كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- الكافي في فقه أهل المدينة
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)
- المحقق
- محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني
- الناشر
- مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1400هـ/1980م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
يكون أرسله بقرب الحرم ولا يؤكل عند مالك في الوجهين جميعا.
ومن قتل صيدا ثم أكله فليس عليه إلا جزاء واحد والجزاء عندنا كفارة لا فدية وإذا قتل قوم محرمون أو محلون في الحرم صيدا واحدا فعلى كل واحد منهم الجزاء والحلال فيما يصيده في الحرم كالمحرم في الحل والحرم وحرمة الحرم والإحرام إذا اجتمعا لم يجب بهما إلا جزاء واحد والقارن والمفرد في ذلك سواء وما كان للمحرم قتله من الصيد فجائز للحلال قتله في الحرم ولا يذبح المحرم شيئا من الطير المستأنس إذا كان اصله مستوحشا ولا حمام الأبراج وأما الدجاج والأوز فمثل البقر والغنم.
ولا يجوز لحلال ولا لحرام قطع شيء من شجر الحرم المباح ولا كسره ولا أن يحش في الحرم ولا بأس بقطع كل ما غرسه الآدميون من النخل والشجر وقد رخص في الرعي في الحرم وفي الهش من شجره الغنم ولا كفارة على من قطع شيئا من شجر الحرم عند مالك.
وكره مالك للمحرم قتل الضبع والثعلب والهر ورأى على من قتل شيئا منهما الجزاء والطير المستوحش كله: سباعه وغير سباعه يجزيها المحمرم إذا قتل شيئا منها إلا الحدأه والغراب وكره له قتل الخنزير والقرد والوزغ فإن خاف شيئا من ذلك على نفسه أو ماله جاز له قتله.
وفرق مالك بين فراخ الغربان وصغار الحيات والفار فأجاز قتل الصغير من الفأر والحية والعقرب وكره قتل فراخ الغربان لأنها تضر في صغرها.
وقد قال في الحية الصغيرة: لا يقتلها المحرم قال: ولا يقتل المحرم من دواب الأرض إلا ما يخافه على نفسه ولا يقرد المحرم دابته ولا
بعيره عند مالك أخذ فيه بقول ابن عمر وخالفه غيره فأجازوه إتباعا لعمر ويجوز عند مالك للمحرم طرح العلق عن الدابة والبعير وعن نفسه ولا يجوز عنده قتل الزنبور ولا البق ولا الذباب ومن قتل شيئا من ذلك أطعم ما تيسر ومن قتل جرادة فعليه حفنة من طعام وفي الكثير منه قيمته من الطعام وغير مالك لا يكره للمحرم قتل شيء من الحيوان المستوحش ولا سائر دواب الأرض وهوامها إلا ما كان صيدا يؤكل
باب الحكم في جزاء الصيد
ما قتل المحرم من الصيد فعليه جزاؤه وما يجزي من الصيد شيئان دواب وطير فيجزي ما كان من الدواب بنظيره من الغنم ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش وبقر الوحش بقرة وفي الظبي شاة وأقل ما يجزأ من الجزاء عند مالك ما استيسر من الهدي وكان ضحية وذلك الجذع من الضأن والثني مما سواه وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام وفي صغار الصيد عند مالك مثل ما في كباره ولا يفدي شيء عنده بعناق ولا بجفرة.
قال مالك: وذلك مثل الدية الصغير والكبير فيها سواء وقوله هذا عندي خلاف اصله لأن الجزاء عنده كفارة لا دية ولذلك يوجب على الجماعة إذا اشتركوا في قتل صيد جزاء كاملا على كل واحد منهم وهذا مجرى الكفارة على الصغير والكبير لا مجرى الدية وفي الضب عنده واليربوع قيمتهما طعاما ومن أهل المدينة من يخالفه
في صغار الصيد وفي اعتبار الجذع والثني ويقول بقول عمر في الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة خاصة فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك والدبس والغمري كله حمام.
وحكى ابن عبد الحكم عن مالك ان في حمام مكة وفراخها: شاة، قال: وكذلك حمام الحرم قال: وفي حمام الحل حكومة قال: ومن أحرم من مكة فأغلق باب بيته على حمام فمات فعليه في كل فرخ شاة وفي بيض النعامة عشر ثمن الدية عند مالك وفي بيص الحمامة المكية عنده عشر ثمن الشاة وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة ومن قتل صيدا بعد صيد فعليه كل مرة جزاؤه ومن صاد صيدا فقطع يده أو رجله أو شيئا من أعضائه وسلمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شيء عليه وقد قيل عليه من الجزاء بقدر ما نقصه والأول قول مالك.
ولو ذهب فلم يدر ما فعل فعليه جزاؤه ولو زمن الصيد ولم يلحق بالصيد أو تركه تخوفا فعليه جزاؤه جزاء كاملا وكفارة الصيد على التخيير لا على الترتيب يحكم بها على قاتله حكمان ذوا عدل يخيران المحكوم عليه فإن اختار الهدي أو الإطعام أو الصيام حكما عليه بمثل ما يختار موسرا كان أو معسرا فإن لم يحكم عليه حكمان فهو بالخيار أيضا فإن اختار الهدي حكما عليه بما مضى من السنة في ذلك لا يعدلان عنها وإن اختار الحكم بالطعام حكما عليه بقيمة الصيد طعاما بسعر موضعه الذي أصيب فيه فإن لم يكن فأقرب المدن إليه فيطعم كل مسكين بمد النبي عليه السلام وإن اختار الصيام
حكما عليه أن يصوم مكان كل مد يوما بالغا ما بلغ من الأيام ولا ينظر في ذلك إلا شهرين ولا إلى أكثر ويقوم الصيد حيث أصيب طعاما ولا يقوم المثل من النعم فإن قوم الصيد دراهم ثم قومت الدراهم طعاما جاز والأول أصوب عند مالك والتقويم إلى الحكمين والإطعام في الموضع الذي أصاب فيه الصيد حرما كان أو غير حرم فإن لم يكن ثم طعام ففي أقرب المواضع إليه مما يوجد فيه الطعام هذا هو المختار إلا يذبح الجزاء ولا يطعم عنه إلا حيث وجبت الجزاء وأما الصيام فجائز بكل مكان ولو أطعم في كل مكان أجزأ عند مالك ويطعم كل مسكين مدا أو يصوم مكان كل مد يوما ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض ولو اجتزأ بحكومة الصحابة فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا.
وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد فيه من الحكومة ويجتزئ في هذه الأربع بحكومة من مضى من السلف رحمهم الله.
باب ذكر ما يفسد الحج والعمرة والحكم في ذلك
قال الله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ الآية.
قال مالك: الرفث إصابة النساء،
فحرام على المحرم وطء النساء ومن أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يطأ امرأته ولا يتلذذ منها بشيء وإن لم تكن محرمة والذي يفسد إحرامه عند مالك إنزال الماء الدافق ما لم يكن احتلاما وكذلك مغيب الحشفة وكذلك عند مالك من قبل أو باشر أو أدام النظر فأنزل ومن نظر نظرة فأنزل لم يكن عليه غير الهدي ومن قبل أو باشر ولم ينزل فعليه دم وتجزئ شاة وقد قيل لا يفسد الحج إلا ما يوجب المهر والحد والأول قول مالك وفساد الحج يكون بما ذكرنا من الوطء والإنزال قبل الوقوف بعرفة عند جماعة أهل العلم بالمدينة وغيرها وكذلك عند مالك من وطئ بعد عرفة قبل رمي جمرة العقبة ناسيا أو عامدا إلا أن يكون أفاض قبل ذلك فإن كان قد طاف للإفاضة قبل رمي جمرة العقبة ثم وطيء كان عليه هدى وحجة تامه وإنما يفسد حج الواطيء قبل الرمي والإفاضة عند مالك إذا كان ذلك منه يوم النحر في أوله أو آخره.
وأما إذا كان وطؤه بعد يوم النحر فحجه تام وعليه العمرة والحج إن لم يكن طاف للإفاضة ولا رمى وإن كان قد طاف ولم يرم كان عليه الهدي خاصة وهذا كله تحصيل مذهب مالك وعليه أكثر أصحابه ومنهم من قال: إنه إن وطئ يوم النحر قبل الرمي فسد حجه وسواء كان قد أفاض قبل ذلك أو لم يفض وهذا قول ابن وهب وأشهب والأول أصوب.
وقال إسماعيل بن إسحاق: قول مالك فيمن وطئ قبل الإفاضة بعد رمي الجمرة أن عليه العمرة والهدي قول مستحسن على ما روي عن ابن عباس وعكرمة وفسره عبد الملك: ليكون طوافه بالبيت في إحرام صحيح
وأما القياس في ذلك: فما روي عن عمر بن
الخطاب وعن غير واحد من التابعين فيمن وقع على امرأته وهو حاج قبل أن يطوف بالبيت أن عليه الحج من قابل لأن الطواف بالبيت واجب لا يجوز أن يتركه بوجه من الوجوه قال الله عز وجل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فكان هذا الطواف واجبا وهو طواف الإفاضة قال: فلما كان هذا الطواف واجبا في كتاب الله ثم غشي الحاج قبل أن يفعله كان مفسدا لحجه ولا يجب في القياس أن يكون الطواف الصحيح للعمرة يقوم مقام الطواف الذي كان واجبا للحج ولكنه ضرب من الاستحسان وقول مالك إنه أحسن ما سمع بذلك عليه هذا كله كلام إسماعيل في مختصره المبسوط له.
وقد قال ابن نافع عن مالك: الطواف الواجب هو طواف الإفاضة وإليه يرجع من لم يطفه من بلده ولو كان من الأندلس حتى يطوفه ومن أفسد حجه بشيء مما ذكر فقد انتقض إحرامه وفسد حجه وعليه أن يمضي في حجته حتى يكملها ويحل منها بما يحل به من لم يفسد حجه سواء ثم عليه بدلها بحجة أخرى من قابل والهدي وسواء كان حجه فرضا أو تطوعا ولا يجوز له المقام على إحرامه إلى قابل ليقضي به حجه فإن أقام إلى قابل على إحرامه فحج به كان حجه فاسدا وعليه قضاؤه ولا يجوز له أن يجدد في حجه الفاسد إحراما ويقضي به ما أفسد وهو على الحج الفاسد حتى يتمه ثم يقضيه من قابل ويهدي ولا شيء عليه من قضاء الإحرام الذي جدده جاهلا لقضاء ما أفسده
في عامه فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع وكل من وجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لعدم قدرته عل الهدي لم يكن عليه أن يطعم وإنما هو هدي أو صيام ويهل المفسد لحجه من حيث كان أهل لحجته التي أفسدها يعني من ميقاتها وإن كان مما هو أبعد من الميقات لم يكن عليه عند مالك أن يحرم إلا من الميقات وكذلك العمرة إذا أفسدها بالوطء كان عليه بدلها من حيث أحرم بها وهدي ويفترقان في حج قابل من حيث أحرما وكذلك العمرة ومن أفسد حجه قارنا قضاه قارنا وإن أفسده مفردا قضاه مفردا ولا يقضي إفرادا عن قران وكذلك لا يقضي قرانا عن إفراد عند مالك وقال عبد الملك يجزئه ولا يفرق القارن حجه فيتمتع في قضاء ما أفسد قارنا وعلى القارن إذا أفسد حجه هدي الفساد وهدي لقرانه لحجة القضاء يسوقهما جميعا حين يحرم لحجة القضاء ولو قدم هدي الفساد كره له مالك ذلك وأجزأه وإذا أفسد القارن حجه ولم يجد هديا صام ستة أيام في الحج وأربعة عشر إذا رجع ويفرق بين الستة بالفطر إن شاء.
ومن وطئ عند مالك قبل تمام السبعة الأشواط من طواف الإفاضة ناسيا لشوط أو شوطين وقد كان رمى الجمرة فهو بمنزلة من لم يطف وعليه عنده العمرة والهدي ولو وطئ بعد تمام الطواف قبل أن يركع الركعتين أعاد الإفاضة فطاف وركع ثم اعتمر وأهدى فإن كان قد رجع إلى أهله ركع ركعتين حيث كان وأهدى وإن جامع المعتمر قبل تمام الطواف والسعي فقد أفسد عمرته وإن جامع بعد تمام السعي وقبل الحلاق فعليه دم وعمرته
تامة ومن أفسد عمرته مضى فيها حتى يتمها ثم يبدلها وأهدى هديا وإذا ذكر المعتمر بعد تمام عمرته أنه طاف على غير طهارة في أكثر ظنه تطهر وطاف وسعى وأمر الموسى على رأسه وأهدى ولو وطئ أهله ثم ذكر أن طوافه وسعيه لعمرته كان جنبا أو على غير وضوء كان عليه بدل عمرته والهدي.
ومن وطئ مرارا وهو محرم فليس عليه إلا هدي واحد وإن اكره امرأته على الوطء وهي محرمة كان عليه أن يحجها ويهدي عنها كما يهدي عن نفسه.
وإن طاوعته فعليها أن تحج وتهدي ومن أفسد بالوطء حجه ثم قضاه فأفسد بالوطء حجة القضاء أيضا كان عليه قضاؤها ووجب عليه حجتان، قاله مالك وابن القاسم وهو تحصيل المذهب.
وقال ابن وهب: عليه حجة واحدة وهديان.
وقال عبد الملك: ليس عليه إلا حجة واحدة قضاء تجزأ منهما جميعا كأنهما جميعا واحدا أفسده مرتين قال: وإنما الثاني من الهدي هو الأول لأنه أراده فلم يتم له فبقي عليه كما هو ذكره ابن المواز عن عبد الملك
باب فيمن فاته الحج بحصر مرض أو عدو أو خطأ في عدة أيام العشر
من أحصره المرض فإنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلاق ولو أقام سنين فإذا وصل البيت بعد فوات الحج عمل عمل العمرة وقطع التلبية عند دخوله الحرم،
وكذلك الذي فاته الحج سواء بأي وجه فاته وعليهما جميعا حج قابل والهدي للفوات يسوق هديه مع حجة القضاء ولا يجزئ واحد منهما الهدي الذي ساقه معه حين أحصر بالمرض لو فاته الحج فإن لم يجد الهدي الذي ساقه معه حين أحصر بالمرض لو فاته الحج فإن لم يجد الهدي صام صوم المتمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع تلك عشرة كاملة ولا ينبغس لمن فاته الحج لمرض أو عذر أو غير ذلك أن يعجل الهدي في عمرته التي يحل بها ولكن يؤخره إلى حجة القضاء إن كان ممن يرى على المحصر بعدو هديا فقد رآه بعض أصحاب مالك وجماعة من العلماء وإن عجله كرهه له مالك وأجزأ عنه ومن أصحابه من قال: لا يجزئه ووجه قوله ضعيف وقول مالك أصح.
وأما من أحصر بعدو غالب من فتنة أو غيرها فلهم قتال العدو ولهم تركه والتربص فإن كشف الله ذلك عنهم ورجوا إدراك حجهم نهضوا وإن يئسوا من زوال العدو نحر منهم من كان معه هدي وحلق كل واحد منهم وحل وسواء كان ذلك في الحل أو الحرم ولا هدي على واحد منهم ولا قضاء بحج ولا عمرة إلا أن يكون ضرورة لم يكن حج فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا ومن أهل المدينة من يقول إن الهدي على المحصر بعدو واجب ولا يحل إلا بهدي أو شرك في دم أقله سبع بدنة أو بقرة ثم يحلق.
وأما مالك فلا هدي عنده على من حصره العدو إلا أن يكون ساقه فينحره والحلاق سنة ونسك يجب على الحاج المقيم على حجه وعلى من فاته الحج وعلى من أحصر في الحج وأقام على حجه إلى القابل فإنه بحج ولا هدي عليه وليس ذلك كمن فسد حجه
لأنه لا يقام على حج فاسد وكل من فاته الحج تحلل بعمل عمرة وعليه الحج من قابل والهدي فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
والاحصار بمكة وغيرها سواء لمن صد عن البيت بعد أن أحرم وفوات الحج بفوت عرفة فمن وقف بعرفة على سنة الوقوف بها من بعد صلاة الظهر إلى طلوع الفجر أو أدرك الوقوف بها ليلا ولو أقل ساعة قبل طلوع الفجر فلم يفته الحج ومن لم يدرك شيئا من ذلك فقد فاته الحج وليس عليه عمل ما بقي من مناسك الحج وهو عند مالك بالخيار إن شاء أقام على إحرامه إلى قابل فأتم حجه وأجزأه ولا شيء عليه وإن شاء تحلل بعمرة ثم قضى قابلا وأهدى والاختيار أن يتحلل ولا يقيم على إحرامه إلى قابل وقد استحب مالك لمن أقام على إحرامه إلى قابل أن يهل أيضا احتياطا وإن أقام على إحرامه ولم يتحلل منه حتى دخلت شهور الحج من قابل لم يجز له التحلل ولزمه المقام حتى يحج.
