كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- الكافي في فقه أهل المدينة
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)
- المحقق
- محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني
- الناشر
- مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1400هـ/1980م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب اختلاف المتبايعين في السلم أو غيره
وإذا اختلفا عند قبض السلم أو قبل قبضه في نفس الشيء نحو أن يقول المبتاع أسلمت إليك في قمح ويقول البائع في شعير أو سلت أو عدس تحالفا إلا أن يأتي أحدهما في دعواه بما لا يعرف مثله في رأس مال ذلك المسلم فيكون القول أبدا قول من أتى بما يشبه أو قال أحدهما ابتعت منك حمارا وقال الآخر بغلا أو قال أحدهما بعيرا وقال الآخر ثورا أو قال أحدهما ثوب قطن أو خز وقال الآخر ثوب كتان ونحو هذا كله فإنهما يتحالفان ويتفاسخان ويبدأ البائع باليمين فإن حلف لزم المبتاع ما حلف عليه إلا أن يحلف على ما ذكره ويبرأ فإن حلف المبتاع تفاسخا البيع فإن نكل البائع عن اليمين حلف المبتاع إن شاء وكانت السلعة له بما حلف عليه فإن أبى أيضا من اليمين
تفاسخا أيضا وإن اختلفا عند حلول السلم فإن قال البائع أسلمت إلي في حنطة بيضاء وقال المبتاع أسلمت إليك في حنطة سمراء فالقول قول البائع مع يمينه وكذلك لو اتفقا في رأس المال عند حلول السلم واختلفا في المكيلة فقال أحدهما في صفة كذا وقال الآخر بل في صفة كذا أو قال أحدهما أسلمت إليك دينارا في قفيزين وقال الآخر بل في قفيز واحد أو قال أحدهما إلى شهر وقال الآخر إلى شهرين أو قال أحدهما في زيت أخضر وقال الآخر مطموري وهكذا أبدا إذا اتفقا في تسمية الشيء بعينه قمحا أو زيتا أو قطنا واختلفا في صفته عند قبضه وقد اتفقا في رأس المال فالقول قول البائع وهو المسلم إليه أبدا مع يمينه وهذا في جميع الأشياء إذا اتفقا في عين الشيء وجنسه واختلفا في اللون والمكيلة والوزن أو العدد والاجل كان القول في ذلك كله قول البائع مع يمينه وذلك إذا جاء بما يشبه وإلا فالقول قول من جاء بما يشبه وفيها قول آخر أنهما سواء واختلفا في عين المبيع أو في صفته أو في أجله فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وهو قول أشهب والأول تحصيل المذهب ولو اختلفا في موضع قبض السلم ولم يكن لأحدهما بينة حكم على البائع بالقضاء في الموضع الذي
انعقدت فيه بينهما الصفقة فإن اشترط عليه أن يوفيه ذلك بجميع سوق تلك السلعة في تلك الحاضرة والقرية إلا أن تكون السلعة مما لا سوق لها فإنه يوفيه ذلك في أي موضع شاء من تلك الحاضرة والقرية إن كانت أقطارها بعيدة وللحمل في ذلك مؤونة وتشاحا في ذلك ومن عقد صفقة السلم في داره أوفاه البائع ذلك هنالك وبالله التوفيق
باب بيع ما سلم فيه من العروض قبل القبض من البائع وغيره
