الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظرصفحات 44-52

الوفاء بمعاني الاكتفاء" قال الشيخ أبو الحسين الآبري: "قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا".
وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعبًا لها على حسب وسعه، فلم تسلم له من علة، لكن ردوا عليه بأن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر، وللقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رسالة سماها "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"، قال فيها: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك".
انتهى، وانظره فقد ذكر أحاديثه وتكلم عليها.
وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصه: "قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى -صلى الله على نبينا وعليه-، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه".
انتهى، ومثله له في "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر"، إلا أنه عبر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة، ونصه: "قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار...... " إلى آخر ما مر عنه في الصواعق، وقال قبله بيسير ما نصه: "قال بعض الأئمة الحفاظ: إن كونه؛ أي المهدي من ذريته - صلى الله عليه وسلم - قد تواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - "، ثم قال جعفر الحسني الإدريسي: "ولولا مخافة التطويل لأوردت ههنا ما وقفت عليه من أحاديثه؛ لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟! وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه".
انتهى كلام الإدريسي.
وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "وقد كثرت الروايات بخروجه؛ يعني المهدي، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عُدَّ من معتقداتهم.... إلى أن قال: وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة،

وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعة العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة".
انتهى.
وقال السفاريني أيضًا: "قال بعض حفاظ الأمة وأعيان الأئمة: إن كون المهدي من ذريته - صلى الله عليه وسلم - مما تواتر عنه ذلك، فلا يسوغ العدول عنه ولا الالتفات إلى غيره".
انتهى.
وقال محمد البرزنجي في كتابه "الإشاعة": "أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ولد فاطمة -رضي الله عنها- بلغت حد التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها".
انتهى.
وقال الشوكاني: "الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترة".
انتهى.
وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "الأحاديث الواردة فيه -أي في المهدي- على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا، تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام، من المعاجم والمسانيد".
وقال صديق أيضًا ما ملخصه: "لا شك أن المهدي يخرج في آخر الزمان، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة خلفًا عن سلف، إلا من لا يعتد بخلافه.... إلى أن قال: لا معنى للريب في أمر الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر".
انتهى، وفيما ذكرته من أقوال أهل العلم أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي غير متواترة.
وقال ابن محمود في صفحة (4) وصفحة (5): "فإن قيل: كيف عرفتم أن هذه الأحاديث الكثيرة المسندة والمسلسلة عن عدد من الصحابة بأنها مختلقة، وهي في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، والحاكم وغيرها من الكتب.
فالجواب أن هذه الأحاديث الكثيرة التي تبلغ خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، بعضها يزعمونها صحاحًا وبعضها من الحسان وبعضها من الضعاف، وقد بلغت ألف ومائتي حديث عند الشيعة، والمهدي واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة، فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من علماء أهل السنة على ما قيل، والقوة للكاثر، على أن الكمية لا تغني

عن الكيفية شيئًا، وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون، فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح والتمحيص والجرح والتعديل، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها لأمور؛ منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعث بدين كامل وشرع شامل، مبني على جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المضار وتقليلها، ومن المعلوم أن اعتقاد المهدي والقول بصحة خروجه يترتب عليه من المضار والمفاسد الكبار، ومن إثارة الفتن وسفك دماء الأبرياء، ما يشهد بعظمته التاريخ المدروس والواقع المحسوس، من كل ما يبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإتيان به، إذ الدين كامل بدونه".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من أكبر الخطأ وأعظم الجراءة تَهجُّم ابن محمود على الأحاديث التي وردت في المهدي، ورواها الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم وغيرهم وزعمه أنها مختلقة.
والجواب عن هذه الكلمة البشعة أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، أما يكون عند الرجل ورع يحجزه عن الاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم إيراد الأحاديث الثابتة في المهدي1، وذكر أسانيدها الجيدة ليكون طالب الحق على بصيرة من ثبوتها، وليعلم كل منصف أنه لا يردها ويتهاون بها إلا من هو جاهل أو مكابر.
الوجه الثالث: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي شيء مسلسل، ومن زعم أنها مسلسلة فلا شك أنه لا يدري ما المسلسل، وقد قال البيقوني في تعريف المسلسل: مسلسل قل ما على وصف أتى... مثل أما والله أنبأني الفتى كذاك قد حدثنيه قائمًا... أو بعد أن حدثني تبسمًا وقال ابن الصلاح في كتابه "معرفة علوم الحديث": "التسلسل من نعوت الأسانيد، وهو عبارة عن تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحدًا بعد واحد على صفة أو حالة واحدة".
انتهى.
والمسلسلات كثيرة ومن أشهرها المسلسل بالأولية؛ وهو أن يقول كل راو حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، ومن المسلسلات أيضًا مسلسل الحنابلة؛

