الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظرصفحات 120-159

خلاف ما زعمه المبتلي بقلب الحقائق. وأما قوله: ويوقع في الناس الافتتان بين مصدق ومكذب. فجوابه: أن يقال: قد قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾، وما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب فهو من الحق الذي أوحاه الله إليه، فمن صدق به فهو مصدق بالحق، ومن كذب به فهو مكذب بالحق، ولا فرق في ذلك بين إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي، وبين إخباره عن غيره من الأمور الماضية والأمور التي ستقع في آخر الزمان، وما يكون بعد قيام الساعة، فكل ذلك من باب واحد، يجب الإيمان به، ولا يجوز رده ولا رد شيء منه. وقال ابن محمود في صفحة (16): "مع العلم أن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، بل هي كلها مجروحة وضعيفة، والجرح مقدم على التعديل، وقد رجَّح أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار بأنها كلها مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهي حديث خرافة سياسية إرهابية، صيغت وصنعت على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صنعها غلاة الزنادقة لما زال الملك عن أهل البيت، فأخذوا يرهبون بها بني أمية ويوعدونهم بأنه سيخرج المهدي وقد حان خروجه، فينزع الملك من بني أمية، ثم يرده إلى أهل بيت رسول الله، إذ إنهم أحق به وأهله". والجواب: أن يقال: أما قوله: إن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، بل كلها ضعيفة ومجروحة، فقد تقدم الجواب عنه في الكلام على قول ابن محمود في صفحة (4): وفي الحقيقة إنها كلها غير صحيحة ولا متواترة. فليراجع ما تقدم.1
وقد ذكرت فيما تقدم أقوال الأئمة الذين صححوا بعض أحاديث المهدي وحسنوا بعضها؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والهيثمي وقد أقره على تصحيح ما صححه وتحسين ما حسنه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني؛ لكونهما قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي.
ومن المتأخرين ابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن..................

حسن، وشمس الحق العظيم أبادي، وأحمد محمد شاكر، وغيرهم. وأما تواتر أحاديث المهدي فقد ذكرت فيما تقدم قول الآبري: "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي"، وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، منهم؛ أبو عبد الله القرطبي، وأبو الحجاج المزي، وابن القيم، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ السخاوي، والسيوطي، وابن حجر الهيتمي، والسفاريني، والبرزنجي، والشوكاني، وصديق بن حسن، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم. وإذا تعارض قول ابن محمود في نفي صحة أحاديث المهدي وتواترها وقول من ذكرنا من العلماء، فهل يقبل قول ابن محمود وترد أقوال الحفاظ النقاد؟! كلا، بل الأمر بالعكس؛ فأقوال الحفاظ النقاد هي المقبولة، وقول ابن محمود هو المطرح المردود؛ لأنه مبني على المجازفة والقول بغير علم وأما قوله: والجرح مقدم على التعديل. فجوابه: أن يقال: إنما يكون الجرح مقدمًا على التعديل إذا كان الجرح مفسرًا، وكان ذلك الجرح مما يقدح في الراوي ويؤثر في ثقته، وليس في الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب شيء من ذلك، وغاية ما يتعلق به المجازفون في رد أحاديث المهدي أن في بعض طرق الأحاديث الصحيحة أو الحسنة من قد تُكُلِم فيه بما لا يقدح في ثقته، وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الكتاب فليراجع.1
وأما قوله: وقد رجح أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار بأنها مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهي حديث خرافة سياسية إرهابية.
فجوابه: أن يقال: إن العصريين الذين أشار إليهم ابن محمود ليسوا كثيرين، وإنما هم أفراد قليلون وليسوا أهل معرفة وتحقيق في الحديث، وإنما هم أهل مجازفة وتهور في تكذيب الأحاديث الثابتة وقلة المبالاة بردها وإطراحها، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونهم من الغربيين وأتباع الغربيين، وقد ذكرت بعض أقوالهم في ذلك في الرد على ما نقلته من صفحة (3) وصفحة (4) من كتاب ابن محمود فليراجع ذلك2، ومن طالع كتب العصريين وجد فيها الشيء الكثير من التهجم على الأحاديث الصحيحة والتهاون بشأنها، ومن اعتمد على أقوالهم في رد الأحاديث الصحيحة فلا شك أنه فاسد العقيدة، وقد قام بإزاء العصريين كثير.................................................................

من أهل السنة، فردوا أقوالهم الباطلة التي روجوها في إنكار خروج المهدي، وفندوا مزاعمهم التي اعتمدوا عليها في رد الأحاديث الثابتة في خروجه، فجزاهم الله عن دفاعهم عن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير الجزاء. وأما قوله: صنعها غلاة الزنادقة لما زال الملك عن أهل البيت... إلى آخر كلامه. فجوابه: أن يقال: إن الإحالة على الزنادقة في رد الأحاديث الثابتة قاعدة ألقاها الشيطان إلى بعض العصريين، وتلقاها بعضهم عن بعض، فكل حديث لا يتفق مع تفكيرهم أو تفكير من يعظمونه فإنهم يحيلونه إلى وضع الزنادقة، ثم لا يبالون برده وإطراحه، ولو كان إسناده ثابتًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن هذا الباب قدحهم في الأحاديث الثابتة في المهدي، وزعمهم أنها من وضع الزنادقة، مع أنه لا علاقة للزنادقة بها، إذ كل رواتها ثقات، من لدن الصحابة إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، فلا طريق للزنادقة إلى شيء من هذه الأحاديث الثابتة البتة، ومن كابر وزعم أنها من وضع الزنادقة طالبناه بإبراز الأسانيد التي يكون فيها بعض الزنادقة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة. وقال ابن محمود في صفحة (16) وصفحة (17): "وكان لعبد الله بن سبأ اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس، وكان يقول إن المهدي هو محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، وإنه بعث بعد موته، وسكن بجبل رضوى في الحجاز بين مكة والمدينة، وأن عنده عين عسل وعين ماء، وسيقود الجموع لقتال بني أمية، وسموا بالسبئية، وفيه يقول كُثير عزة وهو سبئي: وسبط لا يذوق الموت حتى... يقود الجيش يقدمه اللواء تغيَّب لا يُرى فيهم زمانا... برضوى عنده عسل وماء والجواب: أن يقال: أما قوله: إن عبد الله بن سبأ كانت له اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس. فهو مما قاله بعض العصريين، وأخذه ابن محمود عنهم، مع أنه كان يذم التقليد، ويقول إن المقلد لا يعد من أهل العلم. وقد تقدم الجواب عما ألصقه بابن سبأ من صياغة الحديث، مع الكلام على ما جاء في صفحة (3) وصفحة (4) من كتاب ابن محمود، فليراجع في أول الكتاب.1
وأما قوله: إن عبد الله بن سبأ كان يقول إن المهدي هو محمد بن الحنفية.... إلى آخر كلامه.

فجوابه: أن يقال: هذا من أوهام ابن محمود؛ فإن هذا القول مذكور عن المختار بن أبي عبيد لا عن عبد الله بن سبأ، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": "كان أول أمر المختار أن ابن الزبير أرسله إلى الكوفة ليؤكد له أمر بيعته، فأظهر المختار أن ابن الزبير دعا في السر للطلب بدم الحسين، ثم أراد تأكيد أمره فادَّعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان، وأنه أَمَرَه أن يدعو الناس إلى بيعته، وزوَّر على لسانه كتابا، فدخل في طاعته جمع جم، فتقوى بهم وتتبع قتلة الحسين فقتلهم، فقوي أمره بمن يحب أهل البيت".
انتهى.
وذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" أن المختار بن أبي عبيد قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي، ولما وقف محمد بن الحنفية على ذلك تبرأ منه.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "الفرقة الثانية منهم- أي من الإمامية- وهم الكيسانية، وهم إحدى عشرة فرقة، وإنما سموا كيسانية؛ لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي، ودعا إلى محمد بن الحنفية، كان يقال له كيسان".
ثم ذكر الأشعري عن الفرقة الثالثة من الكيسانية وهي الكربية أصحاب أبي كرب الضرير: "أنهم يزعمون أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى، أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه، ومن القائلين بهذا كُثير الشاعر، وفي ذلك يقول.... ثم ذكر خمسة أبيات له".
ومنها البيتان اللذان ذكرهما ابن محمود.
وذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" في ترجمة محمد بن الحنفية أن الفرقة الكيسانية تعتقد إمامته، وأنه مقيم بجبل رضوى، وإلى هذا أشار كُثير عزة بقوله من جملة أبيات، وكان كيساني الاعتقاد: وسبط لا يذوق الموت حتى... يقود الخيل يقدمها اللواء تغيب لا يرى فيهم زمانا... برضوى عنده عسل وماء وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي.
وقال الجوهري في كتاب "الصحاح": "كيسان لقب المختار المذكور"، وقال غيره: "كيسان مولى -علي رضي الله عنه-، والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر، وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان...............

نضاختان تجريان؛ عسلا وماء، وإنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا" انتهى.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترجمة محمد بن الحنفية: "وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته، وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان، كما ينتظر طائفة أخرى منهم الحسن بن محمد العسكري، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامراء، وهذا من خرافاتهم وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وترهاتهم".
انتهى.
قوله: الحسن بن محمد العسكري، هكذا هو في "البداية والنهاية"، وصوابه محمد بن الحسن العسكري.
فأما عبد الله بن سبأ، فقد ذكر الأشعري والشهرستاني وغيرهما مما صنف في المقالات أنه قال لعلي -رضي الله عنه-: "أنت أنت"؛ قال الشهرستاني: "يعني أنت الإله، فنفاه علي إلى المدائن".
انتهى.
وأصحاب ابن سبأ هم الذين يسمون السبائية، وهم من الغالية الذين حرقهم على -رضي الله عنه- لما ادعوا فيه الألوهية، قال أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "الصنف الرابع عشر من أصناف الغالية، وهم السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ، يزعمون أن عليًا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملؤ الأرض عدلا كما ملئت جورًا".
وذكر الشهرستاني عن السبائية أنهم "زعموا أن عليًا حي لم يقتل، وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه، وأنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤ الأرض عدلا كما ملئت جورًا".
وقال الذهبي في "الميزان": "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل، أحسب أن عليًا حرقة بالنار".
وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله أتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته".
انتهى.
ويُرجح ما حسبه الذهبي، وأقره ابن حجر؛ أن عليًا -رضي الله عنه- حرق ابن سبأ بالنار أنه لم يكن لابن سبأ ذكر بعد قتل علي -رضي الله عنه-، ولو كان باقيًا بعده لما ترك أعماله الخبيثة، وسعيه في إفساد دين الإسلام، وتضليل المسلمين، والتحريش بينهم، كما فعل ذلك في زمن عثمان -رضي الله عنه-، فأما بقاؤه بعد موت محمد بن الحنفية كما توهم ذلك ابن محمود فبعيد جدًا، والله أعلم.
ومما ذكرته من كلام أهل العلم مما ذكروه عن الكيسانية والسبائية، يتضح ما في.......