ومن قدم مكة فطاف وسعى عند قدومه ثم مرض ففاته الوقوف بعرفة لم يجزه الطواف الأول وسعيه عن طواف تحلله وليطف وليسع مرة أخرى لتحلله وإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أضحاكم حين تضحون وفطركم حين تفطرون" أي باجتهادكم.
وروي عن ابن عباس والحسن البصري في قول
الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، قالا هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم
باب الهدي
تقلد الهدي وتشعر وكذلك البقر إن كان لها أسنمة وإلا قلدت ولم تشعر والغنم لا تقلد ولا تشعر فمن كان من أهل المدينة وساق هديا قلده وأشعره بذي الحليفة وكذلك سائر أهل الآفاق يقلدون ويشعرون حيث يحرمون والتقليد أن يجعل في عنقها حبل فيه نعل أو نعلان والأشعار الشق يشق في سنامها الأيسر عند مالك وعند غيره في الأيمن وكلاهما حسن، وقد روي عن مالك في الأيمن والأول أشهر عنه.
وإذا قلد الهدي أو أشعره فقد وجب ولا يجوز بيعه ولا هبته وإن مات موهبه ولم يورث عنه ونفد لوجهه ولا يجوز في الهدايا والضحايا إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه.
والدم في الحج على وجهين: دم هدي ودم نسك،
فالهدي: ما كان جزاء صيد أو دم متعة أو قران وما وجب لتجاوز الميقات أو ترك رمي الجمار والمبيت بمنى والمزدلفة وما أشبه ذلك من نقصان مناسك الحج.
وأما دم النسك: فهو ما كان في تخير الفدية في الأذى مما يوجبه إلغاء التفث وطلب رفاهة النفس على ما قدمنا ذكره في باب ما يجتنبه المحرم.
والهدي هديان: واجب وتطوع ويؤكل من الهدي كله واجبه وتطوعه إلا أربعة أشياء:
1-جزاء الصيد 2- وفدية الأذى 3- ونذر المساكين 4- وهدي التطوع إذا عطب قبل محله.
وأما الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فإنه يأكل منه صاحبه إن شاء لأن عليه بدله ولا بدل عليه في غير الواجب ان عطب قبل محله إلا أن يأكل منه ومن أكل من هدي لا يجوز الأكل منه ففيه قولان:
أحدهما: أنه يبدل الهدي كله،
والآخر: أنه لا يبدل إلا مقدار ما أكله منه والأول أشهر عن مالك والآخر اختيار عبد الملك بن عبد العزيز وهو قول الشافعي.
وقد روي عن مالك أنه أكل من نذر المساكين شيئا لم يكن عليه إلا مقدار ما أكل وان أكل من جزاء الصيد أو من فدية الأذى جزاه كله وأتى بفديته كاملة والهدي على من قرن أو تمتع أو فسد حجه أو ترك الرمي أو نحو ذلك بدنة فإن لم يجد فبقرة فإن لم يجد فشاة فإن لم يجد فصيام دون إطعام ولو أهدى شاة كره له مالك ذلك واجزأه وإذا حدث بالهدي عيب بعد التقليد أجزأ وقد قيل لا يجزأ والأول تحصيل مذهب مالك فإن قلده وبه عيب لا يجزئ مثله ولم يكن علم به رجع بأرشه على بائعه واستعان به في ثمن غيره وان كان الهدي تطوعا فقيل يصنع بالأرش ما شاء وقيل إنه يصرفه في هدي مثله ان بلغه وإلا تصدق به.
والسنة أن ينحر الهدي التطوع إذا عطب قبل محله ثم يضع قلادته في دمه ويخلي بين الناس وبينه يأكلونه ولا يأكل منه صاحبه ولا يطعم ولا يتصدق فإن أكل أو أطعم أو تصدق فالأشهر عن مالك أنه
إن أكل منه شيئا ضمنه كله ولا ينحر هدي التطوع قبل يوم النحر فإن فعل لم يجزه عند مالك ومن ساق هديا واجبا فضل قبل الوقوف بعرفة ثم وجده بمنى ففيه عن مالك روايتان احداهما ينحره بمنى ثم يبدله بهدي آخر ينحره بمكة بعد خروجه أيام منى والآخر أنه يؤخره وينحره بمكة ويجزئه عن واحد وهذا أولى ومن ضل هديه ولم يجد غيره أخر الصيام إلى منى ثم صام ولو وجد من يسلفه كان حسنا أن يستلف منه وأن أخر الصيام حتى رجع إلى بلده فقدر على الهدي أهدى ولم يصم ولا تركب البدنة إلا من ضرورة وولا يشرب من لبنها إلا كذلك بعد ري فصيلها ولا يشترك القوم في الهدايا ولا الضحايا وقد روي عن مالك أنه يشترك في هدي المعتمرين وفي التطوع دون الواجب وعند غير مالك يشترك السبعة في البدنة والبقرة في الهدي والتطوع وفي الواجب ولا ينحر الهدي إلا بمنى ومكة ولا ينحر منه بمنى إلا ما وقف بعرفة وإن فاته أن يقف بعرفة ساقه من الحل فينحره بمكة بعد خروجه من منى وأن نحره بمكة في أيام منى اجزأه وإذا أخطأ رجلان حاجان هديهما فذبح كل واحد منهما هدي صحابه عن نفسه وكانا قد أوقفاهما بعرفة اجزأهما ولم يكن عليهما شيء ولو كانا معتمرين ضمن كل واحد منهما قيمة ما ذبح ولم يجز عن واحد منهما واستأنفا الهدي وليس وقف الباعة وقفا ولا بد أن يقفه هو بنفسه أو يأمر من يقفه فإن وقف بأمره فسواء البائع في ذلك حينئذ وغيره وينحر البدن قياما مقيدة ولا يعقلها إلا أن تصعب ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى
عليها وتنحر باركه أفضل من أن تعرقب وتضجع البقر والغنم ولا ينحر أحد قبل الفجر يوم النحر فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى وليس عليهم انتظار نحر إمامهم والمنحر منى لكل حاج ومكة لكل معتمر ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يخرج واحد منهما إن شاء الله
باب ما لا يجبر بالدم دون الاتيان به
قد تقدم في أول كتاب الحج بتعيين فرائضه وهي أربع أولها الإحرام ثم الوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فمن لم ينو حجا ولا عمرة ولا أحرم بواحد منهما بنيته له وقصد إليه فلا حج له ومن لم يقف بعرفة أقل وقت ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر فلا حج له ومن لم يطف طواف الإفاضة رجع إليه من بلاده قال مالك في موطئه من نسي طواف الإفاضة حتى يخرج من مكة ويرجع إلى بلده كان عليه أن يرجع فيفيض وإن كان أصاب النساء رجع فأفاض ثم اعتمر وأهدى ولم يذكر مالك طوافه قبل ولا بعد ولا راعى شيئا من ذلك وهذا مذهب أهل المدينة من أصحابه وغيرهم.
