المدخل لابن الحاجصفحات 206-245
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب

صفحات 206-245
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قَتْلِهِمْ، فَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا خَاصَّةُ الْمَلِكِ وَحُجَّابُهُ عَلَى بَابِهَا.
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ: أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الْمَقْصُورَةَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ حِينَ طَعَنَهُ الْيَمَانِيُّ فَجَعَلَ مَقْصُورَةً مِنْ طِينٍ وَجَعَلَ فِيهَا تَشْبِيكًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْمَقْصُورَةُ مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا الْأُمَرَاءُ لِلْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَاِتِّخَاذُهَا فِي الْجَوَامِعِ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً تُفْتَحُ أَحْيَانَا وَتُمْنَعُ أَحْيَانَا فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الْخَارِجُ عَنْهَا اللَّاصِقُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً غَيْرَ مَمْنُوعَةٍ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ اللَّاصِقُ بِجِدَارِ الْقِبْلَةِ فِي دَاخِلِهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَوْلُهُ: وَجَعَلَ فِيهَا تَشْبِيكًا يُرِيدُ تَخْرِيمًا يَرَى مِنْهُ النَّاسُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ.
ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ تُعْمَلُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْمَسْجِدِ، وَكَثُرَ هَذَا حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ مَدْرَسَةً وَيَقِفَ لَهَا وَقْفًا يَأْخُذُ مِنْ الْجَامِعِ نَاحِيَةً حَيْثُ يَخْتَارُ فِيهِ فَيُدِيرُهَا بِالدَّرَابْزِينِ وَيَجْعَلُهَا لِأَخْذِ الدَّرْسِ فِيهَا، فَسَرَى الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ الْفُقَهَاءِ يَدْخُلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي تُقْصَدُ لَهَا الْمَسَاجِدُ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُطْرَدُ فِي وَقْتِ الدَّرْسِ، وَهَذَا غَصْبٌ وَإِحْدَاثٌ وَتَصَرُّفٌ فِي الْوَقْفِ لَا شَكَّ فِيهِ.
(فَصْلٌ)

[فَصْلٌ الْكُرْسِيُّ الْكَبِيرُ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ فِي الْجَامِعِ]

(فَصْلٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْكُرْسِيُّ الْكَبِيرُ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ فِي الْجَامِعِ وَيُؤَبِّدُونَهُ وَعَلَيْهِ الْمُصْحَفُ لِكَيْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُمْسَكُ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ كَبِيرٌ وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى الْمُصَلِّينَ لِصَلَاتِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَمِنْهُمْ الْمُصَلِّي وَمِنْهُمْ التَّالِي وَمِنْهُمْ الذَّاكِرُ وَمِنْهُمْ الْمُفَكِّرُ، فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ إذْ ذَاكَ قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ.
وَقَدْ نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» وَهُوَ نَصٌّ فِي

عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُونَ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَتَشَوَّشُ مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِنْ شَوَّشَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِوُجُودِ الضَّرَرِ.
وَقَدْ قَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَقَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا» رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ.
وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَجَّاجُ أَعْنِي الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ مَنْ مَضَى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَرْسَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَصَاحِفَ إلَى الْأَمْصَارِ تُوضَعُ فِي الْجَوَامِعِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِتَجْمِيعِ النَّاسِ عَلَى مَا أُثْبِتَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي أُجْمِعَ عَلَيْهِ، خَاصَّةً لِيَذْهَبَ التَّنَازُعُ فِي الْقُرْآنِ وَيُرْجَعَ لِهَذَا الْمُصْحَفِ إذَا اُخْتُلِفَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُتْرَكَ مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الْمَصَاحِفِ وَقَدْ أُمِنَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
فَلَا يُكْتَبُ مُصْحَفٌ وَيُجْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا أَحْدَثُوهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الصَّنَادِيقِ الْمُؤَبَّدَةِ الَّتِي يَجْعَلُ فِيهَا بَعْضُ النَّاسِ أَقْدَامَهُمْ وَغَيْرَهَا مِنْ أَثَاثِهِمْ، وَذَلِكَ غَصْبٌ لِمَوْضِعِ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّابُوتَ الَّذِي جُعِلَ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّدَقَاتِ، وَرَآهُ مِنْ حَرْثِ الدُّنْيَا انْتَهَى.
وَمِنْ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْوَقْفِ وَالتَّغْيِيرِ لِمَعَالِمِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حَفْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَعْمَلَ فِيهِ مَوْضِعًا كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ يَعْمَلُ فِيهَا مَا يَخْتَارُ مِنْ خَتْمَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَعَلَى مَا ذُكِرَ فَقِسْ كُلَّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِمَّا أَحْدَثُوهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الدَّكَّةُ الَّتِي يَصْعَدُ عَلَيْهَا الْمُؤَذِّنُونَ لِلْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْأَذَانِ عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ أَشَدُّ مِنْ الصَّنَادِيقِ، إذْ يُمْكِنُ نَقْلُ الصَّنَادِيقِ وَلَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا إذْ إنَّ السُّنَّةَ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ، كَذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ،

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لَمَّا أَنْ كَثُرَ النَّاسُ وَأَبْقَى الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَنَارِ، وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ ذَاكَ.
    ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي فَعَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالزَّوْرَاءِ، وَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ، ثُمَّ نُقِلَ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً فَجَعَلَهُمْ يُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً وَيَسْتَرِيحُونَ.
    قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ.
    فَقَدْ بَانَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ بِدْعَةٌ، وَأَنَّ أَذَانَهُمْ جَمَاعَةً أَيْضًا بِدْعَةٌ أُخْرَى فَتَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ، وَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا تَقَدَّمَ.
    ثُمَّ تَطَاوَلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا، فَزَادُوا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُؤَذِّنِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ ثَالِثَةٌ ثُمَّ أَحْدَثُوا الدَّكَّةِ الَّتِي يَصْعَدُونَ عَلَيْهَا وَيُؤَذِّنُونَ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ رَابِعَةٌ.
    وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ.
    هَذَا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ.
    وَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى؛ فَلِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَمَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ لَا مَعْنَى لِنِدَائِهِ، إذْ هُوَ حَاضِرٌ وَمَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ إذَا كَانَ النِّدَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، هَذَا وَجْهٌ.
    الثَّانِي: أَنَّ الدَّكَّةَ الَّتِي أَحْدَثُوهَا ضَيِّقَةٌ مِنْ غَيْرِ حَظِيرٍ فَقَدْ تَلْتَوِي رِجْلُ أَحَدِهِمْ أَوْ يَعْثُرُ فَيَقَعُ فَتَنْكَسِرُ، وَقَدْ جَرَى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ أَلَمِهِ.
    الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهَا إذْ الْمُرَادُ إنَّمَا هُوَ إسْمَاعُ الْحَاضِرِينَ، وَهُمْ لَوْ أَذَّنُوا فِي الْأَرْضِ لَأَسْمَعُوا مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا هِيَ عَوَائِدُ وَقَعَ الِاسْتِئْنَاسُ بِهَا فَصَارَ الْمُنْكِرُ لَهَا كَأَنَّهُ يَأْتِي بِبِدْعَةٍ عَلَى زَعْمِهِمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ

رَاجِعُونَ عَلَى قَلْبِ الْحَقَائِقِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ الصَّوَابُ وَالْأَفْضَلُ وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَكَانَ أَخَفَّ أَنْ يُرْجَى لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتُوبَ.

[فَصْلٌ التَّبْلِيغِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ]

(فَصْلٌ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى أَمْرٍ مَخُوفٍ، وَهُوَ وُقُوعُ الْخَلَلِ فِي الصَّلَاةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْ فَعَلُوا الْأَذَانَ فِي جَمَاعَةٍ مَضَوْا عَلَى ذَلِكَ التَّبْلِيغِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ إذَا بَلَّغُوا مَشَى بَعْضُهُمْ عَلَى صَوْتِ بَعْضٍ مَعَ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ زَعَقَاتِ الْمُؤَذِّنِينَ، وَذَلِكَ يُذْهِبُ الْحُضُورَ وَالْخُشُوعَ أَوْ بَعْضَهُ وَيُذْهِبُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ أَيْضًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُسْمِعِ الْوَاحِدِ وَالصَّلَاةِ بِهِ وَبُطْلَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: تَصِحُّ، لَا تَصِحُّ، الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ فَتَصِحَّ، أَوْ لَا يَأْذَنَ فَلَا تَصِحَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الْإِمَامِ يَعُمُّهُمْ فَلَا تَصِحُّ أَوْ لَا يَعُمُّهُمْ فَتَصِحُّ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي تَبْلِيغِ الْوَاحِدِ فَمَا بَالُكَ فِي تَبْلِيغِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ كَمَا سَبَقَ؟ فَأَوْلَى بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ وَبُطْلَانِهَا بِتَبْلِيغِهِمْ.
وَهَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا أَتَوْا كُلُّهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَامِلًا فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ كَبَّرَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْمِعِينَ التَّكْبِيرَ كَامِلًا جَمِيعَ الصَّلَاةِ جَرَى فِي صَلَاتِهِ وَالصَّلَاةِ بِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمُسْمِعِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
هَذَا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ، فَإِنْ مَشَى عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى.
وَأَمَّا عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ كَوْنِهِمْ يَتَوَاكَلُونَ فِي التَّكْبِيرِ وَيُدِيرُونَهُ بَيْنَهُمْ وَيَقْطَعُونَهُ وَيُوصِلُونَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ فَيَقُولُ: اللَّهُ وَيَمُدُّ صَوْتَهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْآخَرُ مِنْ أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ نَفْسِهَا وَاصِلًا صَوْتَهُ بِصَوْتِ صَاحِبِهِ قَبْلَ انْقِطَاعِهِ مُبَالِغًا فِي رَفْعِ صَوْتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ، وَفَاعِلُ هَذَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ فِي شُغُلٍ فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ وَلَا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ السَّابِقِ.
وَيَقَعُ أَيْضًا بِذَلِكَ التَّهْوِيشُ

وَالتَّشْوِيشُ وَالتَّخْلِيطُ سِيَّمَا، وَهُمْ لَوْ أَتَوْا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاكُلٍ أَوْ تَوْصِيلٍ وَتَرْدِيدٍ لَأَبْطَلَ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وَضْعَ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُ فَيَزِيدُونَ عَلَى الْهَمْزَةِ مَدَّةً، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُونَ فِي أَكْبَرُ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ بَعْدَ الْبَاءِ مِنْ أَكْبَرُ أَلِفًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَنِيعُهُمْ.
وَإِنْ أَتَى بَعْضُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَامِلًا فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا وَهُوَ الْبُطْلَانُ.
وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيَسْرِي الْخَلَلُ إلَى صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتَبْلِيغِهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ.
أَوَّلُهَا وَهُوَ أَعْلَاهَا: أَنْ يَرَى أَفْعَالَ الْإِمَامِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَرُؤْيَةُ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِمْ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَا إمَامَةَ.
وَفِي هَذَا نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهِيَ: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَبَّرُوا خَلْفَهُ إذْ ذَاكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الصَّلَاةِ لِيُسْمِعُوا النَّاسَ ذَلِكَ فَيُعْلِمُوا بِتَكْبِيرِهِمْ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ، فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ النَّاسِ حِينَئِذٍ سَرَى الْخَلَلُ إلَى صَلَاتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا.
ثُمَّ إنَّ تَبْلِيغَهُمْ فِي الصَّلَاةِ جَمَاعَةً أَدَّى إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَفِي حُكْمِهِ؛ وَفِي هَذَا الْفِعْلِ يَصِيرُ الْإِمَامُ فِي حُكْمِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْمُكَبِّرِينَ يُطَوِّلُونَ فِي التَّكْبِيرِ وَيُمَطِّطُونَهُ، وَالْإِمَامُ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُمْ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ إلَى الرُّكْنِ الَّذِي يَلِيهِ.
وَأَفْضَى تَسْمِيعُهُمْ جَمَاعَاتٍ أَيْضًا إلَى مَفْسَدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْإِمَامَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَيَرْكَعُ فَيُكَبِّرُونَ خَلْفَهُ وَيُطَوِّلُونَ بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ عَلَيْهِ، فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ تَكْبِيرُهُمْ، وَيَأْتِي الْمَسْبُوقُ فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَيَرْكَعُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ بَعْدُ لِكَوْنِهِ يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُكَبِّرِينَ فِي الرُّكُوعِ فَتَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، إذْ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ

لَتَدَارَكَ مَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ لَمْ تَصِحَّ لَهُ.
(فَصْلٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا الدَّكَّةُ الَّتِي تَحْتَ هَذِهِ الدَّكَّةِ الَّتِي يُؤَذِّنُونَ عَلَيْهَا لِلْجُمُعَةِ، وَالتَّعْلِيلُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَقَاصِيرِ وَالصَّنَادِيقِ.
وَكَذَلِكَ الدَّكَّةُ الَّتِي يُسْمِعُونَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالتَّعْلِيلُ فِيهَا كَذَلِكَ.
ثُمَّ الْعَجَبُ كَيْفَ غَابَ عَنْهُمْ أَصْلُ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ إذْ إنَّ الصَّلَاةَ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَإِذَا كَانَتْ صِلَةً فَمِنْ شَأْنِهَا كَثْرَةُ التَّوَاضُعِ وَتَمْرِيغُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَالتُّرَابِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَعْلَى، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ عَلَى الْحَصِيرِ الْغَلِيظِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الثَّوْبِ الْكَتَّانِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَكْرُوهَةٌ مَعَ وُجُودِ الْحَصِيرِ، وَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ تَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَى ثَوْبِ الْقُطْنِ مَكْرُوهَةً إذَا وُجِدَ الْكَتَّانُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الثَّوْبِ الصُّوفِ مَكْرُوهَةٌ إنْ وُجِدَ الْقُطْنُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِالسُّجُودِ ثُمَّ يَلِيهَا الْحَصِيرُ الْغَلِيظُ ثُمَّ مَا هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ ثُمَّ الْكَتَّانُ الْغَلِيظُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْقُطْنُ مِثْلُهُ ثُمَّ الصُّوفُ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ تَوَاضُعٍ وَتَصَاغُرٍ وَذِلَّةٍ وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ.
وَفِعْلُ الدَّكَّةِ يُنَافِي ذَلِكَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ عَلَيْهَا يَرْتَفِعُ بِهَا عَنْ الْأَرْضِ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا وَيُصَلِّي عَلَى الْخَشَبِ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا جُعِلَتْ الدَّكَّةُ لِلْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ وَلِلْخَمْسِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُ تَبْلِيغَهُمْ فِي الْغَالِبِ، وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الدَّكَّةِ أَوْ بِالْأَرْضِ هُمْ يَسْمَعُونَهُمْ غَالِبًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَكُونُ الْجَامِعُ كَبِيرًا وَفِيهِ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ وَلَا يُسْمِعُهُمْ الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ صَوْتِ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ صَوْتُ الْوَاحِدِ فِي الْإِسْمَاعِ أَبْلَغُ لِكَوْنِهِ صَوَّتَ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ يُبَلِّغُ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى أَصْوَاتِهِمْ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يُسْمِعُ الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ فِي الشَّاهِدِ عَلَى بُعْدٍ وَلَا تُسْمِعُ الْجَمَاعَةُ إلَّا فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ.
وَفِي جَوَامِعِ الْمَغْرِبِ تَجِدُ فِي الْجَامِعِ الْوَاحِدِ

أَرْبَعَةَ مُؤَذِّنِينَ.
وَاحِدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَالثَّانِي حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ صَوْتُ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثُ حَيْثُ يَنْتَهِي صَوْتُ الثَّانِي، ثُمَّ الرَّابِعُ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُبَلِّغِ الْوَاحِدِ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَصِحَّةُ صَلَاتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ اتِّخَاذُ الْمِنْبَرِ الْعَالِي]

(فَصْلٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا أَعْنِي فِي إمْسَاكِ مَوَاضِعَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقْطِيعِ الصُّفُوفِ بِهَا اتِّخَاذُ هَذَا الْمِنْبَرِ الْعَالِي، فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْمَسْجِدِ جُزْءًا جَيِّدًا، وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ كَفَى بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِنْ فِعْلِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أُحْدِثَ فِي الْمَسَاجِدِ وَفِيهِ تَقْطِيعُ الصُّفُوفِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ: كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَقَدُّمَ الصُّفُوفِ إلَى فِنَاءِ الْمِنْبَرِ بِدْعَةٌ.
وَكَانَ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْخَارِجُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ انْتَهَى.
وَأَمَّا بِلَادُ الْمَغْرِبِ فَقَدْ سَلِمُوا مِنْ تَقْطِيعِ الصُّفُوفِ لَكِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُمْ بِدْعَتَانِ: إحْدَاهُمَا: كِبَرُ الْمِنْبَرِ عَلَى مَا هُوَ هُنَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الْمِنْبَرَ فِي بَيْتٍ إذَا فَرَغَ الْخَطِيبُ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَهَذِهِ بِدْعَةُ الْحَجَّاجِ.
وَمِنْبَرُ السُّنَّةِ غَيْرُ هَذَا كُلِّهِ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ لَا غَيْرُ، وَالثَّلَاثُ دَرَجَاتٍ لَا تَشْغَلُ مَوَاضِعَ الْمُصَلِّينَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ تَشْغَلُ وَلَوْ مَوْضِعًا وَاحِدًا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى بِفِعْلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَكْمَلُ الْحَالَاتِ وَمَا عَدَاهُ فَبِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ كَثُرَ النَّاسُ وَاتَّسَعَ الْجَامِعُ فَإِذَا صَعِدَ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ قَلَّ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ الْجَمِيعُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي الْغَالِبِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِنْبَرٍ عَالٍ هُوَ الَّذِي لَا يُسْمِعُهُمْ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنْهُمْ فَكَأَنَّهُ فِي سَطْحٍ وَحْدَهُ، فَلَا يَسْمَعُ مَنْ تَحْتَهُ وَهَذَا مُشَاهَدٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَطِيبَ يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ الْعَالِي وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَسْمَعُونَهُ، وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ

سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ وَاقِفًا مَعَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ وَفِي حَالِ الْخُطْبَةِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا عُلُوُّ الْمَنَارِ لِلْأَذَانِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ الْبِئْر الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ]

(فَصْلٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا الْبِئْرُ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَأَنْ يُجْعَلَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا بِسَبَبِهَا حَتَّى يَدْخُلَ النِّسَاءُ إلَيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِنَّ الْحُيَّضُ وَالْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً وَالصِّغَارُ وَمَنْ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْ أَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ، وَقَدْ امْتَنَعَ بِسَبَبِهَا مَوَاضِعُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُصَلِّينَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ، وَلَا ضَرُورَةَ دَعَتْ إلَى الْبِئْرِ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُلْوَةٍ فَيُنْتَفَعُ بِالشُّرْبِ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَانْتَفَعَ النَّاسُ بِالشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ النَّفْعُ بِهَا إلَّا لِلطَّهَارَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ بِالْآبَارِ حَتَّى فِي بَعْضِ الطُّرُقِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ.
فَأَمَّا الْآبَارُ الَّتِي فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا يُنْقَلُ الْمَاءُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ طَرِيقًا كَمَا تَقَدَّمَ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِئْرُ قَدِيمَةً وَجَاءَ مَنْ بَنَى الْمَسْجِدَ هُنَاكَ وَتَرَكَ الْبِئْرَ فِي وَسَطِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالطُّرُقُ إلَى الْبِئْرِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ.

[فَصْلٌ مَوْضِعُ الْفَسْقِيَّةِ وَالْحَظِيرِ الَّذِي عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهَا]

(فَصْلٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَوْضِعُ الْفَسْقِيَّةِ وَالْحَظِيرِ الَّذِي عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الطَّبَقَةِ.
وَهِيَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ الْوُضُوءُ مِنْهَا.
وَقَدْ مُنِعَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْفَسْقِيَّةِ فِي الْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَشْفُ الْعَوْرَةِ هُنَا أَعْظَمُ فِي الْمَنْعِ؛ لِحُرْمَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ سِيَّمَا وَبَعْضُ النَّاسِ يَبُولُ هُنَاكَ وَيَسْتَنْجِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ الْوُضُوءُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ يَتَوَضَّئُونَ هُنَاكَ فَتَمْتَلِئُ أَقْدَامُهُمْ وَيَخْرُجُونَ فَيُلَوِّثُونَ بِهَا الْمَسْجِدَ بِيَقِينٍ وَذَلِكَ يُمْنَعُ.
وَأَمَّا الطَّبَقَةُ، فَإِنْ

لَمْ تَكُنْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا؛ لِكَوْنِهَا مَحْجُورَةً.
وَفِي مَوْضِعِ الْفَسْقِيَّةِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى أَكْثَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَقَاصِيرِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ يَصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ أَغْرَاضِهِ الْخَسِيسَةِ، إذْ أَنَّهَا أَكْثَرُ سِتْرًا مِنْ الْمَقَاصِيرِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ، وَالْغَالِبُ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ وَمَا قَارَبَهُ فَيَبْقَى مُؤَخِّرُ الْمَسْجِدِ فِي الْغَالِبِ خَالِيًا، سِيَّمَا إنْ كَانَ لَيْلًا، وَهُمْ لَا يَقْعُدُونَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ إلَّا قَلِيلًا.

[فَصْلٌ مَوْضِعُ الدِّيوَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ]

وَأَمَّا مَوْضِعُ الدِّيوَانِ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ غَلْقُهُ وَلَا تَحْجِيرُهُ وَلَا جُلُوسُ أَهْلِ الدِّيوَانِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ، إذْ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْمَسْجِدَ كَمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ الزَّخْرَفَةِ فِي الْمِحْرَابِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الزَّخْرَفَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَا عُمِلَ مِنْ التَّزْوِيقِ فِي قِبْلَتِهِ فَقَالَ: كَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُمْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسَاجِدِ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَتِهَا بِالصَّبْغِ مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَنَحْوِهَا فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّزْوِيقِ وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ إلْصَاقِ الْعُمُدِ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ وَفِي الْأَعْمِدَةِ، أَوْ مَا يُلْصِقُونَهُ أَوْ يَكْتُبُونَهُ فِي الْجُدْرَانِ وَالْأَعْمِدَةِ.
وَكَذَلِكَ يُغَيِّرُ مَا يُعَلِّقُونَهُ مِنْ خِرَقِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى.
وَأَمَّا التَّخْلِيقُ بِالزَّعْفَرَانِ فِي الْمَسْجِدِ، فَهُوَ جَائِزٌ إذْ إنَّهُ مِنْ الطِّيبِ لَكِنْ قَدْ قَالَ مَالِكٌ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّ الصَّدَقَةَ بِثَمَنِ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ تَخْلِيقُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ

الْمَسْجِدِ حَذَرًا مِنْ أَنْ تَدْخُلَهُ حَائِضٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، أَوْ امْرَأَةٌ طَاهِرَةٌ تُخَالِطُ النَّاسَ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُمْ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ ذَلِكَ.