كلام ابن محمود من الخليط الذي حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون.
وأما قوله: وسيقود الجموع لقتال بني أمية.
فجوابه: أن أقول: لم أر هذا مذكورًا عن أحد من العلماء، وإنما ذكروا عن الكيسانية أنهم قالوا عن محمد بن الحنفية إنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا.
وأما قوله: وسموا بالسبئية.
فجوابه: أن يقال: هذا وهم وغلط، والصواب أنهم كانوا يسمون الكيسانية.
وأما قوله: إن كثير عزة سبئي.
فجوابه: أن يقال: هذا وهم وغلط، والصواب أنه كان كيسانيًا.
وأما قوله: في شعر كُثير: يقود الجيش.
فجوابه: أن يقال: صوابه الخيل.
وقال ابن محمود في صفحة (17): "ولقد عاش الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون، ثم عاش من بعدهم العلماء والسلف الصالحون ممن كانوا في القرون الثلاثة المفضلة، ثم عاش من بعدهم جميع العلماء والحكام، ومنهم؛ عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي، وجميع الناس بعدهم؛ وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، فلم يُنقِص إيمانهم وتقواهم عدم وجود المهدي من بينهم، لعلمهم واعتقادهم أن الدين كامل بدونه، فلا حاجة لهم به، خرج أو لم يخرج".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: قد ذكرت فيما تقدم أنه لم يؤثر عن أحد من المسلمين أنه قال إن المهدي يأتي بدين جديد، ولا قال أحد إن دين الإسلام ناقص وإن المهدي يأتي ليكمله، ومن زعم أن الدين ناقص وأن المهدي يأتي ليكمله فليس بمسلم1، وذكرت قريبًا أن طريقة المهدي كطريقة غيره من أئمة العدل الذين يعملون بالكتاب والسنة، وينشرون القسط والعدل، ويزيلون الجور والظلم، فما ردده ابن محمود من التوهمات الخاطئة عن المهدي فكل ذلك باطل مردود.
الوجه الثاني: أن يقال: إنما يزيد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن أعظم الطاعات تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل ما أخبر به من أنباء الغيب مما مضى وقوعه......................

وما سيقع فيما بعد، ومن أعظم المعاصي تكذيب ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد الأحاديث الثابتة عنه، ومن هذا الباب إخباره - صلى الله عليه وسلم - بأشراط الساعة؛ ومنها خروج المهدي، والقحطاني، والجهجاه، وحسر الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، فمن قبل الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وآمن بما جاء فيها ولم يجد في نفسه حرجًا منها فلا شك في زيادة إيمانه، ومن رد الأحاديث الثابتة في ذلك ووجد في نفسه حرجًا منها فلا شك في نقص إيمانه، وقد يذهب إيمانه بالكلية، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". الوجه الثالث: أن يقال: إذا خرج المهدي ورأى الناس سيرته مطابقة لما جاء في الأحاديث الصحيحة فلا شك أن ذلك مما يزيد المؤمنين إيمانًا بمعجزة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما قوله: فلا حاجة لهم به خرج أو لم يخرج. فجوابه: أن يقال: إذا كثر الهرج في آخر الزمان، وانتشرت الفتن والفوضى والجور والظلم، ولم يكن للناس إمام يجمعهم وينصف المظلوم من الظالم، فحينئذ تكون الحاجة ماسة إلى خروج المهدي الذي يقوم بأمر الناس، ويسعى في إخماد الفتن والفوضى، وإزالة الجور والظلم، ونشر القسط والعدل، ومن أنكر الحاجة إلى مثل هذا الإمام العادل فلا يخلو إما أن يكون مكابرًا أو خاليًا من العقل. وقال ابن محمود في صفحة (17): "وإننا الآن في العام المتمم للقرن الرابع عشر من السنين، وما يشعرني أنه سيأتي من الزمان أكثر مما مضى حتى تقوم الساعة دون أن يخرج المهدي". والجواب: أن يقال: هذه الجملة قد ذكرها ابن محمود في صفحة (9) من رسالته وتقدم الجواب عنها.1
وأما قوله: من السنين.

فجوابه: أن يقال: هذا غلط، والصواب أن تقيد السنين بالهجرة؛ لأن ما مضى من السنين بدون التقييد ألوف كثيرة لا يعلمها إلا الله -تعالى-. وأما قوله: حتى تقوم الساعة دون أن يخرج المهدي. فجوابه: أن يقال: إن الساعة لا تقوم حتى يخرج المهدي، وحتى يقع جميع ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوعه قبل قيام الساعة، ومن كذَّب بشيء مما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوعه أو شكَّ فيه، فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة. فصل وقال ابن محمود في صفحة (18): "إننا عندما نتحدث في كتابنا هذا عن المهدي فإنما نعني به المهدي المجهول في عالم الغيب، والذي يصدق بخروجه بعض أهل السنة". والجواب: أن يقال: قول ابن محمود إن المهدي مجهول في عالم الغيب قد قال مثله في صفحة (6) وصفحة (9) من كتابه وتقدم الجواب عنه فليراجع.1
وأما قوله: والذي يصدق بخروجه بعض أهل السنة.
فجوابه: أن يقال: كل من تمسك بالكتاب والسنة فإنه يصدق بخروج المهدي؛ لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينكر خروجه إلا جاهل أو مكابر.
وقال ابن محمود في صفحة (18): "وأول من قال بالمهدية كيسان مولى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في ابنه محمد بن الحنفية؛ فقد زعم بأنه المهدي، وأنه مقيم بجبل رضوى في الحجاز بين مكة والمدينة، وأن عنده عينا عسل وماء، وهذا هو اعتقاد المختار بن أبي عبيد ومن معه، ثم دخلت فكرة المهدي وخروجه في المجتمع الإسلامي، وكان لعبد الله بن سبأ اليد العابثة في تحقيقه وصناعة الحديث في التصديق به".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما ذكره ابن محمود في هذا الموضع يناقض ما ذكره في صفحة (16)؛ حيث زعم أن عبد الله بن سبأ كان يقول إن المهدي محمد بن الحنفية، وإنه بعث بعد موته وسكن جبل رضوى، وإن عنده عين عسل وعين ماء، وسيقود الجموع لقتال بني أمية، وقد ذكرت قريبًا ما...................................

ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" أن المختار ادَّعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي، وأنه أمره أن يدعو الناس إلى بيعته.
وكذلك ما ذكره الشهرستاني أن المختار بن أبي عبيد قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي.
وما ذكره الأشعري أن الكيسانية إنما سموا بذلك لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي، ودعا إلى محمد بن الحنفية كان يقال له كيسان، قال: ويقال إنه مولى لعلي بن أبي طالب.
فذكر هذا القول بصيغة التمريض، وذكر عن الفرقة الثالثة من الكيسانية وهي الكربية أنهم يزعمون أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى.
وقال الجوهري في الصحاح الكيسانية، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب.
وقال مرتضى الزبيدي في "تاج العروس": "وكيسان لقب المختار بن أبي عبيد الثقفي المنسوب إليه الكيسانية، الطائفة المشهورة من الرافضة".
انتهى، وفيما ذكرته عن هؤلاء العارفين بالمقالات أبلغ رد على توهمات ابن محمود وأقواله المتناقضة.
الوجه الثاني: أن يقال: يظهر من كلام ابن محمود أنه يرى أن عبد الله بن سبأ قد بقي إلى زمان المختار بن أبي عبيد وبعد زمانه، ولم أر أحدًا ذكر هذا أو أشار إليه، وإنما هو فيما يظهر من تخيلات ابن محمود وتوهماته، وقد تقدم قريبًا قول الذهبي في "الميزان": "أحسب أن عليًا -رضي الله عنه- حرقه بالنار"، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" وأقره.
الوجه الثالث: أن أقول: لم أر أحدًا من العلماء ذكر عن ابن سبأ أنه ذكر المهدي أو تكلم فيه بشيء فضلا عن صناعة الحديث فيه للتصديق به، وقد تقدم الجواب عما ألصقه ابن محمود بابن سبأ من صناعة الحديث للتصديق بالمهدي، مع الكلام عما جاء في صفحة (3) وصفحة (4) من كتاب ابن محمود فليراجع ذلك في أول الكتاب1، وليراجع أيضًا ما تقدم قريبًا من الجواب عما جاء في صفحة (16) وصفحة (17) من كتاب ابن محمود.2
وزعم ابن محمود في صفحة (18) أن عقيدة المهدي المنتظر وما يكون من أمره ونشره للعدل في خلال سبع سنين من العقائد الخيالية الدخيلة، وليست من عقائد الإسلام والمسلمين.

والجواب: أن يقال: لقد كابر ابن محمود وبالغ في المكابرة، حيث زعم أن عقيدة المهدي من العقائد الخيالية الدخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين، وقد ذكرت عنه في أول الكتاب أنه قال في صفحة (3): إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة، وذكرت الجواب عن ذلك في أول الكتاب فليراجع1، ففيه رد لكلامه هنا وهناك، وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، قال ابن كثير على قوله -تعالى- ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغير واحد: تعظموه، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير؛ وهو الاحترام والإجلال والإعظام".
انتهى.
ومن رد أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وزعم أن ما دلت عليه من عقائد أهل السنة أنها عقائد خيالية دخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين، فلا شك أنه قد استهان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يعزره ولم يوقره، وحكم من استهان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخفى على طالب العلم.
وقال ابن محمود في صفحة (19) وصفحة (20): "لهذا تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس، فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف، وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين، وممن انتقد هذه الأحاديث وبين معايبها العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "المنار المنيف" في الصحيح والضعيف، ومنهم الشاطبي صاحب "الاعتصام"؛ فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع، ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي، وكذلك ابن خلدون؛ فقد فحص أحاديث المهدي وبيَّن بطلان ما يزعمونه صحيحًا منها، فسامها كلها بالضعف وعدم الصحة، وإن من رواتها من يتهم بالتشيع، ومنهم الحروري، ومنهم من يعتقد رفع السيف على أهل القبلة، ومنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يتهم بسوء الحفظ، ومنهم من يتهم برفع الحديث إلى رسول الله بدون أن يتكلم به الرسول، مع ما فيها من التعارض والاضطراب والاختلاف".
وأقول: أما قوله: لهذا تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن رواية الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي وتلاوتها.........

