". انتهى.
ذكره في الكلام على قوله في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» وهو في "باب نزول عيسى ابن مريم" من أحاديث الأنبياء.
وروي أبو داود والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وفي هذا الحديث والحديثين قبله أبلغ رد على مجازفة ابن محمود.
وأما قوله: كما ذُكر عن الإمام أحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، ذكروا ذلك في ترجمة ابن سعد، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي".
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: أتدري فيمن تتكلم يا ابن محمود؟ أما لك عقل يحجزك عن التهجم على إمامين عظيمين من أئمة المسلمين، قد رفع الله قدرهما عند المسلمين، وجعل كلا منهما إمامًا يقتدي به؟ وأنت تخالف المسلمين فترميهما بالتقليد، وتزعم أنهما ممن ينقل الحديث والقول على علاته، ومن له أدنى عقل وعلم يعلم براءتهما مما رميتهما به، ثم تزعم أيضًا أن الإمام أحمد كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وأن الشافعي كان يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إليَّ حتى أثبته في كتابي"، ألا تتثبت يا ابن محمود فيما تكتبه وما تقوله في أئمة المسلمين؟ أما تخشى أن تكون داخلا في عموم قول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؟ الوجه الثاني: أن يقال: إن الشافعي وأحمد كانا يذمان التقليد وينهيان عنه، فكيف يظن بهما أنهما كانا ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقهما؟ وكيف يظن بأحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه؟ هذا قول ظاهر البطلان.
الوجه الثالث: أن يقال: قد روى الخطيب في "تاريخ بغداد"، عن إبراهيم الحربي، قال: "كان أحمد بن حنبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن إسحاق إلى ابن سعد؛ يأخذ منه جزئين من حديث الواقدي، فينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى، ثم يردهما ويأخذ غيرهما"، وقد ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" والمزي في "تهذيب الكمال" وابن حجر في "تهذيب التهذيب" هذا ما ذكروه في ترجمة محمد بن سعد، وذكره الخطيب في ترجمة الواقدي، لا ما قاله ابن محمود من الوهم والغلط، وما آفة الأخبار إلا رواتها.
وإنما كان أحمد -رحمه الله تعالى- يأخذ الأجزاء من حديث الواقدي وينظر فيها؛....
ليطلع على ما فيها من قلب الأحاديث وتركيب الأسانيد، وما كان يتهم به الواقدي من وضع الأحاديث، وغير ذلك من الأمور السيئة التي ينبغي النظر فيها، والتحذير منها ومن أهلها، وقد ذكر الذهبي في "الميزان" عن الإمام أحمد أنه قال في الواقدي: "هو كذاب، يقلب الأحاديث، يلقي حديث ابن أخي الزهري على معمر ونحو ذا"، وذكر أيضًا عن ابن المديني وأبي حاتم والنسائي أنهم قالوا: "الواقدي يضع الحديث".
وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن علي بن المديني قال: "قال لي أحمد بن حنبل: أعطني ما رواه - يعني الواقدي- عن ابن أبي يحيى، قال: قلت: وما تصنع به؟ قال أنظر فيها أعتبرها، قال: ففتحها ثم قال: اقرأها عليَّ، قال: قلت: وما تصنع به؟ قال: انظر فيها، قال: قلت له: أنا أحدث عن ابن أبي يحيى، قال لي: وما عليك، أنا أريد أن أعرفها وأعتبر بها، قال: فقال لي بعد ذلك أحمد: رأيت عند الواقدي أحاديث قد رواها عن قوم من حديث ابن أبي يحيى قلبها عليهم".
وروى الخطيب أيضًا عن علي بن المديني قال: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: الواقدي يُركِّب الأسانيد"، وروى أيضًا عن إسحاق الكوسج قال: "قال أحمد بن حنبل: كان الواقدي يقلب الأحاديث، كأنه يجعل ما لمعمر عن ابن أخي الزهري، وما لابن أخي الزهري لمعمر".
قلت: ولو قُدِّر أن الإمام أحمد كان ينقل الأجزاء من حديث الواقدي للغرض الذي ذكرنا، لما كان في ذلك بأس، ولكن لم ينقل عنه أنه كان ينقلها، وإنما نقل عنه أنه كان ينظر فيها فقط، ولم يكن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يروي عن الواقدي ولا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، حتى يُظن به أنه كان ينقل الحديث والقول على علاته من كتب الواقدي أو من طبقات ابن سعد.
الوجه الرابع: أن يقال: إن العلماء من أهل السنة والجماعة منذ زمان أحمد إلى زماننا قد أجمعوا على تعظيم أحمد والثناء عيه، ولم يُذكر عن أحد من المتقدمين منهم ولا من المتأخرين أنه عاب أحمد بشيء أو طعن فيه أو تنقصه، وإنما كان ينقل ذلك عن أحمد بن أبي دؤاد وأصحابه من الجهمية، وعن الجاحظ وأضرابه من المعتزلة، والعاقل لا يرضى لنفسه أن يكون من أتباع هؤلاء الفسقة.
وقد روى الخطيب بإسناده، عن سفيان بن وكيع أنه قال: "أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد فهو عندنا فاسق"، وروي أيضًا بإسناده عن أبي جعفر محمد بن بدينا...............
الموصلي قال: أنشدني ابن أعين في الإمام أحمد بن حنبل: أضحى ابن حنبل محنة مأمونة... وبحب أحمد يعرف المتنسك وإذا رأيت لأحمد متنقصًا... فاعلم بأن ستوره ستهتك وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن أبي علي الحداد، أنه روى بإسناده عن أحمد بن إبراهيم الدورقي أنه قال: "من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام"، وقد رواه الخطيب البغدادي من طريق أبي يعلي التميمي، وهو أبو يعلي الموصلي- قال: سمعت أحمد بن إبراهيم- يعني الدورقي- يقول... فذكره بمثله، وقد ذكره المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي يعلي الموصلي قال: سمعت أحمد بن إبراهيم الدورقي يقول... فذكره بمثله، وذكره أيضًا الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن أحمد بن إبراهيم الدورقي.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": "سمعت أبا جعفر محمد بن هارون المخرمي المعروف بالفلاس يقول: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع ضال"، وروى ابن أبي حاتم أيضًا بإسناده إلى قتيبة بن سعيد أنه قال: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة"، وروى أيضًا بإسناده إلى قتيبة بن سعيد أنه قال: "إذا رأي الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه على الطريق"، وقال عبد الرحمن أيضًا: "سمعت أبي يقول: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة".
ونقل القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن أبي على الحداد أنه روى بإسناده عن محمد بن الحسين الأنماطي، قال: "كنا في مجلس فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وجماعة من كبار العلماء، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون فضائله، فقال رجل: لا تكثروا بعض هذا القول، فقال يحيى بن معين: وكثرة الثناء على أحمد بن حنبل تستنكر؟! لو جلسنا مجلسًا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها"، وقد رواه الخطيب البغدادي عن أبي نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرنا محمد بن الحسين الأنماطي... فذكره بمثله.
فهذا قليل من كثير من ثناء أكابر العلماء على الإمام أحمد، وتشديدهم على من يعيبه، ومن أراد الزيادة على ذلك فليرجع إلى الكتب المؤلفة في مناقب أحمد وإلى ترجمته في الكتب التي يذكر فيها تراجم العلماء.
فانظروا أيها المنصفون إلى ما قاله أكابر العلماء في فضل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وكثرة الثناء عليه، ثم انظروا إلى شذوذ ابن محمود ومخالفته لأكابر العلماء، حيث زعم أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وأنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وأنهم ذكروا ذلك في ترجمة ابن سعد.
وأقول: لا صحة لشيء مما زعمه ابن محمود، وقد راجعت ترجمة ابن سعد في عدة كتب من كتب التراجم والتواريخ، فما رأيت أحدًا منهم ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وإنما ذكروا عنه أنه كان يرسل إلى ابن سعد يستعير منه أجزاء من حديث الواقدي، فينظر فيها ليعرفها ويعتبر بها ثم يردها، وبين استعارة الاجزاء لنقلها وبين استعارتها للنظر فيها ومعرفتها والاعتبار بها فرق شاسع، ولكن ابن محمود حرف الكلام ليتسنى له الطعن في الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، فأين الأمانة في النقل يا ابن محمود؟ وأين التقوى والخوف من الله؟! الوجه الخامس: ما ذكره القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة": "عن الربيع بن سليمان، قال: قال لنا الشافعي -رضي الله عنه-: "أحمد إمام في ثمان خصال؛ إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة"، قال القاضي: وصدق الإمام الشافعي في هذا الحصر".
انتهى.
ولا أعلم عن أحد من العلماء أنه أنكر شيئا من هذه الخصال التي وصف بها الشافعي أحمد بن حنبل، وإذا كان أحمد إمامًا في الورع، فكيف يظن به أنه كان ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وأنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه؟ هذا قول ظاهر البطلان، وهو من ظن السوء بأحمد، ولا شك أن أحمد منزه عن هذا الظن السيء.
الوجه السادس: أن يقال: إن المنصف عندما ينظر في مجازفة ابن محمود التي زعم فيها أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، يجد أن ابن محمود نفسه قد وقع فيما هو أعظم من ذلك؛ حيث أنه كان ينقل الغث والسقيم من أراء العصريين وتخرصاتهم وأقوالهم الباطلة، ويعتمد.................................
عليها في مخالفة الأحاديث الثابتة وإطراحها، ويجد أيضًا أنه يسوق كلام بعض العصريين بالنص أو ببعض التصرف في العبارة، ولا ينسبه إليهم بل يجعله من كلام نفسه، ويجد أيضًا أنه يتقول على بعض العلماء، وينسب إليهم أقوالاً لا توجد في كتبهم، ولم ينقلها العلماء الأمناء عنهم، ولا سيما في الحكم على بعض الأحاديث بالضعف أو الوضع، وقد بينت ذلك في مواضعه من هذا الكتاب، وأشرت إلى مواضع ذلك في رسالة ابن محمود ليراجعه من أراد الوقوف عليه.