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّأْزِيرِ فِي جُدَرَانِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الزَّخْرَفَةِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِمَسَامِيرَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ أَوْتَادٍ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْوَقْفِ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ فِيهِ سِبَاخٌ أَوْ شَيْءٌ يُلَوِّثُ ثِيَابَ الْمُصَلِّينَ فَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِأَجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ.
وَمَنْعُ دَقِّ الْمَسَامِيرِ وَمَا تَقَدَّمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ شَائِعٌ فِي كُلِّ وَقْفٍ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إذَا دَخَلْتَ لِأَحَدِهِمْ بَيْتَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ تَجِدُ كُلَّ مَا لَهُ مِنْ كُتُبٍ وَأَثَاثٍ بِالْأَرْضِ خَشْيَةً مِمَّا ذُكِرَ مِنْ تَسْمِيرِ مَسَامِيرَ يَضَعُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ مِمَّا ذُكِرَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي مَوْضِعٍ وُقِفَ بِكِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ مِنْ الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَجُزْ.
(فَصْلٌ) فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّرَ فِي الْمَسْجِدِ الْمَسَامِيرُ الْكِبَارُ وَالْأَوْتَادُ، وَيَقْتَطِعُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَوَاضِعَ يَمْنَعُونَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيَسْكُنُونَ فِيهَا دَائِمًا، وَيَنَامُونَ فِيهَا وَيَقُومُونَ، وَقَدْ يَجْنُبُ أَحَدُهُمْ لَيْلًا فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَلَا نَكِيرَ فِي ذَلِكَ وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ بَعْضَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفَاعِلُ مَا ذُكِرَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَةٍ مُقِيمٌ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَابَ بِقَلْبِهِ وَلَفْظِهِ حَتَّى يُفَارِقَهَا، فَكَيْفَ يُزَارُ أَوْ يُتَبَرَّكُ بِهِ مَعَ هَذِهِ الْجُرْحَةِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِمَوَاضِعِ الْمُصَلِّينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَقْصُورَةِ أَغْلَقَهَا عَلَى مَتَاعِهِ وَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ مَعَهُ حَتَّى كَأَنَّهَا بَيْتُ أَبِيهِ

أَوْ جَدِّهِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْغُرَبَاءِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ فَذَهَبَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْبَادِيَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْحَاضِرَةِ، وَأَعْنِي بِالْبَادِيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ يَأْوِي إلَيْهِ، وَأَمَّا بِلَادُ الرِّيفِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِيهَا مَوَاضِعُ غَيْرُ الْمَسْجِدِ فَلَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَى الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ.
(فَصْلٌ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَمْتَلِئُ بِالنَّاسِ حَتَّى يَحْتَاجُوا لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَحْدَثُوا فِيهَا مَا أَحْدَثُوا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَهْجُورَةِ لَا يَجُوزُ سُكْنَاهَا وَلَا إجَارَتُهَا وَلَا احْتِكَارُهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ الْبِنَاء فَوْق سَطْح الْمَسْجِد]

(فَصْلٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مِمَّا أَحْدَثُوهُ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْبُيُوتِ، وَذَلِكَ غَصْبٌ لِمَوَاضِع الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَاحْتِكَارٌ لَهَا وَإِحْدَاثٌ فِي الْوَقْفِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَمْرِ الْمُقِيمِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَغَصْبِهِمْ لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَكَنُوهَا، بَلْ هَذَا أَشَدُّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْبُيُوتَ الَّتِي فِي السُّطُوحِ مُؤَبَّدَةً لِلسُّكْنَى، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَفِيهِ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ يَكُونُ جُنُبًا كَمَا سَبَقَ فِي حَقِّ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْقُضَاةِ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِنْتِ الْأَعَزِّ جَاءَ إلَى سُطُوحِ الْجَامِعِ بِمِصْرَ فِي جَمَاعَةٍ وَهَدَمَ الْبُيُوتَ الْمُحْدَثَةَ عَنْ آخِرِهَا، وَلَمْ يَسْأَلْ لِمَنْ هَذَا الْبَيْتُ وَلَا لِمَنْ هَذِهِ الثِّيَابُ، بَلْ أَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيَّرَهُ وَرَمَاهُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ، وَمَشَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ طَوِيلَةً، ثُمَّ أَحْدَثُوهَا أَيْضًا لَمَّا لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَلَا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ.
وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ سُطُوحِ الْمَسْجِدِ لَا تَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجُمُعَةِ الْجَامِعَ الْمَسْقُوفَ، وَمِنْ صِفَةِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُدْخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ فِيهِ سَوَاءً، وَسُطُوحُ الْمَسْجِدِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ

فِيمَا هُوَ كَذَلِكَ كَمَا لَا تَصِحُّ فِي بَيْتِ الْقَنَادِيلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّحْجِيرِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ السُّطُوحَ لَيْسَتْ بِمَحْجُورَةٍ عَلَى أَحَدٍ فَالْحُكْمُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا مَحْجُورَةٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

[فَصْلٌ الْوُضُوءَ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ]

(فَصْلٌ) وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْوُضُوءَ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي سُطُوحِهِ؛ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يُشَاهَدُ مِنْ عَوَائِدِهِمْ فِيهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا لَا يَتَوَضَّأُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ سَطْحِهِ كَحُرْمَتِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْخَطِيبِ إذَا أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي صَحْنَهِ وُضُوءَ طَاهِرٍ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي طَسْتٍ وَمَنْ يَتَوَضَّأُ فِي السُّطُوحِ أَوْ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي فِيهَا فَإِنَّمَا يَتَوَضَّأُ فِيمَا هُوَ دَاخِلُ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ.
وَقَدْ تَرَتَّبَتْ عَلَى بِنَاءِ الْبُيُوتِ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ مَفَاسِدُ جُمْلَةً.
فَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِمَّنْ يَعْتَكِفُ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي فَوْقَ سُطُوحِ الْمَسْجِدِ تَجِدُهُمْ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ آخِرَ شَعْبَانَ يَتَقَدَّمُهُ الْفُرُشُ وَالْغِطَاءُ وَالْوِطَاءُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَيْتِهِ مِمَّا يُمْنَعُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِوِسَادَةٍ فِي الْمَسْجِدِ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا أَوْ بِفَرْوَةٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: تُشَبِّهُ الْمَسَاجِدَ بِالْبُيُوتِ.

[فَصْلٌ فِي الْمَرَاوِح وَاِتِّخَاذَهَا فِي الْمَسْجِدِ]

(فَصْلٌ) وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْمَرَاوِحَ إذْ إنَّ اتِّخَاذَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةٌ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الْيَوْمَ زِيَارَةُ الْمُعْتَكِفِ فِي مُعْتَكَفِهِ وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَاللَّغَطُ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إذَا اعْتَكَفُوا لَا يَأْتِيهِمْ أَحَدٌ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ اعْتِكَافِهِمْ إذْ إنَّ حَالَ الْمُعْتَكِفِ يَدُورُ بَيْنَ صَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ

وَفِكْرٍ وَذِكْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَهُ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ إنْ كَانَ يَمْشِي إلَيْهِ.
وَأَمَّا إنْ غَشِيَهُ فِي مَجْلِسِهِ وَهُوَ يَسْمَعُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَمَّا النَّوْمُ الْخَفِيفُ فَهُوَ مُسْتَثْنًى؛ لِضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مَا أَحْدَثُوهُ فِيمَا يَأْتُونَ بِهِ لِفُطُورِهِمْ، فَتَجِدُ الرَّوَائِحَ الَّتِي لِأَطْعِمَتِهِمْ يَشُمُّهَا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ حِينَ يُؤْتُونَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَالنَّاسُ إذْ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَتَبْقَى نُفُوسُهُمْ إذْ ذَاكَ مُشْتَهِيَةً لِذَلِكَ الطَّعَامِ وَأَعْيُنُهُمْ فِيهِ، سِيَّمَا إذَا دَخَلُوا بِهِ مِنْ بَابِ السُّطُوحِ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ؛ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُحْتَاجِينَ كَثِيرٌ وَيَتَأَذَّوْنَ بِتِلْكَ الرَّوَائِحِ كَثِيرًا وَيُخَافُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ إمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، وَالْمُعْتَكِفُ إنَّمَا دَخَلَ لِاعْتِكَافِهِ لِزِيَادَةِ الْفَضْلِ وَهَذَا ضِدُّهُ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

فَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ثُمَّ نَرْجِعُ الْآنَ إلَى بَقِيَّةِ مَا أَحْدَثُوهُ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ، فَمِنْ ذَلِكَ السُّبْحَةُ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَعَمِلُوا لَهَا صُنْدُوقًا تَكُونُ فِيهِ وَجَامِكِيَّةٌ لِقَيِّمِهَا وَحَامِلِهَا وَالذَّاكِرِينَ عَلَيْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَلِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَالِهِمْ فِي الذِّكْرِ كَيْفَ كَانَ.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ مَنْ اقْتَدَى بِمِنْ أَحْدَثَهَا زَادَ فِيهَا حَدَثًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ جَعَلَ لَهَا شَيْخًا يُعْرَفُ بِشَيْخِ السُّبْحَةِ وَخَادِمًا يُعْرَفُ بِخَادِمِ السُّبْحَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ بِدْعَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ فَيَنْبَغِي لِإِمَامِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى إزَالَةِ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا مُتَعَيِّنٌ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ آكَدُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ

(فَصْلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ لِقَاصٍّ وَلَا لِسَمَاعِ قِرَاءَةِ الْكُتُبِ الَّتِي تُقْرَأُ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْخٌ يُبَيِّنُ مَا يُشْكِلُ عَلَى السَّامِعِ مِنْهَا

وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ.
وَهَذَا فِي حَقِّ إمَامِ الْمَسْجِدِ آكَدُ إذْ إنَّهُ رَاعٍ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ إلَيْهِ النَّاسُ لِسَمَاعِ الْكُتُبِ فِيهِ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ أَيْضًا لِسَمَاعِهَا فَيَقْعُدُ الرِّجَالُ بِمَكَانٍ وَالنِّسَاءُ بِمُقَابَلَتِهِمْ، سِيَّمَا وَقَدْ حَدَثَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ يَأْخُذُهُنَّ الْحَالُ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ فَتَقُومُ الْمَرْأَةُ وَتَقْعُدُ وَتَصِيحُ بِصَوْتٍ نَدِيٍّ وَتَظْهَرُ مِنْهَا عَوْرَاتٌ، لَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِهَا لَمُنِعَتْ، فَكَيْفَ بِهَا فِي الْجَامِعِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ فَنَشَأَ عَنْ هَذَا مَفَاسِدُ جُمْلَةٌ وَتَشْوِيشَاتٌ لِقُلُوبِ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فَجَاءُوا لِيَرْبَحُوا فَعَادَ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْصِ، أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.