والاستدلال بها على خروجه في آخر الزمان. كل ذلك يدل على تعظيم أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتصديق بما أخبر به من أنباء الغيب، وذلك عنوان على تحقيق الشهادة بالرسالة، وليس ذلك من التمويه كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما التمويه في الحقيقة؛ قول ابن محمود إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها. هكذا قال في أحاديث المهدي، وسواء عنده في ذلك ما كان منها صحيحًا أو حسنًا، وما كان ضعيفًا أو منكرًا أو موضوعًا، فالكل عنده على حد سواء، فهذا هو التلبيس والتمويه والرد لأمر الله -تعالى- ولأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتباع غير سبيل المؤمنين. وأما قوله: فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف. فجوابه: أن يقال: لو أن ابن محمود قال: فأخضعوها للرد والإطراح وعدم المبالاة بها لكان أوضح وأليق بكلامه، وأشد مطابقة للواقع منه ومن أئمته من العصريين، الذين قلدهم واقتفى آثارهم في رد الأحاديث الثابتة في المهدي ومحاربتها بكل وسيلة، وقد تقدم نحو هذا الكلام فيما نقلته من صفحة (5) من رسالة ابن محمود، وتقدم الرد عليه فليراجع في أول الكتاب.1
وأما قوله: وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: لا أعلم عن أحد من العلماء المتقدمين أنه رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ولا أعلم عن أحد منهم أنه أخضع الأحاديث الثابتة فيه لما زعم ابن محمود أنه تصحيح وتمحيص، ومعناه في الحقيقة الرد والإطراح لها والاستخفاف بشأنها، ولا أعلم عن أحد منهم أنه قال في الأحاديث الثابتة في المهدي إنها مزورة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الزنادقة الكذابين، فما ألصقه ابن محمود بالعلماء المتقدمين فهو من التقول عليهم ولا صحة له.
وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر أسماء العلماء المتقدمين الذين زعم أنهم أخضعوا أحاديث المهدي للتصحيح والتمحيص، الذي معناه الرد والإطراح لها، وأنهم حكموا عليها بأنها مزورة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الزنادقة الكذابين، وأن يذكر الكتب..............

التي ذكروا ذلك فيها، وأن يذكر مواضعها من صفحات الكتب، ولن يجد إلى ذلك سبيلا.
وقد ذكرت في أول الكتاب عددًا كثيرًا من الأئمة الذين رووا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وخرجوها في كتبهم المعتمدة عند المسلمين، وذكرت أيضًا عددًا كثيرًا من أكابر العلماء الذين صححوا بعض أحاديث المهدي، ومن قال منهم إنها متواترة، فليراجع ذلك في أول الكتاب1، ففيه أبلغ رد على ما ألصقه ابن محمود بالعلماء المتقدمين، فأما العلماء المتأخرون، فجمهورهم على طريقة العلماء المتقدمين؛ يرون أن بعض الأحاديث الواردة في المهدي ثابتة، ويقابلونها بالقبول والتسليم، وإنما شذ عنهم أفراد قليلون من العصريين، الذين هم سلف ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة في المهدي؛ ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، ولهم أمثال من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لآرائهم وتفكيرهم الفاسد، وهؤلاء لا يستغرب منهم الاستخفاف بأحاديث المهدي، ولا يستغرب منهم ردها وإطراحها، والقول بأنها مزورة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الزنادقة الكذابين، فقد رد بعضهم ما هو أعظم منها؛ مما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الفتن، وأشراط الساعة، وخوارق الأنبياء ومعجزاتهم، ومن طالع كتب العصريين وتعليقاتهم على الكتب رأى في بعضها الشيء الكثير من رد الأحاديث الثابتة وإطراحها.
الوجه الثاني: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي فليست مزورة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس للكذابين علاقة بها، وليس في رواتها أحد من المغفلين الذين يقبلون التلقين، ومن زعم أنها مزورة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه فهو صاحب الزور والبهتان العظيم على الحقيقة، وكذلك الأحاديث الضعيفة المنجبرة وهي التي تصلح للاستشهاد بها، فليست مزورة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان في أسانيدها بعض الضعفاء؛ لأنه يحتمل أن تكون من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الأحاديث الثابتة تشهد لها أو لبعضها، وما شهدت له الأحاديث الثابتة فليس بمزور، وإنما المزور ما يكون من طريق بعض الوضاعين، وليس في رواة الأحاديث الثابتة في المهدي ولا في رواة الأحاديث الضعيفة المنجبرة أحد من الوضاعين، فالحكم عليها بالوضع والتزوير من أكبر الخطأ وأعظم الزور.

الوجه الثالث: أن أقول: سأذكر ههنا نموذجًا من أسانيد الأحاديث الثابتة في المهدي؛ ليعلم المنصفون ما في كلام ابن محمود من الخطأ الكبير، والمجازفة القبيحة.
الحديث الأول: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».
ورواه أيضًا عن عمر بن عبيد الطنافسي عن عاصم، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سفيان – وهو الثوري–حدثني عاصم فذكره.
وهذه أسانيد صحيحة، رجالها كلهم من رجال الصحيحين.
أما سفيان بن عيينة؛ فهو أحد أئمة الإسلام، روى له الجماعة كلهم، واتفق الأئمة على توثيقه، والثناء عليه في الفقه والعلم والورع والحفظ.
قال اللالكائي: "هو مستغن عن التزكية لتثبته وإتقانه"، وقال الذهبي: "كان إمامًا حجة حافظًا واسع العلم كبير القدر"، وقال الذهبي أيضًا: "اتفقت الأئمة على الاحتجاج بابن عيينة لحفظه وأمانته".
وأما عمر بن عبيد الطنافسي؛ فقد روى له الجماعة كلهم، ووثقه أحمد وابن معين في رواية عثمان الدارمي عنه، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني وابن حبان.
وأما يحيى بن سعيد القطان؛ فهو الإمام الحافظ الحجة، احتج به الأئمة كلهم، وقالوا: من تركه يحيى تركناه، قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "الإمام العَلَم سيد الحفاظ"، وقال ابن سعد: "كان ثقة حجة رفيعًا مأمونًا"، وقال النسائي: "أمناء الله على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ مالك، وشعبة، ويحيى القطان"، وقال الخليلي: "هو إمام بلا مدافعة، وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير جدًا".
وأما سفيان الثوري؛ فهو أحد أئمة الإسلام، قال الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام سيد الحفاظ"، وقال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء: "سفيان أمير المؤمنين في الحديث"، وقال الخطيب: "كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، مُجمعًا على إمامته بحيث يستغني عن تزكيته، مع الاتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد"، وقال النسائي: "هو أجلُّ من أن يقال فيه ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما، وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير جدا، وقد روى له الجماعة كلهم".

وأما عاصم فهو ابن أبي النجود؛ وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره، ولو كان غير موثوق به عندهما لما أخرجا له شيئًا، وروى له بقية الجماعة، وقال أحمد: "ثقة رجل صالح خير ثقة"، وقال ابن معين: "ليس به بأس"، وقد قال ابن معين فيما ذكره ابن الصلاح عن ابن أبي خيثمة: "إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة"، ووثقه العجلي ويعقوب بن سفيان وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم في المستدرك: "هو إمام من أئمة المسلمين".
وأما زر فهو ابن حبيش؛ وهو تابعي جليل مخضرم، روى له الجماعة كلهم، واحتج به البخاري ومسلم، وقد وثقه ابن معين وأحمد وابن سعد والعجلي وغيرهم.
وأما عبد الله فهو ابن مسعود -رضي الله عنه- وهو حبر الأمة، وأحد السابقين الأولين، قال علقمة: "كان يشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه ودله وسمته"، وقد ذكرت في أول الكتاب أن حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من طرق صحيحة عن عاصم بن أبي النجود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه أيضًا الحاكم والذهبي وابن القيم.
وإذا علم أن أسانيد هذا الحديث كلها صحيحة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فهل تتهم به ابن مسعود -رضي الله عنه- أو تتهم به زر بن حبيش، أو عاصم بن أبي النجود، أو سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعمر بن عبيد الطنافسي، ويحيى بن سعيد القطان، أو الإمام أحمد بن حنبل؟ ألا تخاف الله وتتقيه يا ابن محمود؟! ألا تتثبت فيما تقوله في أئمة العلم والهدى، وفيما تحكم به على الأحاديث الصحيحة، ورواتها الثقات الأثبات؟ أما تعلم أنك موقوف بين يدي الله -عز وجل- يوم القيامة، ومسئول عن أقوالك وأعمالك؟ الحديث الثاني: قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانا، قال: ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا».
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
أما محمد بن جعفر؛ فهو المعروف بغندر، وهو..............................

ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وابن حبان وغيرهم، وقال الذهبي: "أحد الأثبات المتقنة، لا سيما في شعبة".
وأما عوف؛ فهو ابن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وأحمد والنسائي وابن سعد وابن حبان وغيرهم، وقال النسائي: "ثقة ثبت"، وقال الذهبي: "ثقة مشهور".
وأما أبو الصديق الناجي؛ واسمه بكر بن عمرو وقيل بكر بن قيس، فهو ثقة، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن حبان.
وأما أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- فهو صحابي جليل، مكثر في الحديث، واسمه سعد بن مالك بن سنان.
وإذا علم أن إسناد هذا الحديث صحيح لا مطعن فيه بوجه من الوجوه، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فهل تتهم به أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- أو تتهم به أبا الصديق الناجي، أو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، أو محمد بن جعفر، أو الإمام أحمد بن حنبل؟ فأنت بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن تبين الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث من الثقات الذين رووه، وإما أن ترجع عن قولك الباطل، وتعترف بالخطأ، وتتوب إلى الله -تعالى- مما رميت به الأتقياء الأبرياء، الذين هم من أكبر الأعداء للزنادقة الكذابين المزورين على الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذكرتُ في أول الكتاب أن حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- رواه الإمام أحمد من عدة طرق بعضها صحيح وبعضها حسن، ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة بأسانيد حسنة، وقال الترمذي: "حديث حسن"، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق، قال في أحدها: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال في آخر: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي على ذلك، وقال في آخر: "صحيح"، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
الحديث الثالث: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وأبو نعيم، قالا: حدثنا فطر، عن القاسم بن أبي برة، عن أبي الطفيل قال حجاج: سمعت عليًا -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله -عز وجل- رجلا منا يملؤها.....

