الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظرصفحات 3-43

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله؛ نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فقد اطلعت على ما كتبه صاحب الفضيلة العلامة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، في الرد على الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، فيما زعمه من عدم صحة أحاديث المهدي المنتظر، وإنها موضوعة بل خرافة لا أصل لها، فألفيته قد أجاد وأفاد، وأوضح أحوال الأحاديث المروية في ذلك عند أهل العلم، وبيَّن صحيحها من حسنها من سقيمها، ونقل من كلام العلماء في ذلك ما يشفي ويكفي، ويدل على بطلان ما زعمه الشيخ عبد الله بن محمود.
ولقد تأملت ما ورد في هذا الباب من الأحاديث فاتضح لي صحة كثير منها، كما بيَّن ذلك العلماء الموثوق بعلمهم ودرايتهم؛ كأبي داود، والترمذي، والخطابي، ومحمد بن الحسين الآبري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والشوكاني، وغيرهم -رحمهم الله-.
وقد نقل الشيخ حمود كلام هؤلاء وغيرهم، مما يدل على ثبوت خروج المهدي المنتظر الهاشمي؛ وهو محمد بن عبد الله الحسني، من ذرية الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وبيَّن أهل العلم بطلان قول من قال أنه المسيح عيسى بن مريم -عليه الصلاة والسلام-، وضعفوا الحديث الوارد في ذلك، وبيَّنوا بطلان قول الشيعة في زعمهم أنه مهديهم.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "المنار المنيف": "أكثر الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل على أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسن بن علي، يملأ الأرض قسطًا بعد ما مُلئت جورًا وظلمًا".
وقال محمد بن الحسين الآبري الحافظ في كتابه "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه" انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في كتابه "النهاية" ما نصه: "فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وليس هو بالمنتظر الذي تزعمه الرافضة، وترتجي ظهوره من سرداب سامراء،

فإن ذلك ما لا حقيقة له ولا عين ولا أثر، ويزعمون أنه محمد بن الحسن العسكري، وأنه دخل السرداب وعمره خمس سنين.
وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه يكون في آخر الدهر، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى بن مريم، كما دلت على ذلك الأحاديث، قال: وقد أفردت في المهدي جزءًا على حدة" انتهى.
وكل هذه النقول ذكرها الشيخ حمود في رده، وذكر غيرها من كلام أهل العلم المعتبرين في بيان صحة كثير من أحاديث المهدي، وحسن أحاديث أخرى منها وتواترها وقيام الحجة بها، مما لا يدع مجالا لأحد في تضعيفها فضلا عن وصفها بأنها موضوعة.
ولا شك أن القول بأنها موضوعة قول باطل وجرءة على القول على الله -سبحانه- وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بلا علم، فأسأل الله -عز وجل- أن يعفو عن الشيخ عبد الله وأن يرده إلى الصواب.
وقد تضمن الرد المذكور فوائد كثيرة، وتنبيهات سديدة، على أخطاء فظيعة وقعت في كلام الشيخ عبد الله بن محمود - عفى الله عنا وعنه -، ولبيان الحق وتأييد ما كتبه فضيلة الشيخ حمود في هذا الموضوع العظيم، حررت هذه الكلمة مقرظًا بها الرد، ومؤيدًا له وناصحًا بذلك لله ولعباده، ومنبهًا للقراء أن يتثبتوا في أمر أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن لا يردوها بغير حق، بل الواجب تعظيمها والتمسك بها كما درج على ذلك سلف الأمة وأئمتها، إلا ما قام الدليل على تضعيفه وعدم صحته على منهج أئمة الحديث في هذا السبيل، لا بالرأي المجرد والتقليد الباطل لمن ليس من أهل هذا الشأن.
والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين جميعًا لتعظيم الكتاب والسنة واتباعهما، والوقوف عند حدودهما، وأن يجزي أخانا فضيلة الشيخ حمود التويجري عن جهاده وعمله المشكور ورده على من خالف الحق جزءًا حسنًا، وأن يضاعف مثوبته، وأن يزيدنا وإياه وسائر إخواننا من العلم والهدي، وأن يهدي الشيخ عبد الله بن محمود لرشده، وأن يعيذنا وإياه وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلي الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين،،، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر تأليف الفقير إلى الله تعالى/ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري "تنبيه" ليعلم طالب العلم أن ابن محمود قد طبع رسالته في إنكار المهدي طبعة ثانية، وغيَّر فيها بعض التغيير، وقدم فيها وأخر، وقد كتبت هذا الرد على الطبعة الأولى التي صدرت في أول سنة 1400 من الهجرة، وقد أشرت إلى أرقام الصفحات منها قبل أن تخرج الطبعة الثانية المطبوعة في مطابع قطر الوطنية، وكان خروجها بعد الأولى بنحو سنة.
فمن أحب أن يراجع شيئًا مما نقلته من رسالة ابن محمود فليراجع الطبعة الأولى، المطبوعة في مطابع علي بن علي بالدوحة، وكل من الطبعتين لم يذكر فيها تاريخ الطبع، والمقصود من ذلك ومن التقديم والتأخير في الطبعة الثانية لا يخفى على اللبيب، والله الموفق.
المؤلف الطبعة الأولى عام 1403 هـ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على المعاندين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فقد رأيت رسالة للشيخ عبد الله بن زيد بن محمود رئيس المحاكم القطرية أنكر فيها خروج المهدي في آخر الزمان، وزعم أن القول بخروجه نظرية خرافية1، وأن الأحاديث الواردة فيه كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه2، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة3، وأنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد سمي رسالته بما نصه "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر"، وقد جانب في رسالته الصواب، وخالف ما عليه المحققون من أكابر العلماء.
كما أنه قد تهجم على المحدثين والفقهاء المتقدمين، ورماهم بالتقليد ونقل الحديث والقول على علاته4، ورمى الإمام أحمد بقلة الأمانة وعدم الثقة، حيث زعم أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد وينقل منها، ورمى الشافعي بالقصور والتقليد5، وزعم أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية بصحة خروج المهدي أنه اعتقاد سيء، وزلة عالم وخطأ وتقصير.
وزعم أنه قد توسع في العلوم والفنون، ومعرفة أحاديث المهدي وعللها، وتعارضها واختلافها، بما فات على العالم النحرير6يعني بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى غير ذلك من

الكلمات النابية التي لم يتثبت فيها، وسأذكرها مجموعة في الخاتمة -إن شاء الله تعالى- فلتراجع هناك.
وقد رأيت من الواجب بيان أخطائه لئلا يغتر بها من قلَّ نصيبهم من العلم النافع، والله المسئول أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل، ونسأله -تعالى- أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

فصل قال ابن محمود في عنوان رسالته ما نصه: "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر".
والجواب: أن يقال هذا كلام باطل مردود بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله -تعالى- في صفة رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقوله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾، وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾.
وأما السنة ففي عدة أحاديث؛ الأول منها ما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي.
قال ابن الأثير في الكلام على هذا الحديث في "النهاية": "المهدي الذي قد هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة، وبه سمي المهدي الذي بشر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يجيء في آخر الزمان، ويريد بالخلفاء المهديين أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا -رضي الله عنهم-، وإن كان عامًا في كل من سار سيرتهم" انتهى.
قلت: وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من زعم أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما أدري ماذا يكون موقف ابن محمود من هذا الحديث، إذ لا بد له من أحد أمرين؛ إما أنن يقول أن الخلفاء الأربعة ليسوا بمهديين، وما أعظم ذلك لما يترتب عليه من تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - والرد لقوله الثابت، ولا يظن بابن محمود أن يقول بهذا القول الوخيم ما دام معه بقية من عقل ودين.
وإما أن يعترف أن الخلفاء الأربعة أئمة مهديون، وبهذا ينتقض قوله في عنوان رسالته أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. الحديث الثاني: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عاصم - يعني ابن أبي النجود - عن زر عن عبد الله - يعني ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل

بيتي يواطئ اسمه اسمي»، ورواه أيضًا عن عمر بن عبيد الطنافسي عن عاصم به ولفظه: «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي اسمه يواطئ اسمي» ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سفيان – وهو الثوري – حدثني عاصم فذكره بنحوه، وأسانيده كلها صحيحة وإن كان فيها عاصم بن بهدلة – وهو ابن أبي النجود – فقد أخرج له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة رجل صالح خيِّر ثقة"، قال: وسألت يحيى بن معين عنه فقال: "ليس به بأس"، قلت قد ذكر ابن الصلاح عن ابن أبي خيثمة قال: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول فلان ليس به بأس وفلان ضعيف، قال: "إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت لك هو ضعيف فليس هو بثقة، لا تكتب حديثه" انتهى، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "هو صالح"، قال: وسألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة"، قال: وذكر أبي عاصم بن أبي النجود، فقال: "محله عندي محل الصدق، صالح الحديث ولم يكن بذاك الحافظ"، وقال الخزرجي في الخلاصة: "وثَّقه أحمد، وأحمد العجلي، ويعقوب بن سفيان، وأبو زرعة"، وقال الحاكم في المستدرك: "هو إمام من أئمة المسلمين، وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه".
وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد رواه أبو داود في سننه من طرق صحيحة عن عاصم بن بهدلة، ولفظه في إحدى الروايات: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يَبعث فيه رجلا مِنِّي أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما مُلئت ظلمًا وجورًا»، ورواه الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي قال: حدثني أبي، حدثنا سفيان الثوري عن عاصم، فذكره بنحو رواية عمر بن عبيد، ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، قال وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة، ثم قال الترمذي حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطار، حدثنا سفيان بن عيينة عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»، قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي»، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقد ترجم الترمذي لهذين الحديثين بقوله: "باب ما جاء في المهدي".
ورواه ابن حبان في صحيحه من طرق عن عاصم، ولفظه في أحدها قال

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمي»، وفي لفظ آخر: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيملؤها قسطًا وعدلا»، وفي لفظ آخر: «يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وخلقه خلقي فيملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا»، وقد ترجم الهيثمي في "موارد الظمآن" على هذه الروايات وأحاديث أُخر بقوله "باب ما جاء في المهدي".
وقد ذكره الحاكم في المستدرك من حديث سفيان الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم من أئمة المسلمين، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا»، قال الذهبي في تلخيصه صحيح، وقال الحاكم أيضًا، وطرق حديث عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما أصَّلته في هذا الكتاب، بالاحتجاج بأخبار عاصم بن أبي النجود إذ هو إمام من أئمة المسلمين.
الحديث الثالث: روى ابن حبان في صحيحه من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي صالح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيها رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -»، وقد رواه الترمذي موقوفًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وتقدم ذكره، وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف، وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "حديث ابن مسعود وأبي هريرة صحيحان" انتهى.
الحديث الرابع: قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدواناً»، قال: «ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدواناً» إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال فيه: «ثم يخرج رجل من أهل بيتي» لم يذكر العترة، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه الإمام أحمد أيضًا عن أبي النضر، عن أبي معاوية شيبان، عن مطر بن طهمان، عن أبي الصديق الناجي، عن

أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أَجلَي أقنَى، يملأ الأرض عدلا كما ملئت قبله ظلمًا، يكون سبع سنين» إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه أيضًا عن الحسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي هارون العبدي ومطر الوراق، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تملأ الأرض جورًا وظلمًا فيخرج رجل من عثرتي يملك سبعًا أو تسعًا، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا» إسناده من طريق مطر الوراق صحيح على شرط مسلم، وقد رواه الحاكم من هذا الوجه مختصرًا، وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في تلخيصه.
ورواه الإمام أحمد أيضًا عن ابن نمير: حدثنا موسى يعني الجهني، قال: سمعت زيدًا العمي قال: حدثنا أبو الصديق الناجي، قال: سمعت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يكون من أمتي المهدي، فإن طال عمره أو قصر عمره عاش سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، يملأ الأرض قسطًا وعدلا، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء قطرها» زيدٌ العمي قال ابن معين:" صالح"، وقال مرة: "لا شيء"، وقال مرة: "ضعيف يكتب حديثه"، وضعفه ابن المديني، وابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن عدي، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه، ولا يحتج به"، وقال أحمد، وأبو بكر البزار، والدارقطني: "صالح"، وقال الجوزجاني: "متماسك"، وقال الحسن بن سفيان: "ثقة"، وقد حسَّن الترمذي حديثه كما سيأتي، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الإمام أحمد أيضًا عن محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت زيدًا أبا الحواري، قال: سمعت أبا الصديق يحدث عن أبي سعيد الخدري -رضي الله- عنه قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يخرج المهدي في أمتي خمسًا أو سبعًا أو تسعًا – زيدٌ الشاك- قال قلت: أي شيء؟ قال: سنين، ثم قال: يرسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض من نباتها شيئًا، ويكون المال كدوسًا، قال: يجيء الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» فيه زيد أبو الحواري وهو العمي، وقد تقدم الكلام فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد رواه الترمذي عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، فذكره بنحوه مختصرًا، وقال: هذا حديث حسن، وقد رُوي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي

  • صلى الله عليه وسلم -، وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو، ويقال بكر بن قيس.
    انتهى كلام الترمذي.
    ويستفاد من رواية شعبة عن زيد العمي أنه صالح عنده، وفي ذلك تأييد لتحصين الترمذي لحديثه، وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: "كان شعبة أُمَّة وحده في هذا الشأن"؛ يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته وتنقيته للرجال.
    ذكره الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، وذكر أيضًا عن أبي بكر بن منجويه أنه قال في شعبة: "هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علمًا يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق"، قال الحافظ ابن حجر: "هذا بعينه كلام ابن حبان في الثقات، نقله ابن منجويه منه، ولم يعزه إليه" انتهى.
    ورواه ابن ماجة عن نصر بن علي الجهضمي، حدثنا محمد بن مروان العقيلي، حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن زيد العمي، فذكره بنحوه وإسناده حسن، محمد بن مروان العقيلي قال ابن معين: "صالح"، وفي رواية عنه قال: "ليس به بأس، قد كتبت عنه أحاديث"، وقال أبو داود: "صدوق"، وقال مرة: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وزيد العمي حسن الحديث كما تقدم تقريره، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق نصر بن علي فذكره بنحو رواية ابن ماجة ولم يتكلم عليه.
    ورواه الإمام أحمد عن عبد الرازق، حدثنا جعفر عن المعلي بن زياد، حدثنا العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا» فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: «بالسوية بين الناس، قال ويملأ الله قلوب أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - غنى، ويسعهم عدله حتى يأمر مناديًا فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان؛ يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له: احث، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم؟! قال: فيرده فلا يُقبل منه، فيقال له: إنَّا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين» ورواه أيضًا عن زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد، حدثنا المعلي بن زياد المعولي فذكره بنحوه، ورواه أيضًا عن زيد بن

الحباب، حدثني جعفر بن سليمان، حدثنا المعلي بن زياد فذكره، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلي باختصار كثير ورجالهما ثقات.
وقد أقرَّه الحافظان زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، لكونهما قد حررا مجمع الزوائد معه.
قلت: فيه العلاء بن بشير، ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وفيه المعلي بن زياد، وثَّقه ابن معين في رواية ذكرها ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، قال الذهبي في الميزان: "هذه الرواية عن يحيى هي المعتبرة"، ووثَّقه أيضًا أبو حاتم، ذكره عنه ابنه عبد الرحمن في الجرح والتعديل، ووثقه أيضًا أبو بكر البزار وابن حبان، وقال ابن عدي: "لا أرى برواياته بأسًا"، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "صدوق قليل الحديث، زاهد، اختلف قول ابن معين فيه" انتهى.
وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الحاكم في مستدركه من طريق النضر بن شميل، حدثنا سليمان، حدثنا أبو الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا يعني حججا».
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه أبو داود من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مني، أَجلَي الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين».
قال ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "المنار المنيف": إسناده جيد.
الحديث الخامس: قال الإمام أحمد: حدثا حجاج، وأبو نعيم قالا: حدثا فطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل قال حجاج: سمعتُ عليًا -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله -عز وجل- رجلا مِنَّا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا» قال أبو نعيم «رجلا منا»، قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب عن أبي الطفيل عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. إسناداه صحيحان.
فطر: هو ابن خليفة روى له البخاري مقرونًا بآخر، ووثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن فطر بن خليفة،