من أسلم في شيء من العروض كلها الكتان والقطن والعصفر والصوف والحديد والنحاس والدواب والرقيق والثياب وسائر الحيوان والعروض وكل ما عدا المأكول والمشروب فحل أجل ما سلم فيه أخذ ما شاء أدنى عينا أو أقل كيلا أو وزنا أو عددا أو أجود عينا أو أكثر كيلا أو أكثر وزنا أو عددا كيف شاء من ذلك كله إذا حل أجل ما سلم فيه وقبض ما أخذ قبل
أن يفترقا فإن تأخر ذلك لم يجز وكان من باب الكالئ بالكالئ ولا بأس ببيع ذلك كله من المسلم إليه من جميع الأشياء كلها بعد أن يكون ما يبيعه منه مخالفا لما نقده فيه ويتعجل ذلك أيضا ولا يؤخره فإن آخره صار من الكالئ بالكالئ ولا بأس أن يبيعه أيضا من بائعه بمثل ما أسلم إليه فيه في صفته وكيله ووزنه أو أقل أو أدنى عند محل الأجل أو قبله أو بعده فإن أسلم إليه فيه ذهبا فجائز أن يبيعه منه بذهب مثله أو أدنى منه وزنا وعينا ولا يجوز أن يأخذ منه أكثر منها من ذهب ولا أرفع عينا وكذلك الفضة وإن كان أسلم عرضا في عرض فجائز أن يبيعه منه قبل أجله وبعده بمثل عرضه الذي أسلم فيه أو أدنى منه عينا أو أقل وزنا أو كيلا أو عددا يعجل ذلك ولا يؤخره على ما مضى في باب بيع العروض بعضها ببعض نقدا أو نسيئة ولا يجوز أن يأخذ منه أجود عينا ولا أكثر منه عددا ولا وزنا ولا كيلا معجلا ولا مؤجلا ولا يأخذ ذهبا من فضة ولا فضة من ذهب وكل من أسلم ذهبا في عرض من العروض لم يجز له أن يبيعه من بائعه قبل قبضه بشيء من الورق وكذلك لو كان رأس المال ورقا لم يجز له أن يبيعه منه قبل قبضه بشيء من الورق وكذلك لو كان رأس المال ورقا لم يجز له أن يبيعه من قبل قبضه بشيء من الذهب وأما بيع ما سلمت فيه من
العروض كلها من غير بائعها فلا بأس بذلك قبل قبضه عند أجله أو قبل أجله بما شئت من الثمن كله بمثل نقدك أو أكثر وزنا أو أجود عينا أو أقل وزنا أو أدنى العروض كلها من غير بائعها فلا بأس بذلك قبل قبضه عند أجله أو قبل أجله بما شئت من الثمن كله بمثل نقدك أو أكثر وزنا أو أجود عينا أو أقل وزنا أو أدنى عينا أو بما شئت من العروض كلها وهذا كله فيما عدا المأكول والمشروب وأما المأكول والمشروب من الأدام والطعام كله فلا يباع شيء منه قبل أن يقبض ويستوفى لا من بائعه ولا من غيره على ما مضى في الأبواب المتقدمة من هذا الكتابعينا أو بما شئت من العروض كلها وهذا كله فيما عدا المأكول والمشروب وأما المأكول والمشروب من الأدام والطعام كله فلا يباع شيء منه قبل أن يقبض ويستوفى لا من بائعه ولا من غيره على ما مضى في الأبواب المتقدمة من هذا الكتاب
باب بيع الخيار
اشتراط الخيار بين المتبايعين جائز في كل ما يتبايعان به ما خلا الصرف والطعام بالطعام كله اداما أو قوتا أو فاكهة على ما قدمنا في مواضعه من هذا الجزء ومن لم يشترط الخيار في عقد صفقته لم يجب له وخيار المجلس عند مالك باطل وعقد البيع بالقول عنده لازم والخيار أكثر من ثلاثة أيام عنده جائز لمن اشترطه ولو اختلفا في مدة الخيار ضرب للسلعة مدة معلومة مثلها وليس للخيار عنده حد