عدلا كما ملئت جورًا».
قال أبو نعيم «رجلا منا».
قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب، عن أبي الطفيل، عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إسناداه صحيحان.
أما حجاج؛ فهو ابن محمد الأعور، ثقة حافظ ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن المديني، ومسلم، والنسائي، والعجلي، وابن قانع، ومسلمة بن قاسم، وابن حبان، وقال الذهبي: "أحد الأثبات".
وأما أبو نعيم؛ فهو الفضل بن دكين، ثقة حافظ ثبت، روى له الجماعة كلهم، قال أحمد: "ثقة يقظان عارف بالحديث"، وقال يعقوب الفسوي: "أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان"، وقال أبو حاتم: "أبو نعيم حافظ متقن"، وقال الذهبي: "حافظ ثبت".
وأما فطر؛ فهو ابن خليفة، روى له البخاري مقرونًا بآخر، وروى له أهل السنن، ووثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وحسبك بتوثيق هؤلاء، وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن فطر بن خليفة، فقال: صالح، كان يحيى القطان يرضاه، ويحسن القول فيه ويحدث عنه"، وذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن العجلي أنه قال: "كوفي ثقة حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل"، وقال النسائي: "لا بأس به"، وقال في موضع آخر: "ثقة حافظ كيِّس"، وقال ابن سعد: "كان ثقة -إن شاء الله تعالى- ومن الناس من يستضعفه"، وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي في الكُنى: حدثنا يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير قال: "فطر حافظ كيِّس"، وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أن لا بأس به"، وقال شمس الحق في "عون المعبود": "وأما فطر بن خليفة الكوفي فوثَّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والساجي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأخرج له البخاري، ويكفي توثيق هؤلاء الأئمة لعدالته، فلا يلتفت إلى قول ابن يونس، وأبي بكر بن عياش، والجوزجاني في تضعيفه، بل هو قول مردود".
انتهى.
وأما القاسم بن أبي بزة؛ فقد روى له الجماعة، ووثَّقه ابن معين والعجلي والنسائي، وقال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأما أبو الطفيل؛ فهو عامر بن واثلة الكناني الليثي من صغار الصحابة، قال الخزرجي في الخلاصة: "ولد عام أحد"، وأثبت مسلم وابن عدي صحبته، وهو آخر من...............

مات من جميع الصحابة على الإطلاق، وقد روى له الجماعة كلهم.
وأما علي -رضي الله عنه- فهو أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين، وهو مستغن عن التعريف به، وقد ذكرت في أول الكتاب أن أبا داود روى حديث علي -رضي الله عنه- بإسناد صحيح.
وإذا علم هذا، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فهل تتهم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أو تتهم به أبا الطفيل -رضي الله عنه- أو القاسم بن أبي بزة، أو فطر بن خليفة، أو حجاج بن محمد، وأبا نعيم الفضل بن دكين، أو أحمد بن حنبل؟ ألا تتقي الله يا ابن محمود؟! ألا تصون علمك ومنصبك عما يدنسه ويشينه؟ الحديث الرابع: قال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة».
قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "وهذا إسناد جيد".
قلت: أما الحرث بن أبي أسامة؛ فهو الإمام الحافظ أبو محمد التميمي البغدادي صاحب المسند، وثَّقه إبراهيم الحزبي، وأبو حاتم بن حبان، وقال الدارقطني: "صدوق".
وأما إسماعيل؛ فهو ابن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: "ثقة رجل صدق"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وقال مسلمة بن قاسم: "جائز الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": "صدوق من التاسعة".
وأما إبراهيم؛ فهو ابن عقيل بن معقل بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: "لم يكن به بأس"، وقد قال ابن معين: "إذا قلت فلان ليس به بأس فهو ثقة"، ووثقه العجلي، وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال: "إبراهيم ثقة، وأبوه ثقة"، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": "صدوق من الثامنة"، وقد أخرج له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وأما عقيل بن معقل بن منبه؛ فهو ابن أخي وهب بن منبه، قال أحمد: "عقيل من ثقاتهم"، ووثقه أيضًا ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر......

في "تقريب التهذيب": "صدوق من السابعة".
وأما وهب بن منبه؛ فهو الأبناوي الصنعاني، اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ووثقه العجلي وأبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في "الميزان": "كان ثقة صادقًا"، وقال في "تذكرة الحفاظ": "كان ثقة واسع العلم"، وقال الحافظ بن حجر في "تقريب التهذيب": "ثقة من الثالثة".
وأما جابر؛ فهو ابن عبد الله بن حرام الأنصاري، صحابي مشهور.
وإذا علم أن رجال هذا الحديث كلهم ثقات، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فهل تتهم به جابر بن عبد الله، أو وهب بن منبه، أو عقيل بن معقل، أو ابنه إبراهيم، أو ابن أخيه إسماعيل، أو الحارث بن أبي أسامة؟ فكل هؤلاء لا سبيل لأحد إلى الطعن فيهم، وكذلك رواة الأحاديث الثلاثة التي تقدم ذكرها لا سبيل لأحد إلى الطعن فيهم.
ولولا إيثار الاختصار لذكرت جميع الأحاديث الثابتة في المهدي، وذكرت كلام أهل الجرح والتعديل في توثيق رواتها، وفيما ذكرته من الأحاديث الثابتة أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي مزورة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الزنادقة الكذابين.
فإن قال ابن محمود: إن عبد الله بن سبأ وشيعه هم الذين زوروا أحاديث المهدي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما قد جزم بذلك في صفحة (4) وصفحة (16) وصفحة (18) من رسالته.
فالجواب: أن يقال: إن عبد الله بن سبأ كان في زمان عثمان وعلي -رضي الله عنهما- وقد قال الذهبي في "الميزان": "أحسب أن عليًا حرقه بالنار"، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله أتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته".
انتهى.
وحيث أن عبد الله بن سبأ كان معاصرًا للصحابة -رضي الله عنهم- ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه كان باقيًا بعد موت علي -رضي الله عنه-، فإن كان هو الذي زوَّر أحاديث المهدي كما قد زعم ذلك ابن محمود، فإنه يلزم على هذا أن يكون ابن سبأ قد أدخل ما زوره من الأحاديث على عليٍّ وابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وأم سلمة -رضي الله عنهم- وغيرهم من الصحابة الذين رويت عنهم الأحاديث في المهدي، وهذا معلوم..............................................

البطلان بالضرورة، ويلزم على هذا القول الباطل رمي الصحابة بالتغفيل وقبول التلقين، وهذا لا يقوله من له أدنى عقل ودين، فهل يقول ابن محمود بهذا القبول الباطل مع ما يلزم عليه من رمي الصحابة -رضي الله عنهم- بالوصف الذميم الذي يجب تنزيههم عنه، أم ماذا يجيب به عن كلماته التي قالها من غير تعقل ولا تثبت؟ وأما قوله: وممن انتقد هذه الأحاديث وبين معايبها العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف".
فجوابه: أن يقال: إن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لم ينتقد أحاديث المهدي كلها كما توهم ذلك ابن محمود، فضلا عن أن يقول بما جازف به ابن محمود من كونها مزورة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الزنادقة الكذابين، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف" عدة أحاديث في المهدي، وقال بعد إيرادها: "وهذه الأحاديث أربعة أقسام؛ صحاح وحسان وغرائب وموضوعة"، ومن الأحاديث التي أوردها حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين».
قال ابن القيم: "رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد".
قال: "وروي أبو داود من حديث صالح بن أبي مريم أبي الخليل الضبعي، عن صاحب له، عن أم سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام» وذكر تمام الحديث، ثم قال: ورواه أبو داود من وجه آخر؛ عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم سلمة نحوه".
ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، من حديث قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، وربما قال صالح: عن مجاهد، عن أم سلمة.
والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح، قال وذكر أبو نعيم في "كتاب المهدي" من حديث حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا غلا يوم واحد لبعث الله فيه رجلا اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى أبا عبد الله» ولكن في إسناده العباس بن بكار لا يحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وهما صحيحان.
وقال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه،......................................................................

عن وهب بن منبه، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة».
وهذا إسناد جيد.
ثم ذكر ابن القيم أربعة أقوال في المهدي؛ أحدها: أنه المسيح ابن مريم... الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس ثم ذكر دليل من قال بهذا القول وضعَّفه، وقال: لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه.
قال: وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وفي كونه من ولد الحسن سِرٌّ لطيف؛ وهو أن الحسن -رضي الله عنه- ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده؛ أنه من ترك لأجله شيئًا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين -رضي الله عنه- فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها.
قال وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل من أهل بيتي يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس».
وروى أيضًا من حديث أبي إمامة قال: "خَطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الدجال وقال: «فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص» فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ؟ فقال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجل صالح».
وروى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها».
وهذه الأحاديث وإن كان في........

