المبحث الأول: نبذة موجزة عن سيرة الخليفة القادر الله
هو أبو العباس أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المتوكل ابن الخليفة المقتدر ابن الخليفة المعتضد ابن الأمير طلحة ابن الخليفة المتوكل ابن الخليفة المعتصم ابن الخليفة هارون المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور الهاشمي العباسي البغدادي. ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مائة.3
كان أبيض حسن الوجه، كثّ اللحية، يخضب4، "وكان من الستر والديانة وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه، وعرف بها عند كل أحد.5" ووصفه بعض المؤرخين قائلا: "كان امرءاً صالحاً ورعاً تقياً، حسن الخليقة، جميل الطريقة، طلق النفس، كثير المعروف.6" وقال آخر: " كان عابداً زاهداً، يصحب العلماء، ولا يدخر شيئاً، ومكرماً للحديث وأهله.7" وأما عن خلافته فقد ولي الخلافة سنة 381هـ، إلى أن توفي سنة 422هـ، عن ست وثمانين عاماً، ولم يعمر أحد من الخلفاء قبله ولا بعده، مكث من ذلك خليفة إحدى وأربعين سنة، وهذا ما لم يسبقه أحد إليه.8
وكان القادر من خيار الخلفاء، حيث أظهر الإسلام والسنة - كما سيأتي مفصلاً في موضعه- وأقام العدل، وفي هذا المقام يقول ابن الأثير: "وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك، فلما وليها القادر بالله أعاد جدّتها، وجدّد ناموسها، وألقى الله هيبته في قلوب الخلق، فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها.1" وساق الصفدي حكاية طريفة تجلي حسن سياسة القادر ورفقه بالرعية، حيث قال الصفدي:- "بينما القادر ذات ليلة يمشي في أسواق بغداد، إذا سمع شخصاً يقول لآخر: قد طالت علينا دولة هذا الشؤم، وليس لأحد عنده نصيب، فأمر خادمًا كان معه أن يتوكل به، ويُحضره بين يديه فما شك أن يبطش، فسأله عن صنعته، فقال: إني كنت من السُعاة الذين يستعين بهم أرباب هذا الأمر على معرفة أحوال الناس - يريد أصحاب المطالعات- فمنذ ولي أمير المؤمنين أقصانا، وأظهر الاستغناء عنّا، فتعاطلت معيشتنا، وانكسر جاهنا عند الناس، فقال له: أتعرف من في بغداد من السعاة؟ قال: نعم، فأحضر كاتباً فكتب أسماءهم، وأمر بإحضارهم، ثم إنه أجرى لكل واحد منهم معلوماً، ونفاهم إلى الثغور القاصية ورتّبهم هناك عيوناً على أعداء الدين، ثم التفت إلى من حوله وقال: اعلموا أن أولئك ركّب الله فيهم شراً، وملأ صدورهم حقداً على العالم، ولا بدّ لهم من إفراغ ذلك الشر، فالأولى أن يكون ذلك في أعداء الدين، ولا ننغِّص بهم على المسلمين.2" فيلحظ الناظر إلى هذه الحكاية ما عليه القادر بالله من تفقد أحوال الرعية، وتجاوز عثراتهم، والإشفاق عليهم، حيث أجرى لأولئك القوم العطاء، كما يلحظ حسن تدبيره وسياسته إذا صرف هؤلاء القوم - أرباب المطالعات والتجسس - إلى ما هو أنفع فجعلهم عيوناً على أعداء الدين.
ومما يجدر ذكره أن القادر بالله يعدّ من أهل العلم وساداتهم، حتى أن ابن الصلاح عدّه من فقهاء الشافعية، وأنه من خيار خلفاء بني العباس وأحبارهم.3
وقد درس القادر على أحمد بن محمد الهروي1أحد فقهاء الشافعية.2
توفي القادر بالله - رحمه الله - ببغداد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
أثنى العلماء على القادر ثناءً حسناً، فوصفه صاحب ذيل تجارب الأمم بقوله:- "سلك من طريق الزهد والورع ما تقدمت فيه خطاه، فكان راهب بني العباس حقاً، وزاهدهم صدقاً ساس الدنيا والدين، وأغاث الإسلام والمسلمين، واستأنف في سياسة الأمر طرائق قويمة، ومسالك مأمونة، لم تعرف منه زلة، ولا ذمت له خلة، فطالت أيامه، وطابت أخباره، وأقفيت آثاره، وبقيت على ذريته الشريفة أنواره.3" وقال عنه الحافظ الذهبي:- "كان حسن الطريقة، كثير المعروف، فيه دين وخير.4" والمقصود أن الخليفة القادر قد اجتمع فيه من خصال الخير ما لا يجتمع في أغلب الخلفاء، فهو من أهل العبادة والديانة، وأصحاب البر والصدقات، أوتي علماً وفقهاً، كما أقام العدل وأحسن إلى الرعية.