وأما قوله: وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي".
فجوابه: أن أقول: إني لم أر هذا منقولا عن الشافعي، وإنما المنقول عنه ما ذكره ابن القيم في "إعلام الموقعين" عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال: "قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح لكم الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقولوا لي حتى أذهب إليه"، وقد رواه أبو نعيم في "الحلية"، عن سليمان بن أحمد الطبراني، قال: "سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرونا به حتى نرجع إليه"، وروى أبو نعيم أيضًا عن الطبراني قال: "سمعت عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: يا أبا عبد الله، أنت أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا"، ورواه القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناده إلى عبد الله بن الإمام أحمد قال: "قال لي أبي: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني، إن شاء أن يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا" قال القاضي أبو الحسين وهذا من دين الشافعي حيث سلَّم هذا العلم لأهله.
قلت: وعلى تقدير أن يكون الشافعي قال للإمام أحمد إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي فهذا ليس من التقليد كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما هو من الرواية بالإجازة، وذلك جائز ومعمول به عند المحدثين.
وأما قول ابن محمود: وكذلك سائر علماء كل عصر ينقل بعضهم عن بعض... إلى آخر كلامه.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لا أعلم أحدًا قبل ابن محمود عاب رواية المحدثين بعضهم عن بعض وجعل ذلك من التقليد، وكذلك لا أعلم أحدا قبله عاب نقل بعض العلماء كلام البعض الآخر وجعل ذلك من التقليد، فهذا قول باطل أحدثه ابن محمود وانفرد به، وهو مردود عليه.
الوجه الثاني: أن يُقال: إن بعض العلماء إذا نقلوا الحديث أو القول عن البعض الآخر صححوا الصحيح منه وقبلوه، وزيفوا الزائف منه وروده، ومن كان هكذا فهو مجتهد وليس بمقلد، ومن زعم أنه مقلد فهو يعرف الفرق بين الاجتهاد والتقليد، وأما من ينقل الحديث أو القول وهو لا يعرف الفرق بين الصحيح منه وغير الصحيح بل يقبله على ما فيه فهذا هو المقلد، وليس كل المحدثين والفقهاء في كل عصر من المقلدين كما زعمه ابن محمود، بل منهم المجتهدون ومنهم المقلدون.
وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأكثر المحدثين في زمانهم وقبله وبعده كلهم من المجتهدين كما لا يخفى على من له علم ومعرفة بهم.
الوجه الثالث: أن يقال: إن انتشار أحاديث المهدي في كتب المعاصرين لأبي داود ومن قبلهم ومن بعدهم، مثل انتشار أحاديث الإيمان، والعلم، والأحكام، والفضائل، وتفسير القرآن، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، وما جاء في ذكر القيامة، والجنة والنار، وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة والأحاديث الموقوفة التي قد خرجها أهل العلم في كتبهم، وأعني بها كتب المعاصرين لأبي داود ومن قبلهم ومن بعدهم، فكثير من الأحاديث التي أشرنا إليها تُخرَّج بالرواية من كتاب إلى كتب كثيرة، ومن عالم إلى ألوف من العلماء، فإذا كان ابن محمود يرى أن الناس كلهم مقلدة، وأن رواية العلماء بعضهم عن بعضهم من التقليد المذموم، فمعنى هذا إبطال الأحاديث كلها، والقضاء على السنة بالكلية، ولا فرق إذا بين الصحيحين وغيرهما من الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من كتب الحديث، ولا بين أحاديث المهدي وغيرها من الأحاديث.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- قد أقام للسنة المحمدية جهابذة نقادًا، بينوا أحوال الرواة وميزوا الثقات من المجروحين، وبينوا أسماء الوضاعين، وميزوا الأحاديث الصحيحة والحسنة من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والواهية والموضوعة، ونبهوا على ما يقع في بعض الأسانيد والمتون من الأخطاء، ولم يتركوا شيئًا مما يتعلق بالأحاديث............
والمحدثين إلا وقد نبهوا عليه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ فلقد تركوا الأمر واضحًا جليًا لمن أراد الله هدايته، ومن أراد الله فتنته وشقاءه فلا حيلة في الأقدار.
الوجه الخامس: أن يقال: إن ابن محمود قد وقع فيما هو أسوأ مما عاب به العلماء المحدثين والفقهاء المتقدمين وسائر علماء كل عصر، وذلك لأنه قد نقل في رسالته من كتب العصريين، وأكثر النقل عنهم، واعتمد على أقوالهم الباطلة في رد أحاديث المهدي وتكذيبها, وبعض العصريين يقلد بعضًا في رد أحاديث المهدي، كما لا يخفى على من نظر في كتبهم، وقد نقل ابن محمود أقوالهم على علاتها، فوقع في العيب الذي عاب به المحدثين والفقهاء وسائر العلماء، وحكم على نفسه بأنه من المقلدة وليس من المحققين المجتهدين، وهذا الحكم لازم له من كلامه الذي تقدم ذكره شاء أم أبى، وسأذكر نقوله عن العصريين وأتبعها بالرد -إن شاء الله تعالى-، وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: يا أيها الرجل المُعلِّم غيره... هلَّا لنفسك كان ذا التعليم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى... بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم ثم إنه يظهر من كلام ابن محمود مع نقله عن العصريين واعتماده على أقوالهم، أنه يرى أنهم هم القليل المحققون المجتهدون المعدودون عنده من أهل العلم؛ لكونهم قابلوا أحاديث المهدي بالرد والإطراح، وأما من سواهم من العلماء من المتقدمين والمتأخرين فكلهم عنده من المقلدين؛ لأنهم قابلوا ما صح من أحاديث المهدي بالقبول والتسليم، ولا شك أن هذا من انقلاب الحقائق عند ابن محمود.
وقال ابن محمود في صفحة (8): "وقد عقدت في الرسالة فصلا عنوانه "التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر" شرحتُ فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والإمام أحمد، والحاكم، بما لا مزيد عليه فليراجع، وبينت في الرسالة أن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى".
والجواب: عن هذا سيأتي في الكلام على الفصل الذي ذكره -إن شاء الله تعالى- ويظهر من قوله بما لا مزيد عليه أنه معجب بكلامه، الذي زعم أنه تحقيق، وما هو في الحقيقة إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
وإنه لينطبق عليه قول الشاعر: ودعوة المرء تطفي نور بهجته... هذا بحق فكيف المدعى زللا وقال ابن محمود في صفحة (8): "وقد أسلفنا كلام الشيخ ابن تيمية -رحمه الله- فيها، وأن طائفة أنكروها بتاتًا، ومثله العلامة ابن القيم -رحمه الله- فقد قال في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف": "اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال؛ أحدها أنه المسيح ابن مريم وهو المهدي على الحقيقة، الثاني أنه المهدي ابن المنصور الذي ولى من بني العباس وقد انتهى زمانه، الثالث أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وأكثر الأحاديث على هذا، الرابع قول الإمامية، وأنه محمد بن الحسن العسكري".
فهذه الأقوال على اختلافها تدل على أن القضية هي موضع نزاع وخلاف في قديم الزمان وحديثه، وليست بموضع اتفاق".
والجواب: أن يقال: أما كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقد تقدم الجواب عنه1، وأن فيه ردًا على ابن محمود؛ لأن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- قد صرح أن الطائفة التي أنكرت أحاديث المهدي قد غلطت في الإنكار، وصرح أيضًا أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، وقد رد الشيخ على من أنكرها، فليراجع ما تقدم.
وأما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقد ذكر ثلاثة أقوال لأهل السنة، وقولا رابعًا للرافضة الإمامية، ورجح القول الثالث من أقوال أهل السنة؛ وهو أن المهدي رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، من ولد الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، قال وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وقد تقدم كلامه في أول الكتاب فليراجع2، وتقدم أيضًا عنه أنه صحح حديثي ابن مسعود وأبي هريرة في ذكر المهدي، وقال في رواية أبي داود عن أبي سعيد إسناده جيد، وقال في حديث أم سلمة أنه حسن ومثله مما.................................................................
يجوز أن يقال فيه صحيح، وقال في حديث جابر الذي رواه الحارث بن أبي أسامة إسناده جيد، فكلام ابن القيم فيه أبلغ رد على ابن محمود وليس فيه تأييد لقوله، وقد اختصر ابن محمود كلام ابن القيم اختصارًا يخل به، وحذف منه ما فيه حجة عليه؛ وهو ما صرح به ابن القيم من التصحيح لبعض أحاديث المهدي وتقرير خروجه في آخر الزمان، وما رجحه من أقوال أهل السنة، وذكر أن الأحاديث تدل عليه.
ولا يخفى ما في صنيع ابن محمود من التلبيس وعدم الأمانة في النقل، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: "إن أهل السنة ينقلون ما لهم وما عليهم، وإن أهل البدعة ينقلون ما لهم ولا ينقلون ما عليهم"، وما ذكره عن أهل البدعة فهو مطابق لصنيع ابن محمود في هذا الموضع وفي عدة مواضع من رسالته غاية المطابقة.
وأما قول ابن محمود: فهذه الأقوال على اختلافها تدل على أن القضية موضع نزاع وخلاف في قديم الزمان وحديثه وليست بموضع اتفاق.
فجوابه: أن يقال: قد قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾؛ والرد إلى الله تعالى هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه في حياته، وبعد موته إلى سنته، وقد دلَّت الأحاديث الكثيرة على أن المهدي من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فهذا القول هو المعتمد وما سواه فهو مردود.
