أهل الأثرالأرشيف العلمي

تراجع الحق ولا تتمادى في الباطل. وأما قوله: بل إنهم ينكرون على من يقول بإنكاره، فيزيدون الحديث عِلة والطين بلة. فجوابه: أن يقال: إن أهل السنة لا يلحقهم لوم إذا فعلوا ما يجب عليهم من إنكار المنكر والرد على أهل الباطل، وإنما اللوم كل اللوم على من يقول بالباطل ويدعو إليه ويزينه للناس، وذلك هو المردود عليه. وقال ابن محمود في صفحة (24) و (25): "إن فكرة المهدي والفتنة به لها أسباب سياسية واجتماعية، وغالبها مقتبس من عقائد الشيعة وأحاديثهم، فسرى اعتقادها إلى أهل السنة بطريق العدوى والتقليد الأعمى، فبعد خروج الخلافة من أهل البيت تصدى أقوام من المتحمسين لهم، فعملوا عملهم في صناعة الأحاديث التي غزوا بها أفكار الجمهور يروونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحكموا أسانيدها عن أكثر الموتى، وأخرجوها بطرق مختلفة، وأسانيدها مضطربة ومتعارضة، فصدَّق بها بعض علماء الإسلام، وضَعَفَة العلوم والأفهام، وصار لها الأثر السيئ في تضليل عقول الناس وإفساد عقائدهم، وخضوعهم للخرافات والأوهام. والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بالسنة، وليس ذلك مجرد فكرة كما قد زعم ذلك ابن محمود في هذا الموضع وفي مواضع أخر من رسالته، وقد تقدم الجواب عن ذلك في أول الكتاب عند قول ابن محمود: إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة. فليراجع.1
الوجه الثاني: أن يقال: لا صحة لما زعمه ابن محمود من اقتباس فكرة المهدي من عقائد الشيعة وأحاديثهم، وأن اعتقادها سرى إلى أهل السنة بطريق العدوى والتقليد الأعمى، فقد روى الصحابة -رضي الله عنهم- أحاديث المهدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن توجد الشيعة، وروى زر بن حبيش حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- في المهدي قبل خلافة علي -رضي الله عنه- وقبل وجود الشيعة، وجميع الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي ليس في شيء من أسانيدها أحد من الشيعة، ولا مَن يُتهم بالتشيع.
الوجه الثالث: أن يقال: إن التقليد الأعمى في الحقيقة هو تقليد ابن محمود لأحمد أمين في تخيلاته وما وقع في نظره، فقد زعم أحمد أمين في صفحة (237) من..................

الجزء الثالث من كتابه ضحى الإسلام أن فكرة المهدية مأخوذة من عقائد الشيعة والقائلين برجعة الأئمة، وزعم أيضًا في صفحة (241) من الجزء الثالث أن فكرة المهدي لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، ثم قال: "ففي نظري أنها نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم وانتقالها إلى معاوية، وقتل عليٍّ وتسليم الحسن الأمر لمعاوية...،- إلى أن قال في صفحة (243) -: واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وسكت الأمويون لأنهم قلدوها في سفيانيهم، وسكت العباسيون لأنهم حولوها إلى منفعتهم، وهكذا كانت مؤامرة شنيعة افسدوا بها عقول الناس".
انتهى.
وإذا علم أن كلام ابن محمود مأخوذ من كلام أحمد أمين إلا أنه قد غير فيه في بعض الكلمات، وأن أحمد أمين قد قال في المهدي ما قال معتمدًا على ما وقع في نظره، فليعلم أيضًا أن ابن محمود قد ذم التقليد والمقلدين في صفحة (8) من رسالته، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم، فقد أثبت على نفسه أنه لا يعد من أهل العلم؛ لأنه مقلد لأحمد أمين في نظره المخالف للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك من أقبح التقليد.
الوجه الرابع: أن يقال: إن علماء الإسلام لم يأخذوا من أفكار الشيعة في مهديهم المزعوم ولم يقتبسوا من عقائدهم الفاسدة وأحاديثهم المكذوبة، وإنما اعتمدوا على ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأسانيد الصحيحة والحسنة، مما لا يرده إلا جاهل أو مكابر معاند.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الشيعة هم الذين اقتبسوا اسم المهدي من عقائد أهل السنة وأحاديثهم، ثم ادعوا هذا الاسم في أشخاص لا ينطبق عليهم اسم المهدي ولا سيرته، وكذلك كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا، فإنما اقتبسوا ذلك من الأحاديث الواردة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، ولكنهم طبقوها على من لا تنطبق عليه من أهل الجور والظلم والعدوان؛ مثل مهدي القرامطة، وابن التومرت، والباب، والقادياني، وصاحب جهيمان، وأضرابهم من المدعين للمهدية كذبًا وزورًا.

الوجه السادس: أن أقول: قد ذكرت مرارًا في هذا الكتاب أن الأحاديث الثابتة في المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن، وليس في أسانيدها اضطراب ولا تعارض بحمد الله، وإنما الاضطراب والتعارض في عقول الذين شرقوا بها وتهجموا عليها، وزعموا أنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، فهؤلاء هم الذين اضطربت عقولهم، وتعارضت أفكارهم، وتناقضت أقوالهم، وانعكست عندهم الحقائق، فصاروا يرون الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق.
الوجه السابع: أن يُقال: إن ابن محمود رمى بعض علماء الإسلام بضعف العلوم والأفهام من أجل تصديقهم للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي, وما يدري -هدانا الله وإياه- أن ضعف العلوم والأفهام في الحقيقة إنما هو في الأشخاص الذين اعرضوا عن الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتاضوا عنها بأقوال فلان وعلان من العصريين الذين يعتمدون في رد الأحاديث أو قبولها على مجرد التفكير والنظر، فما وافق تفكيرهم ونظرهم قبلوه وأيدوه ولو كان ضعيفًا أو موضوعًا، وما خالف تفكيرهم ونظرهم ردوه وطعنوا فيه ولو كان من الصحاح أو الحسان، وقد رأيت في كتب بعضهم من هذه التصرفات الخاطئة شيئًا كثيرًا، فهؤلاء هم الذين أضلوا عقول بعض الناس وأفسدوا عقائدهم بما ينشرونه من نظرياتهم الفاسدة وتفكيراتهم الخاطئة، ولا سيما في معارضة المعجزات، وخوارق العادات، وأشراط الساعة، وما جرى هذا المجرى مما لا تحتمله عقولهم وأفكارهم.
وأما قوله: وأحكموا أسانيدها عن أكثر الموتى.
فجوابه: أن يقال: هذا كلام غير معقول؛ لأن قوله عن أكثر الموتى يشمل أكثر الموتى من أول الدنيا إلى زمان الأئمة المخرجين لأحاديث المهدي، ولا يخفى ما في هذا التعبير من الفساد الذي يتنزه عنه كل عاقل، وقد نقل ابن محمود قوله: وأحكموا أسانيدها... من كلام أحمد أمين، كما تقدم بيان ذلك في الوجه الثالث، ثم ختم ابن محمود هذه الكلمة الباطلة بقوله عن أكثر الموتى، فزاد الكلمة فسادًا إلى ما فيها من الفساد من قبلُ، وصارت هذه الجملة من قبيل الهذيان، وهذا مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، والاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وقلة المبالاة بها.

وقال ابن محمود في صفحة (25): "ففكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته بحال، فقد أثبتت التآريخ الصحيحة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بداية مولده إلى حين وفاته كما أثبتها القرآن، وليس فيها شيء من ذكر المهدي، كما لا يوجد في القرآن شيء من ذلك.
فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به، والقرائن والشواهد تكذب به؟ وما هذا التهالك في محبته والدعوة إلى الإيمان به، وهو رجل من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به؟ والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بالسنة وليس ذلك مجرد فكرة، وقد تقدم الجواب عن ذلك في عدة مواضع.
الوجه الثاني: أن يقال: قد جاء في أحاديث صحيحة عن علي وابن مسعود وأبي سعيد -رضي الله عنهم- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا، وهذا يتفق مع سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته غاية الاتفاق، وجاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المهدي: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض».
وقد صححه ابن حبان، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، وقال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح".
وفي هذا الحديث وما قبله أبلغ رد على قول ابن محمود: إن سيرة المهدي لا تتفق مع سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته بحال.
قال الخطابي في "معالم السنن": "الجران مقدم العنق، وأصله في البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض، فيقال: ألقي البعير جرانه، وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه، فضرب الجران مثلا للإسلام، إذا استقر قراره فلم يكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة".
انتهى.
الوجه الثالث: أن يقال: وكيف يسوغ لمسلم أن ينكر خروج المهدي في آخر الزمان، ويرد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ويكذب بها، ويزعم أنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة؟ هذا مما يستغرب وقوعه من المسلم فضلا عمن ينتسب إلى العلم.

