمُسْرِعِ، وَالشَّعَفُ رُءُوسُ الْجِبَالِ.
وَفِيهِ حَضٌّ عَلَى الِانْزِوَاءِ عَنْ النَّاسِ، وَالِاعْتِزَالِ؛ لِمَا فِي الْمُخَالَطَةِ مِنْ آفَاتِ الْقِيلِ، وَالْقَالِ، وَهَذَا الِانْزِوَاءُ، وَالِاعْتِزَالُ إنَّمَا يُحْمَدُ إذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ فَرْضُ الْجِهَادِ، وَالْقِتَالِ أَوْ فَرْضٌ مِنْ الْفُرُوضِ عَلَى حَسَبِ الْأَحْوَالِ.
مِنْهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أَبِي، وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَأَنْت سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ هَذَا قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ» قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي أَنَّ الْجِهَادَ، وَحُضُورَ الْمَعَارِكِ سَبَبٌ لِدُخُولِهَا، وَمُقَرِّبٌ إلَيْهَا، وَيَظْهَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَكَانَ الْمَعْرَكَةِ، وَجِلَادَ الْكُفَّارِ مِنْهُ تُنْقَلُ رُوحُ الشَّهِيدِ حِينَ الشَّهَادَةِ، وَتُدْخَلُ الْجَنَّةَ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَصَحِيحِ الْأَخْبَارِ.
وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ عَمِّي الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدْرًا قَالَ فَشَقَّ عَلَيْهِ قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُيِّبْت عَنْهُ، وَلَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ قَالَ فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا قَالَ فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُحُدًا قَالَ، وَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ؟ قَالَ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ قَالَ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ قَالَ فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ، وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ، وَطَعْنَةٍ، وَرَمْيَةٍ قَالَ: وَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ فَمَا عَرَفْت أَخِي إلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: 23] قَالَ فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي أَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ كَلِمَةُ تَلَهُّفٍ، وَحُنَيْنٍ، وَشَوْقٍ إلَى الْجَنَّةِ، وَتَمَنٍّ لَا جَرَمَ لَمَّا صَدَقَ أُعْطِيَ
سُؤْلَهُ، وَبَلَغَ مِمَّا تَمَنَّى مَأْمُولَهُ، وَأَوْجَدَهُ اللَّهُ رِيحَ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَذَلِكَ تَشْرِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ السَّعَادَةِ، وَتَكْرِمَةٌ لِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ.
وَمِنْ مُسْنَدِ النَّسَائِيّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «أَنَا زَعِيمٌ، وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ لِمَنْ آمَنَ، وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي، وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ لَهُ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، وَلَا مِنْ الشَّرِّ مَهْرَبًا يَمُوتُ حَيْثُ يَمُوتُ» .
وَمِنْ مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ قَالَ: إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
، وَمِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ» ، وَمِنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا» ، وَمِنْهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: لَحِقَنِي عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَأَنَا مَاشٍ إلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنَّ خُطَاك هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمِعْت أَبَا عَبْسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ» انْتَهَى كَلَامُ الصَّدَفِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ أَبُو عَبْسٍ هَذَا اسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ هُوَ رَجُلٌ شَامِيٌّ رَوَى عَنْهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ غَيْرَ وَاحِدٍ.
ثُمَّ قَالَ الصَّدَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ»
[فَصْلٌ فِي الرَّمْيِ وَفَضِيلَتِهِ]
ِ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ» ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ «كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ» ، وَمِنْ مُسْنَدِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدْلُ مُحَرَّرٍ» .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَفَرٍ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي، وَأَنْتَ مَعَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْمُوا، وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» .
وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُونَ، وَيَكْفِيكُمْ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» ، وَمِنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ أَنَّ نُعَيْمًا اللَّخْمِيَّ قَالَ لَهُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْك فَقَالَ: عُقْبَةُ لَوْلَا كَلَامٌ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ أُعَانِهِ فَقِيلَ لِابْنِ شِمَاسَةَ، وَمَا ذَاكَ قَالَ: إنَّهُ قَالَ: «مَنْ عُلِّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى» ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ مِنَّا أَيْ لَيْسَ مُتَّبِعًا لَنَا، وَلَا مُهْتَدِيًا بِهَدْيِنَا تَارِكُ الرَّمْيِ.
، وَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَهْلِ حِمْصَ عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ، وَالرِّمَايَةَ، وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَالِاحْتِفَاءَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ، وَقَالَ: احْتَفُوا، وَتَجَرَّدُوا، وَاخْشَوْشِنُوا، وَتَمَعْدَدُوا، وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ، وَانْزُوَا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا، وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ إيَّاكُمْ وَلِبَاسَ الْعَجَمِ الْبَسُوا الْأُزُرَ
وَالْأَرْدِيَةَ، وَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ، وَاسْتَقْبِلُوا حَرَّ الشَّمْسِ بِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا شَامَاتُ الْعَرَبِ، وَاطْرَحُوا الْخِفَافَ، وَالْبَسُوا النِّعَالَ
[فَصْلٌ فِي الرِّبَاطِ وَفَضْلِهِ]
ِ، وَذِكْرِ الْخَيْلِ، وَفَضْلِهَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلَّا الَّذِي يَمُوتُ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» . أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ: فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا، وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا، وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا، وَرِيَاءً، وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ» ، وَمِنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وَمِنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُئِيَ يَمْسَحُ، وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنِّي عُوتِبْت اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ» ، وَرَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة هَلْ الرُّجُوعُ لِثَغْرِهِمْ، وَالْكَوْنُ فِيهِ لِلْحَرَسِ، وَسَدُّهُ أَفْضَلُ
أَمْ الْمَقَامُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، وَأَزْكَى التَّحِيَّاتِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَفْضَلُ؟ فَرَجَّحَ لَهُمْ الرُّجُوعَ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة، وَالْكَوْنَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَرْسُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ؛ لِأَنَّ الْحَرْسَ فِيهِ حِفْظُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْغَزْوُ فِيهِ إرَاقَةُ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَحِفْظُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «عَيْنَانِ لَا تَمَسَّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَمِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِغَيْرِ أَثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ اللَّهَ، وَفِيهِ ثُلْمَةٌ» ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ سَمِعْت عُثْمَانَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إنِّي كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرَاهِيَةَ نُفُورِكُمْ عَنِّي ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ» قَالَ: أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمِنْهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ عَزَّ، وَجَلَّ مِنْ قَطْرَتَيْنِ، وَأَثَرَيْنِ قَطْرَةُ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ: ابْنُ حَبِيبٍ الرِّبَاطُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْجِهَادِ.
وَقِيلَ مَنْ رَابَطَ فَوَاقَ نَاقَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ قَدْرُ مَا تُحْلَبُ، وَقَالَ غَيْرُهُ قَدْرُ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَحَرْسُ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ أَصُومُهَا، وَأَقُومُ لَيْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَعِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْبَغِي لِكُلِّ قَوْمٍ أَنْ يُرَابِطُوا فِي نَاحِيَتِهِمْ، وَأَنْ يُمْسِكُوا سَوَاحِلَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَكَانًا مَخُوفًا يُخَافُ فِيهِ عَلَى الْعَامَّةِ يُرِيدُ فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِ.
وَمِنْ الْحَرْسِ
فِي الثُّغُورِ حَفْرُ الْخَنَادِقِ، وَالِاحْتِسَابُ فِي حَفْرِهَا مُسْتَنِّينَ فِي ذَلِكَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَطْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْحَجَرِ الَّذِي أَعْيَتْ الصَّحَابَةَ الْحِيلَةُ فِي كَسْرِهِ.
أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَ لَنَا حَجَرٌ لَا يَأْخُذُهُ الْمِعْوَلُ فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَلْقَى ثَوْبَهُ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَتْ ثُلُثَ الصَّخْرَةِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ إلَى قَصْرِهَا الْأَحْمَرِ الْآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسٍ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ خَضْرَاءَ الْمَدَائِنِ، وَإِلَى الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي السَّاعَةَ»
[فَصْلٌ فِي فَضْلِ الشَّهَادَةِ]
ِ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] قَالَ: أَمَّا إنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ» ، وَمِنْهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: (مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ لَهُ بِهَا مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرَ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ.
وَمِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ، وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا» .
وَمِنْ الْمُوَطَّأِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَغَزْوٌ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ، وَيُيَاسَرُ
فِيهِ الشَّرِيكُ، وَيُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ، وَيُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ خَيْرٌ كُلُّهُ، وَغَزْوٌ لَا تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ، وَلَا يُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ، وَلَا يُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ، وَلَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ يَرْجِعُ صَاحِبُهُ كَفَافًا.
وَمِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ قَالَ: إنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ، وَسَطُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» .
وَمِنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ فِي أَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ، وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» قَالَ: أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشِعْبٍ فِيهِ عَيْنٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا فَقَالَ: لَوْ اعْتَزَلْت عَنْ النَّاسِ فَأَقَمْت فِي هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ اُغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ» ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ
فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذَاكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ أَعْيُنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ قَالَ: فَمَا أَدْرِي أَقَلَنْسُوَةُ عُمَرَ أَرَادَ أَمْ قَلَنْسُوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكِ طَلْحٍ مِنْ الْجُبْنِ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا، وَآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ الْعَدُوَّ صَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ» ، وَفَضِيلَةُ الْجِهَادِ قَدْ جَاءَ فِيهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ عَلَى الْمَرْءِ وَحْدَهُ إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَإِمَامٍ تَنْعَقِدُ كَلِمَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يُخَالِفُونَهُ.
، وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - ذَلِكَ، وَشَرَطُوا لَهُ شُرُوطًا، وَبَيَّنُوا حَالَ الْإِمَامِ، وَحَالَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَكُونُ مَعَهُ، وَصِفَةَ هَدْيِهِمْ، وَطَرِيقَتَهُمْ، وَآدَابَهُمْ، وَمَا يَتَجَنَّبُونَ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرٌ قَلَّ أَنْ يُحْصَرَ أَعْنِي مَا أُحْدِثَ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ شَرْقًا، وَغَرْبًا فَمَنْ أَرَادَ الْجِهَادَ فَلْيَتَوَقَّفْ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَالنُّهَى عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَمَا يُنْدَبُ لَهُ، وَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَوْ يُكْرَهُ، وَمَا يَتَجَنَّبُ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَقَالِيمِ، وَالْأَئِمَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالْعَصْرِ فَلَا يُمْكِنُ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهَا لِكَثْرَتِهَا، وَاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَزْمَانِ فَبِالسُّؤَالِ يَتَبَيَّنُ لَهُ مَا يَصْلُحُ بِهِ فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَلَلٍ يَرْتَكِبُهُ بِسَبَبِ جِهَادِهِ فَالتَّرْكُ لَهُ أَوْلَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا سُؤَالَ إذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ فِيهِ إذْنَ الْإِمَامِ، وَلَا حُضُورَ الْجَمَاعَةِ، وَلَا إذْنَ الْوَالِدِ، وَلَا إذْنَ الْوَالِدَةِ، وَلَا إذْنَ السَّيِّدِ إذْ أَنَّ النَّفِيرَ وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ بِوَجْهٍ مَا
ثُمَّ الْأَصْلُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي جِهَادِهِ، وَيَعْتَقِدُ النَّصْرَ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ التَّعَلُّقُ بِجَنَابِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرُّجُوعُ إلَيْهِمْ، وَالصُّدُورُ عَنْ رَأْيِهِمْ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَمَّا أَنْ خَرَجَ لِبَعْضِ غَزَوَاتِهِ قَالَ: اُنْظُرُوا إلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَذَهَبُوا إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالُوا، وَجَدْنَاهُ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فَقَالَ: اذْهَبُوا فَقَدْ نَصَرَنَا: سَبَّابَتُهُ فِي الْقِبْلَةِ عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا أَلْفِ فَارِسٍ فَمَضَوْا؛ لِمَا كَانُوا بِسَبِيلِهِ فَنُصِرُوا، وَغَنِمُوا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ» ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَنَّى الْمَرْءُ لِقَاءَ الْعَدُوِّ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ فَشَأْنُ الْمُكَلَّفِ امْتِثَالُ الْأَدَبِ بِتَرْكِ الدَّعَاوَى، وَغَيْرِهَا حَتَّى إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ اسْتَعَانَ بِرَبِّهِ تَعَالَى، وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ مَرْضَاتَهُ، وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ لِفَاعِلِهِ.
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ دَقِيقُهَا، وَجَلِيلُهَا فَلْيَكُنْ الْمَرْءُ مُتَيَقِّظًا لَهَا فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَالْجِهَادُ مَظِنَّةُ الْمَوْتِ غَالِبًا.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعْنَاهُ أَنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تُنْقَلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى الْجَنَّةِ، وَالتَّعَلُّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْأَصْلُ لِهَذَا الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا شَاءَ فَعَلَ فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْقَادِرُ عَلَى النَّصْرِ بِسَبَبٍ، وَبِغَيْرِ سَبَبٍ.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] فَنَفَى الرَّمْيَ عَنْ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوَّلًا بِقَوْلِهِ، وَمَا رَمَيْت ثُمَّ أَثْبَتَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ إذْ رَمَيْت فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالشَّرِيعَةِ.
أَمَّا الشَّرِيعَةُ فَلِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ، وَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ.
وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلِوُصُولِ ذَلِكَ التُّرَابِ لِعَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدُوِّ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَهُ لِمِلْئِهَا بِالتُّرَابِ، وَهَذَا شَيْءٌ يَعْجَزُ الْبَشَرُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ أَفْعَالُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ امْتِثَالِ الْحِكْمَةِ ثُمَّ يُظْهِرُ
اللَّهُ سُبْحَانَهُ قُدْرَتَهُ عِيَانًا لِلْخَلْقِ عَلَى يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْكَرِيمَةِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْ، وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ دُونَ مَاءٍ بَلْ امْتَثَلَ الْحِكْمَةَ بِوَضْعِ يَدِهِ الْكَرِيمَةِ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْقُوا، وَيَشْرَبُوا، وَيَمْلَئُوا، وَالْمَاءُ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِجَمْعِ مَا بَقِيَ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْأَزْوَادِ حِينَ فَنِيَتْ فَجُمِعَتْ، وَبَارَكَ فِيهَا فَأَكَلَ الْجَمِيعُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا، وَمِنْ ذَلِكَ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قِصَّةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الدَّاجِنِ الَّذِي ذَبَحَهُ، وَالْعَجِينِ الَّذِي خَبَزَهُ، وَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَصَقَ فِيهِمَا، وَبَارَكَ ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ فِي الْأَكْلِ ثُمَّ عَشَرَةٍ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي الْخَنْدَقِ حَتَّى أَكَلَ الْجَمِيعُ، وَشَبِعُوا، وَكَانُوا أَلْفًا، وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ كَمَا هِيَ، وَالْعَجِينُ يُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
وَمِنْ ذَلِكَ خُرُوجُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى الْجِهَادِ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْتَدُّ لِذَلِكَ بِجَمْعِ أَصْحَابِهِ، وَبِاِتِّخَاذِ الْخَيْلِ، وَالسِّلَاحِ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ آلَاتِ الْجِهَادِ، وَالسَّفَرِ ثُمَّ إذَا رَجَعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَخَلَّى مِنْ ذَلِكَ، وَرَدَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِمَوْلَاهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ، وَحْدَهُ» فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ، وَحْدَهُ» فَنَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ، وَفِعْلَهُ خَلْقٌ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى الَّذِي خَلَقَ، وَدَبَّرَ، وَأَعَانَ، وَأَجْرَى الْأُمُورَ عَلَى يَدِ مَنْ شَاءَ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ فَكُلٌّ مِنْهُ، وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعٌ.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ، وَجَلَّ أَنْ يُبِيدَ أَهْلَ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ لَفَعَلَ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ قَالَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4] فَيُثِيبُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى الصَّابِرِينَ، وَيُجْزِلُ الثَّوَابَ لِلشَّاكِرِينَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31] فَعَلَى
الْمُكَلَّفِ الِامْتِثَالُ فِي الْحَالَيْنِ أَعْنِي فِي امْتِثَالِ الْحِكْمَةِ، وَالرُّجُوعِ إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى، وَالسُّكُونِ إلَيْهِ، وَالنُّزُولِ بِسَاحَةِ كَرَمِهِ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: 62] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ كَثِيرٌ فَتَجِدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي كُلِّ ذَلِكَ يَمْتَثِلُ الْحِكْمَةَ أَوَّلًا تَأَدُّبًا مَعَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ قُدْرَتَهُ الْغَامِضَةَ الْمُخَبَّأَةَ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَمَا جَرَى لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ جَارٍ لِأُمَّتِهِ بِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَثِيرًا مَا قَدْ، وَقَعَ مِثْلُ هَذَا كَتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ، وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَمَا أَشْبَهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وَيُوجِبُ الْقَطْعَ بِوُجُودِهِ.
قَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كُلُّ كَرَامَةٍ ظَهَرَتْ لِوَلِيٍّ فَهِيَ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ أَنَّهُ مَا حَصَلَتْ لَهُ تِلْكَ الْكَرَامَةُ إلَّا بِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَقِيَتْ هَذِهِ الْبَرَكَاتُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا تَنْقَطِعُ، وَكَيْفَ لَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ، وَقَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» ، وَهَذَا عَامٌّ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ، وَفِي غَيْرِهِ
[فَصْلٌ الْقِتَالَ بِنِيَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
، وَيَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ بِنِيَّةِ إرَاقَةِ دِمَاءِ الْكُفَّارِ لَيْسَ إلَّا بَلْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ نِيَّةِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَإِظْهَارِهَا، وَإِخْمَادِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَإِبْطَالِهَا.
وَيَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِينَ إذَا كَانُوا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ فِي سَرِيَّةٍ، وَأَدْرَبُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ أَنَّهُمْ إذَا صَلُّوا الْخَمْسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ بِذَلِكَ، وَلِيَقْتَدُوا فِيهِ بِالسَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، وَفِعْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِدْعَةٌ.
، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَالنَّاصِرُ، وَالْهَادِي لَا رَبَّ سِوَاهُ، وَلَا مَرْجُوًّا إلَّا إيَّاهُ.
[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ التَّارِكِ لِلْأَسْبَابِ وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ وَهَدْيِهِ]
ِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ جِهَادٌ أَصْغَرُ، وَجِهَادٌ أَكْبَرُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ النَّاسِ إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَحْوَجُ النَّاسِ إلَيْهِ إذْ أَنَّهُ خَلَّفَ الدُّنْيَا، وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى آخِرَتِهِ لِشُغْلِهِ بِرَبِّهِ، وَإِقْبَالِهِ عَلَى إصْلَاحِ نَفْسِهِ وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْغَيْرِ فَكُلُّ قَلْبٍ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ فِي حَيِّزِ الْمَتْرُوكِ الْمَطْرُوحِ، وَكُلُّ قَلْبٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى وَقَعَ لَهُ الْفَتْحُ، وَالتَّجَلِّي، وَالْمُخَاطَبَةُ فِي سِرِّهِ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ.