فقال "صالح، كان يحيى القطان يرضاه، ويحسن القول فيه، ويحدث عنه"، وذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن العجلي أنه قال: "كوفي ثقة، حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل"، وقال النسائي: "لا بأس به"، وقال في موضع آخر: "ثقة حافظ كيِّس"، وقال ابن سعد: "كان ثقة -إن شاء الله تعالى-، ومن الناس من يستضعفه"، وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا نعيم يرفع من فطر، ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي في الكُنى: "حدثنا يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير قال: فطر حافظ كيِّس"، وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أنه لا بأس به"، وبقية رجال الحديث رجال الصحيح، وقد صحح الشيخ أحمد محمد شاكر إسنادي حديث علي -رضي الله عنه- عند أحمد، ذكر ذلك في تعليقه على مسند الإمام أحمد.
وقد رواه أبو داود في سننه عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا فطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، قد تقدم توثيق الأئمة لفطر بن خليفة، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد قال شمس الحق في عون المعبود: "الحديث سكت عنه المنذري، وسنده حسن قوي، وأما فطر بن خليفة الكوفي، فوثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والساجي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأخرج له البخاري، ويكفي توثيق هؤلاء الأئمة لعدالته، فلا يلتفت إلى قول ابن يونس، وأبي بكر بن عياش، والجوزجاني في تضعيفه، بل هو قول مردود".
انتهى.
الحديث السادس: قال الإمام أحمد: حدثنا فضل بن دكين، حدثنا ياسين العجلي، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه، عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» إسناده حسن.
ياسين العجلي: ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يذكرا فيه جرحا، وذكر ابن أبي حاتم، عن ابن معين وأبي زرعة أنهما قالا: "ليس به بأس"، وعن ابن معين أنه قال: "صالح"، ووثقه العجلي، وابن حبان، وبقية رجاله ثقات، قال يحيى بن يمان: "رأيت سفيان الثوري يسأله ياسين عن هذا الحديث"، قال ابن عدي: "وهو معروف به"، قال الحافظ ابن حجر: "ووقع في سنن

ابن ماجة عن ياسين غير منسوب، فظنه بعض الحفاظ المتأخرين ياسين بن معاذ الزيات، فضعف الحديث به فلم يصنع شيئًا".
انتهى.
وقد رواه ابن ماجة عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا ياسين، فذكره بمثله وإسناده حسن، أبو داود الحفري: ثقة احتج به مسلم، واسمه عمر بن سعد بن عبيد، وبقية رجاله ثقات، وقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ورمز له بالحسن، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد: "إسناده صحيح".
الحديث السابع: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكون في أمتي المهدي، إن قصر فسبع، وإلا فثمان وإلا فتسع، تنعم أمتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها، ترسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض شيئًا من النبات، والمال كدوس، يقوم الرجل يقول: يا مهدي، أعطني، فيقول: خذ» رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
الحديث الثامن: عن أبي الطفيل، عن محمد بن الحنفية، قال: كنا عند علي -رضي الله عنه- فسأله رجل عن المهدي، فقال علي -رضي الله عنه-: هيهات، ثم عقد بيده سبعًا فقال: «ذاك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قتل، فيجمع الله -تعالى- له قومًا قزع كقزع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد، يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر» قال أبو الطفيل: قال ابن الحنفية: أتريده؟ قلت: نعم، قال: إنه يخرج من بين هذين الأخشبين، قلت: لا جرم والله لا أريمهما حتى أموت، فمات بها يعني مكة.
رواه الحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وهذا الأثر له حكم الرفع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
الحديث التاسع: روى ابن حبان في صحيحه، من طريق قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن مجاهد، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يكون اختلاف عند موت خليفة، يخرج رجل من قريش من أهل المدينة إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، فيبعثون إليه جيشًا من أهل الشام، فإذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فإذا بلغ الناس ذلك أتاه أهل

الشام وعصائب من أهل العراق فيبايعونه، وينشأ رجل من قريش أخواله من كلب، فيبتعثون إليهم جيشًا فيهزمونهم ويظهرون عليهم، فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، يمكث سبع سنين» ورواه الطبراني في الأوسط بنحوه مختصرًا، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث صالح أبي الخليل، عن صاحب له، عن أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، ورواه أبو داود أيضًا من وجه آخر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، ورواه أبو يعلي الموصلي في مسنده، من حديث قتادة عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، وربما قال صالح: عن مجاهد، عن أم سلمة، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح".
قال الخطابي في معالم السنن: "الجران مقدم العنق، وأصله في البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض، فيقال ألقي البعير جرانه، وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه، فضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره فلم يكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة".
انتهى.
الحديث العاشر: قال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» وقد ذكر ابن القيم هذا الحديث في كتابه "المنار المنيف" قال: "وهذا إسناد جيد".
وقد جاء في ذكر المهدي أحاديث كثيرة سوى ما ذكرته ههنا، ولكن لا تخلو أسانيدها من مقال، وجاء فيه أيضًا آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وبعضها صحيح، وقد تركت ذكرها إيثارًا للاختصار، وفيما ذكرته من الصحاح والحسان كفاية في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان، والرد على من أنكر ذلك، وزعم أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأما الإجماع فهو إجماع أهل السنة والجماعة على تسمية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- بالخلفاء الراشدين المهديين، كما سماهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في

حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-، وخلافة هؤلاء الأربعة هي خلافة النبوة، أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جهمان، عن سفينة -رضي الله عنه-، وروى يعقوب بن سفيان، عن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
ومن الخلفاء الراشدين المهديين أيضًا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "أجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين".
انتهى.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق ضمرة، عن رجاء، عن ابن عون، قال: "كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء، قال: نهى عنه إمام هدى"؛ يعني عمر بن عبد العزيز.
وقال الإمام أحمد عن عبد الرازق، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: "إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز" ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، قال: "ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد".
وقال طاوس "هو مهدي، وليس به أنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسيء من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سَمِح بالمال، شديد على العمال، رحيم بالمساكين".
انتهى.
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون".
انتهى.
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن محمود من الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ولا يُظَن بابن محمود أنه يخالف الإجماع، وإن كان في موافقته للإجماع مخالفة لعنوان رسالته.
وقد وقف ابن محمود من الأحاديث الدالة على خروج المهدي موقفًا سيئًا؛ فزعم في صفحة (4) أنها مختلقة، وزعم في صفحة (12) أنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وزعم في صفحة (16) أنها مكذوبة

على رسول الله، وزعم في صفحة (19) أنها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين، وزعم في صفحة (25) أنها مصنوعة، وزعم في صفحة (27) أنها موضوعة، وزعم في صفحة (29) أنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله، وزعم في صفحة (36) أنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله، وزعم في صفحة (37) أنها من عقائد الشيعة، وكانوا هم البادئين باختراعها، وأنهم وضعوا الأحاديث في ذلك، وزعم في صفحة (56) أنها موضوعة، وزعم في صفحة (58) أنها مكذوبة، وزعم في صفحة (16، 24، 27، 58، 62) أنها خرافة، وزعم في صفحة (38) أنها نظرية خرافية، وزعم في صفحة (31) أنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وزعم في صفحة (85) أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال، والاستسلام للأوهام والخرافات، هكذا قال ابن محمود في أحاديث المهدي، ولم يفرق بين الصحيح والضعيف والموضوع، بل جعل الجميع من باب واحد.
والجواب عن هذه الكلمات النابية والمجازفات السيئة أن نقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، ولا شك أن هذا من أسوأ التكلف والقول بغير علم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، أما يخشى ابن محمود أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ أما فيه دين يحجزه عن التهاون بالأحاديث الثابتة، ووصفها بالصفات الذميمة، وردها وإطراحها؟! وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة".
رواه القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة، من رواية الفضل بن زياد القطان عن أحمد، وقال الإمام أحمد أيضًا: "كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إعلام الموقعين عن الشافعي أنه قال: "إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يخالفه"، وذكر القاضي أبو الحسين في ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أنه قال: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ

على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام، لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت".
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يردون من ذلك شيئًا".
انتهى، وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسنة على الإقرار بما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم لا يردون من ذلك شيئًا، والعبرة بأهل الحديث والسنة، ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الأهواء والبدع والضلالة والجهالة.
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل".
انتهى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن تكذيب الأحاديث الصحيحة ليس بالأمر الهين، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد "باب فيمن كذَّب بما صحَّ من الحديث" ثم ذكر حديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة؛ الله، ورسوله، والذي حدَّث به» رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: وفيه محفوظ بن ميسور، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا".
انتهى، وهذا الحديث وإن لم يبلغ درجة الصحيح فمعناه صحيح، لأن من كذَّب حديثًا فلا شك أنه قد كذَّب الله -تعالى- في قوله مخبرًا عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، قد كذب النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث رد ما ثبت عنه برواية أهل الصدق والعدالة، وقد كذب الرواة الذين حفظوا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلغوها إلى الأمة، ومن كذب أهل الصدق والعدالة فقوله مردود عليه، وهو أولى بما قال.
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ينكرون أشد الإنكار على الذين يتهاونون بالأحاديث الصحيحة، وعلى الذين يعارضونها بالشبه والشكوك والآراء الفاسدة، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا، وقد