الوجه الرابع: أن يقال: وما هذا التهالك في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ووصفها بالصفات الذميمة التي لا تليق بها ولا تنطبق على شيء منها؟! أما يخشى من فعل ذلك أن يعاقبه الله بتقليب القلب وزيغه؛ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ويقول -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾؟!! قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "بدائع الفوائد": "حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء؛ أحدهما رد الحق لمخالفه هواك، فإنك تعاقب بتقليب القلب، ورد ما يَرِد عليك من الحق رأسًا ولا تتقبله إلا إذا برز في قالب هواك، قال -تعالى-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.
والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك، قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.
فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة".
انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال: إن النفوس قد جبلت على حب الأئمة المقسطين العادلين ولو كانوا في غير زمانهم، فلا تجد مؤمنًا إلا وهو يحب أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، وعمر بن عبد العزيز، ويحب كل من سار على منهاج هؤلاء الخلفاء الراشدين من أئمة المسلمين وملوكهم، وإذا أحب المسلمون المهدي الذي نوَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكره، وأخبر أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا، وأنه يعمل بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا لوم عليهم؛ لأن هذا من الحب في الله -تعالى- وليس من الحب للأهواء والأغراض الدنيوية، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله».
رواه الإمام أحمد وغيره، من حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما-، وروي نحوه عن عشرة من الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد ذكرت أحاديثهم في "تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران" فلتراجع هناك.
الوجه السادس: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان داخل في ضمن الإيمان بأن محمدًا رسول الله، فكل ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع في آخر الزمان أو بعد قيام الساعة فإنه يجب الإيمان به؛ تصديقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وإيمانًا بخبره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.

وأما قوله: وهو رجل من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جيد من ربه مما يوجب الإيمان به. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذا القول المستهجن في سبعة مواضع من رسالته، وقد تقدم الجواب عنه مع الكلام على ما ذكره ابن محمود في صفحة (6)، فليراجع هناك.1
فصل وقال ابن محمود في صفحة (26): "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي، ثم زعم أنهم متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان، قال: وقد قرروا قائلين أن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما، مع العلم أنها على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين، وما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله، يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها، وقد ثبت بطريق الواقع المحسوس أن فكرة المهدي أصبحت فتنة لكل مفتون، تنتقل من جيل إلى جيل ومن زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، وتراق من أجلها الدماء الزكية البريئة في الشهر الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام، والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته، وعندنا كتاب الله نستغني به عنه وعن كل بدعة واتباع كل مبتدع مفتون، كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة، سواء كانت متواترة أو من رواية الآحاد غير المتعارضة ولا المختلفة".
والجواب عن عنوان ابن محمود من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما علماء الأمصار من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدي من بعدهم فلم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر خروج المهدي في آخر الزمان فضلا عن محاربة اعتقاد ظهوره، وهؤلاء هم العلماء على الحقيقة، وأما أهل الشذوذ والمخالفة من العصريين الذين كانوا في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة وفي آخره فقد بذلوا جهدهم في محاربة اعتقاد ظهور المهدي في آخر الزمان وفي معارضة الأحاديث الثابتة فيه، وقد قلدهم ابن محمود وتمسك بأقوالهم الباطلة في إنكار خروج المهدي في آخر الزمان........................................................

ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه، مع أنه قد بالغ في ذم التقليد في صفحة (5) وصفحة (8) من رسالته، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم.
وقد ذكرت بعض الذين قلدهم ابن محمود في أول الكتاب1، وسيأتي ذكر بعضهم قريبًا -إن شاء الله تعالى-.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد جازف في قوله: "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي"؛ حيث أوهم بهذه العبارة أن علماء الأمصار قديمًا وحديثًا قد أجمعوا على محاربة اعتقاد ظهور المهدي.
وهذا في الحقيقة بخلاف الواقع، فإن الذين قاموا بمحاربة اعتقاد ظهور المهدي ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه لا يعرف منهم إلا أفراد قليلون من العصريين، الذين كانوا في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة وفي آخره، وجمهور العلماء على خلافهم، أما العلماء المتقدمون فكما ذكرت عنهم في الوجه الأول أنه لم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر خروج المهدي في آخر الزمان فضلا عن محاربة اعتقاد ظهوره، وأما العلماء المتأخرون فقد رأيت لكثير منهم ردودا على من أنكر خروج المهدي في آخر الزمان، رأيت ذلك في عدة كتب وتعليقات على الكتب، وسمعت ذلك من كثير من العلماء الموجودين على قيد الحياة، وبلغني ذلك عن كثير منهم.
وأما قول ابن محمود عن العصريين: إنهم متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان.
فجوابه: أن يقال: لقد بالغ ابن محمود في مدح العصريين ووصفهم بما لا ينطبق عليهم، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم».
وقد رأيت لبعضهم بحوثًا كثيرة على خلاف الصواب؛ فتجدهم في التفسير يؤولون آيات الصفات بما يوافق أقوال المعتزلة، وفي الكلام على المعجزات وخوارق العادات إما أن ينكروها أو يؤولوها بما يتفق مع أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين واتباع الغربيين، وفي الكلام على السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم يتمسكون بما يقوله أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الغربيين، وفي الكلام على أشراط الساعة تجد بعضهم ينكرها وبعضهم يؤولها أو يؤول بعضها علي ما يوافق رأيه وتفكيره، وأما الأحاديث الواردة في............................................................

المهدي فتجد بعضهم ينكرها ويطعن فيها، ولا فرق عندهم بين الصحيح والحسن منها، وبين الضعيف والموضوع، فكلها عندهم على حد سواء، ومنهم من يؤيد عبادة القبور والغلو في الأموات، ولهم في ذلك مصنفات معروفة، ومنهم من ينكر وجود الجن ووجود السحر، ومنهم من يزعم أن قرين ابن آدم من الملائكة وقرينه من الجن عبارة عن نوازع الخير والشر في الإنسان، ومنهم من يزعم أن خروج الدجال عبارة عن انتشار الشر، وأن نزول عيسى ابن مريم عبارة عن انتشار الخير، إلى غير ذلك من توهمات العصريين وتخرصاتهم، التي هي عند ابن محمود من إشباع البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، وقد ذكر الشيخ محمد بن يوسف الكافي في صفحة (120) من كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" أن الذين خرجوا على جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا على من تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم، وينكرون بعض ما ثبت في الشرع، ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول الراسخين في العلم من المسلمين، وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم، ثم ذكر الكافي عنهم بعض الأقوال المنحرفة ورد عليهم، فمن أحب الوقوف على ذلك فليطالع الكتاب المذكور، وليطالع أيضًا كتابه المسمى "بالأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية" وهو رد على رشيد رضا، وكذلك رد الشيخ عبد الله بن علي بن يابس علي شلتوت وهو المسمى "إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام"، ففي هذه الكتب رد على من زعم أن العصريين يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحا، ومن كان اعتماده على كتب العصريين وبحوثهم وتحقيقهم وتدقيقهم وتمحيصهم وتصحيحهم فلا شك أنه مزجى البضاعة، ومن أراد العلم النافع فليطالع كتب الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين، وكذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وأمثالهم من المحققين، ففيها من البحوث النافعة والتحقيق والتدقيق والتمحيص والتصحيح ما لا يوجد في غيرها من الكتب، والله الموفق.
وأما قوله: وقد قرروا قائلين إن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنها، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما.
فجوابه: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين؛ فأما........

رشيد رضا فقال في صفحة (499) من الجزء التاسع من تفسير المنار: "وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما"، وأما أحمد أمين فذكر في صفحة (238) من الجزء الثالث من كتابه ضحى الإسلام أن المهدي وُضِعت فيه الأحاديث المختلفة، قال: "ولم يرو البخاري ومسلم شيئًا من أحاديث المهدي، مما يدل على عدم صحتها عندهما". انتهى. فهذا ما قرره رشيد رضا وأحمد أمين في إنكار خروج المهدي، وزعم ابن محمود أنه تحقيق وتدقيق وتمحيص وتصحيح، وهو في الحقيقة من الاستخفاف بالأحاديث الثابتة في غير الصحيحين وقلة المبالاة بها، ولو تركت الأحاديث الثابتة التي لم يخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما لترك من السنة شيء كثير. وقد تقدم الجواب عما زعمه رشيد رضا من التعارض بين الأحاديث الواردة في المهدي، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها في موضوعها، فليراجع هناك.1
وتقدم أيضًا الجواب عن قول رشيد رضا وأحمد أمين، أن البخاري ومسلمًا لم يرويا شيئًا من أحاديث المهدي، وأن ذلك يدل على عدم صحتها عندهما، فليراجع ذلك مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6)، ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم.2
وأما قوله: مع العلم أنها على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين.
فجوابه: أن يقال: كل ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد وقع فيما مضى من الزمان، أو أخبر أنه سيقع بعده إلى قيام الساعة، وما سيكون بعد قيامها إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك، فالإيمان به واجب، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مِنِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله».
وهذا الحديث من جوامع الكلم، فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب؛ ومنها خروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن................................................................