إسنادها بعض الضعف والغرابة، فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض.
فهذه أقوال أهل السنة، وأما الرافضة الأمامية فلهم قول رابع؛ وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، ثم ذكر مهدي المغاربة وهو محمد بن تومرت، ومهدي القرامطة الباطنية وهو عبيد الله بن ميمون القداح، ثم قال: والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تومرت لهم مهدي، والرافضة الإثني عشرية لهم مهدي، فكل هذه الفرق تدَّعي في مهديها الظلوم الغشوم والمستحيل المعدوم أنه الإمام المعصوم والمهدي المعلوم الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبر بخروجه.
انتهى المقصود من كلامه.
وقد قرر فيه خروج المهدي في آخر الزمان، وصحح بعض الأحاديث الواردة فيه وحسن بعضها، فليتأمله العلماء المنصفون، وليقابلوا بينه وبين أقوال المجازفين في رد الأحاديث الثابتة في المهدي، القائلين على بعض العلماء ما لم يقولوه.
وأما قوله: ومنهم الشاطبي صاحب "الاعتصام" فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع، ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي.
فجوابه: أن يقال: في كلام ابن محمود إيهام وتلبيس، وقد تصفحت كتاب "الاعتصام" للشاطبي، فرأيته ذكر بعض أقوال ابن التومرت المغربي المتسمي بالمهدي في تسعة مواضع وندَّد به، فأما أحاديث المهدي المبشر بخروجه في آخر الزمان فما أورد منها شيئًا، ولكنه أشار إليها في صفحة (253) من الجزء الثاني من النسخة المطبوعة في مطبعة المنار سنة 1331 هـ، ولم يتعرض لها بالإنكار والرد، وهذا نَصُ كلامه قال: "وقد وضع القتل شرعًا معمولا به على غير سنة الله وسنة رسوله، المتسمي بالمهدي المغربي، الذي زعم أنه المبشر به في الأحاديث".
انتهى.
فقول الشاطبي: المبشر به في الأحاديث، صريح في أنه يرى أن المهدي المبشر به في الأحاديث حق، وأنه غير المغربي الذي زعم أنه المهدي المبشر به.
وأما قوله: إن الشاطبي ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع.
فجوابه: أن يقال: هذا من القول على الشاطبي بما لم يقل، وقد ذكرت عن الشاطبي أنه ذكر المغربي المدعي أنه المهدي - وهو ابن التومرت الكذاب المتبدع، ذكره في تسعة مواضع من كتاب "الاعتصام" وندد به، ولم يلحق المهدية والإمامية بأهل البدع خاصة، ولم يقل إنه لا مهدي ولا إمام من غيرهم.

وأما قوله: ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي.
فجوابه: أن يقال: هذا من نمط ما قبله من القول على الشاطبي بما لم يقل، وقد ذكرت عن الشاطبي أنه ندَّد بالمغربي المدعي أنه المهدي، وذكر عنه أنه زعم أنه المبشر به في الأحاديث، فقد ذكر الشاطبي في هذه الجملة المهدي المبشر به في الأحاديث ولم ينكره، وإنما أنكر زعم المغربي أنه هو، وفي هذا رد لما تقوله ابن محمود على الشاطبي، وسيأتي مزيد لهذا عند ذكر ما نقله ابن محمود عن الشاطبي في صفحة (35) متوهمًا أنه يؤيد قوله الباطل، وليس فيه ما يؤيده.
وأما قوله: وكذلك ابن خلدون، فقد فحص أحاديث المهدي وبين بطلان ما يزعمونه صحيحًا منها، فسامها كلها بالضعف وعدم الصحة، وإن من رواتها من يتهم بالتشيع، ومنهم الحروري، ومنهم من يعتقد رفع السيف على أهل القبلة، ومنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يتهم بسوء الحفظ، ومنهم من يتهم برفع الحديث إلى رسول الله بدون أن يتكلم به الرسول، مع ما فيها من التعارض والاضطراب والاختلاف، ثم قال: والحق الذي ينبغي أن يتقرر، أن ما تدعيه العامة والأغمار من الدهماء، ممن لا يرجع في رأيه إلى اعتقاد صحيح، ولا إلى علم صريح يفيده، فيجيبون في ذلك على غير نسبة، وفي غير مكان، تقليدًا لما اشتهر من ظهور الفاطمي، ولا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما يقولون تقليدًا، فقد ظهرت حركات كثيرة كلها تدعي أنها المهدي، ثم ظهر ناس بهذه الدعوة ينتحلون السنة، وليسوا عليها إلا الأقل".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن ابن محمود لم ينقل كلام ابن خلدون على ما هو عليه في مقدمته، وإنما لخَّص منه قليلا، وغير أسلوبه، وزاد فيما نقله منه ونقص، ومن طالع مقدمة ابن خلدون لم يخف عليه ذلك.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد زعم أن ابن خلدون قد سام أحاديث المهدي كلها بالضعف وعدم الصحة، وهذا غير صحيح، والواقع في الحقيقة بخلاف ما زعمه ابن محمود؛ فإن ابن خلدون لمَّا ذكر ما ذكر من أحاديث المهدي قال بعد ذلك ما نصه: "فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه".
انتهى، فهذا صريح في استثناء القليل أو الأقل من أحاديث المهدي من النقد، وفي هذا أبلغ رد على ما توهمه ابن محمود على ابن خلدون، حيث زعم أنه قد سام أحاديث....................................

المهدي كلها بالضعف وعدم الصحة، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من التقوُّل على ابن خلدون.
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن خلدون قد توسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى آل به التوسع إلى تضعيف عدة أحاديث من الصحاح والحسان، التي قد حكم بصحتها أو حسنها غير واحد من الأئمة الحفاظ النقاد، الذين لا يدانيهم ابن خلدون في معرفة الأحاديث وعللها، وقد تقدم ذكرهم في أول الكتاب فليراجع1، والعبرة بأقوالهم في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي وتحسين بعضها، ولا عبرة بأقوال ابن خلدون وأمثاله ممن ليسوا من أهل الجرح والتعديل، وقد ردَّ غير واحد من العلماء على ابن خلدون وخطَّؤوه في رده لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي وحكمه بضعفها، وقد تقدم ما نقلته من كلام جعفر الحسني الإدريسي في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" فقد قال فيه: "إن كثيرًا من الناس يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه". انتهى.2
وقد رد أحمد بن محمد الغماري على ابن خلدون في كتابه الذي سماه "إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون"، ورد عليه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد، فقال في الكلام على حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»: إسناده صحيح... إلى أن قال: "أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحمًا لم يكن من رجالها، وغلبه ما شغله من السياسة وأمور الدولة وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء، فأوهم أن شأن المهدي عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك، فعقد في مقدمته المشهورة فصلا طويلا، جعل عنوانه: "فصل في أمر الفاطمي، وما يذهب إليه الناس في شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك".
تهافت في هذا الفصل تهافتًا عجيبًا، وغلط فيه أغلاطًا واضحة.
فبدأه بأن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي.
ثم قال: ويحتجون في الباب...........

بأحاديث خرجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، ثم أشار إلى بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وقال وربما تعرض لها المنكرون كما نذكره، إلا أن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل، فإذا وجدنا طعنًا في بعض رجال الأسانيد؛ بغفلة، أو بسوء حفظ، أو ضعف، أو سوء رأي، تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها، ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين؛ فإن الإجماع قد اتصل في الأمة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما، وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفع، وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك، ثم شرع يورد بعض الأحاديث بنصها، ويتكلم في تعليلها، ومنها حديث ابن مسعود هذا، جعل مطعنه فيه على عاصم، بما تكلم فيه بعضهم في حفظه، ثم قال: وإن احتج أحد بأن الشيخين أخرجا له، فنقول: أخرجا له مقرونًا بغيره لا أصلا.
قال أحمد محمد شاكر: "وأولا: إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: "الجرح مقدم على التعديل"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئا مما قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره.
وثانيًا: إن عاصم بن أبي النجود من أئمة القراءة المعروفين، ثقة في الحديث، أخطأ في بعض حديثه، ولم يغلب خطؤه على روايته حتى ترد.
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: أخبَرَنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة، رجل صالح، خير ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث"، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: "هو صالح، هو أكثر حديثًا من أبي قيس الأودي، وأشهر منه، وأحب إلي من أبي قيس"، وقال سُئل أبي عن عاصم بن أبي النجود، وعبد الملك بن عمير، فقال: "قدِّم عاصمًا على عبد الملك؛ عاصم أقل اختلافًا عندي من عبد الملك"، وقال: سألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة فقال: "ثقة"، قال: فذكرته لأبي فقال: "ليس محله هذا أن يقال هو ثقة وقد تكلم فيه ابن عليه، فقال: كأن كل من كان اسمه عاصمًا سيء الحفظ"، وهذا أكثر ما قيل فيه من الجرح، أفمثل هذا يطرح حديثه، ويجعل سبيلا لإنكار شيء ثبت بالسنة الصحيحة، من طرق متعددة من حديث كثير من الصحابة، حتى لا يكاد يشك في صحته أحد لما في رواته من عدل....................................................................

وصدق لهجة، ولارتفاع احتمال الخطأ ممن كان في حفظه شيء بما ثبت عن غيره ممن هو مثله في العدل والصدق وقد يكون أحفظ منه؟ ما هكذا تعلل الأحاديث".
انتهى.
وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود": "وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة؛ منهم أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل؛ عليّ، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء -رضي الله عنهم-.
وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف، وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم يصب بل أخطأ".
انتهى.
وقال صاحب "تحفة الأحوذي" مثل ما قال صاحب "عون المعبود": "قلت: لم يضعف ابن خلدون أحاديث المهدي كلها، بل ضعَّف أكثرها، ثم قال بعد إيرادها ما نصه: فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه".
انتهى.
وقال ابن محمود في صفحة (20): ويقول محمد فريد وجدي في دائرة المعارف الجزء 19 ص (480): "ما ورد في المهدي المنتظر من أحاديث، والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قولها، فإن فيها من الغلو والخبط في التواريخ، والإغراق في المبالغة، والجهل بأمور الناس، والبعد عن سنن الله المعروفة، ما يشعر المطالع لأول وهلة أنها أحاديث موضوعة، تعمد وضعها من أهل الزيغ والمشايعين لبعض أهل الدعوة من طلبة الخلافة في بلاد العرب أو المغرب، وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي، واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه، منهم الدارقطني، والذهبي، وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس".
انتهى.
والجواب: أن يقال: إن محمد فريد وجدي قد ذكر في "دائرة المعارف" أن الذي نقله من الأحاديث الواردة في المهدي مأخوذ من مختصر الشعراني للتذكرة القرطبية، وغالب ما نقله من الموضوعات، وقد مزج معها قليلا من الأحاديث التي...........................

رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة، ثم قال هذا ما ورد من الأحاديث في المهدي المنتظر، وقد فاته أحاديث كثيرة من الصحاح والحسان فلم يذكرها، وما فاته من الأحاديث الضعيفة التي لا يحكم عليها بالوضع أكثر وأكثر، ومن لم يعرف من الأحاديث الواردة في المهدي إلا ما ذكره الشعراني في مختصر التذكرة فهو مزجى البضاعة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى قدحه في أحاديث المهدي على العموم وهو لا يعرف أكثرها؛ لأن قدحه فيها من القول بغير علم.
وأيضًا فإن محمد فريد وجدي مؤرخ وثقافي، وليس من علماء الحديث وأهل الجرح والتعديل، فلا يلتفت إلى كلامه فيما ليس من اختصاصه.
وأما قوله: والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قولها.
فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الموضوعة في المهدي وغيره فإنه يجب التحذير منها وتنزيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، وأما الأحاديث الضعيفة فإنها تذكر للاستشهاد لا للاعتماد، وأما الصحاح والحسان فإنه يجب قبولها والتسليم لمن جاءت عنه، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، وذكرت لبعضها عدة طرق مما رواه الأئمة بالأسانيد الجيدة فلتراجع1، ففيها أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة أو موضوعة.
وأما قوله: وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه.
فجوابه: أن يقال: أما الأئمة المحققون الذين يعتد بأقوالهم في التصحيح والتضعيف فقد صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وحسنوا بعضها، وذكر غير واحد منهم أن أحاديث المهدي متواترة، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع2، ففيه رد على من ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.

وأول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي عبد الرحمن بن خلدون، وزاد في التوسع حتى حكم على بعض الصحاح والحسان بالضعف، وتبعه بعض العصريين الذين يُحِّكمون أفكارهم في الأحاديث، فيصححون ما وافق أفكارهم ويضعفون ما خالفها، وإذا كانت الأحاديث التي تخالف أفكارهم ثابتة الأسانيد ولا مطعن فيها جعلوها من وضع الزنادقة أو من دسائس كعب الأحبار ووهب بن منبه أو غيرهما، ولو لم يكن لأحد منهم علاقة بتلك الأحاديث، وهكذا فعلوا في أحاديث المهدي، فزعم ابن محمود تقليدًا لسعد محمد حسن أنها من وضع عبد الله بن سبأ، وزعم غيره أنها من وضع غيره من الزنادقة، وليس مع هؤلاء ما يستندون إليه سوى الدعاوي المجردة عن الدليل.
وأما قوله: منهم الدارقطني والذهبي.
فجوابه: أن يقال: هذا مما زاده ابن محمود في كلام محمد فريد وجدي، ولم يبين ذلك، بل أوهم أنه من كلام محمد فريد، وهذا عمل غير مُرضٍ؛ لأنه ينافي الأمانة، ولو فعل مثل هذا الفعل أحد في زمان شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، أو في زمان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، لقالوا فيه أعظم قول، وربما ألحقوه بغياث بن إبراهيم النخعي وأضرابه ممن لا تقبل أحاديثهم ولا يعتد بأقوالهم.
فأما الدارقطني، فما رأيت له كلامًا في أحاديث المهدي، ولا رأيت أحدًا من العلماء ذكر ذلك عنه، وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر الكتاب الذي وجد فيه كلام الدارقطني إن كان صادقًا، وأن يذكر الصفحة التي ذكر فيها ذلك من الكتاب، حتى يبرأ من عهدة النقل.
وأما الذهبي، فكلامه صريح في الرد على ابن محمود، قال في كتابه "المنتقى من منهاج الاعتدال" ما نصه: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي، منها حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا».
وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمة، وفيه: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».
ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه: «يملك الأرض سبع سنين».
وعن عليٍّ أنه نظر إلى الحسن فقال: "سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في................................................

الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض قسطًا".
فأما حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فضعيف، فلا يعارض هذه الأحاديث" انتهى.
وقد صحَّح الذهبي أيضًا في تلخيص المستدرك عدة أحاديث من أحاديث المهدي، وضعَّف أحاديث أخر، ومن الأحاديث التي صححها حديث زر بن حبيش، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال الذهبي فيه: "صحيح"، ومنها حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك، ورواه الحاكم أيضا من وجه آخر وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك.
وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع1، ففيها رد على من تقوَّل على الذهبي، وزعم أنه ممن ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.
وأما قول محمد فريد وجدي في أحاديث المهدي: وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي كثيرة جدًا، وقد قال الشوكاني فيما نقله عنه صاحب "تحفة الأحوذي": "الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثًا، وثمانية وعشرون أثرًا.
ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع".
انتهى.
وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أن محمد فريد لم يذكر من الأحاديث الواردة في المهدي إلا نزرًا يسيرًا، وأكثر ما ذكر فيه من الموضوعات، وقد ذكرت في أول الرد عليه أنه لم يذكر مما ورد في المهدي من الأحاديث الصحيحة والحسنة شيئًا، وكذلك الأحاديث الضعيفة، فإنه لم يذكر منها إلا حديثين أو ثلاثة، مع أنها كثيرة جدًا، ومع هذا يقول أنه قد أورد أحاديث المهدي مجتمعة، وهذا القول بعيد من الصواب كما لا يخفى على من طالع "دائرة المعارف".

وأما قوله: حتى لا يجرؤ1بعض الغلاة على التضليل بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن التضليل في الحقيقة ما فعله محمد فريد من إيراد الأحاديث الموضوعة في المهدي والإعراض عن إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة فيه، ومن التضليل أيضًا ما فعله ابن محمود من التهجم على الأحاديث الصحيحة والحسنة ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، فهذا هو التضليل في الحقيقة.
فصل وقال ابن محمود في صفحة (20) وصفحة (21) ما ملخصه: حوادث الحرم الشريف من المدعين للمهدي.
ثم قال: "إن حادث الحرم الشريف الواقع من المارقين المنافقين في يوم الثلاثاء أول يوم من المحرم عام 1400هـ ليس بأول حادث، فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها، وقد أثبت التاريخ كتاريخ ابن مسعود وغيره عدوانًا مماثلا لهذا العدوان على البيت الحرام، وذلك في موسم الحج عام 317 هـ، أن جاء إلى مكة باسم الحج رجل يدعى أبو طاهر الجنابي ومعه تسعمائة رجل من أتباعه، وهو من القرامطة، فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة، وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب، وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يُبيِّتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات، فقاموا بإثارة فتنة عظيمة قتل فيها على ما يقول المؤرخ المسعودي: نحو ثلاثين ألفا من الحجاج وأهل مكة - إلى أن قال: واعترضت له قبيلة هذيل في المضايق، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه، وأقام كعبة جديدة للقرامطة بالقطيف بمكان يسمى الجعبة، ووضع فيه الحجر الأسود، ثم رد الحجر إلى مكانه من الكعبة بعد موت أبي طاهر.
والشاهد من هذا الحديث أن أبا طاهر الذي فعل في الحرم...........................

الشريف ما فعل كان يدعي بأنه المهدي المنتظر نفس ما ادعى به جهيمان ومن معه".
والجواب: أن يقال: إن في كلام ابن محمود عدة أخطاء ينبغي التنبيه عليها، منها قوله: فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها.
وأقول: إن إطلاق اسم المهديين على الملحدين لا يجوز؛ لأن هذا الاسم من خصائص الخلفاء الراشدين؛ مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، ومن سار على منهاج هؤلاء من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، ومنهم المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فأما الملحدون فلا يجوز تسميتهم بالمهديين؛ لأن هذا الاسم لا ينطبق عليهم، وإنما ينبغي تسميتهم بالمُدَّعين للمهدية كذبًا وزورًا، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من الجمع بين الضدين، حيث جمع بين صفة المهدية وصفة الإلحاد، وهما ضدان فلا يجتمعان.
ومنها قوله: كتاريخ ابن مسعود.
وصوابه المسعودي، وقد ذكره على الصواب بعد عدة أسطر.
ومنها قوله: إن القرمطي جاء إلى مكة باسم الحج.
وأقول: لم أر هذا مذكورًا في كتب العلماء الذين يعتد بنقلهم؛ مثل كتاب "المنتظم" لأبي الفرج ابن الجوزي، و"الكامل" لابن الأثير، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"تاريخ أخبار القرامطة" لثابت بن سنان وابن العديم، و"شذرات الذهب" لعبد الحي بن العماد.
وإنما جاء القرمطي قبحه الله لقصد الإفساد في الأرض، والإلحاد في حرم الله، وقتل الحجاج وغيرهم من أهل مكة، ونهب أموالهم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة: "فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافرت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم".
وذكر ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وابن خلدون في تاريخه، وعبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب" نحو ذلك.
ومنها قوله: ومعه تسعمائة رجل.
وأقول: هذا العدد قد ذكره عبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب"، وذكر........

المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" أن القرمطي دخل مكة في ستمائة فارس وتسع مائة راجل.
ومنها قوله: فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة.
وأقول: هذا ما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف"، وهو مخالف لما ذكره أكابر المؤخرين؛ فقد ذكر ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وثابت بن سنان وابن العديم في "تاريخ أخبار القرامطة"، وابن خلدون في تاريخه، وعبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب" أنهم دخلوا مكة يوم التروية؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وذكر ذلك أيضا صاحب كتاب "النجوم الزاهرة"، وذكر عريب بن سعد القرطبي في "صلة تاريخ الطبري" أن القرمطي دخل مكة وأوقع بأهلها عند اجتماع الموسم وإهلال الناس بالحج، وهذا موافق لما ذكره ابن الجوزي وغيره ممن ذكرنا، وهو أن دخول القرمطي مكة إنما كان في اليوم الثامن؛ لأنه اليوم الذي يهل فيه الناس بالحج.
ومنها قوله: وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب.
وأقول: أما قوله: "المقرون" فهو خطأ، وصوابه "المعروف".
وقد ذكر ابن الأثير في "الكامل" أن أمير مكة ابن مخلب، وفي "النجوم الزاهرة" و"شذرات الذهب" أن اسم أمير مكة ابن محارب، وفي هامش "الكامل" نقلا عن كتاب "العيون" أن أمير مكة يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مجلب، وفي كتاب "التنبيه والإشراف" للمسعودي أن أمير مكة يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مخلب.
ومنها قوله: وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يبيتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن، وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات.
وأقول: كل ما ذكره في هذه الجملة لا صحة له، ولم أر أحدًا من العلماء ذكر من ذلك شيئًا، والظاهر أن ذلك من توهمات ابن محمود وتخيلاته، وقد ذكر المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف": "أن من كان بمكة من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحجاج وغيرهم صافُّوه- أي تصافوا هم والقرمطي للقتال- ثم انكشفوا من بين يديه عند قتل نطيف غلام ابن حاج، وكان من شِحنة مكة وممن............................................

