المبحث الأول: التحقيق في مؤلف الاعتقاد ومناسبة تأليفه
اشتهر أن الاعتقاد القادري ألّفه الخليفة القادر بالله، كما حكاه أكثر المؤرخين، لكن بعض العلماء المحققين يقرر أن هذا الاعتقاد - في الأصل من تأليف أبي أحمد الكرجي5، وكتابة القادر بالله، كما سيأتي توضيحه..
يقول الخطيب البغدادي:- "وكان [القادر] صنّف كتاباً في الأصول، ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن.1" وحكى جمع من المؤرخين ما قرره الخطيب هاهنا، كالأسنوي2، والصفدي3، وابن الصلاح4، وابن كثير5، والروحي6، والسيوطي.7
ويقول ابن الجوزي - في حوادث سنة 420هـ:- "جُمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء في دار الخلافة، وقريء عليكم كتاب طويل عمله القادر بالله، يتضمن الوعظ، وتفصيل مذهب أهل السنة، والطعن على المعتزلة..إلخ8" وساق ابن كثير ما حكاه ابن الجوزي مختصراً.9لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر أن هذا الاعتقاد من جمع الشيخ أبي أحمد الكرجي القصاب، وكتابة الخليفة القادر بالله، إذا يقول: "كتب [القادر] الاعتقاد القادري المنسوب إليه، وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصاب10، وهو من أجل المشايخ وأعلمهم، وله لسان صدق.11" وقرر شيخ الإسلام - في موضع آخر - أن عامة الاعتقاد القادري من نظم أبي أحمد الكرجي، حيث قال: "وكتب الإمام القادر الاعتقاد القادري المعروف، وعامته من نظم الشيخ أبي أحمد الكرجي.12" وقال - في موضع ثالث:- "وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي، والإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة13القادر بالله.14
وكذا ساق ابن القيم تلك المقالة الأخيرة بحروفها.
وحكى هذا القول الحافظُ الذهبي، فقال:- "قال العلامة أبو أحمد الكرجي في عقيدته التي ألّفها، فكتبها الخليفة القادر بالله، وجمع الناس عليها..1" ولعل الأدق ما ذكره هؤلاء الأئمة - كابن تيمية والذهبي وابن القيّم، وأن هذا الاعتقاد- في الأصل - ألّفه أبو أحمد الكرجي، وكتبه الخليفة القادر بالله، وجمع الناس عليه.
ففي هذا القول زيادة علم وتفصيل ليس في القول الأول، وربما أن الذين عزوه إلى القادر، كان باعتبار النسبة والاشتهار فاشتهر بأنه الاعتقاد القادري، ولذا فإن في قولهم شيئاً من التجوّز والإجمال، كما أن أولئك المحققين - كابن تيمية والذهبي - قد يجملون في مواطن، فينسبون الاعتقاد إلى القادر باعتبار تلك الشهرة، وكما جاء في غير موضع من كتبهم.2وأما عن مناسبة تأليف الاعتقاد القادري، فقد سبق الإشارة إلى نفوذ العبيديين الزنادقة، وانتشار دعاتهم، وكذا استفحال أهل البدع كالمعتزلة والرافضة ونحوهم.
فصنف هذا الاعتقاد سنة 420هـ، وأقرّه الأشراف والفقهاء والقضاة وغيرهم، وذلك من أجل إظهار الإسلام والسنة، فإن نشر هذا الاعتقاد، والتأكيد عليه، والاحتفاء به من أهل العلم والدين يعدّ أعظم الأسباب في فضح مذهب العبيديين الباطنيين، فالاعتقاد القادري ينقض مذهب أولئك الباطنية الملاحدة، كما أن في هذا الاعتقاد تقريرات سنيّة يحصل بها الردّ على سائر أهل البدع من رافضة ومعتزلة ونحوهم- كما سيأتي الإشارة إليه - وقد ألمح ابن تيمية إلى مناسبة تأليف الاعتقاد القادري، فقال:- "وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في العقيدة التي كتبها الخليفة القادر بالله، وقرأها على الناس، وجمع الناس عليها، وأقرتها طوائف أهل السنة، وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم، وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة، لما كان الحاكم المصري وأمثاله من أئمة الملاحدة قد انتشر أمرهم..3"