بخروجه فلا شك أنه فاسد العقيدة، وأنه ممن تجري عليه أحكام هذا الحديث الصحيح.
وأما قوله: وما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله، يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كما زعمه ابن محمود، من أن أحاديث المهدي حكايات عن الأحداث التي قام بها الذين ادعوا المهدية قديمًا وحديثا، وإنما هي إخبار عن إمام عادل يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فمن آمن بخروجه فإنما يؤمن بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ومن كذب بخروجه فإنما يكذب بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ومن قال إن الإيمان بأنباء الغيب ليس من العقائد الدينية فهو إما جاهل أو مكابر.
وأما قوله: وقد ثبت بطريق الواقع المحسوس أن فكرة المهدي أصبحت فتنة لكل مفتون.... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: إن افتتان المفتونين بدعوى المهدية كذبًا وزورًا لا يؤثر في صحة الأحاديث الواردة في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، كما لا تؤثر دعوى من ادعى النبوة من الكذابين في نبوة نبينا وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾، وقد فضح الله كل من ادعى النبوة بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قد فضح الله كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا، وأبطل كيدهم وكفى المسلمين شرهم.
وأما قوله: والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج المهدي في آخر الزمان ليس مجرد فكرة، وإنما هو ثابت بالأحاديث الصحيحة والحسنة، وما كان كذلك فإنه يجب اعتقاد صحته، ويحرم إطراح ما جاء فيه من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما قوله: وعندنا كتاب الله نستغني به عنه، كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المهدي لا يأتي بشرع جديد حتى يقول المجازف: عندنا كتاب الله نستغني به عنه، كما لدينا سنة رسول الله.

الوجه الثاني: أن يقال: إن المهدي يعمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدم1فيما رواه علي وابن مسعود وأبو سعيد -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهذا إنما يكون بالعمل بالكتاب والسنة، وتقدم2أيضًا في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المهدي: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض».
وهذا نص في أن المهدي يعمل بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن كان هكذا فلا يستغني عنه المسلمون، بل هم محتاجون إليه وإلى أمثاله من أئمة العدل غاية الحاجة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يستغنى بهما عن أئمة العدل الذين يعملون بهما ويحملون الناس على العمل بهما، وهل يقول عاقل: إن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا في غنية بكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وكذلك من كان بعدهم من الخلفاء والملوك؟! لا يقول عاقل إن الناس كانوا في غنية بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن ولايتهم؛ لأن الناس في أمسِّ الحاجة إلى الولاية التي تنفذ أحكام كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتعدل بين الناس، وتنصف المظلوم من الظالم، وتأخذ للضعيف حقه من القوي، وقد قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- وأحسن فيما قال: إن الجماعة حبل الله فاعتصموا... منه بعروته الوثقى لمن دانا كم يدفع الله بالسلطان معضلة... في ديننا رحمة منه ودنيانا لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا والمهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يخرج في آخر الزمان طريقته كطريقة الخلفاء الراشدين، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويقومون بالقسط والعدل، وينفون الجور والظلم، ومن كان هكذا فلا يقول عاقل أنه يستغني عنه بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: إذا شئت أن تحيا عزيزًا مسلّمًا... فدبِّر وميِّز ما تقول وتفعل وقال ابن محمود في صفحة (27): "ولعل العلماء الكرام والأكابر من الطلاب........

يقومون بجد ونشاط إلى بيان إبطال فكرة المهدي، وفساد اعتقاده، وسوء عاقبته عليهم وعلى أولادهم من بعدهم، وعلى أئمة المسلمين وعامتهم، وما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول، وتوقع في الفضول، وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن من قام بجد ونشاط إلى بيان إبطال القول بخروج المهدي في آخر الزمان وفساد اعتقاد خروجه وسوء عاقبته على الناس، فإنما هو في الحقيقة قائم بجد ونشاط في معارضة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورد الأحاديث الثابتة عنه في المهدي، ونرجو من الله -تعالى- أن يعيذنا ويعيذ العلماء والطلاب من هذه الأعمال السيئة.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ينبغي للعلماء وأكابر الطلاب أن يجاهدوا كل مفتون، قد جعل جده ونشاطه في معارضة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد الأحاديث الثابتة عنه، ومنهم الذين ينكرون خروج المهدي في آخر الزمان، ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة فيه.
الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. ومن كان بهذه الصفات الحميدة فلا شك في حسن عاقبته على الناس.
وأما قوله: وما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول.
فجوابه: أن يقال: من أكبر الخطأ وأعظم الجراءة تهجم ابن محمود على الأحاديث الواردة في المهدي، وزعمه أنها أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول، هكذا جازف وأساء الأدب في رد الأحاديث الثابت بعضها بالأسانيد الصحيحة وبعضها بالأسانيد الحسنة، ولم يحترم أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فضوله وأقواله السيئة، وقد تقدم الرد على هذه المجازفة السيئة غير مرة.
وأما قوله: وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في بعض الصحاح من أحاديث المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعمل في الناس بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، وهذه الصفات موافقة لسنة الله -تعالى- وسنة..............................

رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وللعقول السليمة غاية الموافقة، ومن قال بخلاف هذا فلا شك أن عقله غير سليم. وقال ابن محمود في صفحة (27): "وإن الجهل بأحكام الدين وحقائقه وعقائده الصحيحة يدفع صاحبه إلى أي فكرة تنقش له بدون مناظرة عقلية، وبدون رجوع إلى نص صحيح وصريح، وهذا الجهل هو الذي أدَّى بأهله إلى وضع خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، وإن هذه الأحاديث المختلفة هي التي أفسدت العقول، وجعلتهم يتبعون الملاحدة والمفسدين من دعاة المهدي". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الجهل كل الجهل في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ووصفها بالصفات الذميمة التي لا تنطبق على شيء منها. الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد طعن في جميع الأحاديث الواردة في المهدي وزعم أنها موضوعة، وهذا خطأ مخالف للحقيقة كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الحديث، وقد قسَّم المحققون أحاديث المهدي إلى صحيح وحسن وضعيف منجبر يصلح للاستشهاد به، وقد ذكرتُ في أول الكتاب من قال من أكابر العلماء بتصحيح بعض أحاديث المهدي ومن قال منهم إنها متواترة، فليراجع ذلك.1
وقد خالف ابن محمود ما قاله المحققون في أحاديث المهدي، وسلك مسلك العصريين الذين تهجموا على أحاديث المهدي وزعموا أنها موضوعة، وليس معهم دليل على ما زعموه سوى المجازفة والجراءة على رد الأحاديث التي تخالف تفكيرهم الفاسد.
الوجه الثالث: أن يقال: ليس في الأحاديث الثابتة في المهدي ما يفسد العقول بوجه من الوجوه، وإنما الذي يفسد العقول ويفسد الدين أيضًا معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبها، والخوض في ردها بمجرد التفكير الذي هو غاية في الجهل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"، وقال أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة".
الوجه الرابع: أن يقال: إن كلام ابن محمود في أول الجملة التي تقدم ذكرها.........

يعود عليه؛ لأنه قد انتقشت له فكرة المنكرين لخروج المهدي من العصريين؛ مثل رشيد رضا، وأحمد أمين، وأمثالهما ممن زعم أن فكرة المهدي نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وأنهم وضعوا الأحاديث في ذلك يروونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحكموا أسانيدها، فقابل ابن محمود هذه الفكرة العصرية بالرضى والتسليم، ورد لأجلها الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي، ولم يستند في إنكار خروجه إلى نص صحيح، وإنما اعتمد على مجرد الفكرة التي نقشها له من ذكرناهم من العصريين، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (3)، وأن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، فليراجع ذلك.1
الوجه الخامس: أن يقال: إن المهدي الذي أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج إلى الآن، ولا يعلم وقت خروجه على التعيين إلا الله -تعالى-، وإذا كان المهدي المبشر به لم يخرج إلى الآن، فكيف يقال: إن له دعاة من الملاحدة والمفسدين يتبعهم أهل العقول الفاسدة؟! هذا مما يعلم بطلانه بالضرورة، فأما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا في قديم الزمان وحديثه فلا يصح أن يطلق على أحد منهم اسم المهدي، وإنما يقال: المدعي للمهدية، أو المتسمي بالمهدي، وما أشبه ذلك مما ينفي عنه اسم المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (27): "ولقد قام علماء الأمصار بجد ونشاط إلى تحذير قومهم من اعتقاد المهدي وصحة خروجه، فواصلوا قولهم ونصحهم، بعملهم بكتابة الرسائل في الجرائد والمجلات والنشرات، يبينون لهم فسادها وسوء عواقب اعتقادها، حتى خفَّ أثرها في نفوسهم، وحتى زال اعتقادها عن علمائهم وعامتهم، على نسبة عكسية من فعل علمائنا، فإنهم -رحمهم الله- يسيرون في طريق مخالف، ويصدعون على رؤوس الناس بصحة اعتقادها، وينكرون على من أنكرها، ويحجرون رأي الجمهور على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم، وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، إنهم لو رجعوا إلى التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي المنتظر من كتابنا هذا وقابلوا بعضها ببعض، لظهر لهم بطريق اليقين أنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، لا باللفظ ولا بالمعنى".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود......

من التمويه والمجازفة؛ حيث نسب إلى علماء الأمصار على وجه العموم أنهم قاموا بجد ونشاط إلى التحذير من اعتقاد ظهور المهدي وصحة خروجه، مع أن ذلك لا يعرف إلا عن أفراد قليلين من العصريين؛ ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين. فهؤلاء الثلاثة هم الذين تولوا كبر الطعن في الأحاديث الثابتة في المهدي، والمعارضة لها بالشُبه والشكوك، وقد قلدهم ابن محمود في ذلك، وتلقي أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم، واعتمد عليها في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكر ذلك في عدة مواضع من رسالته. وهؤلاء الثلاثة من العصريين ليسوا علماء الأمصار، ولا يمثلون علماء الأمصار، وإنما علماء الأمصار على الحقيقة الذين يتمسكون بما جاء عن الله -تعالى- وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتلقون الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقبول والتسليم، ولا يعارضون شيئًا منها بالشُبه والشكوك، كما فعل أولئك الثلاثة الذين ذكرناهم ومن يقلدهم ويتلقى أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم. الوجه الثاني: أن يقال: كل من قام برد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويخالف قوله، وهذا من أعظم الغش للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأئمة المسلمين وعامتهم، ومن زعم أن ذلك من النصح فقد قلب الحقيقة وجادل بالباطل، ومن هذا الضرب من قام من أهل الأمصار بإنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومعارضة ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، ولا شك أن هؤلاء متعرضون لحمل أوزار الذين يتبعونهم ويأخذون بأقوالهم الباطلة، قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وقد قام بإزاء هؤلاء غير واحد من علماء الأمصار، فردوا عليهم وعلى ابن خلدون، حيث توسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى ضعَّف بعض الصحاح والحسان منها، وقد نقلت بعض كلامهم في أول هذا الكتاب وفي أثنائه فليراجع.1
الوجه الثالث: أن يقال: إن العلماء الذين صدعوا بصحة اعتقاد خروج.............

المهدي في آخر الزمان، وأنكروا على من أنكر خروجه، هم المصيبون وهم السائرون على الطريق المستقيم، وهم الناصحون للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم آمنوا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأذعنوا لقوله، وسلموا له، ولم يجدوا في أنفسهم حرجًا من قبول أقواله وتصديق أخباره، وهم الناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم؛ لأنهم قد دعوهم إلى الإيمان بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والبعد عما يخالف أقواله، وعلى عكسهم الذين أنكروا خروج المهدي، فهم الذين يسيرون في طريق مخالف للسنة وأهل السنة، وأي خلاف أعظم من مخالفة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإطراحها، تقليدًا لآراء بعض الناس.
الوجه الرابع: أن يقال: إن العلماء الذين صدعوا بصحة اعتقاد خروج المهدي في آخر الزمان، لم يأخذوا ذلك تقليدًا عن الآباء والمشايخ، كما زعم ذلك ابن محمود في مجازفته التي قالها من غير تثبت ولا تعقل، وإنما أخذوا ذلك من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن لامهم على الأخذ بالأحاديث الثابتة فهو الملوم على الحقيقة.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الذي حثَّ ابن محمود على الرجوع إليه في كتابه وزعم أنه تحقيق معتبر، هو في الحقيقة خلاف التحقيق، لمعارضته للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما عليه المحققون من العلماء قديمًا وحديثًا، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في أول الكتاب، وذكرت أيضًا أقوال المحققين من العلماء في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وما صرح به كثير منهم من تواتر الأحاديث الواردة فيه فليراجع ذلك1،ففيه أبلغ رد على تهافت ابن محمود ومجازفته في رد الأحاديث الثابتة، وزعمه أن معارضتها وإطراحها من التحقيق المعتبر.
وفي صفحة (28): ذكر ابن محمود عن بعض العلماء ما حاصله أنهم يشمأزون وينفرون وتشتد كراهيتهم لرسائل العصريين وبحوثهم، التي يعالجون فيها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، ثم زعم أن من واجبهم تلقي هذه العلوم والبحوث بالرحب وسعة الصدر، والتدبر والتفكر في مدلولها، والتزود مما طاب منها؛ ليزدادوا علمًا إلى علمهم.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الرسائل والبحوث التي يعالج أصحابها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان من أعظم الوسائل إلى إفساد العقيدة الصحيحة؛ لما تشتمل عليه رسائلهم وبحوثهم من معارضة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتكذيب أخباره الصادقة عن المهدي، وما كان من الرسائل والبحوث بهذه..............................

المثابة فإنه يجب إنكاره والتحذير منه، ولا لوم على الذين يشمأزون من هذه الرسائل والبحوث وينفرون منها وتشتد كراهيتهم لها، وإنما اللوم على من لامهم، وشذَّ عنهم، واتبع هواه بغير هدى من الله.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه لا يميل إلى الرسائل والبحوث التي تخالف الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتلقاها بالرحب وسعة الصدر إلا من هو فاسد العقيدة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
الوجه الثالث: أن يقال: كل رسالة أو بحث يقصد به تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي، أو غيره من أشراط الساعة، أو غير ذلك مما هو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليس فيه خير ولا علم نافع يتزود منه، وإنما هو ضرر محض ومدعاة إلى الاستخفاف بالأحاديث الثابتة والاستهانة بشأنها، كما هو حال كثير من العصريين.
فصل وقال ابن محمود في صفحة (29) ما ملخصه "عقيدة المسلم مع المهدي": "لقد عَلِقَ بعقائد العامة وعقولهم وبعض العلماء وجود مهدي في عالم الغيب، لا يعلمون مكانه ولا زمانه، فمنهم من يؤمن به ويصدق بظهوره وينكر على من أنكره، ومنهم من ينكر وجود المهدي بتاتًا، ويطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، ويزعم بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله، ولم تزل المناظرة والمجادلة واقعة قائمة بين الفريقين، والحق الذي نعتقده وندعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه هو أنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده".
والجواب: أن يقال: ما قرره ابن محمود تحت هذا العنوان من إنكار خروج المهدي وإطراح الأحاديث الثابتة فيه لا يطابق عقيدة المسلم مع المهدي؛ لأن المسلم لا يعارض الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يستهين بها، ولا يعتقد ما يخالفها، ولو أن ابن محمود عبَّر في العنوان بقوله: "عقيدة المنكرين للمهدي" لكان ذلك مطابقًا لما قرره في هذا الموضع.
ويقال أيضًا: أما عقيدة المسلم في المهدي، فهي الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه في عدة أحاديث صحيحة رواها عليٌّ، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد...............

الخدري، وأم سلمة، وجابر -رضي الله عنهم-، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع1، وقد قال الله -تعالى- في صفة رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومن رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وطعن في صحتها فلا شك في فساد عقيدته. وأما قوله: لقد عَلِقَ بعقائد العامة وعقولهم وبعض العلماء وجود مهدي في عالم الغيب، لا يعلمون مكانه ولا زمانه. فجوابه: أن يقال: أما وجود المهدي في آخر الزمان فهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد من الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد تقدم ذكر بعضهم قريبًا، وإذا خرج المهدي فإنه يكون في ذلك الزمان في عالم الحس والمشاهدة، ولا يكون في عالم الغيب كما قد توهم ذلك ابن محمود. وأما مكان المهدي، فقد جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الذي تقدم ذكره في أول الكتاب؛ أنه من أهل المدينة، وأنه يبايع بمكة بين الركن والمقام، وجاء في حديث جابر -رضي الله عنه- الذي رواه الحارث بن أبي أسامة؛ ما يدل على أنه يكون بالشام حين نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام-. وأما زمان المهدي فلا يعلمه على التعيين إلا الله -تعالى-، وفي حديث جابر -رضي الله عنه- ما يدل على أن زمانه يكون قبيل نزول عيسى وبعد نزوله، والله أعلم. وأما علوق خروج المهدي في آخر الزمان بعقائد العامة وعقولهم وبعض العلماء، فذلك دليل على تحقيقهم لشهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن تحقيقها مبني على أربعة أمور؛ أحدها: طاعة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والثاني: اجتناب نهيه، والثالث: تصديق أخباره، والرابع: أن لا يعبد الله إلا بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. ومن تصديق أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث صحيحة، تقدم ذكرها في أول الكتاب.2
وأما قوله: فمنهم من يؤمن به ويصدق بظهوره وينكر على من أنكره، ومنهم من ينكر وجود المهدي بتاتًا ويطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، ويزعم بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله.

فجوابه: أن يقال: أما الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان والإنكار على من أنكر ذلك فذلك من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب تصديق خبره.
وأما إنكار وجود المهدي بتاتًا، والطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، والقول بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذلك من المجازفة والقول بغير علم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾.
وأما قوله: ولم تزل المناظرة والمجادلة واقعة قائمة بين الفريقين.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث في خروج المهدي قد رواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد من الصحابة -رضي الله عنهم-، واشتهر ذكره في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكن بين الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم مناظرة ولا مجادلة فيه، وهكذا كان الأمر عند أهل السنة والجماعة، فليس في خروج المهدي في آخر الزمان خلاف عندهم، سوى نفر قليل زعموا أن المهدي عيسى ابن مريم، واعتمدوا على الحديث الذي جاء فيه ذلك، وهو حديث ضعيف جدًا لا يعتمد على مثله، ومنهم من قال إنه المهدي العباسي، وليس على هذا القول دليل صحيح يعتمد عليه.
ثم جاء ابن خلدون فتوسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى ضعف بعض الصحاح والحسان منها، وخالف من كان قبله من أكابر الأئمة، الذين صححوا بعضها وحسنوا بعضها.
ثم جاء رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، ومن على شاكلتهم من العصريين في القرن الرابع عشر من الهجرة، فطعنوا في أحاديث المهدي، وزادت الجراءة على بعضهم فزعموا أن أحاديث المهدي كلها موضوعة، فأخطئوا فيما زعموا وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه.
وقد قلدهم ابن محمود وتلقى أقوالهم الباطلة بالقبول والتسليم، وتوسع في المجازفة حتى خرج عن حد المعقول إلى غير المعقول، فزعم أن الأحاديث الواردة في المهدي كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وأن انتظار خروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات.
وجوابنا عن هذه..................................