يعول عليه، وأخذ الناس السيف وعاذوا بالمسجد والبيت، فاستحر القتل فيهم وعمَّهم".
انتهى، ولعل ابن محمود وهم أن قول المسعودي أن من كان بمكة من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحجاج وغيرهم صافَوه، أن ذلك بتخفيف الفاء وفتحها من المصفاة أي إظهار المودة للقرمطي من باب المخادعة، ولهذا أبدل ابن محمود لفظة "صافوه" بالمخادنة.
وإنما معنى قوله "صافُّوه" بتشديد الفاء وضمها من المُصافَّة للقتال وهذا ظاهر من قول المسعودي: ثم انكشفوا من بين يديه، وأخذ الناس السيف... إلى آخر كلامه.
وأما قوله: فاحتكوا برجال الأمن.
فجوابه: أن يقال: إن تسمية الذين يضبطون البلاد- كالشرط ونحوهم من أولياء السلطان- برجال الأمن لم يكن معروفًا فيما مضى، وإنما هو مستحدث في القرن الرابع عشر من الهجرة، وكان الناس فيما مضى يسمون الذين يضبطون البلاد شِحنة، قال الأزهري: "شِحنة الكورة؛ من فيهم الكفاية لضبطها من أولياء السلطان"، نقله عنه ابن منظور في لسان العرب.
وقال في القاموس: "الشِحنة في البلد؛ من فيه الكفاية لضبطها من جهة السلطان".
ومنها قوله: نقلا عن المسعودي: أن القرمطي قتل من الحجاج وأهل مكة نحو ثلاثين ألفًا.
وأقول: إن المسعودي لم يجزم بهذا القول، بل ذكره وتعقبه، وهذا نص كلامه في كتابه "التنبيه والإشراف" قال: "وقد تُنُوزع في عدة من قُتل من الناس من أهل البلد وغيرهم من سائر الأمصار فمكثر ومقل، فمنهم من يقول ثلاثين ألفا، ومنهم من يقول دون ذلك وأكثر، وكل ذلك ظن وحسبان، إذ كان لا يضبط".
انتهى، وقد ذكر ابن العماد في "شذرات الذهب": "إن القرمطي كان معه تسعمائة نفس، فقتلوا في المسجد ألفًا وسبعمائة نسمة، وقيل إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد".
انتهى.
ومنها قوله: واعترضت له قبيلة هذيل في المضائق والجبال، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه.
وأقول: لم أر أحدًا من العلماء الموثوق بهم في النقل ذكر هذا، وإنما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" وهو محتمل، ولكن ذكر ابن الأثير في..........................

"الكامل"، وثابت بن سنان وابن العديم في "أخبار القرامطة"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وابن خلدون في تاريخه ما فيه رد لهذا القول، قال ابن الأثير في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة: "حج بالناس في هذه السنة منصور الديلمي، وسار بهم من بغداد إلى مكة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفذه إلى هجر، فخرج إليه ابن محلب أمير مكة في جماعة من الاشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم، فقاتلوه فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا، بغير كفن ولا غسل ولا صلي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة، فلما بلغ ذلك المهدي أبا محمد عبيد الله العلوي بإفريقية، كتب إليه ينكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم، وترد الحجر إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة، فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود واستعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكة1فرده، وقال إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج، ولا أقدر على منعهم" انتهى.
وفي تاريخ "أخبار القرامطة" لثابت بن سنان وابن العديم نحو ما ذكره ابن الأثير في الكامل، وفيه: "إن المهدي عبيد الله كتب إلى القرمطي ينكر عليه فعله، وقال له: سجلت علينا في التاريخ نقطة سوداء لا تمحوها الليالي والأيام، ويلومه ويلعنه، ويقول له: قد حققت على دولتنا وشيعتنا ودعاتنا اسم الكفر والزندقة والإلحاد بفعالك الشنيعة هذه، وإن لم ترُدَّ على أهل مكة والحجاج ما نهبته منهم، وترد الحجر إلى موضعه، وترد كسوة الكعبة كما كانت، وإلا أتيت إليك بجنود لا قبل لك بها، وأنا بريء منك كما برئتُ من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة، وأعوذ بالله من فعالك السوء، وإن لم تفعل ما آمرك به لا يكن بيني وبينك إلا السيف والبراءة منك يا عدو الله والناس أجمعين، فرد الحجر إلى مكانه، واستعاد ما أمكنه من الأموال إلى أهل مكة، وقال يعتذر للإمام العلوي: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج، ولا أقدر على ردها منهم".
انتهى.

وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه قصة القرامطة مختصرة مما ذكره ابن الأثير وثابت بن سنان وابن العديم.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "ولما رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الأسود، تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده، وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطي وقتل أكثر أهل بيته وأهل مكة وجنده، واستمر ذاهبًا إلى بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج" انتهى.
وفيما ذكره ابن كثير من ذهاب القرمطي إلى بلاده بأموال الحجيج، وما ذكره ابن الأثير وثابت بن سنان وابن العديم أن المهدي عبيد الله كتب إلى القرمطي يأمره برد الأموال على أهل مكة وعلى الحجاج، وأن القرمطي استعاد ما أمكنه من الأموال إلى أهل مكة، واعتذر عن أموال الحجاج بأن الناس اقتسموها، وأنه لا يقدر على ردها منهم، ففي هذا رد على من زعم أن قبيلة هذيل اعترضت القرمطي في المضايق والجبال فأخذت بعض ما غنمه، وأنه استطاع أن يهرب بعد ما فقد كثيرًا من غنائمه، والظاهر أن هذا لم يقع، ولو وقع لذكره العلماء الذين تقدم ذكرهم.
ومن تأمل ما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" عن القرامطة، رأى فيه من الخلل ما يدل على قلة الاعتناء بتحرير ما فيه من النقول، فمِن ذلك أنه ذكر أن القرمطي دخل مكة يوم الاثنين لسبع خَلَونَ من ذي الحجة، ثم رحل عنها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وكان مقامهم بمكة ثمانية أيام، ولا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط، فإنه إذا كان اليوم السابع يوم الاثنين، فإن يوم السبت يكون اليوم الثاني عشر، ويكون مقامهم بمكة ستة أيام.
ومن ذلك قوله: وكانت ثقلته على نحو مائة ألف بعير، عليها أصناف المال والأمتعة.
ولا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة، وقد ذكر في أول كلامه أن القرمطي دخل مكة في ستمائة فارس وتسعمائة راجل، وذكر ابن العماد في "شذرات الذهب" أنه كان مع القرمطي تسعمائة نفس، وإذا كانوا بهذا العدد القليل فإنه يبعد كل البعد أن يكون ثقلهم على نحو مائة ألف بعير، ولو كان هذا القول صحيحًا لذكره أكابر المؤرخين؛ كابن الجوزي، وابن الأثير، وابن كثير، وغيرهم ممن يعتني بنقل الوقائع، والمقصود هنا التنبيه على أنه ينبغي التأمل والنظر في نقول المسعودي؛ لأن الخلل ظاهر فيها.

ومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا؛ أن الملقب بالمهدي وهو عبيد الله بن ميمون القداح، ليس هو مهديًا ولا علويا، وإنما كان صباغًا بسلمية، وكان يهوديًا، فادعى الإسلام ثم سافر من سلمية، فدخل بلاد إفريقية فادعى أنه شريف فاطمي، فصدقه كثير من الجهال وصارت له دولة، فملك مدينة سلجماسة، ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية.
هذا ما ذكره العلماء عن مؤسس دولة الفاطميين، الذين انتسبوا إلى أهل البيت، وإلى أنهم من ذرية فاطمة، وذلك كذب وزور.
ومن أخطاء ابن محمود قوله: وأقام كعبة جديدة للقرامطة بالقطيف بمكان يسمى الجعبه، ووضع فيها الحجر الأسود.
وأقول: قد رأيت المكان الذي أشار إليه ابن محمود، وهو يقع فيما بين مدينة الدمام وقرية سيهات التابعة للقطيف، وهو قريب منها وفيه جبل صغير تسميه الأعراب الكعبة، ولكنهم يبالغون في ترقيق الكاف كما هي عادة الأعراب في النطق بهذا الحرف، فاسم ذلك الجبل الصغير الكعبة بالكاف المرققة لا الجعبة بالجيم.
ومنها قوله: والشاهد من هذا الحديث أن أبا طاهر الذي فعل في الحرم الشريف ما فعل كان يدعي بأنه المهدي المنتظر، نفس ما ادعى به جهيمان ومن معه.
وأقول: إنني لم أر أحدًا من المؤرخين ذكر عن أبي طاهر القرمطي أنه كان يدعي أنه المهدي المنتظر، وإنما ذكروا عنه أنه كان داعية لعبيد الله بن ميمون القداح الذي كان يلقب بالمهدي.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر القرامطة: "وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا ببلاد إفريقية من أرض المغرب، ويلقب أميرهم بالمهدي؛ وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه، ويدعون إليه، ويترامون عليه، ويقال إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة، ولا حقيقة له".
انتهى، وذكر ابن الجوزي في "المنتظم" أن القرامطة كانوا يمخرقون بالمهدي، ويوهمون أنه صاحب المغرب، وذكر صاحب "النجوم الزاهرة" عن أبي طاهر أنه كان يزعم أنه داعية المهدي عبيد الله، وذكر له شِعرًا قال فيه: أنا الداع للمهدي لا شيء غيره أنا الصارم الضرغام والفارس الذكر وفي صفحة (23) ذكر ابن محمود المقارنة بين أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين، وقال: "إننا متى قابلنا بين العلماء المتقدمين والمتأخرين نجد الفرق واسعًا، فلا مداناة فضلا عن المساواة، إذ العلماء المتقدمون قد جمعوا بين العلم والعمل، فهم.....................