وهو أن يقول كل راو حدثني فلان الحنبلي حتى ينتهي إلى الإمام أحمد، إلى غير ذلك من المسلسلات المعروفة عند المحدثين.
وأما قوله: عن أهل السنة أنهم يزعمون أن بعض أحاديث المهدي صحاح، وبعضها من الحسان، وبعضها من الضعاف.
فجوابه: أن يقال: إن قول أهل السنة في هذا هو الحق، وما خالفه فهو باطل وضلال.
وأما قوله: وقد بلغت ألف ومائتي حديث عند الشيعة.
فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله: "بلغت ألف" حيث رفع المفعول به، وصوابه "بلغت ألفا".
وأما قوله: والمهدي واحد وليس باثنين.
فجوابه: أن يقال: أما صفة المهدية فليست خاصة برجل واحد؛ لأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا -رضي الله عنهم- كانوا أئمة راشدين مهديين بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- كان إمامًا راشدًا مهديًا بإجماع أهل العلم، وكل إمام أظهر القسط والعدل وعمل بالكتاب والسنة فهو من الراشدين المهديين.
وأما المهدي الذي جاءت بذكره الأحاديث الكثيرة، وأنه يخرج في آخر الزمان، فهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين، وهو من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذرية الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، كما جاء ذلك في بعض الأحاديث، وإنما وصف بالمهدي في بعض الأحاديث لأنه يعمل بالسنة ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا.
وأما قوله: تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة.
فجوابه: أن يقال: إن الأمور الغيبية لا دخل للأفكار فيها، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وإنما تعلم الأمور الغيبية بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - بخروج المهدي في آخر الزمان في عدة أحاديث، بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، فصدقه أهل الإيمان وأبي ذلك أهل الريب والخذلان.
وأهل السنة لم يعتمدوا في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان على أفكارهم كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما اعتمدوا على الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.

وأما الذين ادعوا لأنفسهم المهدية كذبًا وزورًا، مثل ابن التومرت ومهدي القرامطة وأضرابهم من الكذابين، أو ادعاها فيهم غيرهم، مثل دعوى الرافضة في محمد بن الحسن العسكري، ودعوى الفئة الباغية التي ألحدت في المسجد الحرام في أول سنة 1400 من الهجرة أن واحدًا منهم هو المهدي، فكل هؤلاء لم يدعوا المهدية اعتمادًا علي مجرد الأفكار وإنما تعلقوا بالأحاديث التي جاءت في ذكر المهدي، فأخطئوا في تطبيقها على من ليس لها بأهل وضلوا وأضلوا، وتعلق هؤلاء وأضرابهم بالأحاديث الواردة في المهدي لا يؤثر في ثبوت الأحاديث الواردة فيه، ولا يكون طعنًا فيها كما قد يتوهمه بعض الجهال، الذين قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون الطعن في الذين يدعون ما ليس لهم بحق، ويتعلقون بالأحاديث التي لم ترد فيهم، أو يدعون ذلك فيمن افتتنوا به، ويتعلقون بالأحاديث التي لم ترد فيه.
وأما قوله: فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من أهل السنة.
فجوابه: أن يقال: إن أهل السنة لا يلحقهم لوم إذا آمنوا بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن المهدي المنتظر، واعتقدوا أن ذلك حق وقابلوه بالقبول والتسليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، وإنما يكون اللوم كل اللوم لمن خالف الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبال بردها وإطراحها، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في قول الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ "، وقد تقدم قوله: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة"، وقوله أيضًا: "كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى- ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فدلت الآية الكريمة على أنه لا بد من أحد أمرين لا ثالث لهما؛ إما الاستجابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره،