المجازفات أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، وخلاف العصريين لما كان عليه أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة -رضي الله عنهم- إلى زماننا لا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا أن يعد خلافًا معتبرًا؛ لأنه من المجادلة بالباطل. وأما قوله: والحق الذي نعتقده وندعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه؛ هو أنه لا مهدي بعد رسول الله، كما أنه لا نبي بعده. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما اعتقده ابن محمود ودعا الناس إلى العلم به والعمل بموجبه فهو خلاف الحق؛ لأنه قد اعتقد خلاف ما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ومن اعتقد خلاف قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا الناس إلى اعتقاد ذلك فلا شك أنه مصاب في دينه وعقله، وقد روي الترمذي وحسَّنه عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ». وإذا زاغ القلب -والعياذ بالله- انعكست الحقائق عند المرء، فصار يعتقد الباطل ويراه حقًا، وينكر الحق ويراه باطلاً، ويدعو الناس إلى متابعته على الباطل. الوجه الثاني: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وصف الخلفاء الراشدين بأنهم مهديون، وفي هذا أبلغ رد على قول ابن محمود أنه لا مهدي بعد رسول الله، وثبت أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عدة أوجه أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وفي ذلك أبلغ رد على ابن محمود، وقد تقدم إيضاح ذلك في أول هذا الكتاب فليراجع.1
الوجه الثالث: أن يقال: من اعتقد خلاف الحق ودعا الناس إلى ذلك، فقد جنى على نفسه وجنى على من اتبعه من الناس، قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا».
رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
الوجه الرابع: أن يقال: إن صفة المهدية أعمّ من صفة النبوة، فكل نبي مهدي، وليس كل مهدي نبيًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أن الخلفاء الراشدين مهديون، ووصف الرجل الذي يلي في آخر الزمان وهو من أهل بيته بأنه مهدي، فدل هذا..............................

على أن صفة المهدية أعم من صفة النبوة، وفي هذا رد لما توهمه ابن محمود من أن صفة المهدية من خصائص النبوة، وأنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده.
وقال ابن محمود في صفحة (29): "والمهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه، ليس بملك معصوم، ولا نبي مرسل، ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادلٌ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله، ولم يحدث بها".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد كرر ابن محمود في عدة مواضع قوله إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقال في هذا الموضع ليس بملك معصوم، ولم أر أحدًا سبقه إلى وصف الملائكة بهذه الصفة، وإن كانوا معصومين عن كبائر الذنوب وصغائرها، لقول الله -تعالى-: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
وإنما تقال هذه الصفة في حق الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- كما هو معروف عند أهل العلم.
الوجه الثاني: أن يقال: قول ابن محمود إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل وتكريره ذلك يعتبر كلامًا لاغيًا لا حاصل تحته؛ لأن المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه لا يدَّعي أنه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يدعي الناس ذلك فيه، وإنما هو إمام من أئمة العدل الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويزيلون الجور والظلم، ويبسطون القسط والعدل.
الوجه الثالث: أن يقال: لو أن رجلا ادَّعى أنه المهدي وزعم أنه ملك مقرب أو نبي مرسل، لكان الواجب تكذيبه وقتله إلا أن يتوب؛ لأنه لا يدعي ذلك إلا من هو كذَّاب دجال.
وأما قوله: ما هو إلا رجل عادي كأحد أفراد الناس، إلا أنه عادلٌ يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا.
فجوابه: أن يقال هذا هو الحق لو أن ابن محمود ثبت عليه.

وأما قوله: وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله، ولم يحدث بها.
فجوابه: أن يقال: هذا قول باطل مردود؛ لأن أحاديث المهدي فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وقد قرر ذلك غير واحد من أكابر العلماء، وقد تقدم إيراد ذلك في أول الكتاب فليراجع1، وقد ذكرت هناك عن عدد كثير من الأئمة أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي، وقال غير واحد منهم أنها متواترة، فليراجع ذلك2، ففيه رد على ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (29) "مقام المسلم من المهدي": ومقام المسلم منه؛ أولا: أنه لا يجب الإيمان الجازم بخروجه؛ لقوة الخلاف في الأحاديث، فلا ينكر على من أنكره، وإنما يتوجه الإنكار على من قال بصحة خروجه.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن مقام المسلم من المهدي على خلاف ما زعمه ابن محمود؛ لأن الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب على المسلمين الإيمان بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في أول هذا الكتاب فلتراجع، ففيها أبلغ رد على ابن محمود.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الخلاف في أحاديث المهدي لا يعد خلافًا معتبرًا؛ لأنه لم يقل به سوى بعض العصريين المعروفين بالجراءة على رد الأحاديث الثابتة إذا لم تكن موافقة لتفكيراتهم الخاطئة، وأما إمامهم ابن خلدون فقد ضعف أحاديث المهدي إلا القليل منها أو الأقل، وقد رد المحققون على ابن خلدون وخطؤوه في تضعيفه لبعض الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وقد ذكرت كلامهم في الرد عليه في أثناء هذا الكتاب فليراجع3، وقد خرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأبو يعلي الموصلي، والطبراني، وابن حبان، والحاكم كثيرًا من أحاديث المهدي، واعتمدوا عليها في إثبات خروجه، وصحح الترمذي وابن حبان والحاكم بعضها، ووافقهم على تصحيحها غير واحد من أكابر العلماء؛ ومنهم العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن كثير، والهيثمي، وزين الدين العراقي،........................

وابن حجر العسقلاني.1
وهؤلاء من أكابر علماء الحديث ونقاده، فلا يساوي بينهم وبين رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من أهل المجازفة والجراءة على رد الأحاديث الثابتة بغير حجة، ولا يعد خلاف هؤلاء لمن ذكرنا من المحدثين وغيرهم من أكابر العلماء خلافًا معتبرًا، وإنما يعد لاغيًا لا فرق بين وجوده وعدمه، ومن قَبِلَ أقوال هؤلاء المجازفين وزعم أنه خلاف قوي معتبر وعارض به الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا شك في سوء اختياره وفساد عقيدته، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وهل يستجيز عاقل أن يقدم مجازفة رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أقوال الأئمة الحفاظ النقاد، الذين خرجوا بعض أحاديث المهدي، والذين صححوا الصحيح منها وردوا الضعيف؟ كلا لا يستجيز ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثالث: أن يقال: من أنكر شيئًا مما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فالإنكار عليه واجب على كل مسلم، ومن ذلك إنكار ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، فمن أنكر خروجه فإنه يجب الإنكار عليه؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما قول ابن محمود: إنه لا ينكر على من أنكره - يعني المهدي- وإنما يتوجه الإنكار على من قال بخروجه.
فجوابه: أن يقال: هذا من قلب الحقيقة وعكس القضية، والحق في هذه القضية بخلاف ما زعمه ابن محمود؛ لأن الإنكار لا يكون على من اعتمد على الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يجب الإنكار على من أنكرها وأطرحها.
وقال ابن محمود في صفحة (30):"ثانيًا: ليس من عقيدة الإسلام والمسلمين الإيمان به كالإيمان بوجود الرب، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بالجنة والنار، إذ هذه من أمور الآخرة التي يجب اعتقادها ووقوعها جلية للعيان في دار الآخرة، وقد أثبتها القران وصحيح السنة، وليس منها الإيمان بالمهدي.
والجواب: أن يقال: إن القول في خروج المهدي في آخر الزمان كالقول في غيره من أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج............

ومأجوج، وخروج الدابة من الأرض، وظهور الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوف الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثوا المال حثوًا ولا يعده عدًا، فكل هذه الأمور يجب الإيمان بها لثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما يجب الإيمان بغيرها من أمور الغيب التي جاء ذكرها في القرآن أو في صحيح السنة، والإيمان ببعضها دون بعض من التفريق المذموم فاعله.
وأما قوله: وليس منها الإيمان بالمهدي.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في المهدي عدة أحاديث صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن لم يؤمن بما جاء فيها فإنما يرد على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، يرد على الله أمره في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ويرد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - خبره الصادق عن خروج المهدي في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (30) وصفحة (31): "وقد غلط السفاريني حيث أدخل الإيمان به في عقيدته فقال: منها الإمام الخاتم الفصيح... محمد المهدي والمسيح فقد أخطأ حيث جعل المهدي هو الخاتم، وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر خليفة الذين يستقيم بهم أمر الدين، فهذا هو نفس عقيدة الشيعة حيث؛ جعلوا الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وبعد موته انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن الحسن العسكري الذي دخل سرداب سامراء، فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة، فهم الذين آمنوا بها وصدقوها وأكثروا من ذكر هذا المهدي المنتظر، فاقتبس بعض أهل السنة هذا الاعتقاد، ثم سار في طريقه وتلقينه إلى حالة انتشار هذه الفكرة عند المتأخرين، حتى جعلوها طريقة وعقيدة متى غيرت قيل غيرت السنة، وهكذا حال البدعة، فبسبب مجاورتهم للشيعة واختلاطهم بهم اقتبسوها منهم، وإلا فإنها ليست من عقيدة أهل السنة، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده؛ لا في الواسطية، ولا في الأصفهانية، ولا السبعينية، ولا التسعينية، ولا العرشية، كما أنها لم تذكر في عقيدة الطحاوية، ولا في شرحها، ولا في عقيدة ابن قدامة، ولا عقيدة ابن زيدون المالكي.
فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام

والمسلمين، والمهدي في مبدأ دعوته هو واحد وليس باثنين، فلم يقل أحد إنهما مهديان، وإنما هو مهدي واحد، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة، فكل لوم أو ذم ينحي به على الشيعة لإيمانهم بإمامهم محمد بن الحسن الذي هو في سرداب، فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب، فهما في فساد الاعتقاد به سيان، فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب ولا صحيح، والسفاريني -رحمه الله- هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين".
والجواب عن أول كلامه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: من زعم أن السفاريني قد غلط حيث أدخل الإيمان بالمهدي في عقيدته فهو الغالط في الحقيقة؛ لأن السفاريني -رحمه الله تعالى- لم يعتمد على أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم كما قد فعل ذلك المنكرون للمهدي، وإنما اعتمد على ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ومن اعتمد على الأحاديث الصحيحة فالحجة معه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم ليست ميزانًا للأحاديث كما قد يفعل ذلك بعض الناس، وإنما الميزان العدل كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فبهما توزن أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم، فما وافقهما فهو حق، وما خالفهما فهو باطل مردود على قائله كائنًا من كان.
وإذا عرضنا أقوال المنكرين للمهدي على الكتاب والسنة وجدناها مخالفة لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومخالفة للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وما كان كذلك فحقه أن يضرب به عُرض الحائط ولا يلتفت إليه، وإذا عرضنا قول السفاريني في المهدي على السنة وجدناه مطابقًا لها؛ لأنه مأخوذ مما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ثبت بالسنة فهو موافق للقرآن؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وأما قول السفاريني في صفة المهدي إنه الخاتم ففيه نظر، إذ لا دليل يدل على ذلك،

وقد لحن ابن محمود في قوله: وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر، وصوابه الاثني عشر. وأما قول ابن محمود: هذا هو نفس عقيدة الشيعة. فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كذلك، بل هذا من أقوال أهل السنة، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترتيب إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغيوب المستقبلة بعده، فقد ذكر فيه حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»، قال ابن كثير: "من الناس من قال إن الدين لم يزل قائمًا حتى ولي اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كان بعد ذلك خلفاء راشدون فيهم عمر بن عبد العزيز، ومنهم من ذكر من هؤلاء المهتدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضًا، بالنص على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامراء، فإن ذلك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض". انتهى، وقد جزم بالقول الأخير في تفسيره لسورة المائدة. وأما قول ابن محمود: فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة.... إلى قوله: إنها ليست من عقيدة أهل السنة. فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (3) وصفحة (4): إن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، فليراجع هناك.1
وأما قوله: ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده.... إلى قوله: فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام والمسلمين.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بوقوعه فيما مضى قبله، أو أخبر أنه سيقع فيما بعده، فالإيمان به واجب، وهو من عقائد المسلمين، سواء ذكره العلماء في كتب العقائد أو لم يذكروه، وقد ثبت عن............................

النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب الإيمان بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- وإن لم يُذكر ذلك في كتب العقائد.
الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الرافضي أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة1، وذكر الشيخ له في كتابه "المنهاج" يغني عن ذكره في الواسطية والاصفهانية والسبعينية والتسعينية والعرشية، وقد ذكر الذهبي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فيما انتقاه من المنهاج وأقره، وقد ذكره من المتقدمين أبو محمد البربهاري في كتابه "شرح السنة" وهو من كتب العقائد، وكان البربهاري في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وذكره محمد بن الحسين الآبري في كتابه "مناقب الشافعي"، وقد تقدم كلام البربهاري وكلام الآبري في أول الكتاب فليراجع2، ففيه مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي أبلغ رد على ابن محمود. وسأذكر -إن شاء الله تعالى- مزيدًا لهذا البحث مع الجواب على قول ابن محمود في صفحة (56): إن أحاديث المهدي لا تعلق لها بالعقيدة الدينية، ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم. وأذكر أيضًا -إن شاء الله تعالى- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، وكلام الطحاوي وشارح العقيدة الطحاوية في وجوب التسليم لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتلقي أخباره بالقبول والتصديق، وأذكر أيضًا كلام بعض الأئمة فيما يتعلق بهذا البحث، فليراجع ذلك في موضعه. وأما قوله: والمهدي في مبدأ دعوته واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة. فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (5): والمهدي واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة، فليراجع هناك.3
وأما قوله: فكل لوم أو ذم ينحي به على الشيعة، فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة، الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب، فهما في فساد الاعتقاد به سيان.

فجوابه: أن يقال: هذا الكلام من أبطل الباطل؛ لما فيه من الجمع بين إيمان أهل السنة بخروج المهدي المبشر به في الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين إيمان الرافضة بالمنتظر الذي يزعمون وجوده في سرداب سامراء، وينتظرون خروجه إليهم كل يوم وليس له وجود بالكلية. فأين الإيمان بهذا المعدوم من الإيمان بالذي بشَّر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونوَّه بذكره؟ وأما قوله: فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب ولا صحيح. فجوابه: أن يقال: بل هو صواب وصحيح، سوى قوله: "الخاتم"؛ ففيه نظر إذ لا دليل عليه. وأما قوله: والسفاريني هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين. فجوابه: أن يقال: بل الله هو الذي ثبت الإيمان في قلوب المؤمنين بكل ما أخبر به الصادق المصدوق من أنباء الغيب، ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقال ابن محمود في صفحة (31): "ثالثًا: إن المهدي لم يذكر في القرآن، ولا في صحيح البخاري ومسلم، فقد نزها كتبهما عن ذكره وعن الحديث عنه مع رواج الخبر عنه في زمانهما، فلا نرى ذلك إلا لضعف أحاديثه عندهما". والجواب: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد تقدم إيراده والرد عليه مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6): ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم، كما أنه ليس له ذكر في القرآن. فليراجع ذلك في أول الكتاب.1
وقال ابن محمود في صفحة (31): "وأحاديث المهدي هي بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، قد أحصاها الشوكاني فيما يزيد على خمسين حديثًا، وكلها متخالفة ومضطربة، ينقض بعضها بعضًا، منها ما يشير إلى أن المهدي هو علي بن أبي طالب، ومنها ما يشير إلى أنه الحسن أو بنيه من بعده، ومنها ما يشير إلى أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي في جبل رضوى بين مكة والمدينة وعنده عينا عسل وماء،............................................

ومنها ما يشير إلى أنه رجل اسمه الحارث، ويؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوا على الركب أو على الثلج، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يعلم كل عاقل أن رسول الله منزه عنها". والجواب: أن يقال: من أقبح المجازفات وصف أحاديث المهدي التي فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر بأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، أما يخشى ابن محمود أن تصيبه هذه الآية الكريمة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾؟ أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم - والساخرين من أقواله وأخباره الصادقة؟ وأما قوله: وكلها متخالفة ومضطربة، ينقض بعضها بعضًا. فجوابه: أن يقال: قد تقدم نحو هذا فيما نقلته من صفحة (6) من كتاب ابن محمود، وتقدم الرد عليه في أول الكتاب. فليراجع هناك.1
وأما قوله: منها ما يشير إلى أن المهدي هو علي بن أبي طالب، ومنها ما يشير إلى أنه الحسن.
فجوابه: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى ذلك البتة، وإنما هذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال.
وأما قوله: أو بنيه من بعده.
فجوابه: أن يقال: هذا لحن، وصوابه أن يقال: أو بنوه من بعده، أو يقال أو أحد بنيه من بعده، وليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى أنه من بني الحسن الأدنين منه، وقد روى أبو داود بإسناد فيه انقطاع عن علي -رضي الله عنه- أن المهدي من ذرية الحسن بن علي -رضي الله عنهما- والله أعلم.
وأما قوله: ومنها ما يشير إلى أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي في جبل رضوى بين مكة والمدينة، وعنده عينا عسل وماء.
فجوابه: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى ذلك البتة، وإنما هذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال، وما زعمه ههنا فهو مذكور عن المختار........

بن أبي عبيد واتباعه من الكيسانية، وقد تقدم بيان ذلك في أثناء الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (16):إن عبد الله بن سبأ كان يقول: إن المهدي هو محمد بن الحنفية. فليراجع.1
وأما قوله: ومنها ما يشير إلى أنه رجل اسمه الحارث، ويؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوًا على الركب أو على الثلج.
فجوابه: أن يقال: قد روي أبو داود بإسناد فيه انقطاع عن علي -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث، على مقدمته رجل يقال له منصور، يوطِّئ أو يمكن لآل محمد، كما مكنت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجب على كل مؤمن نصره، أو قال: إجابته».
فلو صح هذا الحديث لما كان الأمر فيه على ما زعمه ابن محمود من أنه يشير إلى أن الحارث هو المهدي، وأنه يؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوًا على الرُكب أو على الثلج، فهذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال، وإنما هو صريح في كون الحارث من أنصار آل محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي أنصار المهدي الذي هو من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يُمكِّن لأهل البيت النبوي كما مكنت قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يجب على كل مؤمن نصره.
وقال ابن محمود في صفحة (31): "خامسًا: لم يكن من هدي رسول الله ولا من شرعه أن يحيل أمته على التصديق برجل في عالم الغيب، وهو من أهل الدنيا ومن بني آدم، فيخبر عنه أنه يفعل كذا وكذا مما يوجب الاختلاف والاضطراب بين الأمة".
والجواب: أن يقال: بل إن من أعظم هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن آكد شرعه الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب مما كان قبل زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما سيكون بعده إلى أن تقوم الساعة، وما سيكون بعد قيامها أيضًا.
والإيمان بالغيب من أعلى صفات المتقين، قال الله -تعالى-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
والقرآن والسنة مملوآن من قصص الأنبياء وغير الأنبياء من بني آدم، ممن كانوا.........