[فَصْلٌ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاة الْعَصْر]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِعْلَ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ، وَمَوْضِعُ الْمُصَافَحَةِ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ لَا فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ فَحَيْثُ وَضَعَهَا الشَّرْعُ نَضَعُهَا فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيُزْجَرُ فَاعِلَهُ لِمَا أَتَى مِنْ خِلَاف السُّنَّةِ

[فَصَلِّ كَرَاهَة الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَدْخُلُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ إلَى الْمَسْجِدِ حِينَ إتْيَانِهِمْ بِالْمَيِّتِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَرَاءِ الذَّاكِرِينَ وَالْمُكَبِّرِينَ وَالْمُرِيدِينَ، إذْ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ وَالتَّالِي وَالذَّاكِرِ الْمُتَفَكِّرِ، وَالْمَسْجِدُ إنَّمَا بُنِيَ لِهَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَقَدْ اُسْتُفْتِيَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي يَقْرَؤُهَا بَعْضُ الْجُهَّالِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِدِمَشْقَ بِالتَّمْطِيطِ الْفَاحِشِ وَالتَّغَنِّي الزَّائِدِ وَإِدْخَالِ حُرُوفٍ زَائِدَةٍ وَكَلِمَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْهُمْ، هَلْ هُوَ مَذْمُومٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِمَا هَذَا لَفْظُهُ: هَذَا مُنْكَرٌ ظَاهِرٌ مَذْمُومٌ فَاحِشٌ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ

وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ زَجْرُهُمْ عَنْهُ وَتَعْزِيرُهُمْ وَاسْتِتَابَتُهُمْ، وَيَجِبُ إنْكَارُهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَمَكَّنَ مِنْ إنْكَارِهِ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ مَنْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ تُمْنَعُ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ، وَهَذَا الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد يُقَوِّيهِ عَمَلُ السَّلَفِ الْمُتَّصِلُ، بَلْ لَوْ انْفَرَدَ الْعَمَلُ لَكَانَ كَافِيًا فِي مَنْعِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ، ثُمَّ إنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ وَدَفْنَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ إنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَيَنْتَظِرُونَ بِهِ انْقِضَاءَ تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَكُونُ، وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ أَنَّ «مِنْ إكْرَامِ الْمَيِّتِ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ» . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِمَّنْ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى السُّنَّةِ إذَا جَاءُوا بِالْمَيِّتِ إلَى الْمَسْجِدِ، صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَفْنِهِ وَيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُمْ إنْ لَمْ يُدْرِكُوهَا بَعْدَ دَفْنِهِ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عَنْ نَفْسِهِ عَلَى مُحَافَظَتِهِ عَلَى السُّنَّةِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْبِدْعَةِ، فَلَوْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مَاشِينَ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ هَذَا السَّيِّدُ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ شَيْئًا سَكَتَ لَهُ عَلَيْهِ فَتَزَايَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
ثُمَّ إنَّ مَعَ مَا ذُكِرَ تَرَتَّبَتْ مَفَاسِدُ عَلَى كَوْنِ الْمَيِّتِ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ يَأْتُونَ بِالْمَيِّتِ إلَى الْمَسْجِدِ فِي زِحَامٍ مِنْ الْوَقْتِ فَيَجِدُونَ الْمَسْجِدَ قَدْ امْتَلَأَ بِالنَّاسِ، فَيَدْخُلُ الْحَامِلُونَ لَهُ وَهُمْ حُفَاةٌ قَدْ مَشَوْا بِأَقْدَامِهِمْ عَلَى النَّجَاسَاتِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الطُّرُقَاتِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْسَحُوا أَقْدَامَهُمْ أَوْ يَحُكُّوهَا بِالْأَرْضِ فَيَتَخَطَّوْنَ رِقَابَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ وَيَمْشُونَ بِهَا عَلَى ثِيَابِهِمْ، وَقَدْ يَتَنَجَّسُ بَعْضُ الْمَسْجِدِ وَثِيَابُ مَنْ مَشَوْا عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي فَاعِلِ

ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤْذٍ، «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلَّذِي تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» هَذَا وَجْهٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَكُونُ قَدَمُهُ فِي حُجْزَتِهِ، فَإِذَا تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ الْقَدَمُ بِحَرَكَتِهِ وَيَنْحَكُّ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ الْغَالِبُ وَقَعَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي النَّاسُ عَلَيْهَا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَوْضِعَ سَرِيرِ الْمَيِّتِ يَمْسِكُ مَوَاضِعَ لِلْمُصَلِّينَ ذَلِكَ غَصْبٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَوَاضِعَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ كُلِّيَّةً إلَّا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ سِيَّمَا إذَا كَانَتْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ، فَيَتَأَكَّدُ تَعْيِينُ الْغَصْبِ فِي ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِ الْمَوْتَى أَنْ يَبْقَى فِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَمْسِكُ ذَلِكَ وَقَدْ تَخْرُجُ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّجَاسَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَمْنُوعَةٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: رَفْعُ صَوْتِ الْحَامِلِينَ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُمْ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَبَعْدَهَا حِينَ خُرُوجِهِمْ مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَيَنْتَهِكُونَ بِذَلِكَ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ مُتَعَدِّدٌ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الدَّقِيقِ وَالْجَلِيلِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجَنَائِزِ يُؤَذَّنُ بِهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَكَرِهَ أَنْ يُصَاحَ خَلْفَهُ بِاسْتَغْفِرُوا لَهُ يَغْفِرْ اللَّهُ لَكُمْ وَأَفْتَوْا فِي ذَلِكَ بِالْكَرَاهَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْجِنَازَةِ يُؤَذَّنُ بِهَا فِي الْمَسْجِد بِصِيَاحٍ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَكَرِهَهُ وَقَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُدَارَ فِي الْحِلَقِ وَيُؤَذِّنُ النَّاسَ بِهَا وَلَا يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ: أَمَّا النِّدَاءُ بِالْجَنَائِزِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، فَلَا يَنْبَغِي وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ لِكَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ كُرِهَ ذَلِكَ حَتَّى فِي الْعِلْمِ.
وَأَمَّا النِّدَاءُ بِهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَرَآهُ مِنْ النَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ» ، وَالنَّعْيُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ أَلَا إنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ فَاشْهَدُوا جِنَازَتَهُ، وَأَمَّا الْإِيذَانُ بِهَا وَالْإِعْلَامُ

مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ.
وَقَدْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تُوُفِّيَتْ لَيْلًا: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي بِهَا» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تُؤَذِّنُوا بِي أَحَدًا إنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، وَقَدْ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ» وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ سَدِّ مَخَارِجِهِ وَإِرْسَالِ الْقُطْنِ مَعَهُ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي فِعْلِ هَذَا مُحَرَّمَاتٍ أُخَرَ مِنْهَا هَتْكُ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ مَعَهُ الْقُطْنَ فِي فَمِهِ وَيُدْخِلُونَهُ إلَى حَلْقِهِ وَيُرْسِلُونَهُ مَعَهُ بِعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَمْلَئُوا حَلْقَهُ بِالْقُطْنِ وَيَنْزِلَ ذَقَنُهُ إلَى أَسْفَلَ وَيَطْلُعَ أَنْفُهُ إلَى فَوْقَ، وَيَمْلَئُونَ فَمَه وَشَدْقَيْهِ بِالْقُطْنِ فَيَبْقَى مُثْلَةً لِلنَّاظِرِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي أَنْفِهِ فَيُرْسِلُونَ فِيهِ الْقُطْنَ حَتَّى يَتَعَاظَمَ أَنْفُهُ ثُمَّ يَفْعَلُونَ فِعْلًا قَبِيحًا فَيُرْسِلُونَ الْقُطْنَ فِي دُبُرِهِ بِعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا فِعْلٌ قَبِيحٌ شَنِيعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَمَرَنَا بِغُسْلِ الْمَيِّتِ إكْرَامًا لِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْقَبْرِ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ مَا ذُكِرَ، فَإِذَا جَاءُوا بِهِ إلَى الْقَبْرِ أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْهُ يَخْرُجُ الْقُطْنُ وَهُوَ مُلَوَّثٌ بِالْفَضَلَاتِ فِي الْغَالِبِ وَيَبْقَى الْفَمُ مَفْتُوحًا لَا يُمْكِنُ غَلْقُهُ، ثُمَّ إنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَالْمَلَائِكَةُ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ، وَهُمْ يُبْقُونَ ذَلِكَ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ فِي الْغَالِبِ، فَذَهَبَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أَمَرَنَا الشَّارِعُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ بِغُسْلِهِ لِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ.
ثُمَّ الْعَجَبُ فِي كَوْنِهِمْ يَأْتُونَ بِمَاءِ الْوَرْدِ فَيَسْكُبُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ، وَهَذِهِ أَيْضًا بِدْعَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الطِّيبَ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْغُسْلِ لَا فِي الْقَبْرِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ طِيبٌ وَنَجَاسَةٌ.

[فَصْلٌ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةٌ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

أَنَّهُ قَالَ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَجَمِّرُوهَا أَيَّامَ جُمَعِكُمْ وَاجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ» وَقَدْ كَثُرَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ وَالْخُصُومَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى إنَّ الْخَطِيبَ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا يَقُولُ لِكَثْرَةِ غَوْغَائِهِمْ إذْ ذَاكَ.

وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَيْهِمْ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّصْفِيقِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، إذْ إنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ قَبِيحٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الرِّجَالِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» وَهَذَا كُلُّهُ سَبَبُهُ السُّكُوتُ عَمَّا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثُ نَفَرٍ فَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِلَغْوٍ فَذَلِكَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ لَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] »

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ تَفْرِيقِ الرَّبْعَةِ حِينَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْأَذَانِ قَامَ الَّذِي فَرَّقَهَا لِيَجْمَعَ مَا فُرِّقَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ فَيَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ بِسَبَبِ أَخْذِهَا مِنْهُمْ، وَهَذَا فِيهِ مَحْذُورَاتٌ جُمْلَةٌ مِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إذْ إنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فِيهِ تَخَطِّيَ رِقَابَ النَّاسِ حِينَ ارْتِصَاصِهِمْ لِانْتِظَارِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّ فَاعِلَهُ مُؤْذٍ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ كُلَّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يُعْطِي الْخَتْمَةَ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأَ فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ خَجَلٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ أَذِيَّةٌ وَصَلَتْ عَلَى يَدِهِ لِمُسْلِمٍ كَانَ عَنْهَا فِي غِنًى.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ يَنْسَى بَعْضَ الْأَجْزَاءِ فَلَا يَأْخُذُهُ فَيَضِيعُ عَلَى الْوَقْفِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَيَكْتُمُهُ لِتَسَاهُلِهِمْ فِي الْوَقْفِ، فَقَدْ يَخْفَى وَيَخْتَارُ أَنْ يَخْتَصَّ

هُوَ بِمَنْفَعَتِهِ فِي بَيْتِهِ إمَّا لِنَفْسِهِ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَذْهَبُ عَلَى الْوَقْفِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ قَدْ يَأْتِي عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنَّهُ يَكُونُ مَشْغُولًا فِي جَمْعِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ، وَالْخَطِيبُ إذْ ذَاكَ يَخْطُبُ فَيَقَعُ الْكَلَامُ وَالْمُرَاجَعَةُ بِسَبَبِ جَمْعِهَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يَقِفُوا تَحْتَ اللَّوْحِ الْأَخْضَرِ لِلدُّعَاءِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَرْكَانِ الْمَسْجِدِ إذْ إنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ إرْسَالِ الْبُسُطِ وَالسَّجَّادَاتِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَصْحَابُهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُبْحِ وَمُخَالَفَةِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى مَنْ يَقْرَأُ الْأَعْشَارَ وَغَيْرَهَا بِالْجَهْرِ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ النَّهْيِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا إنْكَارٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَالتَّالِينَ وَالْمُتَفَكَّرِينَ وَكُلِّ مَنْ كَانَ فِي عِبَادَةٍ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ ذَلِكَ يُمْنَعُ فِي الْمَسْجِدِ الْمَطْرُوقِ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ وَمُعَرَّضٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ مَهْجُورٍ وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ السَّامِعِينَ أَوْ فِي مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ بَيْتٍ، فَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِحَسَبِ الْحَالِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ غَيْرُ السَّامِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُمْ فَيُمْنَعُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَدْرُسُ أَوْ يُطَالِعُ أَوْ يُصَلِّي أَوْ يَأْخُذُ رَاحَةً لِنَفْسِهِ، فَيَقْطَعَ عَلَيْهِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» انْتَهَى هَذَا إذَا سَلِمَ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ مِثْلَ أَنْ يَمُدَّ الْمَقْصُورَ أَوْ يُقْصِرَ الْمَمْدُودَ أَوْ يُشَدِّدَ مَوْضِعَ التَّخْفِيفِ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ يُظْهِرَ مَوْضِعَ الْإِدْغَامِ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ يُظْهِرَ مَوْضِعَ الْإِخْفَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَصِلَ بِالْعَشْرِ آيَةً أُخْرَى غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلْقُرْآنِ فِي الظَّاهِرِ عَنْ نَظْمِهِ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ

قِرَاءَةِ الْأَسْبَاعِ سِيَّمَا الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَقِرَاءَةِ الْأَسْبَاعِ فِي الْمَسْجِد مِمَّا يُشَوِّشُونَ بِهَا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ تَشْوِيشٌ مُنِعَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى الْفُقَرَاءَ الذَّاكِرِينَ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْقَاتِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَسْأَلُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَاحْرِمُوهُ» وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا سَأَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ أَنْ لَا يُعْطَى، وَإِذَا سَأَلَ عَلَى الْقُرْآنِ فَلَا تُعْطُوهُ انْتَهَى.
وَالْمَسْجِدُ لَمْ يُبْنَ لِلسُّؤَالِ فِيهِ وَإِنَّمَا بُنِيَ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالسُّؤَالُ يُشَوِّشُ عَلَى مَنْ يَتَعَبَّدُ فِيهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْإِعْطَاءِ لِمَنْ يَسْأَلُ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَاحْرِمُوهُ؛ وَلِأَنَّ إعْطَاءَهُ ذَرِيعَةٌ إلَى سُؤَالِهِ فِي الْمَسْجِدِ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ السَّقَّائِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَيُنَادُونَ فِيهِ عَلَى مَنْ يُسَبِّلُ لَهُمْ، فَإِذَا سَبَّلَ لَهُمْ يُنَادُونَ غَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ سَبَّلَ وَرَحِمَ مَنْ جَعَلَ الْمَاءَ لِلسَّبِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ، وَيَضْرِبُونَ مَعَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ فِي أَيْدِيهِمْ لَهُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ النَّاقُوسِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَمِمَّا يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْ مِثْلِهِ.
وَفِي فِعْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ مَفَاسِدُ جُمْلَةٌ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ شَبَهِ النَّاقُوسِ.
وَمِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَمِنْهَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ وَبَعْضَهُمْ يَمْشِي يَخْتَرِقُ الصُّفُوفَ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَنْ احْتَاجَ أَنْ يَشْرَبَ نَادَاهُ فَشَرِبَ وَأَعْطَاهُ الْعِوَضَ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا بَيْعٌ بَيِّنٌ لَيْسَ فِيهِ وَاسِطَةُ تَسْبِيلٍ وَلَا غَيْرِهِ سِيَّمَا وَالْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَنْ تَبِعَهُ.
وَمِنْهَا تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ فِي حَالِ انْتِظَارِهِمْ لِلصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنْ الْمَاءِ شَيْءٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْيُ بَعْضِهِمْ حُفَاةً

وَدُخُولُهُمْ الْمَسْجِدَ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ النَّجِسَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَحْذُورِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَوُقُودِ الْقَنَادِيلِ وَغَيْرِهَا وَمَا فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَكَذَلِكَ مَا يُفْعَلُ فِي لَيْلَةِ الْخَتْمِ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَبْسُوطًا فِي مَوَاضِعِهِ فَلْيُلْتَمَسْ هُنَاكَ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى لِجَهْلِ الْجَاهِلِ وَسُكُوتِ الْعَالِمِ، حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ إلَى جَهْلِ الْحُكْمِ فِيهِ وَاسْتَحْكَمَتْ الْعَوَائِدُ حَتَّى أَنَّ أُمَّ الْقُرَى مَكَّةَ الَّتِي لَهَا مِنْ الشَّرَفِ مَا لَهَا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي مَسْجِدِهَا، وَالسَّمَاسِرَةُ يُنَادُونَ فِيهِ عَلَى السِّلَعِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَيُسْمَعُ لَهُمْ هُنَاكَ أَصْوَاتٌ عَالِيَةٌ مِنْ كَثْرَةِ اللَّغَطِ، وَلَا يَتْرُكُونَ شَيْئًا إلَّا يَبِيعُونَهُ فِيهِ مِنْ قُمَاشٍ وَعَقِيقٍ وَدَقِيقٍ وَحِنْطَةٍ وَتِينٍ وَلَوْزٍ وَأُكُرٍ وَعُودِ أَرَاكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَسْتَاكُ مَنْ لَهُ وَرَعٌ بِعُودِ الْأَرَاكِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبِيعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيَسْتَاكَ بِهِ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ تَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ الْمُذَهَّبَةِ وَوُقُودِهَا وَالتَّزْيِينِ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ السَّرَفُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ إذْ إنَّ الذَّهَبَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي تَحْلِيَةِ النِّسَاءِ وَفِي تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمِنْطَقَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ مَشْيِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَلَهُمْ طَرِيقٌ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَاِتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَهَا هُوَ ذَا قَدْ شَاعَ وَكَثُرَ.
وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ جَامِعًا إلَّا وَقَدْ اتَّخَذُوهُ طَرِيقًا وَقَلَّ مَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدًا نَهَى عَنْهُ لَاسْتَحْمَقُوهُ، وَقَدْ يَتَأَذَّى بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ النِّسَاءَ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الْجَامِعَ وَيَجْلِسْنَ فِيهِ لِانْتِظَارِ بَيْعِ غَزْلِهِنَّ، وَيَدْخُلُ الْمُنَادِي إلَيْهِنَّ وَمَعَهُ الْغَزْلُ فَيُكَلِّمُهُنَّ فِي الْجَامِعِ وَيُشَاوِرهُنَّ عَلَى ثَمَنِ ذَلِكَ، فَمَنْ رَضِيَتْ مِنْهُنَّ تَقُولُ: قَدْ

بِعْتُ، وَذَلِكَ بَيْعٌ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمُنَادِيَ صَارَ إذْ ذَاكَ كَالْوَكِيلِ وَيَقَعُ بِذَلِكَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجْتَمِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَيَجِدُ السَّبِيلَ إلَى مَا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ، وَبَعْضُهُنَّ يَكُونُ مَعَهَا الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ، وَقَدْ يَبُولُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ رُئِيَ ذَلِكَ عِيَانًا.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ النِّسَاءَ اللَّاتِي يَأْتِينَ لِلْمُحَاكَمَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَيَدْخُلْنَ إلَيْهِ لِانْتِظَارِ مَا يُرِيدُونَهُ وَيَدْخُلُ إلَيْهِنَّ الْوُكَلَاءُ وَالرِّجَالُ وَالْأَزْوَاجُ وَتَكْثُرُ الْخُصُومَاتُ وَتَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ، وَالْقَاضِي بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَيَمْنَعُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَفِي الْإِشَارَةِ مَا يُغْنِي عَنْ الْعِبَارَةِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْحِلَقِ وَالْجُلُوسِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَدِيثِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَمَا جَرَى لِفُلَانٍ وَمَا جَرَى عَلَى فُلَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ أَكْلَ النَّارِ الْحَطَبَ فَيَنْهَاهُمْ وَيُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ الْمَسَاجِدَ يَقْعُدُونَ فِيهَا حِلَقًا حِلَقًا، ذِكْرُهُمْ الدُّنْيَا وَحُبُّهُمْ الدُّنْيَا، لَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ» . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَتَى الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ فَأَكْثَرَ مِنْ الْكَلَامِ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: اُسْكُتْ يَا وَلِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ زَادَ تَقُولُ: اُسْكُتْ يَا بَغِيضَ اللَّهِ، فَإِنْ زَادَ تَقُولُ: اُسْكُتْ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ» وَإِنَّمَا يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالتَّفَكُّرِ أَوْ تَدْرِيسِ الْعِلْمِ بِشَرْطِ عَدَمِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَعَدَمِ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ جَمَاعَةً وَيَجُوزُ جَهْرًا بِشَرْطِ عَدَمِ التَّشْوِيشِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَقَدْ كَثُرَ فِيهَا الْحَدِيثُ وَالْقِيلُ وَالْقَالُ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ فَتَجِدُ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ عِنْدَ قَبْرِ سَيِّدِنَا

وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحَدِيثَ الْكَثِيرَ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى حِينَ أَوْقَاتِ الزِّيَارَةِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَكَذَلِكَ فِي قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ فِي الْحَجِّ تَجِدُ لَهُمْ غَوْغَاءَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ قَطُّ مَا هُمْ فِي عِبَادَةٍ.
وَكَذَلِكَ تَجِدُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ فِيهِ مِنْ الْوُقُوفِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالنُّفُورِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَذَلِكَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ لَمْ يَحُجَّ إلَيْهِ أَحَدٌ قَطُّ وَلَا فَرَضَهُ اللَّهُ فِيهِ وَمَا كَانَ الْحَجُّ مِنْ عَهْدِ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا لِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَعَرَفَةَ وَمِنًى وَالْمَنَاسِكِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَّا الصَّلَاةُ إلَى الصَّخْرَةِ، فَهِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي كَانَتْ ثُمَّ حُوِّلَتْ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ.
فَالْوُقُوفُ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَيْسَ فِيهِ اقْتِدَاءٌ بِالْمَاضِينَ وَلَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا ذُكِرَ.
عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَجَّ إلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِيهِ الْيَوْمَ، كَمَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَى الصَّخْرَةِ بَعْدَ نَسْخِهَا.
وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ بِجَوَازِ الْوُقُوفِ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُثَابٌ لَا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَافْهَمْهُ.
وَمِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مَا يَفْعَلُونَهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَأَوَّلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ فَيُسْمَعُ لَهُمْ صِيَاحٌ وَهَرَجٌ وَبِدَعٌ كَثِيرَةٌ حِينَ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، وَأَوَّلُ مَا حَدَثَتْ هَذِهِ الْبِدَعُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمِنْهُ شَاعَتْ فِي الْأَقَالِيمِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْحَوَادِثِ وَالْبِدَعِ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَوْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ أَوْ بَعْضُهَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْهَى مَنْ يَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ لِتَفْلِيَةِ ثِيَابِهِ سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْبَرْدِ يَقْعُدُونَ فِي الشَّمْسِ وَيُفَلُّونَ ثِيَابَهُمْ وَهَذَا لَا يَحِلُّ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ جِلْدَةَ الْبُرْغُوثِ الَّذِي خَالَطَ الْإِنْسَانَ نَجِسَةٌ وَجِلْدَةَ الْقَمْلَةِ نَجِسَةٌ مُطْلَقًا، وَهُمْ يُلْقُونَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْمَعُهُ وَيُلْقِيهِ خَارِجَ الْمَسْجِد فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ يُمْنَعُ وَإِنْ لَمْ يُلْقِهَا فِيهِ، إذْ أَنَّهُ حَامِلٌ

لِلنَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حِينِ قَتْلِهَا إلَى حِينِ إلْقَائِهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ: وَكَرِهَ مَالِكٌ قَتْلَ الْقَمْلَةِ وَرَمْيَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَطْرَحُهَا مِنْ ثَوْبِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَقْتُلُهَا بَيْنَ النَّعْلَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُصَلِّي إذَا أَخَذَ قَمْلَةً وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهَا فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَإِذَا رَمَاهَا فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ بِالْحَيَاةِ فَإِمَّا أَنْ تَمُوتَ جُوعًا أَوْ تَضْعُفَ وَكِلَاهُمَا عَذَابٌ لَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْقِتْلَةِ.
وَشَأْنُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُلَهَا لِمَكَانٍ آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ يَرْبِطَهَا فِي طَرَفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا الْبُرْغُوثُ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّ الْبُرْغُوثَ لَا يَقْعُدُ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ بَلْ يَنْتَقِلُ فِي الْغَالِبِ وَرُبَّمَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ هَذَا وَجْهٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ وَيَعِيشُ فِيهِ بِخِلَافِ الْقَمْلَةِ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ دَمِ الْإِنْسَانِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سَيِّدِي حَسَنٍ الزُّبَيْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا مَعَ أَصْحَابِهِ إلَى بُسْتَانِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَذْهَبُوا إلَى الْبُسْتَانِ فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ رُجُوعِهِ فَقَالَ: كَانَ عَلَيَّ قَمِيصٌ نَسِيتُهُ فِي الْبَيْتِ وَفِيهِ دَوَابُّ فَخِفْتُ أَنْ يَمُوتُوا جُوعًا فَرَجَعْتُ إمَّا أَنْ أَقْتُلَهُمْ وَإِمَّا أَنْ أَلْبَسَهُ.
وَهَذَا الْأَمْرُ قَدْ كَثُرَ وَفَشَا سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَتَرَى الْغُرَبَاءَ يَأْتُونَ إلَيْهِ بِدُلُوقٍ تَغْلِي قَمْلًا فَيُجَرِّدُونَهَا عَنْهُمْ وَيُلْقُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَتَحُسُّ بِحَرَارَةِ الشَّمْسِ فَتَخْرُجُ مِنْ الثَّوْبِ وَتَمُوتُ بِحَرِّ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَنْفُضُ أَحَدُهُمْ دَلْقَهُ وَيَلْبَسُهُ وَتَبْقَى الدَّوَابُّ كُلُّهَا مَيِّتَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ يَنْهَى عَنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ تَنَبَّهَ النَّاسُ إلَيْهِ وَتَرَكُوهُ وَغَيَّرُوهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْأَكْلِ فِي الْمَسْجِدِ سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ الْمَطْبُوخِ بِالْبَصَلِ أَوْ الثُّومِ أَوْ الْكُرَّاثِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ نِيئًا فَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالْأَكْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي

مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُسَامَحُ فِيهِ إلَّا الشَّيْءَ الْخَفِيفَ كَالسَّوِيقِ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْأَكْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَمَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ مِثْلَ السَّوِيقِ وَيَسِيرِ الطَّعَامِ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَلَوْ خَرَجَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا يُعْجِبُنِي وَلَا فِي رِحَابِهِ.
وَقَالَ فِي الَّذِي يَأْكُلُ اللَّحْمَ فِي الْمَسْجِدِ: أَلَيْسَ يَخْرُجُ لِغَسْلِ يَدِهِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَلْيَخْرُجْ لِيَأْكُلْ انْتَهَى، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ الْكَلَامُ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِأَلْسِنَةِ الْعَجَمِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا قِيلَ فِي أَلْسِنَةِ الْأَعَاجِمِ إنَّهَا خَبٌّ قَالَ: وَلَا يُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِنْ الْخَبِّ قَالَ: وَهُوَ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَشَدُّ انْتَهَى.
وَهَذَا الْأَمْرُ الْيَوْمَ قَدْ كَثُرَ وَشَاعَ حَتَّى إنَّ الْقَوَمَةَ لَيُخْرِجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ صِحَافًا كَثِيرَةً وَأَوْرَاقًا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ مَا يُؤْكَلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجْتَمِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابُ وَالْخُشَاشُ وَيَكْثُرُ الْقِطَاطُ، وَيَرَوْنَ أَنَّ إطْعَامَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ بَابِ الْحَسَنَاتِ فَتَكْثُرُ الْقِطَاطُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْقِطَاطُ فِي الْمَسْجِدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَبُلْنَ فِيهِ وَبَوْلُهُنَّ نَجِسٌ، وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ عِيَانًا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى صَلَاةِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَبُطْلَانِ صَلَاتِهِمْ بِذَلِكَ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ هِرٌّ مُؤْذٍ أَرْسَلَهُ إلَى الْجَامِعِ، فَكَانَ النَّاسُ يُوَقِّرُونَ بُيُوتَ رَبِّهِمْ يَحْتَرِمُونَهَا وَيُنَزِّهُونَهَا عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهَا، وَكَانَتْ الْمَسَاجِدُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ» ، فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ صَارَ الْمَسْجِدُ مَأْوًى لِلْقِطَاطِ الْمُؤْذِيَةِ، وَالْأَكْلُ سَبَبُ ذَلِكَ سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَإِنَّهُ يَكْثُرُ وُرُودُ الْغُرَبَاءِ إلَيْهِ فَتَجِدُهُمْ يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ وَيَرْمُونَ الْعِظَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَأْكُلُونَ الْبِطِّيخَ وَيَرْمُونَ قُشُورَهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَلَاتِ الْمَأْكُولِ وَقَلَّ مَنْ تَجِدُهُ

يُلْقِي ذَلِكَ فِي خَارِجِ الْمَسْجِد، بَلْ يَدْخُلُونَ فِيهِ بِالْحَمِيرِ بِسَبَبِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْبُنْيَانِ وَالْعِمَارَةِ فَتَبُولُ الْحَمِيرُ فِيهِ وَتَرُوثُ كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ طَرِيقٌ مِنْ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ، فَكَيْفَ الْحَالُ فِي الْمَسَاجِدِ؟ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ مَا فِيهِ؟ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
فَإِذَا كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ يَنْهَى عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهَا انْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ، فَإِنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ وَاحِدٌ سَمِعَ آخَرُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ بَعْضِ النَّاسِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَحْتَجُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: إنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَعَنْ عَوَائِدِهِمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَجَوَابُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ؛ «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا» إلَخْ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَأْتِي النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْخَيْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إذْ إنَّ الْخَيْرَ فِيهَا كَامِنٌ فَمَنْ نُبِّهَ مِنْهُمْ تَنَبَّهَ وَرَجَعَ وَانْقَادَ وَاسْتَغْفَرَ، وَكُنْتَ أَنْتَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْجَمِيعِ بِمَنِّهِ.

وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ سِيَّمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَكَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ سِيَّمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَتَجِدُ الْمَسْجِدَ قَدْ ارْتَصَّ بِالنَّاسِ فِي الْغَالِبِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . وَالنَّائِمُ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ خُرُوجِ الرِّيحِ مِنْهُ فَتَتَأَذَّى الْمَلَائِكَةُ بِهِ.
وَقَدْ نُهِينَا عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِرَائِحَةِ الثُّومِ أَوْ الْبَصَلِ؛ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الثُّومِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الرِّيحُ الْخَارِجُ مِنْ الْمَخْرَجِ، وَقَدْ يَحْتَلِمُ النَّائِمُ فَيَبْقَى جُنُبًا

فِي الْمَسْجِدِ.
وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لَأَنْ تُسْرَقَ عِمَامَتُهُ أَوْ رِدَاؤُهُ، وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَشْيَاءُ عَدِيدَةٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا، وَالْحَاصِلُ مِنْهَا أَنَّ كُلَّ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ تَجِدُ فِيهِ مَخَاوِفَ فَيَتَعَيَّنُ تَرْكُهُ، فَإِذَا عَلِمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ نَهْيِ الْإِمَامِ ارْتَدَعُوا عَنْهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ خِيَاطَةِ قُلُوعِ الْمَرَاكِبِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّا قَدْ نُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ عِبَادَةٍ، فَكَيْفَ بِالصَّنْعَةِ تُعْمَلُ فِيهِ؟ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ نَسْخَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَنَسْخَ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّسَبُّبِ فِيهِ، فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِهِمَا فَيَمْنَعُ فَاعِلَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَى مِثْلِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْهَى السَّقَّاءَ الَّذِي يَدْخُلُ بِالْجَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ بَوْلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَجِسٌ وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ فَيُمْنَعُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْمَشْيِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْغَنَمِ لِأَنَّهَا قَدْ تَبُولُ فِيهِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ عَلَى دُخُولِ السَّقَّاءِ بِالْجَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ.

وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِ الشَّوَّاءِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَفَاسِدَ.
مِنْهَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَسْجِدَ طَرِيقًا وَقَدْ قُدِّمَ مَا فِيهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ بِالذَّفَرِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ يُنَزَّهُ عَنْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ رَائِحَتَهُ قَوِيَّةٌ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُتَوَجِّهِينَ مَنْ تَتَشَوَّقُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ فَيَتَشَوَّشُ فِي عِبَادَتِهِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ حَامِلَهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعِ الذَّبْحِ وَهُوَ مَحَلُّ النَّجَاسَاتِ وَحَامِلُهَا حَافٍ هُنَاكَ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْحَامِلِينَ لَهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِكَلَامٍ لَا يَنْبَغِي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ.
السَّادِسَةُ مَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنَّ الشِّوَاءَ طَاهِرٌ وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَنَجِّسًا فَلَا يَدْخُلُ بِالنَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ اتِّفَاقًا.

وَيَنْهَى عَنْ دُخُولِ الرُّهْبَانِ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَفْرِشُونَهُ بِالْحُصُرِ الْمَضْفُورَةِ

الَّتِي يُضَفِّرُونَهَا فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْعُ دُخُولِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى دُخُولِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَى بِالْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ إذْ إنَّ غَيْرَهُمْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ فِي فَرْشِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَيَنْهَى النَّاسَ عَنْ إتْيَانِهِمْ إلَى الْمَسْجِدِ بِأَوْلَادِهِمْ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ أَوْ يُنْهَوْنَ عَنْهُ إذْ إنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ حِينَ صَلَاتِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ فِي صَلَاتِهِمْ وَيَبْكِي الصَّبِيُّ فَيُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ.
وَهَذَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَعَ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَ أُمِّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَالِبَ فِي مَوْضِعِ النِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ بِالْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يُشَوِّشُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَوْلَادِ إذَا كَانُوا مَعَ أُمَّهَاتِهِمْ قَلَّ أَنْ يَبْكُوا بِخِلَافِ الْآبَاءِ وَهَذَا إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ إلَى الْمَسْجِدِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُصَلِّينَ مَعَهُ جَمَاعَةً.
وَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَفِّفُ صَلَاتَهُ إذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ» . فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحَدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ» الثَّانِي أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُوَازِيهَا شَيْءٌ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ فُقِدَ فَإِذَا لَمْ تَخْرُجْ الْأُمُّ لِلصَّلَاةِ فَالْإِتْيَانُ بِالْأَوْلَادِ لِلْمَسْجِدِ دُونَ أُمَّهَاتِهِمْ يُمْنَعُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ جَهْرًا فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ فَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَنْهُ وَيَزْجُرَ فَاعِلَهُ.

وَيَنْهَى النَّاسَ عَنْ كَتْبِهِمْ الْحَفَائِظَ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ الْأَعْجَمِيِّ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْهُ وَمَا يَدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ.
الثَّانِي: أَنَّ فِيهِ اللَّغْوَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ

يَشْتَغِلُ بِالْكُتُبِ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِبِدْعَةٍ وَيَتْرُكُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ الْإِصْغَاءِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
الْخَامِسُ: مَا أَحْدَثُوهُ عَنْ بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يَكْتُبُهَا بَعْدَ صَلَاةِ عَصْرِ الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهَا أَخَفُّ مِنْ الْبِدْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا إذْ إنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ خُطْبَةٌ يَشْتَغِلُ عَنْهَا وَلَوْ كَتَبَهَا وَأَسْقَطَ مِنْهَا اللَّفْظَ الْأَعْجَمِيَّ وَلَمْ يَتَّخِذْ لِكِتَابَتِهَا وَقْتًا مَعْلُومًا لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيَنْهَى النِّسَاءَ عَمَّا أَحْدَثْنَهُ وَسُكِتَ لَهُنَّ عَنْهُ مِنْ دُخُولِهِنَّ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي مُؤَخِّرِ الْجَامِعِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُنَّ مَقْصُورَةٌ مَعْلُومَةٌ لَكِنَّهَا كَالْعَدَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ إنَّهَا لَا تَسْتُرهُنَّ وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ خُرُوجُهُنَّ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ التَّحَلِّي وَاللِّبَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مَوْضِعَهُنَّ فِي الزِّيَارَةِ قَدْ اسْتَغْنَيْنَ بِهِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْقُرْبِ مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ أَلْيَقُ بِهِنَّ مَا لَمْ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْخَمِيسِ وَالْجَنَائِزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهِنَّ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ وَلَا يُمَكَّنَّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ قَالُوا إنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا وَحْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ وَصَلَاتَهَا فِي مَخْدَعٍ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا فَكَيْفَمَا زَادَ سَتْرُهَا وَانْحِجَابُهَا كَانَ أَفْضَلَ لِصَلَاتِهَا.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا مَعَ جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَاوِرُهَا وَهِيَ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلِذَلِكَ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ بِصَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَسْجِدِ

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ دُخُولِ بَعْضِهِمْ إلَى الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهْرًا يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ حِينَ دُخُولِهِ وَحِينَ خُرُوجِهِ وَيُجِيبُهُ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسْمَعُ لَهُمْ ضَجِيجٌ قَوِيٌّ يُنَزَّهُ

الْمَسْجِدُ عَنْ تِلْكَ الزَّعَقَاتِ فِيهِ وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي السُّوقِ أَوْ الطَّرِيقِ لَكَانَ جَائِزًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ بِحَسَبِ الْحَالِ وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[النَّهْي عَنْ قص الشعر فِي الْمَسْجِد]

وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ إدْخَالِ الْمِرْآةِ فِي الْمَسْجِدِ لِقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الشَّيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ فِعْلِهِمْ وَهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَاجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ» وَإِذَا كَانَ الطُّهُورُ فِي الْمَسْجِدِ مَمْنُوعًا فَكَيْفَ يُدْخَلُ بِالْفَضَلَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُعْمَلُ فِيهِ الصَّنْعَةُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ نَسْخِ الْخَتْمَةِ أَوْ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّسَبُّبِ فَكَيْفَ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَالشَّعْرُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ فَهُوَ عَفَشٌ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهُ.
هَذَا إذَا كَانَ الشَّعْرُ مَقْصُوصًا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَقُصُّ شَارِبَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ فِي ثَوْبِهِ وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَسَوَّكَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السِّوَاكِ يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ وَلْيَخْرُجْ لِفِعْلِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الطُّرْطُوشِيُّ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّعْرُ بِأَصْلِهِ مِثْلَ نَتْفِ الشَّيْبِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ تَحُلُّ أَصْلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ الشَّعْرَةِ نَجِسًا وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ وُقُوعِ الْقَمْلِ فِي الْمَسْجِدِ إمَّا حَيًّا وَإِمَّا مَيِّتًا وَكِلَاهُمَا يُمْنَعُ فِيهِ وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي تَرِدُ إلَيْهِ الْخَلْقُ كَثِيرًا.
وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْمَشْيَخَةِ وَالنُّسُكِ وَقَدْ سَبَّلَ نَفْسَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَسَنَةِ عَلَى زَعْمِهِ فَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ الْمِيضَأَةِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَيُّ غَرِيبٍ جَاءَ قَصَّ لَهُ أَظَافِرَهُ أَوْ شَارِبَهُ وَأَزَالَ شَعْرَهُ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَيُلْقِي كُلَّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُهُ وَيُخْرِجُهُ مِنْهُ فَكَيْفَ بِإِلْقَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هَذَا الْحَدَثِ زَرَعَ دَالِيَةَ عِنَبٍ فِي الْمَسْجِدِ فَأَطْعَمَتْ وَأَثْمَرَتْ وَبَقِيَ إذَا وَرَدَ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَخَذَ مِنْ عِنَبِهَا أَوْ حِصْرِمِهَا

وَأَهْدَاهُ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَرَكَةِ وَحَصَّلَ بِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا أَحْدَثُوهُ كَثِيرًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَاِتَّخَذُوا فِيهِ دَوَالِيَ عِنَبٍ وَخَزَائِنَ لِلسُّكْنَى وَهُوَ مَسْجِدٌ وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمَهْجُورَةَ لَا يَجُوزُ سُكْنَاهَا وَلَا أَنْ يُحْدَثَ فِيهَا حَدَثٌ غَيْرُ مَا بُنِيَتْ لَهُ.

وَيَنْهَى الْبَيَّاعِينَ لِلْقُضَامَةِ وَغَيْرِهَا فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى أَبْوَابِهِ وَفِي الزِّيَادَةِ إذْ إنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُصَلِّيًا يُمْسِكُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعَيْنِ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ حِينَ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُ الْمُصَلِّي مِنْهُمْ يَتَعَيَّنُ أَدَبُهُ وَزَجْرُهُ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَرِيقَهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ وَتَارِكُ الصَّلَاة قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُرْتَدٌّ أَوْ مُرْتَكِبٌ كَبِيرَةً سِيَّمَا إنْ كَانَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ فَذَلِكَ أَعْظَمُ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِمَّنْ يَبِيعُ الْحَلَاوَةَ أَوْ اللَّحْمَ أَوْ الْمَشْمُومَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُضَيِّقُ بِهِ طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ دُكَّانٍ لَهَا مَسْطَبَةٌ خَارِجَةٌ فِي شَارِعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يُمْنَعَ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَهْدِمَ الْمَسَاطِبَ الْمُلَاصِقَةَ لِجِدَارِ الْمَسَاجِدِ إذْ إنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ لِلْمُصَلِّينَ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

[فَصْلٌ يَنْهَى الزَّبَّالِينَ أَنْ يَعْمَلُوا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ]

(فَصْلٌ) وَيَنْهَى الزَّبَّالِينَ أَنْ يَعْمَلُوا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ سِيَّمَا وَقْتُ إتْيَانِ النَّاسِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ أَمَرَ بِالتَّنْظِيفِ لَهَا بِالْغُسْلِ وَلُبْسِ النَّظِيفِ مِنْ الثِّيَابِ وَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ مَا أَمَرَهُ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَخَرَجَ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ لَقِيَ الزَّبَّالِينَ فِي طَرِيقِهِ فَيُفْسِدُونَ عَلَيْهِ هَيْئَتَهُ لَهَا وَهَذَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ.
وَقَدْ وَرَدَ «كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ»

[النَّهْي عَنْ وُقُوفِ الدَّوَابِّ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ]

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ وُقُوفِ الدَّوَابِّ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُمْ يُضَيِّقُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَرِيقَهُمْ إلَيْهِ وَيَرُوثُونَ بِهَا وَيَبُولُونَ عَلَى أَبْوَابِهِ

وَيَمْشِي النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ بِأَقْدَامِهِمْ وَيَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُنَجِّسُونَ بِهَا مَا أَصَابَتْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهَذَا مُحَرَّمٌ وَفِي وُقُوفِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ أَذِيَّةٌ كَثِيرَةٌ سِيَّمَا لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْأَعْمَى وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الَّذِينَ هُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْجُمُعَةِ بَلْ رُبَّمَا أُذُوا بِالرَّفْسِ وَالْكَدْمِ الْأَصِحَّاءَ فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاءِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ لِوُقُوفِ الدَّوَابِّ سِيَّمَا لِأَجْلِ الْغِلْمَان الْمُمْسِكِينَ لِتِلْكَ الدَّوَابِّ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُعَدَّةٌ لِجَعْلِ الدَّوَابِّ فِيهَا كَالْفَنَادِقِ وَالْإِصْطَبْلَاتِ وَغَيْرِهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَوَاضِعُ لَكَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهَا إلَى الْمَسْجِدِ يُرْسِلُهَا إلَى مَوْضِعِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيهِ وَيُخْبِرُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْتَاجُهَا فِيهِ فَتَنْحَسِمُ مَادَّةُ الضَّرَرِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْهَى الْبَيَّاعِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي سَمَاعِ الْخَطِيبِ وَهَذَا مُحَرَّمٌ إذْ إنَّهُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حُرِّمَ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ وَبَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَكُونُ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ وَلَا يَسْتَحْيُونَ.

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ صَلَاتِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي الدَّكَاكِينِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ عِنْدَهُ فِي مَوْضِعٍ مَحْجُورٍ.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ إنْ تَعَذَّرَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَبَعْضُهُمْ يَأْتِي إلَى الْجُمُعَةِ فَيَقْعُدُ فِي الدُّكَّانِ يَنْتَظِرُ إقَامَةَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمَسْجِدُ بَعْدُ لَمْ يَمْتَلِئْ بِالنَّاسِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

[النَّهْي عَنْ الْإِتْيَانِ لِلْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ وَلَا تَغْيِيرِ هَيْئَةٍ]

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِتْيَانِ لِلْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ وَلَا تَغْيِيرِ هَيْئَةٍ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. وَقَدْ كَانُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُؤَكِّدَ الْأَمْرَ لِصَاحِبِهِ يَقُولُ لَهُ وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يَتْرُكُ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ

يَتَسَابُّونَ فَيَقُولُونَ لَأَنْتَ شَرٌّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ سُنَّةً وَلِلِاخْتِلَافِ فِيهِ أَيْضًا هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَمَا يُوجِبُ فِسْقَ تَارِكِهِ فَجَدِيرٌ أَنْ يُحَافَظَ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُتْرَكُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ أَهْمَلُوا ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ أَعْنِي عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَامَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ حِكَايَةٌ تُحْكَى حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِالْغُسْلِ لَهَا.

وَكَذَلِكَ يَنْهَاهُمْ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ لَهَا وَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِهَا الْمُؤَكَّدَةِ أَيْضًا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ وَلْيَتَطَيَّبْ بِأَطْيَبِ طِيبِهِ مِمَّا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ فَذَلِكَ طِيبُ الرِّجَالِ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - حَتَّى إنَّكَ لَتَجِدُ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فِي الدَّرْسِ أَوْ فِي دُكَّانِهِ أَوْ حِينَ اجْتِمَاعِهِ بِأَحَدِ الْقُضَاةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ ثِيَابٍ وَرَائِحَةِ طِيبٍ وَغَيْرِهِمَا وَتَجِدُهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَى هَيْئَةٍ دُونَهَا وَسَبَبُ هَذَا تَعْظِيمُ الدُّنْيَا فِي الْقُلُوبِ وَالتَّهَاوُنُ بِشَعَائِر الدِّينِ وَالْغَفْلَةُ بِسَبَبِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ.
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ هُوَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ ذَلِكَ عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَكَانُوا - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ أَثْمَانُ أَثْوَابِهِمْ الْقُمُصُ كَانَتْ مِنْ الْخَمْسَةِ إلَى الْعَشَرَةِ فَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَثْمَانِ وَكَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَخِيَارُ التَّابِعِينَ قِيمَةُ ثِيَابِهِمْ مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ الثِّيَابِ مَا يُجَاوِزُ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إلَى الْمِائَةِ وَيَعُدُّهُ سَرَفًا فِيمَا جَاوَزَهَا انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُمْ اللَّهُمَّ إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ دَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إلَى بَابِ الْجَائِزِ أَوْ الْمَنْدُوبِ أَوْ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ الْحَالِ.
فَإِذَا نَبَّهَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا وَحَضَّ عَلَى فِعْلِهِ وَقَبَّحَ تَرْكَهُ تَنَبَّهَ النَّاسُ لِمَا ارْتَكَبُوهُ فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصْعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ قَطَعُوا تَنَفُّلَهُمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَلَمْ يُحْدِثُوا رُكُوعًا بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَلَا غَيْرِهِ فَلَا الْمُتَنَفِّلُ يَعِيبُ عَلَى الْجَالِسِ وَلَا الْجَالِسُ يَعِيبُ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا هُمْ الْيَوْمَ يَفْعَلُونَهُ فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ حَتَّى إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَامُوا لِلرُّكُوعِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ قَالَهَا ثَلَاثًا وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ» . فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّلَفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَفْقَهُ بِالْحَالِ وَأَعْرَفُ بِالْمَقَالِ فَمَا يَسَعُنَا إلَّا اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ اتِّبَاعَ السَّلَفِ أَوْلَى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الرُّكُوعُ إنَّمَا هُوَ لِلْجُمُعَةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَذَا مَا كَانَ السَّلَفُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ رُكُوعِهِمْ الْمُتَقَدِّمُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَوْ مِنْ الزَّوَالِ فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي جَمَاعَةٍ إلَى أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي وَقْتِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا تَأَكَّدَ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَعَلَى مَا قَرَّرْتُمُوهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ رَكَعَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَرْكَعُ وَهَذَا جَائِزٌ فَكَيْفَ