وإما اتِّباع الهوى، ومن رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ممن اتبع هواه بغير هدي من الله.
وأما قوله: على حد ما قيل والقوة للكاثر.
فجوابه: أن يقال: أما أهل السنة فإنهم لم يغتروا بكثرة الأحاديث الواردة في المهدي وإنما اعتمدوا على الصحاح والحسان منها، وما سوى ذلك مما تكلم العلماء في إسناده فإنما يذكرونه للاستشهاد لا للاعتماد، وأما الذين حادوا عن طريق أهل السنة واستحسنوا أفكار الغربيين وأذناب الغربيين ومن يتشبه بهم ويحذو حذوهم من متشدقة العصريين، فهؤلاء هم الذين انجرفوا مع تيار الآراء والأفكار العصرية، واغتروا بالكثرة الكاثرة من أقوال من هبَّ ودبَّ، وبعد فإن القوة لله ولمن كان الله معه، والقوة في الأقوال لكلمة الحق ولو قل ناصروها، قال الله -تعالى-: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وأما قوله: على أن الكمية لا تغني عن الكيفية شيئًا.
فجوابه: أن يقال قد اجتمع في أحاديث المهدي كثرة الكمية وقوة الكيفية في بعضها، فأما كثرة الكمية فقد ذكر الشوكاني أن الذي أمكن الوقوف عليه منها خمسون حديثًا وثمانية وعشرون أثرًا، قال: "وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع".
انتهى منقولا من "تحفة الأحوذي"، وذكر غير واحد من العلماء أن أحاديث المهدي متواترة وقد تقدم ذكر ذلك قريبًا1، وأما قوة الكيفية فقد تقدم في أول هذا الكتاب إيراد روايات كثيرة من الصحاح والحسان التي وردت في المهدي2، وتقدم قريبا3ذكر العلماء الذين صححوا كثيرًا من أحاديث المهدي، فليراجع جميع ما تقدم، ففيه أبلغ رد على مزاعم ابن محمود.
وأما قوله: وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون.
فجوابه: أن يقال: إن قول ابن محمود هذا يعود عليه، فإنه قد قلَّد ابن خلدون في أوهامه التي قالها في أحاديث المهدي، وقلد الذين قلدوا ابن خلدون من المتأخرين؛ مثل رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، والمودودي وغيرهم من العصريين،

الذين تكلموا في أحاديث المهدي بغير علم، وزعموا أنها كلمة ضعيفة، بل إنه قد قلد بعض المستشرقين كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-، وقد زاد عليهم ابن محمود فزعم أنها كلمة مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة ونظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، هكذا جازف في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾.
وأما قوله: فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح والتمحيص والجرح والتعديل، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها، لأمور....... إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره.
فجوابه: أن يقال: أما المحدثون الذين هم علماء هذا الشأن والعارفون بصحيح الأخبار وضعيفها وعللها؛ كالإمام أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، فإنهم قد خرَّجوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وصحح الترمذي وابن حبان والحاكم والذهبي وابن القيم والهيثمي عدة طرق منها، وحسن الترمذي طرقًا أخرى منها، وحكم بصحة بعضها غير واحد من أكابر العلماء المحققين؛ ومنهم العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والذهبي، وكذلك الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، فإنهما قد حررا "مجمع الزوائد" للهيثمي وأقراه على تصحيح ما صحح من الأحاديث، وتحسين ما حسن منها، ومن المتأخرين ابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن حسن وغيرهم، ولا أعلم عن أحد من العلماء المتقدمين أنه رد جميع أحاديث المهدي ولم يقبلها، وما نسبه ابن محمود إليهم فهو من مجازفاته وتقوُّله عليهم.
وأما الفريق الآخر، وهم الذين تكلموا في أحاديث المهدي وحكموا بضعفها من غير استثناء شيء منها، فغالبهم من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من فلاسفة الغربيين وتلاميذهم، فهؤلاء هم الذين تهجموا على أحاديث المهدي وأخضعوها للرد والإطراح، ولم يفرقوا بين الصحيح منها والضعيف، وليسوا أهل تحقيق في الحديث