من أهل الدنيا ثم انتقلوا إلى عالم الغيب، ولا يزالون فيه إلى يوم البعث والنشور، فمن لم يصدق بما جاء في كتاب الله -تعالى- من أنباء الغيب، وما ثبت من ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مخالف لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعه، وليس بمؤمن.
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج المهدي في آخر الزمان، وأخبر أنه من أهل بيته، وأخبر بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر بخروج الدجال، ونزول عيسى -عليه الصلاة والسلام-، وأخبر بالرجل المؤمن الذي يخرج من المدينة يكذب الدجال.
وهؤلاء كلهم من بني آدم، وهم الآن في عالم الغيب وسيكونون في آخر الزمان من أهل الدنيا، فمن لم يصدق بهم فهو ممن يُشك في إسلامه، وكذلك قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان، وهم من أهل الدنيا ومن بني آدم، ولكن قد حيل بينهم وبين الاختلاط بالناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، فلا يعلم الناس عنهم الآن شيئًا، وسيندك السد في آخر الزمان كما أخبر الله بذلك في كتابه، ويخرج يأجوج ومأجوج فيطؤون البلاد، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فمن لم يصدق بوجودهم في الدنيا وخروجهم في آخر الزمان فليس بمسلم.
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا بقصص لبعض بني آدم تكون في الدار الآخرة، منها قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وأن الله يقول له: أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يارب، أتستهزئ مِنِّي وأنت رب العالمين؟ فذكر الحديث.
وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحك، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين، فيقول: إني لا استهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر».
رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يومًا يُحدِّث وعنده رجل من أهل البادية: «أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال: أو لست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، فأسرع وبذر فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال، فيقول الله -تعالى-: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء».
فقال الأعرابي: يا رسول الله، لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إلى غير ذلك من القصص.........................................................................

التي ستكون لرجال من أهل الدنيا وهم الآن في عالم الغيب، فمن لم يصدق بما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب، مما مضى وما سيكون في الدنيا وفي الدار الآخرة، فهو مخالف لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعه، وليس بمؤمن.
وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أنه لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن المهدي أنه يفعل شيئًا مما يوجب الاختلاف والاضطراب بين الأمة كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما أخبر عنه بما يوجب الائتلاف والطمأنينة بين الأمة، فقال في حديث أم سلمة -رضي الله عنها-: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض».
وقد تقدم في أول الكتاب1قول الخطابي: "إنه ضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره، فلم تكن فتنة ولا هيج، وجرت أحكامه على العدل والاستقامة".
انتهى.
وأخبر - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عليٌّ وابن مسعود وأبو سعيد الخدري -رضي الله عنهم- أن المهدي يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأخبر عنه في بعض الروايات عن أبي سعيد -رضي الله عنه- أن الله يسقيه الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، ففي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على مجازفات ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (32): "وبما أنني من أحد الأشراف من ذرية الحسن بن علي، فإنه لو خرج رجل من الأشراف اسمه محمد بن عبد الله وهو أجلى الجبهة أقنى الأنف ويدعي أنه المهدي فإنني أول من يقاتله؛ لاعتقادي أنه كذاب يريد أن يفسد الدين ويشق عصا المسلمين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه» ". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المهدي لا يخرج في حين اجتماع المسلمين على أمام واحد، وإنما يخرج في حين تفرق المسلمين واختلافهم فيجتمع المسلمون عليه، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فليس ينطبق عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من آتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه».
وأيضًا فإن المهدي لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي كما يفعله...........

المدعون للمهدية كذبًا وزورًا، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي؛ لما يرون من صلاحه وعمله بالسنة، ونشره للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم، فحال المهدي المُبشَرِ به مخالفة لأحوال المدعين للمهدية كذبًا وزورًا.
الوجه الثاني: أن يقال: بئس نية ابن محمود السيئة، وبئس ما اختار لنفسه من أنه لو خرج المهدي الذي يجتمع المسلمون عليه بعد التفرق والاختلاف، والزلازل والقلاقل، والذي أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، بأنه يكون أول من يقاتله.
أو لا يعلم ابن محمود أن الجيش الذي يأتي لقتال المهدي يخسف بهم؟! كما جاء ذلك في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلي الموصلي، والطبراني، وقال الهيثمي في رجال الطبراني إنهم رجال الصحيح، وقال ابن القيم إنه حديث حسن ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح، وقد روى مسلم في صحيحه عدة أحاديث تشهد له بالصحة، وهي عن عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري -رضي الله عنهم-.
وقد ذكرتها في أول الكتاب1فلتراجع هناك.
وبعدُ فلو قُدِّر أن أحد أولاد ابن محمود أو أحد أحفاده ادعى أنه المهدي لكونه يزعم أنه من ذرية الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وصار له شوكة وأتباع، فهل يستمر ابن محمود على قوله واعتقاده في المهدي وشجاعته على قتاله، أم أنه يبدو له رأي آخر؟ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
الوجه الثالث: أن يقال: هلا أظهر ابن محمود شجاعته حينما هجم المدعون للمهدية على المسجد الحرام في أول سنة 1400هـ من الهجرة، ومنعوا الناس من الصلاة فيه والطواف بالكعبة نصف شهر! وقد كان يمكنه أن يحضر إلى ساحة القتال في نحو ساعتين ونصف في الطائرة، أو في يوم وليلة في السيارة، فيكون مع الذين يقاتلون الملحدين في حرم الله، ويبرز مع الشجعان الذين ضحوا بأنفسهم من أجل حماية بيت الله وإخراج المعتدين منه، أم أن شجاعته حبر على ورق؟! وإنه لينطبق على وعيد ابن محمود للمهدي بالقتال قول جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا... أبشر بطول سلامة يا مربع وقال ابن محمود في صفحة (32): "سابعًا: إن من صفة المهدي الذي يدعون خروجه أن مقامه في الدنيا سبع سنين أو تسع سنين في الحديث الآخر، وهل هو يؤيد بالخوارق والمعجزات، أو بالأحلام والمنامات؟ وهل تنزل معه الملائكة، أو الجن تسخر له كما سخرت لداود؟ وهل هو أكرم على الله من محمد رسول الله الذي مكث ثلاثًا وعشرين سنة كلها يجاهد ويجادل ويصبر على اللأواء والشدة، ويتبع السنن الكونية من الطرق الموصلة إلى نجاحه، والقرآن يؤيده والملائكة يمده الله بهم، وقد شج رأسه - صلى الله عليه وسلم -، وكسرت رباعيته، ودلُّوه في حفرة ظنوه ميتًا وذلك في وقعة أحد، ومع هذا كله لم يتمكن من بسط العدل إلا في جزيرة العرب، وهي نقطة صغير بالنسبة إلى سعة الدنيا.
أفيكون المهدي المنتظر أعز على الله من محمد رسول الله؟ والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لقد أكثر ابن محمود من الاستهزاء والسخرية من الأحاديث الواردة في المهدي، أما فيه دين يحجزه عن الاستخفاف بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخباره الصادقة؟! ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: يقضي على المرء في أيام محنته... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.
ومن تعزير الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره قبول أحاديثه وأخباره عن المغيبات الماضية والآتية، ومقابلتها بالرضى والاحترام، وأن لا يجد المرء في نفسه شكا ولا حرجًا منها، ومن المغيبات التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ستكون في آخر الزمان خروج رجل من أهل بيته يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وقد ثبت ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث من الصحاح والحسان، وجاء في بعضها تسميته بالمهدي، فمن دفع الأحاديث الثابتة فيه ولم يقبلها فإنما يرد على الله -تعالى- وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وإذا كان ابن محمود قد قابل الأحاديث الثابتة في المهدي بالسخرية والاستهزاء - مع أنه لم يأت في شيء من الأحاديث الثابتة في المهدي أنه يؤيد بالمعجزات وخوارق العادات، سوى الخسف بالجيش الذي يبعث إليه من الشام - فماذا يكون موقف ابن محمود من الأحاديث التي جاء فيها خرق العادة للمؤمنين الذين يقاتلون اليهود في آخر الزمان، وكذلك خرق العادة للمؤمنين الذين يغزون القسطنطينية في آخر الزمان؟ فقد جاء في عدة أحاديث صحيحة أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، هذا.......................................

يهودي خلفي فتعال فاقتله.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولوا الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون».
قوله من بني إسحاق قال النووي: "قال القاضي: "كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم؛ من بني إسحاق"، قال: "قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بني إسماعيل، وهو الذي يدل عليه الحديث، وسياقه لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية".
انتهى، وقد ذكرت في كتابي "إتحاف الجماعة" ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد بني إسماعيل ولم يرد بني إسحاق، فليراجع هناك في الجزء الأول "باب ما جاء في الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية ورومية"، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدجال أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وأنه يدعو رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، وفي الصحيحين قصة الرجل المؤمن الذي يخرج من المدينة يكذب الدجال، فيقتله الدجال ثم يحييه، فيكذبه المؤمن أيضًا، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه، وفي رواية لمسلم فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلا، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - عن نبي الله عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- أنه إذا نزل في آخر الزمان لا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفه.
إلى غير ذلك من خوارق العادات التي تكون في آخر الزمان ولا تحتملها عقول بعض الناس، بل إما أن ينكروها بالكلية ويقدحوا في الأحاديث الواردة فيها وإن كانت صحيحة، وإما أن يؤولوها بما يوافق أفكارهم الفاسدة، وقد رأيت ذلك في بعض كتب العصريين وتعاليقهم على بعض الكتب، ولا أدري ماذا يكون موقف ابن محمود من خوارق العادات التي ذكرتها آنفًا، هل يُقِرُّ بها ويُصدِّق بما جاء فيها من الأحاديث الثابتة، أم يسلك فيها مسلكه في أحاديث المهدي، فيقابلها.......................................

بالسخرية والاستهزاء؟ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وإذا علم ما تقدم، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصر بني قريظة خمسًا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكمه، وحاصر أهل خيبر في حصونهم حتى أيقنوا بالهلكة فسألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ففعل، وحاصر أهل الطائف قريبًا من شهر ورماهم بالمنجنيق ثم انصرف عنهم ودعا لهم بالهداية.
وعلى هذا، فهل يقول مؤمن إن المؤمنين الذين يفتتحون القسطنطينية بالتهليل والتكبير في آخر الزمان يكونون أعز على الله وأكرم عليه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يقول مؤمن إن المؤمنين الذين يناديهم الحجر والشجر في آخر الزمان ويدلهم على اليهود ليقتلوهم يكونون أعز على الله -تعالى- وأكرم عليه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث لم يتيسر له فتح الطائف بعد الحصار الطويل، ولم تتيسر له الغلبة على بني قريظة وأهل خيبر إلا بعد الحصار الطويل؟! كلا لا يقول ذلك مؤمن.
وهكذا يقال في تمكين المهدي في الأرض في مدة قصيرة لا تتجاوز تسع سنين، وبسطه للقسط والعدل وإزالته للجور والظلم في هذه المدة القليلة، لا يقول مؤمن إنه بهذا التمكين يكون أعز على الله -تعالى- وأكرم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي لا يشك فيه المؤمن أن تمكين المهدي في الأرض، وما يجريه الله من خوارق العادات للمؤمنين الذين يقاتلون اليهود في آخر الزمان، وللمؤمنين الذين يفتتحون القسطنطينية في آخر الزمان، كله من ثمرة المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ونصر دينه، وهذا في الحقيقة إكرام النبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: أن يقال: من علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يؤيد من شاء من خلقه بما شاء من أسباب النصر والتمكين، لم يكن عنده شك ولا تردد في التصديق بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي.
فأما كثرة الاعتراض على أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخباره الصادقة بحرف "هل" فهذا دليل على كثرة الشك والارتياب عند المعترض، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الوجه الثالث: أن يقال: قد أخبر الله عن ذي القرنين أنه مَكَّنَ له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، وأخبر عنه أنه بلغ المغرب والمشرق، وبني السد دون يأجوج ومأجوج، وهو عبد من عباد الله الصالحين، ومع هذا فقد مكن الله له في الأرض.........................

حتى ملك الدنيا كلها.
فهل يقول مؤمن عاقل أنه بهذا التمكين العظيم يكون أعز على الله -تعالى- وأكرم من محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ كلا، لا يقول هذا مؤمن.
فنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أشرف بني آدم وأعزهم وأكرمهم على الله -تعالى-، فليس منهم أحد يساويه فضلا عن أن يفوقه.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
ولا شك أن المهدي من هؤلاء الذين وعدهم الله بالنصر والتمكين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عنه أنه يعمل بالسنة وينشر القسط والعدل ويزيل الجور والظلم، فنصر المهدي وتمكينه نصر للشريعة المحمدية وتمكين لها وإظهار لعزها وشرفها، وهذا في الحقيقة من إظهار العز والشرف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قيَّض الله لدينه من يجدده ويؤيده بعد اندراسه في آخر الزمان، كما قد حصل مثل ذلك في زمن الخلفاء الراشدين، ولا يستنكر هذا إلا من هو جاهل أو مكابر.
وقد روى مسلم في صحيحه عن ثوبان -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها».
فدل هذا على أن كل فتح ونصر وتمكين حصل للأمة فهو مما أكرم الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأعز به دينه.
وأما قول ابن محمود: أو الجن تسخر له كما سخرت لداود.
فجوابه: أن يقال: إن الجن لم تسخر لداود، وإنما سخرت لسليمان، قال الله -تعالى-: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ *﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا.......................................................

يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. وإذا كان ابن محمود يخبط خبط عشواء فيما هو مذكور في كتاب الله-تعالى- فلا يستغرب منه أن يتهجم على أحاديث المهدي ويقابلها بالسخرية والاستهزاء، وهذا التخبيط الشنيع مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون. وأما قوله: وقد شج رأسه - صلى الله عليه وسلم - وكسرت رباعيته، ودلُّوه في حفرة ظنوه ميتًا، وذلك في وقعة أحد. فجوابه: أن أقول: إني لم أر أحدًا ذكر أنهم دلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفرة ظنوه ميتًا، وإنما ذكر ابن هشام وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقع في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- حتى استوى قائمًا، وروى ابن جرير عن قتادة قال: "أصيب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: «كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله»؟! فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ " فهذا ما ذكره أهل العلم لا ما أتى به ابن محمود من عند نفسه. وقال ابن محمود في صفحة (32) وصفحة (33): "ثامنًا: إن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها علماؤهم وعامتهم متفقون على قتال من يدعي أنه المهدي، كما مضى منهم ذلك في كل زمان ومكان مع كثرة من يدعي أنه المهدي؛ لاعتقادهم أنها دعوى باطلة لا صحة لها، ولا يزالون يقاتلون من يدَّعي أنه المهدي حتى تقوم الساعة، فأين المهدي والحالة هذه؟ وصار المهدي كالموجود في الأذهان دون الأعيان". والجواب: أن يقال: قد ذكر ابن محمود نحو هذا في صفحة (3) من كتابه، وتقدم الجواب عنه في أول الكتاب فليراجع هناك.1
وقال ابن محمود في صفحة (33) وصفحة (34): "عاشرًا: إن الدين كامل بوجود رسول الله ونزول كتاب الله، ولم يخلف رسول الله شيئًا منه لا في السماء ولا...........

في الأرض.
يقول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله وسنتي».
لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين وعدل يأتي به المهدي، فلا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما قول ابن محمود: إن الدين كامل بوجود رسول الله.
فمفهومه أن الدين قد نقص بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق على كماله، وهذا لا يقوله عاقل.
وأما قوله: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخلف شيئًا منه لا في السماء ولا في الأرض.
فمعناه أن الدين قد ذهب بالكلية بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث لم يخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه شيئًا، وهذا في الحقيقة من الهذيان الذي حصل لا بن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
الوجه الثاني: أن يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث إلى أهل السماء، فلا يصح أن يقال إنه خلف فيها شيئًا من الدين أو لم يخلف، وأما الأرض فقد خلف فيها الدين كاملا لم ينقص بموته، والدين هو ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقد خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب والسنة يقرؤهما المسلمون ويعمل الموفقون منهم بما فيهما، وهذا معلوم بالضرورة.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم، عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته بين مكة والمدينة: «أما بعد، ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله -عز وجل- فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث، وروى مالك في الموطأ بلاغًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله، وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصلا من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، وصححه وأقرَّه الذهبي، وروى الحاكم أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على قول ابن محمود: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخلف شيئًا من الدين في الأرض.
ويلزم على قول ابن محمود: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخلف شيئًا من الدين في الأرض أن يكون القرآن قد رفع من الأرض بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن تكون السنة قد..............

ذهبت بالكلية. وما لزم عليه هذا القول فبطلانه وفساده لا يخفي على عاقل، بل لا يشك عاقل أنه من الهذيان الذي قيل من غير تدبر ولا تعقل، وأما بقية كلام ابن محمود الذي هو غاية في التخليط والتلبيس فقد تقدم الجواب عنه في عدة مواضع، فلتراجع.1
وأما قوله: والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به كتاب الله وسنتي». فجوابه: أن يقال: من الاعتصام بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - تصديق ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب، ومن ذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي، فمن لم يصدق بذلك فاعتصامه بالكتاب والسنة مخدوش ومدخول؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والدارمي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وروي الطبراني في الأوسط عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة؛ الله، ورسوله، والذي حدث به». وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في أول الكتاب، فليراجع.2
ومن لم يُسلِّم لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وقابل أخباره الصادقة عنه بالرد والإطراح، فهو داخل في حكم حديث جابر -رضي الله عنه-، ويخشى عليه أن يسلب الاعتصام بالكلية، عياذًا بالله من ذلك.
وأما قوله: لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين وعدل يأتي به المهدي.
فجوابه: أن يقال: أما الإتيان بدين جديد - وهو الذي قصده ابن محمود وكرر.......

فصول الكتاب · 4 فصل · 411 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر
تأليف حمود بن عبد الله التويجري
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 160-199 — 6 من 12
جارٍ التحميل