وقال ابن محمود في صفحة (9): "ومن لوازم قوله أن ما يزعمونه من خروج المهدي المجهول في عالم الغيب أنه لا حقيقة له، لكن المتعصبين لخروجه لما طال عليهم الأمد ومضى من الزمان أربعة عشر قرنًا، وما يشعرني أن يأتي من الزمان أكثر مما مضى بدون أن يروه حتى تقوم الساعة، لهذا أخذوا يمدون في الأجل ليثبتوا بذلك استقامة قولهم عن السقوط، فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى ابن مريم، مع العلم أن الأحاديث التي بأيديهم والتي يزعمونها صحيحة ومتواترة والتي رواها الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، أنها وردت مطلقة لم تقيد بزمن عيسى، إلا حديث صلاة عيسى خلف المهدي، قال الذهبي وعلي القاري أنه موضوع أي مكذوب فسقط الاحتجاج به".
والجواب: أن يقال: أما قول ابن محمود: ومن لوازم قوله أن ما يزعمونه من خروج..
المهدي المجهول في عالم الغيب أنه لا حقيقة له؛ إن أراد أن من لوازم قول ابن القيم إنكار المهدي الذي تزعمه الرافضة وهو محمد بن الحسن العسكري فهذا صحيح بل هو صريح كلام ابن القيم، وإن أراد أن من لوازم إنكار خروج رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر الزمان يسمى المهدي فهذا خطأ، وإلزام لقول ابن القيم بما هو مخالف له، والظاهر من كلام ابن محمود أنه أراد هذا القول الأخير، ولا شك أنه من التقول على ابن القيم؛ لأنه قد تقدم عنه أنه ذكر في المهدي ثلاثة أقوال لأهل السنة؛ ثالثها أنه من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورا وظلمًا فيملؤها قسطًا وعدلا، ثم رجح هذا القول بقوله: وأكثر الأحاديث على هذا تدل.
وأما قول ابن محمود في المهدي أنه مجهول في عالم الغيب.
فجوابه: أن يقال: إن كان المهدي مجهولا عند ابن محمود وأضرابه من العصريين، فهو معلوم عند علماء أهل السنة والجماعة، وقد تلقوا العلم به عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وأما كون المهدي في عالم الغيب الآن، فسبيله سبيل ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع في آخر الزمان؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوف الثلاثة التي يكون أحدها في جزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه، إلى غير ذلك مما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع في آخر الزمان.
فهل يقول ابن محمود بإنكار هذه الأمور كلها من أجل أنها الآن في عالم الغيب، أم يخص الإنكار بالمهدي؟ فإن خص الإنكار بالمهدي طُولِب بالفرق بينه وبين الأمور العظام التي قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقوعها في آخر الزمان، وإن أنكر الجميع فحكم ذلك لا يخفى على طالب العلم.
وأما زعمه أن المهدي لا حقيقة له، فهو من مجازفاته التي قالها من غير تثبت.
وأما قوله: لكن المتعصبين لخروجه لما طال عليهم الأمد بدون أن يروه أخذوا يمدون في الأجل.... إلى آخر كلامه.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان.......
سبيله سبيل الإيمان بما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغيوب الماضية قبل زمانه، والغيوب الآتية بعد زمانه إلى قيام الساعة، وما يكون بعد ذلك، إلى أن يدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، وما يكون بعد ذلك، فمن زعم أن الإيمان بخروج المهدي من التعصب طولب بالفرق بينه وبين غيره من أنباء الغيب، ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا البتة، اللهم إلا أن يكون بالمجازفة والمكابرة في رد الأحاديث الثابتة في المهدي فهذا واقع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التعصب في الحقيقة هو التعصب لآراء العصريين الذين أنكروا خروج المهدي في آخر الزمان، وأنكروا الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فهذا من أقبح التعصب، وأما الإيمان بما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس من التعصب، وإنما هو من تحقيق الشهادة بالرسالة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المهدي سيخرج في آخر الزمان قطعًا كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في عدة أحاديث صحيحة، وليس أحد من الخلق يعلم شيئًا عن طول الزمان الذي يكون قبل خروج المهدي، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
وأما صلاة عيسى ابن مريم خلف المهدي فقد ثبت ذلك في حديث جابر -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده؛ حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر -رضي الله عنه-، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "وهذا إسناد جيد"، وقد رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم -، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله -عز وجل- هذه الأمة» فهذه الرواية الصحيحة تشهد لرواية الحارث بن أبي أسامة، ويشهد له أيضًا ما رواه ابن ماجة، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي، من حديث أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- وهو حديث طويل فيه ذكر خروج الدجال ونزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر:
يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصلِّ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث، وفيه النص على أن إمام المسلمين عند نزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- رجل صالح، والمهدي إنما سمي مهديًا لصلاحه، ولأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا.
وأما قول ابن محمود في حديث صلاة عيسى خلف المهدي: قال الذهبي وعلى القاري أنه موضوع أي مكذوب، فسقط الاحتجاج به.
فجوابه: أن أقول: أما الذهبي فما رأيت له كلامًا في حديث صلاة عيسى خلف المهدي، والظاهر أن ابن محمود قد قال عليه ما لم يقل بدليل ما سيأتي فيما نقله عن علي القاري، فإن كان ابن محمود صادقًا فيما نقله عن الذهبي فليذكر الكتاب الذي وجد فيه ذلك، وليذكر موضعه من الكتاب؛ حتى يبرأ من عهدة النقل، وحتى يراجع كلام الذهبي من أراد الاطلاع عليه.
وأما علي القاري فقد صرح في كتابه "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" بخلاف ما نسبه إليه ابن محمود، وهذا نص كلامه في صفحة (459) من النسخة التي حققها محمد الصباغ، والتي طبعت في بيروت سنة 1391هـ من الهجرة، بعد أن ذكر فضائل بيت المقدس قال: "وكذا ثبت أن المهدي مع المؤمنين، يتحصنون به من الدجال، وأن عيسى -عليه السلام- ينزل من منارة مسجد الشام، فيأتي فيقتل الدجال، ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فيقول المهدي: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما هذه الصلاة أقيمت لك، فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى -عليه السلام- إشعارًا بأنه من جملة الأمة، ثم يصلي عيسى -عليه السلام- في سائر الأيام".
انتهى كلام القاري.
وقد وقع في كلامه تقديم قتل عيسى للدجال على صلاته مع المهدي، وهذا مخالف لما جاء في حديثي جابر وأبي أمامة الباهلي -رضي الله عنهما-؛ أن عيسى يصلي مع المسلمين صلاة الصبح ثم يخرج إلى الدجال فيقتله، وهما حديثان صحيحان، وقد ذكرتهما وذكرت من خرجهما في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة" في "باب ما جاء في فتنة الدجال"، فليراجعهما من أحب الوقوف عليهما.
وإذا علم هذا، فنقول: لو أن رجلا كان في زمان شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، أو في زمان الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن كان في طبقتهم من أئمة الجرح والتعديل، ثم فعل مثل ما فعل ابن محمود فيما نسبه إلى الذهبي، وفي نقله عن علي القاري خلاف ما قال في حديث صلاة عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- خلف المهدي لقال فيه أئمة الجرح والتعديل أعظم قول، وربما ألحقوه بوهب بن وهب القاضي، ومحمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وأمثالهم ممن لا تقبل أحاديثهم ولا يعتد بأقوالهم.
وقال ابن محمود في صفحة (9) وصفحة (10): "وكلام العلماء من المتأخرين كثير، وأعدل من رأيته أصاب الهدف في قضية المهدي هو أبو الأعلى المودودي؛ حيث قال في رسالة اسمها "البيانات عن المهدي" أن الأحاديث في هذه المسألة على نوعين؛ أحاديث فيها الصراحة بكلمة المهدي، وأحاديث إنما أخبر فيها بخليفة يولد في آخر الزمان ويعلي كلمة الإسلام، وليس سند أي رواية من هذين النوعين من القوة حيث يثبت أمام مقياس الإمام البخاري لنقد الروايات، فهو لم يذكر منها أي رواية في صحيحه، وكذلك ما ذكر منها الإمام مسلم إلا رواية واحدة في صحيحة، ولكن ما جاءت فيها أيضًا الصراحة بكلمة المهدي، وقال لا يمكن بتأويل مستبعد أن في الإسلام منصبًا دينيا يعرف بالمهدوية يجب على كل مسلم أن يؤمن به، ويترتب على عدم الإيمان به طائفة من النتائج الاعتقادية والاجتماعية في الدنيا والآخرة، وقال مما يناسب ذكره بهذا الصدد أنه ليس من عقائد الإسلام عقيدة عن المهدي، ولم يذكرها كتاب من كتب أهل السنة للعقائد".
انتهى.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المودودي لم يصب الهدف في قضية المهدي، ولم يقارب الإصابة، بل إنه قد أبعد غاية البعد عن الهدف، وسلك سبيل العصريين الذين تعسفوا في تضعيف أحاديث المهدي، ولم يبالوا بردها.
الوجه الثاني: أن يقال: ليس من شرط الحديث الصحيح الذي يجب قبلوه أن يثبت سنده، أما مقياس البخاري، بل كل ما رواه الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت لا يجوز تركه إلا أن يوجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث آخر يخالفه، فحينئذ ينظر فيهما فإن أمكن الجمع وإلا أخذ بأقواهما، ولو تركت الأحاديث الصحيحة التي لا تثبت أسانيدها أمام مقياس البخاري لترك من السنة................................................
شيء كثير جدًا، وقد روى الإسماعيلي عن البخاري أنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر"، وروى ابن عدي عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: "سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول"، وعلى هذا فإعراض البخاري عن إخراج أحاديث المهدي في صحيحه لا يؤثر في صحتها، لأنه قد صرح أن ما تركه من الصحيح أكثر مما ذكره في صحيحه، وكذلك مسلم فإنه قد قال في صحيحه في آخر "باب التشهد في الصلاة": "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه".
ومما ذكره الإسماعيلي والنسفي عن البخاري وما قاله مسلم في صحيحه، يعلم أنه لا يَقدح في أحاديث المهدي ويحتج بأعراض البخاري ومسلم عن إخراجها في صحيحيهما إلا من هو متكلف ومتعسف في رد الأحاديث الثابتة.
الوجه الثالث: قد ذكرت في أول الكتاب أحاديث كثيرة في ذكر المهدي، وذكرت من صححها من أكابر العلماء، وفي بعضها التصريح باسم المهدي، وفي بعضها الإخبار عنه بأنه من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي دالة على إثبات خروج المهدي في آخر الزمان، وفيها أبلغ رد على من نفى خروجه ومن زعم أنه ليس في الإسلام منصب ديني يعرف بالمهدوية.
الوجه الرابع: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر به من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي فإنه يجب على كل مسلم الإيمان به، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، ويترتب على عدم الإيمان به عدم تحقيق الشهادة بالرسالة، وذلك من أسوأ النتائج الاعتقادية ومما يضر في الدنيا والآخرة، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب على كل مسلم الإيمان بخروجه، كما يجب عليه الإيمان بغير ذلك مما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقع قبل قيام الساعة؛ من خروج الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة، وكذلك الإيمان بالنفخ في الصور، وما يكون بعد ذلك في يوم القيامة، حتى يدخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، وما يكون بعد ذلك.
فكل ذلك من باب واحد يجب على كل مسلم الإيمان بما جاء منه في القرآن وفي الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن رد شيئًا مما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يخشى عليه أن لا يقبل....................
إيمانه بما آمن به مما سواه. وقد تقدم قول البربهاري في كتابه "شرح السنة": "من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم". انتهى، وتقدم له في هذا الموضوع كلام أكثر من هذا، فليراجع.1
وأما قوله: أنه ليس من عقائد الإسلام عقيدة عن المهدي، ولم يذكرها كتاب من كتب أهل السنة للعقائد. فالجواب: عنه قد تقدم في أول الكتاب عند قول ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين "وإن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء" فليرجع إليه.2
وقال ابن محمود في صفحة (10): "والحاصل الذي نعتقده وندين الله به أنه لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر، وأنه لا ينكر على من أنكره، إذ إنكاره لا ينقص من الإيمان، وإنما يتوجه الإنكار على من يجادل في وجوده وصحة خروجه".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، وقال الله -تعالى-: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾، وما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب فهو حق وهو من البصائر التي اطلع الله نبيه عليها، قال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي عدة أحاديث، فمن آمن بها فذلك عنوان على تحقيقه لشهادة أن محمدًا رسول الله، ومن ردها فإنما يرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله وخبره، والرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس بالأمر الهين وعاقبته وخيمة جدًا، فليحذر العاقل أن يكون مشاقًا لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ومتبعًا غير سبيل المؤمنين وهو يحسب أنه من المهتدين.
وقد تقدم قول الإمام أحمد: "كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وتقدم أيضًا قوله في الكلام على قول الله-تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ ". الوجه الثاني: أن يقال: كيف لا ينكر على من استهان بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي وقابلها بالرد والإطراح تقليدًا لبعض العصريين، بل إنه ينبغي التشديد في الإنكار على هذا الضرب من الناس اقتداء بالصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فإنهم كانوا ينكرون أشد الإنكار على من رد شيئًا من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عارضها برأيه، والآثار عنهم في ذلك كثيرة، وقد ذكرتها في الرد على زنديق مصر المدعو بالسيء صالح أبي بكر، فلتراجع هناك.
وأما قوله: وإنما يتوجه الإنكار على من يجادل في وجوده وصحة خروجه.
فجوابه: أن يقال: هذا من قلب الحقائق، وفيه تصديق لما جاء في الحديث الذي رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا» وهذا الحديث ضعيف، ولكن الواقع من بعض الناس يشهد له ويصدقه.
ومن زعم أنه يتوجه الإنكار على من قال بوجود المهدي في آخر الزمان وصحة خروجه، فلازم قوله الإنكار على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه هو الذي أخبر بوجود المهدي في آخر الزمان، ويلزم على قوله أيضا الإنكار على الصحابة الذين رووا الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وعلى من رواها عنهم من التابعين، ومن رواها بعدهم من أكابر العلماء، ومن خرجها من أكابر المحدثين، وعلى الذين صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وعلى الذين قالوا إنها متواترة، فكل هؤلاء يتوجه الإنكار عليهم عند ابن محمود وعلى حد زعمه، وما أعظم ذلك وأقبحه وأسوأ عاقبته.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فصل وقال ابن محمود في صفحة (11) وصفحة (12): "دعوة العلماء والعقلاء إلى الاتحاد على حسن الاعتقاد.
ثم خطب ودعا إلى الجلوس على بساط البحث والتحقيق عن أحاديث المهدي، وما يقال في صحتها وصلاحيتها وما يجب اعتقاده منها، وأتى فيما بين ذلك بكلام كثير لا طائل تحته، ثم تصدر للحكم في أحاديث المهدي بما أداه إليه رأيه وما أخذه تقليدًا عن بعض العصريين، فقال ما نصه: وأنه بمقتضى التحقيق لها والدرس لرواياتها يتبين بطريق اليقين أن فيها من التعارض والاختلاف وعدم التوافق والائتلاف ووقوع الإشكالات وتعذر الجمع بين الروايات ما يحقق عدم صحتها، ويجعل العلماء المحققين من المتأخرين وبعض المتقدمين يحكمون عليها بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وينزهون ساحة رسول الله وسنته عن الإتيان بمثلها، إذ الشبهة فيها يقينية والكذب فيها ظاهر جلي، وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولن يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تحقيقه والتصديق به، ثم يتقدم أحدهم فيحل نفسه محل هذا المهدي المجهول، ويترتب عليه فتنة في الأرض وفساد كبير، وكل الأحاديث التي يوردونها لتحقيق خروجه متناقضة متعارضة ومختلفة غير مؤتلفة، فما يزعمونه صحيحًا منها فإنه ليس بصريح في الدلالة على ما ذكروا، وما يزعمونه صريحًا وفيه ذكر المهدي فإنه ليس بصحيح، وجماع القول إنها كلها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن ابن محمود لم يدعُ إلى الاتحاد على حسن الاعتقاد في أحاديث المهدي، وإنما دعا إلى سوء الاعتقاد الذي يتضمن تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونبذ الأحاديث الثابتة عنه في المهدي وراء الظهر، فهذه حقيقة دعوة ابن محمود، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود لم يدعُ العلماء والعقلاء إلى الجلوس على بساط البحث والتحقيق عن أحاديث المهدي كما زعم، وإنما دعاهم في الحقيقة إلى اتباعه.......
والأخذ برأيه الذي تلقاه تقليدًا عن رشيد رضا وأحمد أمين وغيرهما من العصريين؛ وهو القدح في أحاديث المهدي والحكم عليها بأنها مصنوعة وموضوعة، وهذا ظاهر من كلامه الذي سُقناه. الوجه الثالث: أن يقال: إن كلمة الحق وقول الصدق والاعتصام بحبل الله لا يكون في رد الأحاديث الثابتة ونبذها وراء الظهر، وإنما يكون ذلك في مقابلتها بالقبول والتسليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾. الوجه الرابع: إن كلام ابن محمود الذي سُقته ههنا قد تقدم بعضه فيما نقلته من صفحة (6) وصفحة (7) من كتاب ابن محمود، وقد تقدم الجواب عنه فليرجع إليه.1
الوجه الخامس: أن أقول: قد ذكرت في أول الكتاب2عن عدد كثير من العلماء المتقدمين أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والهيثمي.
وما علمت عن أحد من العلماء المتقدمين أنه حكم على أحاديث المهدي كلها بالضعف، فضلا عن الحكم عليها بأنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وهذه المبالغة في ذم الأحاديث الثابتة في المهدي لم تذكر عن أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، وإنما هي من اختراع ابن محمود ومجازفته، وسيقف بين يدي حَكَم عدل لا يظلم مثقال ذرة.
فأما المتأخرون من العصريين فلا تستغرب منهم المكابرة في رد الأحاديث الثابتة والحكم عليها بالوضع؛ لأن كثيرًا منهم أهل جراءة على الكلام في الأحاديث والقدح فيها بغير حجة، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وغير الغربيين، ومن طالع كتبهم وتعاليقهم على الكتب رأى من ذلك الشيء الكثير، ومن زعم أنهم محققون في الحديث فهو لا يعرف التحقيق ولا المحققين.
الوجه السادس: أن يقال: إن العلماء الذين صححوا الصحيح من أحاديث المهدي وضعفوا الضعيف منها هم المحققون على الحقيقة، وقد ذكرت كثيرًا منهم..............
في الكلام على قول ابن محمود في صفحة (4): "وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة" فليراجع.1
الوجه السابع: أن يقال: إن تنزيه ساحة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته عن الإتيان بمثل أحاديث المهدي لا يقوله عاقل؛ لأن تنزيه ساحة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته إنما يكون عما فيه عيب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ما يقتضي الغض منه أو من سنته، أو التنقص له أو لسنته، أو الاستهزاء به أو بسنته، وليس في أحاديث المهدي شيء من ذلك البتة، وإنما فيها الأخبار عن إمام صالح من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورا وظلمًا، فهل يقول عاقل إن البشارة بخروج الإمام الذي يكون بهذه الصفة مما تنزه عنه ساحة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته؟! كلا لا يقول ذلك عاقل أبدًا، وإنما يقوله من هو مصاب في دينه وعقله.
ومن قال بهذا القول الباطل فلا يبعد منه أن يقول بتنزيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته عن كل ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون في آخر الزمان؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوفات الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا.
فهذه الأمور لم يقع منها شيء إلى الآن وستقع في آخر الزمان قطعًا لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإذا علم هذا، فنقول للذي نزه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته عن الإتيان بأحاديث المهدي: هل تقول بتنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته عن جميع الأمور التي تقدم ذكرها، أم تخص التنزيه بأحاديث المهدي؟ فإن قال بالأول فقد شاقق الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتبع غير سبيل المؤمنين شاء أم أبى، ولا يظن بأحد من المسلمين أنه يقول بذلك، وإن خصَّ أحاديث المهدي بالتنزيه طولب بالفرق بينها وبين غيرها من الأمور التي تقدم ذكرها، ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا البتة، اللهم إلا أن يكون بالمكابرة والمجازفة فهذا واقع.
وأما قول ابن محمود: إذ الشبهة فيها يقينية والكذب فيها ظاهر جلي.
فجوابه: أن يقال: هذا من المجازفة، ولا شك أن الأحاديث الثابتة في خروج المهدي خالية من الشبهة ومن الكذب، وقد تقدم إيرادها في أول الكتاب فلتراجع1، وذكرت أيضًا أقوال المحققين في تصحيحها، وقول عدد منهم أنها متواترة، فليراجع أيضًا.2
وأما قوله: وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولن يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به. فجوابه: أن يقال: قد ذكر ابن محمود أكثر هذا الكلام في صفحة (6)، وتقدم الجواب عنه فليراجع.3
وأما قوله: لا يعلم زمانه ولا مكانه.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ليس من شرط الإيمان بخروج المهدي أن يعلم المؤمن بزمانه ومكانه، بل يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه وإن لم يعلم المؤمن بزمانه ومكانه، وكذلك ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن بعض الماضين من الأنبياء وغيرهم، ممن لم يذكر الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - زمانهم ولا مكانهم، فإنه يجب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عنهم وإن لم يعلم المؤمن بزمانهم ومكانهم.
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج القحطاني والجهجاه في آخر الزمان، وأخبر أيضًا بالخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا ولا يعده عدا، ولم يخبر بزمان هؤلاء ولا مكانهم، فهل يؤمن ابن محمود بخروجهم في آخر الزمان وإن لم يعلم بزمانهم ولا مكانهم، أم يقول إنه لا يجب الإيمان بخروجهم من أجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر بزمانهم ولا مكانهم؟! فإن آمن بخروجهم طولب بالفرق بينهم وبين المهدي، ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا، وإن لم يؤمن بخروجهم فما أعظم ذلك وأبشعه؛ لما فيه من رد الأحاديث الثابت بعضها في الصحيحين وبعضها في صحيح مسلم، ولو كان في العلم بزمان المهدي ومكانه فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو................
دنياهم لبيَّن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يهمله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
الوجه الثاني: أن يقال: قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يعلم به زمان المهدي ومكانه؛ فأما زمانه فقد جاء في حديث جابر -رضي الله عنه- الذي رواه الحارث بن أبي أسامة وتقدم ذكره في أول الكتاب1؛أن عيسى -عليه الصلاة والسلام- يصلي خلف المهدي أول ما ينزل، فدل هذا على أن زمان المهدي يكون قبل نزول عيسى وبعد نزوله، ولا يعلم وقت نزول عيسى على التعيين إلا الله -تعالى-، وأما مكانه فقد جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الذي تقدم ذكره في أول الكتاب2؛ أنه يبايع له بين الركن والمقام، وجاء في حديث جابر -رضي الله عنه- أن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- يصلي خلف المهدي أول ما ينزل، فدل على أنه يكون حينئذ في الشام، والله أعلم.
وأما قوله: ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تحقيقه والتصديق به، ثم يتقدم أحدهم فيحل نفسه محل هذا المهدي المجهول، ويترتب عليه فتنة في الأرض وفساد كبير.
فجوابه: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ولم يأمر بالقتال على حساب تحقيقه والتصديق به، ولم يأت عنه أن المهدي يقاتل الناس على التصديق به، بل ظاهر الأحاديث أن ولايته تتم بدون قتال، وجاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن الناس يخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم بعد ذلك يجيء الجيش الذي يريد قتاله فيخسف بهم بالبيداء، وهذا بخلاف من يزعم لنفسه أنه المهدي ويدعو الناس إلى مبايعته ويقاتل الناس على ذلك، فحال هؤلاء الكذابين وأفعالهم تخالف حال المهدي وأفعاله.
وأما قوله: وكل الأحاديث التي يوردونها لتحقيق خروجه متناقضة متعارضة، ومختلفة غير مؤتلفة...... إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره قريبًا.
فجوابه: أن يقال: قد تقدمت هذه الجمل فيما نقلته من صفحة (4) وصفحة (6) وصفحة (7) من كتاب ابن محمود، وتقدم الجواب عنها مفرقًا عند ذكر هذه الجمل، فليراجع ذلك في مواضعه.3
وقال ابن محمود في صفحة (12) وصفحة (13): "لكن قد يعرض لتحقيق ما قلنا قول بعضهم بأن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال بصحة خروج المهدي، وهو العالم المحقق المشهود له بصحيح الرواية وصريح الدراية، وأقول: نعم، وإنني رأيت لشيخ الإسلام قولا يثبت فيه بأنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود، وكنت في بداية نشأتي أعتقد اعتقاد شيخ الإسلام؛ حيث تأثرت بقوله حتى بلغت سن الأربعين من العمر، وبعد أن توسعت في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتعارضها واختلافها، فبعد ذلك زال عني الاعتقاد السيئ والحمد لله، وعرفت تمام المعرفة بأنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هو حبيبنا وليس بربنا ولا نبينا، وقد قيل كم فات على العالم النحرير ما عسى أن ينسب فيه إلى الخطأ والتقصير، وهو كسائر علماء البشر، فلا يحيط بكل شيء علمًا، فقد يحفظ شيئًا وينسى أشياء، إذ الكمال لله -سبحانه- الذي لا راد لحكمه ولا معقب لكلماته، وقد شبهوا زلة العالم بغرق السفينة، يغرق بغرقها الخلق الكثير، وكم غرق في كلمة شيخ الإسلام هذا كثير من العلماء والعوام حين اعتقدوا صحة خروج المهدي، فكان من لقيته من العلماء والعوام يحتج بكلام شيخ الإسلام -رحمه الله-.
ولعل هذا القول خرج منه في بداية عمره قبل توسعه في العلوم والفنون، وهو مجتهد ومأجور على اجتهاده، إذ يقول العالم المحقق قولا ضعيفًا مرجوحًا، فلا يكون المقلد لقوله والمنتصر لرأيه بمثابته في حصول الأجر وحط الوزر، بل فرضه الاجتهاد والنظر، فكم من عالم كان يقول أقوالا في بداية عمره ثم يتبين له ضعفها فيقول بخلافها".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن كلام ابن محمود ظاهر في إعجابه بنفسه، وما أعظم الخطر في ذلك لما رواه الترمذي عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم».
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، قال المنذري: "قوله: "يذهب بنفسه" أي يترفع ويتكبر".
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم تذنبوا لخشي عليكم ما هو أكبر منه، العجب» رواه البزار، قال المنذري والهيثمي: "وإسناده جيد"، وروى البزار أيضًا عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث منجيات..............
وثلاث مهلكات» فذكر الحديث وفيه: «وأما المهلكات؛ فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».
وقد قال الشاعر، وأحسن فيما قال: ودعوة المرء تطفي نور بهجته... هذا بحق فكيف المدعي زللا ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد أتى في هذه الجملة من كلامه بثالثة الأثافي من التهجم على كبار الأئمة والتعسف في طلب العيوب لهم، فقد سبق له أن تهجم على الشافعي وأحمد في صفحة (8)، وأما في هذا الموضع فقد وجه الطعن إلى شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فزعم أن قوله بصحة خروج المهدي من الاعتقاد السيئ الذي ينسب فيه إلى الخطأ والتقصير، وأن كلمته - أي قوله بصحة خروج المهدي- زلة غرق فيها كثير من العلماء والعوام.
هكذا جازف ورمى شيخ الإسلام بما هو بريء منه، وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجة، عن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
والمعنى على أحد الأقوال أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء ولا يبالي، وقد قال الشاعر، وأحسن فيما قال: لا يضر البحر أمسي زاخرًا... أن رمى فيه غلام بحجر الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي، وروى ذلك عنه عدد كثير من الصحابة؛ منهم علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر، وأم سلمة -رضي الله عنهم- وقد ذكرت أحاديثهم في أول الكتاب1، ورواها عن الصحابة جمٌّ غفير من التابعين، ورواها عنهم كثير ممن بعدهم، وخرجها أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم من الأئمة، وصححها كثير من كبار العلماء، ونص كثير منهم على أنها متواترة، وقد ذكرت ذلك في الكلام على قول ابن محمود في صفحة (4) أن أحاديث المهدي غير صحيحة ولا متواترة2، فإذا كان ابن محمود يرى أن القول بخروج المهدي من الاعتقاد السيئ ومن زلات العلماء، وأن من قال ذلك نسب إلى الخطأ والتقصير، قيل له يلزم على قولك أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين رووا عنه أحاديث المهدي.................................................................
متصفين بما قلته في شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن شيخ الإسلام متبع لهم وليس بمبتدع، وكذلك الذين رووا أحاديث المهدي من التابعين ومن بعدهم، ومن خرجها ومن صححها ومن قال إنها متواترة، فكل هؤلاء يلزم على قول ابن محمود أن يكونوا متصفين بما قاله في شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن شيخ الإسلام لم يأت بأحاديث المهدي من عنده ولم ينفرد بتصحيحها، فما قيل فيه من حسن أو ضده فهو متناول باللزوم لمن قال مثل قوله.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الاعتقاد السيئ في الحقيقة هو اعتقاد بعض العصريين، الذين ينكرون خروج المهدي في آخر الزمان ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة فيه ونبذها وراء الظهر، فهؤلاء هم المخطئون وهم المقصرون في الحقيقة، وهم الذين أضلوا الجهال بزلاتهم وأقوالهم الباطلة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقد تأثر ابن محمود بهؤلاء العصريين الذين أشرنا إليهم بعد أن زال عنه التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله من أئمة العلم والهدى، ولا شك أن هذا من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
الوجه الخامس: أن يقال: يفهم من فحوى كلام ابن محمود أنه يرى أنه قد نال بعد توسعه في العلوم والفنون أشياء من العلم فاتت على شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا من الأماني التي يتعلل بها بعض الناس، ولا حقيقة لها في الواقع، وقد قال الشاعر: تلك الأماني يتركن الفتى ملكا... دون السماء ولم ترفع به رأسا الوجه السادس: أن يقال: ما زعمه ابن محمود من توسعه في العلوم والفنون بعد أن بلغ سن الأربعين من العمر قد كان ضررًا عليه وسببًا في دخول الخلل عليه في علمه وعقيدته، وذلك أنه قبل التوسع المزعوم لم يتعرض للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعارضة، ولم يظهر منه ما يدل على الاستخفاف بها وقلة المبالاة بها، فأما بعد التوسع المزعوم فقد صار ذا جراءة على التعرض لبعض الأحاديث الثابتة ونبذها وإطراحها؛ كما فعل ذلك في أحاديث المهدي، وكما يذكر عنه في أحاديث الدجال.................................................
وغير ذلك من أشراط الساعة، ونرجو أن لا يكون ذلك صحيحًا.
ومن أقبح الجراءة وصفه للأحاديث الثابتة في المهدي بأنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، ومن ذلك ز عمه في صفحة (85) أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات والاستسلام للأوهام والخرافات، ومن ذلك تحكمه على الله -تعالى- وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال في صفحة (36) من رسالته في المهدي أن الله -سبحانه- في كتابه، وعلى لسان نبيه، لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك الناس يتقاتلون على التصديق والتكذيب به، وزعم في صفحة (6) وصفحة (58) أن ذلك من المحال، ومن ذلك سخريته واستهزاؤه بالأحاديث الثابتة في المهدي كما في صفحة (46) من رسالته.
وكذلك قد صار ذا جراءة على تغيير بعض الأحكام؛ فمن ذلك إقدامه على الإفتاء بتقديم الرمي في أيام التشريق على الوقت الذي فعله فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال للناس: «خذوا عني مناسككم»، ومن ذلك زيادته على المواقيت التي وقتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للإحرام؛ فقد زاد فيها ميقاتًا لم يشرعه الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهو التوقيت من جدة لركاب الطائرات، ثم أضاف إلى هذا التشريع المبتدع قولا وخيمًا جدًا، وهو قوله: "ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيًا، ويرى كثرة النازلين من أجواء الماء إلى ساحة جدة يؤمون هذا البيت للحج والعمرة، لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها" هكذا قال هدانا الله وإياه.
ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من القول على الله -تعالى- وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بغير علم، وما يلزم على ذلك أيضًا من رمي الدين بالنقص، ومخالفة ما أخبر الله به في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقوله -تعالى- إخبارًا عن موسى -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ما يحتاج الناس إليه من أمور الدين، فمن زاد على بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - فلازم قوله أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قصر في البيان لأمته، فالواجب على ابن محمود أن يبادر إلى التوبة النصوح والرجوع عن هذا القول السيئ وعن غيره من مجازفاته وشطحاته، ومن ذلك قوله بسقوط واجبات الحج عمن لا...........................
يستطيعها بدون استنابة ولا فدية، ومن ذلك تخبيطه في إثبات رؤية الهلال؛ وحثه على تعيين لجنة استهلالية لا يقلون عن عشرين شخصًا، يتفرقون في الجهات، كل فرقة منهم قدر خمسة أشخاص، ويكون مقرهم بمكة، ويكون تنظيم أمرهم عند الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي.
وهذا التشريع من ابن محمود، وما تقدم قبله من تشريعه الميقات من جدة لركاب الطائرات ينطبق عليهما قول الله -تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ولا يخفى ما في تشريع ابن محمود في الهلال من مخالفة السنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حين قبل شهادة ابن عمر -رضي الله عنهما- على رؤية هلال رمضان، فصامه وأمر الناس بصيامه، وكذلك قد قبل شهادة الأعرابي على هلال رمضان لما أخبره بإسلامه، وأمر بلال أن يؤذن في الناس أن يصوموا، وقبل شهادة أعرابيين على رؤية هلال شوال، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قبول شهادة الرجلين على رؤية هلال شوال، ومن ذلك زعمه أنه لا يضحى عن الأموات، وزعمه أن الصدقة بثمن الأضحية أفضل من الأضحية، ومن ذلك إباحته لذبائح الوثنيين والشيوعيين وغيرهم من أصناف الكفرة الذين لا يذبحون على الوجه الشرعي ولا يذكرون اسم الله على الذبيحة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، ومن ذلك إباحته للتأمين الذي هو غرر وجهالة وأكل للمال بالباطل.
ومن ذلك زعمه أن حجر ثمود ليس حجرًا محجورًا، ومعارضته لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدخول عليهم، وعن الشرب من آبارهم، وعن الوضوء منها، واستعمالها في الطبخ، ومن ذلك زعمه أن كل نبي رسول، وأن كل مسلم مؤمن، وأنه لا فرق بين النبي والرسول، ولا بين الإيمان والإسلام، وأعظم من ذلك إنكاره لكتابة القدر، وزعمه أن الكتابة هي العلم، ومن ذلك رميه المحدِّثين والفقهاء المتقدمين بالتقليد ونقل الحديث والقول على علاته، ومن ذلك تهجمه على الشافعي وأحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن ذلك تقوُّله على ابن ماجة، والدارقطني، والعقيلي، والمنذري، وابن القيم، والذهبي، والشاطبي، وابن خلدون، والسيوطي، وعلي القاري1، إلى غير ذلك مما هو موجود في رسائله من غرائب الأخطاء..
والشطحات، يعرف ذلك من تتبع رسائله من أهل العلم والفهم، وأما اللحن في بعض الكلمات والتغيير في ألفاظ بعض الأحاديث التي يوردها، وكذلك التغيير فيما ينقله من كلام بعض العلماء، فذلك كثير جدًا. والله المسئول أن يقيض لرسائله من يتتبعها وينبه على ما فيها من الأخطاء والشطحات التي حصلت له بعد توسعه في العلوم والفنون، لئلا يغتر بها ضعفة العقول والأفهام. وأما قوله: إنني رأيت لشيخ الإسلام قولا يثبت فيه بأنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود. فجوابه: أن يقال: إن كلام شيخ الإسلام مذكور في رده على الرافضي، ولم يقل فيه أنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود، وإنما هذا من تصرف ابن محمود في كلام شيخ الإسلام وعدم أمانته في النقل، وهذا نص كلام شيخ الإسلام، قال: الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره، ثم ذكر أربعة أحاديث عن ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي -رضي الله عنهم-، ثم قال: وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف؛ طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عيه، ثم ذكر الشيخ قول الطائفة الثانية وهم الرافضة الإثنا عشرية، وقول الطائفة الثالثة وهم الذين ادعوا المهدية لأنفسهم كذبًا وزورًا، أو ادعاها فيهم أصحابهم. والمقصود من ذكر كلام شيخ الإسلام هنا بيان أن ما نقله ابن محمود عنه ليس مطابقًا لكلامه. وأما قوله: وعرفت حق المعرفة أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله. فجوابه: أن يقال: أما قوله إنه لا مهدي بعد رسول الله فقد تقدم الجواب عنه في الكلام على عنوان رسالته.1
وأما قوله: وبعد كتاب الله.
فجوابه: أن يقال: إن كتاب الله لا يوصف بأنه مهدي؛ لأن ذلك من صفات الخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين القائمين في ولايتهم بالقسط والعدل، وكلام الله.............
لا يوصف بصفات المخلوقين، وإنما يوصف بأنه هُدى ونور، يهدي به الله من شاء من خلقه.
قال الله -تعالى-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، وقال -تعالى-: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وروى الإمام أحمد ومسلم، عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته بين مكة والمدينة: «أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله -عز وجل- فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث.
وفي رواية لمسلم: «كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ».
وإذا كان ابن محمود لا يعرف الفرق بين الهدى والمهدي فتوسعه في العلوم والفنون عناء لا فائدة فيه، وينبغي له ولأمثاله أن يعرفوا قدر أنفسهم، ولا يتطاولوا على شيخ الإسلام، الذي محله بين العلماء مثل القمر بين الكواكب.
وأما قوله: وكم غرق في كلمة شيخ الإسلام هذه كثير من العلماء والعوام حين اعتقدوا صحة خروج المهدي.
فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من قلب الحقيقة؛ لأن الغارق في الحقيقة هو ابن محمود وأمثاله من الذين تأثروا بأقوال رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين الذين طعنوا في الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي وقابلوها بالرد والإطراح، وأما الذين تمسكوا بالأحاديث الثابتة في المهدي وقابلوها بالقبول والتسليم، فهؤلاء ناجون من الغرق الذي وقع فيه من ذكرنا من العصريين، ومن قلدهم وسار على نهجهم الباطل في مخالفة الأحاديث الثابتة، وقد شبه بعض العلماء سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.
وأما قوله: فكان من لقيته من العلماء والعوام يحتج بكلام شيخ الإسلام -رحمه الله-.
فجوابه: أن يقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لم ينفرد بتصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي، ولم يكن أول من قال بتصحيحها، بل قد سبقه إلى تصحيح بعضها عدد كثير من أكابر العلماء؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي.
وكذلك قد صحح بعضها غير واحد من الحفاظ النقاد الذين كانوا في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كالذهبي، وابن القيم، وكذلك من كان بعدهم من أكابر العلماء ومنهم؛ نور الدين الهيثمي، والحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وهذان الحافظان قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي، وأقراه على ما قاله فيه من التصحيح والتحسين، وكذلك غيرهم من المتأخرين؛ كابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن حسن، وصاحب "عون المعبود"، وصاحب "تحفة الأحوذي"، وأحمد محمد شاكر وغيرهم، وصرَّح غير واحد من الحفاظ النقاد ممن كان زمانهم قبل زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وممن كانوا في زمانه وبعد زمانه أن أحاديث المهدي متواترة، وبهذا يعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ليس بدعا في إثبات خروج المهدي ولا في تصحيح بعض الأحاديث الواردة فيه، فمن عابه بذلك ورماه بالخطأ والتقصير من أجل ذلك، وزعم أن ذلك من زلاته ومن الاعتقاد السيئ، فالعائب هو المعيب في الحقيقة، وهو الذي قد أساء الاعتقاد وارتكب الخطأ والتقصير، وزلَّ أقبح زلة، ويلزم على قوله إطلاق ما ذكره من الصفات الذميمة على جميع من ذكرنا من الأئمة الحفاظ النقاد الذين قالوا مثل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في إثبات خروج المهدي، وصحة بعض الأحاديث الواردة فيه ممن كانوا قبل الشيخ ومن كانوا بعده، وهذا قول سوء يتنزه عنه كل ذي عقل ودين.
وقال ابن محمود في صفحة (13) وصفحة (14): "وفي البخاري: أن موسى لما لقي ذا القرنين في مجمع البحرين، وهاله ما رآه من تصرف ذي القرنين؛ من قتله للغلام، وبنائه للجدار الذي يريد أن ينقض، وخرقه لسفينة المساكين الذين يعملون فيها في التكسب في البحر، فضاق صدر موسى من تصرفه وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت".
والجواب: أن يقال: ما قرره ابن محمود في هذه الجملة؛ من أن الذي لقيه موسى.....
هو ذو القرنين، فهو مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، وكذلك قوله فيما سبق؛ أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، فهو مما حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون، وهذه الأوهام ينزه عنها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والفهم، وكيف خفي على الذي زعم أنه قد توسع في العلوم والفنون أن الذي لقيه موسى هو الخضر وليس ذا القرنين، مع أن ذلك لا يخفى على صغار طلبة العلم، وقد تقدم الجواب عن قوله؛ أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله.
وأما قوله: وفي البخاري؛ أن موسى لما لقي ذا القرنين..... إلى آخر كلامه الذي كرر فيه اسم ذي القرنين ثلاث مرات.
فجوابه: أن يقال: هذا غلط فاحش؛ فإن الذي لقيه موسى -عليه الصلاة والسلام- هو الخضر وليس ذا القرنين، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أُبي بن كعب -رضي الله عنه- وقد كرر فيه اسم الخضر في بعض الروايات ثمان مرات.
وفي رواية لأحمد، والبخاري، ومسلم، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أُبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل، فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا.
فأوحى الله إلى موسى؛ بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه» الحديث، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: "باب حديث الخضر مع موسى -عليهما السلام-".
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن أُبي بن كعب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا».
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وفي رواية لأبي داود قال: «أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: أقتلت نفسًا زكية» الآية.
فأما ذو القرنين؛ فقد روى الأزرقي في "أخبار مكة" عن عطاء بن السائب: "أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره، فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذي القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو ذا بالأبطح، فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذي القرنين: لم لا تركب؟ قال: ما كنت لأركب وهذا يمشي.
فحج ماشيًا" هذا.........
ما ذكره الأزرقي، وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب "المعارف" أنه كان بين إبراهيم وموسى سبع مائة سنة.
وأما قول ابن محمود: فضاق صدر موسى من تصرفه، وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت.
فجوابه: أن يقال: إنما قال الخضر هذا لموسى أول ما اجتمع به، وقبل أن يفعل شيئًا مما أنكره عليه موسى، وقد جاء ذلك في حديث الخضر مع موسى؛ ففيه أن موسى لما سلم على الخضر قال له: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.
ثم انطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة... فذكر الحديث، وفيه ما فعله الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار الذي أزاد أن ينقض، وما أخبر الله به عن الخضر أنه قال لموسى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
وقد التبس الأمر على ابن محمود؛ فزعم أن قول الخضر لموسى أول ما اجتمعا إنما كان عند مفارقته له، وهذا الوهم مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
وقال ابن محمود في صفحة (14): "يا معشر العلماء والمتعلمين والناس أجمعين، إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا واعتقادنا قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لا نبي بعده، كما نعتقد بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخلف وراءه علمًا ولا دينًا يرتجى حصوله ووصوله على يد المهدي من بعده؛ لأن الله -سبحانه- قد أكمل لنا الدين، وأتم به النعمة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من زعم أنه يجب على العلماء والمتعلمين والناس أجمعين أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد أوجب عليهم من التعليم والاعتقاد ما لم يوجبه الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ودعاهم إلى تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخلفاء الراشدين المهديين، وفي المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وفي كون عيسى ابن مريم حكمًا عدلا وإمامًا مهديًا في آخر...........................................................
الزمان، ودعاهم أيضًا إلى مخالفة الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ولا شك أن هذا من الدعاء إلى الضلالة، وقد قال الله -تعالى- فيمن دعا إلى الضلالة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
الوجه الثاني: أن يقال: من قال إنه لا مهدي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلازم قوله نفي المهدية عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- وعن عمر بن عبد العزيز وغيره من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، وكذلك نفي المهدية عن نبي الله عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، ومن قال بهذا القول الباطل واعتقده فقد كابر في رد الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، والذهبي.
ويلزم على هذا القول الباطل أيضًا خرق الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويلزم عليه أيضًا رد ما جاء في الحديث الصحيح؛ أن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- إذا نزل في آخر الزمان يكون إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا، ويلزم عليه أيضًا رد الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في آخر الزمان، وما لزم عليه ما ذكرنا من اللوازم السيئة فهو قول سوء، لا يصدر إلا عن اعتقاد فاسد.
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان ابن محمود يرى أنه يجب عليه أن يكون تعليمه واعتقاده قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما يلزم على هذا القول الباطل من رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومخالفة الإجماع، فإن سائر المتمسكين بالكتاب والسنة يرون أنه يجب عليهم أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على إثبات المهدية للخلفاء الأربعة الراشدين؛ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.......................................
-رضي الله عنهم-، وعلى إثبات المهدية لعمر بن عبد العزيز، وعلى إثبات المهدية لنبي الله عيسى ابن مريم، وهو أفضل المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى إثبات المهدية للرجل الصالح الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا، وهو الذي يسمى بالمهدي، وهو من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -. هذا ما يراه أهل السنة والجماعة ويعتقدونه، ولا عبرة بمن خالفهم من ذوي التكلف والمجازفة.
الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن محمود نفى وجود المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقاس ذلك على نفي وجود الأنبياء بعده، وهذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع وجود الفارق، فإن الأنبياء قد ختموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وأما وجود المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، ودلت عليه أيضًا الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ودل عليه أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا».
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على القياس الفاسد الذي تعلق به ابن محمود.
وليعلم أن أفضل المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبي الله عيسى ابن مريم، وأفضل المهديين بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، فمن نفى صفة المهدية عن نبي الله عيسى وعن الخلفاء الأربعة، وزعم أنه لا مهدي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا شك في فساد عقيدته.
الوجه الخامس: أن يقال: إن طريقة المهدي كطريقة غيره من أئمة العدل، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويجددون ما اندرس من الدين، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، والحاكم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وروى الإمام أحمد، ومسلم، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم -، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله -عز وجل- هذه الأمة»، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة عن جابر -رضي الله عنه-: «فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا».
وإذا علم هذا، فما علمت أحدًا من المسلمين قال إن المهدي يأتي بدين جديد، ولا قال أحد من المسلمين إن الدين ناقص وإن إكماله يكون على يد المهدي، ولا قال أحد من المسلمين إن المهدي يأتي بعلم جديد غير العلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا فما اعتقده ابن محمود ونفى حصوله ووصوله على يد المهدي فكله مبني على التوهم واتباع الظن، وذلك مردود عليه. وقال ابن محمود في صفحة (14) وصفحة (15): "وإننا بكتاب ربنا وسنة نبينا لفي غنى واسع عن دين يأتينا به المهدي المنتظر، إذ المهدي ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، وليس ديننا الذي جاء به كتاب ربنا وسنة نبينا بناقص حتى يكمله المهدي". والجواب عن هذا قد تقدم في الوجه الخامس قبله، وتقدم أيضًا الجواب عن قوله وليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد، مع الكلام على ما ذكره في صفحة (6) فليراجع هناك.1
وقال ابن محمود في صفحة (15): "إن رسول الله قال في مواقف عرفة حين خطبهم تلك الخطبة الطويلة، فقال فيها: لعلكم لا تلقوني بعد عامي هذا، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله، وفي رواية أخرى: وسنتي، ولم يقل: وتركت من بعدي المهدي، إذ إنه لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح صريح أنه ذكر المهدي باسمه".
والجواب: أن يقال: من الاعتصام بالكتاب والسنة تصديق ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي، ومن أنباء الغيب التي أخبر بوقوعها في آخر الزمان خروج رجل من أهل بيته يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، ويسمى بالمهدي.
فيجب الإيمان بخروجه تصديقًا لخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-.
وإذا كان ابن محمود يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حث أمته على الاعتصام بالكتاب والسنة، وأخبرهم أن من اعتصم بهما فلن يضل بعدهما فما له يعرض عن الأحاديث الثابتة في المهدي وينبذها وراء ظهره، ويصفها بالصفات السيئة، فأين اعتصامه بالكتاب والسنة؟ أما يخشى من العقوبة الشديدة على مخالفته لأمر رسول....................................
الله - صلى الله عليه وسلم -، وقلة مبالاته بالأحاديث الثابتة عنه؟! وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان، فلتراجع1ففيها أبلغ رد على ابن محمود، حيث أورد الحديث الذي فيه الحث على الاعتصام بالكتاب والسنة ثم خالفه في أحاديث المهدي، فلم يعتصم بالصحيح والحسن منها، بل قابلها بالرد والإطراح.
وأما قوله: ولم يقل وتركت من بعدي المهدي.
فجوابه: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نوَّه بالمهدي وأخبر عنه في عدة أحاديث، بعضها صحيح وبعضها حسن، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب2، وإنما نوه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمهدي لأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ونهى عن الخروج عليهم، وذلك من الاعتصام بالكتاب والسنة.
وأما قوله: إنه لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح أنه ذكر المهدي باسمه.
فجوابه: أن يقال: بلى، وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية: إن البدار برد شيء لم تحط... علما به سبب إلى الحرمان وقد جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- الذي تقدم ذكره في أول الكتاب3أن اسم المهدي يواطئ اسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن اسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو حديث صحيح كما تقدم بيان ذلك.
وأما لفظة "المهدي" فليست اسمًا، وإنما هي صفة للرجل الذي يلي في آخر الزمان، وهو من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، واسمه محمد بن عبد الله، وقد جاء ذكره بصفة المهدي في روايتين للإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وقد روى إحداهما الترمذي وقال: "هذا حديث حسن".
وجاء ذلك أيضًا في رواية ثالثة عن أبي سعيد -رضي الله عنه- رواها الإمام أحمد، وأبو يعلي، وقال الهيثمي: "رجالهما ثقات".
وجاء ذلك أيضًا في رواية رابعة عن أبي سعيد -رضي الله عنه- رواها الحاكم وصححها، ووافقه الذهبي على تصحيحها.
وجاء ذلك أيضًا في حديث عن علي -رضي الله......................................
عنه- رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وإسناد كل منهما حسن.
وجاء ذلك أيضًا في حديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وجاء ذلك في حديث عن جابر -رضي الله عنه- رواه الحارث بن أبي أسامة، وقال ابن القيم: "إسناده جيد".
وجاء ذلك أيضًا في حديث موقوف عن علي -رضي الله عنه- رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب1، فلتراجع ففيها أبلغ رد على ابن محمود.
وذكر ابن محمود في صفحة (15) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصَّ معاذًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة.
فقلت: وإن زنا وإن سرق.
فقال: وإن زنا وإن سرق.
فقلت: أفلا أبشر بها الناس؟ فقال: لا تبشرهم فيتكلوا.
متفق عليه.
والجواب: أن يقال: قد وهم ابن محمود وغلط، حيث لفَّق هذا الحديث من حديثين، وهذا التلفيق من فوائده التي حصَّلها بعد توسعه في العلوم والفنون.
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» فقد رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، عن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام فبشرني؛ أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق.
قال: وإن زنى وإن سرق» هذا لفظ مسلم في كتاب الإيمان، ونحوه عند البخاري في عدة مواضع من صحيحه.
وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- نحوه، وأما قوله: فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا» فهو طرف من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: كنت ردف النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار يقال له عفير، فقال: «يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد؛ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله؛ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا» هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد، ونحوه في رواية مسلم في كتاب الإيمان، ورواه الإمام أحمد بدون قوله: «فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟... » إلى آخره، وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ذُكِر لي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -............................................................................
قال لمعاذ: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» قال: ألا أبشر الناس؟ قال: «لا إني أخاف أن يتكلوا» هذا لفظ إحدى روايتي البخاري، ونحوه عند أحمد.
وقال ابن محمود في صفحة (15): ومثله إخباره حذيفة بأسماء ثلاثين من المنافقين، وأمره بكتمانها، فكان الصحابة لا يصلون إلا على من صلى عليه حذيفة، ويسمونه صاحب السر المكتوم.
والجواب: أن يقال: قد روى الإمام أحمد ومسلم من حديث أسود بن عامر، حدثنا شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس - وهو ابن عباد- قال: "قلت لعمار: أرأيتكم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي، أرأيًا رأيتموه أو شيئًا عهده إليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ " فقال: ما عهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «في أصحابي اثنا عشر منافقًا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة» وأربعة لم أحفظ ما قاله شعبة فيهم.
هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية له: «ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم».
وفي المسند وصحيح مسلم أيضًا عن أبي الطفيل قال: "كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس"، فقال: "أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة؟ " قال: "فقال له القوم: أخبره إذ سألك"، قال: "كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله إن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا علمنا بما أراد القوم".
وروى الطبراني في الكبير، عن صلة بن زفر، قال: "قلنا لحذيفة: كيف عرفت أمر المنافقين ولم يعرفه أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ولا عمر -رضي الله عنهم؟ "، قال: "إني كنت أسير خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنام على راحلته، فسمعت ناسًا منهم يقولون: لو طرحناه عن راحلته فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينهم وبينه، وجعلت أقرأ وأرفع صوتي، فانتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، فقال: «من هذا؟» فقلت: "حذيفة"، قال: «من هؤلاء؟» قلت: "فلان وفلان حتى عددتهم"، قال: «أو سمعت ما قالوا؟»، قلت: "نعم ولذلك سرت بينك وبينهم"، قال: «فإن هؤلاء فلانا وفلانا- حتى عد أسماءهم- منافقون............
لا تخبرن أحدًا».
ثم قال الطبراني: "تسمية أصحاب العقبة" ثم روى عن علي بن عبد العزيز، حدثنا الزبير بن بكار، قال: "تسمية أصحاب العقبة" ثم سمى منهم ثلاثة عشر رجلا، فمن أراد الوقوف على أسمائهم فليراجع ذلك في مسند حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- في المعجم الكبير للطبراني.
وإذا علم ما جاء في الحديث الصحيح عن المنافقين الذين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حذيفة -رضي الله عنه- بأسمائهم أنهم كانوا اثني عشر رجلا، فليعلم أيضًا أنه لا أصل لما ذكره ابن محمود من أنهم كانوا ثلاثين، ولا رأيت أحدًا ذكر ذلك قبله.
وأما قوله: فكان الصحابة لا يصلون إلا على من صلى عليه حذيفة.
فجوابه: أن يقال: إنما ذكر هذا عن عمر -رضي الله عنه- وحده، ولم يذكر عن غيره، قال سعيد عن قتادة، ذُكِر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال: «ستة منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتا»، وذُكِر لنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا مات رجل يرى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه صلى عليه وإلا تركه، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: "أنشدك الله، أمنهم أنا؟ "، قال: "لا، والله ولا أؤمن منها أحدًا بعدك" رواه ابن جرير.
وأما قوله: ويسمونه صاحب السر المكتوم.
فجوابه: أن يقال: إنما كان يقال لحذيفة -رضي الله عنه- صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، هكذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري، عن علقمة- وهو ابن قيس النخعي- أنه جلس إلى أبي الدرداء -رضي الله عنه- فقال أبو الدرداء: "ممن أنت؟ "، قال: "من أهل الكوفة"، قال: "أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ " يعني حذيفة، قال: "قلت: بلى".
وفي جامع الترمذي عن خيثمة بن أبي سبرة أنه جلس إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- فقال: "ممن أنت؟ "، قلت: "من أهل الكوفة"، قال: "أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبغلته، وحذيفة صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.... " وذكر تمام الحديث، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وأما قول ابن محمود صاحب السر المكتوم، فما رأيت أحدًا ذكره بهذا اللفظ.
وقال ابن محمود في صفحة (16): "من ذلك تذكير الناس بأن المهدي حق، وأنه سيخرج على الناس لا محالة، وأنه يملأ الأرض عدلا، فإن هذا لا يزيد في الإيمان ولا في صالح الأعمال، ويوقع في الناس الافتتان بين مصدق ومكذب".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا شك أن المهدي حق، وأنه يخرج في آخر الزمان قطعًا، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التصديق بما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد في الإيمان وفي صالح الأعمال بلا شك، كما أن التكذيب بما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقص الإيمان، وربما أحبط الأعمال الصالحة كلها، وقد تقدم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» [رواه مسلم].
وخروج المهدي في آخر الزمان من أنباء الغيب التي أخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن لم يؤمن بذلك فهو داخل في حكم هذا الحديث الصحيح.
وتقدم أيضًا قول الإمام أحمد: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة"، وتقدم أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على الإسلام"، وتقدم أيضًا عن أبي محمد البربهاري كلام كثير في التشديد في رد الأحاديث الثابتة والطعن فيها، فليراجع ذلك في الجواب عما ذكره ابن محمود في صفحة (5).1 الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المهدي يعمل بالسنة، وأن خلقه يطابق خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا، ومن كان بهذه الصفات الحميدة، فالتذكير بخروجه وبأعماله الصالحة يوقع في الفرح والاستبشار بظهور السنة، ونشر القسط والعدل، وإزالة الجور والظلم،............................