ذكرتها في الرد على زنديق مصر المدعو بالسيئ صالح أبي بكر، فلتراجع هناك.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بنزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- في آخر الزمان، وأنه يكون حكمًا عدلا وإمامًا مقسطًا، وروي الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا.... » الحديث، وفيه رد على من زعم أنه لا مهدي بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن عيسى -عليه الصلاة والسلام- أفضل المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو معدود من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو أفضل الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»، وفي رواية لمسلم: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم»، قال الوليد بن مسلم: قلت لابن أبي ذئب إن الأوزاعي حدثا عن الزهري، عن نافع، عن أبي هريرة: «وإمامكم منكم»، قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم، قلت: تخبرني، قال: فأمَّكم بكتاب ربكم -تبارك وتعالى- وسنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي، عن بعض المتقدمين قال: معنى «وإمامكم منكم»؛ يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل، وقال ابن التين: معنى قوله «وإمامكم منكم»؛ أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم.
انتهى.
ويدل لما قاله ابن أبي ذئب وغيره، ما رواه سمرة بن جندب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الدجال خارج.... » الحديث، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم -عليهما السلام- من قِبل المغرب مصدقًا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى ملته، فيقتل الدجال».
الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين والطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، وقوله من قبل المغرب؛ أي مغرب أهل المدينة وهو الشام، وفي حديث عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر فتنة الدجال قال: «ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقًا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - على ملته، إمامًا مهديًا، وحكمًا عدلا، فيقتل الدجال» رواه الطبراني في الكبير والأوسط، قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر.
وإذا عُلم هذا، فلا ندري ماذا يكون موقف ابن محمود من الأحاديث الدالة على أن عيسى بن مريم -عليهما الصلاة والسلام- يكون في آخر هذه الأمة إمامًا مهديًا؟!

هل يصدق بذلك أم لا يصدق؟ فإن صدّق ناقض عنوان رسالته، وإن لم يصدق فما أعظم ذلك، وأبشعه وأشنعه.

فصل قال ابن محمود في صفحة (3): "أما بعد، فإن هذه الرسالة المسماة (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) اخترت لها هذه التسمية؛ لتكون عقيدة حسنة، تتذلل بها الألسنة من كل مسلم ومسلمة، لاعتقادي أنها حقيقة مسلمة".
والجواب: أن يقال إنه لينطبق على ابن محمود قول الشاعر: يقضي على المرء في أيام محنته... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن وأبلغ من هذا قول الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وكيف تكون رسالة ابن محمود عقيدة حسنة، وحقيقة مسلمة، وهي مخالفة لما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخلفاء الراشدين المهديين، ومخالفة أيضًا لما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عيسى بن مريم -عليهما الصلاة والسلام-؛ أنه ينزل في آخر الزمان ويكون إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا، ومخالفة أيضًا للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وقد تقدم ذكرها فلتراجع1، وقد تلقاها أهل العلم بالقبول، ودونوها في كتبهم المعتمدة، ولا ينكرها إلا جاهل أو مكابر مباهت، لا يبالي برد الأحاديث الصحيحة وإطراحها، وبالجملة فلا يغتر برسالة ابن محمود إلا من هو جاهل لا يميز بين العقيدة الحسنة والعقيدة السيئة، ومن له أدنى علم ومعرفة بالحديث لا يشك أنها عقيدة سيئة مبتدعة، ولا شك أن المسلم العارف سيتذلل لسانه بإنكارها والتحذير منها؛ لمخالفتها لما عليه أهل السنة والجماعة.
وأما قوله في صفحة (3): "بدأتها بدعوة العلماء والطلاب إلى الاتحاد على حسن الاعتقاد؛ من أنه لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر".
فجوابه أن يقال: قد روي الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح،

قال النووي: "سواء كان ذلك الهدي والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقا إليه".
انتهى، وروى الترمذي، وابن ماجة، عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر».
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا، أن ما دعا إليه ابن محمود من إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، فهو قول سوء وضلالة، وسوء اعتقاد بلا شك، فلا يجوز للمسلم أن يتحد مع ابن محمود على هذا الاعتقاد السيئ، المخالف للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما كان عليه أهل السنة والجماعة من زمن الصحابة إلى زماننا، وما يؤمن ابن محمود أن يكون عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، واغتر برسالته.
وأما قوله في صفحة (3): "لأنني وإن كنت أرى في نفسي أنني أصبت في الرسالة مفاصل الأنصاف والعدل، ولم أنزع فيها إلى ما ينفاه الشرع أو يأباه العقل، لكنني فرد من بني الإنسان، الذي هو محل للخطأ والنسيان".
فجوابه أن يقال: ما رآه ابن محمود في نفسه من إصابة مفاصل العدل والإنصاف في رسالته، فهو شبيه بما يراه النائم في نومه من أضغاث الأحلام، التي يرى في حال نومه أنها حق، فإذا استيقظ من نومه لم يجد لشيء منها حقيقة، وكذلك ابن محمود، فإنه لو استيقظ من سباته وراجع الحق، لتبين له أن رسالته بعيدة كل البعد عن مفاصل العدل والإنصاف، وأنه قد نزع فيها إلى ما يحرمه الشرع، ويأباه العقل السليم؛ من رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ". ولا شك أن ابن محمود قد اخطأ خطًا كبيرًا في رده للأحاديث الصحيحة، فيجب عليه أن يراجع الحق ولا يصر على المخالفة، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة

من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-، وروى الإمام أحمد أيضًا، والبخاري في الأدب المفرد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ويل للمُصرِّين؛ الذين يُصرون على ما فعلوا وهم يعلمون».
وأما قوله في صفحة (3): "وقدمت في الرسالة عقيدة المسلم مع المهدي".
فجوابه أن يقال: ما ذكر ابن محمود في شأن المهدي ليس من عقائد المسلمين، وإنما هو بدعة وضلالة قال بها بعض المستشرقين، وبعض المفتونين بأفكار الغربيين من العصريين، وتلقاها ابن محمود عنهم، وجعل لها ذيولاً وحواشي يرد بها أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويفند بها أقوال أهل العلم في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان.
وأما قوله في صفحة (3): "ومنها أن جميع الناس من العلماء والعوام في كل زمان ومكان يقاتلون كل من يدعي أنه الإمام المهدي، لاعتقادهم أنه دجال كذاب، يريد أن يفسد الدين، ويفرق جماعة المسلمين، ويملأ ما استولى عليه جورًا وفجورًا، كما جري لكثير من المدعين للمهدية، ولن يزالوا يقاتلون كل من يدعي ذلك حتى تقوم الساعة، فأين المهدي والحالة هذه؟! ". فجوابه أن يقال: ما زعمه من قتال العلماء والعوام لكل من ادعى المهدية في كل زمان ومكان ليس بصحيح، فقد ادَّعاها أناس كثيرون ولم يقاتلهم العلماء والعوام، وقد لقَّب المنصور العباسي ابنه محمدًا بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث، فلم يكن به، ولم يقاتله أحد من العلماء والعوام على تسميه بالمهدي، بل ولم ينكروا تسميته بالمهدي، وإنما قالوا ليس هو المهدي الموعود به في آخر الزمان.
وأما قوله: "ولن يزالوا يقاتلون كل من يدعي ذلك حتى تقوم الساعة".
فجوابه أن يقال: هذا من الرجم بالغيب، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
وأما قوله: "فأين المهدي والحالة هذه؟! ". فجوابه أن يقال: إن المهدي سيخرج في آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وأما وقت خروجه على التعيين فلا يعلمه إلا الله، وقد جاء

في حديث جابر -رضي الله عنه- الذي رواه الحارث بن أبي أسامة بإسناد جيد وتقدم ذكره، أن المهدي هو الأمير الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه والله أعلم.
وأما قوله في صفحة (3): "وإن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء، فلم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول، ولا بين التابعين".
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان من أمور الغيب، التي أخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس ذلك مجرد فكرة كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، فإن الأمور الغيبية لا تدرك بالأفكار، وإنما تعلم بخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وإذا علم هذا، فالإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان داخل في ضمن الإيمان بأن محمدًا رسول الله، ومن لم يؤمن بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب، فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن العقائد الصحيحة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، فكل ما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيوب الماضية والآتية، فالإيمان به واجب، وهو من عقائد أهل السنة، ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لأنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروجه، فمن لم يؤمن بخروجه فهو مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة شاء أم أبى.
الوجه الثالث: أن يقال: إن ذكر المهدي كان مشهورًا عند الصحابة ومن بعدهم إلى زماننا، وقد روى الأحاديث في ذلك عدد كثير من الصحابة، وجمٌّ غفير من التابعين فمن بعدهم، وقد تقدم إيراد بعض الأحاديث الواردة في ذلك فلتراجع1، ففيها أبلغ رد على من زعم أنه لم يقع للمهدي ذِكر بين الصحابة ولا بين التابعين، وهذا الزعم غاية في المكابرة.
ومما يدل على أن ذكر المهدي كان مشهورًا عند التابعين ومن بعدهم، ما رواه ابن سعد في الطبقات: أخبرنا الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: خرج محمد بن عجلان مع محمد بن عبد الله بن حسن حين خرج بالمدينة، فلما قُتل محمد بن عبد الله، وولي جعفر بن سليمان بن علي المدينة، بعث إلى محمد بن