تَمْنَعُونَهُ.
فَالْجَوَابُ إنَّا لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ لَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَذَانَ الْمَفْعُولَ الْيَوْمُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَالْأَذَانُ الَّذِي فُعِلَ فِي السُّوقِ وَالرُّكُوعُ لِلْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ فِي السُّوقِ وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَرْكَعَ عِنْدَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ هِشَامًا لَمَّا أَنْ نَقَلَهُ كَانُوا يَرْكَعُونَ بَعْدَهُ عَلَى أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ فِعْلَ هِشَامٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ مَثَلًا إنَّ النَّاسَ لَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ رِجَالٌ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ حَتَّى تُزَالَ بِهِمْ الْحُرْمَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ هُمْ رِجَالُهُ وَجُنْدُهُ وَحِزْبُهُ ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22] فَإِنْ قَالَ مَثَلًا إنَّ النَّاسَ لَا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ إنَّهُمْ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَصِّلَ كُلَّ ذَلِكَ لِلْمُحْتَسِبِ فَيَمْنَعُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ بِالْيَدِ الْقَوِيَّةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْإِمَامِ وَأَمَّا قَبْلَ إيصَالِ ذَلِكَ فَإِنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ لِأَجْلِ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَمَا حَوْلَهُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَعِيَّتِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا ذُكِرَ كُلِّهِ بِشَرْطٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

[فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ]

وَكَذَلِكَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمُؤَذِّنِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَذَانُ أَفْضَلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ كُلُّ مَا ذُكِرَ فَهُوَ مِنْ رَعِيَّتِهِمَا مَعًا فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَقْوَى وَأَفْضَلَهُمْ وَأَوْرَعَهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ إنْ اجْتَمَعَتْ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهَا فَأَكْثَرُهَا فَيَتَّخِذُ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ

مُؤَذِّنًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ الْمُؤَذِّنِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهَا لَكِنْ بَقِيَتْ الْأَوْصَافُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهَا فِيهِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ وَيُكْرَهُ لَهُ التَّطْرِيبُ فِي الْأَذَانِ وَكَذَلِكَ التَّحْزِينُ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ إمَالَةُ حُرُوفِهِ وَإِفْرَاطُ الْمَدِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ.

[فَصْلٌ فِي مَوْضِعِ الْأَذَانِ]

ِ وَمِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى بَابِهِ.
وَكَانَ الْمَنَارُ عِنْدَ السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بِنَاءً يَبْنُونَهُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَهَيْئَتِهِ الْيَوْمِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَحْدَثُوا فِيهِ أَنَّهُمْ عَمِلُوهُ مُرَبَّعًا عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ وَكَانَ فِي عَهْدِ السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مُدَوَّرًا وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ خِلَافًا لِمَا أَحْدَثُوهُ الْيَوْمَ مِنْ تَعْلِيَةِ الْمَنَارِ.
وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مُخَالَفَةُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. الثَّانِي: أَنَّهُ يَكْشِفُ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ صَوْتَهُ يَبْعُدُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَنِدَاؤُهُ إنَّمَا هُوَ لَهُمْ وَقَدْ بَنَى بَعْضُ الْمُلُوكِ فِي الْمَغْرِبِ مَنَارًا زَادَ فِي عُلُوِّهِ فَبَقِيَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَذَّنَ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ مِمَّنْ تَحْتَهُ صَوْتَهُ.
وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَنَارُ تَقَدَّمَ وُجُودُهُ بِنَاءَ الدَّارِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدُّورُ مَبْنِيَّةً ثُمَّ جَاءَ بَعْضُ النَّاسِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ الْمَنَارَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَلَيْهِمْ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَنَارِ وَالدُّورِ سِكَكٌ وَبُعْدٌ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا طَلَعَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ وَرَأَى النَّاسَ عَلَى أَسْطِحَةِ بُيُوتِهِمْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْهُمْ فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ الْمَنَارُ أَعْلَى مِنْ الْبُيُوتِ قَلِيلًا أَسْمَعَ النَّاسَ إذْ إنَّهُ يَعُمُّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُرْتَفِعًا كَثِيرًا وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً فَيُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فِي الصَّلَوَاتِ

الَّتِي أَوْقَاتُهَا مُمْتَدَّةٌ فَيُؤَذِّنُونَ فِي الظُّهْرِ مِنْ الْعَشَرَةِ إلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي الْعَصْرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ وَفِي الْعِشَاءِ كَذَلِكَ وَالصُّبْحِ يُؤَذِّنُونَ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ سُدُسِ اللَّيْلِ الْآخِرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَالْمَغْرِبِ لَا يُؤَذِّنُ لَهَا إلَّا وَاحِدٌ لَيْسَ إلَّا.

[فَصْلٌ فِي الْأَذَانِ جَمَاعَةً]

ً فَإِنْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ فَزَادُوا عَلَى عَدَدِ مَا ذُكِرَ وَكَانُوا يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الثَّوَابَ وَخَافُوا أَنْ يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ وَلَمْ يَسَعْهُمْ الْجَمِيعُ إنْ أَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَمَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِيهِ فَإِنَّهُمْ يُؤَذِّنُونَ الْجَمِيعَ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الرَّوْضَةِ لَهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِذَا تَرَتَّبَ لِلْأَذَانِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَرَاسَلُوا بَلْ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا وَهَذَا إنْ لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إلَى تَشْوِيشٍ، فَإِنْ أَدَّى إلَيْهِ لَمْ يُؤَذِّنْ إلَّا وَاحِدٌ، فَإِنْ تَنَازَعُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ انْتَهَى.
وَأَذَانُهُمْ جَمَاعَةً عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُخَالِفَةِ لِسُنَّةِ الْمَاضِينَ وَالِاتِّبَاعُ فِي الْأَذَانِ وَغَيْرِهِ مُتَعَيِّنٌ وَفِي الْأَذَانِ آكَدُ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ أَعْلَامِ الدِّينِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ قَوْمًا أَمْهَلَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ؛ وَلِأَنَّ فِي الْأَذَانِ جَمَاعَةً جُمْلَةُ مَفَاسِدَ.
مِنْهَا: مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الْأَذَانِ خَفِيَ أَمْرُهُ

فَلَا يُسْمَعُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْجَمَاعَةِ إذَا أَذَّنُوا عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ لَا يَفْهَمُ السَّامِعُ مَا يَقُولُونَ وَالْمُرَادُ بِالْأَذَانِ إنَّمَا هُوَ نِدَاءُ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ فَذَهَبَتْ فَائِدَةُ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ بَعْضَهُمْ يَمْشِي عَلَى صَوْتِ بَعْضٍ وَالْمُرَادُ بِالْأَذَانِ أَنْ يَرْفَعَ الْإِنْسَانُ بِهِ صَوْتَهُ مَهْمَا أَمْكَنَهُ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْأَذَانِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي أَثْنَائِهِ فَيَجِدُ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فَيَتْرُكُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُوَافِقُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَدْ مَضَتْ عَادَةُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى السُّنَّةِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَمِلَ الْحُسْنَ مِنْ تَنَحْنُحٍ أَوْ كَلَامٍ مَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤَذِّنَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ هَذَا وَهُوَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَكَيْفَ بِالْجَمَاعَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا خِيفَةَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَمَنْ حَوْلَهُ عَلَى غَفْلَةٍ فَقَدْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ لِبَعْضِهِمْ رَجْفَةٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ فَمَا بَالُكَ بِجَمَاعَةٍ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عَلَى بَغْتَةٍ.
وَقَدْ تَكُونُ حَامِلٌ فَتَأْخُذُهَا الرَّجْفَةُ بِذَلِكَ فَتُسْقِطَ وَتَرْتَجِفُ بِذَلِكَ الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ ثَابِتٌ وَتَشْوِيشُهُمْ كَثِيرٌ قَلَّ أَنْ يَنْحَصِرَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ جَمَاعَةً هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلَ الْمُؤَذِّنِينَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ عَلَى الْمَنَارِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيعًا إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَنْ كَثُرَ النَّاسُ وَكَانَ ذَلِكَ مُؤَذِّنًا وَاحِدًا فَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ فَهَذَا الَّذِي أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِيمَنْ قَبْلَهُ يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ شَيْئًا ثُمَّ أَحْدَثُوا فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ جَمْعًا كَثِيرًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
وَكَذَلِكَ زَادُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَنَارِ فَجَعَلُوهُمْ جَمَاعَةً وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ

مِنْهُمْ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ فَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ لَا بِالِابْتِدَاعِ وَإِنْ كَانَ لِأَخْذِ الْجَامِكِيَّةِ فَالْجَامِكِيَّةُ لَا تُصْرَفُ فِي بِدْعَةٍ كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ فَمَفَاسِدُهُ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْغَالِبِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْأَذَانِ بِالْأَلْحَانِ]

ِ وَلْيَحْذَرْ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالْأَلْحَانِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مِمَّا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي جَمَاعَةٍ يَطْرَبُونَ تَطْرِيبًا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ حَتَّى لَا يُعْلَمُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ إلَّا أَصْوَاتٌ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْأُمَرَاءِ بِمَدْرَسَةٍ بَنَاهَا ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا وَهَذَا الْأَذَانُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الشَّامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهِيَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ إذْ إنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ النِّدَاءُ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْهِيمِ أَلْفَاظِهِ لِلسَّامِعِ وَهَذَا الْأَذَانُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا دَخَلَ أَلْفَاظَهُ مِنْ شِبْهِ الْهُنُوكِ وَالتَّغَنِّي.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ وَهُوَ مِنْ الْبَغْيِ فِيهِ وَالِاعْتِدَاءِ.
قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ لِابْنِ عُمَرَ إنِّي لَأُحِبّكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ لَهُ لَكِنِّي أَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ لِأَنَّكَ تَبْغِي فِي أَذَانِكَ وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أُجْرَةً.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ وَلَمْ يَحْلُ لِي الْمَقَامُ بِهَا قَدْ ابْتَدَعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَذَانِ يَعْنِي الْإِجَارَةَ وَالتَّلْحِينَ انْتَهَى.
وَالْعَجَبُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ حَيْثُ يَرُدُّونَ عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

فِي كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالرُّجُوع إلَيْهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يُسْتَدَلُّونَ عَلَى جَوَاز هَذَا الْأَذَانِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مِمَّا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا حَدَثَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُقْتَدَى بِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ وَمَا حَدَثَ بِالشَّامِ إلَّا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ.
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى الْبِدْعَةِ إذَا حَدَثَتْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا بَلْ يَضُمُّ إلَيْهَا بِدَعًا أَوْ مُحَرَّمَاتٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَا أَنْ أَحْدَثُوا هَذَا الْأَذَانَ تَعَدَّتْ بِدْعَتُهُ إلَى مُحَرَّمٍ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْمَأْمُومِينَ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الْأَلْحَانِ وَذَلِكَ كَلَامٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ لَا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِذَلِكَ وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ سَرَى ذَلِكَ إلَى فَسَادِ مَنْ ائْتَمَّ بِتَسْمِيعِهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِدَاءُ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ فَإِنْ عُدِمَتْ فَلَا ائْتِمَامَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَهِيَ أَنْ يَرَى أَفْعَالَ الْإِمَامِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَرُؤْيَةُ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِينَ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا فِي صَلَاةٍ لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّسْمِيعِ جَمَاعَةً بِالْأَلْفَاظِ الْمَفْهُومَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتَسْمِيعِهِمْ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي صَلَاتِهِمْ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ

[فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ]

ِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْأَذَانِ ثَلَاثَةَ مَوَاضِعَ الْمَنَارُ وَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَمْنَعُ مِنْ الْأَذَانِ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي جَوْفِهِ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ لِلنَّاسِ لِيَأْتُوا إلَى الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ لِنِدَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل