الاعتقاد القادريالمبحث الثاني: متن الاعتقاد القادري

المبحث الثاني: متن الاعتقاد القادري

لا يتجاوز متن الاعتقاد القادري بضع صفحات، فقد نقله ابن الجوزي بتمامه وحروفه، في تاريخه1، وأما حكاه ابن الجوزي من طول الكتاب2، وكذا الذهبي3وابن كثير4، فلعله باعتبار ما أُلحق به وأضيف إليه في تلك المجالس التي جُمع فيها العلماء من أجل إقرار هذا الاعتقاد، حيث تضمنت تلك المجالس شيئاً من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، وفضائل الصحابة رضي الله عنهم، وحكاية مناظرة عبد العزير الكناني بشر المريسي، والطعن في القائلين بخلق القرآن.
يقول الذهبي - في حوادث سنة 420هـ -:- "وفي شعبان جُمع العلماء والقضاة في دار الخلافة، وقريء عليهم كتاب طويل عمله القادر بالله، يتضمن الوعظ، وتفصيل مذهب السنة، والطعن على المعتزلة، وفيه أخبار كثيرة في ذلك.
وفي رمضان جُمعوا أيضاً، وقريء عليهم كتاب طويل عمله القادر بالله، فيه أخبار وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه ردّ على من يقول بخلق القرآن، وحكاية ما جرى بين عبد العزيز وبشر المريسي ثم ختمه بالوعظ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وفي ذي القعدة جمعوا الكتاب الثالث في فضل أبي بكر وعمر، وسبّ من يقول بخلق القرآن، وأعيد فيه ما جرى بين عبد العزيز وبشر المريسي، وأقام الناس إلى بعد العتمة حتى فرغ، ثم أخذ خطوطهم بحضورهم وسماع ما سمعوا.5" والمقصود أن الاعتقاد القادري لا يزيد عن بضع صفحات، حيث اقتصر ابن الجوزي على نقل هذا الاعتقاد بحروفه، دون أن يذكر تصرفاً أو اختصاراً، إضافة إلى أن ابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله: " وقد سرده ابن الجوزي بتمامه في منتظمه.6" كما أن الأئمة الذي احتجوا بهذا الاعتقاد - كابن تيمية والذهبي وابن القيم- لا تتجاوز نقولهم ما جاء في هذه الصفحات المعدودة - والله أعلم -

وسنورد الاعتقاد القادري بعد مراجعته على نسخة خطية من المنتظم1، وعلى أكثر من نسخة مطبوعة2، وذلك على النحو التالي:- " يحب على الإنسان أن يعلم أن الله عز وجل وحده لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وهو أول لم يزل وآخر لايزال، قادر على كل شيء، غير عاجز عن شيء، إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، غني غير محتاج إلى شيء، لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يُطْعِم ولا يُطْعَم، لا يستوحش من وحدة، ولا يأنس بشيء، وهو الغني عن كل شيء، لا تخلفه3الدهور والأزمان وكيف تغيره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان، والليل والنهار والضوء والظلمة، والسموات والأرض، وما فيها من أنواع الخلق، والبر والبحر وما فيهما، وكل شيء حيّ أو موات أو جماد، كان ربنا واحد لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه، فاستوى عليه4كيف شاء وأراد، لا استقرار5، راحة كما يستريح الخلق، وهو مدبِّر السموات والأرضين ومدبِّر ما فيهما، ومن في البر والبحر، ولا مدبِّر غيره، ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم، ويميتهم ويحييهم، والخلق كلهم عاجزون، الملائكة6والنبيون والمرسلون والخلق كلهم أجمعون، وهو القادر بقدرة، والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والبصير7ببصر، يعرف صفتهما من نفسه.
لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام8لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه عليه السلام، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية، ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلّم به تكليماً، وأنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلا جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق بكل9حال، متلواً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً، ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه، ويعلم أن الإيمان قول وعمل ونية، وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح

وتصديق به، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ذو أجزاء وشعب، فأرفع أجزائه لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عندالله، ولا بماذا يختم له، فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله، وأرجو أن أكون مؤمناً، ولا يضره الاستثاء والرجاء، ولا يكون بهما شاكاً ولا مرتاباً، لأنه يريد بذلك ما هو مغيّب عنه عن أمر آخرته وخاتمته، وكل شيء يتقرب به إلى الله تعالى ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسننه، وفضائله فهو كله من الإيمان منسوب إليه، ولا يكون للإيمان نهاية أبداً؛ لأنه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع1في الفرائض أبداً، ويجب أن يحبّ الصحابة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم، ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ويشهد للعشرة بالجنة ويترحم على أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن سبّ عائشة فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية إلا خيراً، ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر، آية 10)، وقال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ الأعراف، آية 43)، ولا يكفّر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها، فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر وإن لم يجحدها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر"، ولايزال كافراً حتى يندم ويعيدها فإن مات قبل أن يندم ويعيد، أو يضمر أن يعيد لم يصل عليه، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبيّ بن خلف، وسائر الأعمال لا يكفّر بتركها، وإن كان يفسّق حتى يجحدها، ثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين، وعلى منهاج الدين والطريق الواضح، ورجي به النجاة من النار ودخول الجنة، وإن شاء الله، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلم "الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم" وقال عليه السلام: "أيما عبد

جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها يشكر، وإلا كانت حجة عليه والله ليزداد بها إثما، ويزاد بها من الله سخطاً1جعلنا الله لآلائه من الشاكرين، ولنعمائه ذاكرين وبالسنة معتصمين وغفر لنا ولجميع المسلمين.2" وبعد أن سقنا الاعتقاد القادري بتمامه، فيمكن أن نتبعه بتعليقات يسيرة على النحو الآتي:- ابتدأ - الاعتقاد القادري - بالتوحيد، أهم أصول الاعتقاد وآكدها، فقرر ربوبية الله تعالى، وأنه عزّ وجل الغني الخالق القادر، ومدبِّر السموات والأرضين وما فيهن.
ثم قرر الأسماء والصفات لله تعالى، إثباتاً بلا تمثيل، فأثبت الصفات لله تعالى: " وهو القادر بقدرة، وهو السميع بسمع، وهو البصير ببصر"، وفي هذا التقرير ردٌّ على المعتزلة القائلين: قادر بلا قدرة، سميع بلا سمع.. وأما قوله: "العالم بعلم أزلي غير مستفاد" فالمراد أن الله تعالى موصوف بصفة العلم منذ الأزل، فلم يزل سبحانه موصوفا بالكمال كما قال الإمام الطحاوي: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً، ليس منذ خَلَق الخلق استفاد اسم الخالق، لا بإحداثه البرية اسم الباري.3" كما قرر الاعتقادُ أن كلام الله تعالى حيثما تصرّف فهو غير مخلوق، سواءً كان متلواً، أو محفوظاً، أو مكتوباً، أو مسموعاً، خلافاً للأشاعرة.
وكما قال الإمام أحمد بن حنبل: "القرآن كلام الله حيث تصرّف وعلى كل وجهة.4" وقال شيخ الإسلام الصابوني:- "وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويُكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قاريء، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي..كله كلام الله جل جلاله غير مخلوق.5

وأثبت الاعتقادُ أن الإيمان قول وعمل، تقريراً لمذهب أهل السنة وردّاً على المرجئة، كما بيّن أن الإيمان ذو أجزاء وشعب خلافاً لأهل البدع من الوعيدية والمرجئة.. كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية قائلاً: "وأصل نزاع هذه الفرقة في الإيمان من الخوارج والمرجئة، والمعتزلة والجهمية وغيرهم، وأنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه، زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان1"2" وأما قوله - في الاعتقاد -: "ولا يكون للإيمان نهاية أبداً؛ لأنه لا نهاية للفضائل.." فهذا قرره جمع من السلف الصالح، فعن سلمان الفارسي> أنه قال: "لو تقطعت أعضاءً، ما بلغت الإيمان.3" "وقال الإمام الأوزاعي، والإمام مالك بن أنس:- ليس للإيمان منتهى، وهو في زيادة أبداً، وينكران على من يقول إنه مستكمل الإيمان.4" ومما قرره ابن بطة5- في شأن الإيمان -: " وله أول وبداية، ثم ارتقاء، وزيادة بلا نهاية.6" والمقصود أن زيادة الإيمان لا نهاية لها، وفي هذا التقرير ردّ على المرجئة الزاعمين أنهم قد استكملوا الإيمان.
ثم أوجز الاعتقاد القادري الواجب تجاه الصحابة رضي الله عنهم، بأن نحبّهم ونترحم عليهم، ونشهد بأنهم خير الناس.. خلافاً لطريقة الروافض والنواصب.
ثم قرر الاعتقادُ تكفير تارك الصلاة، وأن من تركها من غير عذر حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر.

ولعل حجتهم في ذلك حديث أبي الدرداء > قال: "أوصاني خليلي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - بسبع: لا تشرك بالله شيئاً، وإن قُطِّعت أو حُرِّقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً، فمن تركها فقد برئت منه الذمة." الحديث.1يقول ابن القيم: "ولو كان باقياً على إسلامه، لكانت له ذمة الإسلام.2" وقوله في الاعتقاد - بشأن تارك الصلاة-: "ولا يزال كافراً حتى يندم ويعيدها، فإن مات قبل أن يندم أو يعيد، أو يضمر أن يعيد، لم يصلّ عليه، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبيّ بن خلف." وفي هذا إشارة إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الصلاة يوماً فقال:" من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نوراً ولا برهاناً، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان، وأبيّ بن خلف.3" قال ابن القيم:- "وإنما خصّ هؤلاء الأربعة بالذكر، لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة.. إما أن يشغله ماله، أو ملكه، أو رئاسته، أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رئاسة وزارة فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبيّ بن خلف.4" ثم خُتِم هذا الاعتقاد بالحث على لزوم السنة والجماعة، وما في ذلك من الوعد والترغيب.

جارٍ التحميل