عجلان فأتي به، فبكته وكلمة كلامًا شديدًا، وقال: خرجت مع الكذاب، فلم يتكلم محمد بن عجلان بكلمة إلا أنه يحرك شفتيه بشيء لا يدري ما هو، فيظن أنه يدعو، فقام من حضر جعفر بن سليمان من فقهاء أهل المدينة وأشرافهم فقالوا: أصلح الله الأمير محمد بن عجلان فقيه أهل المدينة وعابدها، وإنما شبه عليه وظن أنه المهدي الذي جاءت فيه الرواية، فلم يزالوا يطلبون إليه حتى تركه.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في ذكر المهدي مشهورة عند أهل السنة والجماعة، وقد خرجها أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم كما تقدم بيان ذلك قريبًا، وقد ترجم لها كثير من المحدثين؛ قال عبد الرزاق في مصنفه: "باب المهدي" ثم ساق بعض الأحاديث والآثار الواردة في ذلك، وقال أبو داود في سننه "كتاب المهدي" ثم ساق بعض الأحاديث والآثار الواردة في ذلك، وقال الترمذي في جامعه: "باب ما جاء في المهدي" ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك، وقال ابن ماجة في سننه "باب خروج المهدي" ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك، وقال ابن حبان في صحيحه: "ذكر الخبر المصرح بأن القوم الذين يخسف بهم، إنما هم القاصدون إلى المهدي، في زوال الأمر عنه"، وقال أيضًا: "ذكر البيان بأن خروج المهدي إنما يكون بعد ظهور الظلم والجور في الدنيا، وغلبتهما على الحق"، وقال أيضًا: «ذكر الأخبار عن وصف المدة التي يكون المهدي فيها في آخر الزمان»، وقال أيضًا: "ذكر الموضع الذي يبايع فيه المهدي" وقد ساق في كل ترجمة ما يتعلق بها من الأحاديث.
وقال أبو السعادات ابن الأثير في "جامع الأصول" في ذكر أشراط الساعة: "الفصل الأول في المسيح والمهدي -عليهما السلام-" ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك، وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: "باب في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي، وعلامة خروجه" ثم أورد بعض ما جاء فيه من الأحاديث.
وقال ابن كثير في "النهاية": " «فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين»، وليس هو بالمنتظر الذي تزعمه الرافضة وترتجي ظهوره من سرداب سامراء، فإن ذلك ما لا حقيقة له ولا عين ولا أثر، ويزعمون أنه محمد بن الحسن بن العسكري، وأنه دخل

السرداب وعمره خمس سنين، وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون في آخر الدهر، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى ابن مريم، كما دلت على ذلك الأحاديث"، ثم ذكر ابن كثير بعض الأحاديث الواردة في ذلك، قال: "وقد أفردت في المهدي جزءًا على حدة ". وقال الهيثمي في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: "باب ما جاء في المهدي" ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك، وقال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: "باب في المهدي وغيره من الخلفاء العادلين" ثم ساق بعض الأحاديث والآثار الواردة في ذلك.
وقال الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري، وهو شيخ الحنابلة في وقته، وقد صحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وتوفي في سنة تسع وعشرين وثلاث مائة، قال في كتاب "شرح السنة": "والإيمان بنزول عيسى ابن مريم -عليه السلام- ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج، ويصلي خلف القائم من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ". انتهى، وقد نقله عنه القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة.
وقال محمد بن الحسين الآبري الحافظ في كتاب "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وإنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه".
انتهى، وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، وسيأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى.
ولأبي الحسين ابن المنادي جزء جمعه في المهدي وقال فيه: "يحتمل في معنى حديث «يكون اثنا عشر خليفة» أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان".
انتهى، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، في آخر "باب الاستخلاف" من "كتاب الأحكام" نقلاً عن كشف المشكل لأبي الفرج ابن الجوزي، وأبو الحسين هذا اسمه أحمد بن جعفر، وهو أحد الأعيان الكبار من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد، وله نحو أربعمائة مصنف، وكان مولده في سنة ست وخمسين ومائتين، وقيل في سنة سبع وخمسين ومائتين، وتوفي في سنة ست وثلاثين وثلاث مائة.

وممن جمع الأحاديث والآثار الواردة في المهدي نعيم بن حماد شيخ البخاري، جمع منها فأكثر في كتاب "الفتن"، وممن جمع أحاديث المهدي أيضًا أبو بكر بن أبي خيثمة؛ ذكر ذلك السهيلي في "الروض الأنف" في ذكر إسلام خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، فقد ذكر فيه عدة فضائل لفاطمة -رضي الله عنها-، ثم قال: "ومن سؤددها أيضًا أن المهدي المبشر به في آخر الزمان من ذريتها"، قال: "والأحاديث الواردة في أمر المهدي كثيرة، وقد جمعها أبو بكر ابن أبي خيثمة فأكثر".
انتهى.
وممن ذكر المهدي جازمًا بخروجه أبو سليمان الخطابي، نقله عند عبد الرحمن المباركفوري في "تحفة الأحوذي" في "باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الأمل"، فقد أورد الترمذي في الباب حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان؛ وتكون السنة كالشهر, والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار»، قال المباركفوري في شرح هذا الحديث: "قال الخطابي ويكون ذلك في زمن المهدي أو عيسى -عليهما الصلاة والسلام- أو كليهما، قال القاري: والأخير هو الأظهر، لظهور هذا الأمر في خروج الدجال وهو زمانهما".
انتهى.
وممن ألف في المهدي أبو نعيم الحافظ، وقد نقل ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" عدة أحاديث مما رواه أبو نعيم في "كتاب المهدي"، وممن جمع الأحاديث والآثار الواردة في المهدي جلال الدين السيوطي؛ جمع ذلك في جزء سماه "العرف الوردي في أخبار المهدي"، ولخص فيه الأربعين التي جمعها أبو نعيم في المهدي، وقد جمع أخبار المهدي كثير من المتأخرين فلا أطيل بذكرهم.
وفيما ذكرته من التراجم في ذكر المهدي، وما قاله البربهاري والآبري وغيرهما من أكابر العلماء أبلغ رد على مزاعم ابن محمود في إنكاره لخروج المهدي، وقوله إن فكرة المهدي ليست من عقائد أهل السنة القدماء.
وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال؛ أحدها أنه المسيح ابن مريم، الثاني إنه المهدي الذي ولي من بني العباس، الثالث أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل.

قال وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل من أهل بيتي يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس».
وروى أيضًا من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الدجال، وقال: «فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص» فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ، فقال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجل صالح».
وروي أيضًا من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها»، وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة، فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض.
فهذه أقوال أهل السنة، وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع، وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، دخل سرداب سامراء طفلاً صغيرًا من أكثر من خمسمائة سنة فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم، اخرج يا مولانا، اخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان.
فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال: ما آن للسرداب أن يلد الذي... كلمتموه بجهلكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فإنكم... ثلثتمُ العنقاء والغيلانا ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل.
أما مهدي المغاربة محمد بن تومرت فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل، ملك بالظلم والتغلب والتحيل؛ فقتل النفوس، وأباح حريم المسلمين، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يودِع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، يأمرهم أن يقولوا للناس إنه المهدي الذي بشر به

النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يردم عليهم ليلا لئلا يُكذبوه بعد ذلك، وسمَّي أصحابه الجهمية الموحدين، واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتَسمَّى بالمهدي المعصوم.
ثم خرج المهدي الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جده يهوديًا من بيت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت وادَّعى أنه المهدي الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وملك وتغلب واستفحل أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام.
واشتدت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم، وكانوا يدَّعون الإلهية، ويدعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها، وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب كذبًا إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه، ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة منهم، ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.
والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تومرت لهم مهدي، والرافضة الإثني عشرية لهم مهدي، فكل هذه الفرق تدَّعي في مهديها الظلوم الغشوم أنه الإمام المعصوم والمهدي المعلوم، الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبر بخروجه.
وهي تنتظره كما تنتظر اليهود القائم الذي يخرج في آخر الزمان، فتعلو به كلمتهم، ويقوم به دينهم، ويُنصرون به على جميع الأمم، والنصارى تنتظر المسيح يأتي قبل يوم القيامة، فيقيم دين النصرانية، ويبطل سائر الأديان.
فالملل الثلاث تنتظر إمامًا قائمًا يقوم في آخر الزمان، ومنتظر اليهود الدجال الذي يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا، والنصارى تنتظر المسيح عيسى ابن مريم، ولا ريب في نزوله، ولكن إذا نزل كسر الصليب، وقتل الخنزير، وأباد الملل كلها سوى ملة الإسلام، وهذا معنى الحديث «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ". انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
والمقصود منه ما ذكره من أقوال أهل السنة في المهدي، وأن أكثر الأحاديث تدل على أنه من بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، من ولد الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وفي هذا رد لقول ابن محمود أن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء.
وقال ابن محمود في صفحة (3) وصفحة (4): "وإن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، فسرت هذه

الفكرة وهذا الاعتقاد بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنة، فدخلت في معتقدهم وهي ليست من أصل عقيدتهم، ثم انتقلت بصورة عامة إلى المجتمع الإسلامي، حين نادى بها في الناس عبد الله بن سبأ؛ المعروف بصريح الإلحاد والعداء للإسلام والمسلمين، فأخذ هو وشيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس، حتى لا يفقدوا الأمل الذي يرجونه بزعمهم في إرجاع الحكم إلى أهل البيت، ليزيلوا عنهم الظلم والاضطهاد الواقع بهم من قبل خصومهم بني أمية، فهي دعوة سياسية إرهابية، كما أن بني أمية لما سمعوا بهذه الأحاديث الموجهة لهم من العراق والتي ترجف بهم وتهددهم بالإيقاع، لهذا تنبه بنو أمية فأقاموا السفياني مقام المهدي، وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث عن رسول الله في السفياني؛ من ذلك ما روى الحاكم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل يقال له السفياني من دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان» وذكر بقية الحديث، ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ثم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه، فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء، وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال ما قرره ابن محمود من أن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة إلى آخر كلامه، فهو مما أخذه من كلام رشيد رضا وأحمد أمين وسعد محمد حسن، فأما رشيد رضا فقد زعم أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ذرية علي، ويضعون الأحاديث تمهيدًا لذلك.
وأما أحمد أمين فقد قال في صفحة 241 من الجزء الثالث من كتابه "ضحى الإسلام": "وفكرة المهدي لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، ففي نظري أنها نبع من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم، وانتقالها إلى معاوية وقتل علي وتسليم الحسن الأمر لمعاوية"، إلى أن قال في صفحة 243: "واستغل هؤلاء المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله في ذلك،

وأحكموا أسانيدها، وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وسكت الأمويون لأنهم قلدوها في سفيانيهم، وسكت العباسيون لأنهم حولوها إلى منفعتهم، وهكذا كانت مؤامرة شنيعة أفسدوا بها عقول الناس".
انتهى.
وأما سعد محمد حسن فقد زعم في صفحة 44 من كتابه "المهدي في الإسلام" أن عقيدة المهدي حِيكَت في المجتمع الإسلامي، وأن حَاكَتَهَا هم الشيعة على يد ابن السوداء اليهودي المتمسلم الغالي في تشيعه الموهوم، وزعم أيضًا في صفحة (69) أن الشيعة اختلقت الأحاديث الكثيرة، ووضعتها مؤيدة لوجهة نظرها، ورفعت إلى النبي لتصبغ هذا المعتقد بصبغة إسلامية رسمية؛ من ذلك قولهم: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورًا"، وقال أيضًا في صفحة 174: "ونحن لا نشك في أن عقيدة العامة من أهل السنة، بل وكثير من الخاصة إنما هي أثر شيعي تسرب إليهم فعملت فيه العقلية السنية بالصقل والتهذيب".
انتهى.
وإذا علم هذا فقد قال ابن محمود في صفحة (5) ما نصه: "وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون".
انتهى، ولا شك أن قوله هذا يعود عليه كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال: في هذا الكلام من فساد التصور ما لا يخفي على عاقل؛ وذلك أنه ذكر أن أصل من تبنى الفكرة والعقيدة في المهدي هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري، وأن هذه الفكرة سرت إلى أهل السنة فدخلت في معتقدهم بطريق المجالسة والاختلاط، ثم انتقلت إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها في الناس عبد الله بن سبأ، إلى آخر كلامه.
وهذا كلام غير معقول؛ لأن محمد بن الحسن العسكري الذي زعمت الرافضة الإمامية أنه الإمام المنتظر قد ولد في سنة خمس وخمسين ومائتين، ذكر ذلك ابن خلكان في تاريخه، وهذا على القول بوجوده، والصحيح أنه لا وجود له، وأما عبد الله بن سبأ وهو الذي يقال له ابن السوداء، فإنه كان يهوديًا من أهل صنعاء، وأظهر الإسلام في زمان عثمان -رضي الله عنه-، وهو أول من ابتدع الرفض، وكان منافقًا زنديقًا، أراد إفساد دين الإسلام كما فعل بولص بدين النصرانية، وقد سعى في الفتنة وحصل بسببه تحريش وفتنة قُتل فيها عثمان -رضي الله عنه-.

وإذا علم أن ابن سبأ كان في زمان عثمان -رضي الله عنه-، وأن محمد بن الحسن العسكري كان بعد زمان ابن سبأ بمدة طويلة تزيد على مائتي سنة، فهل يعقل والحالة هذه أن تكون فكرة الشيعة في محمد بن الحسن العسكري سرت بطريق المجالسة والاختلاط إلى أهل السنة، ثم انتقلت إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها عبد الله بن سبأ؟! فكيف تنتقل الفكرة المتأخرة إلى الزمان الذي مضى قبلها بأكثر من مائتي سنة، وكيف ينادي عبد الله بن سبأ بفكرة كان ابتداؤها بعده بأكثر من مائتي سنة، هذا تصور لا يقوله عاقل.
وأما قوله: إن ابن سبأ أخذ هو وشيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث، ووضعها على لسان رسول بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لم أر أحدًا من المحدثين ولا من أهل التاريخ والسير نقل عن ابن سبأ أنه تكلم في المهدي بشيء، فضلا عن صياغة الأحاديث في ذلك ووضعها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونشرها في مجتمع الناس، ولو وقع شيء من ذلك لنقله أهل العلم بالرجال، وذكروه في كتب الموضوعات، كما فعلوا ذلك في أحاديث الوضاعين؛ فإنهم قد نبهوا عليها وذكروا مع كل حديث موضوع اسم الرجل الذي وضعه، فإن كان ابن محمود قد اطلع على شيء من الأحاديث التي زعم أن ابن سبأ قد وضعها في ذكر المهدي فليفدنا بذلك، وليذكر الكتاب الذي يوجد فيه تلك الأحاديث التي يكون ابن سبأ أحد رجال الأسانيد فيها، فأما التحايل على رد الأحاديث الثابتة وإبطالها بمجرد الدعوى التي لا دليل عليها، ولم تنقل عن أحد من علماء الجرح والتعديل، فلا يليق ذلك بمن له أدنى عقل وعلم ودين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في خروج المهدي كانت من رواية الثقات عن الثقات، من لدن الصحابة الذين رووها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم، ولم يكن لعبد الله بن سبأ ولا لأحد من شيعته علاقة بشيء من تلك الأسانيد الثابتة، وليس في رواتها أحد من المغفلين الذين يقبلون التلقين حتى يتهيأ للناقد الطعن فيها، وإذا فما زعمه ابن محمود ههنا فهو تمويه وتلبيس على الأغبياء، ولا أساس له من الصحة.

وقد كان علماء الجرح والتعديل إذا طعنوا في شيء من الأحاديث، وحكموا عليها بالوضع، يذكرون المتهمين بوضعها ممن يكون في أسانيد تلك الأحاديث من الوضاعين والكذابين، فأما الأحاديث التي يكون في أسانيدها بعض الضعفاء فقد كانوا يحكمون عليها بالضعف، ولا يتجاوزون ذلك إلى الحكم بالوضع، لاحتمال أن تكون من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما الأحاديث التي قد رواها الثقات عن الثقات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كانوا يعظمونها ويعتمدون عليها في أصول الدين وفروعه، وقد تقدم كلام الإمامين الشافعي وأحمد في ذلك، وكذلك كلام ابن شاقلا، وأبي الحسن الأشعري، وأبي محمد المقدسي في ذلك فليراجع.1
وقد خلف من بعد العلماء العالمين بالأحاديث خلف من العصريين المفتونين بأفكار الغربيين، فهجموا على الأحاديث الصحيحة، والأحاديث الحسنة، وتجرءوا على الكلام فيها وفي رواتها، ولم يبالوا بردها وإطراحها، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وتلاميذهم المفتونين بما يسمونه حرية الفكر، وتقديم الأفكار على الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة.
وقد جعلوا عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- وكعب الأحبار ووهب بن منبه هدفًا لطعنهم في الأحاديث الصحيحة وردها، ولو لم يكونوا من رواة تلك الأحاديث.
وقد زعم بعضهم ظلمًا وزورًا أن هؤلاء الثلاثة كانوا يضعون الأحاديث ويدسونها على المسلمين.
وأما ابن محمود فقد جعل هدفه عبد الله بن سبأ وشيعته، فزعم أنهم هم الذين صاغوا الأحاديث الواردة في المهدي ووضعوها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فطريقة ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة في المهدي، هي نفس الطريقة التي كان يسلكها غيره من العصريين في رد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لأفكارهم أو أفكار من يعظمونه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن سبأ كان في زمن الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك الزمان لم يكن لتلك الأحاديث أسانيد، وإنما وجدت أسانيدها بعد زمانهم وزمان ابن سبأ، فهل يعقل والحالة هذه أن يكون ابن سبأ هو الذي صاغ أحاديث المهدي ووضعها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد لم توجد إلا بعد زمانه؟! وهل يظن ابن محمود أن ابن سبأ قد بقي إلى ما بعد المائتين من الهجرة حتى يصوغ أحاديث المهدي بالأسانيد التي عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة، وغيرهم ممن روى أحاديث المهدي؟! وقد قال

الذهبي في "الميزان": "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل، أحسب عليًا حرقه بالنار"، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله اتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته".
انتهى.
الوجه الرابع: أن يقال: كان ينبغي لابن محمود أن يذكر له مستندًا صحيحا فيما ألصقه بابن سبأ وشيعته، من صياغة الأحاديث في المهدي ووضعها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد منظمة عن أهل القبور، ونشرها في مجتمع الناس، وحيث لم يذكر له مستندًا من المصادر الموثوق بها، فلا شك أن مستنده الذي اعتمد عليه هو التوهم والتخيل واتباع الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» [متفق عليه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-].
وأما قوله: فهي دعوة سياسية إرهابية.
فجوابه: أن يقال: أما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا؛ مثل ابن التومرت، ومهدي القرامطة والبابية البهائية والقاديانية، وأمثالهم من الكذابين المتحيلين لتحصل الرئاسة فهؤلاء دعوتهم سياسية إرهابية بلا شك، وكذلك الفئة التي نكثت البيعة وشقت العصا وألحدت في المسجد الحرام في أول سنة 1400 من الهجرة، وأراقت الدماء المحرمة في أشرف البقاع وأعظمها حرمة عند الله -تعالى-، وادعت المهدية فيمن ليس لها بأهل، فهؤلاء دعواهم المهدية مثل دعوى غيرهم ممن ادعى المهدية كذبًا وزورًا، ودعوتهم إلى مبايعة مهديهم المزعوم دعوة جهل وضلال وإرهابية بلا شك.
وأما المهدي الذي أخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- بخروجه في آخر الزمان فليس الإيمان بخروجه ورواية الأحاديث الثابتة فيه دعوة سياسية إرهابية كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما هو من الإيمان والتسليم لما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمر الغيبي الذي سيقع طبق ما أخبر به، ومن لم يؤمن بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمور الغيبية فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة.
والمهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان لا تكون دعوته سياسية إرهابية، وإنما تكون دعوة حق وهدى، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا،

وتنعم الأمة في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض؛ أي يستقر قراره فلا تكون فتنة ولا هيج، وتجري أحكام الإسلام على العدل والاستقامة، وليس هو الذي يسمى نفسه بالمهدي، وإنما يسميه الناس بذلك إذا رأوا أعماله الصالحة، وعمله بالسنة، ونشره للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم.
وأما قوله: كما أن بني أمية لما سمعوا بهذا الأحاديث الموجهة لهم من العراق والتي ترجف بهم وتهددهم بالإيقاع، لهذا تنبه بنو أمية فأقاموا السفياني مقام المهدي وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث عن رسول الله في السفياني، من ذلك ما روى الحاكم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل يقال له السفياني من دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان» وذكر بقية الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه، فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء، وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة.
فجوابه: من وجوه: أحدها: أن يقال: قد تقدم عن ابن محمود أنه قال إن فكرة المهدي لم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول ولا بين التابعين، وأن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري.
فعلى قول ابن محمود يكون ابتداء الفكرة في المهدي في أواخر القرن الثالث من الهجرة، بعدما ولد محمد بن الحسن العسكري وبعدما دخل السرداب على حد زعم الرافضة فيه.
ثم إن ابن محمود أتى بما يناقض ما قرره أولا؛ فزعم أن بني أمية لما سمعوا الأحاديث في المهدي أقاموا السفياني مقام المهدي، وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث في السفياني، ومن المعلوم أن بني أمية كانوا في أثناء القرن الأول وآخره وأول القرن الثاني، وكان الصحابة كثيرين جدًا في أول زمان بني أمية، وأما التابعون فكانوا متوافرين في زمان بني أمية، فإذا لم يكن للفكرة في المهدي ذكر بين الصحابة ولا بين التابعين، وكان ابتداؤها في أواخر القرن الثالث حين ولد محمد بن الحسن العسكري، فكيف يقال إن بني أمية تنبهوا حين سمعوا الأحاديث في المهدي، وأقاموا السفياني مقام

المهدي، وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث في السفياني؟! هذا تناقض وتخليط صدران عن المجازفة وعدم التثبت في الكلام.
الوجه الثاني: أن يقال: إن كلام ابن محمود ينقض بعضه بعضًا؛ لأنه ذكر أولا عن ابن سبأ وشيعته أنهم صاغوا الأحاديث ووضعوها في المهدي، ثم ذكر ثانيًا أن بني أمية سمعوا بتلك الأحاديث موجهة لهم من العراق، فإن كانت أحاديث المهدي موجهة من العراق كما جزم به ابن محمود في هذا الموضع، فليس من وضع ابن سبأ وشيعته؛ لأن ابن سبأ قد نفي إلى مصر، فاستقر فيها وجعل يبث شره في الناس.
ذكر ذلك ابن جرير وغيره.
وإن كان ابن سبأ هو الذي وضع أحاديث المهدي كما جزم به ابن محمود فيما تقدم من كلامه1، فإنها تكون موجهة من مصر لا من العراق.
وهذا التناقض يدل على بطلان قول ابن محمود في أحاديث المهدي حيث زعم أنها موضوعة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه في ذكر السفياني والمهدي رواته كلهم ثقات، فإنه رواه عن أبي محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها، حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة، فيبلغ السفياني فيبعث إليه جندًا من جنده فيهزمهم، فيصير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم».
قلت: أما محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة ومن فوقه فكلهم من رجال الصحيح، فلا حاجة إلى الكلام فيهم سوى الوليد بن مسلم؛ الإمام الحافظ، فقد قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "لا نزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مدلس، فلا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع".

قلت: وقد صرح أن الأوزاعي حدثه بهذا الحديث، فزال ما يخشى من تدليسه، وأما زكريا بن يحيى الساجي؛ فقال فيه ابن أبي حاتم: "كان ثقة، يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن"، وقال الذهبي في "الميزان": "أحد الأثبات، ما علمت فيه جرحًا أصلا"، وقال أبو الحسن القطان: "مختلف فيه في الحديث، وثَّقه قوم، وضعَّفه آخرون".
انتهى، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": "ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، فقد جازف بهذه المقالة، وما ضعَّف زكريا الساجي هذا أحد قط كما أشار إليه، ثم ذكر قول ابن أبي حاتم فيه، قال: وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة".
انتهى.
وأما أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني؛ فقد ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" عن الحاكم أنه قال: "كان إمام أهل العلم والوجوه وأولياء السلطان بخراسان في عصره بلا مدافعة"، قال: وقال أبو النصر عبد الرحمن بن عبد الجبار النامي في "تاريخ هراة": "كان إمام عصره بلا مدافعة في أنواع العلوم، مع رتبة الوزارة وعلو القدر عند السلطان"، وقال أبو سعد السمعاني: "إنه الذي يقال له الشيخ الجليل ببخاري".
انتهى.
وإذا علم إن رجال هذا الحديث كلهم ثقات وليس فيهم ضعيف، فضلاً عن الكذابين والوضاعين فليعلم أيضًا أنه ليس فيهم أحد من أنصار بني أمية، أما الوليد بن مسلم ومن كان بعده في الإسناد فكلهم كانوا في زمان بني العباس، فلا يقول عاقل إنهم من أنصار بني أمية وقد كانوا بعد زمانهم، وأما أبو هريرة -رضي الله عنه- وأبو سلمة بن عبد الرحمن فهما مدنيان وليسا من أنصار بني أمية، وأما يحيى بن أبي كثير فهو من أهل اليمامة وليس من أنصار بني أمية، وقد رُوي أنه امتحن وضرب وحلق لكونه انتقص بني أمية.
ذكر ذلك الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، وأما الأوزاعي فقد كان في آخر زمان بني أمية وأول زمان بني العباس ولم يكن من أنصار بني أمية، وإذا فليبين ابن محمود أنصار بني أمية الذين وضعوا هذا الحديث على حد زعمه، وليذكر الكتاب الذي وجد فيه ذلك.
فأما المجازفة بالقول الذي لا صحة له فهذا مما يتنزه عنه كل ذي عقل ودين.
وأما قول ابن محمود: إن الحاكم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه.