أحق وأتقى وأقرب للتقوى". ثم نقض ابن محمود كلامه؛ حيث وصف العلماء المتقدمين بالتغفيل، فزعم أنهم يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم، ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مؤمن بالله، قال: "ولهذا أكثروا من أحاديث المهدي المتنوعة والمتضاربة والمختلفة، حتى بلغت خمسين حديثًا في قول الشوكاني، والسبب أن من عادة علماء السنة المتقدمين عمل التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة؛ كأحاديث المهدي، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وما كان من قبيل ذلك فلا يتكلفون في نقدها، ولا إخضاعها للتصحيح ولا التمحيص، لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن العلماء المتقدمين كما وصفهم ابن محمود في أول كلامه بأنهم قد جمعوا بين العلم والعمل، وأنهم أحق وأتقى وأقرب للتقوى من المتأخرين، وأن الفرق بينهم وبين المتأخرين واسع، فلا مداناة فضلا عن المساواة، ولو أن ابن محمود ثبت على هذا القول لكان على الصواب، ولكنه قد قال فيهم بخلاف ذلك في صفحة (8)؛ حيث زعم أن من عادتهم أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وقال في صفحة (5): وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضا، وقليل منه المحققون، فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث - يعني أحاديث المهدي- للتصحيح والتمحيص والجرح والتعديل، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها، ففي هذا الموضع فضل العصريين على العلماء المتقدمين، وزعم أن العلماء المتقدمين مقلدة، وزعم أن العصريين المتهجمين على أحاديث المهدي هم المحققون؛ لأنهم أخضعوا أحاديث المهدي لتصحيحهم وتمحيصهم، وردوها ولم يقبلوها. فكلام ابن محمود ينقض بعضه بعضًا، فهو كما قال الشاعر: يومًا يمان إذا ما جئت ذا يمن... وإن أتيت معديًا فعدناني وقد تقدم الجواب عما ذكره في صفحة (5) وصفحة (8) في أول الكتاب وفي أثنائه فليراجع.1
وأما قوله في العلماء المتقدمين: إنه يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم، ويستبعدون تعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مؤمن بالله، فهذا مردود عليه.
وكذلك قوله: إن من عادة علماء السنة المتقدمين عمل التساهل فيما يرد من..................................

أحاديث أشراط الساعة.... إلى آخر كلامه، فهذا كله مردود عليه؛ لأنه يقتضي الطعن في علماء السنة المتقدمين، ورميهم بالتغفيل وقلة العناية والاهتمام بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن علماء السنة المتقدمين كانوا على خلاف ما يظنه ابن محمود فيهم، فقد كانوا على غاية من النباهة والذكاء والفطنة، فلا تخفي عليهم أحاديث الكذابين والوضاعين، ولا تروج عليهم الأحاديث الضعيفة والواهية والمنكرة، وقد أعطاهم الله من الحفظ والإتقان والعناية بالأحاديث، وتمييز الصحيح من الضعيف والواهي والموضوع، وبيان الكذابين والوضاعين والتحذير منهم، ما هو معروف عند أهل العلم والإنصاف.
ولو طالع ابن محمود "تذكرة الحفاظ" للذهبي لرأي فيها ما يخالف ظنه في علماء السنة المتقدمين، وكذلك لو طالع "تهذيب الكمال" للمزي، و "تهذيب التهذيب" لابن حجر لرأي فيهما ما يخالف ظنه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في المهدي ليست متضاربة ولا مختلفة كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما التضارب والاختلاف واقع في أوهامه وتخيلاته.
الوجه الثالث: أن يقال: يفهم من فحوى كلام ابن محمود أنه يتشكك في أحاديث الدجال، ويأجوج ومأجوج، وما كان من قبيل ذلك من أشراط الساعة؛ مثل نزول عيسى ابن مريم، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، والخسوفات الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك حسر الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، ويرى أن علماء السنة المتقدمين قد تساهلوا فيما ورد من هذه الأحاديث، وأنهم لم يتكلفوا في نقدها وإخضاعها للتصحيح والتمحيص، الذي معناه عند ابن محمود ردها وقلة المبالاة بها، كما فعل ذلك بأحاديث المهدي حين أخضعها للتصحيح والتمحيص على حد زعمه، ثم حكم عليها بأنها مختلقة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، فهذا حاصل تصحيح ابن محمود وتمحيصه لجميع الأحاديث الواردة في المهدي، ولم يفرق بين الصحيح منها والحسن والضعيف المنجبر، وبين المنكر والموضوع، بل جعل الجميع على حد سواء، وحكم على الجميع بالرد والإطراح، مع وصفها كلها بأقبح الصفات، وقد قال الله -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، وقال -تعالى- في صفة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
فمن كذَّب الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في...........

المهدي فلا شك أنه قد كذب بما لم يحط بعلمه ولم يأته تأويله، وتكذيب خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ليس بالأمر الهين، ومن أنكر خروج المهدي ولم يبال برد الأحاديث الثابتة فيه فغير مستبعد منه أن ينكر بقية الأشراط، ولا يبالي برد ما جاء فيها من الأحاديث الصحيحة، نعوذ بالله من عمى البصيرة ومن الخذلان، وقد روى الترمذي وحسنه، عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ».
وأما قوله: لعلمهم أنها أخبار آخرة متأخرة.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها، كلها من أخبار الدنيا، وليست من أخبار الآخرة، كما قد توهم ذلك ابن محمود.
الوجه الثاني: أن يقال: إن علماء السنة المتقدمين لم يكونوا يتساهلون في نقد الأحاديث الواردة في أشراط الساعة، ولا في نقد الأحاديث الواردة فيما يكون بعد قيام الساعة، بل كانوا ينقدون الكل، كما كانوا ينقدون أحاديث الأحكام والحلال والحرام، فيقبلون من ذلك ما كان صحيحًا أو حسنًا، ويستشهدون بالأحاديث الضعيفة المنجبرة، ويردون ما سوى ذلك من الأحاديث الواهية والمنكرة والموضوعة، ومن كان له أدنى معرفة بالحديث لم يخف عليه ذلك، ومن خفي عليه ذلك فلا يجوز له أن يتكلف ما لا علم له به، ولا أن يقول على علماء السنة المتقدمين بما لم يقولوه، ولا أن يرميهم بما ليس فيهم من التغفيل والتساهل.
وقال ابن محمود في صفحة (23) وصفحة (24): "وإنه لولا حادث الحرم الشريف بمكة لما تكلفت تأليف هذه الرسالة، لاعتقادي أن المهدي وما يقال فيه ليس من عقيدة أهل السنة، فلم أعطه حظًا من الاحتفال به، وإنه وما يقال فيه وعنه ما هو إلا حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر، ويزيد كل واحد فيها ما يريد".
والجواب: أن يقال: إن تأليف ابن محمود لرسالته في إنكار خروج المهدي من أعظم الضرر عليه؛ لأنه قد حارب الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ونبذها وراء ظهره، وزعم أنها مختلقة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وهذا من أقبح الرد لأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخباره الثابتة.............................................

عنه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "، وقال أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة"، وقال أيضًا: "كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وقد ذكرتُ أقوال بعض العلماء في التشديد على من يرد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليراجع ذلك في أول الكتاب1، ففيه رد على ابن محمود ومن نحا نحوه في رد الأحاديث الثابتة.
وأما قوله: لاعتقادي أن المهدي وما يقال فيه ليس من عقيدة أهل السنة.... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: كل ما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب فالإيمان به واجب وهو من عقائد أهل السنة؛ ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان؛ لأنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عدة أوجه أنه أخبر بخروجه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
ومن لم يؤمن بخروج المهدي فلا شك أنه فاسد العقيدة، وأن عقيدته في المهدي مخالفة لعقيدة أهل السنة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (24): "والذي جعل أمر المهدي يستفحل بين أهل السنة من المسلمين وكان بعيدًا عن عقيدتهم، هو عجز العلماء المتقدمين وكذا العلماء الموجودين على قيد الحياة، فلم نسمع بأحد منهم رفع قلمه، ولا نطق ببنت شفة في التحذير من هذا الاعتقاد السيئ، وكونه لا صحة له، اللهم هل بلغت؟ بل إنهم ينكرون على من يقولون بإنكاره، فيزيدون الحديث علة والطين بلة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن خروج.........

المهدي في آخر الزمان من أنباء الغيب التي أخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث، بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، وذكرت مرارًا أن الإيمان بالغيوب الماضية والغيوب الآتية هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأن من خالف الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبال بردها وإطراحها فهو فاسد العقيدة، وقال البربهاري: إنه متهم على الإسلام، وقال ابن شاقلا: إنه قد تهجم على الإسلام.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الاعتقاد السيئ في الحقيقة هو اعتقاد ابن محمود ومن كان على شاكلته من العصريين، الذين ينكرون ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خروج المهدي في آخر الزمان، ولا يبالون بردِّ الأحاديث الثابتة فيه، فأقوال هؤلاء في إنكار المهدي هي البعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة.
الوجه الثالث: أن ابن محمود أنكر على العلماء المتقدمين والعلماء الموجودين، ووصفهم بالعجز من أجل سكوتهم عن التحذير من اعتقاد خروج المهدي، وكونه لا صحة له على حد زعمه، وهذا من أغرب الأقوال، وهو من الدعاء إلى الضلالة، وقد أعاذ الله العلماء المتقدمين من هذه الضلالة، ونرجو من الله أن يعيذنا ويعيذ إخواننا المسلمين ممن كان موجودًا على قيد الحياة ومن سيأتي بعد ذلك من قبول هذه الضلالة، كما نرجوه -سبحانه- أن يرد ابن محمود ومن قال بقوله إلى الصواب، وأن يعيذنا وإياهم من خطوات الشيطان ونزغاته.
وأما قوله: اللهم هل بلغت؟ فجوابه: أن يقال: نعم إنك قد بلغت الباطل والضلال، حيث زعمت وكررت زعمك أن أحاديث المهدي مختلقة ومصنوعة وموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وقد بذلت جهدك في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وخالفت ما عليه أهل السنة قديمًا وحديثًا من قبولها، والتسليم لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورميت الثقات الأثبات من رواة الأحاديث الثابتة في المهدي بالزندقة والكذب والتزوير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما هو مذكور في صفحة (19) من رسالتك، التي هي ضرر محض عليك وعلى من اغتر بكلامك، أما تخشى أن تحشر في زمرة المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ أما تخشى أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وأن يكون عليك من الإثم مثل آثام من تبعك واغتر برسالتك؟ والأولى لك أن..

جارٍ التحميل