أما أهل مصر والمغرب فجملة مذهب مالك عندهم في ذلك أن الطواف في حين دخول مكة وطواف الإفاضة كلاهما عنده واجب وكلاهما ينوب عن الآخر مع الهدي لمن نسي ذلك ولم يأت به حتى رجع إلى بلاده والتطوع
أيضا في ذلك ينوب عنده عن الواجب وطواف الصدر أيضا كذلك على ما بينا عنه في صدر هذا الكتاب فمن لم يطف لدخوله مكة ناسيا أو تاركا أو طافه ولم يكمله سبعا أو طافه منكوسا أو على غير طهارة أو أحدث فيه فتوضأ وبنى ولم يستأنف أو طافه بغير نية لما قصده من حج أو عمرة أو لم يدخل الحجر في طوافه أو لم يكمله من الحجر إله لم يجزه في ذلك كله طوافه وان في حكم من لم يطف ولزمه الرجوع إليه قريبا كان أو بعيدا إلا أن يكون طاف بعده للإفاضة وسعى أو طاف تطوعا وسعى فإن كان طاف تطوعا ثم أبعد ولبس الثياب ووطئ النساء كان عليه دم وكان له طوافه تطوعا عما وجب عليه وكذلك لو عرض له مثل ذلك في طواف الإفاضة عاد إليه ولو من بلده لأنه فرض واجب فطافه إلا أن يكون طاف بعده تطوعا أو للوداع فيجزئه عند مالك من العودة وعليه دم ومن أخر طوافه الموصول بالسعي قارنا كان ومفردا ثم طاف للإفاضة وصدر فلم يودع البيت اجزأه طواف الإفاضة عن ذلك كله إن كان معه سعي ولم يختلف قول مالك في وجوب الدم على من ترك طواف القدوم عامدا لأنه عنده من مسنونات الحج المؤكدات واختلف قوله إذا تركه أو ترك شيئا من سنن الحج معذورا فقال مرة عليه دم وقال مرة لا دم عليه وأما طواف الوداع فهو عنده مستحب لا يجب على تاركه شيء لأنه لما كان عمله بعد استباحة وطء النساء والعبيد أشبه التطوع الذي لا شيء على تاركه وقد تقدم اختلاف لفظ ما في المدونة وما ذكره أبو الفرج وما رواه ابن عبد الحكم في مراعاة
الطواف التطوع أو غيره قبل الإفاضة أو بعدها في أول باب من هذا الكتاب وقال ابن القاسم لو طاف بغير نية وسعى كان عليه أن يعود فيطوف بنية ويسعى فإن لم يفعل حتى رجع إلى بلاده أو تباعد اجزأه ذلك وكان عليه الهدي وهذا ما قدمت لك من أصلهم في عمل الحج أنه يجزأ فيه عندهم التطوع عن الواجب إلا في الإحرام خاصة.
ومن ترك من طوافه أو سعيه شوطا واحدا أو أكثر لم يجزه وكان عليه أن يأتي به بانيا أن كان قريبا أو مستأنفا أن تباعد فإن لم يذكره حتى رجع إلى بلاده عاد على بقية إحرامه فطاف وسعى وأهدى لتأخيره ذلك العمل عن وقته فإن وطئ أهله اعتمر وأهدى وكل من سعى بأثر طواف لم يتم سبعا أو بأثر طواف على غير طهارة كان كمن لم يسع لأن من شرط السعي عند مالك وأصحابه أن يكون بأثر طواف مجزئ متصل به وعلى هذا الذي وصفنا حاله الرجوع من بلده حتى يأتي الطواف والسعى فإن كان لم يطف للإفاضة كان حراما من النساء والطيب والصيد وكان عليه مع ذلك دم وقد خفف مالك مرة عنه الدم في ذلك وجعله كالمراهق.
وقد روي عن مالك فيمن طاف للإفاضة من غير سعي من غير سعي ولم يكن طاف معي ولا سعى قبل ذلك حتى خرج من مكة ان عليه عمرة وهديا ويجزئه من ذلك كله ومن ترك من السعي ذراعا لم يجزه حتى يسعى فيتم ما بين الصفا والمروة فإن صار إلى بلده وكان معتمرا كان حراما من كل شيء وان كان حاجا قد رمى الجمرة وحلق كان حراما من النساء والطيب والصيد عند مالك ثم يرجع فيبتدئ طوافه وسعيه.