فجوابه: أن يقال: لا صحة لما ذكره ابن محمود ههنا؛ فليس في مستدرك الحاكم حديث آخر في السفياني بلفظ حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ومعناه، وإنما فيه أثر موقوف على علي -رضي الله عنه- ولفظه قال: «يظهر السفياني على الشام، ثم يكون بينهم وقعة بقر قيسيًا، حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم، ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم، فتقبل طائفة منهم حتى يدخلوا أرض خراسان، وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان، ويقتلون شيعة آهل محمد - صلى الله عليه وسلم - بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي» لم يتكلم عليه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيصه: "قلت خبر واهٍ".
انتهى.
وهذا الأثر مع ضعفه الشديد لا يتفق مع حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- لا في اللفظ ولا في المعنى، ثم إن السفياني الذي جاء ذكره في حديث أبي هريرة، وأنه يخرج في آخر الزمان عند خروج المهدي، لا يلزم أن يكون من بني أمية ومن ذرية أبي سفيان؛ لأنه لم يأت في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- تصريح بذلك، بل قد يكون من غيرهم، وتكون نسبته موافقة لنسبتهم، وإذ لم يثبت أن السفياني من بني أمية فمن أكبر الخطأ بهت بني أمية بأنهم أقاموا السفياني مقام المهدي، وبهت أنصارهم بأنهم وضعوا الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفياني، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وأما قوله: فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: ظاهر كلام ابن محمود يقتضي أن يكون الحاكم قد روي في السفياني عدة أحاديث وصححها، وهذا غلط؛ لأن الحاكم لم يرو في السفياني سوى حديث واحد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وقد تقدم ذكره، وأنه حديث صحيح، وروى أيضًا أثرًا عن علي -رضي الله عنه- ولم يصححه ووهَّاه الذهبي، وقد تقدم ذكره قريبًا.
فإن كان ابن محمود قد وقف على عدة أحاديث في السفياني رواها الحاكم في مستدركه وصححها فليفدنا بذلك، وليذكر مواضعها في المستدرك، وإن لم يجد سوى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- فالأولى له لزوم الورع وترك المجازفة.

الوجه الثاني: أن يقال: ما صححه الترمذي في جامعه فهو صحيح مقبول عند أهل العلم بالحديث، وسواء في ذلك أحاديث المهدي وغيرها، وكذلك ما حسنه الترمذي من الأحاديث فهو مقبول عند أهل العلم إلا ما ظهرت علته.
فأما الحاكم فإنه كان يتساهل في تصحيح بعض الأحاديث، ولكن كان الذهبي يتعقبه في تلخيصه للمستدرك فيضعف ما صححه من الأحاديث الضعيفة، ويوافقه على تصحيح الصحيح منها، وقد وافقه على تصحيح حديثي ابن مسعود وأبي سعيد -رضي الله عنهما- في المهدي.
ومحل الذهبي في معرفة صحيح الأحاديث وضعيفها، ونقد الرجال لا يخفى على طالب العلم.
وأما قوله: وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة.
فجوابه: أن يقال: هذا من مجازفات ابن محمود، وما زعمه من الحقيقة فهو خلاف الحقيقة بلا شك؛ لأن أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وهذا القول هو الصحيح المطابق للحقيقة، وقد قرر ذلك غير واحد من العلماء كما سأذكره -إن شاء الله تعالى- وصرح بعضهم أنها متواترة، وقد تقدم إيراد تسعة أحاديث من الصحاح والحسان بأسانيدها الثابتة فلتراجع1،ففيها أبلغ رد على الحقيقة التي زعمها ابن محمود، وقد صحح الترمذي منها حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة، وحسَّن حديث أبي سعيد، وصحح ابن حبان والحاكم وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والذهبي حديث ابن مسعود.
وصحح ابن حبان وابن القيم أيضًا حديث أبي هريرة، وصحح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي حديث أبي سعيد، وصححه الحاكم والذهبي أيضًا من وجهين آخرين، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلي ورجالهما ثقات"، وقد أقرَّه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني؛ لكونهما قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي، وقال ابن القيم: "رواه أبو داود، وإسناده جيد"، وقال شمس الحق العظيم آبادي في حديث علي -رضي الله عنه- المرفوع: "سنده حسن قوي"، وقال الهيثمي في حديث آخر عن أبي هريرة: "رجاله ثقات"، وأقره على ذلك زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وصحح الحاكم والذهبي حديث علي الموقوف.

وصحح ابن حبان حديث أم سلمة، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، وأقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وقال ابن القيم فيه: "إنه حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وقال ابن القيم أيضًا في حديث جابر، الذي رواه الحارث ابن أبي أسامة: "إسناده جيد"، وصحح الحاكم والذهبي حديث أبي هريرة في ذكر السفياني والمهدي، وقال أبو جعفر العقيلي: "في المهدي أحاديث جياد" ذكر ذلك في ترجمة علي بن نفيل الحراني، وقال في ترجمة زياد بن بيان الرقي: "وفي المهدي أحاديث صالحة الأسانيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يخرج مني رجل - ويقال من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» ". انتهى، ونقل أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" عن الحاكم أنه قال: "الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة، أصح من هذا الحديث، فالحكم لها دونه".
انتهى، قال ذلك في رده لحديث أنس -رضي الله عنه- الذي رواه ابن ماجة من طريق محمد بن خالد الجندي وفيه: "ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» "، وقد نقل ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" عن البيهقي أنه قال: "الأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا"، ونقله أيضًا الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال"، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي عن البيهقي أنه قال: "الأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسنادًا"، قال المزي: "وفيها بيان كونه من عترة النبي - صلى الله عليه وسلم - ". انتهى، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في رده على الرافضي: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة"، وقد أورد الذهبي كلام شيخ الإسلام فيما انتقاه من المنهاج وأقره، وقال ابن حجر الهيتمي في "القول المختصر": "الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر، الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه، ويصلي عيسى خلفه"، وقال الشوكاني: "الأحاديث الواردة في المهدي، التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر".
وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "أحاديث المهدي عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، فتعرض المنكرين لها ليس كما ينبغي، والحديث يشد بعضه بعضًا، ويتقوى أمره بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر

الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله -إلى أن قال: وقد جمع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه يظهر في آخر الزمان، ثم قال: ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال".
انتهى، فهذا ما وقفت عليه من أقوال العلماء الذين صححوا أحاديث المهدي، وفي أقوالهم أبلغ رد على من جازف وزعم أن أحاديث المهدي غير صحيحة.
وأما القول بأنها متواترة فقد صرح به غير واحد من العلماء، وقد تقدم قول أبي الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي": "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه".
انتهى.
وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، منهم أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة"، وابن القيم في كتابه "المنار المنيف"، والحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة محمد بن خالد الجندي الصنعاني، والحافظ ابن حجر في "باب نزول عيسى ابن مريم -عليهما السلام-" من "فتح الباري"، ونقله أيضًا في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي، والحافظ السخاوي في "فتح المغيث"، والسيوطي في "أخبار المهدي" وغيرهم.
وقال جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر": "وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة"، والسخاوي ذكر ذلك في "فتح المغيث"، ونقله عن أبي الحسين الآبري، وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسيني العراقي في المهدي أن أحاديثه متواترة أو كادت قال: "وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد"، وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه: "ورد خبر المهدي في أحاديث ذَكَرَ السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر"، وفي "شرح المواهب" نقلا عن أبي الحسين الآبري في "مناقب الشافعي" قال: "تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه"، وفي "مغاني

جارٍ التحميل