كما زعم ذلك ابن محمود، بل إنهم بعيدون كل البعد عن التحقيق، وكلهم عالة على ابن خلدون، فإنه أول من تكلم في أحاديث المهدي وتوسع في ذلك، ولم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل، وقد رد العلماء على ابن خلدون وخطئوه كما سيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى-.
وهل يظن ابن محمود أنه ومتبوعيه كابن خلدون ورشيد رضا وأضرابه من العصريين، أعلم من الإمام أحمد بالحديث وعلله، وأعلم من أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، ونور الدين الهيثمي.
كلا لا يستوي هؤلاء وأولئك، ولا شك أن البون بين الفريقين أبعد مما بين المشرق والمغرب.
وأما قوله: لأمور منها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بدين كامل وشرع شامل، مبني على جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المضار وتقليلها، ومن المعلوم أن اعتقاد المهدي والقول بصحة خروجه يترتب عليه من المضار والمفاسد الكبار، ومن إثارة الفتن وسفك دماء الأبرياء ما يشهد بعظمته التاريخ المدروس والواقع المحسوس، من كل ما يبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإتيان به، إذ الدين كامل بدونه.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: يظهر من كلام ابن محمود وملاحظاته التي أدركها في الأحاديث الواردة في خروج المهدي، أنه يرى أنه يترتب على إثباتها القول بنقصان الدين، وأن إكماله يكون على يد المهدي، وهذه الملاحظة لا يقولها من له أدنى عقل وعلم، وليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى هذه الملاحظة البتة.
الوجه الثاني: أن يقال: الذي يعتقده المسلمون في المهدي أنه يقيم القسط والعدل، ويزيل الجور والظلم، كما ثبت ذلك في عدة روايات، عن ابن مسعود وأبي سعيد وعلي -رضي الله عنهم- وتقدم ذكرها1، ولا يلزم على هذا الاعتقاد شيء من الملاحظات التي أدركها ابن محمود.
الوجه الثالث: أنه لم يؤثر عن أحد من المسلمين أنه قال إن دين الإسلام ناقص وإن المهدي يأتي ليكمله، والذي يعتقده المسلمون أن الله -تعالى- قد أكمل الدين لهذه الأمة كما قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ومن زعم أن الدين ناقص وأن المهدي يأتي ليكمله فليس بمسلم.
الوجه الرابع: أن يقال: إن اعتقاد خروج المهدي في آخر الزمان، والقول بصحة بعض الأحاديث الواردة فيه، لا يترتب عليه شيء من المضار والمفاسد البتة، وإنما تترتب المضار والمفاسد على إنكار خروجه وتكذيب الأحاديث الثابتة فيه؛ لأن تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينافي الإيمان، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. وقد تقدم في أول الكتاب قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر يخالفه".
وتقدم أيضًا قول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وتقدم أيضًا قوله: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة"، وتقدم أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل، موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام، لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت".
وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" في ترجمة الحسن بن علي بن خلف أبي محمد البربهاري؛ وهو من أعيان العلماء في آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع من الهجرة - أنه قال في كتابه "شرح السنة": "إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئًا من أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء المذهب والقول، وإنما يطعن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه؛ لأنا إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار".
وقال أيضًا: "ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله -عز وجل- أو يرد شيئًا من آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، فقد وجب عليه أن تخرجه من الإسلام".

وقال أيضا: "من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم".
وقال أيضا: "واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون كافرًا، إلا أن يجحد شيئًا مما أنزل الله، أو يزيد في كلام الله أو ينقص، أو ينكر شيئًا مما قال الله -عز وجل-، أو شيئًا مما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وقال أيضًا: "وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا شك أنه صاحب هوى مبتدع".
وقال أيضًا: "ومن جحد أو شك في حرف من القرآن، أو في شيء جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقي الله مكذبًا".
انتهى ملخصًا مما ذكره "صاحب طبقات الحنابلة".
الوجه الخامس: أن يقال: إن إثارة الفتن وسفك الدماء من بعض الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، لا يقدح في صحة الأحاديث الواردة في المهدي ولا يؤثر فيها، ونظير ذلك دعوى النبوة ممن ادعاها كذبًا وزورًا، وقاتل الناس على ذلك وأراق دماء المسلمين؛ مثل مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وسجاح، والمختار بن أبي عبيد، وغيرهم من الكذابين الدجالين، الذين كانت لهم شوكة واتباع، فكما لا يقول مسلم إن دعوى هؤلاء الدجالين للنبوة وما حصل منهم من المضار والمفاسد الكبار وسفك الدماء مما يشهد به التاريخ، لا تقدح في صحة الأدلة على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه خاتم الأنبياء، ولا تؤثر فيها، فكذلك لا يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة أن دعوة المدعين للمهدية كذبًا وزورًا، تقدح في صحة الأحاديث الواردة في المهدي وتؤثر فيها.
الوجه السادس: أن يقال

جارٍ التحميل