وَهَذَا مَقَامٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا أَهْلُهُ الْمُخْتَصُّونَ بِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ الْمُرِيدُ إلَى مُجَاهَدَةٍ عَظِيمَةٍ لِكَيْ يَصْفُوَ قَلْبُهُ، وَيَتَجَهَّزَ لِتَحْصِيلِ الْفَوَائِدِ الرَّبَّانِيَّةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَظْفَرَ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِي جُمْلَةِ السَّابِقِينَ، وَقَاعِدَةُ الْفَقِيرِ أَبَدًا لَا يَزَالُ فِي جِهَادٍ.
فَأَوَّلُ جِهَادِهِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ ثُمَّ جِهَادُ نَفْسِهِ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: إنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ جِهَادٌ بِالْقَلْبِ، وَجِهَادٌ بِاللِّسَانِ.
وَجِهَادٌ بِالْيَدِ، وَجِهَادٌ بِالسَّيْفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِهَادِ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ هُنَا عَلَى بَاقِي أَقْسَامِ الْجِهَادِ.
فَالْجِهَادُ بِالْقَلْبِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَالْمُحَرَّمَاتِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] ، وَجِهَادُ اللِّسَانِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهِ مِنْ جِهَادِ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73] فَجَاهَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ، وَجَاهَدَ
الْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَهَاهُ أَنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ فَيُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ جِهَادُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ بِالْقَوْلِ خَاصَّةً، وَجِهَادُ الْيَدِ زَجْرُ ذَوِي الْأَمْرِ أَهْلَ الْمَنَاكِرِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْبَاطِلِ، وَالْمَعَاصِي، وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَعَنْ تَعْطِيلِ الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَاتِ بِالْأَدَبِ، وَالضَّرْبُ عَلَى مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ إقَامَتُهُمْ الْحُدُودَ عَلَى الْقَذَفَةِ الزُّنَاةِ، وَشَرَبَةِ الْخَمْرِ ثُمَّ أَوَّلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مُجَاهَدَتِهِ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ مَحَبَّتَهَا، وَالْعَمَلَ عَلَى تَحْصِيلِهَا مَعَ وُجُودِ شَغَفِ الْقَلْبِ بِهَا يُعْمِي عَنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَيَطْمِسُ الْقَلْبَ، وَيُكْثِرُ فِيهِ الْوَسَاوِسَ، وَالنَّزَغَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ، وَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا شَغَفَ قَلْبُهُ بِمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ.
وَقَدْ مَرَّ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِرَجُلٍ نَائِمٍ فِي السَّحَرِ فَوَكَزَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ قُمْ فَقَدْ سَبَقَكَ الْعَابِدُونَ فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ دَعْنِي فَقَدْ عَبَدْتُهُ بِأَحَبِّ الْعِبَادَاتِ إلَيْهِ قَالَ لَهُ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَمَا ذَاكَ قَالَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا قَالَ لَهُ عِيسَى نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ فِي خِدْرِهَا انْتَهَى ثُمَّ إنَّ الزُّهْدَ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ إلَّا بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَضَابِطُهُ: أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَنَفَسٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَنْظُرُ فِيهِ فَمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلْيُمْضِهِ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِهِ فَلْيَدَعْهُ.
وَقَدْ قَالُوا: الزُّهْدُ فِي فُضُولِ الْكَلَامِ أَفْضَلُ مِنْ الزُّهْدِ فِي غَيْرِهِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَوَابًا لِأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمَّا أَثْنَوْا عَلَى رَجُلٍ قَدْ مَاتَ فَقَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَمَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَقَلُّ فَائِدَةٍ فِي السُّكُوتِ تَسْبِيحُ الْأَعْضَاءِ انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ أَقَلُّ فَوَائِدِهِ فَمَا بَالُك بِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا السَّلَامَةُ مِنْ عَثَرَاتِ اللِّسَانِ لَكَانَ غَنِيمَةً عَظِيمَةً.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْأَعْضَاءَ تُصْبِحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تُنَاشِدُ اللِّسَانَ أَنْ يُسْلِمَهَا مِنْ آفَاتِهِ
لِأَنَّهُ إذَا عَطِبَ لَمْ يَعْطَبْ، وَحْدَهُ بَلْ يَعْطَبُ كُلُّ الْأَعْضَاءِ بِسَبَبِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا هَذَا قَالَ: هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ فَإِذَا كَانَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيُشَمِّرْ الْفَقِيرُ إلَى سُلُوكِ هَذِهِ الْمَفَازَةِ لِيَقْطَعَهَا فَإِنَّهَا عَقَبَةٌ كَئُودٌ لَا يُجَاوِزُهَا إلَّا الْمُشَمِّرُونَ - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مَنْ بَرَكَاتِهِمْ -.
ثُمَّ إنَّ الزُّهْدَ فِي الرِّيَاسَةِ أَعْظَمُ مِنْ الزُّهْدِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ، وَالْمَالَ يُنْفَقَانِ فِي الرِّيَاسَةِ، وَالرِّيَاسَةُ لَا تُنْفَقُ فِيهِمَا فَالزُّهْدُ فِيهَا مُتَعَيَّنٌ.
