المبحث الرابع: جهوده تجاه الباطنية
استفحل نفوذ العبيديين - في عصر القادر بالله - فنشط دعاتهم في نشر المذهب الباطني، وانتشروا في أطراف البلاد، فكان رسل العبيديين ودعاتهم يفدون من مصر إلى الأمراء والسلاطين، فدخل بعضهم في دعوتهم2، وخطب بعض الأمراء للحاكم العبيدي وأظهر الطاعة له3، بل أفضى الأمر إلى الخطبة في الحرمين سنة 396هـ، وأمِر الناس بالقيام عند ذكره.. قال الحافظ الذهبي- معلقاً على تلك الحادثة -:- "فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلقد كان هؤلاء العبيديون شراً على الإسلام وأهله من الشر.4" وقد أشار شيخ الإسلام إلى انتشار دعوة الباطنية قائلاً: "وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر، وقد بنوا القاهرة وغيرها، ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره، وكان والد ابن سينا منهم.
وفي ذلك صنف الناس الكتب في كشف أسرارهم وهتك أستارهم..5"
لقد أدرك الخليفة القادر بالله خطورة المد الباطني، وانتشار دعوتهم، والتي ظاهرها التشيع والرفض، وحقيقتها الكفر المحض، لاسيما وإن قرواش بن مقلد - أمير الموصل وما حولها - خطب للحاكم العبيدي سنة إحدى وأربعمائة، وبالغ في مدحه والدعاء له، وكان سبب ذلك أن دعاة الحاكم العبيدي وهداياه، كانت تتوالى إلى قرواش، فمال إليهم.
فلما بلغ الخبر الخليفة القادر بالله، كتب يعاتب قرواش على ما صنع، وعزم الخليفة على محاربته، فحينئذ رجع قرواش عن رأيه، وندم على ما كان منه، وأعاد الخطبة للقادر بالله.1وفي السنة التالية لتلك الواقعة (402هـ) اتخذ الخليفة القادر بالله - من أجل مواجهة العبيديين ودعوتهم - محضراً يتضمن الطعن في أنسابهم، ويكشف حقيقة مذهبهم، وأنهم زنادقة كفّار.
وكتب هذا المحضر، وأقره جمع من الأشراف والقضاة والمحدثين والفقهاء والعدول، وخلاصة هذا المحضر: أن الفاطميين ملوك مصر، منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرّمي، فليسوا من أهل البيت، ولا نسب لهم في ولد عليّ بن أبي طالب >، ولا يتعلقون منه بسبب، وأن الذي ادّعوه إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أحداً من أهل بيوتات علي بن أبي طالب > توقف عن إطلاق القول في أنهم كذبة، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعاً في أول أمرهم.. وأن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه كفار فسّاق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادّعوا الربوبية.2تتجلى - في هذا المحضر - قوة وشجاعة الخليفة القادر بالله تجاه العبيديين، عكس أسلافه السابقين كالمطيع والطائع، والذين غلب عليهم الضعف أمام رفض البويهيين، وباطنية العبيديين.3فإن هذا المحضر إنما كُتِب عقب نفوذ وظهور مذهب الباطنية4- في عصر القادر-
وانتشار دعاتهم، كما أشار إليه الذهبي قائلاً: "وفي هذا الوقت انبثت دعاة الحاكم في الأطراف، فأمر القادر بعمل محضر يتضمن القدح في نسب العبيدية..1" ويتميّز هذا المحضر بتقريرات قوية، وعبارات جامعة، فهو يجزم بأن العبيديين أدعياء، فلا نسب لهم في ولد عليّ، ولا يتعلقون منه بسبب، وإنما هم منسوبون إلى ديصان الخرّمي.
كما يقطع المحضر بأن العبيديين زنادقة كفار، ويورد شيئاً من كفرهم البواح وإلحادهم الصراح، ومناقضتهم لجميع مقاصد الشريعة الخمسة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، فهم ملاحدة كفار، يسفكون الدماء، يستحلون الخمور، ويستبيحون الفروج والأموال.. وهذا المحضر يتفق تماماً مع تقريرات سائر العلماء والمؤرخين، كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:- "قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس، أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم.. - إلى أن قال - وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه، وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى.
وهؤلاء بنو عبيد القداح ما زالت علماء الأمة المأمونون علماً وديناً يقدحون في نسبهم ودينهم، لا يذمونهم بالرفض، التشيع، فإن لهم في هذا شركاء كثيرين، بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية.. الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر..2" وتبدو حكمة القادر بالله، وحسن تدبيره في شأن الذين شهدوا في هذا المحضر، فمنهم أشراف أعلام أقروا بالطعن في أنساب العبيديين، وأنهم لا يتصلون بآل البيت، كما أن الحكم
على العبيديين بالكفر أو الإلحاد قد قرره جمع من أصناف العلماء سواءً كانوا من المحدثين أو الفقهاء أو القضاة.
لقد بيّن هذا المحضر - على إيجازه - حقيقة العبيديين نسباً وديناً، وفضح نفاقهم، وهتك أستارهم، حتى اضطر الحاكم العبيدي في سنة 403هـ - وهي السنة التي تلي كتابة المحضر- إلى إظهار منع الناس من سبّ الصحابة - رضي الله عنهم - وعقوبة من فعل ذلك.1وكما أدى هذا المحضر إلى امتناع الحاكم عن سبّ الصحابة في السنة التي تلي كتابة المحضر، فإنه أعقب - بعد أكثر من أربعين سنة - إلى التذكير به، وإعادة تقريره - في خلافة القائم بأمر الله.
ففي سنة 444هـ كُتِب محضر يتضمن القدح في أنساب العبيديين، وأنهم خارجون عن الإسلام، وأقر هذا المحضر جمع من الأشراف والعلماء والقضاة.2لقد كانت جهود الخليفة القادر ضد الباطنية ظاهرة جريئة، مما شجع العلماء على تأليف الكتب في الردّ على الباطنية، حيث صنّف القاضي أبو بكر الباقلاني في تلك الوقت كتابه في الردّ على الباطنية، أتباع الحاكم العبيدي، وسماه "كشف الأسرار وهتك الأستار" بيّن فيه قبائحهم، ووضح أمرهم لكل أحد، وكان يقول فيهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض.3كما صنّف علي بن سعيد الاصطخري - أحد شيوخ المعتزلة - للقادر بالله كتاب "الرد على الباطنية" فأجرى عليه جراية سنية، فلما توفي الاصطخري نقل جرايته إلى ابنته.4## الاعتقاد القادري