موقت لا يتجاوز وإنما هو على حال السلعة فمدة خيار المتبايعين في البز والثياب كلها والسلع والحبوب المدخرة المأكولة وغير المأكولة من سائر العروض ما بينه وبين ثلاثة أيام وفي الرقيق ما بينه وبين جمعة وفي الدواب ركوب البريد ونحوه وفي الدور وسائر العقار ما بينه وبين الشهر وفي الأطعمة المبيعة في الأسواق التي لا بقاء لها والحيتان والفواكه الرطبة الساعة ونحوها وأقلها مدة الحيتان الطرية ولا يجاوز في شيء من هذه الأشياء مدة الخيار المرسوم لها ولكل صنف على قدر ما يرى لها ما لم يخف عليه التغيير ولا يجوز اشتراط النقد في بيع الخيار فإن نقد المشتري الثمن بغير شرط فأرجو أن يكون ذلك واسعا وكذلك لا يجوز شرط النقد في سلعة غائبة ما كانت حيوانا أو غيره إلا أن يكون موضعها على مثل اليوم واليومين ونحو ذلك إلا في الدور والأرضين فإنه يجوز النقد فيها بشرط وإن كانت غائبة وجائز اشتراط الخيار للبائع أو للمشتري أولهما جميعا وجائز أن يشترط كل واحد منهما الخيار لغيره كقولك إن رضي فلان أو على مشورة فلان إلا أن يكون فلان غائبا غيبة بعيدة فإن كان ذلك لم ينعقد البيع على ذلك ولم يجز ومن اشترط الخيار
انتظر خياره فإن اختار إمضاء البيع مضى وإن اختار فسخه بطل ولا يسقط خياره إلا بإمضاء البيع وانقضاء مدة الخيار أو بتصرفه في السلعة تصرف اختيار ومن اشترى سلعة على أن يستأمر ويشاور ولم يسم أحدا وفسخ البيع قبل المؤامرة والمشاورة فذلك له ولو اشترط خيار رجل بعينه تمكن له مشاورته في مدة خيار تلك السلعة لم يكن له فسخ البيع قبل اختيار ذلك الرجل إلا أن يموت فيكون الخيار عندئذ له دون ورثة الرجل ومن اشترى شيئا بالخيار وجاء به بعد مدة الخيار بيسير كان له رده وإن تطاول ذلك لزمه أخذه وإن اشترط البائع والمبتاع الخيار لأنفسهما جميعا فاختار أحدهما إمضاء البيع واختار الآخر فسخه فالقول قول من اختار الفسخ منهما وكل من اشترى بالخيار وتلف عند المشتري في مدة الخيار نظر فإن كان ما تلف من ذلك ظاهرا بينا مما لا يغاب عليه كانت المصيبة فيه من البائع وما خفي من ذلك ولم يظهر فمصيبته من المشتري القابض له إلا أن تقوم له بينة على تلفه فيسقط عنه ضمانه وما تلف من ذلك في يد البائع أو غيره ولم يكن بيد المشتري فالمصيبة فيه أبدا من البائع دون المشتري وهو قول مالك والليث
ومن اشترى من رجل ثوبين وبان بهما إلى نفسه على أن يأخذ مختارا أيهما شاء فضاع أحدهما قبل اختياره لزمه نصف قيمته وكان له رد الآخر إن شاء وقيل هو شريك فيما تلف وفيما بقي عليه بنصف ثمن التالف ونصف ثمن الباقي وإن ظهر تلفه لأن الشراء قد وجب له في أحدهما ولم يكن له ردهما جميعا وهذا إذا كان ثمن كل واحد منهما سواء وهذا عندهم من باب بيع شاة من غنم تختارها أو ثوب من ثياب يختاره ومن أخذ ثوبين على أنه بالخيار إن شاء اشترى أحدهما أو ردهما جميعا فتلف أحدهما قبل اختياره فإن بان تلفه فمصيبته من بائعه وللمشتري الخيار في الثاني منهما بعد أن يأخذه بالثمن أو يرده وإن تلفا جميعا ضمن أحدهما ولا ضمان في الآخر وسواء قامت له بينة على تلفه أم لا وسواء صدقه البائع أم لا ومن اشترى ثوبين من رجلين على الخيار ثم اختلطا ولم يتميزا له لزمه البيع فيهما وسقط خياره ونفقة الحيوان في شراء الخيار على البائع وما دخل في ذلك من نقص فعلى البائع ولا خيار للمتبايعين عند مالك رحمه الله بعد تمام الكلام بينهما والفراغ من العقد إلا أن يشترطاه