ثُمَّ لَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الرِّيَاسَةَ إنَّمَا هِيَ فِي رُتَبِ الدُّنْيَا لَيْسَ إلَّا بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي رُتَبِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ لَا شَيْءَ، وَمِنْ كَانَ عِنْدَ نَفْسِهِ لَا شَيْءَ فَهُوَ عِنْدَ رَبِّهِ شَيْءٌ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ - نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -: مَنْ رَأَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَا قَالَهُ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلْبَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ لَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِإِحْدَى الدَّارَيْنِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْآدَمِيُّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، - وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ - أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا، وَوَجَدَ فَضْلَةَ طَعَامٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَإِذَا بِكَلْبٍ قَدْ جَاءَ فَأَكَلَ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى ثُمَّ نَبَحَ الْكَلْبُ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَا تَنْبَحْ عَلَيَّ، وَلَا أَنْبَحُ عَلَيْك كُلْ مِنْ جِهَتِك، وَأَنَا آكُلُ مِنْ جِهَتِي إنْ دَخَلْت أَنَا الْجَنَّةَ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْك، وَإِنْ دَخَلْت النَّارَ فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي تَصْرِيحًا مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ كَانَتْ نَفْسُكَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَسِرُّك فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الثَّانِيَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الثَّالِثَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِنْ
نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الْخَامِسَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ السَّادِسَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ عَنْ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى ظَهْرِ الثَّوْرِ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ الْأَرْضِينَ فَسِرُّك نَاظِرٌ إلَى الْعَرْشِ انْتَهَى فَقَرَّرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بِسَبَبِ التَّوَاضُعِ، وَعَلَى قَدْرِ نُزُولِ النَّفْسِ يَسْمُو أَمْرُهُ، وَيَعْلُو قَدْرُهُ فَمَنْ أَرَادَ الْفَوْزَ فَلْيَعْمَلْ عَلَى إشَارَتِهِ يَحْظَ بِالسَّلَامَةِ.
وَأَعْنِي بِالزُّهْدِ فِي مَرَاتِبِ الْآخِرَةِ أَنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ لَا لِعِوَضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28] ، وَصَاحِبُ هَذَا الْحَالِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِشَيْءٍ لِاسْتِحْقَارِهِ نَفْسَهُ، وَتَرْكِ النَّظَرِ إلَيْهَا، وَصَغَارَتِهَا عِنْدَهُ لِعَظِيمِ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ.
قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَابِدٌ مُجْتَهِدٌ، وَكَانُوا يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَعْنِي مَنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ مِنْ الْعُبَّادِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ يَعْبُدُنِي مَا شَاءَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَصْبَحَ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَأَخْبَرَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِذَلِكَ فَتَعَجَّبُوا، وَقَالُوا لَيْسَ فِينَا أَحَدٌ مِثْلَهُ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْخَيْرِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، وَإِذَا بِالرَّجُلِ قَدْ أَتَى فَسَلَّمَ، وَجَلَسَ فَأَخْبَرَهُ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَا قَدْ وَقَعَ فَقَالَ: أَهْلًا بِقَضَاءِ رَبِّي، وَمَضَى لِسَبِيلِهِ فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ تَطَهَّرَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي كُنْت أَعْبُدُك، وَلَسْت عِنْدَ نَفْسِي أَهْلًا لِشَيْءٍ، وَالْآنَ قَدْ مَنَنْت عَلَيَّ، وَجَعَلْتنِي أَهْلًا لِنَارِك فَوَعِزَّتِك لَا زَالَ هَذَا مَقَامِي بَيْنَ يَدَيْك شُكْرًا لَك عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ حَتَّى أَلْقَاك فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنْ الْغَدِ جَاءَ إلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ لَهُ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِازْدِرَائِهِ بِنَفْسِهِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، - وَنَفَعَ بِهِ - عَذَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَجْلِسْ إلَيْهِمْ، وَيُحَدِّثْهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْهُ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَفَاضِلِ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ فَقَالَ: شَغَلَنِي أَرْبَعٌ لَوْ فَرَغْتُ مِنْهَا لَجَلَسْتُ إلَيْكُمْ
وَحَدَّثْتُكُمْ فَقَالُوا لَهُ، وَمَا هِيَ فَقَالَ: افْتَكَرْت فِي نُزُولِ الْمَلَكِ لِتَصْوِيرِي فِي الرَّحِمِ، وَنِدَائِهِ يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا أَعْرِفُ كَيْف خَرَجَ جَوَابِي.
الثَّانِيَةُ أَنِّي افْتَكَرْت فِي نُزُولِ مَلَكِ الْمَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِي، وَنِدَائِهِ يَا رَبِّ أَقْبِضُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَمْ عَلَى الْكُفْرِ فَمَا أَعْرِفُ كَيْف خَرَجَ جَوَابِي.
الثَّالِثَةُ أَنِّي افْتَكَرْت فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: 59] فَمَا أَعْرِفُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَمْتَازُ.