ومن طاف
لعمرته على غير وضوء فهو كمن لم يطف وعليه أن يرجع من بلده حراما حتى يطوف ويسعى ويهدي لتأخيره السعي عن زمانه وليس الهدي واجبا عليه.
ولو طاف المتمتع أو المكي قبل خروجه إلى منى وسعى كان عليه أن يطوف للإفاضة ويسعى بعد انصرافه من منى فإن طاف ولم يسع حتى أتى بلده أجزأه السعي الأول وعليه هدي ومن لم يسع بين الصفا والمروة حتى رمى الجمرة فقد حل له من الثياب وغيرها ما حل للذي طاف وسعى
باب الإجارة على الحج والعمرة والوصية بذلك
الإجارة على الحج جائزة عن الميت إذا أوصى بها فإن كان الموصي لم يحج عن نفسه لم يجز أن يستأجر عنه صبي ولا عبد ويجوز ذلك في التطوع ومن تطوع بالحج أو العمرة عن غيره بعد أن حج عن نفسه فحسن إذا كان عن الميت وإذا أوصى أن يحج عنه وارثه فذلك جائز وله إجارة مثله وما زاد على ذلك فهو وصية إن أجازه الورثة جاز والا رجع ميراثا.
ويكره أن يتطوع بالحج قبل أن يؤدي فرضه وأن يؤاجر نفسه في ذلك فإن فعل شيئا من ذلك نفذ عند مالك وإذا أوصى بوصايا فأخذ الوصي الثلث وقاسم الورثة ثم دفع المال إلى من يحج فتلف المال أو تلف في يد الموصي فلا تبعة على الورثة.
والإجارة عند مالك في الحج على وجهين: إجارة مضمونة
وإجارة على البلاغ فالمضمونة تكون على حجة موصوفة من مكان معلوم بأجرة معلومة فيكون له الفضل من نفقته وعليه النقص وان مات قبل الفراغ من الحج كان له من الأجرة بحساب ما عمل وأخذ الباقي منه أو من ماله وأجرة البلاغ أن يدفع رجل إلى رجل آخر مالا ينفقه في الحج عن الميت فإن فضل شيء رده على من استأجره وان عجز المال عن نفقته وجب على مستأجره تمام نفقته وكذلك لو ضاع المال بعد الاحرام لزم من استأجره نفقته ولو ضاع قبل أن يحرم رجع ولم ينفذ لوجهه وهذا الوجه أكثر أهل العلم لا يجيزونه ومن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل دفعت الحجة إلى غيره إن كان الموصى له لم يحج عن نفسه وان كان قد حج عن نفسه بطلت الوصية ورجع المال ميراثا.
ومن أوصى أن يحج عنه بمال معلوم فوجد من يحج عنه بأقل رد الباقي على ورثته إلا أن يوصى بذلك لرجل بعينه فيكون المال كله له ومن استأجر على أن يحج مفردا فحج قارنا فأكثر أصحاب مالك على أنه يجزئ عن الموصي وعلى المستأجر الدم.
وقال ابن القاسم لا يجزئ وعليه الإعادة ولو تمتع جاز على قول مالك وعلى قياس قول ابن القاسم لا يجزئه والصواب عندي أنه يجزئه وعليه الدم وليس للمستأجر في الحج أن يستأجر غيره إلا أن يجعل ذلك إليه أو يؤذن له فيه ولو استؤجر على الحج في عام بعينه فعاقه عائق وحج في العام الذي يليه أجزأه ويجوز الاستيجار على العمر كما يجوز على الحج
باب رمي الجمار
قد تقدم في باب العمل في الحج ذكر وقت رمي جمرة العقبة انه من طلوع الشمس إلى زوالها فمن نسي رمي جمرة لعقبة يومن الننحر حتى امسى فيستحب له الهدي وليس بواجب عليه ومن نسيها يوم النحر ورماها أيام التشريق نحر بدنه ومن نسي حصاة واحدة من جمرة حتى مضت أيام الرمي.
كان عليه شاة فإن نسي الجمرة كلها كان عليه بقرة أو بدنة ووقت الرمي في أيام منى من زوال الشمس إلى غروبها ومن نسي رمي يوم من أيام منى أو أخره إلى الليل رمى ليلا ولا شيء عليه هذا قوله في موطئه.
وقد روي عنه أن عليه دما وليس بشيء لأنه لم يختلف قوله أنه لو رماه من الغد لم يكن عليه شيء ومن ترك الرمي يوما ورمى يوما بعده ثم ذكر ذلك اليوم الثالث بعد رميه رمى لليوم الذي ترك الرمي فيه ثم يعيد رمي يومه ولا يعيد اليوم الأوسط ويرمي عن الصبي والمريض اللذين لا يطيقان الرمي ويستحب للذي يرمي عنهما أن لا يرمي عن أحدهما حتى يرمي عن نفسه ولا يجوز أن يكون رميه عنه وعن غيره واحدا ولو فعل لم يجزه عن نفسه ولا عن غيره.
وينبغي للمريض أن يتحرى وقت الرمي فيكبر وإذا صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه وعليه مع ذلك دم عند مالك ومن ترك الرمي في يوم من أيام منى حتى انقضت فعليه دم وتجزئه شاة ولو ترك الرمي في الأيام الثلاثة كلها فعليه بدنة أو بقرة في الاختيار وتجزئه شاة ويجوز
لرعاء الإبل إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن يخرجوا عن منى لرعيهم ويقيمون فيه يوما وليلة ثم يأتون في الثالث من يوم النحر وهو النفر الأول فيرمون لليوم الذي مضى ولليوم الذي هم فيه ويتعجلون إن شاءوا أو يقيموا فإن اقاموا رموا في اليوم الرابع من يوم النحر ولأهل الآفاق أن يتعجلوا في اليوم الثالث من يوم النحر.