باب بيع المرابحة
البيع جائز مساومة ومرابحة فأما المرابحة فإنه يجوز بيع المرابحة على ربح معلوم بعد أن يعرف رأس المال ويبلغه فإن تغيرت السلعة لم يبعها مرابحة حتى يبين ومتى دخلها نقص لم يبعها مرابحة حتى يبين فكذلك ما حالت سوقه ولا ما اشترى فنقد خلاف النقد الجاري في ذلك الوقت لا يبيع شيئا من ذلك مرابحة حتى يبين ومن اشترى سلعة بعرض من العروض لم يبعها مرابحة حتى يبين فإن بين جاز وكان على المشتري مثل تلك السلعة في صفتها ويكون على ما سميا من الربح وغير مالك لا يجيز ذلك لأنه بيع على مثل تلك السلعة في غير سلم مضمون فأشبه بيع ما ليس عندك وهو قول أشهب ولا بأس أن يبيع ما اشترى من أبيه وابنه وعبده مرابحة دون أن يبين إن لم يكن في شرائه محاباة ولو كذب في بيع المرابحة كان المشتري بالخيار إذا ثبت خلاف ما قال في شراء السلعة إن أحب أن يأخذها بجميع الثمن أخذ وإن أحب أن يرد رد وفسخ البيع فإن فاتت السلعة وظهر على كذبه حط عن المشتري مقدار الكذب وحصته من الربح إلا أن تكون قيمة السلعة كرأس المال في الثمن أو أكثر فلا يحط منه شيء لأن الذي يلزم البائع في هذا الأقل من الثمن أو القيمة وكذلك الحكم في
الخيانة كلها في باب المرابحة إذا كتم شيئا يلزمه بيانه مما يحط من الثمن ولا يقبل قول المشتري في الخيانة إلا ببينة عدل ومن باع سلعة بثمن معلوم مرابحة ثم أخبر أن ثمنها أقل مما ذكره أولا وأنه غلط في ذلك ولم يرض المشتري الربح الأول فسخ البيع بينهما إلا أن يتراضيا على شيء فيجوز فإن فاتت السلعة في يد مشتريها لزمته قيمته ما لم ينقص من رأس ماله الذي رجع إليه والربح على حسابه وما لم يزد على الثمن الذي وافقه عليه أولا وإن ذكر أن ثمنها أكثر مما أخبر به أولا لم يقبل قوله إلا ببينة فإن قامت له على ذلك بينة والسلعة قائمة فسخ البيع بينهما إلا أن يتراضيا على شيء فيجوز وإن فاتت السلعة في يد مشتريها ضمن قيمتها ما لم يزد على الثمن الذي أخبر به ثانيا وربحه على حسابه ما لم ينقص عن الذي أخبر به أولا وربحه بحسابه ولا يحسب التاجر في سلعته بنفقة نفسه كان المال له أو كان قراضا وكذلك لا يحسب أجرة السمسار وأجرة الشد والطي وكراء البيت فأما كراء الحمولة ونقل المتاع من بلد إلى بلد والنفقة على الرقيق فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب ربح ذلك إلا أن يشترط ربحه على ذلك بعد بيانه للمشتري فربحه فيها على ذلك وقد قيل أنه يحسب أجرة السمسار وقال به طائفة من أصحابه والأول تحصيل مذهبه ويحسب الصبغ والخياطة والقصارة والتطريز
وكل ما فيه تأثير في عين السلعة وزيادة فيها ويحسب لذلك حظه من الربح إذا كان البيع للعشرة أحد عشر ونحو ذلك وإن كان ربحا في الجملة دخل ذلك فيه