الرَّابِعَةُ أَنِّي افْتَكَرْت فِي الْمُنَادِي الَّذِي يُنَادِي حِينَ حُصُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ فِيهَا، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ فِيهَا فَمَا أَعْرِفُ فِي أَيِّ الدَّارَيْنِ أَكُونُ انْتَهَى.
فَمَنْ كَانَ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ كَيْفَ يَقَرُّ لَهُ قَرَارٌ أَوْ يَأْوِي إلَى عِمْرَان، وَإِنَّمَا هِيَ غَفَلَاتٌ، وَالْمُرِيدُ مُبَرَّأٌ مِنْ الْغَفَلَاتِ مُتَيَقِّظٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْقَاطِعَاتِ نَاظِرٌ لِلنَّاسِ نَظَرَ عُمُومٍ يَرَاهُمْ هَلْكَى فَيَرْحَمُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ قَدْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِهِ خَوْفًا مِنْهُ أَنْ يَلْحَقَهُ مَا لَحِقَهُمْ إذْ أَنَّ الدُّنْيَا لَوْلَا الْحَمْقَى مَا عَمَرَتْ، وَطُولُ الْأَمَلِ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ أَكْبَرِ الْحُمْقِ، وَالْمُرِيدُ نَاظِرٌ إلَى زَمَانِهِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَاضٍ، وَمُسْتَقْبَلٍ، وَحَالٍّ، فَإِنْ نَظَرَ إلَى الْمَاضِي فَهُوَ كَنَدْبِ الْأَطْلَالِ، بِطَالَةٌ لَا تُغْنِي، وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا، وَإِنْ نَظَرَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَالْقَدَرُ لَيْسَ بِيَدِهِ، وَالْحَيَاةُ لَيْسَتْ بِحُكْمِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي الْحَالِّ، وَالنَّظَرُ فِي الْحَالِّ هُوَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْفَقِيرُ ابْنُ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ مُتَوَقَّعٌ مَعَ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَالْأَنْفَاسِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ نَفَسٌ فَقَدْ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَقَدْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْكُلَفُ، وَالنَّظَرُ فِي الْمَلْبَسِ، وَالْقُوتِ، وَالْمَسْكَنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ إذْ أَنَّ نَفَسًا، وَاحِدًا لَا ثَمَنَ لَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ فِي الْإِقَامَةِ فِي الدُّنْيَا إذْ أَنَّ مَنْ صَارَ حَالُهُ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ فِكْرَتُهُ، وَهُمُومُهُ، وَحَسَرَاتُهُ فِي كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي قَبْرِهِ، وَوَحْشَتِهِ، وَجَوَابِهِ حِينَ السُّؤَالِ فِيهِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَهْوَالِ الْعِظَامِ فَأَيُّ رَاحَةٍ
تَبْقَى لِمَنْ هَذَا حَالُهُ، وَفِكْرَتُهُ.
حُكِيَ أَنَّ إنْسَانًا جَاءَ لِبَعْضِ إخْوَانِهِ يَزُورُهُ فَوَجَدَهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا، وَشِمَالًا، وَخَلْفًا، وَأَمَامًا قَالَ لَهُ الزَّائِرُ: لِمَنْ تَلْتَفِتُ فَقَالَ: أَنْظُرْ لِمَلَكِ الْمَوْتِ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يَأْتِينِي.
وَقَدْ جَاءَ بَعْضُهُمْ إلَى شَيْخٍ لَهُ لِيَزُورَهُ، وَكَانَ قَدْ لَقِيَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ فَأَعْطَاهُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ أَوْ لَوْزَاتٍ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ عَلَيْهَا فَرَبَطَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ كِسَائِهِ فَلَمَّا دَقَّ الْبَابَ خَرَجَ لَهُ شَيْخُهُ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَا هَذَا الَّذِي فِي طَرَفِ كِسَائِك فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ، وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّك تَعِيشُ إلَى الْغُرُوبِ، وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُك بَعْدَهَا أَبَدًا، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ سَيِّدِي أَبُو مَدْيَنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَنَفَعَ بِهِ -: عُمْرُك نَفَسٌ وَاحِدٌ فَاحْرِصْ أَنْ يَكُونَ لَك لَا عَلَيْك انْتَهَى.
وَهَا هُوَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ فَمَنْ كَانَ حَالُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ فَلَا رَاحَةَ لَهُ دُونَ لِقَاءِ رَبِّهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَى مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ حَيْثُ قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ دُونَ لِقَاءِ رَبِّهِ» ، وَمَعْنَى ذَلِكَ، - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَالَمَا هُوَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ لَا يَزَالُ فِي مُكَابَدَاتٍ، وَأَهْوَالٍ، وَأَخْطَارٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا فَيَلْقَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَرَى مَالَهُ عِنْدَهُ مِنْ الْكَرَامَاتِ فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُ الرَّاحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا.
، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ الْمُحَقِّقُ يُمْنُ بْنُ مَرْزُوقٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَفَعَ بِهِ - فِي حَالِ الْفَقِيرِ، وَزُهْدِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ: اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي الزُّهْدِ عَلَى طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ آخِذٌ، وَهُوَ تَارِكٌ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ، وَهُوَ آخِذٌ، وَإِنَّمَا يَحْمَدُ، وَيَصِحُّ هَذَا الْأَمْرُ لِمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا، وَزَهِدَ فِيهَا بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مُصَلِّيًا نَائِمًا، وَآخَرُ نَائِمًا مُصَلِّيًا، وَمُفْطِرًا صَائِمًا، وَصَائِمًا مُفْطِرًا، وَكَاسِيًا عَارِيًّا، وَعَارِيًّا كَاسِيًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى تَصَرُّفِ إرَادَةِ الْقَلْبِ، وَتَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَفَسَادِ إرَادَةِ الْقَلْبِ، وَفَسَادِ النِّيَّةِ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ، وَالْقَوْلِ الْخَبِيثِ، وَفِي هَذَا كَلَامٌ كَثِيرٌ إلَّا أَنَّ
مَنْ صَدَقَ أَبْصَرَ، وَتَحَقَّقَ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ بِاَللَّهِ وَبِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَنَهَاهُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَأَتْ قَلْبَهُ عَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَاشْتَغَلَ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ فُضُولِ الدُّنْيَا مِنْ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَاللِّبَاسِ، وَالْبُنْيَانِ، وَالْمَرْكَبِ، وَالْأَزْوَاجِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْخَدَمِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ الزَّوْجَةُ، وَالْوَلَدُ، وَأَشْيَاءُ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ عَلَى الرَّغْبَةِ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ فَهْمِ وَعْدِ الْقُرْآنِ، وَوَعِيدِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا وَصَلُوا إلَى مَا وَصَلُوا إلَيْهِ لَمْ يَغْتَرُّوا بِدَارِ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ رَغْبَةٌ إلَّا خَوْفَ فَوَاتِ مَا شَوَّقَ إلَيْهِ وَعْدُ الْقُرْآنِ وَوَعِيدُهُ مِنْ الْخُلُودِ فِي دَارِ النَّعِيمِ أَوْ دَارِ الْهَوَانِ ﴿إنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ إنَّمَا دَعَا إلَى دَارِ السَّلَامِ - مَنْ خَلَقَهَا، وَزَيَّنَهَا، وَجَلَّاهَا: فَخُضْ أَيُّهَا الْمُرِيدُ الْغَمَرَاتِ شَوْقًا إلَى نَعِيمِهَا، وَأَجِبْ الدَّاعِيَ الصَّادِقَ الْوَفِيَّ إلَى مَا وَعَدَ، وَدَعَاك إلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ حَذَّرَك نَفْسَك، وَهَوَاك، وَأَنْذَرَك حُلُولَ دَارِ سَخَطِهِ، وَالتَّخَلُّصُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَالْوُصُولُ إلَى نَعِيمِ دَارِ الْخُلُودِ رَفْضُ الْمَحْبُوبِ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى فَارْفُضْهُ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ ضَجِيعَك، وَالزُّهْدَ قَرِينَك، وَالْجِدَّ سِلَاحَك، وَالصِّدْقَ مَرْكَبَك، وَالْإِخْلَاصَ زَادَك، وَالْخَوْفَ مِنْ اللَّهِ عَلَى مُقَدِّمَتِكَ، وَالشَّوْقَ إلَى الْجَنَّةِ صَاحِبَ لِوَائِك، وَالْمَعْرِفَةَ عَلَى مَيْمَنَتِك، وَالْيَقِينَ عَلَى مَيْسَرَتِك، وَالثِّقَةَ عَلَى سَاقَتِك، وَالصَّبْرَ أَمِيرَ جُنْدِكَ، وَالرِّضَا، وَزِيرَك، وَالْعِلْمَ مُشِيرَك، وَالتَّوَكُّلَ دِرْعَك، وَالشُّكْرَ خَلِيلَك ثُمَّ انْفِرْ إلَى عَدُوِّك، وَصَافِقْهُ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْت لَك، وَطِبْ نَفْسًا عَنْ دَارِ الْهُمُومِ، وَالْأَحْزَانِ إلَى دَارِ الْبَقَاءِ، وَالسُّرُورِ مَعَ الْخَيِّرَاتِ الْحِسَانِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[فَصْلٌ يَنْظُرْ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أَمْرِهِ]
ثُمَّ قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلْيَنْظُرْ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ مَنْ نَظَرَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بِأَمَلٍ رَجَاءَ مَنْفَعَتِهِ كَانَ عُزُوبًا لِقَلْبِهِ عَنْ اللَّهِ، وَكَانَ مَنْقُوصًا عَنْ مَنْزِلَةِ الْوَاثِقِينَ الْمُؤَيَّدِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ، وَجَلَّ لِدَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {: يَا دَاوُد إنِّي قَدْ آلَيْتَ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُثِيبَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي إلَّا