وهو الثاني من أيام التشريق يرمون بعد الزوال وينفرون نهارا ولا ينفرون ليلا ويكره لأهل مكة التعجيل في النفر الأول وكذلك الاختيار لامام الحاج ان يقيم إلى النفر الثاني ويكره له أن يكون نفره قبل ذلك
باب الحج بالصبيان
لا يجب على من لم يبلغ من الرجال والنساء الحج وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج بالصبيان الصغار وقد بينا في كتاب التمهيد من معاني الحج بالصبيان ما في كفاية وبيان فجائز أن يحج بالصبيان الصغار ذكورهم وإناثهم المراضع منهم وغير المرضع إلا أن المرضع ونحوه لا يجرد للاحرام ويجرد غيرهم من المتحركين بأنفسهم يجردون من الميقات وينوي أولياؤهم بذلك الإحرام ويجتنبون ما يجتنب الكبار ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات إلى الحرم أو إلى قربه.
وان تكلم الصبي لبى عن نفسه وان لم يتكلم لم
يلب عنه وان احتاج إلى دواء فيه طيب أو احتاج إلى إماطة أذى فعله به وليه وفدى عنه.
واختلف قول مالك وأصحابه في جزاء الصيد يقتله الصبي:
فقال بعضهم: هو كجنايته يكون في ماله.
وقال بعضهم: هو في مال الولي.
وهو الأشهر عن مالك.
ويطاف بالصبي ويسعى ويرمى عنه ان لم يستطع فعل ذلك بنفسه ولا يركع عنه وان قدر ركع عن نفسه ولا يطوف به إلا من طاف لنفسه وجائز أن يسعى عنه من لم يسع لنفسه ومن سعى بالصبي ينوي به السعي عن نفسه وعن الصبي أجزأهما ذلك عند مالك ويكره له أن يطوف به ينوي الطواف عنه وعن نفسه فإن فعل أعاد الطواف عن نفسه استحبابا ويجزئ عن الصبي.
وقد قيل إنه يعيد عن نفسه إيجابا وعن الصبي استحبابا والأول تحصيل المذهب والقول عندهم في الرمي عنه وعن نفسه كالقول في الطواف عنه وعن نفسه وإذا حج الولي بالصغير فما زاد على نفقته في الحضر فمن مال وليه إذا لم يخف عليه ضيعة في الحضر فإن خاف ذلك عليه فالنفقة كلها من مال الصبي وإذا بلغ الصبي في حجته مضى عليها حتى يتمها ولا تجزئه عن فرضه
باب في حج العبد وذوات الزوج
إن استأذن العبد سيده في الحج فحسن أن يأذن له فإن لم يفعل فليس ذلك عليه.
قال مالك: فإن حج معه فلا نرى أن
يمنعه ولا يحج العبد إلا بإذن السيد فإن أذن له فأحرم بالحج لم يكن له منعه وإن أحرم بغير اذن سيده فالسيد بالخيار في فسخ إحرامه أو تركه فإن فسخه فعليه القضاء إذا عتق ولو أذن له سيده في القضاء وهو رقيق اجزأه ولو عتق فحج به ينوي القضاء والفريضة أجزأه عن القضاء ولم يجزه عن الفريضة وحكم العبد إذا عتق بعد حجه أو بعد إحرامه بالحج كحكم الصبي يبلغ بعد حجه أو في حجه ولا يجزئه حجه ذلك عن حجة الإسلام.
وإذا أعتق العبد ليلة عرفة ولم يكن أحرم فأحرم ووقف بعرفة أجزأه عن فرضه فإن كان أحرم بالحج قبل ذلك تمادى في حجه وليس له رفض احرامه وتجديد احرام آخر للوقوف بعرفة وعليه التمادي في حجة حتى يتمه ولا يجزئه عن حجة الإسلام وكذلك الصبي يبلغ ليلة عرفة ولم يكن أحرم سواء في ذلك وليس على السيد جزاء ما قتل عبده المحرم من الصيد.
ولو نذر العبد حجا ثم عتق لزمه ما اعتقده من النذر في حال الرق ومن بلغ من الصبيان أو عتق من العبيد بعد ليلة النحر فلا خلاف بين العلماء أنه يتمادى في حجه فيتمه ولا يجزئه من حجة الإسلام وإذا أسلم الكافر وأدرك الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام وإذا تطوعت المرأة بالحج بغير اذن زوجها فحللها بعد إحرامها فعليها القضاء.
وقال سحنون: لا قضاء على المرأة إذا طلقت ولا على العبد إذا عتق فيما حللا منه ومن أكره امرأته على الوطء وفسد حجها ثم فارقها وتزوجت لم يكن لزوجها منعها من أداء ما وجب عليها ومؤونتها على المطلق لها لأنه لما أكرهها كان عليه أن
يحجها ومن أذن لامرأته في الحج ثم أكرهها على الوطء كان عليه أن يحجها ومن أذن لجاريته في الحج فأحرمت ثم باعها لم يكن للمشترى أن يحللها ولا أن يمنعها من المضي في إحرامها وذلك عيب إن شاء رضي المشتري به وإن شاء رده
باب جامع الحج
جائز عند مالك الطواف تطوعا وواجبا بعد العصر وبعد الصبح إلا أنه لا يكون إلا أسبوعا واحدا لأنه لا يلزم الطائف أن يصلي بأثر كل أسبوع ركعتين ولا تطوع عنده في هذين الوقتين وجائز أن يركع الركعتين إذا غربت الشمس قبل صلاة المغرب وجائز أيضا أن يؤخرهما حتى يصلي المغرب ثم يركعهما بعدها قبل أن يتنفل وتقديم المغرب على الركوع أولى وأحب إلينا ويكره مالك وأكثر الفقهاء أن أن يطوف المرء أسابيع ثم يجمع ركوعها ومن أفاض في يوم جمعة فليرجع إلى منى ويدع الجمعة وإذا لم تطف المرأة للإفاضة لحيض أو نفاس حبس عليها كريما أقصى ما يحبس الدم النساء في الحيض والنفاس ولا حجة للكرى بأن يقول لم أعلم أنها حامل.
وقال ابن المواز: كيف يحبس عليها الكرى وحده يعرض ليقطع به في الطريق ويقصر الصلاة بعرفة عند مالك كل من شهدها من أهل مكة ومنى وسائر الآفاق إلا أهل عرفة وكذلك أهل متى لا يقصرون بمنى ويقصرون في غيرها من المشاهد كلها وكذلك
أهل المزدلفة لا يقصرون بها ويقصرون بعرفة ومنى ويقصر أهل مكة بعرفة ومنى ويتمون بمكة هذا قول مالك وأصحابه وأما سائر أهل العلم فيقولون لا يقصر في شيء من تلك المشاهد إلا مسافر بينه وبين بلده مسافة يقصر في مثلها إذا كان سفره متصلا لم تنقضه إقامة.
ويستحب المقام بالمحصب عند الصدر من منى قبل دخوله مكة ويصلي به الأوقات إلى العشاء الأخيرة ثم يدخل مكة ليلا ومن ترك ذلك فلا شيء عليه ويستحب النزول بالمعرس لمن قفل إلى المدينة والصلاة فيه ولو قدمه في غير وقت صلاة انتظر به الصلاة إلا أن يخاف فوت رفقته فان كان ذلك جاز له أن ينفر قبل أن يصلي ومن صدر من منى فطاف للإفاضة ونفر أجزأه ذلك عن إفاضته ووداعه ودخول البيت كلما قدر عليه حسن والصلاة فيه نافلة حسن ولا يدخله أحد بنعليه والمعتمر إذا انصرف بأثر سعيه وطوافه لم يكن عليه وداع.
ويستحب لمن بات بمكة بعد أن ودع أن يعيد الوداع حين خروجه.
ومن نسي طواف الإفاضة وقد ودع أجزأه وداعه عن إفاضته إذا بعد وإذا ارتد الرجل بعد أن حج ثم تاب عن ردته فعليه حجة أخرى وأجاز مالك حج الأغلف ولا بأس بأخذ إذخر الحرم والسناء للحلال والحرام وما جاز للحلال أن يفعله في شجر الحرم جاز للمحرم
باب خطب الحج
خطب الحج عند مالك وأصحابه ثلاث خطب كلها مسنونة،
أولها: قبل يوم التروية بيوم وهو اليوم السابع من ذي الحجة يخطب فيه الإمام بمكة خطبة واحدة بعد الظهر ويعلمهم فيها المناسك.
والثانية: يوم عرفة قبل الصلاة إذا سكت المؤذن من الأذان بين يدي الإمام كما يفعل في الجمعة وهي خطبتان يفصل بينهما بجلوس وإن شاء أذن المؤذن حين يجلس الإمام من الخطبة الأولى فيها.
والثالثة: بمنى يوم ثاني النحر وهو يوم القر يخطب بعد الظهر خطبة واحدة يعلمهم فيها بأن النفر الأول في اليوم الثاني من ذلك اليوم ولا خطبة عند مالك وأصحابه يوم النحر وعليه أكثر الناس.
وروي عن سعيد بن المسيب في خطبة الحج مثل قول مالك وكان الزهري يقول: الخطبة الثالثة إنما كانت يوم النحر فأخرها الأمراء للشغل
باب العمرة
العمرة عند مالك وأصحابه غير مفترضة وهي عنده واجبة وجوب سنة لا يجوز لأحد قدر عليها تركها وهي أوكد من الوتر ومن أهل المدينة جماعة يرونها مفترضة كالحج وهو قول ابن عمر وابن عباس وجائز عملها قبل الحج ومعه وبعده في أشهر الحج وفي غيرها.
ومن كان حاجا مفردا لم يعتمر حتى يفرغ من حجه ولا يعتمر أحد من الحاج حتى تغرب الشمس من آخر أيام التشريق ولا بأس أن يهل أهل الآفاق في أيام التشريق بالعمرة وأما الحج فلا،
فإن رمى في آخر أيام التشريق وأحرم بعمرة بعد رميه وقبل غروب الشمس لزمه الإحرام لها ومضى فيها حتى يتمهى فإن اتمها قبل غروب الشمس لم تجزه فإن أحرم بها قبل رميه لم يلزمه عملها ولا قضاؤها عند مالك وكره مالك العمرة في السنة والواحدة مرارا وأجازها جماعة من علماء أهل المدينة وغيرهم وجائز عند مالك أن يعتمر في ذي الحجة وأخرى في المحرم وان قرب ما بينهما والعمرة من الميقات أفضل منها من الجعرانة والتنعيم ولا يجوز لمكي أن يحرم بعمرة حتى يخرج إلى الحل وعمل العمرة بعد الإحرام بها أن يلبي قاصدا إلى البيت فإذا أخذ في الطواف قطع التلبية وإن شاء قطعها إذا رأى البيت وإن شاء إذا دخل المسجد هذا كله لمن أحرم من التنعيم وأما من أحرم من الميقات أو الجعرانة فقد بينا وجوه ذلك فيما مضى من هذا الكتاب فإذا طاف سبعا وسعا سبعا على سنة الطواف والسعي على حسب ما قدمنا ذكره في الحج حلق رأسه وتمت عمرته وان قصر من شعره اجزأ ذلك عنه والحلاق أفضل وقد مضى من أحكام العمرة في باب وجوب الحج وباب التمتع ما فيه كفاية